٢٤٨ - غَمْراسن *
ويقال: يغمراسن بن عبد الوادّ، البَربَرِي، سلطان تِلِمْسان.
أحد من يُضرَب بشجاعته المثل.
تغلَّب على مدينة تِلِمْسان عند ضعف الدولة المُؤمِنية وتمكَّن، وامتدَّت أيامه، وهو الذي قتل الخليفة السعيد علي بن إدريس المُؤمِني غدرًا بنواحي تِلِمسان.
توفي في العشرين من ذي القَعدة سنة إحدى وثمانين.
وكانت دولته أزيدَ من ستين سنة، وعُمِّر دهرًا، وتمكَّن بعده ولده أبو سعيد عثمان، فامتدت أيام عثمان، وحاصَرَه صاحب المغرب الأقصى أبو يعقوب يوسف بن يعقوب المَرِيني مدَّة.
فمات السلطان عثمان بعد السبع مئة، وتملَّك عند موته ابنُه السلطان أبو زيَّان منديل (١) بن عثمان، وبقي عليه مستمرًا بحيث إِنَّ المَرِينيَّ بنى على باب تِلمسان مدينةً وأسكنها جُندَه، وحلف أن لا يرحل حتى يفتح تلمسان، فدام الحصارُ تسع سنين، فمات أبو يعقوب المَرِيني وهو يحاصر تِلمسان، وقام بعده حفيدُه أبو ثابت عامر بن عبد الله بن أبي يعقوب المَريني، فترحَّل بجيوشه، وصالَحَ صاحبَ تلمسان، وسار إلى فاس في
стр. 247
آخر سنة ست وسبع مئة، ومات أبو زيَّان سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
وتملَّك بعد أبي زيَّان أخوه السلطان موسى بن عثمان شابًا، فامتدَّت دولتُه، وكان سيِّئ السِّيرة، قتل أخاه، وشرب الخمر، ورَكِبَ قبائحَ، فثار له السلطان أبو الحسن المَرِيني مدةً وضايقه، إلى أن خرج عسكرُ البلد وكَبَسوا الجيش في رمضان فغلب الجيش، ودخلوا في الحال البلد، وقُتل موسى، وانقضت دولةُ بني عبد الوادّ، وذلك في سنة سبع وثلاثين.
٢٤٩ - صاحب الدِّيوان *
صدر العراق، علاء الدين عطا مَلِك ابن الصاحب بهاء الدين محمد بن محمد الجُوَيني، الخُراساني، أخو الوزير شمس الدين، وإليهما كان العَقدُ والحَلُّ في دولة أَبَغا، وبلغا أعلى الرُّتَب.
وتأدَّب بخُراسان، وكتب بين يدي أبيه، وتنقَّل إلى أن وليَ ممالكَ العراق بعد القزويني، فعمَّر القرى، ووفَّر الأموال، وأسقط المغارمَ عن الفلّاحين، ولمَّ شَعَثَ الناس، وعُمِّرت بغدادُ به، ولم يزل في ارتقاءٍ إلى أن قدم مَجْد المُلك فأمسكه وصادره، وزالت أيامُه.
ولَزِمَ النظمَ والنثر، والمكارمَ والسُّؤدد، وكان في وقته رِفقٌ عظيم بالرعيّة، حفر نهرًا مبدؤه في الأنبار ومنتهاه مشهد علي، فجدَّد عليه مئة وخمسين قرية.
وقد قَدِمَ القانُ أبَغا العراق، فاجتمع الأخوان علاءُ الدين والوزير شمس الدين وأُحضرت جوائزهم في العيد، فبلغت ألف جائزة.
стр. 248
وكان الفاضل إذا ألَّف كتابًا وعمله، كانت جائزته ألف دينار، ولهما إحسان إلى الفقهاء والصلحاء، ولهما يدٌ في العلوم والآداب.
جاء المجدُ في سنة ثمانين وأتى صاحبَ الديوان، وأخذ أمواله وعَقَاره، وعذَّبه. ثم مات النائب مجد الدين بن الأثير، وله سيرة طويلة، وقُتل مجد المُلك قِتلةً شنيعة، سلخه هارونُ ابن الصاحب شمس الدين، وشربوا الخمر في جمجمته، فلم يَلبَث بعده.
توفي علاء الدين في سنة إحدى وثمانين، ونُقل فدُفن بتبريز.
ولما عاد مَنكوتمر مهزومًا من الشام، حمل صاحبَ الديوان إلى هَمَذان، فهَلَكَ أَبغا ومنكوتمر، واختفى الأخَوان، فمات علاءُ الدين في الخفية، ثم ظَفِرَ أرغون بالوزير شمس الدين فقتله.
توفي العلاء في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وست مئة، وله ثمان وخمسون سنة.
ومن محاسن صاحب الديوان عطا مَلِك أنه بنى مساكنَ كثيرة ظاهرَ بغداد، وهو الكُشك الذي بين الحِلّة وباب الطاق، كسره له أعيان التتار. وقد كانت بغداد على ما ذكره ابن النَّجّار في أيام السلجوقيين إذا قدمها العسكرُ من العجم دخلوها ونزلوا في بيوت الرعيّة وخالَطُوهم، وامتَزجوا بأهاليهم، وتصرَّفوا في القماش والحرير، فنَزَحَ كثير منها لهذه المفسدة الكبرى.
قلت: فأنشأ عطا مَلِك هذه الأماكن الفسيحة المليحة لكفِّ أذى العسكر، ثم أنشأ رباطًا كبيرًا بالمشهد النَّجَفي، وأجرى إليها الماءَ وإلى جامع الكوفة، وأنشأ المدرسة. . . . (١) على المذاهب الأربعة.
стр. 249
وفي سنة ثلاث وسبعين وست مئة كان القحطُ بالعراق، فعمل دارًا للضعفاء، وبِرًّا للمستورين.
وهمَّ بإنشاء قناطر على دجلة، وأمر بعمل بركة في وسط المستنصرية يُصعَد إليها بمَدار، بعد أن كان يُحمَل الماء. وكان له مجلس يجتمع فيه العلماء ويتناظرون، ويبحث معهم ويكرمهم.
قال شرف الدين أحمد بن الكازَروني: أخبرنا علي بن عيسى الكاتب قال: كاتَبَني الصاحب عطا ملك. . . . (١) وذلك في يوم بارد، وهو جالس على الرمل وعليه قميص، وهو صابر وحامد لله:
لا تعجبين لما جَرَى … فالخيرُ فيه لَعَلّهُ
قد كنت عبدًا آبقًا … يعصي الإلهَ فغَلَّهُ
قال ابن عيسى: وعمل الصاحب أيضًا:
لئن نَظَر الزمانُ إليك شَزْرا … فلا تكُ ضيِّقًا من ذاك صَدْرا
وكن بالله ذائقةٍ فإني … أَرى لله في ذا الأمرِ سِرّا
زماني إذ رماني لا أُبالي … فقد جاريته عُسرًا ويُسرا
وقد صاحبته ستين عامًا … مَضَينَ وذُقُته حُلوًا ومُرّا
سلكتُ فِجاجَه سهلًا وحَزْنًا … وخضتُ بحاره مدًّا وجَزْرا
رأيتُ الدهرَ لا يبقى بحالٍ … يُرِيك الوجهَ ثم يُريكَ ظَهْرا
إذا دُكَّتْ جبالُ الصبر دكًّا … ترى مني فؤادًا مستقرّا
ففي البأساءِ لم أخضَعْ لبُؤسٍ … وفي السَّرّاء لستُ أَطِيش كِبْرا
стр. 250
ولصاحب الديوان:
رعى اللهُ أيامًا لنا ولياليًا … بقصت (!) وبردُ العيش صافٍ مقوَّفُ
يدور علينا الكأسُ كأسُ فكاهةٍ … يلذّ لدينة (!) لا حميًّا وقَرقَفُ
نأيتُم فلا العينُ القريحةُ بعدكم … رَقَى دمعُها يومًا ولا تتذرَّفُ
عَصَينا أحاديثَ العُذول عليكمُ … وغيَّركم قولُ الحسود المحرَّفُ
وكم عنَّ للقلب الحزين مُقَرطَقٌ … غَريرٌ كما شاء الجمال مشرّفُ
من التُّرك أمّا قلبُه فيه قسوةُ ال … حديد وأمّا جسمُه فَهْو مُترَفُ
يَرُومُ وِصالًا من فؤادٍ معذَّبٍ … بحبِّكمُ فانصاعَ لا يتوقَّفُ
ولولا هواكُم لم أكن عنه عادلًا … ولا كنتُ من تقريبه أتعفَّفُ
تعالَوْا بنا نسرقْ من العُمْر ساعةً … فنَجْني ثمارَ الوَصْل فيها ونقطفُ
وإن كنتمُ تَلقَونَ من ذاك كُلفةً … دَعُوني أبِتْ وحيدًا ولا تكلَّفوا
وللشعراء عدةُ مدائح في صاحب الديوان، واختُلف في شهر وفاته، فقيل: في شعبان، وقيل: في رابع ذي الحِجّة، وقيل: في خامس ربيع الآخر، سنة إحدى وثمانين.
٢٥٠ - ابن الدَّرَجيّ *
الشيخ العالم المُقرئ المُسنِد الصالح، برهان الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن الصَّفِيّ إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي، القُرشي، الدمشقي الحنفي، إمام المدرسة العِزِّيَّة بالكُشك.
ولد سنة تسع وتسعين.
стр. 251
وأجاز له أبو جعفر الصَّيدلاني، وأبو الفخر أسعد بن رَوْح، وإدريس، وعَفيفة الفارفانية، والمُؤيَّد ابن الإخوة، وطبقتهم، وسمع من: أبي اليُمْن الكنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَسْتاني وأبي الفتوح البَكْري، سمع منهم أجزاء يسيرة، وحدَّث في آخر عمره بـ "المعجم الكبير" للطبراني بالإجازة.
حدَّث عنه: المِزِّي، وابن تَيْميَّة وابن العطَّار، وابن سامَة، والبِرْزالي، وعدَّة، وأجاز لنا مرويّاته.
حجَّ في آخر عمره، فمات يومَ قدوم الرَّكْب في سابع صفر سنة إحدى وثمانين وست مئة.
وما ظهر سماعُه من الكِنْدي وابن الحَرَسْتاني إلّا بعد موته، وكان خَيِّرًا.
ومات في سنة إحدى الفقيه أمين الدين أحمد بن عبد الله بن الأَشتري الحلبي، وقاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن خلِّكان الإرْبِلي المؤرِّخ، والعماد إسماعيل بن إسماعيل بن جُوسَلين البَعْلي، والمُقرئ صاحب أبي الجُود فخر الدين إسماعيل بن هبة الله المَلِيجي، وزاهد بغداد عبد الله بن أبي بكر الحنبلي كُتَيْلة، وواعظ بغداد جلال الدين عبد الجبَّار بن عبد الخالق بن عَكْبَر، ومقرئ دمشق زين الدين عبد السلام بن علي الزَّوَاوي، والوزير علاء الدين عطا مَلِك الجُويني، وسلطان تِلِمسان يغمراسن بن عبد الوادّ، ونجيب الدين المقداد بن أبي القاسم القَيسي.
٢٥١ - المِقداد *
ابن أبي القاسم هِبة الله بن علي بن المِقداد، الشيخ الجليل الأَمين،
стр. 252
العَدْل الخيِّر الفاضل المُسنِد، نجيب الدين أبو المُرهَف القَيسي الصِّقِلِّي الأصل، الشَّافعي، التاجر السَّفّار، نزيل دمشق.
مولده ببغداد سنة ست مئة.
سمع: عبدَ العزيز بن الأخضر، وأحمد بن الدَّبيقي، وعبد العزيز بن مَنِينا، وعبد الله بن أحمد المنصوري وأبا منصور الرَّزَّاز، وأبا القاسم موسى بن سعيد الهاشمي، وثابت بن مشرَّف، وأبا البقاء العُكْبَري، وغيرهم ببغداد، وأبا الفتوح بن الحُصْري، وأبا الحسن بن البنّاء بمكة، وأجاز له داود ابن الفاخر وطائفة.
وكان صاحبَ كتب وأثبات، وفيه علم وعقل ودِيانة.
حدَّث عنه: والدي والمِزِّي، وابن العطَّار، وابن الخبَّاز، والبِرْزالي، والوجيه السَّبْتي، وابن يَعيش، وعدَّة، روى الكثير.
تُوفي في شعبان سنة إحدى وثمانين وست مئة.
٢٥٢ - العامِري *
الشيخ رشيد الدين، محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان، العامرِيّ، الدمشقي.
حدَّث بـ "صحيح مسلم" وبـ "دلائل النبوة" للبَيهقي عن أبي القاسم بن الحَرَستاني، وبـ "جزء الأنصاري" عن الكِنْدي.
وعنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن العطَّار، وآخرون.
مات في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين.
стр. 253
وكان لا بأس به، كان قيِّمًا بالمدرسة المُجاهدية، رحمه الله تعالى.
٢٥٣ - ابن أبي عَصْرُونَ *
الشيخ الجليل العالم المدرِّس المُسنِد، محيي الدين أبو الخطّاب، عمر بن محمد ابن شيخ الشافعية القاضي أبي سعد بن أبي عَصْرون، التَّميمي، الدمشقي الشافعي، مدرِّس مدرسة جده أبي سعد.
وُلد سنة تسع وتسعين.
وسمع من: عمر بن طَبَرزَد في الخامسة، ومن الكِنْدي، ومحمد بن الزَّنْف، وعبد الجليل بن مَنْدويه، وأبي القاسم العطَّار، وطائفة.
وعمل الجُنديّةَ مدة، ثم لبس زيَّ الفقهاء بعد موت أخيه الشيخ شرف الدين عثمان.
حدَّث عنه ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وابن تيميَّة، والمِزِّي، والحارثي، والبِرْزالي، وجماعة، وأجاز لي مرويَّاته.
وكان حسنَ الهَيْئة، جميل البِزّة، وقد وليَ والدُه قضاء القضاة، وهو القاضي محيي الدين، وتوفي قديمًا.
مات شيخُنا في ذي القَعْدة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
وفيها توفي الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والمحدِّث شيخ الطلبة جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي بكر الغَسّاني الجزائري المغربي بدمشق، والإمام مفتي حَرَّان شهاب الدين عبد الحليم ابن الشيخ مجد الدين بن تَيميَّة الحنبلي بدمشق عن ست وخمسين سنة، وشيخ
стр. 254
القراء عماد الدين علي بن أبي زهران المَوصِلي المجوِّد شيخ تُربة أم الصالح، وزاهد بغداد نجم الدين أحمد بن محمد بن القَشّ تلميذ الشيخ عثمان القصير، وزعيم آل مِرَى أحمد بن حِجِّي، وإسماعيل بن عبد الله العسقلاني الصالحي، والفقيه عباس بن علي البَعلبَكِّي، والحافظ شمس الدين محمد بن محمد بن جَعْوان، والمحدِّث محمد بن محرز الكجِّي، والعلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن نعمة المقدسي مدرِّس الشاميَّة، وخطيب دمشق محيي الدين أبو حامد محمد بن عبد الكريم ابن القاضي عبد الصّمد بن الحَرَستاني، عن ثمان وسبعين سنة، وشرف الدين محمد بن عبد المنعم بن عمر بن القَوّاس الدمشقي يروي عن الكِنْدي، والرئيس عماد الدين محمد بن أقضى القضاة شمس الدين أبي نصر بن الشِّيرازي صاحب الخط البديع يروى عن ابن الحَرَستاني، والشيخ رشيد الدين محمد بن أبي بكر بن محمد العامري يروي عن الكندي، والشيخ محيي الدين يحيى بن محمد بن القَلَانسي التَّميمي يروي عن ابن البنّاء، ومقرئ بغداد الشيخ يوسف بن جامع القُفْصي الضرير.
٢٥٤ - ابن أبي المنصور *
الشيخ الزاهد العارف الكبير، صفيُّ الدين أبو عبد الله، الحسين ابن الوزير علي بن المفتي أبي المنصور ظافر.
من متأخِّري الصوفية، عليه بعض مآخذ.
مولده بمصر في ذي القَعدة سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
стр. 255
وسمع من: علي بن البنَّاء، وغيره، وحدَّث بـ "جامع أبي عيسى".
سمع منه: عبدُ الغفَّار السعدي، وصحبه عَتيق العُمري، وكتب عنه كراريسَ بزاوية القَرَافة.
صحب الشيخَ أبا العباس الإشبيلي الجزّار.
وقال الصَّفِيُّ: رأيت بالثَّغْر عبد الرحمن المغربي، فحكى لي أنه بلغ جبلَ قاف، ورأى الحيّة الدائرة بجميعه، وهي خضراء رأسها على ذنبها، إلى أن قال: ورأيت الفخر الفارسي وابن العربي والشاذلي!
مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وست مئة بالقَرَافة، وله سبع وثمانون سنة.
ولقد زاد تعجُّبي من أمثاله فيما يَحكُون عن المشايخ من الخوارق المستحيلة، وأنا مصدِّق بكرامات القوم إذا صحَّت، ولكن تسعة أعشار المَحْكي كذب أو تخيُّل فاسد، وبعضه لا يَسُوغ شرعًا، فالله يعفو عنهم، فإيّاك والخُرافاتِ ومخالفةَ السُّنّة.
٢٥٥ - الفُوَطي
الكاتب الرئيس، أبو العباس أحمد بن عبد العزيز، القُوطي الشاعر.
قدم دمشقَ سنة ثمانين.
كتب عنه: ابن الخبَّاز، والبِرْزالي.
وهذه القصيدة له:
أيا طالبًا علمَ الحديث لك البُشْرا … فشَمِّر فقد يُسِّرتَ باللُّطف لليُسرَى
وهي في معجم، ولم تُذكَر له وفاة.
стр. 256
٢٥٦ - ابن المَقدِسي *
الإمام العلّامة العابد، مدرِّس الشاميّة الكبرى، شمس الدين محمد ابن الخطيب كمال الدين أحمد ابن الفقيه موفَّق الدين نعمة بن أحمد، المقدسي النابُلُسي ثم الدمشقي، الشافعيُّ.
أفتى وناب في القضاء، وتفقَّه به جماعة.
سمع من: عَلَم الدين السَّخَاوي، وابن الصلاح، وتاج الدين بن الشِّيرازي، وتاج الدين بن حَمّويه، وجماعة.
وكان من العلماء العاملين، ترك القضاء وحجَّ من مصر، وحدَّث بها وجاوَرَ. وكان كثير التعلُّل، وله جلالة في العلم، وشَفَقة على الطلبة، ومروءة، وكان الشيخ محيي الدين النَّواوي يُثْني عليه ويعظِّمه. اشتغلَ بتدريس الشاميّة بعد مشاركته لعز الدين بن الصائغ مدةً. وكان طويلًا كبير اللحية، تفقَّه بالكمال إسحاق، وبابن رَزِين.
مولده في سنة ثمان وعشرين وست مئة، وقيل: سنة سبع، وتُوفي في ذي القَعْدة سنة اثنتين وثمانين وست مئة، ودُفن بباب كَيْسان عند أبيه، وصلَّى عليه أخوه العلّامة شرف الدين.
حدَّث عنه: ابن الخبّاز، وابن العطّار، والبِرْزالي، وآخرون.
ذكر الشيخ تاج الدين في "تاريخه": أنه في سنة خمس وستين درَّس بالشامية الكبرى ابن الصائغ انتَزَعها من ابن المقدسي، وسَعَى ورفع قضيّة، وأَحضر من خطوط كبارٍ بأولويّة ابن الصائغ، ثم بَرَزَ من يقدِّم شمس الدين
стр. 257
المقدسي وإن كان مفضولًا، فدرَّس، ثم عُقِدَ مجلس وجرى خصام وقاموا، ثم عملوا مجلسًا آخر وانفصل على تعطيل المدرسة من مدرِّس. وكان ابن المقدسي مدةَ النزاع يُلقِي بها الدرس، ثم مُنع، ثم أُشركَ بينهما، فكان يلقي هذا درسًا بعد الآخر، وتم ذلك مدةً، ثم استقلَّ بها شمسُ الدين.
٢٥٧ - الجزائري *
المحدِّث العالم المتقِن، جمال الدين أبو محمد، عبد الله بن يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن حَيُّون، الغَسّاني المغربي الجزائري، الخطيب، نزيل دمشق.
نَسَخَ الكثير، وعُنيَ بالرواية، مع الدين والتواضع والنَّباهة.
روى عن: عثمان بن دِحْية، ويوسف ابن المَخِيلي، وكَريمة، والسَّخَاوي، وابن الصَّلاح.
ولم يسمعوا منه إلّا القليل، روى عنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وابن العطَّار، وآخرون.
تُوفي بالنَّجِيبية في شوَّال سنة اثنتين وثمانين، وقد شاخ.
أجاز لنا مرويَّاته، وكان من أبناء الثمانين.
٢٥٨ - ابن الحَرَسْتاني **
خطيبُ البلد، الإمام المفتي العالم العامل، محيي الدين أبو حامد،
стр. 258
محمد بن عبد الكريم بن عبد الصَّمد بن محمد، الأنصاري، الدمشقي الشافعي.
وُلد سنة أربع عشرة وست مئة.
وأجاز له جدُّه قاضي القضاة أبو القاسم، والمؤيَّد الطُّوسي، وسمع من زين الأُمَناء، وابن الزَّبيدي، وابن صَبَّاح، وأبي القاسم بن صَصْرَى، وسمع بمصر من عبد الرحمن بن الطُّفَيل، وحدَّث بـ "الصحيح".
وقد سَكَنَ صِهِيَونَ (١) مدةً، ووليَ الخطابةَ بعد أبيه العِماد، ودرَّسِ بالغزالية والمُجاهدية، وكان ذا تصوُّن وانجماع، وتنسُّك، وحُسْن خطابة، وبَصَرٍ بالمذهب.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطّار، والبِرْزالي، وآخرون، وأجاز لي.
تُوفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
وخطب بعده ابن عبد الكافي.
٢٥٩ - العِماد *
شيخ القرّاء بدمشق وإمام التجويد، عماد الدين علي بن يعقوب بن أبي زَهْران، المَوصِلي، الشافعي.
أخذ عن أبي إسحاق بن وثيق، وحفظ "الوجيز" و"الحاوي"، وسوَّد شرحًا للشاطبيّة، وتخرَّج به جماعة، ووليَ الإقراء بعد الزَّوَاوي بالصالحيّة.
стр. 259
تُوفي في صفر سنة اثنتين وثمانين، وله إحدى وستون سنة، سامحه الله.
كان ذا شَهَامة وجَلَادة، وله فكٌّ قوي بالأَداء، وفصاحة عَريّة من الرِّقة والخشية، ويَكثُر ذلك في قرّاء التجويد.
٢٦٠ - ابن جَعْوان *
الإمام الحافظ النَّحْوي البارع، شمس الدِّين، محمد بن محمد بن عبَّاس بن أبي بكر بن جَعْوان، الأنصاري، الدمشقي، الشَّافعي.
مولده سنة تسعٍ وأربعين.
أتقن العربيةَ على ابن مالك.
وعُنِيَ بالحديث، فسمع من: ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، ومحمدِ بن النُّشْبي، وابن عبّاد، وابن أبي الخَير، فقرأ عليه "حلية الأولياء"، وقرأ على ابن علّان "المسند" قراءةً فصيحةً لم يأخذوا عليه فيها لحنةً، وسمع بمصر من عامر القَلْعي، والعِزِّ الحرّاني، وجماعة.
وكان مليحَ الشكل، رأسًا في علم النحو، قويَّ المعرفة، متقنًا لما يقوله، حسن البِشَارة، مليح الهيئة، حُلْو المحاضرة، مؤتَمنًا صادقًا، كبير القدر.
كتب عنه آحادُ الطلبة لأنه تُوفِّي قبل الكُهولة في سادس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وستِّ مئة، وتأسَّف عليه الطلبة، ﵀.
وعاش أخوه المفتي الورع شهاب الدين أحمد، مُعِيد الناصرية إلى سنة تسعٍ وتسعين.
قال الشَّرَف يعقوب بن الصابوني: رأيت الشمسَ بن جَعْوان في النوم،
стр. 260
فقمت واعتنقتُه وقلت: ما وجدتَ من ربك؟ قال: كلَّ خير، نحن نفترش السُّندُس، يرزقكم الله ما رَزَقَنا، قال: فاستيقظتُ ودموعي على خدِّي، بكيتُ لدعوته.
٢٦١ - ابن القوّاس *
العَدْل، شرف الدِّين أبو عبد الله محمد بن عبد المُنعِم بن عمر بن عبد الله بن غَدير الطائي، الدمشقي، أخو شيخنا ناصر الدين (١).
ولد سنة اثنتين وستِّ مئة.
وسمع من: الخَضِر بن كامل المُعبِّر، والتاج الكِنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَستَاني، وأبي الفُتوح البَكْري، وبغداد من عمر بن كَرَم، وطائفة.
وأجاز له عمر بن طَبَرزَدْ، وغيره.
وكان شيخًا جميلًا نبيلًا، صحيح السماع،.
روى عنه: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن العطَّارَ، والشرف بن بِشارةَ، وآخرون.
توفي في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين.
وقد روى الحديث ابنُه المَجْد محمّد، وحفيده أبو الفضل محمّد، وطائفة من أقاربه.
٢٦٢ - ابن العَسْقَلانِي **
الشيخ المسنِد المعمَّر، أبو عبد الله إسماعيل بن أبي عبد الله الصالحيّ،
стр. 261
ابن العَسْقَلاني.
سمع حُضورًا وهو في الرابعة في سنة تسع وتسعين.
ثم سمع من: عمر بن طَبَرزَد، فأكثرَ، ومن حَنبَل، والكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني.
حدَّث عنه: ابن الخَبَّاز، وابن العطَّار، وابن تيميَّة، والبِرْزالي، والمِزِّي، وخلقٌ كثير.
قال لي أبو الحجّاج الحافظ: سمع من حَنبَل "المسند"، وسمع من ابن طَبَرزَد عامّة ما قرئ عليه بالجبل، وأجاز له أبو جعفر الصَّيْدلاني وعَفيفة، سمعنا منه أشياء كثيرة، وكان أُمِّيًّا.
قلت: توفي في ذي القَعدة سنة اثنتين وثمانين وستِّ مئة.
وفيها مات الإمام الأُصولي الشهير شهاب الدين أحمد بن إدريس القَرَافي المالكي صاحب كتاب "التنقيح"، والمحدِّث جمال الدِّين الجزائري، والإمام شهاب الدِّين عبد الحليم ابن الشيخ مجد الدِّين بن تيمية والد الشيخ، وشيخ الوقت شمس الدِّين عبد الرَّحمن بن عمر المَقدِسي، وشيخ القرّاء عماد الدِّين علي بن أبي زهران المَوصِلي، ومحيي الدِّين عمر بن محمّد بن أبي عَصْرون، وخطيب دمشق محيي الدِّين محمّد بن عبد الكريم بن الحَرَسْتَاني، وشرف الدِّين محمّد بن عبد المنعم بن عمر بن القوَّاس، والقاضي عماد الدِّين محمّد بن محمّد بن الشِّيرازي صاحب الخط البديعِ، والحافظ شمس الدِّين محمّد بن محمد بن جَعْوان، والرشيد محمّد بن أبي بكر العامِري، ومحيي الدِّين يحيى بن علي بن القَلَانِسي، ومقرئ العراق أبو إسحاق يوسف بن جامع القُقْصي الضَّرير.
стр. 262
٢٦٣ - ابن أبي عمر *
الشيخ الإمام العالم العامل القدوة البارع، مفتي الأُمة، شيخ الإسلام، كبير الحنابلة، شمس الدِّين، أبو الفَرَج وأبو محمد، عبد الرحمن ابن الإمام شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة بن مِقْدام بن نصر، المَقدِسي الجَمَّاعيلي الصَّالِحي، الحَنبلي.
مولده في أول سنة سبع وتسعين وخمس مئة بالدَّيْر من سَفْح قاسيون.
وسمع حُضورًا قبل الستِّ مئة.
وسمع من: حَنبَل "المسند" كلَّه، ومن عمر بن طَبَرزَد فأكثَرَ، ومن الكِنْدِي، وابن الحَرَسْتاني، وأبي المحاسن محمد بن كامل، والقاضي أسعد بن المنجَّي، وابنه، وعمّه الشيخ موفَّق الدين وتفقَّه به، وعرض عليه "المُقْنِع"، وعمل له شرحًا في عشرة مجلدات.
وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وقرأ على أصحاب أبي الوقت والسِّلَفي.
وسمع بمصر من مُرتضَى بن حاتم، وبمكة من أبي المَجْد القَزوِيني، وبالمدينة من عبد المُحسن الخَفِيفيّ.
وأجاز له أبو سعد بن الصَّفّار، وأبو الفَرَج بن الجَوْزي، وأبو جعفر الصَّيدلاني، وعدةٌ من المَكِّيين، وروى الكتب الكِبار، وخرَّج له ابن بَلَبَان "مَشْيخة"، والحارثيُّ أخرى.
وحدَّث عنه: ابن عبد الدَّائم مع تقدُّمه، والشيخ محيي الدين النَّواوي،
стр. 263
والحارثي، والمِزِّي، وابن نَفِيس، وابن العطَّار، وابن تيميَّة، وابن مسلَّم، والبِرْزالي، والمحدِّث الصَّيرَفي، والشيخ مجد الدِّين بن إسماعيل، والقاضي تقيُّ الدِّين سليمان، وأولاده، وخلقٌ كثير.
وكان كبير الشأن، بعيد الصِّيت منقطع القَرين، له وقعٌ في النفوس، ومحبةٌ في القلوب جميل الصُّورة بهيّأ، وَفُورًا حَسَنَ البِشْر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كبير القَدْر، كثير التعبُّد والصيام والتهجد والسَّكينة والتودُّد، وحسن الأخلاق، والصفات الحميدة، قلَّ أن ترى العيونُ مثله.
وكان ﵀ ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مُشرَبًا حُمْرة، واسع الوجه، أزجّ الحاجبين، أقنى (١)، أشهل (٢)، رقيقَ البَشَرة، كَثَّ اللحية، مقتصدًا في ثيابه، صغير العِمامة، مرسِلَ عُذَيْبةٍ بين يديه، يدخل إلى مجلس الحُكم على بهيمة.
وكان يقوم الليل، ويصلي الضُّحى، وبين العشاءين فيقضي ويحكم، فقلَّ ما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة ويصرفُها على الفقراء.
حجَّ ثلاث مرات وغزا عدّة غزوات: نوبة صَفَد، ونوبة الشّقيف وحصن الأكراد.
قد جمع الله الألسنةَ على تعظيمه وتوقيره، ولقد جمع له نجم الدِّين بن الخبَّاز "سيرةً" في مئةٍ وخمسين جُزءًا.
стр. 264
تسرَّى بجارية ثم بأخرى، وتزوَّج بابنة السَّديد الإرْبِليّ، فولدت له الشَّرَف عبد الله، والعز محمدًا، ونجم الدِّين أحمد الذي وليَ القضاء، ثم تزوَّج حبيبة بنت أحمد الحافظ (١)، فولدت له جماعة منهم علي الشهيد وزينب.
قال ابن أبي الفتح: وليَ القضاء اثنتي عشْرةَ سنة، لم يتناول على القضاء رزقًا، ثم ترك القضاء.
وقال الشيخ فخر الدين عبد الرّحمن البَعْليّ: أعرف منه خمسين سنة ما رأيته غضب.
وممَّن سمع منه المحدِّث عمر ابن الحاجب، ومات قبله باثنتين وخمسين سنة، وسأل عنه الضياء في ذلك الزمان فقال: عالمٌ خيِّرٌ.
وكان الشيخ محيي الدين النّواويُّ يقول: هو أجلّ شيوخي، وقد أثنى عليه الموافق والمخالف.
توفي شهيدًا بعد سبعة عشر يومًا بالبَطْن، ومات في سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وست مئة، وله خمس وثمانون سنة وأربعة أشهر، وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يتعذّر الإحصاء، ورَثَتْه الشعراء بعدّة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون.
٢٦٤ - القَرَافي *
العلَّامة الأُصولي المصنِّف، شهاب الدِّين، أحمد بن إدريس، الصُّنْهاجي
стр. 265
الصَّعيدي، البُوشِي، المالكي الشهير بالقَرافي، صاحب "التنقيح".
كان بصيرًا بالفقه عارفًا بالتفسير، حادَّ القَريحة، درَّس بالمدرسة الصالحية، وتخرَّج به أئمة وله تواليف ممتعة، وله "الذخيرة" في مذهب مالك.
وكان حسن الشكل، وَقُورًا متنبّهًا.
توفِّي سنة اثنتين وثمانين وست مئة (١)، أو في أول سنة ثلاث، مات قبل القاضي ناصر الدين بن المنيِّر.
ولم يسكن القَرَافة، وإنما ذكروه بتفرقة الجامكيّة، فقيل: هو في القَرَافة، فقيل: اكتبوه بها، فلزمه ذلك.
ودرَّس أيضًا بجامع عمرو، وله شهرة بالذكاء ومعرفة.
٢٦٥ - ابن القَشّ *
الزاهد القُدْوة العارف، نجم الدين أحمد بن محمد بن علي بن القَشِّ، البغدادي.
من ثِقات المشايخ، صَحِبَ الشيخَ عثمان القصير وتاب على يده،
стр. 266
وتفقَّه لأحمد.
وسمع من: ابن اللَّتِّي، وطائفة. وله أصحاب ورواية.
تُوفي ببَعْقوبا في رجب سنة اثنتين وثمانين وست مئة.
٢٦٦ - ابن الشِّيرازي *
القاضي الجليل الصّدر الرئيس، عماد الدين أبو الفضل، محمّد ابن القاضي العلّامة شمس الدين أبي نَصْر محمد بن هِبَة الله بن محمد بن الشِّيرازي، الدمشقي المجوِّد، صاحب الخطِّ البديع، الذي لا يُلحَق به.
مولده سنة خمس وست مئة.
وسمع من: داود بن مُلاعِب وابن الحَرَسْتاني.
وعنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وابن العطَّار، والبِرْزالي، وعدَّة.
كتب على الوليِّ، وسافر في التجارة، وحصَّل ثروةً، وورث زوجة، ثم وليَ وكالةَ الملك الظاهر ونظرَ ديوان ابنه السَّعيد، ثم ترك ذلك ورجع إلى بلده، وأسمَعَ ولدَه المعمَّر أبا نصر.
توفي ببستانه بالمِزَّة في صفر سنة اثنتين وثمانين وست مئة، وكان من كبراء البلد، ﵀.
كان مليحَ الشَّكل، فاخر البِزَّة، جَهْوَريَّ الكلام، وقيل: وُلِد في ذي القَعدة سنة ست وست مئة.
٢٦٧ - جكيبان
الأمير نائب بغداد علي جكيبان.
стр. 267
ولي العراقَ أكثر من ثلاث سنين، ثم قُبض عليه وعلى مجد الدين بن الأثير والوزير سعد الدين العَجَمي، فصُودِروا وعُذّبوا، ثم قتلهما أرق بأمر أرغُون.
واشتدَّ إذ ذاك القحطُ بالعراق، وكَثُر الوباء، واشتد العَسْف والظلم، وبيع الخبز ثلاثة أرطال بالبغدادي بدرهم، وذلك سنة خمس وثمانين، وقُتل هارون ابن حاجب الوزارة شمس الدين الجُوَيني، وماتت معه أو قبله بليال زوجته رابعة بنت أحمد ابن الخليفة المستنصر، ثم ولي نَظَرَ بغداد خطلوشاه غلام صاحب الديوان، فالتمس إبعادَ سعد الدولة ابن الصَّفِيّ اليهودي الطبيب عنه وكفَّ يدِه، فأُجيب، فلزم سعدُ الدولة أرق وطبَّب أرغون و خدمه وأوضح له أمور العراق، وتكلَّم وترافع، فبعثه على العراق، فخفَّف من المؤن وعذَّب النُّظّار، ووفد عليه عدة من يهود تَفْليس وصاروا كَتَبةً وشَمَخوا وتكبّروا وكثر العَسْف، ورتَّب سعدُ الدولة أخاه الفخر والمهذَّب بن الماشَعِيري، وقَتَل خطلغ شاه الصاحبيَّ، وقتلوا منصور ابنَ صاحب الديوان، ثم صلب مسعودٌ ابنَ الوزير شمس الدين الجُوَيني، وأحاط البلاءُ بآل الجُوَيني بحيث إنهم أحضروا فرج الله ابن الوزير صبيًّا في المكتب وجرَّدوه، فلما عرف أنه القتل بكى وقال: والله ما بقيت أبطِّل الكُتّاب، فبكى الناس، وقتل هو وأخوه نوروز، واستصرف اليهود على الأُمة، فالأمر لله.
٢٦٨ - صاحب حماة *
الملك المنصور، ناصر الدين أبو المَعالي، محمد ابن الملك المظفَّر
стр. 268
تقي الدين محمود ابن المنصور محمد ابن الملك المظفَّر عمر بن شاهنشاه، الأيُّوبي.
تملَّك وله عشر سنين لأجل أمِّه غازية أخت السلطان الملك الصَّالح نَجْم الدين أيوب، وكان ذا كرم ووُدّ، لكنه غارق في المَلذّات المُردِيَة، وكانت دولته أربعين سنة، وتملَّك بعده ولدُه المظفَّر.
مات سنة ثلاث وثمانين وست مئة في شوَّال بعد تعلُّله بشهرين بحُمّى صَفْراويَّة.
وكان في العام الماضي قد سار إلى مصر فأكرمه السلطان وبالغ، وأركبه بمصر بعصائب السلطنة وبالغاشية، والتمس له حاجة فقال: إن يُعفيني مولانا السلطان من التلقب بالمنصور، فإنه اتُّخِذ لمولانا، فما بقي مسوِّغ لي، فقال: ما تلقَّبتُ بالمنصور إلّا لمحبَّتي فيك، فلا يُغيَّر عنك أبدًا.
وفيها رمى السلطان الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان بجعًا بجهة العبَّاسَة بالبُندُق، وأرسله لصاحب حماة، فسُرَّ بذلك وبعث له تُحَفًا.
وأعتق المنصور محمّدٌ مماليكه، وتاب إلى الله، وكتب يلتمس من السلطان تقريرَ ولدِه في مملكة حماة، وعاش إحدى وخمسين سنة، فكانت أيامه إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام، وجاء الجواب بتولية ابنه المظفَّر، ومنه بعد البسملة: المملوك قلاوون، أعزَّ الله أنصارَ المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري الناصري، ولا عدمه الإسلام، ولا فقدته السيوف والأقلام، وحمي حماه من الآلام.
ذكر هذا المؤيَّدُ ابن أخيه (١) وقال: كان ملكًا ذكيًّا فَطِنًا، محبوب
стр. 269
الصورة، له قَبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليمًا إلى الغاية، يتجاوز عمَّا يكره ويكتمه، قَدِمَ الملكُ الظاهر حماة، فنزل بدار المبارز، فرُفعت عدّة قِصَص في صاحب حماة، فجمعها الظاهر في منديل وأمر بحملها إلى صاحب حماة من غير أن يفتح السلطانُ منها قصة، فبالغ في الدعاء له، وخَلَعَ على الدُّويدار الذي جاء بها، ثم أحرَقَها وما عرف ما فيها، فاللهُ يتجاوز عنه.
قلت: كان الأَولى أن يقرأَ القصص، ويُنصِفَ من نفسه منها فيما أمكنه، ويعتذرَ عن الباقي، ويؤدِّب الرافع والمُبطِل، أو يعفو عنه.
٢٦٩ - مجد الدين *
عبد الله بن محمود بن بَلْدِجي، المَوصِلي.
وُلد سنة تسع وتسعين.
وسمع من: ابن طَبَرزَد "الخُطب النُّباتية" و "مجلس الصَّرِيفِيني" سنة خمس، وسمع من: مسمار النَّيّار، والمجد محمد بن محمد الكَرَابيسي، سمع منه في سنة ست "عمل اليوم والليلة" لابن السُّني.
أخذ عنه: الفَرَضي، وابن الفُوَطي. وروى الكثيرَ.
مات في المحرَّم سنة ثلاث وثمانين ببغداد، ودُفن بمشهد الإمام أبي حنيفة.
وكان مدرِّسًا، وقد وليَ قضاءَ الكوفة، وروى "جامع الأصول" عن مؤلِّفه بالإجازة.
стр. 270
وله من التصانيف كتاب "المختار في الفتوى"، وشرحه بكتاب سمَّاه "الاختيار"، وله شُهْرة بين الأصحاب، وتفقَّه به جماعة، وكان له حلقة اشتغال، وكان يدري الأصولَ والخِلاف، وقد سمع "الصحيحَ" من أبي الفرج محمد بن عبد الرَّحمن الواسطي وأبي الحسن بن رُوزُبَة بسماعهما من أبي الوَقْت.
قال ابن الفُوَطي (١): سمعنا منه كتاب "جامع الأصول" بإجازته من مؤلِّفه، وكان قد سافر إلى الشام.
وقرأَ على أبي عمرو بن الحاجب ومحيي الدين بن العربي، وألحق الأحفاد بالأجداد.
قلت: وقد أجاز لمن أدرك حياتَه، وكنيته أبو الفضل، وله إجازة أيضًا من حَنْبَل المُكبِّر، وعبد الوهّاب بن سُكَينة، وعدَّة، وأجاز له أبو سعد الصفَّار عامًّا، وتزهَّد بأخَرَة، وترك القضاء.
٢٧٠ - ابن النُّعمان *
القُدْوة الزاهد، أبو عبد الله، محمد بن موسى بن النُّعمان، المَزالي المالكي، المغربي التِّلِمْساني الفاسي.
وُلد سنة سبع وست مئة.
وحجَّ، وسمع من: محمد بن عماد، وأبي القاسم الصَّفْراوي، وجعفر الهَمْداني بالإسكندرية، ومن ابن المُقيَّر، وعبد الرحيم بن الطُّفَيل بمصر،
стр. 271
وكان ماهرًا بمَقَالة الأشعري، رأسًا في النحو، استوطَنَ مصرَ وصحبه المُرِيدون.
تُوفِّي في رمضان سنة ثلاث وثمانين وست مئة، ودُفن بالقَرَافة، وكانت جنازته مشهودة.
أخذ عنه: قُطْب الدين عبد الكريم، وابن نُباتة، والمِصريُّون.
٢٧١ - البَيْساني *
القاضي العلّامة، نَجْم الدِّين أبو حفص، عمر بن نصر بن منصور، الأنصاري، البَيْساني، الشَّافعي.
من كبار الأئمة.
ولد سنة ستِّ مئة، وقيل: سنة إحدى وست مئة ببَيسان.
وسافر فسمع من كبار الأئمة مع أخيه، فتفقَّها بحلب على الصَّلاح والد الشيخ تقي الدِّين، وعلى غيره.
وسمع من: ابن الزَّبيدي، وابن باسويه، وابن اللَّتِّي، وجماعة.
روى عنه البِرْزالي، وغيره.
قال ابن الزَّمْلَكاني: هو من أكبر الفقهاء في وقته، ولي قضاء زُرَع وغيرها مدة، ثم ناب بدمشق لابن الصَّلاح، وابن سَنيِّ الدولة، ودرَّس بالرَّوَاحية، وأعاد بالعزيزية، وكان كثير السَّكينة.
وقال الشيخ تاج الدين في "تاريخه": كان طويلًا، كبير الهامة، لحيتُه يسيرة، وكان عنده قوّة نفس وشدَّةٌ في البحث.
стр. 272
توفي في شوال سنة ثلاث وثمانين وستِّ مئة، وشيَّعه الخلق، ﵀.
قلت: هو والد علي الأشقر أحد الباجُربَقيّة (١) الذي مات سنة تسع وثلاثين، وسمَّعه هو وأخوه شمس الدِّين عبد الله في عام.
قال البِرْزالي في ترجمة البَيْساني: كان عنده تفهُّم وصلابة في الأحكام، ولما ولي قضاء حلب لم ينفِّذ شيئًا من أحكام تاج الدِّين السخاوي الحنفي، وكلَّمه نائبه في ذلك، فلم يُجِب، ثم اختار ترك حلب وردَّ إلى دمشق، وكانت ولايته بحلب عُقيب واقعة حمص سنة ثمانين، بعد التاج يحيى الكُردي الذي استُشهد فأقام بها نحو عامين.
٢٧٢ - فاطمة *
بنت الحافظ علي ابن الحافظ بهاء الدِّين القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن هِبَة الله بن عساكر، الشيخة الجليلة المعمَّرة، أمُّ العرب الدمشقية.
وُلِدَت سنة ثمان وتسعين.
وسمعت من: حَنبَل، وابن طَبَرزَد، وستِّ الكَتَبة بنتِ الطَّرَّاح، وأبي الفُتُوح الجَلاجِلي، وأبي اليُمْن الكِنْدي.
وأجاز لها أبو جعفر الصَّيْدلاني والكِبار، وسماعها من حَنبَل في الخامسة.
حدَّث عنها: الدِّمْياطي، وابن الخبَّاز، وابن العطَّار، والمِزِّي، وابن جَعْوان، والبِرْزالي، وجماعة. وأجازت لي.
стр. 273
توفيت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وستِّ مئة.
وسمعتُ من ابنها عبد المنعم بن عساكر.
٢٧٣ - ابن الصَّائغ *
الشيخ الإمام القدوة العالم الفقيه، الحاكم العادل، قاضي القضاة، أبو المَفاخر، عزّ الدِّين، محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مُقلَّد، الأنصاري الدمشقي الشَّافعي.
ولد سنة ثمان وعشرين وستِّ مئة.
سمع أبا المُنجَّى بن اللَّتِّي، وأبا الحسن بن الجُمَّيْزي.
وتفقَّه وبَرَع في المذهب وأصوله، ودرَّس بالشامية مشاركًا لابن المَقْدِسي، ثم نزلها ووليَ قضاء وكالة بيت المال، ورفع الوزيرُ ابن حِنَّا من قَدْره، ونوَّه بذكره، ثم عزل ابن طَرْخان من قضاء الشام بابن الصَّائغ، فحُمِدت سيرته، وظهرت نهضته، وحكم بالقسط، وضبط أموال اليتامى والأوقاف، وأحبّه أهل الخير.
وكان يقظًا، مهيبًا، ورِعًا، كبير القَدْر، جيِّد الفِقْه، ينطوي على ديانةٍ ومحاسنَ جمَّة، قال أبو الحسن بن العطَّار: أردَفَني وراءه وهو حاكم من زاوية الحريري إلى البلد.
قلت: وليس يَعدَم من أهل الرِّيبة ذمًّا، لأنه كان يَصدَع بالحق، ويوبِّخ ويُقِلُّ المداراة، فتفرغوا له، وتغيّر عليه الوزير، ولم يُمكنِه أن يتكلم فيه عند السلطان، لأنه كان يبالغ في الثناء عليه، ثم عزل بعد سبعة أعوام وأُعيد
стр. 274
ابن خَلِّكان، وبقي هو على تدريس العذراوية، ثم إنَّ السلطان الملك المنصور أعاده إلى القضاء سنة ثمانين، فعاد إلى صَرَامته وقوته، وأسقط جماعة من شهود الرِّيبة لهم وجاهة، فسَعَوْا فيه وتألَّبوا عليه، وقدم السلطان في سنة اثنتين وثمانين، فغمزوه عنده فنالته محنة صعبة، فطلب إلى القلعة، فقال له المُشِدّ (١): أقِمْ في هذا المسجد، وعمل عليه محضرًا أثبته عليه قاضٍ بمئة ألف دينار عنده من جهة رَيْحان الخَلِيفتي، ونفَّذ المحضر النِّظام ابن الحصيريّ، وولي القضاء بهاء الدِّين بن الزَّكي، ثم بَرَزَ مدَّعٍ على القاضي بأنَّ حياصةً مُجوهرةً وعُصابةً بخمسة وعشرين ألف دينار كانت عند العماد بن محيي الدين بن العربي لابن صاحب حمص، وأنها انتقلت إلى ابن الصائغ، ووكَّلوا ابن السَّكاكري، وأنَّ شهودهم بها الكمال بن النجّار والجمال أحمد ابن الحَمَوي، فتوقَّف ابن النجّار عن الأداء واقتحم الآخر، وطُولِب القاضي بحمل المال.
ثم أظهروا قضية ثالثة، وعقد المجلس، فشهد عدلان أنَّ القاضي كان قد أسقط ابن الحَمَوي، وحضر المحدِّث ابن نفيس وآخر عند الحنفي، فشهدا على إقرار ابن الحَمَوي أنه لا علم له بهذه القضية، فبَدَرَ ابن السّكاكري الوكيل وقال: من مذهب مولانا أنَّ ذلك ليس بدافع، وبالَغَ بحيث إنه قال للقاضي النظام: إن لم تحكم فُسِّقْت وعُزِلْت.
وتكلَّم ابن الحريري، وهو إذ ذاك مدرِّس، فقال له ابن السكاكري: اسكت يا صبي، ثم طلب القاضي من السلطان أن يحاكم خصمه بلا وكيل فأجيب.
стр. 275
وعُقد المجلس وطلبوا الزاهر (١) فتغيَّب، وحضر ولده الأوحد، فقرئ المحضر، فقال ابن الصائغ: أنا أحلِّفك بأنك ما تعلم أنَّ شهودكم شهود زُور؟ فقال: أنا أصْبُو عن القضية، ونَكَلَ، فقال: وأطلب من شهودكم تعيين صفة الحِياصة، وما فيها من جوهر. فأفتى بعض الحضور بلزوم ذلك، فقال الحنفي: أنا أكشف هذا وأسأل أصحابنا، فإنَّ التعيين يختلف.
ثم ادَّعى زينُ الدين الوكيل بمضمون المحضر الأوّل، فقال ابن الصائغ: لي دوافع، منها أن الحاكم هو ابن السِّنجاري عدوِّي.
وانفصل المجلس، وقامت الحنفية على ابن الحَصيري، وعابوا حكمه، فقال: ما حكمي بباطل، لكنه لا يلزم الخصم. وبحثوا في ذلك، والحَّ ابن السَّكاكري لطلب الحكم، فأَخرج ابن الصائغ الفتاوى بأنَّ الدعوى من أصلها باطلة، أو هي بمجهول، وقال المُشِدُّ للحنفي: أما تحكم؟ فقال: لا والله. وقام مسترجِعًا، وكتب بذلك صورة مجلس، ثم قال المشدُّ بعد أيام: أيشٍ نعمل؟ قال: صلِّ في اللَّيل ركعتين، وادع أن يكشف لك أمري.
وسعى نائبا السلطنة طرنطاي ولاجين، وبيَّنوا للسلطان أنَّ القاضي مظلوم، ولاحت لهم شواهد في الحال، فأُطلق ولزم بيته، ثم انتقل إلى الله في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين بعد أن هلَّل سُوَيعة، ﵀، على خمس وخمسين سنة.
قرأت في "تاريخ" الشيخ تاج الدين الفَزَاري: كان ابن الصائغ شديد الوَطْأة على الشهود والنوّاب، وساس الولايةَ سياسة عظيمة، وعمَّر
стр. 276
الأوقاف، وكان أبوه تاجرًا بالصاغة اشتغل على شمس الدِّين بن نوح والكمال إسحاق صاحبي ابن الصلاح ولازم كمال الدِّين التَّفْليسي، فاستنابه بالشاميّة ثم علا شأنه.
٢٧٤ - ابن المُنيِّر *
القاضي العلَّامة الأوحد، ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور بن قاسم بن مُختار، الجُذامي الجَرَوي، الإسكندراني المالكي، ابن المُنيِّر، قاضي الثَّغْر وخطيبه وعالمه.
وُلد سنة عشرين وست مئة.
وله التصانيف المؤنَّقة، وهو ابن أخت شيخ القرّاء كمال الدين بن فارس التميمي.
سمع من: أبيه، ومن ابن زَوَاج، ويوسف السَّاويّ.
قيل: إنَّ الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام كان يقول: مصر تفتخرُ برجلين في طرفيها: ابن المنيِّر بالثَّغر، وابن دقيق العيد بقُوص.
ولابن المنيِّر خُطَب بليغة، وتفسير نفيس، وصنَّف كتابًا في تفسير حديث الإسراء، لم أُطالعه، وقد سمعتُ بالثَّغر من أخيه القاضي زين الدين علي بن محمد.
توفي ناصر الدين بالإسكندرية في مُستهَلِّ ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
وفيها مات صاحب قَفْجاق الذي أسلمَ الملكُ أحمد بن هولاكو،
стр. 277
والمفتي مجد الدين عبد الله بن محمود بن بَلْدجي الموصلي الحنفي يروي عن ابن طَبَرزَد، وقاضي حماة الإمام نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارِزِي الشَّافعي، وأمير العرب عيسى بن مُهنّا الطائي، وفاطمة بنت الحافظ علي بن القاسم بن عساكر، ومحدِّث القاهرة شرف الدين محمد بن إبراهيم المَيدُومي النَّحْوي، وقاضي القضاة عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر بن الصائغ الأنصاري، وصاحب حماة المنصور محمد بن المظفَّر محمود الأيُّوبي، والزاهد أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان التِّلِمساني بمصر، والمؤذن أبو العباس أحمد بن بَرَّاق بن ظاهر بنَ مزيد بن توفيق بن عزيز بن فخر بن حيي بن أبي الجن السَّوادي روى عن ابن اللَّتِّي وغيره، وعبد الوهّاب بن الفُرات بالثَّغر.
٢٧٥ - ابن الفُرَات *
الفقيه المعمَّر، أبو محمد عبد الوهّاب بن الحسن بن إسماعيل بن الفُرَات اللَّخْمي، الإسكندراني، من أكابر أهل الثَّغْر.
له إجازة من إسماعيل بن ياسين، والشهاب الغَزْنَوي، والأَرْتاحي، وابن مُوَقَّا، وعبد اللَّطيف بن أبي سعد.
خرَّج له شيخنا العراقيُّ "مشيخة".
روى عنه: أبو حيّان، والقُطْب، وجماعة، وتفرَّد في وقته.
وُلد سنة إحدى وتسعين ومات في جمادى الآخر سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
стр. 278
٢٧٦ - المَيدُومِيّ *
الإمام المقرئ المحدِّث النَّحْوي الورع، شرف الدين أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم بن عنان، المَيْدُومي المِصري.
وُلد سنة إحدى عشرة.
وسمع الكثيرَ، ونسخ وأتقنَ وجوَّد، وكان من العلماء العاملين.
سمع من: ابن باقا، وعبد القادر بن محمد البغدادي، وابن المُقيَّر، وعبد الوهّاب بن رَوَاج، وابن الجُمَّيْزي، والسِّبْط، ولازمَ الحافظَ المنذريَّ فأكثر عنه، ووليَ خزانةَ الكامليّة، ثم ولي مشيختَها بعد أن توقَّف.
أخذ عنه: الحارثي، وقُطب الدين، وقال في "تاريخه": كان من العلماء الأتقياء، كتب الكثير، وكان ذا سَمْت وصلاح، وهَدْيٍ على سَمْت السلف، درَّس بالكامليّة، انتفعتُ ببَرَكته، وعرضتُ "الشاطبية" بسماعه من أبي عبد الله القُرطُبي، وكان ثقة حُجّة.
وكان له تلميذ في الحديث، فلما تُوفِّي بكى ومرَّغ وجهه، وقال: يا سيدي، اطلُبني من الله، فمات من الغد، في صفر سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
٢٧٧ - ابن البارِزِيّ **
قاضي حماة وابنُ قاضيها وأبو قاضيها، العلَّامة ذو الفُنون، نجم الدين، عبد الرحيم بن إبراهيم بن هِبَة الله بن البارِزِي، الحَمَوي الشافعي.
стр. 279
مولده سنة ثمان وست مئة.
وحدَّث عن: موسى بن عبد القادر.
روى عنه: ابنه القاضي شرف الدين، وابن الظَّاهري، وابنه عثمان، وبدر الدين النَّحْوي.
وكان متفنِّنًا أُصوليًا، شاعرًا محسِنًا، لم يأخذ على القضاء رِزقًا، وعُزِلَ قبل موته بأعوام، اشتَغَل وصنَّف، وكان ذا دِين وتواضع، وحُبٍّ للصالحين.
وقد أنشدني محمد بن يعقوب النحوي قال: أنشدني القاضي نجم الدين لنفسه في القلم:
ومُثقِّفٍ للخطِّ يحكي فعلَ سُمْ … رِ الخطِّ إلّا أنَّ هذا أصفرُ
في رأسه المسوَدِّ إن أجرَوْه في ال … مُبيَضِّ للأعداءِ موتٌ أحمرُ
وقد كتب شيخُنا الدِّمياطي عن محمد بن عبد الرحمن الأزدي عن ابن البارِزي هذا.
حجَّ فأدركه الأجلُ بتبوكَ في ذي القَعدة سنة ثلاث وثمانين، فنُقل ودفن بالبقيع، ﵀.
ومات ابنه شيخ الإسلام شرف الدين هبةُ الله في ذي القَعدة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
٢٧٨ - الجُوَيني *
الوزير الكبير، شمس الدين أبو المَكارِم، محمد بن محمد بن محمد.
وزير هولاكو، والمتصرِّف بأقلامه في الأقاليم، وله ترسُّل ونَثْر ونَظْم،
стр. 280
ورُزِقَ من التقدُّم في الدولة التتارية ما لا مزيدَ عليه، وصَيَّر أخاه علاءَ الدين في العراق صاحبَ الديوان.
وكان جوادًا ممدَّحًا، ينطوي على إسلام وخير في الجملة، ولم يزل في رِفْعة وارتقاء إلى [أن غدر به أرغون بن أَبَغا]، فقُتل في رابع شعبان سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
قال ابن الفُوَطي: سمعت منه قضاء بدمشق وتِبريز.
وقال غيره: لما تَسلطَنَ أرغون، سارع إلى رِكَابه الوزيرُ شمس الدين، فصَفَح عنه أيامًا، ثم تنمَّر له وعذَّبه، وأخذ أمواله وقتله، ولقد كتب وصيةً يقول فيها: وإن رأى الوصيُّ جَنَفًا فليَعذِر، فإني سطرتها وأنا عُرْيان، والسيف مشهور.
ثم دُفن ﵀ بجنب أخيه عطا مَلِك، وقد بَلَغا أعلى المراتب والوزارات، ونالا من المال والجاه والجُود ما لا يُعبَّر عنه.
وقُبض ببغداد على ناظرها صاحب الديوان هارون بن الجُويني، وعُذّب، فلله الأمرُ، وبيده الخير، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
٢٧٩ - الدُّعِيُّ *
السلطان أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة، البِجَائي.
الذي تَوثّب بإفريقيّة، وزعم أنه ولدُ الواثق يحيى بن محمد بن يحيى الهَنْتاني، وسمَّى نفسه الفضل، والْتفَّ عليه خلق، وأقبل في عسكره ودخل مدينة تونس، وظَفِرَ بملكها المجاهد أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى بن
стр. 281
عبد الواحد فسجنه ثم ذبحه صبرًا، وتمكَّن ودانت له البلاد بالقحَةِ والجراءة، وتلقَّب بأمير المؤمنين، وعَرَفَ الناس بأنه زَغَلٌ، وأنه دَعيٌّ.
ثم أساء السِّيرة، فانتَدَب له أخو المجاهدِ الأميرُ أبو حفص عمر بن يحيى وجمع العساكر، فخارت قُوَى الدَّعيّ، وذلَّ واختفى، وبايع الناسُ عمرَ ولقَّبوه بالمؤيَّد، وقيل: بالمستنصِر، ثم إنه ظَفِرَ بأحمد الدعيِّ وعذّبهِ، فأقرَّ بأنه أحمد بن مرزوق، ثم هَلَكَ تحت السِّياط، وكانت دولته دون عامين، وذلك في سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
وكان المجاهد المقتول قد توثَّب أيضًا على ابن أخيه المخلوع، وأخذ منه المُلك، واستمرَّ أربعة أعوام إلى أن قُتل.
٢٨٠ - ابن مُهَنّا *
ملكُ العرب، أبو الفضل عيسى ابن الأمير مهنّا بن مانع بن حُديثة بن فَضْل ابن الأمير رَبيعة، الطائيُّ، زعيم آل فَضْل عربِ الشام.
كان رئيسًا شجاعًا سَرِيًّا مُطاعًا، له أولاد نُجَباء، وكان كامل العقل، حسنَ الدِّيانة، وافر الجلالة، ذا منزلة عند الملك الظاهر والملك المنصور.
أُعطي مدينة تَدمُر مِلكًا، وحضر مع الملك سُنقر الأشقر يوم وقعة الجُسورة، فلما تفلَّل جمعُه، أخذه عيسى في ذمامه إلى ناحية الرَّحبة، ثم استولى على صِهيَون، وشهد المَصَافَّ على حمص سنة ثمانين.
توفي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقد شاخَ، وتأمَّر بعده ابنُه
стр. 282
حسام الدين مُهنّا، فامتدَّت أيامُه.
وتُوفي قبلَ عيسى بأربعة أشهر سيدُ آل مِرَى وهو أخو فضلٍ الأميرُ البطل أحمد بن حِجِّي (١)، وقد رأيته سنة سبع وسبعين بدار السَّعادة، وكان شجاعًا مقدّمًا عند الملك المنصور.
وكان القاضي شمس الدين بن خلِّكان يُضِيفه ويقول: أنت ابن عمِّنا. كان يَزعُم أنه من ذُريّة جعفر البَرمَكي، ومن أولاد أخت هارون الرَّشيد وكان ذا رُتْبة ومنزلة عند الملك الظاهر، خلَّف عدةَ أولادٍ أمراء، والصحيح أنهم طائيُّون.
٢٨١ - عبد الرحمن *
الشيخ الكبير الذي نفَّذه القانُ أحمد بن هولاكو رسولًا إلى سلطان الإسلام.
كان والدُه مملوكًا، وربما من غلمان دار الخلافة فنشأ عبد الرحمن بالدار، ثم صار من فَرّاشي المستعصم بالله، وكان اسمه قراجا في الأول.
ولما قُتل الخليفة واستُبيحت بغداد نَجَا عبد الرحمن، وقيل: بل أُسر، وكان قد ظَفِرَ بجواهر نفيسة، ثم صُيِّر فَرّاشًا للقان، ثم إنه تزهَّد وعمل الناموس، وسار إلى الموصِل، فاتصل بالأمير أيبَك، وكان أيبك مهووسًا بالكيمياء، فربطه عبد الرحمن ومَخرَقَ عليه، فمضى في صحبته إلى أبَغا، فدخل إليه عبد الرحمن وقال: رأيت رؤيا أنَّ في قلعة دَفِينًا من توابيت،
стр. 283
وكان عبد الرحمن قد دفن هناك تلك الجواهر، فبعث معه أبغا جماعةً، فوقف وتردَّد ثم قال لهم: احفِروا هنا، فحفروا فظَهَرَ الدَّفين، فعَظُمَ بذلك عند أبغا وقرَّبه، وخَضَع له، فربطه أيضًا بشيء من السيمياء والشَّعْوذة، ثم اتَّخذ خاتمين على صفة واحدة، فأخرج أحدَهما فأعطاه أبغا وهو على حافَةِ بُحيرة عميقة، ثم قال: إن ألقيتَه في البحيرة استخرجتُه لك، فألقاه وقاما، فلما كان من الغد أقبلا، وقد عمل عبدُ الرحمن سمكةً من خشبِ مجوَّفة ملأها مِلحًا مع الخاتم الآخر ورماها في الماء، فغاصت ساعةً وهو يُهمهم ويرقي، فذاب الملح فطَفَت السمكة والخاتم يُبرِق في فمها، فانبَهَر أبغا، وأحضروها له، فأخذ الخاتمَ من فيها، ودكَّ عبد الرحمن فيها رصاصِة وألقاها في البحيرة، فغاصت، والملك يتعجَّب.
ثم إنه اتَّصل بالملك أحمد وحسَّن له الإسلام، فأسلم، ووَعَدَه بأنه يتملَّك، فتملَّك، فصار أحمدُ ينزل إلى زيارته ويقبِّل يده، ولا يخالفه في أمر، فانتُفعَ به في الجُمْلة، فأشار عليه بمصالحة صاحب مصر، وباجتماع الكلمة، فبعث رُسلًا في ذلك، ثم قال عبد الرحمن: أنا أذهبُ في توثيق الصُّلح، فأقبل وفي خدمته عددٌ من المغول والكبار، فوصل إلى دمشق في آخر سنة اثنتين وثمانين، فأُنزل بالقلعة في دار رضوان، ورُتِّبَ لهم أشياء مفتخَرة.
ثم بلغ السلطان ﵀ مصرعُ أحمد وسلطنةُ أرغون بن أبغا، فاستَحضَر عبدَ الرحمن بقلعة دمشق ليلًا وسمع ما قَدِمَ به، ثم أخبره بهلاك مُرسِله، فبقي عبد الرحمن وأتباعه في القلعة معتقَلِين مدة، فلما كان بعدِ تسعة أشهر تُوفِّي هذا في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين، ودُفن بسفح
стр. 284
قاسيون، وقد جاوز الستين.
وكان مع طريقته مسلمًا، حسن العقيدة، ديِّنًا، لولا دخولُه في السحر والزَّوكَرة، ولما احتُضِر طلب ملك الأمراء لاجين فأتاه ليلًا إلى القلعة، فاجتمع به، فناوله عِقدَ جوهر له قيمة عظيمة ووهبه إياه، وأوصى إليه بما أحبَّ، وتُوفِّي، وبقي أتباعُه في القلعة وتطاول بهم الأمرُ، وأُهمل جانبُهم، وجاعوا وعَرُوا، فعمل النّجمُ يحيى فيهم أبياتًا، وبعث بها إلى النائب:
أَولَى بسِجنك أن يحيطَ ويقتفي … صِيدَ الملوك وأفخرَ العظماءِ
ما قدر فراش وحداد ونفْ … فَاطٍ وخَرْبندا إلى سقّاءِ
خدموا رسولًا ما لهم علمٌ بما … يُخفي وما يُبدي من الأشياءِ
لم يَتْبعوا هذا الرسولَ ديانةً … وطلَّاب علم واغتنام دعاءِ
بل رغبةً في نيل ما يتصدق الس … لطانُ من دُرٍّ وفَيضِ عطاءِ
ويؤمِّلون فواضلًا تأتيهِ من … لحمٍ وفاكهةٍ ومن حَلواءِ
نَفَروا من الكفّار والتجؤوا إلى ال … إسلام واتَّبعوا سبيلَ نَجاءِ
فيُقابَلون بطول سجنٍ دائمٍ … وتحسُّر ومجاعة وعَناءِ
أكبادُهم مقطوعةٌ فكأنَّهم … موتى وهم في صورةِ الأحياءِ
إن كان خيرًا قد مضى أو كان شرًا … قد أَمِنتَ عواقبَ الأسواءِ
وإذا قطعتَ الرأس من بَشرٍ فلا … تَحفَلْ بما يبقى من الأعضاءِ
فلما سمعها أطلق مُعظمَهم وبقي اثنان أو ثلاثة، قيل: أشار صاحبُ ماردين باعتقالهم.
ولعبد الرحمن سَفَرات إلى الشام ومصر والحجّ، وكان لمّا قدم رسولًا
стр. 285
لا يسيرون به إلّا ليلًا.
٢٨٢ - ابن حَبيب *
شيخ التجويد، الكاتب البارع، زكيُّ الدين عبد الله بن علي بن حبيب، البغدادي، شيخ رباط الأصحاب.
تخرَّج به أئمة في براعة الخطِّ أمثال الشَّهرُزوري وياقوت الكاتب.
وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وست مئة، وله ست وسبعون سنة.
وقد مَدَحَه بعضُ تلامذته بقصيدة مليحة، وكان عاقلًا مَصُونًا نسخ الكثير وشاع نُبْلُه.
٢٨٣ - ابن الصَّبَّاغ **
شيخ الطب، جالِينُوس العصر، شمس الدين أبو منصور، المبارك بن المبارك بن عمر، البغداديُّ، ابن الصَّبَّاغ.
طبيب المدرسة المُستَنصِرية.
كان رأسًا في الصَّنْعة، له مصنَّفات، وتخرَّج به جماعة، وطال عمرُه، ومُتِّع بحواسِّه.
مات في المحرَّم سنة ثلاث وثمانين، وقد نيَّف على المئة. قاله ابن الفُوَطي.