← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فيهم كل ثلاثة أشهر من دخل ممالكه، ويصطفي لنفسه الرُّبع والثُّمن، وهو الذي قتل الحافظ الرئيس أبا عبد الله الأبّار بلا جُرْم. مات في أواخر سنة خمس وسبعين وست مئة، وكانت دولته ثمانيًا وعشرين سنة، وتملَّك بعده ابنُه يحيى. ١٦٩ - الدَّبِيراني * العلّامة البارع، الفيلسوف الضالُّ، نجم الدين أبو الحسن علي بن عمر بن علي، القزويني الشهير بالدَّبِيراني، ويقال له: دَبِيران. كان أحدَ أذكياء عصره، وله تصانيف في المنطق وحكمة الأوائل، وكان يَنعِق بقِدَم العالَم حتى عند موته. وله "شرح الملخص"، وكتاب "المفصَّل في شرح المحصَّل"، وكتاب "عين القواعد"، وكتاب "شرح الكشف" للخُونَجي، وله مآخذُ على فخر الدين الرازي. وحكى عنه الشيخ شمس الدين الأصبهاني: أن تلامذته سألوه أن يوصيهم عند موته، فقال: ما ثبت عندي من النظر شيءٌ إلّا أنَّ هذا العالَم قديم. قلت: هذا من أخبث الكفر الذي أدّاه إليه ذكاؤُه المفرِط، ونظرُه التامُّ، فقبَّح اللهُ الحِكمةَ وأهلها. وُلد في رجب سنة ست مئة، وتوفي في رمضان سنة خمس وسبعين، وأجاز لعز الدين عبد العزيز بن أبي الدُّرّ مؤلّفاته.

стр. 177

١٧٠ - الشَّهْرُزُوري * الإمام الكبير، مدرِّس القَيْمُريَّة وأبو مدرِّسها وجدُّ مدرّسها اليومَ، شمسُ الدين أبو الحسن، علي بن محمود بن علي بن عاصم، الشَّهرزوري الكُردي الشَّافعي. من كِبار الشَّافعية، وَقُور مَهيب، نقَّال للمذهب، قوي النفس. أنشأ له الأمير ناصر الدين القَيمُري مدرسةً كبرى بالخُرَيميِّين من ناحية المطرِّزين بدمشق، وقرَّر تدريسها له ولذرِّيته العلماء. نابَ في القضاء عن ابن خَلّكان، وتكلَّم في دار العدل بحضرة الملك الظاهر لمّا احتاط على البساتين، فقال: الماء والكلأ والمرعى لله لا يُملَّك، والناس فيه شركاء، ومن بيده مِلكٌ فهو له. فبُهِتَ منه السلطان. وقد كان سمع ببغداد مع الصاحب ابن العَديم من جماعة، ولم يحدِّث. تُوفي بدمشق في شوال سنة خمس وسبعين وست مئة بالقَيمُرية، ودفن بمقبرة الصّوفية. فدرَّس بعده ولدُه القاضي صلاح الدين محمد مدة، وتُوفي شابًا عن ولدين، الكبير منهما هو الإمام المفتي شمس الدين علي بن الصلاح مدرِّس القَيمُرية في هذه الأزمنة، وقد درَّس بها قبله لكونه كان صغيرًا شيخُنا القاضي بدر الدين بن جَمَاعة بعد الثمانين مدةً، والقاضي علاء الدين ابن بنت الأعزّ، والشيخ صدر الدين عبد البر بن رَزِين، والقاضي إمام الدين القَزْويني، ثم تأهَّل المذكورُ ووليَها.

стр. 178

١٧١ - الموصلي الناسخ * الإمام المحدِّث المفتي، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله، المَوصِلي ثم الدمشقي، الصوفي بالسُّمَيساطية، الناسخ. سمع من: ابن صَبَّاح، وابن الزَّبِيدي، وجماعة، ولازمَ ابنَ الصَّلاح، وأتقن عنده "السنن الكبير" بخطِّه، ثم صحب المنذريَّ وأكثر عنه، وكان ثقة عالمًا. أجاز للبِرْزالي، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، توفي في رجب سنة وسبعين وست مئة. ١٧٢ - ابن عبد الوهّاب ** العلّامة الأُصولي، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الوهاب بن منصور، الحَرّاني الحنبلي. تفقَّه بالنَّجْم بن خلف القاضي، وبالشيخ المَجْد، وقرأ النحو والكلام على عَلَم الدين القاسم اللُّورْقي، ولازم بمصر ابنَ عبد السّلام، ونابَ في الحكم عن ابن العِماد، ثم قدم دمشق وتصدر للإفادة. أخذ عنه: ابن أبي الفتح، وابن الفخر البَعْليّان، ومجد الدين إسماعيل. وأعاد بالجَوْزية، وناب في حَرّان للحنابلة، ثم أصابه فالج، وعُقِلَ لسانه أشهرًا. وحدَّث عن: الموفَّق الطبيب، وابن اللَّتّي.

стр. 179

توفي في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين، وكان أحدَ الأذكياء المناظرين، عاش نيِّفًا وسبعين سنة. ١٧٣ - بُصَيلة * الشيخ رَشيد الدين، عثمان بن سليمان بن رمضان بن أبي الكَرَم، الثّعلبي المصري الزاهد، عُرف ببُصَيلة. عمُّ شيخنا بهاء الدين بن القَيِّم. سمع من: أبي الحسن بن هَبل بالموصل. سمع منه: التقي عُبيد، والشيخ شرف الدين المقدسي، وأخوه محيي الدين. توفي في ذي القَعدة سنة خمس وسبعين وست مئة، وهو في عَشْر التسعين. ١٧٤ - ابن أبي عَصْرُونَ ** الشيخ الإمام الفاضل الفقيه المدرِّس المسنِد بقيّة المشايخ، قطب الدين أبو المَعالي، أحمد بن عبد السَّلام بن المطهَّر ابن قاضي القضاة أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عَصرُون، التَّميمي المَوصِليُّ الأصلِ الشاميُّ الحَلَبي، الشافعي، مدرِّس الأَمِينيَّة والعَصْرونيَّة. ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة، وخَتَمَ القرآن في سنة تسع وتسعين، وأجاز له أبو الفرج ابن كُلَيب، والمبارك بن المَعطُوش، وأبو طاهر الخُشوعي، وعدة.

стр. 180

وسمع من: عمر بن طَبَرزَد، وأبي اليُمْن الكِنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وعبد الجليل بن مَنْدويه، وداود بن مُلاعِب، وطائفة. وتفقَّه وتميَّز، ولم يكن بالماهر في الفروع. حدَّث عنه: الدِّمياطي، وابن العطّار، وابن جَعْوان، وابن تيميَّة، وابن الكَيّال، وعدة، وأجاز لي مرويّاته. ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وست مئة. وفيها مات القاضي شمس الدين علي بن محمود رد الشَّهرزوري مدرِّس القَيْمُرِيَّة، والعدل عز الدين عمر بن أحمد بن عمر المقدسي كاتب الحُكم، والشرف محمد بن أحمد العُمَري الشُّروطي، ومدرِّس الإقبالية فخر الدين أبو الوليد محمد بن الجَنّان الشاطبي الشاعر الحنفي، والمفتي بدر الدين محمد بن علي بن السَّكاكري والصالح عماد الدين محمد بن عِوَضة، وصاحب تونس أبو عبد الله محمد ابن الملك يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ عمر إِينْتِي البَربَري، والعلّامة الفيلسوف نجم الدين علي بن عمر الكاتبيّ الدَّبِيراني القَزْويني، والشيخ إبراهيم بن سعد الله بن جَماعة، والشهاب التَّلَّعفَري محمد بن يوسف الشاعر. ١٧٥ - ابن فارس * مُسنِد القرّاء، كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الوزير نجيب الدين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس، التَّميمي السَّعْدي الأهتَمي، الإسكندراني ثم الدِّمشقي.

стр. 181

مولده سنة ست وتسعين. وتلا بالعَشْر وبكُتب عدَّة على التاج الكِنْدي. توفي سنة ست وسبعين وست مئة. ولم يكن بالمُتقِن للقراءات، تلا بها أيضًا على السَّخّاوي. ١٧٦ - البَيْلَقاني * الشيخ الإمام الفقيه الأُصولي المتكلِّم، زكي الدين أبو الحسن وأبو أحمد، زكيُّ بن حسن بن عمر، البَيْلَقاني الشافعي التاجر، الذي نزل اليمن وأقرأَ بها العقليّات. أخذ عن: فخر الدين الرازي، وسمع "الموطأ" و "جزء ابن نُجَيد" وغير ذلك من المؤيَّد بن محمد الطُّوسي، وكان من آخر من روى عن المؤيَّد بالسَّماع. مولده في سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة، وقد حدَّث بعد الثلاثين وست مئة بدمشق بقراءة تاج الدين بن أبي جعفر. سكن اليمن، واشتَهَر بها، وسمع منه أهلُها. روى عنه: الشِّهاب أحمد بن محمد الإسعَردي، والمحدِّث علي بن جابر اليَمني، وغيرهما. توفي بعد سنة ست وسبعين وست مئة. وفيها توفي شيخ القرّاء كمال الدين إبراهيم بن فارس صاحب الكِنْدِي، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد المَقدِسي، والسلطان الملك الظاهر ركن

стр. 182

الدِّين بَيبَرس الصالحي في المحرَّم كهلًا، ونائبه بدر الدين بيليك الخزندار، والشيخ خضر العدوي، ووزير الروم مُعين الدين البرواناه سليمان بن علي، وعامر بن محمود القلعي، وشيخ القراء ببغداد مجد الدين عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش الحنبلي الزاهد، والشمس عبد العزيز بن أبي نصر عبد الرحيم بن عساكر، والعدل عماد الدين عَتيق بن عبد الجبار الصِّقِلّي، والواعظ نجم الدين علي بن علي بن أسفنديار البغدادي بدمشق، وشيخ الحنابلة القاضي شمس الدين محمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بمصر، والمقرئ الشيخ يحيى بن زكريا المَنْبِجي، والإمام محيي الدين النَّواوي في رجب. ١٧٧ - ابن العِمَاد * الشيخ الإمام الفقيه المفتي قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد الله، محمد ابن السيد القُدْوة الولي عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سُرور، المَقدِسي الجَمَّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي، الحنبلي. وُلد بعد الستِّ مئة في صفر سنة ثلاث، وسمع حضورًا من عمر بن طَبَرزَد. وسمع من: الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني، وموسى بن عبد القادر، وابن مُلاعِب، والشيخ موفَّق الدين، وعدَّة، وببغداد من الفتح بن عبد السلام، وعبد السلام الداهِري، وطائفة. وأقام ببغداد مدةً، وجاءته الأولاد، وسمَّعهم الحديث، ثم خرج منها وسكن مصر، واشتَغل بها ودرَّس وأفتى، وروى الكثير.

стр. 183

وكان إمامًا، مجموع الفضائل، موطَّأ الأكناف، حسن الجملة، جيّد القَريحة، واسع العلم، متين الدِّيانة، وليَ القضاء بمصر عندما جُدِّدت القضاة الأربعة، فحُمِدَت سيرته، وقد نالته محنة وأُوذي، وحُبِسَ سنين بالقلعة ثم أُطلق، ولَزِمَ بيتَه يفتي ويشتغل ويحدِّث. حدَّث عنه: الدِّمياطي، والقاضي سعد الدين الحارثي، والشيخ علي النَّشّار، والحافظ أبو الفتح اليَعمَري، وخرَّجوا له عواليَ. تُوفي في المحرَّم سنة ست وسبعين وست مئة. وروى عنه "معجمه" بتخريج ابن الظاهري قطبُ الدين الحلبي، وقال قطب الدين: سمعت منه "صحيح مسلم"، وسمعه من ابن الحَرَستاني. ١٧٨ - ابن أبي الجَيش * عبد الصَّمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش، الشيخ الإمام العالم القُدْوة الصالح، المجوِّد شيخ القُرّاء شرف الأئمة، مجد الدين أبو أحمد، البغدادي الحنبلي المقرئ. وُلد بعد سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة. وأجاز له الشيخ جمال الدين بن الجَوْزي وغيره، وتلا بالرِّوايات على عبد العزيز ابن الناقد، وعلى الفخر الموصلي، وأبي عبد الله بن الدُّبَيثي، وعبد العزيز بن دُلَف، وعلي بن خَطّاب، وإبراهيم بن الخيِّر، ومحمد بن محمود الأَزَجي، وجماعة. وعُنِيَ بالقراءات عنايةً تامّة، وسمع من كتبها ما لا يوصف كثرة.

стр. 184

وسمع من: أحمد بن صِرْما، والفتح بن عبد السّلام، وجماعة. أخذ عن القراءات الشيخ تقي الدين المِقَصّاتي، وأبو عبد الله بن خَرُوف الموصلي، والشيخ أحمد بن علي الموصلي، وروى لنا عنه القدوةُ الشيخ إبراهيم الرَّقِّي، وصدر الدين بن حمّويه. وكان رأسًا في القراءات، بصيرًا بها وبطرقها وعِلَلها، صالحًا، وَرِعًا، كبير القَدْر، بعيد الصِّيت. قرأت بخط السيف بن المجد قال: كنت ببغداد فبنى المستنصرُ مسجدًا وزخرفه، وجعل به من يُقرئ ويُسمِّع، فاستدعى الوزيرُ جماعةً منهم صاحبنا عبد الصّمد بن أحمد، فقال له: تنتقل إلى مذهب الشافعي، فامتَنَع، فقال: أليس مذهبُ الشافعي حسنًا؟ قال: بلى، ولكن مذهبي ما علمتُ به عيبًا أتركُه لأجله، فبلغ الخليفةَ هذا فأعجبَه وقال: يكون إمامَه دونهم. وعُرِضت عليه العدالةُ فأَباها. قلت: تُوفي في ربيع الأول سنة ست وسبعين وست مئة، وقد استوفيت أخباره في "طبقات القرّاء". وابنُه اليوم هو شيخ المستنصرية أبو الرَّبيع، مُكثِرٌ عن أبيه، ومن جملة سماع ابنه منه "جامع المسانيد" و "جامع الترمذي" بسماعه من أبي الفتح الغَزْنوي الكَرُوخي. خطب مدةً بجامع الخليفة من خُطَبٍ له يُنشئها، وجُمِعت في أسفار، وتُؤثَر عنه كرامات، وكان عالي الصوت جَهوَريًا، وله جلالة عجيبة، ﵀. وسمع منه أيضًا: الشيخ صفي الدين عبد المؤمن ابن الخطيب جزءًا هو

стр. 185

لابن فَضْل سماعه من النفيس بن حُفْنَى، وأجاز لأبي الحجّاج المزي، ولابن الكازَرُوني، ورثاه الجلال بن علي والظَّهير الكازَرُوني والأمين ابن السِّمِّذي، وسمع من الشَّهرُزوري، وقرأ على أحمد بن الحسين بن النَّرْسيِّ "البخاريَّ"، وسمع من نصر بن عبد الرزاق. ١٧٩ - الملك الظاهر * سلطانُ الحرمين والشام ومصر، رُكْن الدين أبو الفتوح، بَيبَرْس التُّركي القَفْجَاقي البُندُقْداري، ثم الصَّالحي النَّجْمِي. ولد سنة أربع وعشرين وست مئة تقريبًا أو بعدها، فأُخِذَ وجُلِب إلى الشام وله ست عشرة سنة، فاشتراه الأمير علاء الدين البُندُقدار، ثم انتقل إلى الملك الصالح، وطلع منه أمرٌ كبير من الشجاعة المُفرِطة والإقدام، والرأي والحَزْم والهيبة، وكان أسمرَ بحُمْرة، أشهَلَ بزُرقة، تامَّ القامة، مليحَ الشكل، جَهِيرَ الصوت، وصار من أعيان الجامَكِية، شهد وقعةَ المنصورة، ثم تأمَّر في دولة المُعِزّ. وله مواقف مشهودة، وسيرة كبيرة، أنشأَها محيي الدين بن عبد الظاهر في مجلَّدات يصف فيها شجاعته وفتوحاته وشمائله، وسيرة أخرى في مجلَّدين لابن شدّاد، وكان طليعةَ الجيش في مَصافِّ عين جالوت، ثم وَثَبَ الأمراءُ الذين واطَؤُوه على قتل الملك المظفَّر قُطُز وملَّكوا الظاهر في ذي القَعدة سنة ثمان وخمسين. وكان عظيمَ الهيبة، كثير الغزو، خليقًا للمُلك، واللهُ يَعفُو عنه، فله أيامٌ بِيضٌ في الإسلام، ودوَّخ الفرنج وأخذ منهم عدة حصون كقَيساريَّة،

стр. 186

وحصن الأكراد، وصَفَد، وأنطاكية، وكَسَر التتار بالأَبُلُسْتَيْن من أرض الروم، ودخل مدينة قيصريّة، وجلس في دَسْت المُلْك وخضعوا له، ثم رجع مؤيَّدًا مظفّرًا، واقتنى من الغلمان الأبطال ما لا يوصف كثرة، وأقام خليفتين: المستنصِر ثم الحاكم، وحجَّ البيت، وأسرع فقدم دمشق، وسار إلى حلب، ثم إلى قلعة البِيرة، ثم كرّ مسرعًا فوافق دخولُه مصر يوم قدوم الرَّكْب المصري، فكذا فليكن العزم. قال قُطب الدين اليُونِيني (١): كان له عشرة آلاف مملوك، وخلف أولادًا عشرة، الذكور: الملك السعيد، والملك سلامش، والخضر، وتفاصيل أخباره قد ذكرنا منها في حوادث السنين. قدم دمشق من نَوْبة دخوله الروم فنزل بقصره بدمشق في سابع المحرَّم، ومرض في نصف المحرَّم فتوفي في الثامن والعشرين منه (٢)، ثم حُمِلَ إلى القلعة ليلًا، وغسَّله وصبَّره المِهتار والكمال ابن المَتِّيجي المؤذن والأمير عز الدين الأفرَم، وجُعل في تابوت في بيتٍ بالقلعة، وله نيِّف وخمسون سنة، وذلك في سنة ست وسبعين، ثم عُمِلت له التُّربة وأُنزل إليها، وتملَّك ولدُه السعيد وله ثمان عشرة سنة، ثم خُلِع بعد سنتين وبُعث إلى الكرك فأقام أيامًا ومات ﵀. وقيل: إنَّ الظاهر سقى [الملك القاهر عبد الملك ابن السلطان المعظَّم عيسى، ثم قام لحاجة وعادَ] (٣) ونسي أثرَ الكأس وملأَه الساقي، فشرب الملكُ الظاهر فتأثَّر به، والله أعلم.

стр. 187

وكان كثيرًا ما يباشر الحِصارات والنقور والمجانيق بنفسه، ويتعجَّب الأمراء من إقدامه، وكانت الفرنج والتتار تهابُه. وكان قد جعل نائبَ مُلْكه مملوكَه بدر الدين بَيْليك الخَزندار، فكان من نبلاء الرجال، له فهم ومعرفة ودِيانة، فكَتَم موتَه وساق بالجيش والخزائن حول محفّة السلطان، يُوهِمُ أنه مريض، فوصل إلى السَّعيد بمصر، وأعلن بالوفاة، فسُقِيَ بَيليك سمًّا سقاه شمس الدين الفارقاني وولده السعيد، فمرض بقُولَنْج (١) أسبوعًا، ومات في ربيع الأول. ١٨٠ - الشيخ خَضِر * هو الفقير العَدَويّ، خَضِر بن أبي بكر بن موسى، المِهْراني، شيخ الملك الظاهر. صاحب حالٍ وتصرّف، وكشف، ونفسٍ مؤثِّرة، وهِمّة فعالة، ومَدَد شيطاني، بحيث إنه أعلَمَ الظاهرَ بأنه يتملَّك، فارتبط عليه لما تَسَلطَن، وكان ينزل لزيارته في الشهر مراتٍ، ويحادثه بأسراره ويستصحبه في أسفاره، وسأله: متى أفتح أرسوف، فعيّن اليوم، فوافق، وكذا في صفد، وقال له نوبةً: لا ترح إلى الكرك، فخالفه، فوقع وانكسرت رجلُه، وقال في حصن الأكراد: تفتحونه بأربعين يومًا، فوافق ولكنه كان مزَّاحًا، كثير الشَّطح والسَّفه، بذّالًا للمال لا يدَّخر شيئًا، يكتب في أوراقه: من خضر نيَّاك الحمارة. ونَقَمَ عليه الكِبار والسلطان مخازيَ، ونُسِب إلى كُفريات، وأُحضر من

стр. 188

يُحاقِقه، فصاح: يا سلطان، أنا أَجَلي قريب من أجَلك، فوَجَمَ لها السلطان وحبسه، وكان يُتحِفه بالأطعمة، فبقي في الحبس أربع سنين، وأخبرهم نوبة البُلُستَين وهو مسجون: أنَّ السلطان يَظفَر ويعود ويموت بعدي بأيام، فاتفق كذلك. أنشأ عدة زوايا في مدائن، وكان كلُّ أحد يتَّقي جانبه حتى الوزير ابن حِنَّا، ودخل كنيسة قمامة وذبح الراهب بيده، وأخذ كنيسة اليهود واتخذها زاوية، وعطَّل سبتَهم، وغير ذلك. مات في المحرَّم سنة ست وسبعين كهلًا، أو في أواخر سنة خمس. ١٨١ - الشريف * الشيخ السيِّد عماد الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن مَناقب، الحُسيني الدمشقي. سكن مصر، وحدَّث بالكثير عن حَنبَل، وابن طَبَرزَد. روى عنه: قطب الدين، وأبو الفتح، وجماعة. وهو أخو الشريف محمد بن محمد الذي أجاز لنا. مات إبراهيم في جمادى الأولى سنة ست وسبعين وست مئة من أبناء الثمانين. ١٨٢ - ابن عَسَاكر * الشيخ شمس الدين عبد العزيز ابن القاضي عبد الرحيم بن محمد بن

стр. 189

عساكر. وُلد سنة ست وتسعين وخمس مئة. وسمع من: ابن طَبَرزَد، والكِنْدي، وطائفة. روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وابن زَيَّان العُرَني، وآخرون. عاش ثمانين سنة، توفي في جمادى الأولى أيضًا سنة ست وسبعين وست مئة. ١٨٣ - البَرواناه * الوزير الكبير، الصاحب مُعين الدين، سليمان ابن الوزير مهذَّب الدين علي العَجَمي. سكن أبوه الروم يؤدِّب أولاد مُستوفي بلاد الروم، ثم إنه ناب عن المستوفي، ثم ولي الاستيفاء بعده للسلطان علاء الدين، ثم عَظُمَ أمرُه وولي الوزارة ثم وزر لِغياث الدين، وجاءه الموت سنة اثنتين وأربعين وست مئة، فوَزَرَ بعده للسلطان غياثِ الدين ابنُه معين الدين البرواناه، وعَظُمَ شأنه، وتمكَّن زمن التتار وصانَعَهم، وداراهم بالأموال، وعَمَرَت بلاد الروم به، وكان من رجال العالم ودُهاتهم، له عقل وفكر، وفيه شجاعة وإقدام وخبرة بالأمور، كاتب سلطان المسلمين الملك الظاهر وحسّن له المجيءَ لأخذ الروم، فسار وهزم العدوَّ نوبة البُلُستَين، وجلس على تخت الملك بقيصريّة، وجرت أمور، وقالب معينُ الدين أَبَغا مدةً حتى انكشف له أمرُه، وصاحت الخواتين وبَكَين على قتلاهم بالبُلستَين وقلن: لا بدَّ من قتل هذا الباغي، فقتله في المحرم سنة ست وسبعين، ﵀.

стр. 190

قال الظَّهير الكازَرُوني: مات سلطان الروم ومدبِّر جيوشها سليمان البرواناه مقتولًا في سابع عشر ربيع الأول سنة ستٍّ، اتُّهم بالمَيْل إلى صاحب مصر، فقُطِّعت أعضاؤه وهو حيّ، وطُبخ في مِرجَل، وأكلوا منه حَنَقًا عليه، وقتل معه خلق. قلت حتى قيل: إنَّ التتار قتلوا من رعاياه مئتي ألف أو يزيدون. ١٨٤ - بَيلِيك * ملكُ الأمراء نائب المملكة، بدر الدين بَيليك الخَزندار، الظاهريُّ الرُّكْني. من نُجباء الترك، عاقل ديِّن فاضل، محبَّب إلى الرعيّة، كثير البِرّ، خليق بالإمارة جيّد الكتابة، له رُتْبة عالية عند السلطان فبلَّغه أعلى الرتب، وكان واسطة حين كَتَم موتَ أستاذه بدمشق، وأظهره أنه مريض في المِحفّة، وساسَ العساكرَ والخزائن إلى مصر، فدخل إلى بين يدي الملك السعيد، فرمى عِمامتَه وبكى، وبعد أن حلَّف الأمراءَ للسعيد أتى إلى أمِّ السعيد يعزِّيها، فأخرجت له هنابَ سُكّر وليمون، فشرب قليلًا، وألَحُّوا عليه فتحيَّل وتركه، وتمرَّض ومات بقُولَنج بعد أسبوع، فيقال: سمّه الفارقاني. مات في ربيع الأول سنة ست، ولم يتكهَّل. ١٨٥ - ابن حياة ** القاضي تقي الدين، محمد بن حَيَاة بن يحيى، الرَّقِّي، الشافعي الزاهد.

стр. 191

نابَ في القضاء لابن الصائغ، ثم ولَّاه الملك الظاهرُ قضاءَ حمص، وكان يثقُ بدينه ويعرفه فزاره في بيته بحمص، وقال: أطعِمْنا شيئًا، فأحضر مأكولًا وأكل أولًا، فتبسم منه السلطان، ثم نفَّذه على قضاء حلب، فسار إليها على حمار المُكَاريّ وما اتَّخَذ بغلة، وكان حميدَ السيرة، متين الدِّيانة. توفي في تبوك بعد المحرَّم سنة ست وسبعين وست مئة، رحمه الله تعالى، وكان يدري المذاهبَ جيدًا. ١٨٦ - النَّوَاويّ * الشيخ الإمام القُدْوة الحافظ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرَّبّاني، شيخ الإسلام أحسبه، الإمام محيي الدين أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مِرَي بن حسن بن حسين بن محمد بن حِزَام، الحِزَامِي الحَوْرانِي النَّوَاوِيِّ، الشَّافِعِيُّ. صاحب التصانيف التي سارت بها الرُّكْبان، واشتَهَرت بأقاصي البلدان. ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنَوَى، وكان أبوه دُكَّانيًّا بها، فنشأ الشيخ في ستر وخير، وحَفِظَ القرآن، وبقي يتعيّش في الدُّكان لأبيه، ثم نقله أبوه في سنة تسع وأربعين إلى دمشق ليشتغل بها، فنزل بالرَّوَاحيّة يتقوَّت بالجِرَاية، ويدرس في "التنبيه" فحفظه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع "المهذَّب" في تمام السَّنة على الشيخ الكمال إسحاق بن أحمد. ثم حجَّ مع والده، وقد لاحَتْ عليه أَمارات النَّجابة والفَهْم، فاتفق أنه أقام بالمدينة النبوية شهرًا ونصفًا، وتعلَّل في أكثر الطريق، ورجع وأكبَّ على طلب العلم ليلًا ونهارًا اشتغالًا، فضُرِبَ به المثل، وهجر النوم إلّا عن

стр. 192

غَلَبة، وضبط أوقاته إلّا بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة، أو التردُّد إلى الشيوخ، وترك كلَّ رفاهية وتنعُّم، مع تقوى وقناعة وورع وحُسْن مراقبة الله في السِّرّ والعلانية، وترك رُعونات النفس، من ثياب حسنة، ومآكل طيبة، وتجمُّل هيئة، بل طعامه جِلْف الخبز يابسه، ولباسه خام، وشَبَحتانية لطيفة، فرحمه الله ورضي عنه وجزاه عن العلم خيرًا. ذكر صاحبه الشيخ أبو الحسن علي بن العطَّار: أنَّ الشيخ محيي الدين حدَّثه: أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه، شرحًا وتصحيحًا، درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذّب"، ودرسًا في "الجمع بين الصَّحيحين"، ودرسًا في صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللُّمَع" لابن جِنِّي، ودرسًا في التَّصريف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين. قال: وكنت أُعلِّق جميع ما يتعلق بها من شرح مُشكِل، ووضوح عِبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي، وخَطَرَ لي أن أشتغل بالطبّ واشتريت كتاب "القانون"، فأظلمَ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدِر على الاشتغال، فأفقت على نفسي، وبعت "القانون" فأنار قلبي. قلت: لو سمع أولَ قدومه للَحِقَ الرَّشيد بن مَسلَمة ومكي بن علّان والكِبار، بقيَ مدةً لا يسمع الحديث. سمع رضيَّ الدين بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الحَمَوي، وزين الدين بن عبد الدائم، والقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحَرَسْتاني، والحافظ زين الدين خالدًا، وتقي الدين بن أبي اليُسْر، والمفتي جمال الدين يحيى بن الصَّيْرفي، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وخلقًا

стр. 193

سواهم، وأكثرَ من رواية الدواوين الكبار. وقرأ "الكمال" للحافظ عبد الغني على الزَّين خالد، وسمع "الصحيحين" على المحدِّث أبي إسحاق بن عيسى المُرادِي، وأخذ الأصول عن القاضي التَّفْلِيسي، والفقه عن الكمال إسحاق، وشمس الدين بن نوح، وعز الدين عمر الإربِلِي، وكمال الدين سلّار الإربِلي، والعربية عن الشيخ أحمد المصري، وعن ابن مالك، ولازم الاشتغالَ والتصنيف والإفادة، محتسبًا في ذلك مبتغيًا وجه الله، مع التعبّد والصوم والتهجّد والذِّكر والأوراد، وحِفْظ الجوارح، وذمِّ النفس، وصبر على العيش الخشن، ملازمةً كليَّة لا مزيدَ عليها. تخرَّج به أئمة منهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري، وشهاب الدين أحمد بن جَعْوان، والقاضي شهاب الدين الإربِدي، والمفتي علاء الدين بن العطَّار، وحدَّث عنه ابن أبي الفتح، والمِزِّي، وجماعة. قال ابن العطَّار: ذكر لي شيخنا: أنه كان لا يُضيع له وقتًا في ليل ولا نهار إلّا في اشتغال، حتى في الطُّرُق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق. قلت: كان مع ملازمته التامّة للعلم ومواظبته له، فائقَ الورع وتزكية النفس من شوائب الهوى وسيّئ الأخلاق، ومَحْقها من أغراضها، عارفًا بالحديث، قائمًا على أكثر فنونه، عارفًا برجاله، رأسًا في نقل المذهب، متضلِّعًا في علوم الإسلام. قال شيخنا الرَّشيد الحنفي بن المعلِّم: عَذَلتُ الشيخ محيي الدين في تركه الحمَّامَ وتضييقِ العيش وخوَّفته من مرض يعطِّله عن العلم، فقال:

стр. 194

إنَّ فلانًا صام حتى اخضرَّ جلده. كان الشيخ يمتنع جملة من أكل الخيار والفاكهة، ويقول: أخاف ترطِّبُني وتَجلِب النوم، وكان يأكل في اليوم والليلة غالبًا أكلةً واحدة، ثم يشرب مرة عند السَّحَر. قال ابن العطَّار: كلَّمتُه في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك المحجور عليهم، ثم المعاملة فيها على وجه المُساقاة، وفيها خلاف، فكيف تَطِيبُ نفسي بأكل ذلك. وقد جمع ابن العطَّار له "سيرة" في ست كراريس، مضمونها العلم والعمل والزهد والورع. وله "شرح مسلم" في مجلَّدات، و"رياض الصالحين" مجلّد، و "الأذكار" مجلد، و"مختصر علوم الحديث" وهو "الإرشاد" ثم اختصره وسمّاه "التقريب"، وكتاب "المبهَمات" مُجَيلِيد، و"تحرير ألفاظ التنبيه" و "العمدة في تصحيح التنبيه"، و "المناسك" مجلَّد، وله ثلاثة مناسك أُخر، "والتبيان في أدب حَمَلة القرآن"، و "الفتاوى"، و "الروضة" في أربعة أسفار، وشرح ربع "المهذَّب" في غاية الحسن والجَوْدة، وشرح قطعة من "الوسيط"، وعمل قطعة من "الأحكام"، وكثيرًا من "الأسماء واللغات"، ومسوَّدة في "طبقات الفقهاء"، وأشياء لم تتمَّ. وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا في النادر يقبل شيئًا يسيرًا ممن لا يشتغل عليه، قد أهدى له فقير إبريقًا فقَبِلَه، وعَزَمَ عليه صاحبُه الخطيب برهان الدين الإسكندراني أن يُفطِر معه فقال: هات الطعام ونفطر معًا، فأكل منه وكان لَوْنين، وقَلَّ أن كان يأكل إدامَين، وكان قليل الضحك،

стр. 195

عديمَ اللعب، بل هو جِدٌّ صِرْف، يقول الحقَّ وإن كان عليه، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ويواجه الأمراء والظَّلَمة بالإنكار، ويكتب إليهم ويخوِّفهم بالله، كتب مرة: من عبد الله يحيى النَّووي، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين، أدام الله له الخيرات، وتولّاه بالحسنات، وبلَّغه من خيرات الدنيا والآخرة كل آماله، وبارك له في جميع أحواله، آمين، ويُنهي إلى العلوم الشريفة أنَّ أهل الشام في ضِيق وضعف حال بسبب قلّة الأمطار. وذكر فصلًا طويلًا، وفي طيِّ ذلك ورقة إلى الملك الظاهر، فردَّ جوابَها ردًا عنيفًا مؤلمًا، فتنكَّدت خواطرُ الجماعة. وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في النهي عن المنكرات. قال ابن فَرْح - وكان ممن يَشرَح على الشيخ -: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث رُتَب لو نهض رجلٌ فيها لشُدَّت إليه الرحال: العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الشيخ ﵁ يقتنع باليسير، ووليَ مشيخةَ دار الحديث الأشرفية مع صغر سِنّه ونزول روايته في حياة مشايخه بعد الإمام أبي شامة، فما أخذ جامكيةً فيما بلغني، بل كان يجيئه من والده شيء يَقتات منه، واشترى بالجامكية كتبًا وَقَفَها. سافر وزار بيت المقدس، فرَدَّ إلى نَوَى مريضًا، وانتقل به إلى الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مئة، وقبره يُزار بنَوَى. قال قطب الدين موسى شيخنا (١): كان أوحدَ زمانه في العلم والزهد والورع والعبادة والتقلُّل وخشونة العيش، واقَفَ الملكَ الظاهر بدار العدل

стр. 196

غيرَ مرة، فحُكيَ عنه أنه قال: أنا أفزعُ من هذا. وقال الفقيه شمس الدين محمد بن الفخر: كان إمامًا بارعًا حافظًا مُفتيًا، أتقن علومًا شتَّى، وصنَّف التصانيف الحسنة، وكان شديد الورع والزهد، تاركًا لجميع ملاذِّ الدنيا من المآكل، إلّا ما يأتيه به أبوه من كعك وتِين، وكان يَلبَس الثياب الرَّثَّة المرقَّعة، ولا يدخل حمّامًا، وترك الفواكه جميعها، ولم يتناول من الجهات. قلت: وكان تُؤثَر عنه كرامات وأحوال، وكان أسمرَ، كَثَّ اللحية، رَبْعة مهيبًا، لا يرى الجدال ولا تعجبه المغالَبة، ويتأذَّى ممن يجادل ويُعرِض عنه، وقلمُه أبسطُ من عبارته، رحمه الله تعالى، فقد كان عديمَ النَّظِير. قال الشيخ شمس الدين بن النَّقيب مدرِّس الشَّامية: قال لي الشيخ محيى الدين النَّواوي وما عندنا ثالث وقد قرأتُ نصف "التنبيه" وأنا مراهق: أنت مدرِّس بالشامية، يا قاضي شمس الدين. قلت: وليَ ابن النَّقيب قضاء حمص، ثم قضاء القضاة بطرابلس، ثم بحلب، ثم رجع ودرَّس بالشاميّة بعدُ. أخبرنا علي بن إبراهيم الفقيه سنة سبع وتسعين، أخبرنا يحيى بن شرف الحافظ، أخبرنا خالد بن يوسف (ح) وأنبأتني ستُّ العرب بنت يحيى؛ قالا: أخبرنا أبو اليُمْن الكِنْدي، أخبرنا مبارك بن الحسين، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله - هو البَغَوي - حدثنا شَيْبان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن طَلَبَ الشهادةَ صادقًا من قلبِه، أُعطِيَها ولو لم تُصِبْه"، أخرجه مسلم (١) عن شَيْبان.

стр. 197

١٨٧ - ابن الخَرَزيّ * المحدِّث المفيد، شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن عيسى، الأنصاري الدمشقي الحَنبَلي، ابن الخَرَزي. وُلد سنة ثلاث عشرة وست مئة. وطلب الحديث، وكتب وتعب ورحل وتميَّز، وكان فَهِمًا جيِّد القراءة. قال شيخنا ابن الظاهري: كان يسمى الحُوَيْفظ (١). قلت: سمع من ابن اللَّتِّي، ومُكرَم، وابن المُقيَّر، وجعفر، وابن رَوَاحة، وخلق كثير. روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، والمِزِّي، وآخرون. وكان يقرأ للعامَّة على كرسيِّ ابن بَصْخان بالجامع. أجاز لي مرويّاته، وكان قانعًا، ربما لوَّح بالطلب. توفي بالديار الأشرفية في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين وست مئة. ١٨٨ - شيخ الحنفية ** قاضي القضاة، صدر الدين سليمان بن أبي العز بن وُهيب، الأذرَعي ثم الدمشقي. انتهت إليه معرفةُ المذهب، تفقَّه بجمال الدين الحَصِيري، وأقرأ الفقه بعده، ثم درَّس بمصر وحَكَم بها، ثم انتقل إلى دمشق قبل موته، فمات ابن العديم، فوليَ الفُتيا بعده ثلاثة أشهر ومات.

стр. 198

وكان الملك الظاهر يحبّه ويحترمه، وكان لا يكاد يفارقُه في غزواته، وحجَّ معه. توفي في شعبان سنة سبع وسبعين، وله ثلاث وثمانون سنة، ودفن بقاسيون، فوليَ بعده حسام الدين الرُّومي. ١٨٩ - ابن الظَّهِير * الشيخ العلَّامة شيخ الأدباء، مجد الدين أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر، الإربِلِي الحَنَفي، نزيل دمشق ومدرِّس القَيمازِيّة. وُلد بإربِلَ سنة اثنتين وست مئة. وسمع "صحيح البخاري" من ابن المكرَّم في سنة عشرين، وسمع ببغداد من أبي إسحاق الكاشْغَري وأبي بكر الخازن، وبدمشق من كَريمة وأبي الحسن السَّخَاوي وطائفة. وروى عنه: أبو شامة، والقُوصِي، وماتا قبله بمُدّة، وأبو الحسين اليُونِيني، وأبو محمد الدِّمياطي، وأبو الحسن بن العطّار، وابن أبي الفتح، وابن جَمَاعة، والمِزّي، والشهاب محمود، وآخرون. وكان ديِّنًا صيِّنًا كيِّسًا، فيه خير وانقطاع، وله فضائل ويدٌ بيضاء في الشِّعر، دُوِّن شعره، وكان كثير الإيثار والصَّدقة والمُروءة، تخرَّج به جماعة، وأنشدني لنفسه إجازةً: إذا رُمتَ أن تتوخَّى الهدى … وأن تأتي الحقَّ من بابِهِ

стр. 199

فدَعْ كلَّ قول ومَن قالَهُ … لقول الرسولِ وأصحابِهِ فلم ننجُ من مُحدَثات الأمور … بغير الحديثِ وأربابِهِ وأنشدني لنفسه: عجِّلْ هُدِيتَ المَتَابَ يا رجلُ … أبطأتَ والموتُ سائقٌ عَجِلُ أسرفتَ في السيِّئات لا مللٌ … يَعرُوك من قُبْحها ولا خَجَلُ تفرحُ إن أمكنَتْكَ مُوبِقةٌ … وأنت من خوف فَوْتها وَجِلُ يا مُعسِرًا والغَريمُ طالبُهُ … وقد دَنَا من كتابه الأجلُ كم تَتَروّى إذْ دعاك هدًى … وعند داعي هواكَ تَرتجِلُ وقد كتب مجد الدين مرّة في استدعائه: أجازَهم ما سأَلوا بشرطِه المعتمَدِ … محمدُ بن أحمدَ بن عمرَ بن أحمدِ مات في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة، ودفن بمقابر الصوفيّة. ١٩٠ - الفارقاني * ملك الأمراء، شمس الدين آقسُنْقُر، الفارقاني الظاهري. كان وسيمًا جسيمًا، فارسًا شجاعًا، حسنَ السياسة، ليِّن الكلمة، كان الظاهرُ يعتمد عليه، عمل نيابةَ السعيد مدةً، فلم يرضَ خواصُّ السلطان به ووَشَوْا به، وقُبض عليه وأُخفي أمره، فقيل: خنقوه، وعَجَزَ السعيدُ أن يخلِّصه، فراح غلطًا كما راح بَيليك الخَزندار، وشَرَعَت الدولةُ الظاهرية في اضمِحلال، هَلَكَ سنة سبع وسبعين.

стр. 200

١٩١ - النَّجِيبي * نائب السَّلطنة بدمشق، جمال الدين آقوش النَّجيبي الصالحي النَّجْمي. أمَّره أستاذه وصيَّره أستاذ داره، وكان تامَّ الشَّكل، ضخمًا، مَهيبًا، جَهْوريَّ الصوت، أكُولًا، فيه خير وبرّ ومحبّة للعلماء. استنابه الظاهر بدمشق، وأُنشئ القصر الأبلَق بمباشرته، ثم عزله السلطان من دمشق بعز الدين أيْدَمر الظاهري، فانتقل إلى مصر، وتمرَّض مدةً وأصابه فالِج مدة أربع سنين، وعاده الملكُ السعيد مرةً، ثم توفي بمصر في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة في سنِّ الشيخوخة. وله مدرسة بدمشق، عمل فيها قُبَّة ليدفن فيها، فما تهيَّأَ له. ١٩٢ - ابن إسرائيل ** الأديب الفقير المشهور، نجمُ الدين محمد بن سوّار بن إسرائيل بن خَضِر، الشَّيباني، الدمشقي الشاعر، تلميذ الحريري. له ديوان، وشعره جيِّد يعتنى به، مَدَحَ جماعةً، ونَظَمَ في طريقة الاتحاد، وكان فقيرًا مجرّدًا أشمًا عاتيًا، له محبُّون، ولما غنّى القوّالُ بقوله: وما أنتَ غيرَ الكونِ بل أنت عَينُهُ … ويَفهَم هذا السرَّ مَن هو ذائقُ أنكر عليه الكبارُ وقالوا: هذا كفر. وقد استوفيتُ ترجمته في "التاريخ الكبير". توفي في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين، وله أربع وسبعون سنة.

стр. 201

١٩٣ - ابن عَرَبْشاه * المحدِّث العالم المفيد، ناصر الدين أبو عبد الله، محمد بن عَرَبشاه بن أبي بكر بن أبي نصر، الهَمَذاني ثم الدمشقي. سمع المسلَّم المازني، وابن صبَّاح، وابن الزَّبِيدي، والناصح، وابن اللَّتّي، وطبقتهم، وقرأ ونسخ الأجزاءَ وتميّز، وأسمع أولاده صالحًا وداود ومحمدًا، وكان ثقةً صدوقًا. روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، والمِزِّي، ولي منه إجازة. وقد ارتحل ولقي ابن رَوَاج، وسمع ابنَ خليل بحلب. توفي في جمادي الأولى سنة سبع وسبعين وست مئة، وقد قارب السبعين، ﵀. ١٩٤ - مُؤمَّل ** المُسنِدُ عزّ الدين أبو المُرَجّى، المؤمَّل بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن منصور، البالِسي ثم الدمشقي، أخو المحدِّث علاء الدين. ولد سنة اثنتين وست مئة. وسمع الكثير من أبي اليُمْن الكِنْدي، والخَضِر بن كامل، وسمع أبا القاسم بن الحَرَسْتاني، وهبةَ الله بن طاووس، وأبا الغنائم الكَهْفي. روى عنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وابن العطَّار، وآخرون، وأجاز لي مرويّاته. وكان شيخًا حسنًا، صحيح السماع.

стр. 202

مات في رجب سنة سبع وسبعين وست مئة. ١٩٥ - شيخ الحنفيّة * قاضي القضاة، صدر الدين سليمان بن أبي العزِّ بن وُهَيب، الأَذْرَعي ثم الدمشقي. من أوعية العلم، له جلالة وصورة كبيرة، وبصرٌ في المسائل، تفقَّه بالعلَّامة جمال الدين الحَصيري وغيره، ودرَّس بمصر، وحَكَم، ثم ردَّ إلى دمشق في آخر العمر فوُكِّل بالقضاء بعد ابن العَديم، فلم يُطوِّل وعاش بعده ثلاثة أشهر. وكان الملك الظاهر يحبُّه ويحترمه، فأَذِنَ له في الحُكْم حيث حلَّ، وقد صَحِبَه في عدَّة غزوات، وحجَّ معه، وله نظمٌ وفضائل ﵀. توفي في سادس شعبان سنة سبع وسبعين وعاش ثلاثًا وثمانين سنة، وقبره بجبل الصالحيّة. ووليَ القضاءَ بعده العلّامة حسام الدين الرُّومي. ١٩٦ - ابن أبي جَرَادة ** المولى الصاحب الأثير، الإمام المفتي قاضي القضاة، مجد الدين أبو المجد عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادة، العُقَيلي الحلبي الحنفي. وُلِد سنع أربع عشرة وست مئة.

стр. 203

وسمع من: ثابت بن مشرِّف حُضورًا، ومن عمِّ أبيه أبي غانم محمد بن هبة الله، والشيخ شهاب الدين السُّهرَورْدي، والقاضي بهاء الدين بن شداد، والحسن بن الزَّبيدي، وعمر بن قُشَام، وابن البُنّ، وابن صَصْرَى، وإبراهيم الكاشْغَري، وعبد الرحيم بن الطُّفَيل، وخرَّج له شيخُنا ابن الظَّاهري "معجمًا" في مجلَّد، وله إجازة من المؤيَّد الطُّوسي، وطائفة. حدَّث عنه: ابن العطَّار، وبهاء الدين يوسف بن العَجَمي، والقاضي سعد الدين الحارثي، والقاضي شمس الدين بن الحَريري، ومجد الدين بن الصَّيرَفي، وطائفة، وأجاز لي. وكان إمامًا يَقِظًا، فقيهًا، محتشِمًا، تيَّاهًا، وافرَ الجلالة، ينطوي على دين وصِيانة، وتعبُّد ودِيانة، وكان يدري علمَ العربية، درَّس بالظاهرية بمصر بحضور الواقف، ثم قَدِمَ على قضاء دمشق، فما غيَّر زيَّ رؤساء الحلبيين، ولا وَسَّع كُمَّه، وكان يخضع للصُّلحاء ويحبّهم. توفي في ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة، ودُفِن بتُربتهم عند زاوية الحَريري من أرض المِزَّة. وقد رَثَاه العلَّامة شهاب الدين محمود بن سلمان بأبيات أنشدَنيها، وقال: رُقَادي أَبى إلّا مفارقةَ الجفنِ … وقلبي نَأَى إِلَّا عن الوَجْدِ والحُزْنِ أَبِيت وراحي أدمُعي وكآبتي … كؤوسي وحُزْنِي مُؤنسي والأًسى خَدْني وأَضحى وطَرْفي يحسد العُميَ إذ … حِمى المَجْد تغشاه الخطوبُ بلا إذنِ

стр. 204

ألَا في سبيل المَجْد وَجْدٌ وأدمُعٌ … وهبتُهما للبَرقِ إِن كَلَّ والمُزْنِ لأنهما سنَّا الحِدادَ فأقبَلا … يزورانِ في سُود الملابس والدُّكنِ ثَوَى المجدُ في حَزْنٍ من الأرض فاغتدَت … تَتيهُ على سهل الرُّبى روضةُ الحَزْنِ وكان لوَفْد الجُودِ مَغْناه كعبةً … يطوفون منها من يمينِه بالرُّكنِ فأضحَتْ وهذا القلبُ مَرمَى جِمَارها … وأمسَت وهذا الجَفْنُ مَجرَى دم البُدْنِ غَدَت بعده كأسُ العلوم مريرةً … وكانت به من قبلُ أحلى من المَنِّ أمرُّ على مَغْناه كي يذهبَ الأَسى … كعادته الأُولى فيُغْري ولا يُغْني وتَنثُر عيني لؤلؤًا كان كلَّما … يُساقِطه من فيهِ تلقطه أُذْني وأحسدُ عُجمَ الطير فيه لأنها … تزيد على إعراب قولي باللَّحْنِ وأقسم أن الفضل مات لموتِهِ … ويَخطُر في ذِهني أخوه فأَستثني ومات معه في سنة سبع: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عيسى بن الجَزَري الدمشقي المحدِّث، والزَّين إبراهيم بن أحمد بن السَّديد الحنفي الدمشقي، وجمال الدين آقوش النَّجيبي الذي كان نائبَ السلطنة بدمشق، وقاضي القضاة صدر الدين سليمان بن أبي العز بن وُهيب الأَذرعي شيخ الحنفية، والرئيس بهاء الدين عبد الله بن محبوب البعلبكي ناظر البيمارستان والأسرى، ومدرِّس الكَلَّاسة الإمام مجد الدين عبد الله بن الحسين الزَّرْزاري الإرْبِلي الشافعي، والوزير بهاء الدين علي بن محمد بن سَليم المصري ابن حِنّا، والشيخ مجد الدين محمد بن الظَّهير الإرْبِلي الحنفي الشيخ الأديب، ونجم الدين محمد بن إسرائيل الدمشقي الفقير الشاعر، وناصر الدين محمد بن عَرَبْشاه المحدِّث، والعزّ مؤمَّل بن محمد البالِسي.

стр. 205

١٩٧ - مُبارَك أبو المناقب * ابن الخليفة الشهيد المستعصِم بالله أبي أحمد بن المستنصِر العبَّاسي. حدَّث عن: والده، سمع منه: الكمال بن الفُوَطي. وأَسره هولاكو، وأقام بمَرَاغة، وتزوَّج وجاءه الأولاد، ثم توفي بمَرَاغة، ودفن عند المسترشِد بالله في جمادي الأولى سنة سبع وسبعين وست مئة، وله سبع وثلاثون سنة، واحتفلوا ببغداد لعَزائه، ورَثَتْه الشعراء. وخلَّف محمدًا وعبد الله ويوسف، ثم نُقِل تابوته بعد عامين إلى بغداد. أخته: السيّدة الإماميّة باب جوهر خديجة بنت المستعصِم. أُسِرَت، فنذرها الطاغية هولاكو إلى أخيه القان الكبير منكوقا، فوطئها بتُركستان واتخذها زوجة، فولدت له عبد العزيز وعبد الحق، ثم ماتا صغيرين. ثم خلَّصها الصدر محيي الدين يحيى بن إبراهيم المخزومي الخالدي وتزوَّج بها، وقَدِمَ بها إلى بغداد في سنة إحدى وستين، وهو أخو الصدر الكبير مُسافِر، ثم مات في سنة اثنتين وثمانين وست مئة. وماتت باب جوهر قبله في المحرَّم سنة ست وسبعين وست مئة، وكانت جنازتها مشهودة إلى الغاية، وكَثُرَ النَّوح والنَّدب عليها (١). ١٩٨ - النِّظام ** القاضي الإمام النِّظَام، ويعرف بشيخ الإسلام، محمود بن عمر، الهَرَوي

стр. 206

الشافعي، قاضي الجانب الغربي من بغداد. كان بصيرًا بالفقه، ذا فنون وخِبْرة بالطِّب، مع الدِّين والتزهّد. خُنِقَ ببغداد سنة سبع وسبعين، ودُفن عند الجُنيد، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، ورَثَته الشعراء، ودرَّس بالبشيرية، وحَكَم ولدُه صدر الدين، وله ابنٌ كبير بالهند له شأن، وابنٌ آخر على قضاء هَرَاة. ١٩٩ - العَزَفي * ملك سَبْتَة، الفقيه أبو القاسم محمد ابن ملك سَبْتة أبي العباس أحمد بن محمد، اللَّخْمي السَّبْتي العَزَفِي. وليَ بعد أبيه الفقيه أبي العباس في سنة ثلاث وثلاثين، وتمكَّن. وقال أبو حيان: ساسَ بلدَه أحسنَ سياسة بحيث لم يختلف عليه اثنان، ولا يؤدِّي لأحد من ملوك المغرب طاعةً، ولم يَتَسمَّ بألقاب الملوك، إنما يقال: الفقيه، كما يقال لأبيه. وكان أبيض رَبْعةً ذا شَيبة، شهمًا، عادلًا، ذا هيئة، سائسًا، لا يدخل غريبٌ سبتةَ إلّا بضامن، ولا يخرج إلّا بإذن، وما قتل أحدًا ولا قطع إلّا في حَدٍّ، وكان لا يدخل سَبْتة أحدٌ راكبًا، قال: وكان متواضعًا قريبًا من الناس، يمرُّ في الطُّرُق ويسلِّم على العامَّة، ويسألهم عن أحوالهم، ويؤانس صبيانَهم، ويسألهم عما يشتغلون به من علم أو صَنْعة، وبقي الغرباءُ يرغبون في سكن بلده ويشترون به العَقَار. وكان عسكرُه أهلَ بلده يُحكِمون الرَّمي، وأجرى عليهم رِزقًا، ولهم

стр. 207

صنائع، وله مراكب للقتال، وصاهَرَ بني الرنداحي رؤساء البحر، وكانوا شُجعانًا فقَوِيَ بهم. روى عن: أبي القاسم بن بَقِيّ، وأبي الربيع بن سالم وله منه إجازة، وجمع كتابًا في المَولِد، وكان يعمل المولد. قلت: بقي إلى قريب الثمانين، فتوفي في ذي الحِجّة سنة سبع وسبعين وست مئة، وكان أبوه من محدِّثي زمانه. ٢٠٠ - ابن حِنّا * الوزير الكبير، بهاءُ الدين علي بن محمد بن سَلِيم، ابن حِنّا، المِصري. أحد رجال الدَّهر حزمًا وعزمًا ورأيًا، نَهَضَ بأعباء الأمور، وعفَّ، وعمل الوزارةَ للظاهر ولابنه، وله مدرسةٌ وبِرّ ومتاجر وثروة، وابتُلِيَ بفَقْد ابنيه الصاحبَين فخر الدين ومحيي الدين، فصَبَر وتجلَّد. عاش أربعًا وسبعين سنة، توفي في ذي القَعدة سنة سبع وسبعين. ٢٠١ - المعظَّم ** رُكْن الدين أَرْسلان ابن الملك الزاهر داود ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. روى بالإجازة العامَّة عن أبي جعفر الصَّيدلاني. وكان مولده في سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، وحدَّث بدمشق ومصر.

стр. 208

سمع منه: ابن جَعْوان، والمِزِّي، وأجاز للبِرْزالي. وبقي إلى آخر سنة ثمان وسبعين وست مئة، وكان من أعيان دولة عمِّه الملك الظاهر، ودولة ابن عمِّه الملك العزيز، ودولة ابن عمِّه السّلطان الملك يوسف، وقلَّ من بقي اليومَ من ذُرِّية السلطان صلاح الدين، وقد خلَّف بعده بنينَ انقَرَضوا، وكان آخرهم موتًا المعظَّمُ نوران شاه بن يوسف. [وقيل]: توفي سنة ثمان وخمسين وست مئة بحلب (١). ٢٠٢ - ابن صلايا * الشريف الكبير، بقية العلويِّين بمَشهَد الحسين الشهيد، كمال الدين علي بن صلايا، الحُسيني الشِّيعي. اتَّفَق أنَّ التتار أخذوه وكتَّفوه وألقَوه في دجلة، ثم رَمَوه بالنُّشّاب حتى غرق، فمرَّ بصيادين فوقعوا به فأطلقوه، فوجدوا فيه الرُّوح، فداوَوْا جِراحاته، فعاش بعد ذلك سنواتٍ، ثم إنه مرض ومات في سنة ثمان وسبعين وست مئة، سامحه الله. ٢٠٣ - فاطمة الأيُّوبية ** السيدة الخاتُون، أم عبد الله فاطمة بنت المحدّث الملك المُحسِن أحمد ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي. مولدها في سنة سبع وتسعين وخمس مئة.

стр. 209

وسمعت من: حَنبَل المُكبِّر، وعمر بن طَبَرْزَد، وأجاز لها أبو الفتوح العِجْلي، وطائفة. حدَّث عنها: شيوخُنا الدِّمْياطي، وابن الخَبّاز، والدَّواداري، وأبو الحسن بن العطَّار. اتَّفَق موتُها ببلد بُزَاعة من أعمال حلب، في وسط ثمان وسبعين وست مئة. ٢٠٤ - الشَّقْراوي * القاضي صفي الدين، إسحاق ابن الفقيه إبراهيم بن يحيى، الشَّقْراوي الحنبلي. وُلد بدمشق سنة خمس وست مئة. وسمع من: موسى بن عبد القادر، وأحمد بن طاووس، والشيخ الموفَّق. روى عنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وجماعة، وأجاز لي مرويّاته. وكان فقيهًا خيِّرًا، طيِّب الخُلُق، كَيِّسًا، حكم بزُرَع نيابةً عن ابن أبي عمر، وكذا نابَ عنه بنابُلُس الفخرُ النابلسي، وببَعلَبَك شرف الدين أبو الحسين. توفي في ذي الحِجّة سنة ثمان وسبعين وست مئة. وهو أخو شيخنا النَّجْم موسى. مات أبوهما بعد الأربعين وست مئة، وكان يروي عن الخُشُوعي.

стр. 210

٢٠٥ - عزُّ الدين النابُلُسي * الواعظ الكبير، عز الدين عبد السَّلام بن أحمد ابن الشيخ غانم بن علي، المَقدِسي النابُلسي. وَعَظَ بدمشق وأعجب الناس، وله باعٌ أطولُ في النَّظم والنَّثر ولسان التذكير، وله شُهْرة ظاهرة. مات كهلًا بالقاهرة في شوّال سنة ثمان وسبعين وست مئة. وكان جدُّه من كِبار الزُّهّاد، وإليه يُنسَب الكَتَبة بنو غانم هو جدُّهم للأُم. ٢٠٦ - ابن أبي الخير ** الشيخ المقرئ، المعمَّر مُسنِد وقته، زَيْن الدين أبو العباس، أحمد ابن الإمام المحدِّث أبي الخير سَلَامة بن إبراهيم بن سَلَامة بن معروف، الدمشقي الحنبلي الحدَّاد الخيّاط ثم الدَّلّال ثم أحد فقراء الناصريّة. مولده في ربيع الأول سنة تسع وثمانين، فمات أبوه إمام حَلْقة الحنابلة ولهذا خمس سنين. سمع سنة ستِّ مئة من: الكِنْدي وغيره، وتفرَّد بالشام بإجازة أبي جعفر الطَّرَسُوسي، ومسعود بن أبي منصور الجَمَّال، وخليل بن بدر الرّاراني، ويحيى بن مؤمَّل، وعبد الرحيم بن محمد الكاغَدي، وأبي القاسم البُوصيري، وبنت سعد الخير، والحافظ عبد الغني وعدَّة، وأجاز

стр. 211

له أيضًا ابن كُلَيْب، والخُشُوعي، وابن الجَوْزي، وروي الكثير. وقد حجَّ سنة عشرين وست مئة، سمع منه بعرفات عمر بن الحاجب. وحدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الحُلوانية، وابن العطَّار، وابن تَيميَّة، والمِزِّي، والمَجْد الصَّيْرفي، والشيخ محمد بن عبدان، والبِرْزالي، وقد سمع من الشيخ أبي عمر في سنة سبع وستِّ مئة، ومن العز محمد ابن الحافظ، ومن الشمس البخاري. وخرَّج له ابن الظاهري "معجمًا" بالإجازات في مجلد، وأضرَّ في أواخر عمره. وقد أكثر عنه أبو الحجَّاج المِزّي، ورثاه بأبيات، وسألته عنه فقال: شيخ جليل، متيقِّظ عُمِّر وتفرَّد، وسمعت منه الكثير، وكان سهلًا في الرواية. توفي يوم عاشوراء سنة ثمان وسبعين وست مئة. قلت: بلغني أنه كان خيِّرًا متواضعًا، وأضرَّ قبل موته، أجاز لي مروياته. وفيها مات جمال الدين بن الصَّيرَفي، والصَّفِيّ إسحاق بن إبراهيم الشَّقراوي، وشمس الدين عبد الله بن محمد بن الأوحد الزُّبَيري، والواعظ عبد السَّلام بن أحمد ابن الشيخ غانم المَقدِسي، وفاطمة بنت الملك المُحسِن، والملك السعيد محمد ابن الملك الظاهر بيبرس، وشهرمان المولَّه، وشرف الدين عبد الله بن حَمّويه شيخ الشيوخ، والزاهد نجم الدين عبد الله بن الحكيم الحَمَوي، وصاحب تونس أبو زكريا يحيى بن محمد الهَنْتاني، والعدل يوسف بن تمّام الحنفي.

стр. 212

٢٠٧ - ابن الصَّيرَفي * الشيخ الإمام الفقيه المفتي الصالح القُدْوة بَرَكة المشايخ، جمال الدين أبو زكريا، يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي، ابن الحبيشي الصَّيرفي، الحَرّاني الحَنبَلي، نزيل دمشق، وشيخ الحديث بالصَّدْريَّة. وُلد سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة. وطلب لنفسه الحديث والفقه، وارتحل في تحصيل ذلك. سمع من: عمر بن طَبَرزَد، وأحمد بن الدَّبِيقي، وعبد العزيز بن مَنِينا، ومحمد بن علي القُبَّيْطي، وعلي بن محمد الموصلي، وعدَّة ببغداد، والحافظ عبد القادر الرُّهَاوي وجماعة بحَرَّان، والتاج الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني، وابن مُلاعِب، وأبي الفتوح ابن الجُلاجُلي، وعدَّة بدمشق. وأخذ العربيةَ عن أبي البقاء، والفقهَ عن أبي بكر بن غنيمة والشيخ الموفَّق، ثم عاد إلى بغداد وتزوَّج بها، ووُلِد له بها فخرُ الدين محمد، فسمَّعه من أصحاب أبي الوقت. وبَرَعَ في الفقه، ودرَّس وناظر، وكان لطيفَ الشَّكل، مصبرًا، قوَّالًا بالحق، ذا أوراد وتعبُّد، وصدق وتألُّه، واتِّباع للسُّنّة، وإجابة دعوة. حدّث عنه: الدِّمْياطي، وابن يَعيش، وابن أبي الفتح، وابن تيميَّة، والحارثي، وابن العطَّار، وتقي الدين ابن شيخنا أبي الحسين، وأحمد بن حمود، وحفيده أبو الفتح، وزين الدين ابن تيميّة، وعبد الغالب المقرئ، وعدَّة، وأجاز لي مرويّاتِه.

стр. 213

وعُمِّر دهرًا ثم وقع في الهَرَم، وتغيَّر قليلًا نحو سنتين، فمنع ابنُه الطلبةَ من الدخول إليه، فأحسن، وبقي يَطلُب من ابنه أن يُسرِّيَه في ذلك السن. مات في رابع صفر سنة ثمان وسبعين وست مئة، وكان من المكثِرين. ٢٠٨ - الملِك السَّعيد * السلطان الملك السعيد، ناصر الدين، محمَّد بَرَكة خان ولدُ السلطان الملك بَيْبَرْس. وُلد في صفر سنة ثمان وخمسين، وسَلْطَنه أبوه وله خمس سنين، وتملَّك بعد أبيه وله ثمان عشرة سنة. وكان شابًّا حسنَ الصُّورة، كريمًا، محبَّبًا إلى الرعيّة، يُؤْثِر العدل ويحبُّ فعل الخير، وفيه لِينٌ وسلامةُ باطن، قدم دمشقَ فعُمِلَت القِبابُ لمجيئه في آخر سنة سبع، وعَجَزَ عن ضَبْط الأمور فوقع فيه الطَّمَع، وخَلَعوه من السلطنة، وعملوا مَحضَرًا وأنه عاجز، وأُعطيَ الكَرَكَ فتحوَّل إليها، وقصده جماعة، فأَنعَمَ عليهم وقَلَّ ما عنده. ويقال: سُمَّ، وقيل: لعب بالكُرَة فتَقَنطَر به الفرسُ فحُمَّ، ثم تُوفي عن مرض قليل في نصف ذي القَعدة سنة ثمان وسبعين وست مئة، وله عشرون سنة وأشهُر، ودُفِن عند جعفر الطيَّار، ثم نُقِل إلى تُربة أبيه بعد سبعة عشر شهرًا، ووَجَدَتْ عليه زوجتُه بنت السلطان الملك المنصور وَجْدًا شديدًا، فلم تطوِّل بعده. وقُرِّر بعده في مملكة الكرك أخوه الملك المسعود خَضِر مُدَيدةً، ثم

стр. 214

أُخِذَ وسُجِنَ هو وأخوه سُلامُش - الذي سلطنوه أيّامًا بعد خَلْع السعيد - عند النصارى بمدينة اصطنبول، فمات سلامش هناك في سنة تسعين وله عشرون سنة. ٢٠٩ - ابن سُرور * الشيخ شمس الدين أبو عبد الله، ويقال: أبو المظفر، يوسف بن محمد بن علي بن سُرور، البغدادي، الوكيل عند الحُكْم. أجاز له ابن كُلَيب وابن الجَوْزي وغيرهما، وسمع من ابن الأخضر "جامع التِّرمذي" فيما بلغني. سمع منه: ابن الفُوَطي، وعبد العزيز بن أبي الدُّر، وصدر الدين بن حمّويه. مولده في سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، وتوفي في سنة تسع وسبعين وست مئة ببغداد. ٢١٠ - صفيّة ** المُسنِدة، أم عمر صَفيّة بنت مسعود بن أبي بكر بن شكر، المقدسيّة. سمعت من: ابن طَبَرزَد. روى عنها: ابنتها زينب، وابن العطَّار، وابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وآخرون. تُوفِّيَت في ذي القَعدة سنة تسع وسبعين وست مئة.

стр. 215

٢١١ - عبد السَّاتر * الشيخ الإمام الفقيه، تقيُّ الدين أبو الفضل، عبد السَّاتر بن عبد الحميد بن محمد بن ماضي، المَقدِسي الحنبلي. الذي كان يُلطَخ بالتجسيم، وكان بريئًا منه، لكنه كان لَهِجًا بإيراد الصِّفات، والتحرُّش بالخصوم، ومَن صَيَّر ذلك دَيدَنَه رُمِيَ بالتجسيم، كما أنَّ من تتبَّع غرائبَ الحديث كُذِّب، ومن تطلَّب الكيمياء أفلَس، أو قيل: زُغَليّ، ومن عالج التعويذ والدواوين قيل: ساحر، ومن قرأ "الشِّفا" (١) قيل: زنديق، ومن لم يتَّقِ ربَّه لم ينفعه علمُه وضلّ. وُلِد هذا سنة ثمان وست مئة، وله عدَّة إخوة، سمع موسى بن عبد القادر، والشيخَ الموفَّق، وجماعة، ولزم في الفقه التقيَّ بن العزّ، وكان خفيفًا طيَّاشًا زَعِرًا، بذيءَ اللسان، حتى على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، كان يزايد في المَشْيخة، رأيت له مصنَّفًا في الصِّفات غالبه جيّد. وحدَّثني الشيخ إبراهيم بن بركات: أنَّ بعض الأشعرية قال لعبد السَّاتر: يا شيخ، أنت تقول: إنَّ الله استوى على العرش؟ فقال: لا والله، لكن الله تعالى قاله، والرسول ﵇ بلَّغ، وأنا صدَّقتُه وأنت رَدَدْتَه، فبُهِتَ ذلك الرجل. روى عنه: ابن الخبَّاز، وخطيب أفرى علي الكتاني، ويَحْكي عنه المُبغِضون أشياء لا تصح، نعوذ بالله منها. مات في شعبان سنة تسع وسبعين وست مئة، ولم يشهده المقادسةُ،
следующие страницы →