قال المؤيَّد في "تاريخه": في سنة ثمان وستين جهَّز منكوتمر بن طغان - يعني الذي تسلطن على التتار بعد بركة - جيشًا، فأغاروا على قسطنطينية وعاثُوا، ومرُّوا بقلعة فيها الملك عز الدين كيكاوس ابن السلطان كيخسرو محبوسًا، فحملته التترُ بأهله إلى القان منكوتمر، فأحسن إليه وزوَّجه، وأقام معه إلى أن مات عز الدين سنة سبع وسبعين وست مئة، فسار ابنه مسعود هاربًا، وقدم إلى بلاد الروم وسلطنوه، لأنه حُمِل إلى أبغا فرَقَّ عليه، وأعطاه سيواس وأرزن الروم وأرزَنكان، ثم بعد ذلك انكَسَف، فسبحان من لا يزول ملكُه.
٨٥ - ابن قُدَامة *
الشيخ الإمام المفتي القُدْوة العابد الزاهد، خطيب الصَّالحية، عزُّ الدِّين أبو إسحاق إبراهيم ابن الخطيب الإمام شرف الدين أبي محمد عبد الله ابن الشيخ الرَّبّاني شيخ الإسلام أبي عمر محمد ابن الزاهد القدوة الشيخ أحمد بن محمد بن قُدَامة، المَقْدسى الجَمّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.
ولد سنة ست وست مئة.
وسمع من: أبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وأبي عبد الله بن البَنّا، وابن مُلاعِب، وابن أبي لُقْمة، والشيخ الموفَّق، وابن البُنّ، والشمس العطَّار، وموسى بن عبد القادر، وعدّة، وسماعه من الكندي حضورٌ.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والقاضي تقي الدين سليمان، وابن الخبَّاز،
стр. 107
وأبو عبد الله بن الزَّرّاد، وجماعة من الأخيار، وأجاز له أبو حفص بن طَبَرزَد، وطائفة، وكان عالمًا بمذهبه يعمل به، متقيًا لربه، صاحب تعبُّد وأوراد وتهجُّد ومراقبة، يُؤثَر عنه كرامات وإجابة دعوات.
قال النَّجْم بن الخبَّاز في ترجمته التي هي مجلَّدة: كان إذا دعا كان الطلب، يُشهَد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه وتذلُّله وانكساره، وله أدعية تُؤثَر عنه، وكان أمّارًا بالمعروف، نهّاءً عن المنكر، يروح إلى الأماكن البعيدة بجماعتة فيُنكر ويبدِّد الخمر، رأيت ذلك منه غير مرة، قال: وكان ليس بالأبيض ولا الآدَم، معتدلَ القامة، واسع الجبين، أشقر اللحية، أشهل، مقرون، الحاجبين، أقنى الأنف.
قال الشَّرَف أحمد بن أحمد الفرضي: من عُمري أعرف الشيخَ العزَّ ما له صَبْوة.
وقال آخر: كان الشيخ العزّ إذا رأى أقلَّ الخلق ضحك في وجهه، وبَشَّ به، وتلطَّف به.
قال ابن الخبَّاز: كان يتألَّف الناس ويلطف بالغرباء والمساكين، ويواسيهم في بَليّتهم ويأخذهم إلى منزله، وكان يذمُّ نفسه كثيرًا ويحقرها ويقول: أيش أكون أنا؟ ويقول: يا ويلي من الله.
وقال البدر عليُّ بن أحمد: كان الشيخ العزُّ كثيرَ المعروف، لم يكن في جماعتنا أكثر صدقةً منه، وكان مجتهدًا في طلب العلم، حجَّ مرتين، وزار القدس مرات، وكان يسلِّم على الصغير والكبير، وقد أثنى عليه عدد من العلماء، وكان جوادًا سخيًّا بما يمكنه، ﵀.
عاش ستين سنة، وفي ذرّيته علماء ومشايخ، مات في تاسع عشر ربيع
стр. 108
الأول سنة ست وستين وست مئة.
وفيها توفي المحدِّث مجد الدين أحمد بن عبد الله بن الحُلوانيَّة، وأبو بكر نور الدين أحمد بن عبد المحسن الحُسيني والد الغَرّافي، وأيوب بن عمر الفقّاعيّ، والعزّ حسن بن الحسين بن المُهَيْر البغدادي، وأبو بكر عبد الله بن أحمد بن طعّان النَّحّاس، والنِّظام عثمان بن عبد الرحمن بن عَتيق، وعفيف الدين علي بن عبدْلان المترجم المَوصِلي، وصاحب الروم ركن الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو، والشريف النسيب محمد بن عبد الرحمن بن علي الحسيني بمصر عن نيِّف وتسعين سنة.
٨٦ - الحَوْراني الزاهد *
الإمام القُدْوة العابد، تقي الدين أحمد بن عبد الواحد بن مرّي، المَقْدسي، عُرف بالحَوراني الزاهد، نزيل مكة.
سمع من: الافتخار الهاشمي.
روى عنه: الدِّمْياطي، والرضيّ الطَّبَري، وأحمد بن محمد بن عمر الحلبي، وآخرون.
قال شيخنا شرف الدين حسن بن علي اللَّخْمي: صحبته ليلًا ونهارًا بمكة، وكان خطيبًا عالمًا عاملًا، دائم الفكر، له كَشْف، ما يخطر لي خاطر إلّا كاشفني، وقال لي: كنت مُعِيدًا بالمستنصرية، وكنت أصوم وأفطر على ما يُرمَى، أغسله وأتناوله، واجتمعت ببغداد برجل مولَّه انتفعت به.
ولد التقيُّ في سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وتوفي بطَيْبة في رجب
стр. 109
سنة سبع وستين.
٨٧ - البَندَنِيجي *
العلّامة قاضي العراق، نِظام الدين عبد المنعم بن كامل البَندَنيجيّ الشافعي، قاضي الجانب الشرقي.
من كبار الأئمة، ولي القضاءَ بعد البادَرائي، فلما أُخِذَت بغداد أُقِرَّ على القضاء، وقد أعاد أولًا بالمستنصرية، ولما حضره الموتُ قيل له: من تَرى للحكم؟ قال: تقلَّدتُ حيًا، فلا أتقلَّد ميتًا. وكان صاحب ورع وفضل.
مات سنة سبع وستين وست مئة، ودُفن بقرب الجُنَيد.
٨٨ - ابن دَقيق العيد **
الشيخ الإمام شيخ المالكية، مجد الدين أبو الحسن، علي بن وهب بن مُطيع، القُشَيري البَهْزي بهزُ بن حَكيم، المِصري المَنفَلوطي، المالكي. مفتي قُوص ومدرِّسُها.
وُلد سنة إحدى وثمانين وخمس مئة.
وتفقَّه بالحافظ عليّ بن المُفضَّل، وسمع منه ومن غيره، وتفقَّه به ولدُه شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح.
قال الشريف عز الدين (١): كان جامعًا لفنون من العلم، معروفًا بالصَّلاح والدين، معظمًا، ساعيًا في قضاء حوائج الناس، مطَّرِحًا للتكلُّف على سَمْت
стр. 110
السلف، ﵀.
تُوفِّي بقُوص في المحرَّم سنة سبع وستين وست مئة.
٨٩ - الأَبِيوَرْدي *
الإمام المحدِّث مُفيد الجماعة، زَيْن الدين، أبو الفتح محمد بن محمد بن أبي بكر، الأبِيوَرْدي الصُّوفي الشافعي، نَزَل مصر.
ولد في حدود إحدى وست مئة.
وطلب الحديث، وقد أكثر عن كَريمة والسَّخَاوي والضِّياء المَقْدسي، وطبقتهم بدمشق، وسمع ابنَ قُميرة، وأصحابَ السِّلَفي وابنِ عساكر، وربما نزل إلى أصحاب ابن الزَّبيدي وابن باقَا، وكتب الكثير وتعب، وعمل وسوَّد "المعجم"، وقلَّما رَوَى، عوَّضه الله بالمغفرة.
قال الشريف في "الوفيات" (١): كان حريصًا على التحصيل، صابرًا على كُلَف الاستفادة، سمعتُ منه، وكان من أهل الدين والصلاح والعفاف، وله فَهْم، وفيه تيقُّظ، وقف كتبَه وأجزاءَه.
توفي في جمادي الأولى سنة سبع وستين وست مئة.
قلت: روى عنه الدِّمْياطي بيتين من نَظْمه، وتُوفِّي بخانقاه سعيد السعداء.
٩٠ - ابن الإبَرِي **
مدرِّس المُستنصريّة العلّامة كمال الدين، محمد بن أبي الفضل بن
стр. 111
عبد الخالق، البغدادي الحنفي، ابن الإبَرِي.
سمع من: عبد الرحمن بن محمد بن علي بن يَعِيش.
وحَمَلَ عنه عليُّ بن عبد العزيز الإربِلِي وغيره.
وعاش ثلاثًا وثمانين سنة، توفي سنة سبع وستين ببغداد.
٩١ - ابن سَكْران *
شيخ العراق أبو الفقراء، الشيخ محمد بن سَكْران بن أبي السعادات بن معمَّر العراقي.
له رِباط بناحية قرية الخالِص، كان زاهدًا عابدًا، قانعًا بكِسرة، ممدود السَّمَاط للواردين، رفيع المَحَلّ، كثير التواضع والاستكانة، فارغًا عن نفسه، منوَّر القلب، وله أتباع كثيرون.
قيل: كان يجوع ولا يطلب من الفقراء قُوتًا ويَنسَونه، ولامَهم مرةً، فقالوا: نشتغل بكثرة الواردين.
قيل: زاره النَّصير الطُّوسي، فقال: يا سيدي، ما حَدُّ الفقر؟ فقال: الذي أعرف أنَّ زيق الفقر ضيِّق ما يدخله رأسٌ كبير.
توفي في شعبان سنة سبع وستين وست مئة، وبَنَوا عليه قُبَّة عالية.
٩٢ - المدرِّس **
الإمام تاج الدين، أبو منصور مظفَّر بن عبد الكريم بن نجم الدين ابن شيخ الحنابلة شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج، الحنبلي
стр. 112
الأنصاري السَّعْدي سعدُ بن عُبادة، الشِّيرازي الأصل ثم الدمشقي.
ولد سنة تسع وثمانين.
وسمع من: الخُشُوعي، وحَنْبل، وطائفة.
وكان متيقظًا في المَذْهب، درَّس بمدرسة جدِّه (١).
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز وصالح بن عربشاه، والتاج صالح، وأبو العباس بن فَرْح.
توفي فجأةً بدمشق في صفر سنة سبع وستين.
٩٣ - المُرَادي *
الإمام المحدِّث المتقن الصالح الخيِّر، ضياء الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن عيسى بن يوسف بن أبي بكر، المراديُّ الأندلسي الشافعي.
إمام المدرسة البادَرائيَّة، وصاحب الخط المنسوب بالمغرب، كان من العلماء الأخيار.
سمع بمصر من ابن الجُمَّيزي وطبقته، ومن بقايا أصحاب السِّلَفي، وتخرَّج بالحافظ المنذري، ونسخ بعض الصِّحاح وغير ذلك، ووقف كتبه المُتقَنة، وجعل نَظَرَها إلى الشيخ علاء الدين بن الصَّائغ. وروي سنة ستين "الوقاية" قبل محلِّ الرواية.
توفي في رابع ذي الحِجّة بالقاهرة من سنة سبع وستين وست مئة.
ذكره الشيخ محيي الدين النووي، فأطنَبَ في ذِكْره، وقال: كان بارعًا
стр. 113
في معرفة الحديث وعلومه، وتحقيق ألفاظه، لا سيَّما "الصحيحين"، لم تَرَ عيني في وقته مثلَه، وكان ذا عناية باللغة والعربية، والفقه، ومعارف الصّوفية، من كبار المسلِّكين، صحبتُه نحوًا من عشر سنين، لم أرَ منه ما يُكرَه، وكان من السَّماحة بمحلٍّ عالٍ، على قَدْر وُجْده، وأما الشفقة على المسلمين ونصيحته فقلَّ نظيرُه، تُوفِّي بمصر في أوائل سنة ثمان.
قلت: بل الصحيح ما تقدم من سنة سبع، والله أعلم.
وبها مات القدوة المفتي أحمد بن عبد الواحد الخُوَارِزمي المجاور بالمدينة، وابن عَزُّون بمصر، والعلّامة المَجْد عبد المجيد بن أبي الفَرَج الرُّوذُراوَري اللغوي الدمشقي، وعلي بن عبد الواحد الأنصاري الدمشقي البزّاز، والإمام مَجْد الدين علي بن وهب بن مطيع القُشَيري والد الإمام تقي الدين بن دَقيق العيد، والمحدِّث زين الدين أبو الفتح محمد بن محمد الأبِيوَردي الصوفي، وشيخ الشافعية أبو البركات المبارك بن يحيى بن الطبّاخ نصير الدين بمصر، وتاج الدين مظفَّر بن عبد الكريم بن الحنبلي المدرِّس.
٩٤ - ابن عبد الدائم *
الشيخ الإمام الفاضل المحدِّث الفقيه، مُسنِد العصر، زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بُكَير، المقدسي الفُندُقي ثم الصالحي الحنبلي، الناسخ.
مولده بفندق الشيوخ من جبل نابلس في سنة خمس وسبعين وخمس مئة.
وروي عن: أبي طاهر السِّلَفي بالإجازة العامَّة، وعن خطيب الموصل أبي الفضل وأبي الفتح ابن شاتيل وأبي السعادات القزّاز وجماعة بالإجازة
стр. 114
الخاصَّة، وسمع الكِنْدي والكثير من يحيى الثَّقَفي، وأحمد بن محمد بن المَوَازيني، وابن صَدَقة الحرَّاني، وإسماعيل الجَنْزَوِيّ، وعبد الرحمن بن علي الخِرَقي، ويوسف بن مَعَالى، ومُكرَّم بن هِبة الله، وانفرد بالرواية عن هؤلاء وغيرهم، وارتَحَلَ فلَحِقَ عبدَ المنعم بن كُلَيب وقرأ عليه بنفسه.
وسمع من: عبد الله بن أبي المَجْد، وعلي بن محمد بن يعيش، والمبارك بن المعطوش، وأبي الفرج بن الجَوْزي، وعبد الخالق بن البُندار، وأبي أحمد بن سُكَيْنة، وعبد الله ابن الطَّويلة، ومحمد بن أبي محمد بن المقرون، وعمر بن علي الواعظ، وأبي الفتح المَنْدائي، وأسماء بنت الرَّان، وأبي طاهر الخُشُوعي، وخلق سواهم.
وله "مشيخة" بتخريجه في جزء، وأخرى بتخريج ابن الظَّاهري في خمسة أجزاء، وأخرى في بضعة عشر جزءًا بتخريج ابن الخبَّاز.
حدَّث عنه: الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والشيخ محيي الدين النَّووي، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والشيخ تاج الدين الفَزَاري وأخوه، وابنه الشيخ برهان الدين، والدِّمْياطي، وابن الظاهري، وابن جَعْوان، وأبو الحسين اليُونِيني، وأبو العباس بن فَرْح، والقاضي الحنبلي، والقاضي شرف الدين ابن الحافظ، والقاضي صدر الدين علي البُصرَوي، والقاضي شمس الدين بن مسلَّم، والقاضي نجم الدين بن صَصْرَى، والشيخ تقي الدين بن تيميَّة، والشيخ شمس الدين بن أبي الفتح، والخطيب شمس الدين الخِلَاطي، والقاضي مُنِيف الشافعي، والقاضي نَجْم الدين أحمد الدمشقي، والقاضي شهاب الدين بن حامد، ونور الدين بن بُحتُر، والشيخ محمد بن تمَّام، وعز الدين عبد الرحمن، وابن العز،
стр. 115
والعِماد إبراهيم بن الطَّبّال، وعلاء الدين بن العطَّار، وعدد كبير من الأموات والأحياء.
وكان قد قرأ الختمةَ على الشيخ العماد، وتفقَّه بالشيخ الموفَّق، وكتب الخطَّ المليح، ونسخ للناس ما لا يدخل تحت حَصْر، وكان من أسرع الناس كتابةً، اشتَهَر عنه أنَّه نسخ كتاب "الخِرَقي" في ليلة وبعض يوم، وكان غالب وقته يكتب ثلاثة كراريس في يوم، ولعله كتب أزيدَ من ألف مجلَّد، فإنه بقيَ يكتب نحوًا من خمسين سنة.
وكان تامَّ القامة، مليح الهيئة، حسن الأخلاق، ساكنًا، عاقلًا، لطيفًا، متواضعًا، يَقِظًا، له مشاركة في العلم، وينظم الشِّعر، ويعرف من مروياته، وقيل: إنه قال: كتبت ألف جزء، وقد نسخ "تاريخ دمشق" مرتين.
وولي خطابة كَفْر بَطْنا بضع عشرة سنة، ثم تحوَّل منها سنةَ الخُوَارزمية، روى الكثيرَ، وكان حسن المذاكَرة، عمل خطبًا حسنة خطب بها، وطال عمرُه، وعلا سندُه ورُحِل إليه، وتفرَّد بأشياء، وضَعُفَ بصرُه في أواخر عمرُه، ثم انكفَّ جُمْلةً.
قال النَّجْم بن الخبَّاز: حدَّثني يوم موته الشيخُ ابن أبي عبد الله الصِّقِلي: أنَّ الشيخ محمد بن عبد الله المغربي قال: رأيت البارحةَ كأن الناس في الجامع وإذا ضجَّة، فسألت عنها، فقيل لي: مات الليلةَ مالكُ بن أنس ﵀، فلما أصبحتُ جئت إلى الجامع وأنا مفكِّر، فإذا مُنادٍ ينادي: رحم الله من شهد جنازةَ ابن عبد الدائم. قلت: المعروف بالمنام خطيبُ جامع جرّاح محمد بن صالح الهَسكُوري.
وحدَّثني شيخنا أبو بكر بن أحمد في سنة ثلاثين وسبع مئة قال: رأيت
стр. 116
أبي في الليلة التي تُوفِّي فيها، فأقسمتُ عليه بالله: أخبِرني ما فعل الله بك؟ فقال: غَفَر لي وأدخلني الجنَّة.
تُوفِّي الشيخ زين الدين في سابع رجب سنة ثمان وستين وست مئة، وخلَّف عبدَ الدائم وعليًّا وعمر وأبا بكر وآسية وخديجة، وكلهم رووا الحديث، وآخرهم موتًا أبو بكر، عاش مثلَ أبيه ثلاثًا وتسعين سنة.
٩٥ - ابن الزَّكيّ *
قاضي القضاة العلّامة، محيي الدين أبو المفضَّل يحيى ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد ابن قاضي القضاة رُكْن الدين علي ابن قاضي القضاة منتجب الدين أبي المَعالي محمد ابن القاضي الزَّكِيّ أبي المفضَّل يحيى بن علي بن عبد العزيز، القُرشي الدمشقي الشافعي.
مولده في سنة ست وتسعين وخمس مئة.
وسمع من: حَنبَل، وابن طَبَرزَد، وعدَّة، وتفقه على تقي الدين بن عساكر.
وولي قضاءَ دمشق غير مرة نيابةً واستقلالًا، وكان مكرَّمًا معظَّمًا، وافر الجلالة.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن أبي الفتح، وابن الزَّرَّاد، وآخرون، وقد صحب ابنَ العربي.
قال قطب الدين موسى (١): وله في ابن العربي عقيدة تتجاوز الوصف.
стр. 117
ولمّا تسلطن هولاكو، سار إليه وابن سَنِيّ الدولة فولّاه هولاكو قضاء الشام والجزيرة، وبالغ في إكرامه، وخلع عليه خلعة سوداء مذهَّبة فَرجِيّة (١)، وقرئ منشرُه تحت النَّسر (٢)، وكان لَهِجًا بالنجوم، وبدت منه أمور، والله يغفر له، ودخل بعروسٍ وقتَ الظُّهْر لأجل الطالع، وماتت بعد أيام، سُقيَت مرقِّدًا ليفتضَّها، فهلكت من يومها.
تُوفِّي بمصر في رجب سنة ثمان وستين وست مئة، وخلَّف أحد عشر ولدًا علماء وكبراء، منهم قاضي القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكي، ﵀.
٩٦ - أبو دَبُّوس *
السلطان الواثق بالله أبو دبُّوس إدريس بن أبي عبد الله، القَيسي المُؤمِني.
خاتمة مُلك بني عبد المؤمن.
كان بطلًا شهمًا، شجاعًا، جريئًا، يُؤثِر على الأمراء قبل الرعيّة، فكانت دولته ثلاث سنين، ثم خرج يعقوب بن عبد الحق زعيم بني مَرِين فالتقوا بظاهر مرّاكش، فقُتل في المعركة أبو دبُّوس في المحرَّم سنة ثمان وستين وست مئة، وتملَّك المَرِينيُّ.
٩٧ - ابن الدَّاعي **
الشريف المعمَّر، شيخ القرَّاء، أبو البَدْر محمد بن عمر بن أبي القاسم
стр. 118
أحمد بن محمد بن علي بن عبد الواحد، الهاشمي العباسي الرَّشيدي الواسطي، ويُعرَف بابن الدَّاعي.
وُلد في أول سنة سبع وسبعين، وتلا بالعَشْر على ابن الباقِلَّاني، فكان خاتمةَ أصحابه، وعلى المبارك بن زُرَيق الحدَّاد ومحمد بن محمد بن الكال.
وسمع فيما بلغنا "جزءَ ابن عَرَفَة" من ابن كُلَيب، وحدَّث عن ابن الجَوْزي بكتاب "جامع المسانيد"، وسمع "الغَيْلانيّات" من أبي الفتح المَنْدائي، وله إجازة من ذاكر بن كامل وابن بَوْش وابن كُلَيب، وعدّة.
تصدَّر للإقراء مدةً، وأخذ عنه جماعة منهم ابن غَزَال وابن المحروق، وروي عنه بالإجازة برهان الدين الجَعْبَري، وانقطع بواسط، وطال عمره، وتُوفي في ثامن عشر جمادي الآخرة سنة ثمان وستين وست مئة، وقرأ عليه ابن الكَسَّار "مسلسلات ابن الجوزي" بسماعه منه.
٩٨ - ابن عَساكر *
الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الحسن ابن الحافظ الكبير ثقة الدين أبي القاسم بن عساكر، الدمشقي.
حدّث عن: حَنبَل، وستِّ الكَتَبة، ومحمد بن الزَّنْف، وجماعة.
روى عنه: عز الدين الحُسيني، والدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وآخرون بدمشق وبمصر.
توفي في سابع صفر سنة ثمان وستين عن خمس وسبعين سنة.
стр. 119
٩٩ - الكِرْماني *
الشيخ العالم الواعظ المعمَّر، بدر الدين أبو حفص، عمر بن محمد بن أبي سعد بن أحمد، الكرماني ثم النيسابوري، التاجر.
ولد بشاذياخ مَحَلّة بنَيسابور، في المحرَّم سنة سبعين وخمس مئة.
وما فاز بالسماع من عبد المنعم بن الفُرَاوي والكِندي، وإنما سمع وهو كهلٌ الشطرَ الأخير من "المسند" و "ثلاث مجالس" المَخلَدي و "الأربعين" لعبد الخالق بن زاهر من القاسم بن عبد الله الصَّفّار، وعُمِّر دهرًا طويلًا، وتفرَّد بما سمع.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن فَرْح، وإمام الحنابلة، وابن الخبَّاز، وابن الزَّرَّاد، ونبيه الحلبي، والعزّ محمد بن العِزّ، وعلي بن المِهتار، وابن أبي العلاء الوَتَّار، وخلق.
وروي عنه من القدماء: الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والنَّووي، وجماعة.
قرأت بخط العلاء الكِنْدي قال: حدَّثني الواعظ علاء الدين الكرماني قال: حفظتُ "مقامات الحَريري"، كان أبي يُغلِق عليَّ باب غرفة كل ليلة حتى أكرِّر على كل الكتاب.
قلت: سماعه كان مع الشيخ الضياء، توفي بدمشق في ليلة الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وستين وست مئة.
وفيها وفاةُ ابن عبد الدائم، والواثق بالله أبو دبُّوس إدريس المُؤمِني
стр. 120
صاحب المغرب، والشمس محمد بن أبي الفتح الحسن ابن الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وقاضي القضاة محيي الدين يحيى ابن القاضي محيي الدين محمد بن الزَّكي، والوزير زين الدين يعقوب بن عبد الله الزبيري المصري، وسعد الله بن أبي الفضل التَّنُوخي البزّاز.
١٠٠ - ابن البارِزِي *
قاضي حَمَاة ومُفتيها، شمس الدين إبراهيم بن المسلَّم بن عبد الله بن البارِزِي، الجُهَني الحَمَوي الشافعي.
إمام ورع، عابد متهجِّد، صاحب فنون.
قرأ على التاج الكِنْدي، وتفقَّه بالفخر ابن عساكر، وحدَّث عن إبراهيم بن الزَّين الواعظ. وبَرَع في المذهب، ودرَّس بالرَّوَاحيَّة بدمشق ثم بحماة، وولي قضاءَها بضع عشرة سنة، فحُمِد، وله نظم وفضائل.
روى عنه: حفيده قاضي القضاة شرف الدين، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، وقرأ عليه "التنبيه" دروسًا، وبالغَ في تعظيمه.
مات في شعبان سنة تسع وستين وست مئة.
١٠١ - ابن عَساكر **
الشيخ الجليل، مجد الدين، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن عثمان بن مُظفَّر بن هِبَة الله بن عبد الله بن الحُسين، الدمشقي.
ومُظفَّر هو عمُّ الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر.
стр. 121
مولده سنة بضع وثمانين.
وسمع من: القاسم بن عساكر، وأبي طاهر الخُشُوعي، وحَنبَل، وعبد اللطيف بن أبي سَعْد، وعدّة. وحدَّث بدمشق وبمصر.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وبرهان الدين الإسكَندَراني، والشيخ عبد الرحمن القرامزي، وأبو الحسن بن العطّار، والزَّين أبو بكر المِزِّي، وآخرون.
تفرَّد برواية "التجريد" لابن الفحَّام عاليًا.
توفي بدمشق في ذي القَعْدة سنة تسع وستين.
١٠٢ - ابن بَلْكويه *
الصوفي الجليل العالم، شمس الدين إسحاق بن محمود بن بَلْكويه بن أبي الفيّاض بن البُروجِرْدي، مُشرِف خانقاه سعيد السعداء.
مولده ببُروجِرد، وعاش اثنتين وتسعين سنة.
سمع من: لاحق بن قَندَرة، ويحيى بن إبراهيم الكَرْخي وابن طَبَرزَد، وعبد الباقي بن عبد الجبَّار الهَرَوي، وعلي بن المفضَّل الحافظ الكبير.
روى عنه: الدِّمْياطي، والشيخ شعبان، ومحمد بن غالي الدِّمياطي، وأحمد بن رِفْعة، وآخرون.
وكان ثقةً. مات في المحرَّم سنة تسع وستين وست مئة.
١٠٣ - ابن عُصْفُور **
الشيخ العلامة إمام النحو، أبو الحسين علي بن مُؤمِن بن محمد بن علي
стр. 122
ابن عُصفور، الحضرمي الأندلسي الإشبيلي، صاحب "المقرَّب".
تَلمَذَ لأبي علي الشَّلَوْبِين وأبي الحسن الدَّبّاج، وبرع في علم العربية، وبزَّ الأقران، واشتَهَر ذكرُه، وبَعُدَ صِيته، وقد لازم الأستاذ أبا علي عشر سنين، وختم عليه "كتاب سيبويه" في نحو السَّبعين طالبًا، ذكر ذلك أبو عبد الله محمد بن حيَّان الشاطبي، وأما الأستاذ أبو حيَّان فيقول: ما أكمل على أبي عليٍّ الكتابَ أصلًا فيما نعلم.
قال: وكان أصبرَ الناس على المطالعة لا يَمَلُّ من ذلك، ألَّف "المُقرَّب" الذي سارت به الإبل والرُّكبان، وكتاب "المُقْنع"، وكتاب "المفتاح"، وكتاب "الهلالي"، وكتاب "الأزهار"، وكتاب "إنارة الدّجى"، و "مختصر الغرّة"، و "مختصر المحتسب"، و "مفاخرة السالف والعِذار"، ومما شرحه ولم يُتمَّه: شرح "المقرَّب"، شرح "الأشعار الستة"، شرح "الحماسة"، شرح "ديوان المتنبي"، "سرقات الشعراء"، شرح "الجُزولية"، "البديع"، وغير ذلك، أقرأَ النَّحو بإشبِيلية وبشَرِيش ومالقة ولورقة ومُرسية، وكان إمامًا لا يُشَقُّ غُباره.
مولده سنة سبع وتسعين وخمس مئة، ومات بتونُس في الرابع والعشرين من ذي القَعدة سنة تسع وستين وست مئة.
قلت: ولم يكن بذاك المَتين، قيل: كان يُتناول في كُمَيْت قتلها المستنصر لأمر اختلف فيه، فقيل: لتحامق في مجلسه، وقيل: لطلبه القضاءَ، وقيل: لتعلقه في سِباب، له:
هنيئًا بطرْفٍ إذا ما جرى … ترى البرقَ يتعب في إثرِهِ
مصغّرُ لفظٍ ولكنَّه … يجلُّ ويَعظُم في قَدْرِهِ
стр. 123
وله:
لما تَدنَّستُ بالتفريط في كِبَري … وصرتُ مُغرًى بشُربِ الراحِ واللَّعَسِ
رأيت أنَّ خضاب الشيب أسترُلي … إنَّ البياض قليل الحَمل للدَّنَسِ
وقد خدم ابن عصفور بعض ولاة المغرب. قال الأستاذ أبو جعفر بن الزُّبير: لم يكن عند ابن عصفور ما يؤخذ عنه سوى العربية وليس بأهلٍ.
قلت: ما دخل في القرآن ولا الفقه إلّا قليلًا، ولا عرف الحديث، وخدم ملك تونس أبا عبد الله محمد بن أبي زكريا الهنتاتي.
ومات معه قاضي حماة شمس الدين إبراهيم بن المُسلَّم بن البارِزِي الشافعي من أبناء الثمانين، وشيخ الصوفية شمس الدين إسحاق بن بَلْكويه البُرُوجِرْدي بمصر عن اثنتين وثمانين سنة، والإمام القدوة الشيخ حسن بن أبي عبد الله بن صَدَقة الصِّقِلّي في دمشق، والأمجد تقي الدين عباس ابن السلطان الملك العادل، والفيلسوف الزاهد قُطْب الدين عبد الحق بن سَبعين المُرْسي بمكة كهلًا، وقاضي القضاة شرف الدين عمر بن عبد الله بن صالح السُّبْكي المالكي بمصر، وشرف الدين عيسى بن محمد بن أبي القاسم الهَكَّاري راوي "الأحكام" لعبد الحق، ومجد الدين محمد بن إسماعيل بن عساكر.
١٠٤ - الصِّقِلّي *
الإمام القُدْوة المقرئ الزاهد، أبو علي الحسن بن أبي عبد الله بن صَدَقة بن أبي الفتوح، المغربي الصِّقلي الأزدي. قدم دمشق شابًّا فسكنها.
стр. 124
وتلا بالسَّبع على السَّخاوي، وسمع من جماعة، وأجاز له المُؤيَّد الطُّوسي، وأبو رَوْح.
وكان من أولياء الله، له حُرْمة ووَقْع في النفوس، وكان صاحب الشيخ زين الدين الزَّوَاوي.
قال ابن اليُونيني (١): كان من السادات في زهده وتعبُّده وتقلُّله من الدنيا، وله قَبول تامٌ.
ولد سنة تسعين وخمس مئة، ومات في ربيع الآخر سنة تسع وستين وست مئة.
١٠٥ - الشِّرْمَسَاحي *
مدرِّس المستنصرية العلّامة الزاهد، سراج الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر، المصري الشِّرمساحي المالكي، أحد الأئمة.
روى عن: الشيخ محمد بن عمر المروزي مدَّة بالمستنصرية.
وكان ذا تألُّه وتصوُّف.
عاش سبعين سنة، ومات في جمادي الآخرة سنة تسع، وله سبعون سنة.
درَّس بعده أخوه الإمام علم الدين بالمستنصرية مدة، ومات سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
١٠٦ - السُّبْكي **
قاضي القضاة، شرف الدين عمر بن عبد الله بن صالح السُّبْكي المالكي.
стр. 125
صَحِبَ الحافظَ ابن المفضَّل وتفقَّه به، ودرَّس وأفتى، وانتهت إليه معرفةُ المذهب، ثم وليَ القضاء بالديار المصرية سنة ثلاث وستين عندما جُعلت القضاة الأربعة.
روى عنه: الدِّمْياطي، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، وعَلَم الدين الدَّواداري وغيرهم، وكان قد وليَ حِسْبة القاهرة مدةً.
توفي في ذي القَعدة سنة تسع وستين وست مئة، وله أربع وثمانون سنة.
١٠٧ - ابن سَبْعِين *
الشيخ قُطْب الدين عبد الحق بن إبراهيم، ابن سبعين، المُرْسي الرُّقُوطيّ، الفيلسوف المتزهِّد المجاوِر.
له كلام عميق بعيد الغَوْر في العِرْفان على طريق الاتحاديِّين الحكماء، نسأل الله العفوَ والسلامة، وله أتباع وطائفة تتبعه يُرمَون بالانحلال.
وقد ذكر شيخنا قاضي القضاة ابن دَقيق العيد قال: جلستُ مع ابن سَبْعين من ضَحُوةٍ إلى قريب الظُّهر، وهو يَسرُد كلامًا تُعقَل مفرداته ولا تُفهَم مركَّباته.
واشتَهَر عن ابن سَبْعين أنه قال: لقد زربَ ابن آمنة حيث قال: "لا نبيَّ بعدي" (١)، فإن صحَّ هذا عنه فقد انسَلَخَ من الإيمان، مع أنَّ هذا القول أخفُّ من قولهم في الباري تعالى، وهذا صاحبنا الشيخ على الإسكندراني حدَّثني بأنه صحب طائفةً من السَّبْعِينية فأخذوا يهوِّنون له تركَ الصلواتِ، فياغَوْثاه بالله.
стр. 126
قال الشيخ صفيّ الدين الأُرمَوي: تحادثتُ مع ابن سَبعِين في الحكمة، وكان داوَى صاحبَ مكة، فصارت له عنده منزلة، ويقال: إنه نُفيَ بسبب كلمته الخبيثة في الجَنَاب النبوي. فمن رأيتَه يعظِّم هذا وشِبهَه، فأَعرِض عنه، وأحمد الله على الهداية.
مات بمكة في شوال سنة تسع وستين وست مئة، وله خمس وخمسون سنة.
وفيها مات إسحاق بن محمود بن بَلْكويه، وأبو الحسن ابن عصفور، وقاضي المالكية عمر بن عبد الله السُّبْكي عن أربع وثمانين سنة، والمحدِّث محمد بن إسماعيل بن عساكر.
١٠٨ - البَكّاء *
الشيخ الزاهد العابد، أبو الحسن عليٌّ البَكَّاء، أحد أولياء الله.
أقام مدةً ببلد الخليل ﵇، وكان مقصودًا بالزيارة والتبرك.
توفي في شهر رجب سنة سبعين وست مئة، ويقال: قارَبَ مئة سنة، وقبره ظاهرٌ يُزَار.
١٠٩ - سَلّار **
سلّار بن حسن بن عمر، شيخ الشافعية، كمال الدين أبو الفضائل الإرْبِلِي، تلميذ ابن الصَّلاح.
كان عليه مدارُ الفُتيا بدمشق، وتخرَّج به جماعة، وكان البادرائي قد ولَّاه، وأعاده مدرِّسًا فما زال بها حتى مات، لم يَتقلَّد منصبًا.
стр. 127
مات في جمادي الآخرة سنة سبعين وست مئة عن بضع وستين سنة، ﵀.
١١٠ - البُغَيدادي *
مفتي الحنابلة، جمال الدين عبد الرَّحمن بن سلمان بن سعيد، الحرَّاني.
سمع من: حمَّاد الحرَّاني، وحَنبَل، وابن طَبَرزَد، وعدَّة، وتفقه بالشيخ الموفَّق، وبالفَخْر بن تيميَّة.
روى عنه: الدِّمْياطي، والقاضي تقي الدين سليمان، وابن الخبَّاز، والشيخ علي بن العطَّار، والبرهان الذَّهبي، وعدّة.
وكان من أئمة المذهب، حسن التفهُّم، متواضعًا.
توفي بدمشق في المارِسْتان في شعبان سنة سبعين وست مئة.
١١١ - ابن قاضي بَعْلَبَكَّ **
شيخ الأطبّاء، أبقراط الوقت، بدر الدين مظفَّر ابن القاضي مجد الدين عبد الرحمن بن رمضان.
قرأت بخط المفتي شمس الدين بن الفَخْر قال: كان رئيس الأطباء شرقًا وغربًا، فيلسوف زمانه، لم نعلم في وقته مثله، وله مصنَّفات عظيمة النَّفع في الطب.
كَوَى صاحبَ حماة من الخوانيق في رأسه بمِيلٍ من ذهبٍ فعُوفي، فأعطاه مبلغًا.
стр. 128
وقال ابن أبي أُصَيبِعة (١): نشأ بدمشق، وقد جمع الله فيه من العلم الغزير والذكاء المُفرِط، ما يعجز الإنسان عن وصفه، قرأ الطب على الدَّخْوار فأتقنه في أسرع وقت، وحفظ كثيرًا من الكتب، ولازمه، وحظيَ عند الجَوَاد (٢)، وقدَّمه على الأطباء في سنة سبع وثلاثين وست مئة، فاشترى دُورًا بجنب مارستان نور الدين، وغَرِمَ عليها جملة، وكبَّر بها قاعات المرضى فشَكَرَه الناس، وتجرَّد لحفظ مذهب أبي حنيفة، ثم حرَّر حفظ القراءات على أبي شامة على كِبَر وأتقنها.
وفيه عِبادة ودِين، وله تصانيف منها كتاب "مفرِّج النفس"، قال ابن الفخر: مات في صفر سنة سبعين وست مئة.
١١٢ - ابن الناصح *
عبد الوهّاب بن الناصح محمد بن إبراهيم بن سعد، الشيخ المُسنِد المعمَّر، أبو محمد، المَقْدسي الحنبلي الصَّحراوي القُنَّبيطي.
وُلد سنة إحدى وتسعين وخمس مئة.
سمع من: بركات الخُشُوعي، ومحمد بن الخَصِيب، وحنبل المكبِّر، وجماعة.
حدَّث عنه: ابن الخبَّاز، والشيخ علي بن يعيش، وابن أبي الفتح، ومحمد بن بدر الدين النسّاج، والعلاء الكِنْدي، وأبو الحسن بن العطَّار، وابن الزَّرَّاد، وآخرون.
стр. 129
مات في رمضان سنة سبعين وست مئة.
١١٣ - النُّشْبي *
أبو بكر محمد بن علي بن المظفَّر بن القاسم، النُّشْبي الدمشقي، المؤذِّن بجامع دمشق.
وُلد في المحرَّم سنة إحدى وتسعين.
وسمع من: الخُشُوعي، والقاسم بن عساكر، وستِّ الكَتَبة، وحَنبَل، وابن طَبَرزَد، وجماعة.
وروي الكثير، وتفرَّد بأشياء، وكان يقرأ أمام الجنائز.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وأبو علي الخلّال، وابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وابن الزَّرَّاد، ومجد الدين بن الصَّيْرفي، والشهاب المقرئ، وآخرون.
مات في سادس ذي الحِجّة سنة سبعين وست مئة.
ورئيسُ الأطباء مجد الدين عبد الرحمن ابن قاضي بَعلَبَكّ، وتوفي قبله شيخ الطب الرَّشيد أبو حُلَيقة النصراني، والوزير الطبيب نجم الدين يحيى بن محمد بن اللُّبُودي، والنَّصير رئيس المؤذِّنين بدمشق.
١١٤ - القابِسِي **
العلَّامة القاضي، رُكن الدين أبو علي، الحسن بن عثمان بن علي بن منصور، التَّميمي القابِسي المالكي المقرئ، نزيل الإسكندرية.
ولد بقابِسَ من أعمال إفريقيّة، وقَدِم الثَّغرَ، فأخذ عن ابن مُوقَّى، وابن
стр. 130
المفضَّل، وابن البنَّاء المكّي.
وتفقَّه، ونابَ في القضاء، وتلا بالسَّبع على منصور بن خميس بن محمد اللَّخْمي الأندلسي، وأقرأَ، ودرَّس وأفتى، تلا عليه بالسبع عبدُ المجيد بن خلف بن الصَّوّاف وغيره، وكان خيِّرًا، متواضعًا، عالمًا.
سمَّع ولدَه أبا المحاسن شيخنا من الهَمْداني والصَّفراوي.
توفي أبو علي في السَّابع والعشرين من المحرم سنة سبعين وست مئة، وكان مُحتسِبَ الإسكندرية، وعاش نحوًا من ست وتسعين سنة، وقد سكن المهديّة في حداثته مدةً، ومن نظمه (١):
باللهِ ربّي ثقتي … بلغتُ عَشْر المئةِ
ممتَّعًا بناظري … ومَسمَعي وقوّتي
وإنني لطامعٌ … في غَفْرِه خطيئتي
١١٥ - ابن سُويَد *
الرئيس المحتشم، وَجِيه الدين محمد بن علي بن أبي طالب بن سُوَيد، التَّكريتي التاجر.
كان وافر الحُرمة، نافذ الكلمة، كثير المَتاجر، من خواصِّ الملك الناصر، ويده مبسوطة في دولته، ولمّا انجَفَل نوبةَ هولاكو إلى مصر غَرِمَ ألف ألف درهم، وكان الملك الظاهر مُجِلًّا له، جعله ناظرَ أوقافه وكافل تجاراته، لا يتعرض إليها أحد عند سائر الملوك، حتى عند ملوك الفِرَنج،
стр. 131
لأياديه عليهم.
تُوفِّي له ولدٌ صبيّ فمشى في جنازته السلطانُ الملك الناصر في سنة ست وخمسين، ثم ركب إلى الصَّالحية، فحزن الوجيه، وامتنع من سكنى داره بالزُّلاقة، فأمر السلطان بأن تُخلَى له دار السعادة وفُرشت له، ثم خرج إليه السلطان وحلف عليه، فنزل إلى البلد.
ومن عَظَمته: أنَّ ابنه نصير الدين عبد الله حجَّ مع أُمه عام حجة الملك الظاهر، فحضر مسلِّمًا على السلطان يوم عَرَفة، فقام له الظاهر وسأله عن حوائجه، فقال: نريد أن يكون معنا أمير، فقال: من اخترت من الأمراء سيَّرتُه في خدمتك، فطلب منه جمالَ الدين بن نهار، فقال له: هذا المولى نصيرُ الدين قد اختارك، فتخدمه كما تخدمني.
وكان الوجيه كثير المكاتَبة للأمراء والوزراء، وفيه مكارمُ، وله صدقات، وفيه دَمَاثة أخلاق ولُطف.
ولد سنة تسع وست مئة.
وسمع من: المؤتمَن ابن قُمَيْرة، وله نَظْم، روى عنه الدِّمْياطي منه.
تُوفِّي في ذي القَعْدة بدمشق سنة سبعين.
١١٦ - عالم المَغرِب *
أبو الحسن عليٌّ، المغربي المالكي.
انتهت إليه الإمامة في المذهب، قال لي أبو القاسم بن عمران السَّبْتي: لم يكن في زمانه أحد أحفظَ لمذهب مالك منه، ولا أشدَّ ورعًا.
стр. 132
حفظ عدّة تصانيف، وكان معتكفًا في بيته، لا يخرج إلّا للجمعة مغطَّى الوجه على حمار، ولا يأكل إلّا من مُلْكٍ له إلى أن مات، وكان أحد الأذكياء.
مات في حدود سنة سبعين وست مئة، وقبره يُزار.
١١٧ - السَّيّاف *
المحدِّث العالم، سيف الدين أبو حفص عمر بن طُغْريل السَّيّاف، وهو عمر بن أيوب بن عمر بن أَرسَلان بن جاولي بن أفيكين، وقيل بدل أفيكين: يَلمَش، الدَّمَرداشي التُّركماني الدمشقي الحنفي.
عالمٌ زاهد من طلبة الحديث، سمع الكمال الضرير، والزكيَّ المُنذري، وابن عبد السلام، وعثمان الشارعيّ، وطبقتهم.
وكتب وقرأ وطلب وخرَّج وتنبّه، وعمل معجَمًا لنفسه، وكان صدوقًا.
وكان دخل بغدادَ، فإنه سمع بها شعرًا، وسكن، أثنى عليه الشريف عزُّ الدين وغيره.
وُلد بدمشق في سنة خمس وعشرين وست مئة تقريبًا، وتوفي بمصر في جمادي الأولى سنة سبعين، ﵀.
١١٨ - المُعِين **
الشيخ الفقيه المسنِد العالم، مُعِين الدين أبو العباس، أحمد ابن قاضي القضاة زَيْن الدين علي ابن العلّامة المفتي أبي المَحاسن يوسف بن عبد الله
стр. 133
ابن بُندار، الدمشقي ثم البغدادي ثمّ المصري، الشافعي.
ولد سنة ست وثمانين بمصر.
وسمع من: أبيه، وعمّه عمر، وهبة الله البُوصِيري، وإسماعيل بن ياسين، وأبي الفضل الغَزْنَوي، والعِماد الكاتب، وغيرهم.
وروي الكثير، وطال عمرُه وتفرَّد، وكان آخر من روى "الصحيح" عن البُوصِيري.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، والشيخ شعبان الإربِلِي، والقاضي سعد الدين الإربلي، والشهاب الزُّبيري، وعلم الدين الدَّواداري، وعبد القادر الصَّعْبي، وأحمد بن إبراهيم الكِنَاني، وأحمد بن يوسف التَّلّي، والجمال محمد بن محمد المَهْدوي، وآخرون.
توفي في ثامن عشر رجب سنة سبعين وست مئة بالقاهرة.
وفيها مات الملكُ الأمجد حسن ابن الناصر صاحب الكَرَك، وكان محبوبًا مشارِكًا في علوم، وافر الجلالة، وشيخُ الشافعية الكمال سلّار بن الحسن الإربلي مُعيد البادرائية، وشيخ الحنابلة جمال الدين عبد الرحمن بن سلمان الحرّاني البُغيدادي، وعبد الوهّاب بن محمد المَقْدسي الصَّحراوي، والشيخ علي البَكّاء الزاهد، ومن محفوظاته "المدوَّنة"، وله تصانيف، والقاضي عماد الدين محمد بن سالم ابن الحافظ أبي المَوَاهب بن صَصْرَى، والصدر وجيه الدين محمّد بن علي بن سُوَيد التّكْرِيتي التاجر، وأبو بكر محمد بن علي بن النُّشبي، والمقرئ أبو بكر محمّد بن محمّد بن أحمد بن مُشِلْيون البَلَنْسي، وشيخ الطب بدر الدين مظفَّر ابن قاضي بَعلَبَك.
стр. 134
١١٩ - القُرطُبي *
الإمام العلّامة المفسِّر، صاحب التصانيف، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح، الأنصاري القُرطبي المالكي، نزيل مُنْية بني خَصِيب من الديار المصرية.
عمل "التفسير" الكبير وتَعِبَ عليه، وحَشَاه بكل فريدة، وألَّف كتاب "الأسنى في الأسماء الحسنى"، وغير ذلك، وكان من أوعية العلم، ﵀. كان فَهِمًا، قال "التذكرة" بقرطبة على جار (!)
وسمع من: ابن رَوَاج، وابن الجُمَّيْزي، وأبي العباس بن المزيّن، وعدّة.
روى عنه بالإجازة ولدُه شهاب الدين أبو العباس بالمُنْية، وأخذ عنه أبو عبد الله البِرزالي وولده، وهو حيٌّ الآن، ومات والده الشيخ أبو عبد الله سنة نيِّف وسبعين وست مئة في أوائل سنة إحدى بالمُنْية.
ومات الإمام الفقيه ضياء الدين أبو العباس أحمد ابن المُقْرئ الكبير أبي عبد الله محمّد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي (١) في مدينة قنا من الصعيد في شوال سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وله سبعون سنة، سمَّعه أبوه بمكة من زاهر بن رُستم وغيره، وحدَّث، وسمع أيضًا من أبي عبد الله بن البنَّاء الصوفي، وله يد في النظم والنثر، وفيه كرم وفتوّة ومروءة، ووهم أبو جعفر فقال: يعرف بابن المُزيّن، وليس كذلك.
نعم، ومات الإمام العلّامة أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن
стр. 135
عمر الأنصاري القرطبي المالكي المحدِّث المشهور بابن المُزيِّن (١)، نزيل الإسكندرية ومؤلف كتاب "المُفهِم في شرح مسلم"، وقد اختصر "الصحيحين"، وكان بارعًا في الفقه والعربْية، عالمًا بالحديث، مولده في سنة ثمان وسبعين وخمس مئة بقُرطبة، وسمع من علي بن محمد بن حفص اليَحْصُبي بقرطبة، ومن محمد بن عبد الرَّحمن التُّجِيبي بتِلمسان، ومن القاضي أبي محمد بن حَوْط الله، وحدَّث بمصر.
وروي عنه: أبو محمد الدِّمْياطي، والقاضي جمال الدين محمد بن سُومَر المالكي وطائفة، وصنَّف كتاب "كشف القناع عن الوَجْد والسَّماع"، وسمع "الموطأ" سنة ست مئة سماعًا من الشيخ عبد الحق بن محمد بن عبد الحقّ الخَزرَجي: أخبرنا أبي قال: أخبرنا ابن الطَّلّاع بسنده.
وقرأت بخط الإمام أبي حيَّان، قال: أحمد بن إبراهيم بن عمر بن أحمد بن المُزَيِّن؛ صنعة لأبيه، ولد بقرطبة وسمع من عبد الحق - يعني الخزرجي - وأبي جعفر بن يحيى، وأَبي عبد الله التُّجبِيبي، وأخذ نفسه بعلم الكلام، وأنَّ الجوهر الفَرْد لا يقبل الانقسام، وتغلغل في تلك الشِّعاب، ثم نزع إلى علم الحديث وفقهه على تعصُّب، ولم يكن في الحديث بذاك البارع، وله اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال، وهي طريقة زلَّ فيها كثير من العلماء، قال أبو حيان: ذكر هذا ابن مَسْدي في "معجمه".
مات بالثغر في رابع عشر ذي القَعدة سنة ست وخمسين وست مئة، وكان شُروطيًا ومدرِّسًا بالمرزوقية.
стр. 136
١٢٠ - عبد الهادي *
الإمام المُقرئ المعمَّر، خطيب جامع المقياس، أبو الفتح عبد الهادي بن عبد الكريم بن علي، القَيْسي المصري الشافعي.
مولده سنة سبع وسبعين، وتلا بالسبع على أبي الجُود.
وسمع من: قاسم بن إبراهيم، وأبي عبد الله الأرْتَاحي، وربيعة اليَمَني، ومحمد بن الحسن اللُّرستاني، وابن المُفضَّل، وطائفة، وله إجازة من أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، والقاضي محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وعبد المجيد بن دُليل، وعدّة.
وتفرَّد في زمانه، وروي الكثير، تلا عليه الشيخ علي المليجي، والشيخ أبو بكر الجعبري المؤذِّن.
وحدَّث عنه: الدِّمْياطي، والدَّواداري، وآخرون.
ولم يكن بالماهر في القراءات، وكان صالحًا خيِّرًا متعبِّدًا.
مات في شعبان سنة إحدى وسبعين وست مئة.
١٢١ - ابن يونس **
العلّامة المحقِّق، تاج الدين أبو القاسم عبد الرحيم ابن العلّامة رضيّ الدين محمد ابن العلّامة عماد الدين محمد بن يونس بن مَنْعة، المَوصِلي الشافعي، قاضي الجانب الغربي ببغداد.
مصنِّف "التعجيز" و "التطريز في شرح الوجيز" و "جوامع الكلم الشريفة
стр. 137
في مذهب أبي حنيفة" و "التنويه" و "التنبيه".
مات في الحادي والعشرين من شوَّال سنة إحدى وسبعين وست مئة ببغداد، ورَّخه الظَّهير الكازَرُوني، وعاش نيِّفًا وسبعين سنة.
تفقَّه به جماعة، منهم شيخنا برهان الدين الجَعبَري المقرئ، ودرَّس أيضًا بالبَشِيرية.
١٢٢ - ابن هامِل *
الشيخ الإمام المحدِّث الرَّحّال الثقة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن عمّار بن هامِل، الحَرَّاني ثم الدمشقي.
ولد سنة ثلاث وست مئة.
وسمع ببغداد في رحلته من: عمر بن كَرَم، وأبي الحسن القَطِيعي، والحسن ابن الأمير السيِّد، وزكريا العُلْبي، وأبي صالح الجِيلي، والأنجَب الحمَّامي، وطبقتهم.
وبدمشق من: ابن الزَّبيدي، وابن اللَّتِّي، وجعفر الهَمْداني، والمسلَّم المازني، وابن صبّاح، والشيخ الضِّياء وتخرَّج به وأكثر عنه.
وبمصر من: مرتضى بن أبي الجُود، والحسن بن دينار، وأصحاب السِّلَفي.
وبحلب من: ابن يَعيش وابن رَوَاحة، وابن خليل، وكتب بخطِّه الكثير.
وكان دينًا صَيِّنًا كيِّسًا، فارغًا من التكلف، متعفِّفًا، حسن المجالسة،
стр. 138
حُفَظةً للنوادر، حدَّث بأماكن وقرًى ومدائن، كان يتألَّف الناس على روايته ونشر حديثه، وَقَفَ أجزاءَه بالمدرسة الضِّيائية، وانتقل إلى رحمة الله في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وست مئة.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وأبو عبد الله بن أبي الفتح، وأبو الحسن بن العطَّار، والشيخ موسى بن رافع، والشَّرَف بن سَيْدة، وطائفة بمَنِينَ وبحمص وغير ذلك. وعاش ثمانيًا وستين سنة.
وفيها مات أبو البركات أحمد بن عبد الله بن محمد بن النَّحّاس بالثَّغْر، ومؤلف "التعجيز" تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن يونس ببغداد، وكمال الدين علي بن محمد بن محمد بن وضَّاح الحنبلي، والمحدِّث شرف الدين يوسف بن النابُلُسي.
١٢٣ - ابن النَّحّاس *
الرئيس أبو البركات أحمد بن عبد الله بن محمد الأنصاري، الإسكندراني المالكي، أخو منصور، وهما توأمان.
سمعا من: ابن مُوفَّى، ومحمّد بن محمد الكِركِنْتي، وأجاز لهما حماد الحرَّاني، وابن نجا الواعظ، والصَّيدلاني (١).
حدَّث عنه: أحمد الدِّمْياطي، وشعبان الإرْبِلي، وعلم الدين الدَّوَادَاري، والشَّرَف يعقوب بن الصابوني، وعدّة.
تُوفِّي في جمادي سنة إحدى وسبعين وست مئة بالثَّغْر.
стр. 139
١٢٤ - ابن الحُبُوبي *
مُحتسِب دمشق ووكيل بيت المال، تاج الدين يحيى بن محمد بن أحمد ابن الشيخ أبي يعلى حمزة بن علي، الثَّعلبي الدمشقي.
مات في ربيع الأول في سنة إحدى وسبعين وله إحدى وستون سنة.
سمع حضورًا من: ابن الحَرَسْتاني، وأبي الفتوح البَكْري، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وسمع من خَلْق.
خرَّج له ابن بَلَبَان "مشيخةً" في ثلاث مجلدات، فسمعها الناسُ بقراءة الشيخ شرف الدين الفَزَاري.
وكان وافرَ الجلالة، مَتين الدِّيانة، حميد السيرة.
روى عنه سِبطُه مجد الدين محمد بن الصَّيْرفي.
١٢٥ - ابن الأحمر **
محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر، الأندلسي، السلطان أبو عبد الله الخَزرَجي، أمير المسلمين.
قرأت بخطّ ابن الحاج: وفي عام تسعة وعشرين وست مئة ليلة سبع وعشرين من رمضان، تربّع لإمرة المسلمين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر بأرْجُونة بُلَيدة بين قرطبة وجَيّان، وعمره إذ ذاك أربعون سنة، وكان سعيدًا مؤيَّدًا منصورًا ذا بَخْت عظيم، ورأي سديد، وطهارة ثوب، وصَوْن وعفاف، وكان أقرباؤه وقومه أهلَ فِلاحة وزرع، فلمّا ولي تعلَّموا
стр. 140
الفُروسيّة، وخرج منهم أبطال وشجعان لا يَفِرّون ولا يولُّون ولو خاض بهم البحر، فهزم ابنَ هود ثلاث مرات، وأخذ خزائنه وخيله وطبوله، ومزَّق عسكره، وكسر الفِرَنجَ مرات، وجرت له أمور طويلة.
وقد استأصل عسكرَ الزعيم المخفي نجومه، ونازل حصن قَنبيل، وبشدة بأسه كان يُضرَب المثل، حتى كَفَأه الله على يده، واستأصل العسكر الذين جاؤوا إلينا الحصنَ بقرب غرناطة.
ومن سَعْده أنه لم يُكسَر قط، ولا هُزمت له راية، وكانت بلاد الأندلس إذ ذاك في غاية الضعف، قد قُبح الفرنج على أفواههم وأقبل سعدهم، فبعث الله هذا الرجلَ فواقعهم، وكسر من شدتهم، إلى أن جاء أذفونش بجنوده، فحاصر جيّان، فلم يمكن دفعه، فاتفق لأبي عبد الله أن يُطلِقها له مصالحةً بها عن جميع البلاد، فعقد الصلح على ذلك عام اثنتين وأربعين وست مئة، ودام عشرين سنة، فقوي المسلمون بذلك، وعَمِرت البلاد، وتوسَّع الناس، واشتغل السلطان في هذه المدة بجباية الأموال وحفظها بنفسه، لا يكلّ ولا يفتر، حتى جمع من الأموال ستة وثلاثين بيتًا بغرناطة، وادَّخر الأقوات العظيمة، وقتل من الدواوين بالسِّياط خلقًا كثيرًا، واقتنى من الأسلحة ما لا يقتنيه أحد أصلًا، وأحكم الأسوار، واستكثر من الجنود، وأحسن إليهم، واعتنى بأمرهم جدًّا، ومن يوم تملّك لم يشرب خمرًا، ولا سمع لهوًا، ولا تصيَّد، فانظر إلى علوِّ همّة هذا الرجل، وصحة دينه ومروءته، واستكثاره من المكارم، ولم يتوسَّع في بنيانٍ لنفسه، ولا في سَرَف إنفاق، ولا في كثرة حَشَم، كان مقتصدًا عاقلًا في أموره كلها.
стр. 141
ولما كان في سنة إحدى وستين وست مئة، نَكَثَ أذفونش الصلح الذي بينهما، وطلب منه أن يعطيه بلاد المراسي، فأبى عليه وبادر بالاستنفار إلى العدو، واستنصر بالمسلمين، فوقعت الضجَّةُ في العدو وجاؤوا عن بَكْرة أبيهم، وابتدروا من كل فج عميق حتى امتلأت الأندلس خيلًا ورجالًا، فشنَّ بهم الغارةَ حتى امتلأت أيديهم سَبْيًا وكُرَاعًا، ودخلوا عدّة قلاع، وكان فتحًا عظيمًا.
وقد كتب المرتضى عمر بن أبي إبراهيم المؤمني إلى ابن نصر هذا يخاطبه بالرئيس، فأخطأ وبئسما فعل، فقال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين ابن سيِّدنا الطاهر أبي إبراهيم ابن أمير المؤمنين أيَّدهم الله بنصره إلى الرئيس الأجلّ الأكرم أبي عبد الله بن أبي الحجّاج، أدامَ الله شَرَفه، ووصل مبرَّته، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فإنّا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو، ونصلِّي على سيدنا محمد نبيِّه وعلى الزوجات، ونسأل الرِّضى عن الإمام المهدي المعلوم، القائم بأمر الله، والداعي على بصيرة إلى سبيل الله، وعن خلفائه الراشدين المجاهدين في تتميم أمره، فإنّا كتبناه كتب الله أمدادًا بالإنجاد والإعانة، وإسعادًا بخيرات الدنيا والديانة، وأن تعلموا أنه تقرَّر لدينا من بَذْلكم الوسع في حياطة من في تلكم الثغور، واجتهادكم بحسب المقدور، ما غرس لكم في النفس ودًّا صريحًا، وأثبت لولايتكم لدينا عقدًا صحيحًا. إلى أن قال: فإنَّ الشيخ القائد أبا عبد الله أبا الشَّوائل، كنا قد خاطبناه قبلُ بالوِفادة على حضرة الموحِّدين أعزهم الله، بمن معه من الفرسان، ووصل إلينا كتابُه يعرِّف بشروعه في ذلك، والتمس منا الشكر لكم، على ما أولَيتُمُوه من حميد
стр. 142
اعتنائكم فأعملتم في حقه ما يليقُ بمثلكم، من جِلّة الرؤساء؛ وكتب في عام سبعة وأربعين وست مئة.
وكتب هو: من الأمير عبد الله محمّد بن يوسف بن نصر، أيّد الله أمره وأعزَّ بأنصاره نصرَه، إلى وليِّنا وصفيِّنا الأمير الهُمام الأفضل أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أدام الله سعادته، سلام كريم طيب يخصّ جانبكم المكرَّم، أما بعد: أحمَدُ الله الذي جعل البركة في الاتفاق والائتلاف، والصلاة على محمد رسوله المؤيَّد على أهل العِناد والخِلاف، فكتبناه إليكم من حمراء غرناطة، وألطاف الله مُمِدَّة بالنصر لأهل دينه، مبلِّغة الأمَل في إظهاره على الدين كلِّه وتمكينه، ولدينا من الإجلال لمقداركم، والاحتفال في توقيركم وإكباركم، والإطناب في شكر مآثركم وآثاركم، والاعتداد بمظاهرتكم لنا على أعداء الله بحماتكم وأنصاركم، أفضل ما يكون عند الجليل. إلى أن قال: والآن أوان الحركة والاشتغال بالاستعداد والجهاد، وفصل المعاوضة بحقكم والتذكير لكم، بما عوَّدتم من الدعوة لإخوانكم، والإمداد والإعانة بتسريب من لديكم من الفرسان، والحُماة الأبطال، والكُماة الأنجاد، فإنَّ العدو ليس يكون تحرك منه في هذا العام. إلى أن قال: وقد علمتم ما فتح الله على المسلمين من بلاد العدو ونصره في هذه السنة المباركة، وإلَّا فمن أين لأحدٍ في هذا الوقت والعدوُّ قد هدَرَتْ شقاشِقُه (١)، ولمست في خداع ضَعَفةِ هذه المِلّة محارِقُه، أن يسترجع من يده ما نيّف على مئة مكان، ويستبدل الناقوس الذي صالت
стр. 143
صولته بالأذان، ومثلكم من لا يقصِّر في حق الدِّين، ومُوصله إلى مَجْدكم الشيخُ الصالح الأزهد أبو عبد الله المصمودي، ومثله من تُرجى بركةُ سِفارته، وتجب إجابته إلى ما يلقيه بحُسْن عبارته، في جمادي الأولى عام ثلاثة وستين.
وكتب إليه الفقيه أبو العباس العَزَفي صاحب سَبْتة: بهيئة المقام الكريم السامي الشريف المُنيف المبارك الأنصاري الخزرجي، الذي أعزَّ الإسلام بمقام الأمير الهُمام المعظَّم المكرَّم المجاهد أبي عبد الله بن أبي الحجّاج بن نصر، وأعزَّ الإسلام وأهله مدة خلافته، وأسمع بمآثره التي أضحت جليّة، لا زال دينُ الله محميًا بنظره الكريم من جميع جهاته، داعيًا له، أحمد بن محمد العَزَفي، سلام كريم عَميم يخص مقامكم الأسمى، أما بعد: حمدًا لله، والسَّلام على نبيِّه، والرِّضى عن الإمام المهدي المعلوم، وعن خلفائه الراشدين، وعن الإمام الطاهر أمير المؤمنين المرتضى ابن سيدنا الأمير أبي إبراهيم ابن أمير المؤمنين.
وكتب، وساق سائر المكاتَبة.
توفي أمير المسلمين أبو عبد الله في رجب سنة إحدى وسبعين وست مئة، وتملَّك بعده ابنُه محمّد.
١٢٦ - ابن العَجمي *
الإمام المحدِّث شهاب الدين، أبو صالح عُبيد الله بن الضرير الكمال عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن، ابن العَجَمي، الحَلَبي الشافعي.
стр. 144
ولد سنة تسع وست مئة.
وسمع من: الافتخار الهاشمي، ثم طلب وهو كبير، وسمع الكثير من ابن يعيش وابن رَوَاحة، وابن خليل، وببغداد من أصحاب ابن شاتيل، وكتب بخطِّه الدقيق الضعيف شيئًا كثيرًا.
روى عنه: الدِّمْياطي وغيره.
مات بحلب فجأةً في جمادي الأولى سنة إحدى وسبعين وست مئة، ﵀.
١٢٧ - النابُلُسي *
الشيخ الإمام الحافظ المحدِّث المُفيد الرَّحّال المُسنِد، شرف الدين أبو المظفَّر يوسف بن الحسن بن بدر بن الحسن بن مفرِّج، النابلسي ثم الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة ثلاث وست مئة، فاستجاز له نسيبُه الحافظ خالد جماعةً منهم: أبو الفتح المَنْدائي، وأبو حفص ابن طَبَرزَد، وسمع من: أبي محمد بن البُنّ، وأبي المَجْد القَزْويني، وأبي القاسم بن صَصْرَى، وزين الأُمَناء، وطبقتهم، وارتحل فسمع من عبد السَّلام الداهِرِي، وعمر بن كَرَم، والقَطيعي، وعدَّة ببغداد.
وسمع بحلب وبمصر، وكتب الكثير وجمَع وخرَّج، وتميَّز في هذا الشأن، وخرَّج لنفسه "الموافَقات"، ونَظَمَ الشعر الجيد، وخطّه طريقة قوية معروفة بين الطلبة.
стр. 145
وكان ثقةً فيما ينقله، منقطعًا، حُلْوَ المُذاكرة متينَ الدِّيانة، حسن الأخلاق، وكان أحفظَ من سنّه وأعرف بالحديث، ولي مشيخة النُّورية، وروي الكثير.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وعلاء الدين بن النَّصير، وعماد الدين بن الكيّال، وعدَّة.
توفي في المحرَّم سنة إحدى وسبعين وست مئة، وله ثمان وستون سنة.
١٢٨ - الكَهْفي *
الشيخ، أبو العباس أحمد بن هبة الله بن أحمد، السُّلمي، الصالحيّ الكَهْفيّ ولد بالكَهْف (١).
وسمع من: حَنبَل، وابن طَبَرزَد.
وعنه ابن الخبَّاز، وأبو الحسن ابن العطَّار.
مات في رجب سنة إحدى وسبعين وست مئة.
١٢٩ - الحفّار *
الحاجّ محمد بن أبي بكر بن عبد السلام بن إبراهيم، الصالحي المَقْبُري الحفّار، ويُعرف بابن الطَّبيل.
شيخٌ معمَّر ذو جلادة وهمّة، وملازمة للجماعة.
سمع "الصحيح" من ابن الزَّبِيدي، وحدَّث عنه ابن الخبَّاز في "معجمه"