عبد الواحد فسجنه ثم ذبحه صبرًا، وتمكَّن ودانت له البلاد بالقحَةِ والجراءة، وتلقَّب بأمير المؤمنين، وعَرَفَ الناس بأنه زَغَلٌ، وأنه دَعيٌّ.
ثم أساء السِّيرة، فانتَدَب له أخو المجاهدِ الأميرُ أبو حفص عمر بن يحيى وجمع العساكر، فخارت قُوَى الدَّعيّ، وذلَّ واختفى، وبايع الناسُ عمرَ ولقَّبوه بالمؤيَّد، وقيل: بالمستنصِر، ثم إنه ظَفِرَ بأحمد الدعيِّ وعذّبهِ، فأقرَّ بأنه أحمد بن مرزوق، ثم هَلَكَ تحت السِّياط، وكانت دولته دون عامين، وذلك في سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
وكان المجاهد المقتول قد توثَّب أيضًا على ابن أخيه المخلوع، وأخذ منه المُلك، واستمرَّ أربعة أعوام إلى أن قُتل.
٢٨٠ - ابن مُهَنّا *
ملكُ العرب، أبو الفضل عيسى ابن الأمير مهنّا بن مانع بن حُديثة بن فَضْل ابن الأمير رَبيعة، الطائيُّ، زعيم آل فَضْل عربِ الشام.
كان رئيسًا شجاعًا سَرِيًّا مُطاعًا، له أولاد نُجَباء، وكان كامل العقل، حسنَ الدِّيانة، وافر الجلالة، ذا منزلة عند الملك الظاهر والملك المنصور.
أُعطي مدينة تَدمُر مِلكًا، وحضر مع الملك سُنقر الأشقر يوم وقعة الجُسورة، فلما تفلَّل جمعُه، أخذه عيسى في ذمامه إلى ناحية الرَّحبة، ثم استولى على صِهيَون، وشهد المَصَافَّ على حمص سنة ثمانين.
توفي في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وقد شاخَ، وتأمَّر بعده ابنُه
стр. 282
حسام الدين مُهنّا، فامتدَّت أيامُه.
وتُوفي قبلَ عيسى بأربعة أشهر سيدُ آل مِرَى وهو أخو فضلٍ الأميرُ البطل أحمد بن حِجِّي (١)، وقد رأيته سنة سبع وسبعين بدار السَّعادة، وكان شجاعًا مقدّمًا عند الملك المنصور.
وكان القاضي شمس الدين بن خلِّكان يُضِيفه ويقول: أنت ابن عمِّنا. كان يَزعُم أنه من ذُريّة جعفر البَرمَكي، ومن أولاد أخت هارون الرَّشيد وكان ذا رُتْبة ومنزلة عند الملك الظاهر، خلَّف عدةَ أولادٍ أمراء، والصحيح أنهم طائيُّون.
٢٨١ - عبد الرحمن *
الشيخ الكبير الذي نفَّذه القانُ أحمد بن هولاكو رسولًا إلى سلطان الإسلام.
كان والدُه مملوكًا، وربما من غلمان دار الخلافة فنشأ عبد الرحمن بالدار، ثم صار من فَرّاشي المستعصم بالله، وكان اسمه قراجا في الأول.
ولما قُتل الخليفة واستُبيحت بغداد نَجَا عبد الرحمن، وقيل: بل أُسر، وكان قد ظَفِرَ بجواهر نفيسة، ثم صُيِّر فَرّاشًا للقان، ثم إنه تزهَّد وعمل الناموس، وسار إلى الموصِل، فاتصل بالأمير أيبَك، وكان أيبك مهووسًا بالكيمياء، فربطه عبد الرحمن ومَخرَقَ عليه، فمضى في صحبته إلى أبَغا، فدخل إليه عبد الرحمن وقال: رأيت رؤيا أنَّ في قلعة دَفِينًا من توابيت،
стр. 283
وكان عبد الرحمن قد دفن هناك تلك الجواهر، فبعث معه أبغا جماعةً، فوقف وتردَّد ثم قال لهم: احفِروا هنا، فحفروا فظَهَرَ الدَّفين، فعَظُمَ بذلك عند أبغا وقرَّبه، وخَضَع له، فربطه أيضًا بشيء من السيمياء والشَّعْوذة، ثم اتَّخذ خاتمين على صفة واحدة، فأخرج أحدَهما فأعطاه أبغا وهو على حافَةِ بُحيرة عميقة، ثم قال: إن ألقيتَه في البحيرة استخرجتُه لك، فألقاه وقاما، فلما كان من الغد أقبلا، وقد عمل عبدُ الرحمن سمكةً من خشبِ مجوَّفة ملأها مِلحًا مع الخاتم الآخر ورماها في الماء، فغاصت ساعةً وهو يُهمهم ويرقي، فذاب الملح فطَفَت السمكة والخاتم يُبرِق في فمها، فانبَهَر أبغا، وأحضروها له، فأخذ الخاتمَ من فيها، ودكَّ عبد الرحمن فيها رصاصِة وألقاها في البحيرة، فغاصت، والملك يتعجَّب.
ثم إنه اتَّصل بالملك أحمد وحسَّن له الإسلام، فأسلم، ووَعَدَه بأنه يتملَّك، فتملَّك، فصار أحمدُ ينزل إلى زيارته ويقبِّل يده، ولا يخالفه في أمر، فانتُفعَ به في الجُمْلة، فأشار عليه بمصالحة صاحب مصر، وباجتماع الكلمة، فبعث رُسلًا في ذلك، ثم قال عبد الرحمن: أنا أذهبُ في توثيق الصُّلح، فأقبل وفي خدمته عددٌ من المغول والكبار، فوصل إلى دمشق في آخر سنة اثنتين وثمانين، فأُنزل بالقلعة في دار رضوان، ورُتِّبَ لهم أشياء مفتخَرة.
ثم بلغ السلطان ﵀ مصرعُ أحمد وسلطنةُ أرغون بن أبغا، فاستَحضَر عبدَ الرحمن بقلعة دمشق ليلًا وسمع ما قَدِمَ به، ثم أخبره بهلاك مُرسِله، فبقي عبد الرحمن وأتباعه في القلعة معتقَلِين مدة، فلما كان بعدِ تسعة أشهر تُوفِّي هذا في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين، ودُفن بسفح
стр. 284
قاسيون، وقد جاوز الستين.
وكان مع طريقته مسلمًا، حسن العقيدة، ديِّنًا، لولا دخولُه في السحر والزَّوكَرة، ولما احتُضِر طلب ملك الأمراء لاجين فأتاه ليلًا إلى القلعة، فاجتمع به، فناوله عِقدَ جوهر له قيمة عظيمة ووهبه إياه، وأوصى إليه بما أحبَّ، وتُوفِّي، وبقي أتباعُه في القلعة وتطاول بهم الأمرُ، وأُهمل جانبُهم، وجاعوا وعَرُوا، فعمل النّجمُ يحيى فيهم أبياتًا، وبعث بها إلى النائب:
أَولَى بسِجنك أن يحيطَ ويقتفي … صِيدَ الملوك وأفخرَ العظماءِ
ما قدر فراش وحداد ونفْ … فَاطٍ وخَرْبندا إلى سقّاءِ
خدموا رسولًا ما لهم علمٌ بما … يُخفي وما يُبدي من الأشياءِ
لم يَتْبعوا هذا الرسولَ ديانةً … وطلَّاب علم واغتنام دعاءِ
بل رغبةً في نيل ما يتصدق الس … لطانُ من دُرٍّ وفَيضِ عطاءِ
ويؤمِّلون فواضلًا تأتيهِ من … لحمٍ وفاكهةٍ ومن حَلواءِ
نَفَروا من الكفّار والتجؤوا إلى ال … إسلام واتَّبعوا سبيلَ نَجاءِ
فيُقابَلون بطول سجنٍ دائمٍ … وتحسُّر ومجاعة وعَناءِ
أكبادُهم مقطوعةٌ فكأنَّهم … موتى وهم في صورةِ الأحياءِ
إن كان خيرًا قد مضى أو كان شرًا … قد أَمِنتَ عواقبَ الأسواءِ
وإذا قطعتَ الرأس من بَشرٍ فلا … تَحفَلْ بما يبقى من الأعضاءِ
فلما سمعها أطلق مُعظمَهم وبقي اثنان أو ثلاثة، قيل: أشار صاحبُ ماردين باعتقالهم.
ولعبد الرحمن سَفَرات إلى الشام ومصر والحجّ، وكان لمّا قدم رسولًا
стр. 285
لا يسيرون به إلّا ليلًا.
٢٨٢ - ابن حَبيب *
شيخ التجويد، الكاتب البارع، زكيُّ الدين عبد الله بن علي بن حبيب، البغدادي، شيخ رباط الأصحاب.
تخرَّج به أئمة في براعة الخطِّ أمثال الشَّهرُزوري وياقوت الكاتب.
وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وست مئة، وله ست وسبعون سنة.
وقد مَدَحَه بعضُ تلامذته بقصيدة مليحة، وكان عاقلًا مَصُونًا نسخ الكثير وشاع نُبْلُه.
٢٨٣ - ابن الصَّبَّاغ **
شيخ الطب، جالِينُوس العصر، شمس الدين أبو منصور، المبارك بن المبارك بن عمر، البغداديُّ، ابن الصَّبَّاغ.
طبيب المدرسة المُستَنصِرية.
كان رأسًا في الصَّنْعة، له مصنَّفات، وتخرَّج به جماعة، وطال عمرُه، ومُتِّع بحواسِّه.
مات في المحرَّم سنة ثلاث وثمانين، وقد نيَّف على المئة. قاله ابن الفُوَطي.
стр. 286
٢٨٥ - السَّاقي
الخطيب القُدْوة، محيي الدين أبو نصر، محمد بن أبي شجاع بن أبي سعد بن مِقدام، الساقي، الحنبلي الضرير، خطيب جامع الخليفة.
ولد سنة اثنتي عشر وست مئة.
وما أحسبه روى شيئًا. كان فصيحًا خيِّرًا، ديِّنًا، متعفِّفًا، تنزَّه عن الجامَكيّة، وكان طيِّب الصوت، ذكيًّا فَطِنًا، عالمًا، جيّد المذاكَرة، من العلماء العاملين.
توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وست مئة وشيَّعه الخلق.
٢٨٦ - الإخْمِيمي *
الشيخ الزاهد العارف الكبير، شرف الدِّين، الشيخ محمد بن حسن بن إسماعيل، الإِخْمِيمي.
اصطحب هو والكمال بن طلحة، وحدَّث هو عن ابن طلحة بـ "جزء ابن نُجَيد"، سمعه منه ابن تَيميَّة والبِرْزالي.
وكان ذا تألُّه وتعبُّد، وللناس فيه عقيدة، ومنهم من يقول: فيه تصنُّع.
وكان يُفتَح عليه بأشياءَ من الأُمراء فيُؤثِر به، وَيطلُب ويقول للرئيس: افدِ نفسك، ولا آخذ لنفسي شيئًا. وإذا [قوبل بقَدْرٍ] (١) قليلٍ ردَّه، فانتُقِدَ عليه ذلك.
وكان أسمرَ طويلًا نحيفًا، مَهيبًا، كبير القَدْر، حَسَنَ السَّمْت، لطيفَ
стр. 287
الإشارة، عَذْب العبارة.
قال الشيخ تاج الدِّين في "تاريخه": صُلِّيَ على الشيخ العارف المحقِّق الإخْميمي بالصالحيّة، ودُفن بقبرٍ أُعدَّ له. وكان من المعرفة بمكان عالٍ، له الكلام الدقيق، والإشارات الحسنة الخفيّة، صاحب جماعة، وبه تَزهَّد ابن طلحة، وكان بينه وبين الشيخ يوسف البِقَاعي صحبةٌ أَكيدة، ثم نَزَغَ الشيطان بينهما فتناكَرا، وأصابه مرض منعه من الجمعات، وهو يشكو ظهرَه ولا يتداوى، ثم وقع على جنبِه مدةً، ودفع إليه الركن دراهمَ ثم شاء [أن] يستردها وأُخذت، فتألَّم الشيخ.
كان مولده سنة ثمان وستِّ مئة فيما حدَّثني القاسم بن البِرزالي.
قال: وحدَّثني علاء الدين بن غانم قال: اجتمع زين الدِّين ابن الصاحب بالشيخ محمد الإخميمي، فقال: هات ألفي دينار بصُرّةٍ فِداكَ، وحلف له أنه لا ينفقُها على نفسه ولا على من تلزمُه نفقتُه، فما حَمَلَ إليه شيئًا، وسافر، فنُكِب في تلك السنة، ثم قدَّم أخوه تاج الدِّين محمد إلى الشيخ أربعة آلاف دينار على يد الجمال بن صَصْرَى، فأخذها وسافر تاجُ الدين فنُكِبَ أيضًا.
وحدَّثني: أنَّ رجلًا أتاه فقال: أعطِني خمس مئةٍ تكون فداكَ، فغاب وبعث بخمسين درهمًا، فردَّها وصاح فيه، أو قال: قُم سترى عاقبة ذلك. قال تاج الدين: وكنت عند الشيخ محمد، فقال مصريٌّ: ادعُ لنا، قال: دعائي ما ينفعك.
توفي بزاويته بسفح قاسيون في جمادى الأُولى سنة أربع وثمانين وستِّ مئة.
стр. 288
٢٨٧ - ابن تَمِيم *
المولى محيي الدِّين، محمد بن يعقوب بن علي بن تميم، الدمشقي، الجُنْدي.
من أعيان الشعراء، خَدَم بحماة صاحبَها المنصور، وتقدَّم بها، وبها توفّي، وكان صاحب حماة يُلقِّبُه بأبي تمَّام.
توفي سنة أربع وثمانين.
وهو القائل:
ولم أنسَ قولَ الوردِ والنارُ قد سَطَتْ … عليه فأمسى دَمعُه يتحدّرُ
ترفَّقْ فما هذِي دُموعي التي ترى … ولكنّها رُوحي تذُوبُ فتقطرُ
وله:
ومذْ قلتُ للمنشور إنِّي مفضِّل … على حُسنك الوردَ الذي جلَّ عن شِبْهِ
تلوَّنَ من قولي وزاد اصفِرارُه … وفتَّحَ كفَّيهِ وأوْما على وَجْهي
٢٨٨ - النُّور العَبْدَلْياني **
شيخ الحنابلة، مدرِّس المُستنَصرية نور الدين، عبد الرَّحمن بن عمر بن أبي القاسم البصري، الضَّرير العبْدَلْياني، من قرية عَبْدلْيان (١).
стр. 289
وقد درَّس أولًا بالقُشَيْريّة، ثم بعد ابن عُكبَر بالمُستَنصرية، وله كتاب "جامع العلوم" في التفسير، و"الحاوي" في الفقه، و"الكافي في شرح الخِرَقي"، وله طريقة في علم الخلاف والنظر.
وكان علَّامة ذكيًّا، يلقَّب بمَلَك الموت، عاش ستين سنة.
وتوفي ليلة عيد الفطر سنة أربع وثمانين وست مئة ببغداد.
وانتهت إليه إمامة المذهب بالعراق.
ومن تلامذته: جمال الدِّين أحمد بن عُصبة القاضي، والفقيه محمد بن يحيى، وصفي الدِّين بن عبد الحقّ، وغيرهم:
وكان ذكيًّا له أجوبة مُسكِتة، وحدَّث بـ "مسند الشَّافعي" عن ابن الحارث بقراءة ابن الكسَّار.
٢٨٩ - الرَّضِيّ الشاطبي *
العلّامة، إمام اللغة، رضيّ الدِّين، محمد بن علي بن يوسف الأنصاري، الأندلسي الشاطبي. نزيل القاهرة.
ولد ببَلَنْسِيَة سنة إحدى وست مئة.
وحدَّث عن: ابن المُقيَّر وغيره، وروى التفسير عاليًا عن محمد بن أحمد بن مسعود الشاطبي صاحب ابن هُذَيْل، وتلا عليه لوَرْش، وانتهت إليه الإمامة في اللغات وغريبها وشرحها وضبط ألفاظها.
روى عنه: أبو حيّان، وأبو الحسين اليُونِيني، والمِزِّي، وقُطْبُ الدين عبد الكريم، وعدَّة. وكان موثَّقًا.
стр. 290
توفي في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وست مئة.
أجاز لمن أدرك حياته.
٢٩٠ - ابن شدَّاد *
القاضي البليغ الأديب، عز الدِّين أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم بن شداد، الأنصاري، الحلبي.
من كبار الموقِّعين بالقاهرة، له جلالة في الدولة وتقدُّم، ورأيٌ ونُبْل، وجمع "سيرة الملك الظاهر" في سِفرَين.
روى عن: المعظَّم توران شاه.
وضبط وفاته البِرْزاليُّ الحافظ في سابع عشر صفر سنة أربع وثمانين وست مئة ودُفن بالقرافة.
٢٩١ - كافور **
الأستاذ الأمير المعمَّر، شِبل الدولة، الصَّفَوَى الصَّوابي الصَّالحي، الخَزْندار بقلعة دمشق.
سمع كثيرًا من: ابن رَوَاج، وابن المُقيَّر، والسَّخاوي، وعدَّة، وقيل: إنه سمع من ابن الزَّبِيدي، فالله أعلم.
ولد سنة بضع وستِّ مئة، وقيل قَبْل ذلك، فإنه قال للمَطَري في سنة ست وسبعين: عمري ثمانون سنة.
стр. 291
أكثرَ عنه المحدِّثون، وكان ديِّنًا، وَقورًا، كبير المنزلة عند السلطان، وله فهمٌ ومعرفة.
ومات في شعبان سنة أربع وثمانين وست مئة.
٢٩٢ - سِتّ العرب *
بنت يحيى بن قايماز، مولى العلّامة تاج الدين أبي اليُمن الكِنْدي.
وُلدت في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وسمعت من مولاها كثيرًا، وحضرت في الخامسة على ابن طَبَرزَد.
حدَّث عنها: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وخالي أبو الحسن الذهبي، وجماعة، وأجازت لي مرويّاتها.
وتوفِّيت في المحرَّم سنة أربع وثمانين وست مئة.
سألتُ عنها المِزِّي فقال: شيخة جليلة، كثيرة السماع، كبيرة، سمعت من عمر بن طَبَرزَد "الغَيْلانيَّات".
٢٩٣ - القَرْطاجَنيّ **
العلّامة اللُّغَوي، شاعر الأندلس، أبو الحسين حازم بن محمد بن الحسن بن محمد بن حازم، الأنصاري الأندلسي.
وقَرْطَاجَنَّة من عمل مُرسِيَة.
أَخَذَ من: جرير بن حطّان المُرْسي، وابن أبي السَّدّاد، وغيرهما.
مولده سنة تسع وست مئة.
стр. 292
وله تصانيف ونَظْم كثير، ألَّف كتاب "المشترك" في اللغة، وأَّلف في القوافي، وله تأليف في علم البيان فائق، وله قصيدة ميميّة في النحو، ومقصورة من نحو ألف بيت، وخمَّس "قفا نبك" ضمَّنها مدحَ النبي ﷺ ، ليس لأحد مثلها، ومَدَحَ ملوك الأندلس، وله موشَّحات بديعة، حتى قيل: كان متنبِّي زمانه.
أخذ عنه ..... (١) وبالغ في تعظيمه في الأدب، وقال: مات بتونس في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وست مئة.
٢٩٤ - الرَّشيد سعيد *
شيخ الحنفية وقاضيهم، رشيد الدين سعيد بن علي بن سعيد، البُصْروي مدرّس الشِبْليَّة.
كان رأسًا في الفقه، قويّ العربية، شديد الورع، ذُكِرَ للقضاء فامتنع، قال شيخنا ابن أبي الفتح: سمعت غيرَ واحد يقول: ما خلَّف مثلَه في المذهب، وله نظمٌ جيِّد.
مات كهلًا في رمضان سنة أربع وثمانين وست مئة.
٢٩٥ - علي بن بَلَبَان **
الشيخ المحدِّث العالم المُفيد الرَّحّال علاء الدين أبو القاسم، المَقدِسي الكَرَكيُّ، الناصريّ المُشرِف.
стр. 293
وُلد سنة اثنتي عشرة.
سمع ببغداد من: المحدِّث أبي الحسن بن القَطِيعي، والأنجَب الحَمَّامي، وابن بَهْرُوز، وطبقتهم، وبالكَرَك من أبي المنجَّى بن اللَّتّي، وبدمشق من كَريمة وجماعة، ومن ابن الجُمَّيزي وعدَّة، وبالثَّغْر من ابن رَوَاج والسِّبْط.
وكتب العالي والنازل، وخرَّج وجمع، وعُنيَ بهذا الفن، وعمل "الموافقات" و"المصافحات"، وغيرُه أحسن منه وأتقن، وكان صدوقًا، خيِّرًا، متواضعًا، رَيِّض الأخلاق فاضلًا، له نظم وفَهْم، أجاز لي مرويَّاته.
وكان يحضر مدارسَ الحنفية، وولي مشيخة العِزِّيّة، ومُشارَفة الجامع الأُموي، وإمامة مسجد الماشلِّي.
وحدَّث عنه: المِزِّي، وابن تَيْميَّة، وابن حبيب، والمَجْد الصَّيرفي، وابن مُطيع، والبِرْزالي، وطائفة.
توفي في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وست مئة.
وفيها مات البرهان الوَزِيري المقرئ بدمشق، وعلاء الدين أبو بكر، والصائن الضرير مقرئ الرُّوم، والطَّوَاشي شبل الدولة الصَّفَوي الخزندار، والمنشئ عز الدين محمد بن إبراهيم بن شدّاد الأنصاري الحلبي صاحب "سيرة الظاهر"، والزاهد الشيخ محمد بن حسن الإخمِيمي، والزاهِد الشيخ محمد بن عامر صاحب الميعاد ليلةَ السبت، ومحمد بن ربيعة المصري راوي "السِّيرة"، والشيخ شرف الدين محمد ابن القُدوة الشيخ عثمان الرُّومي، وشيخ اللغة رضيّ الدين محمد بن علي الشاطبي بمصر، وشاعر بغداد تقي الدين علي بن عبد العزيز بن المغربي، له ديوان، وأبو بكر محمد بن الأنْماطي.
стр. 294
٢٩٦ - ابن الأَنماطي *
الشيخ الجليل المُسنِد، أبو بكر محمد ابن الحافظ أبي الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن، الأَنْماطي المصري.
مولده بدمشق سنة تسع وست مئة.
وسمَّعه أبوه كثيرًا من: الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني بالحُضور، ثم سمع من: ابن الحَرَستاني وابن مُلاعِب، وهِبة الله بن طاووس، والشمس العطَّار، وابن عبد القادر، وابن أبي لُقْمة، والشيخ الموفَّق، وخلق كثير، ثم مات أبوه وله عشر سنين.
ثم سَكَنَ مصر، وروى الكثير، ومن مسموعاته "تاريخ دمشق" للحافظ أبي القاسم، سمعه مُلفَّقًا.
روى عنه: ابن الخبَّاز، والدِّمْياطي، وابن يَعيش، والمزِّي، وأبو حَيَّان، وأبو الفتح، والقُطْب، وخالي أبو الحسن، وقاضيا القضاة ابن المَجْد الإرْيلي، وابن الإخْنائي، وابن تَيْميَّة وأخواه، وعدَّة.
حدَّث بدمشق في أيام ابن عبد الدائم وكان سهلًا في الرواية، محبًّا للحديث وأهله.
توفي في ذي الحِجّة سنة أربع وثمانين وست مئة بالقاهرة.
٢٩٧ - الحَبْليُّ *
المُقْرئ المعمَّر، أبو عبد الله محمد بن ربيعة بن حاتم بن سِنان، المصري
стр. 295
الحَبْليّ الكُتُبي، ابن الخِرَقيّ.
وسمع كتاب "السِّيرة" من عبد القوي بن الجبَّاب في سنة ثمان وست مئة، ومولده في رمضان سنة سبع وتسعين.
روى عنه: ابن سامة، وأبو عبد الله بن نُباتة، وأبو الحجَّاح المِزِّي، والمصريُّون.
توفي نحو سنة خمس وثمانين وست مئة (١).
٢٩٨ - ابن فارس *
الشيخ الجليل المسنِد، سراج الدين أبو بكر، عبد الله ابن الوزير نجيب الدين أحمد بن إسماعيل بن فارس، التَّميمي، الإسكندراني. أخو شيخ القراء الكمال بن فارس.
نَشَأ بدمشق وسمع بها من: التاج الكِنْدي، وأبي القاسم بن الحَرَسْتاني، وأبي البركات بن مُلاعِب.
أخذ عنه: أبو حيَّان، والمِزِّي، وسعد الدين الحارِثي، وصَفِيّ الدين محمود، وعدَّة.
توفي في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وست مئة بالثغر، عن سنٍّ عالية.
وكان أخوه أبو إسحاق من طبقة القرّاء بدمشق، تلا بعِدَّة كتب على الكِنْدي، وطال عمرُه، وتفرَّد وأقرأ، توفي سنة ست وسبعين وست مئة (٢).
стр. 296
٢٩٩ - ابن الزَّجّاج *
الإمام المحدِّث القُدْوة، عفيف الدين أبو محمد، عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس، ابن قاضي العراق، العَلْثي الحَنبَلي، ابن الزَّجّاج.
من كبار مشيخة بغداد، ومن أئمة السُّنّة، ومن بقايا الطلبة.
مولده سنة اثنتي عشر وست مئة.
سمع من: أحمد بن صِرْما، والفتح بن عبد السَّلام، وعلي بن بُورنداز، وعبد السَّلام العَبَرْتي، وأبي الحسن بن رُوزُبَة، والقَطِيعي، والنِّشْتِبْرِيّ، وعدَّة.
وأجاز له أبو القاسم الحَرَستَاني في دمشق، والافتخار الهاشمي من حلب، وطائفة.
وروى شيئًا كثيرًا ببغداد، وبدمشق لمّا حجَّ.
أخذ عنه: ابن الفُوَطي، والفَرَضي، وابن تيميَّة، والمِزِّي، والبِرْزالي، وآخرون.
стр. 297
وكان محدِّثًا فَهِمًا، ورعًا، صالحًا، قوَّالًا بالحقّ، نهّاءً عن المنكر، شديدًا على المبتدعة، له أتباع ومريدون ينهون معه عن المنكرات، وكان من أهل المأمونية شرقي بغداد.
وقد ذكره محدِّث المغرب أبو عبد الله بن رشيد فيمن لقيه، فقال فيه: نحوي، فقيه، لغوي، مُفْتٍ، وأثنى عليه.
وقال الفَرَضي: صَحِبتُه إلى دمشق، فحدَّث وحجَّ، ثم توفي في ذات حِج (١) في سابع عشر محرّم سنة خمسٍ وثمانين وست مئة، ودفن هناك.
٣٠٠ - ابن المِهْتار *
الإمام المحدِّث الصَّالح، الكاتب المجوِّد، مجد الدين، يوسف بن محمّد بن عبد الله بن المِهْتار، المصري ثم الدِّمشقي.
ولد سنة عشرٍ وست مئة تقريبًا.
وسمع من: ابن الزَّبِيدي، وابن صبَّاح، وابن اللَّتِّي، ومُكْرَم، وخلق.
وطلب الحديث، وقرأ، وكتب، وشارك في العلم، مع الدين والتصوُّن والجلالة. كُفَّ بأَخَرة.
روى عنه: ابن الخبَّاز، وابن العطَّار، وابن أبي الفتح، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن الخرَّاط.
مات في ذي القَعدة سنة خمس وثمانين وستّ مئة.
وجوَّد عليه جماعة.
стр. 298
٣٠١ - ابن الزَّكي *
قاضي القضاة، بهاء الدين أبو الفضل، يوسف ابن قاضي القضاة محيي الدين علي بن محمد بن علي بن محمد القُرَشي الزَّكَويّ، الدِّمشقي، الشافعي.
مولده سنة أربعين وست مئة.
وأخذ عن: أبيه، والقاضي كمال الدين التَّفْليسي. وسمع بمصر من عبد الوهّاب بن رواج، وحدَّث.
سمع منه: الحافظ عَلَم الدين، وجماعة.
وولي القضاء سنة اثنتين وثمانين بعد ابن الصائغ، وكان من رجال الكمال علمًا وذكاءً ونُبْلًا وسُؤددًا ووسامةً وجلالةً وفصاحة.
قيل: كان يحفظ درسه نحو ورقتين وثلاثة من نظرة واحدة، كان من أذكياء زمانه، وله عمل، تفقه في المذهب وأصله.
تعلَّل مدة، وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وست مئة.
٣٠٢ - ابن الدَّبّاب **
الشيخ الإمام الثقة الواعظ المعدِّل، جمال الدين، محمد بن أبي الفرج محمد بن علي بن أبي الفرج بن أبي المعالي، البغدادي البَابَصْري الحَنبَلي، ابن الدَّبّاب.
стр. 299
لقَّبوه بذلك - أعني جدَّه عليًّا - لمشيه بتَؤُدَةٍ وسُكون.
مولده سنة ثلاث وست مئة، وأوّل سماعه وله ثلاث عشرة سنة.
سمع من أحمد بن صِرْما عدَّة أجزاء منها "المَهْروانيّات الخمسة"، وسمع "جزء ابن هَزَارَمَرْد" من عبد الملك بن أبي الفتح الدلَّال، قال: أخبرنا المبارك السِّمِّذي عنه، وسمع "أمالي الدُّرر" من الشيخ ابن عبدِ السَّلام، وسمع "صفة المنافق" و"أمالي طِراد" من أبي جعفر بن المُكْرم، وسمع "جزء ابن الطَّلّاية" من أبي القاسم بن أبي الجُود وعبد السَّلامِ البَرْدغُولي، وسمع السادس والسابع من "أمالي ابن ناصر" من عمر بن أبي السّعادات، وسمع "مداراة الناس" لابن أبي الدنيا من ثابت بن مُشرَّف، وسمع "التفكّر والاعتبار" من علي بن محمد بن السَّقّا.
وأخذ الكثيرَ عنه: أحمد القَلانسي، والفَرَضي، وابن الفُوَطي، وحدَّثنا عنه عبد الأحد بن نجيح.
توفي في ذي الحِجّة سنة خمس وثمانين وست مئة ببغداد.
٣٠٣ - ابن الخِيَمي *
الإمام، الأديب، شاعر الزمان، شهاب الدين، محمد بن عبد المنعم بن محمد الأنصاري، اليمني ثم المصري، الصوفي.
حدَّث بـ "جامع الترمذي" عن أبي الحسن بن البنَّاء.
وحدَّث عنه: "الدِّمْياطي، وأبو حيَّان، والمِزِّي، والقُطْب، واليَعمَري، وعدَّة.
стр. 300
وكان حاسب الديوان. ونظمُه في الذُّروة.
وحدَّث أيضًا عن: أبي عبد الله بن البناء الصّوفي، وعبد الرَّحمن مولى ابن باقا.
عاش بضعًا وثمانين سنة، توفِّي بالقاهرة في رجب سنة خمس وثمانين وست مئة.
وقد سُقْتُ من نظمه ونحو ذلك في "تاريخ الإسلام"، وكيف عمل النّجْم بن إسرائيل قصيدة ابن الخِيَمِيّ وادّعاها. قال العلّامة أبو حيان: أنشدنا ابن الخِيَميّ قصيدة:
يا مطلبًا ليس لي في غيرِه أَرَبُ
ثم قال لنا الناظم: إنَّ البيت الذي فيها:
يا بارقًا بأعالي الرَّقْمتينِ بَدا … لقد حكيْتَ ولكنْ فاتك الشَّنَبُ
ادَّعى النجمُ ابن إسرائيل أنه له، وادّعيتُ أنه لي، فتحاكمنا فيه إلى ابن الفارض، فأمر كلًّا منا أن ينظم قصيدة ويُدرِج البيت فيها، ففعلنا، فحكم لي به.
ولابن الخِيَمي من أبيات:
لو رأى وجْهَ حبيبي عاذليِّي … لتفاصَلْنا على وجهٍ جميلِ
٣٠٤ - الشَّرِيشي *
الشيخ الإمام، العلّامة الأوحد، ذو الفنون، جمال الدين أبو بكر،
стр. 301
محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سُحْمان، البَكْري الوائليّ، الأندلسيّ الشَّرِيشي، المالكي، الأُصولي المفسِّر.
مولده بشَرِيش في سنة إحدى وست مئة.
وارتحل بعد الثلاثين، فسمع: محمد بن عماد وغيره بالإسكندرية، وابن رُوزْبَة، وأبا الحسن القَطِيعي، وابن بَهْرُوز، وياسمين بنت البَيطار، والأنجب بن أبي السعادات، وعدَّة ببغداد، والفخر قَنْوَر بإربل، وابن يَعيِش بحلب، ومُكرَم بن أبي الصّقْر بدمشق.
ودرَّس، وأفتى، وصنَّف، وله النظم والنثر واليد الطُّولى في العربية والأصول والفقه والتفسير، وكان أحد الأذكياء.
درَّس بالرِّباط الناصري بحضور واقِفِه السلطان، ثم انْجَفَلَ إلى مصر ودرَّس بالفاضِليَّة، وتخرَّج به أئمة، منهم ولده الإمام كمال الدين، ثم سكن بيت المقدس، ثم دمشق، وعاد إلى الرِّباط.
طُلِب لقضاء دمشق، فامتنع تورُّعًا ودِينًا.
وقد صنَّف لألفية ابن مُعطي شرحًا كبيرًا، ومدحه شيخه عَلَم الدين السَّخاويُّ بأبيات، درَّس أيضًا بدمشق بالنُّورية المالكية، وبحَلْقة الجامع، وكان شيخًا بالتُّربة الصالحية، وكان من العلماء العاملين.
حدَّث عنه: ابنُه، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن العطَّار، والمجد الصَّيْرَفي، وأجاز لي مرويّاته.
توفي في رجب سنة خمس وثمانين وست مئة.
قال الشيخ تاج الدين عبد الرَّحمن في "الوفيات": الشَّريشي شيخ
стр. 302
المالكية وأوحد الزمان في جميع فنون العلم، إلى أن قال: خلَّف ولدًا حسنًا فاضلًا.
٣٠٥ - البَيْضاوي *
صاحب كتاب "المنهاج في أصول الفقه"، من كبار الأئمّة في المعقول.
توفّي سنة خمس وثمانين. مات بتِبْرِيز ودفن.
واسمه: [عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، أبو الخير، القاضي ناصر الدين البَيْضاوي] (١).
٣٠٦ - ابن شَيبان **
الشيخ العالم المُسنِد الرَّحّالة، بقية الشيوخ، بدر الدين أبو العباس، أحمد بن شيبان بن تَغلِبَ بن حَيْدَرة بن طِرَاد، الشَّيْباني، الدِّمشقي الصَّالحي، العطَّار ثم الخيَّاط.
ولد في رجب سنة سبع وتسعين وخمس مئة.
وسمع "المسند" بكماله من حَنبَل الرُّصَافي، وسائرَ ما حدَّث به عمرُ بن طَبَرزَد بالجبل من الكِنْدي، وابن الحَرَسْتَاني، وابن مُلاعِب، وطائفة.
وأجاز له: أبو جعفر الصَّيدَلاني، وأسعد بن روح، وخلف بن أحمد،
стр. 303
وخَلْق.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، وابن الظَّاهري، وولده الفخر، والحارثي، والمِزِّي، وابن سامة، والبِرْزالي، وابن حَبِيب، وابن تَيْميَّة، وابن المُهندِس، وابن مسلَّم، وأبو اليُسر بن الصائغ، وخلق كثير.
وكان شيخًا حسنًا، متواضعًا، منقادًا، صبورًا، صحيح السماع، له نظم لا بأس به، ختموا عليه بدار الحديث "المسند" للإمام أحمد قبل موته بتسعة أيام.
وانتقل إلى رحمة الله في صفر سنة خمس وثمانين وست مئة.
قال شيخنا المزِّي: سمعنا "المسند" كاملًا منه سوى مسند بني هاشم، فلم يُقْرأ عليه لأنه لم يكن في النسخة المقروءة عليه منها، ولم يثبته لذلك، حتى مات بعد الفراغ بخمسة أيام.
وكان أبوه مؤدِّبًا حاذقًا، له نظمٌ جيد، يروي عن أبي المعالي بن نُباتة ويحيى الثقفي، مات سنة عشرين وست مئة.
وقيل: بل وُلد في رجب سنة تسع وتسعين، فعلى هذا يكون سماعه لـ "المسند" حضورًا في الرابعة، فيصبح تصحيفًا، والله أعلم.
ثم وجدتُ مولده قد نقله الحافظ عَلَم الدين من خط أبيه شيبان أنه في آخر ليلة من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، فهذا الصحيح، وما تقدم وهمٌ، فأوائل سماعه لـ "المسند" يكون في الخامسة، ثم قال البِرْزالي في "معجمه": ولد في رجب سنة سبع، ثم قال: وأنا رأيت بخط القاضي ابن مسلَّم: في عاشر رجب منها.
стр. 304
٣٠٧ - شاميّة *
الشيخة السيدة المعمَّرة المسنِدة، أَمَة الحقِّ، شاميّة بنت المحدِّث صدر الدين أبي علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد القُرَشية التَّيْميّة البكريَّة، الدِّمشقية. نزيلة القاهرة، ثم نزيلة شَيْزَر.
وُلدت سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
وسمعت من: حَنبَل حضورًا، وابن طَبَرزَد، وعبد الجليل بن مَندوَيه وجماعة، وتفردت بأجزاء عالية، وأجاز لها أسعد بن روح، وعَفيفة الفارْفانِيّة.
حدَّث عنها: الدِّمْياطي، والحارثي، وأبو حيَّان النَّحْوي، والمِزِّي، والبَرْزالي، وأبو الفَتْح اليَعمَري، وعدَّة.
توفِّيَت بشَيْزَر في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وست مئة.
٣٠٨ - المَرِينيّ **
يعقوب بن عبد الحق بن محيو المَرِينيّ، صاحب مَرّاكُش وفاس.
وبنو مَرِيْن من أعراب العرب، لهم شجاعة وكيد وخِفّة على الحِيَل، تَمَلَّكوا البلاد، وأزالوا الدولة المُؤمِنيّة.
стр. 305
تملَّك هذا، وحارب السلطان أبا دبُّوس فظَفِرَ به وقتله في سنة ثمان وستين وست مئة.
وعاش إلى سنة ثمانين أو نحوها، وتوفي، فتَسلطَن بعده ابنُه يوسف الذي قُتل محاصِرًا تِلِمْسان، وممالكُه واسعة وعساكره كثيرة، سامحه الله، والسَّلطَنة فيهم إلى الآن، ولهم قوةُ دولة قاهرة وجهاد.
٣٠٩ - الخَزْرجيّ *
الشاعر المُحسِن، الإمام ضياء الدين، علي بن محمد بن يوسف بن عَفيف، الأنصاري الخزرجي السَّعْدي، الأندلسي الغَرْناطي نزيل الثَّغْر.
ولد سنة خمس وتسعين وخمس مئة تقريبًا.
وسمع من: ابن حَوْط الله، وبالإسكندرية من جعفر، وابن رواج، وله النَّظم البديع.
روى عنه: الدِّمْياطي، والبِرْزالي في "مُعجَمَيهما".
عُمِّر وأُقعد وأَضرَّ.
وكان قد حجَّ في سنة إحدى عشرة وست مئة، ولقي المشايخ، ثم رجع إلى الوطن ولقي أبا زيد الفازازيّ، ثم استوطن الإسكندرية، وكان يتزهّد.
وهو القائل:
قلبٌ يقوم به الغَرام ويقعُدُ … وجَوًى يفوقُ وعَبْرةٌ تَتصعَّدُ
للهِ ما يَلقاهْ قتيلٌ منهم … أحشاؤه ممّا به تتوقَّدُ
стр. 306
قد كان يَقنَعُ بالخيال إذا سرى … عند الكرى لو كان [يومًا] يرقُدُ
وإذا أنخْت لِسَرْحتي وادي قُبا … أو بالكَثيب أو استبانَ المشهدُ
بادِرْ إلى تقبيلِ مَوطِئ نعْلِ مَن … سَبَقَ المحبُّ له وصلَّى المَلْحِدُ
فتأخّر الروحُ الأمين وقال سِرْ … يا سيِّد الكونَينِ إنك أمجدُ
فسَرَى بلا كَوْنٍ ولا أينٍ ولا … حَدٍّ … وحلَّ الأوحَدُ
توفي في ربيع الآخر سنة ست وثمانين عن نيِّف وسبعين عامًا.
٣١٠ - ابن مالك *
العلّامة شيخ العربية وابن شيخها، الإمامُ بدر الدين، محمدُ بن محمد بن عبد الله بن مالك، الطائي، الأندلسي ثم الدمشقي.
أحد أذكياء وقته، ومن أئمة العربية، وله يدٌ بيضاء في علم البيان، وبصرٌ بأصول الفقه، تخرَّج به أئمة، وكان طويل النَّفَس في البحث، تصدَّر بجامع دمشق للإقراء بعد والده، وكان من نجباء تلامذة والده، وشَرَحَ "ألفيّة" أبيه، وشرح العمدة"، وصنَّف كتاب "المصباح" في المعاني والبيان، وكان كيِّسًا، منطقيًا، مُعَاشِرًا.
توفِّي في المحرَّم سنة ست وثمانين وست مئة بدمشق، وما شاخَ بل مات في أول الكهولة.
ناب في تدريس الرَّوَاحِيَّة عن ناصر الدين بن المَقْدسي، وأعاد بالأمينيَّة، وكان يعتريه قُولَنْج منه مات، وخلَّف أولادًا، وأعاد بالأمينية بعده كمالُ الدين بن الزَّمْلَكاني، فعمل مدرسًا كذلك، وحضر الأعيان،
стр. 307
وكان أمرد.
٣١١ - أبو صادق *
الإمام المحدِّث، جمال الدين أبو صادق، محمد ابن الحافظ الكبير رشيد الدين يحيى بن علي، القُرشي الأُمَوي، النابُلُسي ثم المصري، العطَّارُ جدُّه.
وُلد قبل سنة عشرين وست مئة.
وسمع من: ابن باقا، ومُكرَم القرشي، وارتحل به والده، فسمَّعه من ابن عماد، وابن الصَّفْراوي، والهَمْداني، وعدَّة.
أخذ عنه: قُطْب الدين، وفَتْح الدين، والبِرْزالي، وابن سامة، وأبو العبَّاس، وابن الزَّبيدي.
وطلب وخرَّج، ونسخ أجزاء كثيرة ومجلدات، مع دين وفضيلة، وحبّ للرواية، وجَوْدة كتابة.
توفي في ربيع الأول سنة ست وثمانين.
أثنى عليه الشيخ شمس الدين بن نُباتة.
٣١٢ - السَّبْتي **
الشيخ المحدِّث المفيد الشهير، وجيه الدين أبو القاسم، عبد الرحمن بن حسن بن يحيى القَيْسي، المغربي السَّبْتي.
نزيل دمشق، وأحد أحلاس الرواية، ما اشتغل بغير فنِّ الرواية.
стр. 308
قدم وهو شابٌّ الإسكندرية، فسمع من: أصحاب ابن مُوَقَّى في سنة خمس وستين، وبمصر من النجيب، وابن عزُّون، والطبقة، وبدمشق من ابن عبد الدائم والكِرْمانيّ، وأصحاب الخُشوعي وابن طَبَرزَد، وعدَّة، ونزل إلى أصحاب السَّخاوي وابن مسلَّم.
وكتب الكثير، وحصَّل أصولًا، وقرأ الكتب والأجزاء، وقرأ للصغار كثيرًا، ولم يزل في الطلب إلى أن مات، وما حدَّث، وله صَوْلة على السَّامعين وزَعَارَّة (١)، وفي قراءته تَمْتَمة، لم يكن فصيحًا، وكان فيه دُعابة، سامحه الله.
مات في جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين وست مئة. ووقف أجزاءه بالجَوْزية.
حدَّثني الفقيه عبد القادر بن عبد الله بن محبوب قال: كنا نمضي للسماع مع الوجيه السَّبْتي فيقرأ، فلا نفهم كثيرًا مما قرأه.
٣١٣ - السِّنْجاري *
الوزير قاضي القضاة برهان الدين، خضر بن حسن بن علي، الزَّرزاري السِّنجاري. أخو قاضي القضاة بدر الدين.
مولده سنة ست عشرة وست مئة.
وساد في أيام أخته، بسبب خدمتها للسلطان نَجْم الدين.
ووليَ برهان الدين القضاءَ بالقاهرة مدة، ثم آذاه الوزير بهاء الدين ابن
стр. 309
حِنَّى، وعمل عليه حتى عُزل وضُرب وحُبس ونُفيَ معه وليّ المدرسة المُعزِّيّة، فلما توفّي ابن حِنَّى سنة سبع وسبعين وست مئة قلَّده الملك السعيد الوزارة، فرَفَق ببني حِنَّى ولم يؤذهم، واستمرَّ، فلما وليَ الشُّجَاعي الشدَّ (١)، سعى في عَزْله وصَرْفِه، فصُرف.
ثم لمَّا مات الوزير نَجْم الدين الأصفوني أُعيدَ السِّنجاري في الوزارة، ثم آذاه الشُّجاعي، ولما توفي قاضي دمشق بهاء الدين ابن الزَّكي عُيِّن السِّنْجاري مكانه، ثم زَوَوْهُ عنه لشهاب الدين بن الخُوَيِّيّ، ثم إنه ولي قضاء القاهرة والوجه البحري، فبقي عشرين يومًا حكم منها أيامًا، ومرض ومات، فيقال: سُقِيَ.
وكان ذا مُروءَةٍ وحُسْنِ سيرة في الجملة، وعنده فقهٌ متوسط فقط.
روى عن: عبد الله بن اللِّمْط.
سمع منه: البِرْزالي وغيره.
مات في تاسع صفر سنة ست وثمانين.
ووليَ بعده تقيُّ الدين عبد الرَّحمن بن تاج الدين ابن زينب بنت الأعزّ قاضي مصر، فجَمَع حينئذٍ قضاء جميع الديار المصرية.
وقيل: لم يُحمَد البرهان ولا البدر في القضاء، سامحهما الله، وإنما إثم ذلك على .... (٢) المملكة إذ كاسَرَ ولم ينصح لرعيَّته، فأين الإمام العادل؟ بل إنما الراعي من جِنْس الرعايا.
стр. 310
٣١٤ - الدُّنَيْسَري *
شيخ الأطباء، العلّامة عماد الدين، محمد بن عباس بن أحمد بن عبيد، الرَّبَعي الدُّنَيسَري. ابن خطيب دُنَيسَر.
ولد سنة خمس وست مئة، أو سنة ستّ.
وفاق الأقرانَ في الطب.
وسمع بمصر من: علي بن مختار، وعبد العزيز بن باقا، وجماعة، وصحب البهاءَ زهير.
وبرع في النظم الرائق، وتفقَّه للشافعي، وله تواليف في الطب وتلامذةٌ، وفيه مروءة وانطباع.
روى عنه: قاضي القضاة ابن صَصْرَى والبِرْزالي، ورئيس الأطباء أمين الدين سليمان.
مات في صفر سنة ستّ وثمانين.
وهو القائل:
وقلت: شهودي في هَوَاك كثيرةٌ … وأصدقُها قَلبي ودمعيَ مسفوحُ
فقال: شهودٌ ليس يُقبَل قولهمْ … فدَمعُك مقذوفٌ وقلبك مجروحُ
٣١٥ - أمين الدِّين **
الشيخ الإمام العالم المحدِّث، القُدوة العابد الخيِّر، بقيّة السلف، أمين
стр. 311
الدين أبو اليُمن، عبد الصمد بن عبد الوهاب بن زَيْن الأُمَناء أبي البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، الدِّمشقي، الشافعي، المُجاوِر بالحرمين.
وُلد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة أربع عشرة وست مئة.
وسمع من جدِّه الكثيرَ، ومن الشيخ الموفَّق، وابن البُنّ، وأبي المَجْد القَزْوِيني، وأبي القاسم بن صَصْرَى، وابن الزَّبِيدي، وطبقتهم، وببغداد من أبي إسحاق الكاشْغَري.
وكتب وطلب، وخرَّج وصنَّف، وكان صادقًا خيِّرًا، عارفًا قانتًا لله، كبير القدر، محبَّبًا إلى الناس، مليح النَّظم، حسن التصنيف.
أخذ عنه: الزاهد علي الواسطي، وأبو الحسن بن قِرْناص، وعبد الله المَطَريّ الموقِّت، وجماعة.
توفِّي بالمدينة في جمادى الأولى سنة ست وثمانين وست مئة. ولي منه إجازة.
٣١٦ - ابن القَسْطلّاني *
الشيخ الإمام العالم المفتي، القُدْوة الربَّاني، شيخ الإسلام، قُطب الدين أبو بكر، محمد ابن القُدوة الزاهد أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن حسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون، القَيْسي، القَسطلّاني، التَّوْزَرِيّ الأصل، المِصري ثم المَكِّي.
مولده بمصر في سنة أربع عشرة وست مئة.
стр. 312
ونشأ بمكة، فسمع بها "جامع أبي عيسى" من علي بن البنّاء، وسمع من الشيخ شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي كتاب "العوارف"، وسمع من أبي علي بن الزَّبيدي، وتفقَّه وبرع ودرَّس واشتغل.
ثم ارتحل في الحديث في سنة تسع وأربعين، فسمع من أبي القاسم بن قُمَيْرة، وإبراهيم بن أبي بَكْرة الرُّعَيني، ومحمد ابن الحُصري، وفضل الله بن الحُبُلي، وطبقتهم.
وسمع بالمَوصِل ودمشق ومصر، واستجاز حينئذٍ لأولاده السبعة، وكان مبرِّزًا في العلم والعمل، طُلِب من مكة وأُعطي مشيخة الكاملية، ومحاسنه غزيرة، وله تواليف مفيدة، ونظمٌ وفضائل.
حدَّث عنه: الدِّمْياطي، والحارثي، وابنه شمس الدِّين الحارثي، وقطب الدين المَنْبِجي، وفتح الدين اليَعمَري، وجمال الدين المِزِّي، وعَلَم الدين البِرْزالي، وعدَّة في الأحياء.
مات في المحرَّم سنة ستّ وثمانين وست مئة، وكانت جنازته مشهودة.
أخبرنا أبو الصَّفا، أخبرنا أبو حيَّان قال: وابن القَسْطلّاني شيخ صدوق متخلِّق محبوب للعوامّ، مشتغل بالحديث، له سماع كثير ورحلة، نقله الصاحب بهاء الدين من مكة وولّاه مشيخة الكامِليَّة، وله نظم ونثر وتواليف، وكان بينه وبين ابن سَبْعين، عداوة، إذ كان يُنكِر عليه أحواله، صنّف في الطائفة التي يَسلُك ابن سَبْعين طريقهم، فبدأ بالحلَّاج وختم بالعفيف التِّلِمساني.
وكان مَأمًّا للمساكين والفقراء الواردين إلى القاهرة، يعمل لهم سِماطًا ويَبَرُّهم، ويُعِين كثيرًا منهم على الحجّ.
стр. 313
وقال الحافظ الحلبي: كان إمامًا محدِّثًا حافظًا حُجّة، يُتلقَّن من فيه أكثر "العُدّة" للحافظ عبد الغني، وهو الذي لقَّنني بلغته.
قلت: وله نظم رائق، وهيئة وجلالة، بالغَ في تقريظه أبو الفتح الحافظ فقال: كان له نظرٌ في العلوم، فبرع في علائها [بحرًا] (١)، وطلع في سمائها بدرًا، وشارك في علوم الفقه وأصوله، وخاض في معقول العلم ومنقوله، وجمع في التصوف مجموعات، وهو سبط الإمام بقية الأولياء أبي عبد الله القُرشي.
٣١٧ - العزُّ الحرّاني *
الشيخ المسنِد المعمَّر، رُحْلة الوقت، عزّ الدين أبو العز، عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي بن الصَّيْقَل، الحرّاني التاجر.
ولد سنة خمس وتسعين وخمس مئة.
وسمع من: أبي حامد بن جُوَالِق، ويوسف بن كامل، وضياء بن الخريف، ومحمد بن هبة الله الوكيل، وسعيد بن عطَّاف، وعمر بن طَبَرزَد، وعبد العزيز بن الأخضر، وعدَّة، وتفرَّد بالرواية عن أكثرهم، وتفرَّد بإجازة ابن كُلَيب وطائفة، وتكاثر عليه الطلبةُ وأكثروا عنه.
حدَّث عنه: أبو عبد الله بن الزَّرَّاد، والحارثي، والمزَّي، وأبو حَيَّان، والمَنْبِجي القُطْب، والبِرْزالي، واليَعمَري، وعدَّة من كهول زماننا.
وكان شيخًا حسنًا، سهل القِياد، مطبوعًا، صاحب حكايات ومحاضرة.
стр. 314
توفي في رجب سنة ستّ وثمانين وست مئة، وبعض سماعاته في الخامسة.
انتهى إليه علوُّ الإسناد بالقاهرة.
وفيها مات أبو اليُمْنِ بن عساكر، والوجيه عبد الرَّحمن بن حسن السَّبْتي المحدِّث، والإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن القَسْطلّاني، وقاضي القضاة بدر الدين خضر السِّنْجاري، وبدر الدين بن مالك النَّحْوي، والشيخ أبو العباس المُرْسي، والشَّرَف بن بُلَيمان الأديب الشاعر، وشيخ الطب العماد محمّد بن عباس الدُّنَيسَري بدمشق، وأبو صادق محمد بن الرشيد العطّار، والضياء علي بن محمد الخَزرَجي الشاعر نزيل الإسكندرية عن ثنتين وتسعين سنة.
٣١٨ - المُرْسِي *
الشيخ العارف الكبير، أبو العباس أحمد بن عمر بن محمد، الأندلُسي المُرسِيّ، الأنصاري، نزيل الإسكندرية، صاحبُ الشاذِلي.
وكان يجلس مع الشهود، صَحِبَه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله، والمجاور نجم الدين الأصبهاني، والشيخ ياقوت، وآخرون.
قرأتُ بخطِّ المحدِّث محمد بن عرّام سِبط الشاذلي قال: المُرْسي هو العلّامة المحقِّق القُدْوة شيخ الوقت، وارث مشيخة قطب الدين، الأشعريُّ معتقَدًا، إلى أن قال: ولولا قوّةُ اشتهاره وكراماته، لذكرتُ له ترجمة جليلة.
إلى أن قال: تُوفي في سابع عشر شعبان، سنة ست وثمانين وست مئة بالإسكندريّة.
стр. 315
٣١٩ - ابن بُلَيمان *
الأديب النَّديم الشاعر، شرف الدين سليمان بن بُلَيمان بن أبي الجيش، الهَمَذاني ثم الإربِلِي، نزيل دمشق.
كان بديعَ القول، له نوادرُ وزوائد ومزاح حُلْو، وكان أبوه صائغًا، وهو صائغ، وله أجوبة مُسكِتة.
ذكره أبو البركات بن المُستَوفي في "تاريخه" فقال: أنشدني لنفسه:
اشرب فشربُك هذا اليومَ تحليلُ … وانفِ الهمومَ فقد وافاك أيلولُ
أما ترى الشمس وسْط الكاس طالعةً … منيرةً ونطاق البَدْر محلولُ
والأرض قد كُسِيَت بالغيث حُلَّتَها … وناظر الرَّوض بالأزهار مكحولُ
ولابن بُلَيمان يَهجُو الشهاب التَّلَّعفَري إذ قامر بثيابه حتى بخِفافه، أنشدها للملك الناصر:
يا مَليكًا فاق الأنامَ جميعا … منه جُودٌ كالعارض الوكَّافِ
والذي راش بالعَطايا جَناحي … وتَلافَى بعد الإلهِ تَلافِي
ما رأَيْنا ولا سمعنا بشيخٍ … قبلَ هذا مقامرٍ بالخِفافِ
وبها كَمْ يُدَقُّ في كلِّ يومٍ … في قفاهُ والرأسِ والأكتافِ
أسودُ الوجهِ أبيضُ الشَّعْر في لَو … نِ سُحيمٍ وقبحه وخُفافِ
يدَّعي نسبةً إلى آل شَيبا … نَ وتلك القبائلِ الأشرافِ
وهم يُنكِرون ما يدَّعيهِ … فَهْو والقومُ دائمًا في خلافِ
стр. 316
مِثل نجدٍ لو استطاعت لقالت … ليس هذا الدَّعِيُّ من أكْنافي
فابسُطِ العذرَ في هجاءِ رَقيعٍ … عادلٍ عن طرائقِ الإنصافِ
تُوفي الشَّرف بن بُليمان في عاشر شهر صفر بدمشق سنة ست وثمانين، وكان من أبناء التسعين.
٣٢٠ - ابن خطيب المِزَّة *
الشيخ الفقيه الفاضل المُسنِد المعمَّر، شهاب الدين أبو الفضل، عبد الرحيم بن الخطيب أبي الحجاج يوسف بن يحيى بن يوسف، الموصلي ثم الدمشقي، ابن خطيب المِزّة العِراقي، ويعرف بابن العَلَم.
وُلد بسفح قاسيون في ذي القَعدة سنة ثمان وتسعين.
وسمع الكثير في الخامسة من: حنبل المكبِّر، وعمر بن طَبَرزَد، والشيخ أبي عمر، وجماعة.
حدَّث عنه: الحارثي، وابنه، وأبو حيّان، والمِزِّي، والبِرْزالي، والقطب، والفتح، وخلق في الأحياء. وقد روى عنه الحافظ عبدُ العظيم في "معجمه" شعرًا ألّفَه بِمَنْبِج.
سألت أبا الحجَّاج الحافظ عنه، فقال: شيخ جليل فاضل كثير السَّماع، سمع "المُسنَد" جميعه حضورًا من حَنبَل، وحدَّث بعامَّة مسموعه.
وقال القاسم بن محمد الحافظ: كان شيخًا حسنًا، ذا فضيلة ونَبَاهة وتديُّن، تفرَّد هناك؛ يعني بمصر، قال: وكان جدُّه خطيبًا بالمِزَّة، وكان أبوه وعمُّه علي يرويان عن الحافظ ابن عساكر.
стр. 317
توفي الشِّهاب بالقاهرة في شهر رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة، وكان يَتَعانى الكتابة.
٣٢١ - خطيب القدس *
الشيخ، الإمام الفاضل القُدوة، المفسِّر الخطيب، بَرَكة الجماعة، قُطب الدين أبو الذَّكاء، عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي، القرشي الزُّهري، المَقدِسي النابُلُسي، الشافعي.
شيخ بلد القُدس وفقيهه وخطيبه.
ولد سنة ثلاث وست مئة تقريبًا، وأجاز له أبو الفتح المَنْدائي، وعبد الوهّاب بن سُكَيْنة.
وسمع من: داود بن مُلَاعِب، وأبي عبد الله بن البنّاء الصُّوفي، وأبي محمد بن البُنّ.
وقرأ "الأحكام" لعبد الحق تفهُّمًا على أبي بكر المَقدِسي، وتفقَّه وقرأ في النحو، وتميَّز، مع الدِّين والجلالة.
روى عنه: ابن العطَّار، والمِزِّي، والبِرْزالي، وقاضي حلب زين الدين، والقاضي شمس الدين بن مسلَّم، والشيخ علاء الدين المَقدِسي، وعدَّة.
قال البِرْزالي: كان جليل القدر، رفيع الذِّكر، له أُبّهة وموقع، مع الدِّين والفضل، له ميعاد يُلْقي فيه من "تفسير الثعلبي" من حفظه، وذكر أنه كان سائر الكتاب على ذهنه من كثرة ترداده.
توفي في سابع رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة، وشيَّعه خلائق.
стр. 318
قلت: أجاز لي مرويّاته رحمه الله تعالى.
وفيها مات الشيخ أبو إسحاق اللَّوْري المحدِّث، والشيخ إبراهيم مِعْضاد الجَعْبَري الزاهد، وزينب بنت أحمد بن كامل، والقاضي فخر الدين عبد العزيز بن عبد الرَّحمن السَّاري، وشيخ الأطباء علاء الدين علي بن أبي الحَزْمِ بن النَّفِيس بمصر، وأبو العبَّاس أحمد بن أحمد الرّضيّ المَقدِسي، وشيخ حماة التاج أحمد بن محمّد المُغَيْزِل المُفْتي، والجمال أحمد بن أبي بكر بن الحَمَويّ، والشيخ سعد الخير بن أبي القاسم النابُلُسي، والشَّرَف عبد الرحيم ابن خطيب المِزَّة، والنجيب محمد بن أحمد بن محمّد الهَمَذاني، والشَّرَف محمّد بن عبد الخالق من طَرْخَان، والقدوة مجد الدين محمّد بن خالد بن حَمْدون الحَمَوي، والبرهان محمّد بن محمد الشيخ المتكلِّم.
٣٢٢ - زينب *
بنت أحمد بن كامل ابن العَلَم، المَقدِسيّة.
ولدت سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وحَضَرت علي ابن طَبَرزَد، وسمعت من ابن الزَّبيدي، وأجاز لها أسعد بن رَوْح، وابن سُكَينة.
حدَّث عنها: المِزِّي، والبِرْزالي، وابن المهندِس، وآخرون.
ماتت في شوال سنة سبع، قبل بنت مكِّي (١) بعام.
стр. 319
٣٢٣ - ابن عبد الخالق *
الشيخ المسنِد الثقة، شرف الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الخالق بن طَرْخان بن حسين بن مُغيث، الأُمَوي، المالكي، الإسكَندَراني.
ولد في حدود خمس وست مئة.
وسمع من: ابن المفضَّل الحافظ، وعبد الله العُثْمانيّ، ومحمد بن عماد، وله إجازة من أسعد بن رَوْح، وعَفيفة الفَارْفانيَّة، وجماعة.
ويُعرَف بابن السَّخَاوي، وقد سمع من علي بن البنّاء "جامع الترمذي"، وسمع "الشفا" من ابن جُبير الكِناني.
وقد كان الشَّرَف ضَيِّق الخُلُق، عسى الله يسامحه.
حدَّث عنه: أبو حيَّان، والقُطْب، والتاج الفاكهاني، والمِزِّي، والبِرْزالي، والرحَّالون.
توفي في سنة سبع وثمانين وست مئة.
وكان أبوه عبد الخالق قد سمع من المبارك بن الطبّاخ بمكة، ومن ابن مُوَفَّى بالثَّغر، وحدَّث. وكان الشَّرَف يبيع الحرير.
٣٢٤ - اللَّوْري **
الإمام القدوة الزاهد، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد العزيز، الرُّعَيني، اللَّوْري، المالكي، نزيل دمشق، وشيخ الظاهرية.
ولَوْرةُ من قِلاع الأندلس.
стр. 320
وُلد سنة أربع عشرة.
وسمع من: ابن رَوَاج، والسِّبْط (١)، وابن مَسلَمة، وطبقتهم.
وبرع في المذهب، وكان محدِّثًا ضابطًا، متقنًا، قانتًا لله، عابدًا، مُؤْثرًا جوادًا مع الفقر.
نُدِبَ للقضاء فامتنع، وقد ناب في الحُكْم، وكان كل أحد يُثْني عليه، وله نظم جيِّد.
روى عنه: ابن العطَّار، والمِزِّي، والبِرْزالي، وأجاز لي رواياته.
توفي بالمُنَيْبع بظاهر دمشق في صفر سنة سبع وثمانين وست مئة، ﵀.
٣٢٥ - ابن مِعْضاد *
الشيخ الزاهد القدوة، المذكِّر، أبو إسحاق، إبراهيم بن مِعْضاد بن شدّاد، الجَعْبَري.
ولد سنة تسع وتسعين.
وحدّث عن: السَّخاوي.
أخذ عنه: أبو محمد البِرْزالي، وجماعة.
وأمَّ بمسجدٍ بمصر، وذكَّر ووعظ، وكان لكلامه وقعٌ في النفوس، وكان قوَّالًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف، كبير القَدْر، ولأصحابه فيه مغالاة زائدة، وله نظمٌ وسجعٌ وتصرُّفٌ وشَطْح، نعوذ بالله من الخِذْلان ومن مصايد