ولما كان في سنة إحدى وستين وست مئة، نَكَثَ أذفونش الصلح الذي بينهما، وطلب منه أن يعطيه بلاد المراسي، فأبى عليه وبادر بالاستنفار إلى العدو، واستنصر بالمسلمين، فوقعت الضجَّةُ في العدو وجاؤوا عن بَكْرة أبيهم، وابتدروا من كل فج عميق حتى امتلأت الأندلس خيلًا ورجالًا، فشنَّ بهم الغارةَ حتى امتلأت أيديهم سَبْيًا وكُرَاعًا، ودخلوا عدّة قلاع، وكان فتحًا عظيمًا.
وقد كتب المرتضى عمر بن أبي إبراهيم المؤمني إلى ابن نصر هذا يخاطبه بالرئيس، فأخطأ وبئسما فعل، فقال: من عبد الله عمر أمير المؤمنين ابن سيِّدنا الطاهر أبي إبراهيم ابن أمير المؤمنين أيَّدهم الله بنصره إلى الرئيس الأجلّ الأكرم أبي عبد الله بن أبي الحجّاج، أدامَ الله شَرَفه، ووصل مبرَّته، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فإنّا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلّا هو، ونصلِّي على سيدنا محمد نبيِّه وعلى الزوجات، ونسأل الرِّضى عن الإمام المهدي المعلوم، القائم بأمر الله، والداعي على بصيرة إلى سبيل الله، وعن خلفائه الراشدين المجاهدين في تتميم أمره، فإنّا كتبناه كتب الله أمدادًا بالإنجاد والإعانة، وإسعادًا بخيرات الدنيا والديانة، وأن تعلموا أنه تقرَّر لدينا من بَذْلكم الوسع في حياطة من في تلكم الثغور، واجتهادكم بحسب المقدور، ما غرس لكم في النفس ودًّا صريحًا، وأثبت لولايتكم لدينا عقدًا صحيحًا. إلى أن قال: فإنَّ الشيخ القائد أبا عبد الله أبا الشَّوائل، كنا قد خاطبناه قبلُ بالوِفادة على حضرة الموحِّدين أعزهم الله، بمن معه من الفرسان، ووصل إلينا كتابُه يعرِّف بشروعه في ذلك، والتمس منا الشكر لكم، على ما أولَيتُمُوه من حميد
стр. 142
اعتنائكم فأعملتم في حقه ما يليقُ بمثلكم، من جِلّة الرؤساء؛ وكتب في عام سبعة وأربعين وست مئة.
وكتب هو: من الأمير عبد الله محمّد بن يوسف بن نصر، أيّد الله أمره وأعزَّ بأنصاره نصرَه، إلى وليِّنا وصفيِّنا الأمير الهُمام الأفضل أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أدام الله سعادته، سلام كريم طيب يخصّ جانبكم المكرَّم، أما بعد: أحمَدُ الله الذي جعل البركة في الاتفاق والائتلاف، والصلاة على محمد رسوله المؤيَّد على أهل العِناد والخِلاف، فكتبناه إليكم من حمراء غرناطة، وألطاف الله مُمِدَّة بالنصر لأهل دينه، مبلِّغة الأمَل في إظهاره على الدين كلِّه وتمكينه، ولدينا من الإجلال لمقداركم، والاحتفال في توقيركم وإكباركم، والإطناب في شكر مآثركم وآثاركم، والاعتداد بمظاهرتكم لنا على أعداء الله بحماتكم وأنصاركم، أفضل ما يكون عند الجليل. إلى أن قال: والآن أوان الحركة والاشتغال بالاستعداد والجهاد، وفصل المعاوضة بحقكم والتذكير لكم، بما عوَّدتم من الدعوة لإخوانكم، والإمداد والإعانة بتسريب من لديكم من الفرسان، والحُماة الأبطال، والكُماة الأنجاد، فإنَّ العدو ليس يكون تحرك منه في هذا العام. إلى أن قال: وقد علمتم ما فتح الله على المسلمين من بلاد العدو ونصره في هذه السنة المباركة، وإلَّا فمن أين لأحدٍ في هذا الوقت والعدوُّ قد هدَرَتْ شقاشِقُه (١)، ولمست في خداع ضَعَفةِ هذه المِلّة محارِقُه، أن يسترجع من يده ما نيّف على مئة مكان، ويستبدل الناقوس الذي صالت
стр. 143
صولته بالأذان، ومثلكم من لا يقصِّر في حق الدِّين، ومُوصله إلى مَجْدكم الشيخُ الصالح الأزهد أبو عبد الله المصمودي، ومثله من تُرجى بركةُ سِفارته، وتجب إجابته إلى ما يلقيه بحُسْن عبارته، في جمادي الأولى عام ثلاثة وستين.
وكتب إليه الفقيه أبو العباس العَزَفي صاحب سَبْتة: بهيئة المقام الكريم السامي الشريف المُنيف المبارك الأنصاري الخزرجي، الذي أعزَّ الإسلام بمقام الأمير الهُمام المعظَّم المكرَّم المجاهد أبي عبد الله بن أبي الحجّاج بن نصر، وأعزَّ الإسلام وأهله مدة خلافته، وأسمع بمآثره التي أضحت جليّة، لا زال دينُ الله محميًا بنظره الكريم من جميع جهاته، داعيًا له، أحمد بن محمد العَزَفي، سلام كريم عَميم يخص مقامكم الأسمى، أما بعد: حمدًا لله، والسَّلام على نبيِّه، والرِّضى عن الإمام المهدي المعلوم، وعن خلفائه الراشدين، وعن الإمام الطاهر أمير المؤمنين المرتضى ابن سيدنا الأمير أبي إبراهيم ابن أمير المؤمنين.
وكتب، وساق سائر المكاتَبة.
توفي أمير المسلمين أبو عبد الله في رجب سنة إحدى وسبعين وست مئة، وتملَّك بعده ابنُه محمّد.
١٢٦ - ابن العَجمي *
الإمام المحدِّث شهاب الدين، أبو صالح عُبيد الله بن الضرير الكمال عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن، ابن العَجَمي، الحَلَبي الشافعي.
стр. 144
ولد سنة تسع وست مئة.
وسمع من: الافتخار الهاشمي، ثم طلب وهو كبير، وسمع الكثير من ابن يعيش وابن رَوَاحة، وابن خليل، وببغداد من أصحاب ابن شاتيل، وكتب بخطِّه الدقيق الضعيف شيئًا كثيرًا.
روى عنه: الدِّمْياطي وغيره.
مات بحلب فجأةً في جمادي الأولى سنة إحدى وسبعين وست مئة، ﵀.
١٢٧ - النابُلُسي *
الشيخ الإمام الحافظ المحدِّث المُفيد الرَّحّال المُسنِد، شرف الدين أبو المظفَّر يوسف بن الحسن بن بدر بن الحسن بن مفرِّج، النابلسي ثم الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة ثلاث وست مئة، فاستجاز له نسيبُه الحافظ خالد جماعةً منهم: أبو الفتح المَنْدائي، وأبو حفص ابن طَبَرزَد، وسمع من: أبي محمد بن البُنّ، وأبي المَجْد القَزْويني، وأبي القاسم بن صَصْرَى، وزين الأُمَناء، وطبقتهم، وارتحل فسمع من عبد السَّلام الداهِرِي، وعمر بن كَرَم، والقَطيعي، وعدَّة ببغداد.
وسمع بحلب وبمصر، وكتب الكثير وجمَع وخرَّج، وتميَّز في هذا الشأن، وخرَّج لنفسه "الموافَقات"، ونَظَمَ الشعر الجيد، وخطّه طريقة قوية معروفة بين الطلبة.
стр. 145
وكان ثقةً فيما ينقله، منقطعًا، حُلْوَ المُذاكرة متينَ الدِّيانة، حسن الأخلاق، وكان أحفظَ من سنّه وأعرف بالحديث، ولي مشيخة النُّورية، وروي الكثير.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وعلاء الدين بن النَّصير، وعماد الدين بن الكيّال، وعدَّة.
توفي في المحرَّم سنة إحدى وسبعين وست مئة، وله ثمان وستون سنة.
١٢٨ - الكَهْفي *
الشيخ، أبو العباس أحمد بن هبة الله بن أحمد، السُّلمي، الصالحيّ الكَهْفيّ ولد بالكَهْف (١).
وسمع من: حَنبَل، وابن طَبَرزَد.
وعنه ابن الخبَّاز، وأبو الحسن ابن العطَّار.
مات في رجب سنة إحدى وسبعين وست مئة.
١٢٩ - الحفّار *
الحاجّ محمد بن أبي بكر بن عبد السلام بن إبراهيم، الصالحي المَقْبُري الحفّار، ويُعرف بابن الطَّبيل.
شيخٌ معمَّر ذو جلادة وهمّة، وملازمة للجماعة.
سمع "الصحيح" من ابن الزَّبِيدي، وحدَّث عنه ابن الخبَّاز في "معجمه"
стр. 146
في حياة ابن عبد الدائم.
وسمع منه: البِرْزالي، وابن حَبيب، والمُحِبّ، وعُبادة.
ونقل عنه الوجيه النّفَّريُّ: أنه ولد سنة إحدى عشرة وست مئة، واختلف قوله، وكان في الآخر يقول: جاوزت المئة.
وقد عُذِّب في أيام قازان وأُوذِيَ.
توفي في ربيع الأول سنة إحدى وسبعين.
حُدِّث عنه بالثُّلاثيات (١) وغير ذلك.
١٣٠ - الموفَّق *
خطيب بيت الآبار وابن خطيبها، الشيخ العالم، موفَّق الدين أبو عبد الله، محمد بن عمر بن يوسف بن يحيى، الزَّبيدي المَقِدسي ثم الدمشقي، الشافعي.
مولده سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
سمع من: حَنْبَل، وابن طَبَرزَد، والكِنْدِي، وأجاز له الخُشُوعي، وطائفة.
روى عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن يعيش، وأبو الحسن ابن العطَّار، وآخرون.
توفي في سابع عشر صفر سنة إحدى وسبعين وستّ مئة، وله إخوة وأقارب فضلاء.
стр. 147
١٣١ - الأتابك أقطاي *
كبير الأمراء، الأتابك فارس الدين أقطاي، الصالحي المُستَعرِب.
أحد من أُمِّر، وكان نائب المملكة للسلطان الملك المظفَّر قُطُز، وهو الذي قدَّم الملكَ الظاهر للسلطنة، وأخذ بيده فأجلسه على التَّخْت، وتابعه، وكان الظاهرُ يتأدَّب معه.
وكان من رجال الدهر عقلًا ورأيًا. ومهابةً وخبرة، ولما نشأ بَيليك الخزندار أمَره السلطان بأن يلازم الأتابِك، فتأدب بأخلاقه وبطرائقه، ثم لم يُنصِفه الظاهرُ ونقص من أقطاعه، فخلع الرجلُ نفسه، وأصابه طَرَف جُذَام، فلَزِمَ داره، وعاده السلطان غيرَ مرّة، فعاتبه الأتابِك ومتَّ بخدمته، وبكي فبكى السلطان.
مات في جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وقد بلغ السبعين أو جازَها.
١٣٢ - المنتظمي **
الشيخ الزاهد الكبير، أبو بكر بن فتيان، الشطي الفقيه، الساكن بجبل قاسيون.
صاحب حال وتألُّه، وتوكُّل، وله أتباع ومريدون، وله نظم كثير محرِّك إلى الإنابة، لكنه مَلْحون، وفيه حِكَمٌ ووصايا جيدة، وتحذير من الدعاوى والشطح.
توفِّي في جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وكان والده
стр. 148
النَّجْم فتيان من الصالحين أيضًا.
١٣٣ - النَّجيب *
الشيخ العالم الجليل المعمَّر مُسنِد الوقت، نجيب الدين أبو الفرج، عبد اللطيف ابن المحدِّث الواعظ عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصَّيْقَل النُّمَيري، الحرَّاني، التاجر السَّفَّار.
وُلد سنة سبع وثمانين وخمس مئة بحرّانَ، ورحل به أبوه وبأخيه العز عبد العزيز.
سمع من: أبي الفرج بن كُلَيب والمبارك بن المَعْطوش، وأبي الفَرَج بن الجَوْزي، وهبة الله ابن السِّبْط، وعبد الله بن أبي المجد، وعبد الله بن الطَّويلة، وعبد الرَّحمن بن ملَّاح الشَّط، وأبي أحمد ابن سُكَيْنة، وعبد الله بن مسلَّم بن جَوالق، وجماعة كثيرة خرَّج لهم عنهم الشريف عز الدين، وأجاز له خليل الرّاراني، وأبو جعفر الطَّرَسُوسي، ومسعود الجمّال، وعدَّة.
وحدَّث ببغداد وبدمشق ومصر ثم سكنها، وانتشرت روايته بها، وشاخَ وأقبلَ على التسميع، وانتهى إليه علوُّ الإسناد، ووليَ مشيخة الحديث بالكامِليَّة، وألحق الأحفاد بالأجداد، وكان خيِّرًا، دَيِّنًا، صيّنًا، حسن السيرة، صحيح الرواية، جرت عليه محنة من الدولة، ثم لطف الله به.
حدَّث عنه: ابن الظَّاهري، والتقي عُبيد، والدِّمْياطي، وابن جماعة، وسعد الدين الحارثي، وابن صَصْرَى، وابن الشَّرِيشِي، والصفيّ الأُرْمَويُّ، والعفيف الهنداسة، والشّرَفُ الصابوني، وأبو نعيم بن الإسْعَرْدي، وعمر بن الحسين الشَّطْنوفي، ويعقوب بن عِوَض، وصالح بن عبد العظيم
стр. 149
الكُتُبي، ومحمد بن عالي الدِّمْياطي، وبكمش الخزنداري، وشهاب الدين أحمد بن علي المُشْتولي، وشمس الدين بن طرخان الصالحي، وعبد الغفَّار بن محمد السَّعْدي، وإبراهيم ابن المجاهد ابن صاحب الموصل، وشمس الدين يوسف بن جبريل الموقِّع، ويونس بن محمد الحرَّاني، ويوسف المعدَّل، وعدد كثير في الحياة.
خرَّج له شيخنا ابن الظاهري "الموافقات" في ثلاثة عشر جزءًا، و "الأبدال العالية" في أربعة أجزاء، و "المصافحات" في جزأين.
توفّي في أول صفر سنة اثنتينِ وسبعين وست مئة، وهو آخر من روى عن ابن كُلَيب وطائفة بالسَّمَاع.
١٣٤ - ابن أبي اليُسْر *
الشيخ الإمام العالم الأديب البليغ مُسنِد الشام، تقي الدين أبو محمد، إسماعيل بن إبراهيم ابن العلامة أبي اليُسْر شاكر بن عبد الله بن محمد بن أبي المجد، التَّنُوخي، المَعَرِّي ثم الدمشقي، الشافعي الكاتب.
ولد سنة تسع وثمانين وخمس مئة.
وسمع الكثير من: أبي طاهر الخُشُوعي، والقاسم بن عَسَاكر، وعبد اللَّطيف بن أبي سعد، والخطيب عبد الملك الدَّوْلعي، وجابر بن اللَّحْية، وحَنبَل المكبِّر، وعمر بن طَبَرزَد، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وعدَّة.
وسمع ببغداد من: أبي القاسم أحمد بن السِّمِّذي، وعبد السَّلام الداهري.
стр. 150
وأجاز له خليل بن أبي الرجاء الرَّاراني، ومسعود الجَمَّال، ويحيى بن يونس، وعدد كثير، وتفرَّد بأشياء.
وكان من أعيان الموقِّعين، ونبلاء المنشئين، له النظم والنثر، والأصالة والجلالة، وحسن الدِّيانة والصِّيانة، والمشاركة في الفضائل، روى الكثير، واشتهر اسمه، وكان جدُّه كاتب السرّ للملك نور الدين. حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والتقي عُبيد، وأبو عبد الله بن أبي الفتح تقي الدين الموصلي، والشيخ برهان الفزاري، وأبو الحسن بن العطَّار، وابن الخبَّاز، وابن نَفيِس، وابن تَيْمِيَّة، وأخواه، والمَجْد ابن الصَّيْرفي، والشيخ عبد الرَّحمن الفزاري، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، وقاضي القضاة ابن المجد عبد الله، وحفيده وعبد الرحيم بن إبراهيم، وعلاء الدين بن النصير، وعدد كثير نحو المئتين.
وكان كاتب الإنشاء للناصر صاحب الكَرَك، ثم بطّل وصار شيخ الحديث بتربة أم الصالح، ومسمِّعًا بالأشرفية.
توفّي في صفر سنة اثنتين وسبعين وست مئة بدمشق، ﵀.
١٣٥ - ابن عَلّاق *
الشيخ الصدوق المُسنِد المعمَّر، أبو عيسى عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن علّاق بن خلف، الأنصاري المصري الرزَّاز، ويُعرف بابن الحُجّاج، بضمِّ الحاء.
وُلد في حدود ستّ وثمانين.
стр. 151
وسمع من: أبي القاسم البُوصِيري، وإسماعيل بن ياسين، وكان آخر من سمع منهما، وفاطمة بنت سَعْد الخَيْر، والحافظ عبد الغني، ويونس بن يحيى الهاشمي، وطائفة.
وكان صحيح السماع لا بأس به.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الظاهري، وابن نَفِيس، وشعبان الإرْبِلي، وبدر الدين التاذِفي المُقْرئ، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، وشهاب الدين أحمد بن الجَوْهري، وتقي الدين عتيق العُمَري، وأحمد بن الحسن بن شمس الخلافة، ويوسف بن نصر العَدَني، وإبراهيم بن محمد الفَيُّومي، وأخته فاطمة، وخديجة بنت إبراهيم العَسْقَلاني، ومجد الدين عبد الحقّ بن محمّد السَّعْدي، والفخر محمّد بن الرضا، وعدَّة.
مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
١٣٦ - ابن النَّاصح *
الفقيه المسنِد، سيف الدين أبو زكريا، يحيى ابن العلّامة ناصح الدين عبد الرحمن بن نَجْم ابن شرف الإسلام عبد الوهاب، واقف المدرسة الحَنبَلية بدمشق، ابن الشيخ أبي الفرج، الشِّيْرازي ثم الدمشقي، الأنصاري الحَنبَلي.
ولد سنة اثنتين وتسعين (١).
وسمع من: حَنبَل، وابن طَبَرزَد، والكِنْدي، وبالموصل من عبد المحسن ابن الخطيب.
стр. 152
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وولداه، وابن العَطَّار، وابن الزَّرَّاد، ومحمّد بن المُحِبّ، وشيخنا ابن أبي الفتح، وآخرون.
توفي في سابع عشر شوال سنة اثنتين وسبعين، وله ثمانون سنة.
١٣٧ - الشاطبي *
العالم الزاهد العابد الكبير، أبو عبد الله محمّد بن سليمان بن محمد المَعافري الشاطبي، نزيل الإسكندرية.
حدَّث عن: أبي القاسم بن صَصْرَى، وموسى بن عبد القادر، وأحمد بن الخَضِر بن طاووس، وتلا بالسَّبع بالأندلس.
وله تفسير صغير، وكتاب "أدب الشيخ والمُرِيْد"، وله "أربعون حديثًا" خرَّجها له شيخنا التاج الغَرّافي، وكتب له عليها: شيخ الإسلام قدوة الطوائف. قلت: كان كبير القدر، يُذكَر مع القَبّاري.
مات في رمضان سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
روى عنه أبو محمد الدِّمْياطي، وعاش سبعًا وثمانين سنة.
١٣٨ - صاحب الأندلس **
السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر، الأَرْجُوْنِي، ابن الأَحْمَر.
بُويع بالمُلْك بأَرجُونةَ في سنة تسع وعشرين وست مئة، ومات في رجب سنة اثنتين وسبعين، فكانت أيامه ثلاثًا وأربعين سنة.
وكان بطلًا، شجاعًا، مقدامًا، سائسًا، حازِمًا، خليقًا للإمارة، مؤيَّدًا
стр. 153
مظفَّرًا في حروبه، ينطوي على دين.
هادن العدو مدَّة، وتملَّك بعده ابنه السلطان محمد.
١٣٩ - ابن مالك *
الشيخ الإمام العلّامة البحر، النَّحوي إمام أهل العربية واللغة، حُجّة الأدباء، بقيّة السلف، جمال الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، الطائي، الأندلسي الجَيّاني، نزيل دمشق.
مولده سنة ستِّين أو سنة إحدى.
وسمع بدمشق من: أبي صادق بن صبَّاح، ومُكْرَم بن أبي الصَّقْر، وأبي الحسن السَّخَاوي.
وأخذ العربية من طائفة، والقراءات عن آخرين، وسائر أخذه لعلم اللسان من المطالعة، وقد جالس ابنَ عَمْرُون بحلب، وتصدّر هناك مدّة، وأمَّ بالسلطانية، ثم تحوَّل إلى دمشق، وصنَّف التصانيف، وتكاثر عليه الطلبة، وحاز قَصَبَ السَّبْق، وصار يُضرب به المثل في دقائق النحو وغوامض الصَّرْف وغريب اللغات وأشعار العرب، مع الحفظ والذكاء، والورع والديانة، وحُسْن السَّمْت والصِّيانة، والتحرير لما ينقله، وكان ذا عقل ورزانة، وحياء ووقار، وانتصابٍ للإفادة، ودَأبٍ على المطالعة.
تخرَّج به أئمة كالشيخ زين الدين بن المُنَجَّا، والشيخ شمس الدين بن أبي الفتح، وولده الإمام بدر الدين بن مالك، والحافظ شمس الدين بن جَعْوان.
стр. 154
وحدَّث عنه: أبو الحسين شيخنا (١)، وحرَّر عليه ألفاظ "صحيح البخاري"، وأبو الحسن بن العطّار، والزين أبو بكر الحريري، والشمس الحاضري، والمجد بن الصَّيْرفي وشهاب الدين بن غانم، وآخرون.
وقد سارت بتصانيفه الرُّكْبان، وخضع لها العظماء الأعيان.
أنشدنا ابن أبي الفتح: أنشدني شيخنا ابن مالك لنفسه:
خيلُ السِّباقِ المُجلّي يَقْتفيهِ مُصَلْ … لٍ والمُسَلِّى وتالٍ قبلَ مُرتاحِ
وعاطفٌ وحَظِيٌّ والمُؤَمَّل والْ … لَطيمُ والفِسْكِلُ السُّكَيتُ يا صاحِ
تُوفّي في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وست مئة.
وفيها مات مقرئ مصر الكمال أحمد بن علي المَحلِّي الضرير كهلًا، والأتابك المُستَعرب فارس الدين أقطاي الصالحي الذي ناب في السلطنة للمظفَّر، والصاحب مؤيد الدين أسعد بن المظفَّر بن القَلَانسي، وابن أبي اليسر، وابن عبدٍ، وابن عَلّاق، ومقرئ بغداد أبو الحسن علي بن عثمان الوُجوهي، والنجيب عبد اللَّطيف، والمحدِّث علي بن عبد الكافي الرَّبعي، وكمال الدين عمر بن بُنْدار التَّفْلِيسِي الأصولي، والقدوة الكبير أبو عبد الله محمّد بن سليمان الشاطبي بالإسكندرية، وصاحب الأندلس أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر، وكانت دولته أكثر من أربعين سنة، وشيخ الفلسفة النَّصير الطُّوسي محمد بن محمد بن حسن، وشيخ الاتحاد (٢) الصدر محمد بن إسحاق القُونَوي صاحب ابن العربي، ويحيى
стр. 155
ابن الناصح الحَنبَلي، والزاهد أبو بكر ابن فِتيان الشَّطِّي، وآخرون.
١٤٠ - علي بن عبد الكافي *
ابن عبد الملك بن عبد الكافي، الحافظ، المفيد، نجم الدين ابن خطيب دمشق جمال الدين، الرَّبَعي الدمشقي الشافعي.
سمع: ابنَ عبد الدائم، والكِرْماني، والناس.
وكان من أذكياء الطلبة وعلمائهم.
عاش ستًّا وعشرين سنة، مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين.
١٤١ - القُونَويّ * *
الكبير الشهير، شيخ الاتحادية بالرُّوم، الشيخ صدر الدين أبو عبد الله، محمّد بن إسحاق بن محمّد بن يوسف، القُونَوِي الصُّوفي.
صَحِبَ محيي الدين بنَ العربي، وقرأ كتاب "جامع الأصول" على الأمير يعقوب الهَذَبانيّ، وحدَّث به، فقرأه عليه العلَّامة القطب الشيرازي، وله تصانيف في السلوك على مذهبه، نسأل الله السَّلامة، منها كتاب "النفحات".
قلت: نفحات الأفاعي ولا تلك النفحات المُرْدِية التي هي من فرط الجوع، وخيالات الفكر، فواغوثاه بالله! فما أحسنَ تصوّفَ السلف وخوفهم وتوكّلهم واتّباعهم وتمسّكهم بالسنن، وتركهم رُعونات النفس، اللهمَّ فثبِّت قلوبنا على دينك.
стр. 156
نعم، وله كتاب "تحفة الشكور"، وكتاب "التجلِّيات"، وكتاب "تفسير الفاتحة " في مجلد.
مات سنة اثنتين وسبعين وست مئة بقُونية، وأوصى أن ينقل تابوته فيُدفن عند شيخه ابن العربي، فلم يتهيّأ ذلك، وعاش نيِّفًا وستين سنة.
رأيت سماعه من ابن باسَوَيه لـ "الناسخ والمنسوخ" للحازمي وقد كتب له: الولد النجيب، في سنة ثمان وعشرين وست مئة.
١٤٢ - التَّفليسي *
العلَّامة الأوحد، القاضي، كمال الدين أبو حفص عمر بن بُندار، التَّفْلِيسي، الشافعي الأصولي.
وُلد بعد الست مئة.
وبرغ في الفقه والأصلين والكلام، ودرَّس وأفتى، وكان جيّد السيرة، حسن الدِّيانة، سليم الاعتقاد إن شاء الله، جاءه التقليد من هولاكو بقضاء الشام والجزيرة (١)، فباشر أيّامًا أحسن فيها بكل ممكن، وذبَّ عن الرعية، وكان نافذ الكلمة، محترمًا عند التتار، وما تدنَّس في ولايته بشيء، وكان مدرس العادليّة، ثم رجَّع (٢) ابنَ الزكي لقضاء الشام ووجَّه التَّفليسي إلى قضاء حلب، وعصمه الله ممّن أراد كيده، ثم أُلزِمَ بسكنى مصر، فأفاد أهلَها، وكان من أوعية المعقول.
ماتَ عصرَ سنة اثنتين وسبعين وست مئة في ربيع الأول، وكان من أبناء
стр. 157
السبعين.
١٤٣ - الخيّاط *
الأديب الكبير، مجاهد بن سليمان بن مُرهَف، المِصري الخيّاط، ويعرف بابن أبي (١) الربيع.
له قصيدة ونظم باهر، وشهرة بين العامَّة، وهو القائل في أبي الحسن الجزّار:
إنْ تاهَ جزّارُكم عليكُم … بفِطْنةٍ عندَه وكَيْسِ
فليسَ يرجُوه غيرُ كلبٍ … وليسَ يخشاهُ غيرُ تَيْسِ
توفي سنة اثنتين وسبعين.
١٤٤ - الوُجُوهي **
الإمام الكبير، شيخ القراء شمس الدين أبو الحسن علي بن عثمان بن عبد القادر بن محمود، البغدادي، الحَنبَلي.
إمام مجوِّد، زاهد خيِّر بارٌّ تقيّ.
وُلد سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة.
وتلا بالسَّبع على الشيخ فخر الدين الموصلي صاحب ابن سعدون، وسمع من: السُّهْرَوَرْديِّ، وابن رُوزْبة، وطائفة في الكِبَر، ولم يسمع في
стр. 158
الصِّبا شيئًا، بل فاته مثلُ ابن بَوْش وابن كُلَيب، وفاتته التلاوة العالية على أصحاب سِبْط الخيّاط.
أخذ عنه القراءات شيخُنا البرهان الجعبري وغيره، ولم يكتب الإجازة له لكون البرهان كان يحضر السَّمَاع.
مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وست مئة ببغداد، رحمه الله تعالى، وقد ذكرته في "طبقات القراء".
١٤٥ - ابن وضّاح *
الإمام الأوحد ذو الفُنون، كمال الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن محمد بن محمد بن وَضَّاح، العراقي الشَّهْراباني ثم البغدادي، الفقيه الحَنبَلي النَّحْوِي الفَرَضي، مدرِّس المجاهدية ببغداد.
كان من بقايا الصُّلحاء الكبار، له جلالة وشهرة.
مولده في سنة إحدى وتسعين بقرية شهرابان.
وسمع بها "صحيح مسلم" في نيِّف عشرةَ وستِّ مئة على شيخ لا يعتمد عليه اسمه أحمد بن محمد بن نَجْم المروزي، ادعى أنه سمع الكتاب كلَّه من محمّد بن الفضل الفُرَاوي، وراج هذا على بعض الناس، وهذا شيء كالمستحيل، نعم، وسمع ببغداد من الشيخ علي بن إدريس، وعمر بن كَرَم الدِّينَوريّ، وأبي الحسن القَطِيعي، وابن القُبَّيْطي، وعدَّة.
وعُنِيَ بالرواية، وكتب الخطّ المنسوب، وبرع في العربية وفي المذهب، وكان صديقًا للشيخ يحيى الصَّرْصَري وللشيخ عبد الصَّمد (١).
стр. 159
كتب إليَّ الكازَرُوني في "تاريخه" قال: كان منوَّر الوجه، عالمًا بالمذهب، له تصانيف، اجتمع لجنازته عالمٌ لا يحصون. توفّي في ثالث صفر سنة اثنتين وسبعين وست مئة، ودفن بتُربة الإمام أحمد بقرب ضريحه.
أخبرنا ابن حَمّوَيه، أخبرنا ابن وضّاح، أخبرنا ابن اللَّتِّي، فذكر حديثًا.
١٤٦ - المؤيَّد *
الصاحب الأمجد، مؤيَّد الدين أسعد ابن الصاحب عز الدين مظفَّر بن أسعد ابن الرئيس العَميد صاحب "التاريخ" حمزة بن أسد بن علي، التَّميمي الدمشقي، ابن القَلَانسي، والد الصاحب عز الدين حمزة.
سمع من: حَنْبَل الرُّصافي حضورًا، ومن عمر بن طَبَرزَد، والتاج الكِنْدي، وحدَّث بدمشق ومصر.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وأبو الحسن ابن العطَّار، وآخرون.
وكان رئيسَ البلد كوالده، ذا رأي وحزم وسُؤدد، أُلزم بمباشرة خاصِّ السلطان بعد الوجيه ابن سُوَيد فباشره متكلفًا.
تُوفي في ببستانه بسفح قاسيون في المحرَّم سنة اثنتين وسبعين وست مئة، وعاش ابنه بعده بضعًا وخمسين سنة.
١٤٧ - صاحب الرُّوم **
السلطان عز الدين كيكاوس ابن السلطان كيخسرو ابن السلطان قلج رسلان السُّلجوقي، أخو السلطان ركن الدين كيقباذ.
стр. 160
اقتسما ممالك الرُّوم بعد أبيهما، ثم إنَّ كيقباذ قَوِيَ عليه واستولى على بلاده، فهرب عز الدين في خواصِّه وأهله إلى صاحب القسطنطينية فلم يَركَن إليه بل حبسه، فجهَّز القانُ بركةُ عشرين ألفًا، فأغاروا على أعمال قسطنطينية، ثم صالحهم ملكُها على أن يسلِّم إليهم عزَّ الدين، فقدم على بركة فتلقّاه وأكرمه وجعله من أمرائه، ثم مات بركةُ، فبقي في خدمة خَلَفه، فلما توفي عز الدين بقي ولدُه الملك المسعود هناك أميرًا ببلاد القَفجاق.
مات عز الدين بقاسِيون سنة اثنتين وسبعين وست مئة وله ست وثلاثون سنة، وقيل: بقي إلى سنة ست وسبعين، فالله أعلم.
١٤٨ - النَّصير *
العلّامة الفيلسوف، خواجا نصير الدين محمد بن محمد بن حسن، الطُّوسي الحكيم.
كان رأسًا في حِكَم الأوائل، ومعرفة الرياضي والأرصاد والحساب، قرأ على المُعِين سالم الرَّافضي وغيره، وخدم ابن الصَّبّاح صاحب الأَلَمُوت، واجتمع بهولاكو فنَفَقَ عليه وأحبه، وتمكّن حتى صار مشيرَ دولته، وأنشأ له الرَّصد بمَرَاغة، وجعل فيه خزانة عظيمة للكتب ما سُمِع قطُّ بمثلها، فأَوقَرَها من كتب البلاد المنهوبة حتى زاد فهرس أسماء الكتب في نحو من ستين كرَّاسة، وقرّر في الرصد المنجِّمين والفلاسفة والأدباء والفقهاء.
وكان ذكيًّا حليمًا سَمْحًا جوادًا، حسن الأخلاق، كبير المقدار، إلّا أنه على مذهب الحكماء.
стр. 161
قال الظهير الكازَروني: كان مليح الصورة، مهيبًا، متفنِّنًا، متواضعًا، مجتهدًا، يُشغِل الناسَ إلى قريب الظُّهر.
مولده بطُوس سنة سبع وتسعين، وكان موته ببغداد في ذي الحِجة سنة اثنتين وسبعين وست مئة، ودفن بمشهد موسى، وشيَّعه صاحب الدِّيوان والكبراء، وله عدَّة تواليف.
اشتغل على والده، وكان أبوه من تلامذة ابن الخطيب الرَّازي.
وروى عن المؤيَّد الطُّوسي بالإجازة، ويحكى عنه كرمٌ وتواضع وحِلم، وقد أفردتُ له ترجمةً فيها أنه كان لا يعتقد قولَ الفلاسفة، ويعدُّ تأثير النجوم هَذَيانًا، ويقرئ في أصول الفقه، ومن تواليفه "إقليدس" وله "مجسطي" و "تذكرة في الهيئة: في غاية التحرير، وله "شرح الإشارات"، أجاب عن أكثر إشكالات الفخر الرازي، ولعلَّه مات على خير.
١٤٩ - ابن عطاء *
الإمام العالم الفقيه المفتي، شيخ الحنفية، قاضي القضاة، شمس الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء، الأَذْرَعي ثم الدِّمشقي الصالحي الحَنَفي.
وُلد سنة خمس وسبعين.
وسمع من: حَنْبَل المكبِّر، وابن طَبَرزَد، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وطائفة.
وبَرَع في المَذهب، ودرَّس واشتغل، وناب في القضاء عن صدر الدين ابن سَنِيِّ الدولة وعن غيره، وحُمِدَتْ أحكامه، وولي القضاءَ عندما
стр. 162
أُحدثت القضاة الأربعة، وكان ذا دين وتواضع، قليل الرغبة في الدنيا تاركًا للتكلُّف، وله اجتهاد وتعفُّف.
ولما أحاط الملكُ الظاهر على الغُوطة، صَدَعَ بدار العدل فقال: ما يَحِلُّ لمسلم أن يتعرَّض لهذه الأملاك، فغضب السلطان، وقام وهو يقول: إذا كنا ما نحن بمسلمين أيشٍ قعودنا! فلاطَفَه الأمراء وقالوا: لم يَعنِكَ بأقواله، ثم إنه قال بعد أيام: أَثبتوا كتبَنا التي بحمص عند القاضي الحنفي، ونَبُلَ في عينيه. ولو أنَّ قضاتنا جميعهم يَصدَعون بمُرّ الحق هكذا عند الدولة لَمَا شكوتم لَدَنهم، ولكنهم يُداهِنون، وبل ربما أنكروا على الناطق بالحق، فللّه الأمر.
حدَّث عنه: أبو الحسن بن العطَّار، والقاضي شمس الدين بن الحَريري، وطائفة.
وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وست مئة، وشيَّعه الخلق وطاب الثناءُ عليه، ﵀.
وفيها مات المُقْرئ الرشيد بن أبي الدُّر، والفقيه زهير بن عمر بزُرَع، وأبو الفتح عمر بن يعقوب الإربِلِي، والعلَّامة الأصولي القاضي أبو الحسين محمّد بن يحيى بن رَبيع الأشعري قاضي غَرناطة ومحدِّث الثَّغر.
١٥٠ - الغَرْناطي الأَشعَري *
العلّامة المتفنِّن، قاضي الجماعة بغَرناطة، أبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن ربيع، الأشعَرِيُّ اليَمانِي
стр. 163
الأندلسيُّ القُرطبي ثم الغَرناطي، المالكي المتكلِّم الأَشعَري.
أحد رؤوس المتكلِّمين، ولدُ قاضي غَرناطة العلّامة المتكلِّم أبي عامر.
أَخَذ عن: أبيه، وعمه أبي جعفر أحمد، وأبي القاسم بن بَقِيّ، وجماعة.
وكان المشارَ إليه في المعقول بتلك الديار، ويدري الطبَّ والهيئة والحساب، وله حُرْمة عند ابن الأحمر، وتصانيفه جمّة، كان شيخُنا ابن دَقِيق العيد يقول: ما وقفنا على كلام أحدٍ من متأخّري المغاربة يُشبِه كلامَ العجم مثل كلام أبي الحسين.
قلت: توفي بغَرناطة في ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وست مئة، قَدِمَ ولدُه أبو العباس وسمع معنا من الشَّرَف ابن عساكر، وتزهَّد، ثم مات كَهلًا.
١٥١ - ابن العَجَمي
الإمام المحدِّث، أبو عبد الله محمّد بن مسعود بن عمر بن العَجَمي، المَوصلي الشافعي الصَّيرَفي.
سمع من: عبد المحسن ابن خطيب الموصل، وأبي الفتح الغَزْنَوي، والفتح بن عبد السَّلام، وطائفة.
روى عنه: ابن العِمادية في "تاريخه"، وشيخنا محمّد بن خَرُوف.
وكان عالمًا صالحًا، جاوَرَ مدةً.
مولده سنة خمس وتسعين بالمَوصِل، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
стр. 164
١٥٢ - التِّيتِي *
الإمام الأديب المؤرّخ، الصاحب شرف الدين، أبو الفداء إسماعيل بن أبي سعيد أحمد بن علي، الشَّيباني الآمدي، الحنبلي، ويعرف بابن التِّيتيِّ.
صدر محتشِم، صاحب أدب وفنون، ورأي وحزم، ألَّف تاريخًا لآمد، وترسَّل من جهة صاحب ماردين إلى الخليفة.
وسمع بدمشق من كَريمة، وبمصر من ابن المقيَّر، وبماردين من النِّشتِبْرِيّ.
روى عنه ابنه شيخُنا الأمير شمس الدين، وشيخنا الدِّمياطي. مات بماردين في رجب سنة ثلاث وسبعين، وله أربع وسبعون سنة.
١٥٣ - ابن سعيد **
العلّامة الفاضل، نور الدين أبو الحسن، علي بن موسى بن محمد بن سعيد الأندلسي الغرناطي صاحب التصانيف.
فله كتاب "المُشْرق في محاسن أهل المشرق"، وكتاب "المُغْرب في محاسن أهل المَغْرب".
أرَّخ التاج عبد الباقي وفاته في شعبان سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وصحب ابنَ العديم إلى بغداد مرتين، ومدح الملك الناصر يوسف، وله باعٌ مديد في الآداب وعجائب الأقاليم، وشهرة في زمانه، ونَفَسٌ طويل بالمرَّة في الفضائل.
стр. 165
١٥٤ - الإرْبِلِي *
الشيخ العالم، تقي الدين عمر بن يعقوب بن عثمان، الإربِلِي الدمشقي الصوفي.
مولده بإربِل في سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
ورحل فسمع من: أبي القاسم بن صَصْرَى، وزين الأمَنَاء، وعدَّة، فأكثر، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وزينب.
روى عنه: ابن الخبّاز، وابن العطَّار، والطَّلَبة، والدُّواداري، والمجد الصَّيرفي.
توفي في يوم النحر سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
١٥٥ - ابن العِمادية **
المحدث الإمام الرحَّال، وجيه الدين أبو المُظفَّر، منصور بن سَليم بن منصور بن فُتُوح، الهَمْداني، الإسكندراني، الشَّافعي، محتسب بلده.
مولده سنة سبع وستِّ مئة.
سمع: محمّد بن عماد، وأبا القاسم الصَّفراوي، ومشيخةَ الثغر، وفي رحلته من ابن رُوزْبه، وأبي الحسن القَطِيعي، وبمصر من علي بن مختار، وبدمشق من مُكْرَم، وبحلب من يعيش، وبحرَّان من حمد بن صُديق، وبحماة من العز بن رَوَاحة، وبمكة من بشير التِّبريزي.
وصنَّف "الأربعين البلدانية" و "تاريخًا" للثغر و "معجمًا" لنفسه، وكان أحد من عُني بهذا الشأن.
стр. 166
وكان فقيهًا عالمًا، دَيِّنًا صادِقًا، ذا مروءة وفتوَّة، يكرم الطلبة ويَصِلهم.
أخذ عنه: الدِّمْياطي، والشريف الحُسيني، والقاضي سعد الدين، وطائفة من آخرهم ابنُ حافي رأسه، وما خلَّف مثلَه ببلده، سمعت من أخويه أبي القاسم ووَجيهة.
توفّي في شوال سنة ثلاث وسبعين وست مئة. واشتَهَر بابن العِمادية.
وكان جده العلَّامة منصور بن فتوح بن يخلف بن عمر بن شذرات المالكي من كبار المُفْتين بالثَّغر، وكان الوجيه ممن برع في المذهب ودرَّس بالعادلية الحافظية وغيرها، وخرَّج لغير واحد، ﵀.
وهو القائل ممّا سمعه أبو الخير الدِّهْلي من المفتي شرف الدين أحمد بن أبي الحسين: أنشدنا الوجيه:
أجزتُ لكم روايةَ ما التمسْتُم … من المسموعِ عندي والمُجازِ
وما ألّفتُه نظْمًا ونثرًا … بألفاظ الحقيقةِ والمَجازِ
وما حصَّلتُه عن ألف شيخٍ … بمصرَ وبالشام وفي الحجازِ
وفي بغدادَ دارِ العلم كانت … على ثوبِ البَسيطةِ كالطِّرازِ
على شرْطِ الرّوايةِ من أُصولٍ … مُصَحَّحَةٍ بضَبْطِ واحترازِ
فخُذوا بالحديثِ بلا تَوانٍ … فتحصيلُ العلوم بالانتهازِ
١٥٦ - اليَغْموري *
الإمام المحدِّث، جمال الدين أبو المحاسن، يوسف بن أحمد بن محمود، الأَسَدي الدِّمشقي، ويُدعَى بالحافظ اليَغْمُوري لصحبته الأمير
стр. 167
جمال الدين بن يَغمُور.
وُلد سنة ست مئة تقريبًا.
وحدَّث: عن أحمد بن الأصفر وغيره، وكتب الكثير، وكان يفهم ويُشارِك في الآداب والتاريخ وله مجاميعُ حسنة، وفيه لُطف وكَيْس وقناعة.
روى عنه: الدِّمْياطي، والدَّواداري.
وتوفي عند الأمير شهاب الدين بن يَغمُور، ثم مات ابن يغمور بعده بشهر.
توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين بأرض مصر.
١٥٧ - نجم الدين الشِّيرازي *
الصَّدر الكبير، القاضي نَجْم الدين أبو بكر، عبد الرحمن ابن المولى تاج الدين أحمد ابن قاضي الشام مدرِّس الشَّافعية شمس الدين أبي نصر محمد بن هِبَة الله بن محمد بن مَمِيل، الفارسيُّ الأصلِ الدمشقيُّ.
من بيت حِشْمة وجلالة، وُلِد ظنًّا في سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
وسمع من: حَنْبَل، وابن طَبَرزَد، والكِنْدي، وداود بن مُلاعِب، وابن الحَرَسْتاني، وغيرهم.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن العطَّار، والمجد بن الصَّيرَفي، والطَّلَبة.
وكان من كبار العُدول، وهو والد شيخنا زين الدين إبراهيم، وجدُّ الصدر شمس الدين الذي سكن حماةَ، وابن عمِّ شيخنا المعمَّر شمس الدين محمد
стр. 168
ابن محمد.
تُوفِّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وست مئة بدمشق.
وتوفي معه في الشهر عمُّه العدل علاء الدين علي بن محمد في عَشْر السبعين، حدَّث عن الكِنْدي وابن الحَرَسْتاني.
١٥٨ - الزَّنْجاني *
المفتي الزاهد، ظهير الدين أبو المحامد، محمود بن عُبيد الله بن أحمد، الزَّنْجاني، الشَّافعي الصوفي، إمام المدرسة التَّقَوية.
صحب السُّهْرَوَرْدي، وحدَّث عنه بـ "عوارفه".
تفقَّه به جماعة، وحدَّث عنه إمام الكَلَّاسة، وابن العطَّار، وعدَّة، وأجاز لي.
مات في رمضان سنة أربع وسبعين، وله سبع وسبعون سنة.
من جِلّة الأئمة.
١٥٩ - ابن حمّويه **
الشيخ المسنِد المؤرِّخ، سعد الدين أبو سعد، الخَضِر ابن الشيخ تاج الدين عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمّويه، الجُوَيني ثم الدمشقي الصُّوفي، ويسمَّى أيضًا مسعود بن عبد السَّلام.
وُلد سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة.
وسمع من: عمر بن طَبَرزَد، والكِنْدي، وأجاز له ابن كُلَيْب وابن الجوزي
стр. 169
وابن المعطوش، وجماعة.
وصار جنديًّا حاجبًا لابن عمِّه مقدَّم العساكر فخر الدين، ثم تصوَّف ولَبِسَ البَقْيار (١)، وأمّه من ذريَّة أبي القاسم القُشَيري، وعمل "تاريخًا" في مجلدين، وله نظم وفَهْم.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، والدَّواداري، وآخرون. وأجاز لي مرويّاته بكتابة الشيخ علي بن يعيش عنه، لضعف بصره.
كان في الآخر شيخ الصُّوفية مع أخيه شرف الدين عبد الله.
توفي في ذي الحِجّة سنة أربع وسبعين وست مئة.
قرأت بخطِّه: أنه رأى عند خطيب القاهرة ابن السُّكَّري قشرَ حبة عرضه ثلاثة أشبار، قال: ورأيت بناحية الزَّبَداني أصل جوزة دَورُها اثنا عشر ذراعًا.
١٦٠ - الشَّمّاع *
أبو الفتح عثمان بن هِبَة الله بن عبد الرحمن بن مكِّي ابن الفقيه أبي الطاهر إسماعيل بن عَوْف، الزُّهري الإسكندراني، المالكي الشَّمّاع، صاحب ابن مُوقا.
روى عنه: الدِّمْياطي، والحارثي، وشعبان الإرْبِلي، وخلق.
وعاش خمسًا وثمانين سنة، مات في ربيع الأول سنة أربع وسبعين.
стр. 170
١٦١ - ابن السَّاعي *
الشيخ الإمام العلّامة الأَخْباري مؤرِّخ الزمان، تاج الدين أبو طالب، علي بن أنجَب بن عثمان بن عبيد الله بن عبد الرحيم، ابن السَّاعي، البغدادي الخازن.
مولده قبل سنة ست مئة ببغداد، ثم ظَفِرتُ به في شعبان سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة.
ولبس الخِرقةَ من الشيخ شهاب الدين في سنة ثمان وست مئة، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، ومن قبله أبو سعد الصَّفّار كما زعم، وأبو أحمد بن سُكَيْنة، وابن الأخضر، وأبو اليُمْن الكِنْدي، وأحمد بن الدَّبِيقي، وإسماعيل بن حَمْدي، وخلق، رأيتهم في تعاليق الدِّهْلي، ولعلَّ بعضَ ذلك عامَّة، وقرأ "تاريخ ابن النَّجار" كلَّه عليه.
وسمع من: علي بن محمد بن علي الموصلي، وسمع "عوالي ابن النحاس" لإسماعيل بن أبي سعد.
روى عنه: الدِّمْياطي، والدَّقُوقي، وصدر الدين بن حمّويه، وجماعة، وسمع من أصحاب ابن ناصر وأبي الوقت، وعدَّة، وصنَّف التصانيف الكثيرة. وفيه يقول الظَّهير الكازَرُوني فيما أجاز لي:
كان بحر العلوم شيخ بَني الوق … ت جميل الأخلاق عذبُ الكلامِ
عالمٌ عاملٌ كريمٌ ودودٌ … صاحب المَكرُمات والإنعامِ
دَرَسَتْ بعده الفضائلُ والأف … ضالُ من كلِّ عالمٍ وإمامِ
стр. 171
ثم قال: فكان مقبولَ الصورة، منوّر الوجه، دَمث الأخلاق، لطيفًا، كثير الاطلاع، صحب المشايخ وما زال محترمًا مكرّمًا، ومصنفاته كثيرة، منها "سماعاته" مجلّد، "الإيضاح" أربعة مجلَّدات، "الصحاح العوالي" مجلَّد، "شرح الفصيح" مجلَّد، "شرح المقامات" خمسة، "بشارة المستغفر" مجلَّد، "مناقب الخلفاء " ثلاثة، "الجامع في التاريخ" خمسة وعشرون مجلدًا، آخره أخذُ بغداد، "شعراء زمانه" عشرة مجلدات، "سيرة الناصر" خمسة مجلدات، "الوزراء" ثلاثة مجلدات، "طبقات الفقهاء" سبعة مجلدات، "أخبار من صنف في حب الاثني عشر " مجلَّد يدل على تشيُّعه، "أخبار الحلَّاج" مجلَّد، "المصرع" مجلَّد، "الأسماء الحسنى" مجلَّد، "أخبار الصاحب ابن عبَّاد" مجلَّد، "معجمه " بالسماع والإجازة عشرة مجلدات، وهم أكثر من تسع مئة شيخ، وسَرَدَ له الظَّهير عدَّة تواليف تركتها، وقد طالعتُ له كتاب "قضاة بغداد وعُدولها" في ثلاثة أسفار.
ثم قال: توفي في سنة أربع وسبعين وست مئة، ورَثَاه جماعة من الشعراء، وكان كثيرَ التردُّد إلى الكُبراء والصدور، وما نُقل عنه أنه حكى مجلسًا قط، وحصَّل بـ "التاريخ" مالًا كثيرًا من الخليفة فمن دونه. قلت: كان خازنَ كتب المستنصرية، صحب ابنَ النَّجَّار وتخرَّج به في التاريخ، وكان يحصل له الذهبُ على عمل هذه التواليف، توفي في شهر رمضان سنة أربع، وما هو من أجلّاء بني الحديث، وفيه مجازفةٌ، الله يسامحه، ولا له ذوقُ الحفّاظ، بل هو أخباريّ جبلٌ، على رَفْض فيه متوسّط.
وفيها مات الأديب الأمير جمال الدين إبراهيم بن عبد الرحيم بن شيث، وحبيبة بنت الشيخ أبي عمر، وسعد الدين الخضر بن حمّويه
стр. 172
الجُوَيني، والمسند عثمان بن هبة الله بن عوف الزُّهري، وعماد الدين عبد العزيز بن محمد بن الصائغ، والتاج محمود بن عابد الصَّرْخدي الشاعر، وظَهير الدين محمود بن عبيد الله الزَّنجاني الشَّافعي، والمحدِّث مَكِين الدين أبو الحسن بن الحِصْني المصري، وعبد الله بن وَرْخز ببغداد.
١٦٢ - ابن الأَحْواضي *
رأس الإمامية، الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن أبي صالح عبد الله بن أبي أسامة، ابن الأحواضي، رأس الرَّفض.
مات بجبل الجُرد كهلًا، كان يُحكِم المنطق ومذهب الأوائل، وله مشاركات وفضائل، مع جهل بالكتاب والسُّنّة، ولهم فيه عقيدة كبيرة.
مات في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين. وفيها مات شيخ الرافضة ببَعْلَبَك الشيخ تقي الدين مبارك بن حامد ابن الحدّاد، وإنما ذكرته للاعتبار.
١٦٣ - ابن وَرْخز **
الشيخ المسنِد، أبو محمد عبد الله بن أبي القاسم بن علي بن مكِّي بن وَرْخر، البغدادي.
روى عن: ابن الأخضر، وعمر بن الحسين بن المعوِّج، وأحمد بن علي الغَزْنَوي، وطائفة.
روى عنه: القَلَانسي، والدَّقُوقي، وصدر الدين بن حَمّويه، وآخرون.
ذكر تاج الدين مولده في سنة ست وست مئة، ومات في سنة أربع وسبعين وست مئة، وكان عنده "جزء الأنصاري" عن ابن الأخضر.
стр. 173
١٦٤ - ابن الحِصْني *
المحدِّث الإمام، مَكِين الدين أبو الحسن بن عبد العظيم بن أبي الحسن بن أحمد، الحِصْني المصري.
مولده سنة ست مئة.
وطلب في كِبَره، فحَمَلَ عن ابن رَوَاج، وسِبط السِّلَفي، وابن الجُمَّيْزي، فمن بعدهم، وجمع فأَوعى، ونسخ الكثير، وتخرَّج بالزكيِّ المُنذري، وسمَّع ولديه شُهْدةَ ومحمدًا.
قال الشريف في "الوفيات" (١): لم يزل يسمع ويقرأ للطَّلَبة إلى حين وفاته، وكان فاضلًا متميزًا ثقة، حسنَ القراءة، سمعت بقراءته جُملة، وكان حسن الأخلاق، مأمون الصحبة كثير الإفادة، سمَّاه بعض الطلبة ثابتًا وبعضهم عليًّا. قال: وتوفي في رجب سنة أربع وسبعين وست مئة.
١٦٥ - ابن شِيث **
الصَّدر الكبير، الأمير كمال الدين، إبراهيم بن عبد الرحيم بن علي بن شيث، القُرشيُّ، الكاتب المُنشِئ.
تأمَّر ووليَ الرَّحبة للظاهر، ثم ولَّاه بَعلبَكَّ، وله النظمُ والنثر، ومعرفةُ أيام الناس، وحَفِظ "الملخَّص" للقابسي:
حدَّث عنه ابن الحَرَسْتاني، حدثنا عنه الحافظ أبو الحسين اليُونيني، وكان والده جمال الدين من كُبراء دولة المعظَّم.
стр. 174
مات الكمال في مصر سنة أربع وسبعين وست مئة.
١٦٦ - الصَّرْخَديّ *
الإمام العلَّامة، تاج الدين محمود بن عابد بن حسين، التميمي الصَّرْخدي الحنفي، الشاعر المشهور.
مولده بصَرخد سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
وكان من كبار الفقهاء، ومُجِيدي الشعراء، وافر الحُرمة، دَمث الأخلاق، ذا عِفَّة وقناعة ولطف وتواضع.
روى عنه: أبو حامد بن الصابوني، والدِّمْياطي، وشمس الدين بن التِّيتي، وآخرون من نَظْمه.
توفي سنة أربع وسبعين وست مئة، وما أعلمه رَوَى شيئًا من الحديث.
١٦٧ - التَّلْعْفَرِيّ **
شاعرُ وقته، الشهاب محمّد بن يوسف بن مسعود بن بركة، الشَّيباني التَّلَعْفَري.
مولده بالموصل سنة ثلاث وتسعين.
واشتغل بالأدب وبرع ومدح الملوك والأعيان، واشتَهَر أمرُه، وسار شعره، وله ديوان.
وكان لعّابًا خليعًا ممتحَنًا بالقِمار، ومهما صحَّ له أذهَبَه في القمار.
ومدح الأشرف موسى والعزيز صاحب حلب، ونودي في حلب: من
стр. 175
قامر الشهاب قُطِعت يَدُه، فضاقت به الأرض، فتركها ورَدَّ إلى دمشق، وآل به الحالُ حتى أَوى إلى قَمِينٍ (١) من البرد، ثم نادم صاحبَ حماة إلى أن مات سنة خمس وسبعين، وهو القائل:
وأَعِدْ جُمَانَ الطَّلِّ وهو مُنظّمٌ … عِقدًا بجِيدِ البانةِ (٢) الممطورِ
وإذا الثَّنيَّة أشرَقت وشَممْتَ من … أرجائها أرَجًا كنَشْر عَبيرِ
سل هَضْبَها المنصوبَ أين حديثُها ال … مرفوعُ عن ذَيل الصِّبا المجرورِ
١٦٨ - صاحب تونس *
المستنصِر، أبو عبد الله محمد ابن الملك يحيى ابن الأمير عبد الواحد ابن الشيخ عمر، البَرْبَري الهَنْتاني المُوحِّدي.
كان عمرُ أحدَ العشرة الخواصِّ بالمَهْدي ابن تومرت.
توفي يحيى سنة سبع وأربعين وعَهِدَ إلى محمد هذا، فظهر مَلِكًا شَهمًا داهيةً، شديد الوَطْأة، بطلًا شجاعًا، عَسُوفًا متحيِّلًا، جوادًا ممدَّحًا، ذا غرام بالعمارات الفاخرة، وتناول الملذوذات، تُزَفُّ إليه كلَّ ليلة جارية.
اتفق موتُ أبيه وهذا غائب، فساق إلى تونس خوفًا من عمَّيه، وتَسلطَنَ وقتلهما، وبَذَلَ الأموال في العرب، وظَفِرَ بجماعة ثاروا عليه فسجنهم في مكان صَيَّر أساسَه من ملح، ثم بعد مدَّة أرسل على الأساس ماءً فانهدَم عليهم، وكانت أسلحة جيشه عنده، فإذا كان هيجٌ فرَّقها عليهم، ويُنفِق
стр. 176
فيهم كل ثلاثة أشهر من دخل ممالكه، ويصطفي لنفسه الرُّبع والثُّمن، وهو الذي قتل الحافظ الرئيس أبا عبد الله الأبّار بلا جُرْم.
مات في أواخر سنة خمس وسبعين وست مئة، وكانت دولته ثمانيًا وعشرين سنة، وتملَّك بعده ابنُه يحيى.
١٦٩ - الدَّبِيراني *
العلّامة البارع، الفيلسوف الضالُّ، نجم الدين أبو الحسن علي بن عمر بن علي، القزويني الشهير بالدَّبِيراني، ويقال له: دَبِيران.
كان أحدَ أذكياء عصره، وله تصانيف في المنطق وحكمة الأوائل، وكان يَنعِق بقِدَم العالَم حتى عند موته.
وله "شرح الملخص"، وكتاب "المفصَّل في شرح المحصَّل"، وكتاب "عين القواعد"، وكتاب "شرح الكشف" للخُونَجي، وله مآخذُ على فخر الدين الرازي.
وحكى عنه الشيخ شمس الدين الأصبهاني: أن تلامذته سألوه أن يوصيهم عند موته، فقال: ما ثبت عندي من النظر شيءٌ إلّا أنَّ هذا العالَم قديم.
قلت: هذا من أخبث الكفر الذي أدّاه إليه ذكاؤُه المفرِط، ونظرُه التامُّ، فقبَّح اللهُ الحِكمةَ وأهلها.
وُلد في رجب سنة ست مئة، وتوفي في رمضان سنة خمس وسبعين، وأجاز لعز الدين عبد العزيز بن أبي الدُّرّ مؤلّفاته.
стр. 177
١٧٠ - الشَّهْرُزُوري *
الإمام الكبير، مدرِّس القَيْمُريَّة وأبو مدرِّسها وجدُّ مدرّسها اليومَ، شمسُ الدين أبو الحسن، علي بن محمود بن علي بن عاصم، الشَّهرزوري الكُردي الشَّافعي.
من كِبار الشَّافعية، وَقُور مَهيب، نقَّال للمذهب، قوي النفس.
أنشأ له الأمير ناصر الدين القَيمُري مدرسةً كبرى بالخُرَيميِّين من ناحية المطرِّزين بدمشق، وقرَّر تدريسها له ولذرِّيته العلماء.
نابَ في القضاء عن ابن خَلّكان، وتكلَّم في دار العدل بحضرة الملك الظاهر لمّا احتاط على البساتين، فقال: الماء والكلأ والمرعى لله لا يُملَّك، والناس فيه شركاء، ومن بيده مِلكٌ فهو له. فبُهِتَ منه السلطان.
وقد كان سمع ببغداد مع الصاحب ابن العَديم من جماعة، ولم يحدِّث.
تُوفي بدمشق في شوال سنة خمس وسبعين وست مئة بالقَيمُرية، ودفن بمقبرة الصّوفية.
فدرَّس بعده ولدُه القاضي صلاح الدين محمد مدة، وتُوفي شابًا عن ولدين، الكبير منهما هو الإمام المفتي شمس الدين علي بن الصلاح مدرِّس القَيمُرية في هذه الأزمنة، وقد درَّس بها قبله لكونه كان صغيرًا شيخُنا القاضي بدر الدين بن جَمَاعة بعد الثمانين مدةً، والقاضي علاء الدين ابن بنت الأعزّ، والشيخ صدر الدين عبد البر بن رَزِين، والقاضي إمام الدين القَزْويني، ثم تأهَّل المذكورُ ووليَها.
стр. 178
١٧١ - الموصلي الناسخ *
الإمام المحدِّث المفتي، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله، المَوصِلي ثم الدمشقي، الصوفي بالسُّمَيساطية، الناسخ.
سمع من: ابن صَبَّاح، وابن الزَّبِيدي، وجماعة، ولازمَ ابنَ الصَّلاح، وأتقن عنده "السنن الكبير" بخطِّه، ثم صحب المنذريَّ وأكثر عنه، وكان ثقة عالمًا.
أجاز للبِرْزالي، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، توفي في رجب سنة وسبعين وست مئة.
١٧٢ - ابن عبد الوهّاب **
العلّامة الأُصولي، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الوهاب بن منصور، الحَرّاني الحنبلي.
تفقَّه بالنَّجْم بن خلف القاضي، وبالشيخ المَجْد، وقرأ النحو والكلام على عَلَم الدين القاسم اللُّورْقي، ولازم بمصر ابنَ عبد السّلام، ونابَ في الحكم عن ابن العِماد، ثم قدم دمشق وتصدر للإفادة.
أخذ عنه: ابن أبي الفتح، وابن الفخر البَعْليّان، ومجد الدين إسماعيل.
وأعاد بالجَوْزية، وناب في حَرّان للحنابلة، ثم أصابه فالج، وعُقِلَ لسانه أشهرًا.
وحدَّث عن: الموفَّق الطبيب، وابن اللَّتّي.
стр. 179
توفي في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين، وكان أحدَ الأذكياء المناظرين، عاش نيِّفًا وسبعين سنة.
١٧٣ - بُصَيلة *
الشيخ رَشيد الدين، عثمان بن سليمان بن رمضان بن أبي الكَرَم، الثّعلبي المصري الزاهد، عُرف ببُصَيلة.
عمُّ شيخنا بهاء الدين بن القَيِّم.
سمع من: أبي الحسن بن هَبل بالموصل.
سمع منه: التقي عُبيد، والشيخ شرف الدين المقدسي، وأخوه محيي الدين.
توفي في ذي القَعدة سنة خمس وسبعين وست مئة، وهو في عَشْر التسعين.
١٧٤ - ابن أبي عَصْرُونَ **
الشيخ الإمام الفاضل الفقيه المدرِّس المسنِد بقيّة المشايخ، قطب الدين أبو المَعالي، أحمد بن عبد السَّلام بن المطهَّر ابن قاضي القضاة أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عَصرُون، التَّميمي المَوصِليُّ الأصلِ الشاميُّ الحَلَبي، الشافعي، مدرِّس الأَمِينيَّة والعَصْرونيَّة.
ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة، وخَتَمَ القرآن في سنة تسع وتسعين، وأجاز له أبو الفرج ابن كُلَيب، والمبارك بن المَعطُوش، وأبو طاهر الخُشوعي، وعدة.
стр. 180
وسمع من: عمر بن طَبَرزَد، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وعبد الجليل بن مَنْدويه، وداود بن مُلاعِب، وطائفة.
وتفقَّه وتميَّز، ولم يكن بالماهر في الفروع.
حدَّث عنه: الدِّمياطي، وابن العطّار، وابن جَعْوان، وابن تيميَّة، وابن الكَيّال، وعدة، وأجاز لي مرويّاته.
ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وست مئة.
وفيها مات القاضي شمس الدين علي بن محمود رد الشَّهرزوري مدرِّس القَيْمُرِيَّة، والعدل عز الدين عمر بن أحمد بن عمر المقدسي كاتب الحُكم، والشرف محمد بن أحمد العُمَري الشُّروطي، ومدرِّس الإقبالية فخر الدين أبو الوليد محمد بن الجَنّان الشاطبي الشاعر الحنفي، والمفتي بدر الدين محمد بن علي بن السَّكاكري والصالح عماد الدين محمد بن عِوَضة، وصاحب تونس أبو عبد الله محمد ابن الملك يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ عمر إِينْتِي البَربَري، والعلّامة الفيلسوف نجم الدين علي بن عمر الكاتبيّ الدَّبِيراني القَزْويني، والشيخ إبراهيم بن سعد الله بن جَماعة، والشهاب التَّلَّعفَري محمد بن يوسف الشاعر.
١٧٥ - ابن فارس *
مُسنِد القرّاء، كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الوزير نجيب الدين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس، التَّميمي السَّعْدي الأهتَمي، الإسكندراني ثم الدِّمشقي.