مِثل نجدٍ لو استطاعت لقالت … ليس هذا الدَّعِيُّ من أكْنافي
فابسُطِ العذرَ في هجاءِ رَقيعٍ … عادلٍ عن طرائقِ الإنصافِ
تُوفي الشَّرف بن بُليمان في عاشر شهر صفر بدمشق سنة ست وثمانين، وكان من أبناء التسعين.
٣٢٠ - ابن خطيب المِزَّة *
الشيخ الفقيه الفاضل المُسنِد المعمَّر، شهاب الدين أبو الفضل، عبد الرحيم بن الخطيب أبي الحجاج يوسف بن يحيى بن يوسف، الموصلي ثم الدمشقي، ابن خطيب المِزّة العِراقي، ويعرف بابن العَلَم.
وُلد بسفح قاسيون في ذي القَعدة سنة ثمان وتسعين.
وسمع الكثير في الخامسة من: حنبل المكبِّر، وعمر بن طَبَرزَد، والشيخ أبي عمر، وجماعة.
حدَّث عنه: الحارثي، وابنه، وأبو حيّان، والمِزِّي، والبِرْزالي، والقطب، والفتح، وخلق في الأحياء. وقد روى عنه الحافظ عبدُ العظيم في "معجمه" شعرًا ألّفَه بِمَنْبِج.
سألت أبا الحجَّاج الحافظ عنه، فقال: شيخ جليل فاضل كثير السَّماع، سمع "المُسنَد" جميعه حضورًا من حَنبَل، وحدَّث بعامَّة مسموعه.
وقال القاسم بن محمد الحافظ: كان شيخًا حسنًا، ذا فضيلة ونَبَاهة وتديُّن، تفرَّد هناك؛ يعني بمصر، قال: وكان جدُّه خطيبًا بالمِزَّة، وكان أبوه وعمُّه علي يرويان عن الحافظ ابن عساكر.
стр. 317
توفي الشِّهاب بالقاهرة في شهر رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة، وكان يَتَعانى الكتابة.
٣٢١ - خطيب القدس *
الشيخ، الإمام الفاضل القُدوة، المفسِّر الخطيب، بَرَكة الجماعة، قُطب الدين أبو الذَّكاء، عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم بن علي، القرشي الزُّهري، المَقدِسي النابُلُسي، الشافعي.
شيخ بلد القُدس وفقيهه وخطيبه.
ولد سنة ثلاث وست مئة تقريبًا، وأجاز له أبو الفتح المَنْدائي، وعبد الوهّاب بن سُكَيْنة.
وسمع من: داود بن مُلَاعِب، وأبي عبد الله بن البنّاء الصُّوفي، وأبي محمد بن البُنّ.
وقرأ "الأحكام" لعبد الحق تفهُّمًا على أبي بكر المَقدِسي، وتفقَّه وقرأ في النحو، وتميَّز، مع الدِّين والجلالة.
روى عنه: ابن العطَّار، والمِزِّي، والبِرْزالي، وقاضي حلب زين الدين، والقاضي شمس الدين بن مسلَّم، والشيخ علاء الدين المَقدِسي، وعدَّة.
قال البِرْزالي: كان جليل القدر، رفيع الذِّكر، له أُبّهة وموقع، مع الدِّين والفضل، له ميعاد يُلْقي فيه من "تفسير الثعلبي" من حفظه، وذكر أنه كان سائر الكتاب على ذهنه من كثرة ترداده.
توفي في سابع رمضان سنة سبع وثمانين وست مئة، وشيَّعه خلائق.
стр. 318
قلت: أجاز لي مرويّاته رحمه الله تعالى.
وفيها مات الشيخ أبو إسحاق اللَّوْري المحدِّث، والشيخ إبراهيم مِعْضاد الجَعْبَري الزاهد، وزينب بنت أحمد بن كامل، والقاضي فخر الدين عبد العزيز بن عبد الرَّحمن السَّاري، وشيخ الأطباء علاء الدين علي بن أبي الحَزْمِ بن النَّفِيس بمصر، وأبو العبَّاس أحمد بن أحمد الرّضيّ المَقدِسي، وشيخ حماة التاج أحمد بن محمّد المُغَيْزِل المُفْتي، والجمال أحمد بن أبي بكر بن الحَمَويّ، والشيخ سعد الخير بن أبي القاسم النابُلُسي، والشَّرَف عبد الرحيم ابن خطيب المِزَّة، والنجيب محمد بن أحمد بن محمّد الهَمَذاني، والشَّرَف محمّد بن عبد الخالق من طَرْخَان، والقدوة مجد الدين محمّد بن خالد بن حَمْدون الحَمَوي، والبرهان محمّد بن محمد الشيخ المتكلِّم.
٣٢٢ - زينب *
بنت أحمد بن كامل ابن العَلَم، المَقدِسيّة.
ولدت سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وحَضَرت علي ابن طَبَرزَد، وسمعت من ابن الزَّبيدي، وأجاز لها أسعد بن رَوْح، وابن سُكَينة.
حدَّث عنها: المِزِّي، والبِرْزالي، وابن المهندِس، وآخرون.
ماتت في شوال سنة سبع، قبل بنت مكِّي (١) بعام.
стр. 319
٣٢٣ - ابن عبد الخالق *
الشيخ المسنِد الثقة، شرف الدين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الخالق بن طَرْخان بن حسين بن مُغيث، الأُمَوي، المالكي، الإسكَندَراني.
ولد في حدود خمس وست مئة.
وسمع من: ابن المفضَّل الحافظ، وعبد الله العُثْمانيّ، ومحمد بن عماد، وله إجازة من أسعد بن رَوْح، وعَفيفة الفَارْفانيَّة، وجماعة.
ويُعرَف بابن السَّخَاوي، وقد سمع من علي بن البنّاء "جامع الترمذي"، وسمع "الشفا" من ابن جُبير الكِناني.
وقد كان الشَّرَف ضَيِّق الخُلُق، عسى الله يسامحه.
حدَّث عنه: أبو حيَّان، والقُطْب، والتاج الفاكهاني، والمِزِّي، والبِرْزالي، والرحَّالون.
توفي في سنة سبع وثمانين وست مئة.
وكان أبوه عبد الخالق قد سمع من المبارك بن الطبّاخ بمكة، ومن ابن مُوَفَّى بالثَّغر، وحدَّث. وكان الشَّرَف يبيع الحرير.
٣٢٤ - اللَّوْري **
الإمام القدوة الزاهد، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد العزيز، الرُّعَيني، اللَّوْري، المالكي، نزيل دمشق، وشيخ الظاهرية.
ولَوْرةُ من قِلاع الأندلس.
стр. 320
وُلد سنة أربع عشرة.
وسمع من: ابن رَوَاج، والسِّبْط (١)، وابن مَسلَمة، وطبقتهم.
وبرع في المذهب، وكان محدِّثًا ضابطًا، متقنًا، قانتًا لله، عابدًا، مُؤْثرًا جوادًا مع الفقر.
نُدِبَ للقضاء فامتنع، وقد ناب في الحُكْم، وكان كل أحد يُثْني عليه، وله نظم جيِّد.
روى عنه: ابن العطَّار، والمِزِّي، والبِرْزالي، وأجاز لي رواياته.
توفي بالمُنَيْبع بظاهر دمشق في صفر سنة سبع وثمانين وست مئة، ﵀.
٣٢٥ - ابن مِعْضاد *
الشيخ الزاهد القدوة، المذكِّر، أبو إسحاق، إبراهيم بن مِعْضاد بن شدّاد، الجَعْبَري.
ولد سنة تسع وتسعين.
وحدّث عن: السَّخاوي.
أخذ عنه: أبو محمد البِرْزالي، وجماعة.
وأمَّ بمسجدٍ بمصر، وذكَّر ووعظ، وكان لكلامه وقعٌ في النفوس، وكان قوَّالًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف، كبير القَدْر، ولأصحابه فيه مغالاة زائدة، وله نظمٌ وسجعٌ وتصرُّفٌ وشَطْح، نعوذ بالله من الخِذْلان ومن مصايد
стр. 321
الشيطان، فالزَمِ السُّنةَ.
توفّي في المحرَّم سنة سبع وثمانين وست مئة.
والمشيخة في أولاده، وحفيدُه يُؤثَر عنه كُفْريات وشَطَحات ودَعَاوى.
٣٢٦ - الفَرَضيّ *
الإمام الزاهد الفَرَضيُّ، شرف الدين أبو العبّاس أحمد بن أحمد بن عُبيد الله بن أحمد بن محمد بن قُدَامة، المَقدِسي، الحنبلي.
تفقَّه بالتقيِّ بن العزّ، وسمع من: عمّ أبيه الشيخ الموفَّق، وابن أبي لُقْمة، والقَزْويني، وجماعة، وروى الكثير.
وعنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وابن مسلَّم، والبِرْزالي، وآخرون.
وكان كبير القَدْر، من العلماء العاملين قانعًا باليسير.
توفي سنة سبع وثمانين وست مئة.
٣٢٧ - ابن الحَمَوي **
الشيخ جمال الدين أبو العبّاس، أحمد بن أبي بكر بن سليمان بن علي، الدمشقي بن الحَمَوي.
وُلد سنة ست مئة ظنًّا.
وسمع "الغَيلانيّات" على ابن طَبَرزَد حضورًا.
سمع كثيرًا من الكِنْدي، وعبد الجليل بن مَنْدويه، وابن الحَرَسْتاني، وجماعة.
стр. 322
سمع منه: ابن يعيش، وابن الخبَّاز، وابن تيميَّة، والمِزِّي، والبِرْزالي، وآخرون. وأجاز لي.
ولم يزل مستورًا، ذا صلاة وتنسُّك، حتى دخل في شهادة بخسةٍ على قاضي القضاة ابن الصائغ، فأُمِينَ وأهدَره الحكّام، وامتنعوا بعدُ من السَّماع منه.
قال لي أبو محمد البِرْزالي: كان كثير النوافل، وكان يزكِّي مَن جاءه، ويشهد لمن قَصَدَه، وروى "البخاريّ" مرتين.
مات بدُوَيْرة حَمْد في ذي القَعدة سنة سبع وثمانين.
تفرَّد بعدَّة أجزاء، ولا ينبغي الحملُ عنه لسقوط عدالته، سمع "نسخة طالوت" من ابن مَنْدويه، وكان حضوره لـ "الغيلانيات" في الثانية، وكان يعظُ للنساء بمسجد أبي اليُمن، وكان له حال وتجمُّل، فافتقر ومات مسقوط الشهادة، وكان يدخل في مكاتيب واهية.
٣٢٨ - اللَّمْتُونيّ *
الصالح، أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن يحيى، البَرْبَري، المَرّاكُشي ثم الدمشقي، السَّقَطي، ابن مؤذّن الكَلّاسة.
ولد سنة تسع وتسعين (١) بدمشق، قاله أبو الحجَّاج المِزِّي.
سمع من: ابن البُنّ، وابن صَصْرَى، وَزَيْنِ الأُمَناء، والقَزْويني، وعدَّة.
أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزالي، وابن بَصْخان، وآخرون.
стр. 323
وهو أخو شيخنا على الشَّوّاء.
مات في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وست مئة، ﵀.
٣٢٩ - النَّسَفي *
العلَّامة برهان الدين، محمد بن محمّد بن محمد، النَّسَفي الحَنَفي، صاحب المنطق والخلاف.
ذكره ابن الفُوَطي، فقال: هو شيخنا المحقِّق، العلَّامة المدقِّق، له التصانيف الشهيرة، وكان أوحَدَ في الخلاف والفلسفة، مُتِّع بحواسِّه، وكان زاهدًا، وقد لخَّص "تفسير" فخر الدين الرازي.
مولده تقريبًا سنة ست مئة، ومات في الثاني والعشرين من ذي الحِجّة سنة سبع وثمانين وست مئة ببغداد.
قال: وكان قَدِمَها حاجًّا في سنة خمس وسبعين فسكنها، واشتغل عليه هارون ابن الصاحب.
قلت: ما علمتُه روى حديثًا ولا تشاغَلَ في الأثر.
٣٣٠ - ابن النَّفيس **
العلّامة الأوحد، إمام الطب، علاء الدين، علي بن أبي الحَزْم بن النَّفيس، القُرشي، الدمشقي، الطبيب. صاحب التصانيف.
ولد بدمشق، واشتغل على المُهذَّب الدَّخْوار شيخ الأطباء، وساد أهلَ
стр. 324
زمانه، وكان لا يضاهى ولا يجارى في هذا الشأن؛ استبحارًا واستكثارًا، واستنباطًا واستحضارًا.
وله كتاب "الشامل" يدلُّ فهرسه على أن يكون الكتاب ثلاث مئة مجلد، فبيَّض منه ثمانين سِفرًا، هي موقوفة بالمنصورية بالقاهرة، وألَّف كتاب "المُهذَّب" في الكُحْل في مجلدين، و"الموجز" في الطِّب مجلد من أنفس المختصرات، وصنَّف شرحًا لـ "القانون" في عدّة أسفار.
ذكره الإمام أبو حيّان، فقال: كان يصنِّف مِن صَدْره من غير مراجعة، وله معرفة بالمنطق، وألَّف فيه، وعمل شرحًا لـ "الهداية" لابن سينا في ذلك، وكان يَميل إلى طريقة ابن سينا والفارابي، ويكره طريقة الأفضل الخُونْجِيّ والأثير الأَبَهري، قرأتُ عليه جملة من "الهداية"، وكان يقرّرها أحسن تقرير، وصنَّف في الفقه وأصوله، وفي العربية، وفي الحديث، وعلم البيان، ولم يكن في هذه العلوم بالمتقدِّم، وقرأ "الأُنمُوذَج" للزَّمَخْشَري على شيخنا ابن النَّحّاس، فتجاسَرَ به على أن صنَّف في العربية مجلدين، وعليه وعلى العماد النابلسي تخرَّج به أطباءُ مصر.
وكان طويلًا، أَسِيل الخَدِّ، نحيفًا، ذا مروءة.
قيل: أُشِيرَ عليه أن يتداوى بخمرٍ، فقال: لا ألقى الله وفي بطني منه شيء.
وقد أنشأ بالقاهرة دارًا فرشها بالرُّخام، وكان يبغض كلام جالينوس، ويصفه بالعِيّ، وهذا بخلاف رفيقه العماد النابلسي، فكان يعظِّمه.
درَّس العلاء بالمَسْروريَّة بمصر في الفقه.
стр. 325
مرض ستة أيام، ومات سَحَرًا بجمعة الحادي والعشرين من ذي القَعْدة سنة سبع وثمانين وست مئة.
حدثني صلاح الدين الصَّفَدي: أنه وقف للعلاء على تأليف صغير عارض فيه رسالة "حي بن يقظان" لابن سينا، ووسمه بكتاب "فاضل بن ناطق" انتصر فيه للإسلام والنبوّات والمَعَاد الجِسماني، أبدَعَ فيه.
قلت: خلَّف أموالًا، ووقف أملاكَه على البيمارستان المنصوري وكُتبَه، وكان من أبناء الثمانين، ولم يخلِّف بعده مثله في الطبّ، ولم يرزق سعادة في معالجته بالنِّسبة إلى علمه، وله نظمٌ حسن.
واسم رفيقه العِماد: عبدُ الرَّحمن بن عبد الوهّاب النابلسي شيخ الطب، من تلامذة ابن الرَّحبي، ما علمتُه صنَّف شيئًا، وله نظمٌ ومشاركة في النحو، ومَيلٌ كبير إلى كلام أبي محمّد بن حَزْم، وتوفي قريبًا من ابن النفيس.
٣٣١ - النَّجيب *
العَدْل، نجيب الدين، أحمد بن الشرف محمد بن الحسن بن عبد السلام، ابن المَقدسيّة، يكنى أبا علي.
ولد سنة خمسٍ وستِّ مئة.
وسمع من: خال أبيه ابن المُفضَّل الحافظ، ومن ابن عيسى الصَّفْراوي.
أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزالي، والقُطْب، وجماعة. وكان ثقيلَ السمع.
توفي في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين.
стр. 326
٣٣٢ - النَّجيب *
الإمام المُقرئ المحدِّث، بقيّة السلف، نجيب الدين أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن محمد بن المُؤيَّد بن علي، الهَمَذاني، ثم المُقْرئ.
مولده سنة اثنتين وست مئة.
وأجاز له عمر بن طَبَرزَد، وعَفِيفة الفارْفانيَّة، وطائفة.
وسمع من: أبي البركات عبد القويِّ بن الجَبَّاب، وابن باقَا، وعلي بن جُبَارة، ومُكْرَم بن أبي الصَّقْر، وتلا بالسبع على الشيخ أبي الحسن بن الرَّمّاح.
أخذ عنه: المِزِّي، وأبو حَيَّان، واليَعمَري، والبِرْزالي، والقطب الحَلَبي، وآخرون.
وهو ابن عمِّ شيخنا الأَبَرقُوهي، وصار في آخر عمره كاتبًا.
قال الحافظ قطب الدِّين: كان عدلًا، ثقةً.
مات في ذي القَعدة سنة سبع وثمانين وست مئة.
٣٣٣ - ابن حَمدُون **
الإمام القُدوة الزاهد الربّاني، المحدِّث، مَجْد الدين، محمد بن خالد بن حمدون، الهَذَباني الحَمَوي، الكُتُبي الصُّوفي.
سمع من: ابن بَهْروز وجماعة، وبمصر من ابن الجُمَّيْزي، وبحلب من ابن رَوَاحة، وبدمشق من ابن مَسلَمة.
стр. 327
وحدَّث بأماكن، وجاور، ثم أقام بدمشق بالبَلْخِيَّة، كان شيخُنا ابن الظَّاهري يُعظِّمه، وكان القاضي محيي الدين بن النحَّاس يزوره.
سمع منه: المِزِّي، والبِرْزالي، وطائفة.
مات بحلب في المحرَّم سنة سبع وثمانين عن سنٍّ عالية.
٣٣٤ - ابن المُغيْزِل *
مفتي حماة وكبيرها، الشيخ تاج الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله، العَبْدي، الحَمَوي، الشَّافعي.
مدرِّس العَصْرُونيَّة ببلده.
ولد سنة اثنتين وست مئة.
وسمع من: ابن رَوَاحة، وأجاز له، ومن ابن الخازن، وابن النجَّار، وجماعة.
وقدم بغداد رسولًا.
وله إجازة من أبي نصر الشِّيرَازي، والسَّخاوي، وكَرِيمة، وابن العَرَبي بدمشق، ومن ابن المُقيَّر، وابن دينار، وظافر بن شَحْم، وعدَّة بمصر، ومن ابن يعيش بحلب.
وكان أحد الثلاثة الذين إذا رآهم المنصور ترجَّل لهم، وتبرَّك بهم، هو ونَجْم الدين بن البارِزي، ونَجْم الدين بن الحكيم.
وليست رواياته على قدر سنِّه.
مات في شعبان سنة سبع وثمانين.
стр. 328
وهو والد العلماء زين الدين وناصر الدين وفخر الدين.
وسمعت من أخيه:
٣٣٥ - العالمِ الصَّدْر *
شرفِ الدين، أبي محمد عبد الكريم بن محمد الشافعي. وكيلِ بيت المال بحماة.
وهذا كان ارتحل فسمع من: الكاشْغَري، وابن الحارثي، وبمصر من عبد الرحيم بن الطُّفَيل، وطائفة.
وعُلَّ مدَّة، وبقيَ إلى المحرَّم سنة سبع وتسعين وست مئة.
وأخوهما:
٣٣٦ - الصَّدْر **
الإمام بدر الدين عبد اللطيف بن محمد، خطيب الجامع الأعلى بحماة.
حدَّث أيضًا عن: الكاشْغَري.
وكان مفتيًا، مدرِّسًا، جوادًا، متواضعًا، كبير القدر.
كتب عنه: البِرْزالي وغيره. وله تَعلُّم ومكارم.
وهو والد رئيس حماة وخطيبها المفتي الأوحد مُعِين الدين أبي بكر الذي روى لنا عن سبط السِّلَفي بالإجازة، وعاش إلى سنة أربع وعشرين وسبع مئة (١).
стр. 329
٣٣٧ - ابن السُّكَّري *
الإمام أقضى القضاة، فخر الدين أبو الفضل، عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العليّ، المعروف بابن السُّكّري، المصري، الشافعي. أحد الأعلام.
مولده سنة أربع وست مئة.
أجازت له: عَفِيفة الفارْفَانية، وجعفر بن آموسان، والمؤيَّد ابن الإخوة، وطائفة.
وأخذ عنه الطَّلبة، وكان عالمًا بالمذهب. وليَ خطابة جامع الحاكم بعد حموِه بهاء الدين بن الجُمَّيْزي.
وأما أبوه فكان قاضي الديار المصرية، من العلماء العاملين، له صولة على الدولة، ثم عَزَل نفسه من الحُكْم والخطابة وزاوية الإمام الشّافعي، وعُيّن للخطابة وزاوية الشَّافعي بن الجُمَّيْزي، وعُيّن للقضاء نائبه شرف الدين عين الدولة، وبقي على تدريس منازل العزِّ، ثم وليها من بعده ابنُه القاضي فخر الدين هذا، ثم عُزِل الفخر ثم أُعيد.
فلما توفِّي في شوال سنة سبع وثمانين وست مئة وليَ المدرسة والخطابة من بعده ابنُه القاضي عماد الدين علي، الذي ذهب في المَرْسَليَّة.
وكان العمادُ إمامًا بمشهد الستّ نَفِيسة، وناظرًا على أوقافه، وقد حدَّث بدمشق عن جدِّه لأمه الشيخ بهاء الدين، وبقيَ إلى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، أخذ عنه وعن أبيه قطبُ الدين والبِرْزالي والطَّلبة.
стр. 330
٣٣٨ - قبلاي *
ابن تولي، وقيل: طلو، ابن الطاغية جَنْكِزخان، الحاكم على ملوك الأقاليم، امتدَّت أيامه وملَّكوه بعد أخيه منكوقا، وهما أخَوَا هولاكو.
قال المؤيَّد: مات سنة ثمان وثمانين وست مئة، فجلس بعده ولده شبردون.
قلت: وقيل: إنَّ قبلاي بقى إلى ثلاث وتسعين، وهؤلاء على دين جدّهم، ما بدَّلوا ولا اهتَدَوا، ومقامهم خان بالق، وكانت دولته سبع سنين.
٣٣٩ - زينب **
بنت مَكِّي بن علي بن كامل.
الشيخة الصالحة الزاهدة العابدة المعمَّرة المُسنِدة، أم أحمد الحرّانية، ثم الدمشقية الصالحيّة.
سمعت وهي في الخامسة من ستّ الكَتَبة بنت الطَّرّاح سنة ثمانٍ وتسعين.
وسمعت من: حَنبَل الرُّصَافي جميع "المسند"، ومن ابن طَبَرزَد عامَّة ما قُرِئ عليه بقاسيون، ومن الشمس العطَّار، وأبي المجد الكَرَابِيسي وطائفة، ولها إجازة عفيفة الفارْفانيّة، وأسعد بن رَوْح، وعبد الوهّاب بن سُكَيْنة، وعدَّة.
رَوَت الكثير، وألحقت الصِّغار بالكبار، وكانت فقيرة ناسكة متعفِّفة،
стр. 331
وهي أخت الفخر بن البخاري من الرَّضاع، وفي علوِّ السّماع، حدَّثت بـ "المسند" جميعه في آخر عمرها.
سمع منها: الحافظ زكي الدين البِرْزالي مع تقدُّمه، والدِّمْياطي، والنَّجيب الصفَّار، والحارِثي، والمِزِّي، وابن تَيْميَّة، والمَنْبِجي، والمُهَندِس، والبِرْزالي، وعبد العزيز بن أبي الدُّرّ، وإبراهيم ابن الكمال بن النحَّاس، وعلاء الدين بن الخرّاط، وعدد كبير من كهول العصر.
توفيت في شوّال سنة ثمان وثمانين عن بضع وتسعين سنة، رحمها الله.
٣٤٠ - المهذَّب *
ابن أبي الغنائم بن أبي القاسم، الإمام كبير العدول، زين الدين أبو محمد، التَّنُوخي الدمشقي، الشافعي، الشُّرُوطي كاتب الحُكْم.
ولد سنة ثمان عشرة وست مئة.
وتلا على السَّخَاوي، وحدَّث عن: مُكرَم، وابن اللَّتِّي.
انتهت إليه معرفةُ الشروط ودقائقها، وحُسْن كتابتها، حصَّل منها ثروة، وقد أُعطيَ مرةً على كتاب واحد ثلاثة آلاف درهم، وكان عدلًا صيِّنًا، رئيسًا، بصيرًا بالأحكام، عُرِض عليه نيابة القضاء بدمشق فامتنع، لكثرة ما يحصِّل من التسجيل.
روى عنه: البِرْزالي، وغيره.
تُوفِّي في رجب سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وخَلَفَه ابنُه العدل الرئيس شمس الدين، ثم حفيده العدل شهاب الدين
стр. 332
أحمد بن محمّد.
٣٤١ - ابن مُعافى *
القاضي الإمام، أبو محمد عبد القادر بن أبي الرضا بن معافى، الحَجَري الكِنْدي المالكي.
نائب الحكم بالإسكندرية، وراوي "جامع أبي عيسى" عن علي بن البنّاء.
كان يُلقَّب بالكَمَال، وتلا بالسَّبع على الصَّفْراوي.
من أبناء التسعين، وكان يتعاسر على الطلبة، ثم أُقْعد وعَزَل نفسه ولزم بيته.
سمع منه: المِزِّي وغيره، وسمع أيضًا من ابن عِماد.
ويعرف بابن التَّقِي.
توفي سنة ثمان وثمانين وست مئة في شوَّال.
٣٤٢ - الفاضلي **
الشيخ كمال الدين، أحمد بن يوسف بن نصر بن شادي، المِصري، الفاضلي.
ولد سنة عشر وست مئة.
وسمع بإفادة القاضي الأشرف من: ابن أبي لُقْمة، وابن البُنّ، وببغداد من أبي هريرة بن الوَسْطانيّ، وأبي علي بن الجَوَاليقي، ومَحَاسن
стр. 333
الخزائني، وغيرهم.
سمع منه: المِزِّي، والبِرْزالي، والشيخ تاج الدين محمود الفارِقي، والتقي ابن العَلَم، وجماعة.
توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وست مئة.
٣٤٣ - ابن العِماد *
الزاهد الفقير، العماد أحمد ابن الشيخ الكبير عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد المَقدِسي.
سمع من: ابن الحَرَسْتاني، وابن مُلاعِب، وعدّة، وببغداد من الداهري.
وله أتباع وفقراء.
أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزالي.
عاش ثمانين سنة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وهو أخو قاضي مصر الشيخ شمس الدين.
وتوفي يوم عرفة، قال الشيخ تاج الدين في "تاريخه": ما كان يُعاب بشيء إلّا بالحَشِيشة، وله في ذلك حكايات.
٣٤٤ - ابن أبي الرَّبيع *
الإمام، شيخ العربية بالمغرب، وحامل لوائها، أبو الحسين عبيد الله بن أحمد بن عبيد الله بن أبي الرَّبيع، القرشي، الأموي، الإشبيلي، المالكي.
ولد سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
стр. 334
وقرأ "كتاب سيبويه" على العلَّامة أبي الحسن الدَّبّاج، وتلا بالروايات على أبي عمر محمد بن هارون التميمي عن والده أحمد، وأخذ العربية عن أبي علي الشَّلَوْبِين وأمره أن يقرئ الناس، فصار يبعث إليه الطلبة المبتدئين، ويَحصُل له منهم رزق، فإنه كان فقيرًا.
وقد سمع بعض "الموطأ"، وبعض كتاب "الكافي"من القاضي أبي القاسم أحمد بن بَقيّ، وأجاز له مرويَّاته، فلما استولت النصارى على إشبيلية سنة ست وأربعين انتقل ابن أبي الربيع إلى سَبْتة فسَكَنَها وأقرأ بها، وألَّف كتاب "الإفصاح في شرح الإيضاح" الذي لأبي علي الفارسي، عمله في أربع مجلدات، فجُلِب إلى مصر، وابتيع بخمسة وثلاثين مِثقالًا، وصنَّف كتاب "القوانين" مجلد ضخم، وله "تعليقة" على "كتاب سيبويه"، وجمع كتابًا حافلًا في عشرة أسفار في شرح "الجُمَل"، قلَّ أن فاته فيه مسألة نحويَّة.
أخبرني هذا صاحبي أبو القاسم بن عمران السَّبْتي، وقال: حضرت مجلسَه وسمعت منه وأجاز لي، وأجاز عند موته لكل من أدرك حياته، وخَلَفه في مجلِسه كبيرُ طلبتِه أبو إسحاق الغافِقي.
قلت: توفي في سنة ثمان وثمانين وست مئة بسَبْتة.
٣٤٥ - الفخر البَعْلي *
الشيخ الإمام الفقيه المفتي القُدْوة الرَّبّاني، فخر الدين أبو محمد، عبد الرحمن بن يوسف بن أبي بكر بن نصر، البَعْلَبكِّي، الحَنبَلي. والد
стр. 335
العلَّامة شمس الدين.
ولد سنة إحدى عشرة.
وسمع من: أبي المَجْد القَزْوِيني، والبهاء المَقدِسي، وابن الزَّبِيدي، والناصح الحَنبَلي، وعدّة، وروى الكثير.
حدَّث عنه: ابن أبي الفتح، وابن تَيْميَّة، وابن العطَّار، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن الخبَّاز، وآخرون. وأجاز لنا مروياته.
قال ولده: قال لي أَبي في حال صحّته: أنا أعيش في عمر الإمام أحمد، لكن شتَّان ما بيني وبينه. فعاش سبعًا وسبعين سنة، وهذه من كراماته، قال: وقال لي: يا بُنيَّ تنزَّهت عن الأوقاف إذ كان يمكنني ولي شيءٌ، فلما احتجتُ تناولت منها.
قلت: وليَ تدريس حَلْقة العماد، ومشيخة النُّورِيَّة، والصَّدْريَّة، ومَشهَد عروة، ودرَّس بالمِسْماريَّة نيابة.
قَدِمَ دمشق أولًا سنة ثلاثين، فتَفَقَّه بالتقي بن العِزّ والشمس بن المنجَّى، وعرض "علوم الحديث" على ابن الصلاح، وتردّد في المعقول إلى السيف الآمدي، ثم رجع إلى بلده، وأمَّ بمسجد الحنابلة مدة، وكان الشيخ الفقيه يُجِلُّه ويحترمه، ثم تحوَّل إلى دمشق فاستوطنها.
سألت أبا الحجّاج شيخَنا عنه فقال: هو أحد عباد الله الصالحين، وأحد من كان يُظنُّ به أنه لا يحسن أن يعصي الله.
قلت: توفي في شهر رجب سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وفيها توفي الشيخ العماد أحمد ابن الشيخ العماد إبراهيم المَقِدسي،
стр. 336
والشيخ العَلَم أحمد ابن الصاحب المِصْري المُجرّد، والكمال أحمد بن يوسف الفاضِلِي، والجَمَال أحمد بن أبي محمد المَغَاريّ العطَّار، وإبراهيم بن مسعود الحُوَيريّ النجّار، والمعمَّرة زينب بنت مكي، ونائب الحُكم بالثَّغْر عبد القادر بن أبي الرضا بن معافى، يروي "الترمذي" عن ابن البنّاء، ومظفَّر بن مُقلَّد ابن الصَّائغ، والتقي أبو الحسين بن أبي الربيع شيخ النحو، وعلي بن عبد العزيز الإرْبِلي شيخ القرَّاء، وشمس الدين محمد بن الكَمَال، والأصبهاني شمس الدين صاحب كتاب "القواعد"، ومُظفَّر بن مُقلَّد ابن الصَّائغ، والتقي يعقوب بن بدران ابن الجرائدي المُقْرئ.
٣٤٦ - ابن الكمال *
الشيخ الإمام، العالم المحدّث، القُدوة الورِع، بركة المشايخ، شمس الدين أبو عبد الله، محمد ابن الشيخ الكمال عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد، المَقدسي ثم الصالحي، الحنبلي. ابن عمِّ الشيخ الفخر بن البخاري.
مولده في ذي الحِجّة سنة سبع وست مئة.
وسمع من: الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني حضورًا، وسمع من: داود بن مُلاعِب، وأبي الفُتُوح البَكْري، والشمس العطَّار، وموسى بن عبد القادر، وابن أبي لُقْمة، والشيخ الموفَّق، والشيخ العِماد، وعدَّة.
وكان من أوعية الرواية، مع الفَهْم والدِّراية المتوسطة، والتقوى والصلاح، تخرَّج بعمِّه الحافظ ضياء الدين ولازمه وأكثر عنه، وتمَّم تصنيف "الأحكام" الذي لعمِّه، وانتصب للرواية نحوًا من أربعين سنة.
стр. 337
حدَّث عنه: القاضي تقي الدين سليمان، وابن الخَبَّاز، والمِزِّي، وابن تَيمِيَّة، وابن مُسلَّم، وابن العطَّار، وابن تمّام، والبِرْزالي، وابن المُحِبّ، وآخرون، وأجاز لي مَرْويّاته.
وليَ مشيخة الأشرفية بالجَبَل، وتدريسَ الضِّيائيَّة، وغزا غير مرة، وكتب بخطِّه كثيرًا، وقرأ على المشايخ.
سألت أبا الحجّاج الحافظ عنه فقال: هو من المشايخ الجِلَّة المشهورين بالعبادة والورع والعلم والفضل، سمع من ابن الحَرَسْتاني كتاب "مكارم الأخلاق"، وأجاز له المؤيَّد الطُّوسي، وأبو رَوْح الهَرَوي.
قلت: يقال: إنه حفر في بيته فوجد ذهبًا، فطمره تورّعًا، وقال: له أصحابٌ، ولم يشغل ذمَّته به.
توفّي في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وست مئة.
٣٤٧ - الإرْبِلي *
المقرئ المحدث، بقيّة العلماء، تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الحسن الإرْبِلي الشافعي، نزيل بغداد.
قال: وُلِدتُ في ربيع الأول سنة عشر وستّ مئة.
سمع من إبراهيم بن يوسف بن خُتَّة بالموصل "المصباح" لأبي الكرم: أخبرنا نصر الله بن سلامة عنه (١).
стр. 338
وأجاز له: أحمد بن الدَّبِيقيّ، ورَيحان بن تِيْكان، وإسماعيل بن حمدي، والكاشْغَري، وعدَّة.
أخذ عنه: تلميذه أبو عبد الله المَوصِلي شُعْلة، والفَرَضي، وابن سامة، والجَمَال القَلَانِسي، وابن الفُوَطي، وآخرون. وروى الكثير بالإجازة.
قال ابن الفُوَطي: كان فقيهًا، عالمًا مقرئًا، أحوَذيًّا في صنائعه، عدلًا، خرَّج له القَلَانسي عوالي، وألَّف "بهجة الأسرار"، وأقرأ القراءات مدة، وأخذ عنه شيخنا الجَعْبَري، وسمّعه كثيرًا من نظم تلميذه شُعْلة، فكان يروي عنه بعدُ.
توفّي في رجب سنة ثمان وثمانين وست مئة.
ومات سَمِيُّه التقيّ علي بن عبد العزيز بن المغربي شاعر بغداد قبله في سنة أربع وثمانين كما مرّ (١).
٣٤٨ - المَغَاري *
الصالح، الجَمال أبو العباس، أحمد بن أبي محمّد بن عبد الرزّاق بن هبة الله، الصالحي، العطَّار. شيخ مَغارة الدَّم، وأخو شيخنا عيسى.
مولده سنة إحدى عشرة.
وسمع: موسى بن عبد القادر، والموفَّق، وابن البُنّ، وعِدَّة.
روى عنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وآخرون.
وكان ذا دِينٍ وخُلُق رضيّ.
стр. 339
مات في ذي الحِجّة سنة ثمان وثمانين وست مئة.
٣٤٩ - الأصبهاني *
العلّامة الأصولي، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن محمود بن محمد بن عباد، الكافي، الأصبهاني، نزيل مصر.
قدم الشام سنة نيِّف وخمسين وست مئة، فناظر واستدلَّ واشتَهَرت معارفه.
وسمع بحلب: طُغريل المُحْسِنيّ وغيره.
وانتهت إليه الرياسة في فنّ الأصول، وصنَّف التصانيف، وشرح "المحصول" للرازي شرحًا كبيرًا، وله كتاب "القواعد" يشتمل على أربعة فنون: أصول الدين، وأصول الفقه، والمنطق، والخِلاف، وللطَّلبة به اعتناء، وله كتاب "غاية المطلب" في المنطق، وكان يدري العربية والأدب والشعر، لكنه مُزْجَى البضاعةِ من الفقه، عَرِيًّا من الآثار والسُّنّة.
وليَ قضاء مَنْبِج في الأيام الناصرية، ثم دخل مصر فوليَ قضاء قُوص، ثم وليَ قضاء الكرك، ثم رجع إلى مصر وتصدّر للإفادة، ودرَّس بالصَّاحبيَّة، ووليَ تدريس مَشهَد الحسين، وتدريس قُبَّة الشَّافعي. تخرَّج به الأصحاب.
سمع منه: الحافظ عَلَم الدين.
مولده بأصبهان سنة ست عشرة وست مئة.
ومات بالقاهرة في العشرين من رجب سنة ثمان وثمانين وست مئة.
стр. 340
٣٥٠ - ابن الصاحب *
هو الشيخ العَلَم، أحمد بن يوسف ابن الصاحب الوزير عبد الله بن شُكْر، المِصري.
فقير مُتجرِّدٌ، وصاحب نوادر ومزاح، وتشبُّهٍ بزيِّ الحَرَافِشة، وله عِلْم وذكاء، وله أولاد رؤساء.
مات سنة ثمان وثمانين وست مئة وقد شاخ.
٣٥١ - الحُوَيْري **
المُسنِد، أبو إسحاق، إبراهيم بن مسعود، الحَبَشي ثم الدمشقي، النّجّار.
كان يسكن بالحُوَيْرة التي عند سوق السلاح، وهو مولى ابن الصائغ التّمِيمي.
ارتحل وسمع من: الدَّاهِري، وأبي الحسن القَطِيعي، وأَمَةِ الله بنت أحمد بن الآبَنُوسيّ، وفَرْحة بنت تُميرة، وعلي بن الجَوْزي، وعدَّة بإفادة عمر بن الحاجب.
وكان فيه دِينٌ وخير، وله فهم.
ولد بالحُوَيرة في سنة سبع وتسعين وخمس مئة، وعاش نيِّفًا وتسعين سنة.
أخذ عنه: الحارثي، والمِزِّي، وابن سامة، والبِرْزالي، والطلبة.
وخرّج له سعد الدين جزءًا، وتفرَّد ببعض ما عنده.
توفي في ثالث عشر ذي الحِجة سنة ثمان وثمانين وست مئة.
стр. 341
٣٥٢ - العِماد *
الشيخ الزاهد، عماد الدين، أحمد ابن الإمام الكبير عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد، المَقدِسي الصالحي، الحنبلي. أخو قاضي الحنابلة الشيخ شمس الدين الحَنْبلي.
ولد سنة ثمان وست مئة.
وسمع من: ابن الحَرَسْتاني، وأبي عبد الله بن البنّاء، وابن مُلَاعِب، والشيخ الموفَّق، وأبيه، والدَّاهِري، وعمر بن كَرَم، والشُّهْرَوَرْدي.
حمل عنه الطَّلبة، وكان مكثِرًا، متزهِّدًا متعبِّدًا، ضُرَّ بأخَرَةٍ وأَقْعِد، وقد تفقَّه مدة، ثم تجرَّد وتَمَفْقَر، ولخلقٍ فيه اعتقاد.
توفِّي يوم التَّروية سنة ثمان وثمانين.
٣٥٣ - ابن المَقدِسي **
المولى الرئيس الظُّلوم، ناصر الدين محمد ابن العلَّامة شمس الدين عبد الرحمن بن نوح بن محمد، المَقْدِسي ثم الدمشقي، الشافعي.
ولد سنة ثلاثين وست مئة ظنًّا، وحضر ابنَ اللَّتِّي.
وسمع من: تاج الدين بن حَمّويه، وتفقَّه بأبيه.
ودرَّس بتُربة أمّ الصَّالح، ثم بالرَّوَاحيّة.
وداخَلَ الدولة، ومَهَر في الحِيَل والمَكْر، وتوصَّل إلى أن وليَ في سنة سبع وثمانين وكالةَ بيت المال، ووكالةَ السلطان، ونَظَرَ كلِّ الأوقاف
стр. 342
وأموال البِرّ.
وشرع في فتح أبواب الظُّلم، وخُلع عليه بالطَّرْحة مرَّات، وعمل نظرَ الجامع، وخاف الناسُ من كَيْده وجَبَروته، رأيته بالخِلْعة يمشي الخُيَلاء، وكان رَبْعةً، كثير الشَّيب، فعَدَا طَوْرَه (١)، وآذى غيرَ واحد، وتحامَقَ حتى على النائب والقضاة، فتبَرَّموا به وكاتبوا النائب فيه، فجاء الأمر بالكشف، وكان قد ارتَشَى وحصَّل، فرُسِم عليه بالعَذْرَاويَّة، فظهر عليه بلايا، ومَقَتَه النَّاس، ثم ضرب بالمَقَارع، فحَمَل مَبْلغًا وذاق ذلًا، واشْتَفُوا، وكان قد عَثَّرَ السيفَ واقفَ السَّامَرّيَّة، وأخذ منه قرية الزّنبقيَّة وظلمه، فأتاه يتغمَّم له بتشَفّ، فقال: باللهِ لا تجئْ إليَّ، فقال: ما ينصبر لي عنك وعمل أبياتًا مُقْذِعةً في هَجُوه، أولها:
ورَدَ البشيرُ بما أقرَّ الأعْيُنا … فشفى الصُّدور وبلَّغ الناسَ المُنى
واستَبشَروا وتزايدتْ أفراحُهم … فالكلُّ مشتركون في هذا الهَنا
فلَكَمْ يتيمٍ مُدْقِع ويتيمةٍ … من جَوْرِه باتوا على فَرْش الضَّنَا
ولَكَمْ غَنِيٍّ ظلَّ في أيامه … مُسْتَعْطيًا للناس من بعد الغِنى
إن أنكَرَ اللّصُّ الخبيثُ فِعَالَه … بالمسلمين فأوّلُ القتلى أنا
ثم جاء مرسومٌ بإرساله إلى باب السلطان، فخاف الكلُّ من غائلته، فأصبح مشنوقًا.
قال الشيخ تاج الدين: في ثالث شعبان، تحدَّث الناس بأنه شَنَقَ نفسه، وأُخرجت جنازته، فصُلِّيَ عليه بعد الجمعة، وقَلَّ من شيَّعه، وكُتب مَحضَر:
стр. 343
أنهم أزالوا عنه الترسُّم قبل يوم، وسُلِّم إلى أهله، ثم وُجِد مشنوقًا، وغَلَب على الظنّ أنهم شنقوه كما فُعل بابن الحِصني والي زُرَع. قال: وبالجملة استراح الناس من ابن المَقدِسي، فإنه بغا وطغا، واستحلَّ المحارم، وتقدَّم على العظائم، وفرحوا بموته.
وبلغني أنه أصبح يوم الجمعة مستوحشًا، أحضروا له … (١) نصارى جَبَلة، فطلبَ ابنَه وتَمَسَّكَ به، فأخذوه من حِضْنِه قَهْرًا، وأُخرج الابن ثم خنقوه، وقال ابنه: أخذوني من عنده جرًّا وهو يمسكني، حتى أخرجت مكشوف الرأس. قلت: خُنق بأمر من السلطنة، وأشاعوا أنه شنق نفسه.
وهو أخو شيخنا بهاء الدين الذي عُمِّر إلى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
٣٥٤ - القَلْيُوبي *
العلّامة قاضي المَحَلَّة، كمال الدين أبو العباس، أحمد ابن الشيخ ضياء الدين عيسى بن رضوان، الكِنَاني، العَسْقَلاني ثم المِصْري القَلْيُوبي، الشَّافعي. أحد الفضلاء.
شرح "التنبيه" في اثني عشر سِفْرًا، وصنَّف في القرآن وعلومه، وأفتى ودرَّس وأجاب، وكان ذا دِينٍّ وتعبُّد.
روى عن: ابن الجُمَّيْزي، وقد لحقه أبو العلاء الفَرَضي وسمع منه.
مولده سنة سبع وعشرين وست مئة أو في سنة ثمان.
стр. 344
٣٥٥ - طُرُنْطاي *
نائب المملكة، حسام الدين أبو سعيد التُّركي، المنصوري السَّيْفي.
من نبلاء الأمراء حزمًا ورأيًا وشجاعةً وخبرةً، وسياسةً وهيبةً ورواءً، اشتراه أستاذه قبل السَّلطنة من ابن المَوصِلي، فترقَّى عنده إلى أعلى الرُّتب، حتى صيَّره في الأستاذ داريّة، واعتمد عليه، فلما تملَّك صيَّرَه نائبه، وعَظُم وتمكَّن وكثرت أمواله وغلمانه.
وكان مليح الشكل، وقورًا، من أبناء الخمسين أو دونها.
نَدَبه السلطان إلى محاصرة سُنْقُر الأشقر سنة ست وثمانين، فأقبل وعبر بدمشق في دَسْت الملوك الكِبار، وقصد صِهْيَون، فنزل إليه سنقر الأشقر بأَيْمان مؤكَّدة، فوفَّى له وصيَّره أميرًا بالقاهرة، وبعدما توفي السلطان وقام ولدُه الملك الأشرف، فبَسَط عليه العذاب الشديد المهلِك - على طُرنطية - حتى تَلِف، ولقد صبر المسكين صبرًا جميلًا، ﵀، فيقال: عُصِر إلى أن مات وما سُمِع منه كلمة، وليَ عذابَه علم الدين الشُّجاعي، وكان بينهما عداوة وشحناء، ولما غُسِّل تميَّع وتزايلت أوصاله.
قيل: خلف من الذهب ألف ألف دينار، وكان ذا حِرص، وفي لسانه بَذَاء، واصطفى السلطانُ أمواله.
مات في آخر سنة تسع وثمانين.
وفيها مات:
стр. 345
٣٥٦ - الأمير الكبير *
الحاج علاء الدين طَيْبَرس الوزيري الصالحي.
صِهر السلطان الملك الظاهر، في آخرها (١) أيضًا، وخلَّف أموالًا عظيمة، وأوصى بثلاث مئة ألف درهم صَدَقة، وقد عمل منارة دمشق في وقتٍ في أوّل الدولة الظاهريّة، وكان فيه عقل ودين، ﵀.
٣٥٧ - ابن المحدِّث **
الشيخ الإمام، الأديب العدل، شمس الدين أبو الفضل، محمد ابن المحدِّث الكبير الإمام عبد الرزاق بن رِزق الله بن أبي بكر بن خلف، الرَّسْعَني، الحنبلي الشاهد، الشاعر، نزيل دمشق.
كان من أعيان العدول.
وُلد برأس عَين في سنة إحدى وعشرين.
وسمّعه أبوه "الصحيح" من ابن رُوزْبَة.
ورحل هو فسمع من: عبد اللطيف بن القُبَّيْطي، وابن اللَّتِّي، وأبي القاسم بن رَوَاحة، وغيرهم.
أخذ عنه: المِزِّي، ورافع، والبِرْزالي، والطَّلَبة.
وله نظم رائق، وشكل حسن، وعبارة عَذْبة.
ذهب في آخر أيامه في شهادة إلى مصر فأخذ عنه أبو حيّان وغيره.
стр. 346
وهو القائل:
ما ابيضَّ مِنْ لَمَّتِي سَوْداءُ في عُمُرٍ … إلّا وقد سَوَّدتْ بيضاءَ من صُحُفِ
ولا خلوتُ مدى الأيام من لَعِبٍ … إلّا ورحْتُ به صبًّا أخا كَلَفِ
وليس من شافعٍ أرجو النجاةَ به … إلّا الرَّسولُ وحِبِّي ساكنُ النجَفِ
وكان حارسًا بدَرْبِ الأكْفَانيِّين، وله ابنان من أقْراني تُوفِّيا، أمَّ بمسجد الرَّمّاحين.
قال قطب الدِّين اليُونيني: اجتمعتُ به بمصر، وكان يتردّد إلى الوزير ابن السَّلْعُوس ويمدحه، فلما وَرَدَ سار إلى بابه، ولما رجع سُرق حماره بما عليه في الطريق، فرَدَّ إلى القاهرة، فما تحصَّل له مقصود، ثم سافر على فرس له فغَرِق به في الشريعة، وأُتي بالفرس والمتاع إلى دمشق.
غرق في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وست مئة، سامحه الله وإيانا.
وقد سمع بدمشق من: كَريمة، والحافظ الضياء.
٣٥٨ - الفارِقي *
العلّامة شيخ الأدب، قُدوة الفقهاء، رشيد الدين أبو حفص، عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن سعيد بن أبي الكتائب، الفارقي، الشافعي، الشاعر.
وُلد سنة ثمان وتسعين وخمس مئة.
وسمع "جزء البانياسي" من الخطيب فخر الدين بن تيميّة.
وسمع من: عبد العزيز بن باقا، والحسين بن الزَّبيدي.
стр. 347
وساد في الأدب والإنشاء وحاز قَصَب السَّبْق، وخدم في ديوان الرسائل، ومدح العَلَم السَّخاوي بقصيدة بديعة، فمدحه السخاوي بقصيدته التي مطلعها:
فاق الرَّشيدُ فأمَّتْ بحرَهُ الأُمَمُ
وكان طويل الباع في التفسير والمعاني والبيان واللغة.
تخرَّج عليه جماعة من الفضلاء، وقد وَزَر وتقدّم وأفتى وناظر ودرَّس بالظاهرية، وسكنها، وله مقدِّمتان في النحو.
وكان مَليح المجالسة، حُلوَ النادرة، يقظًا فَطِنًا، مشاركًا في الأصول والطبّ، وغير ذلك، وقد درَّس بالناصريّة أيضًا مدة.
روى عنه من نظمه: رضي الدين بن دَبُوقا والدِّمْياطي والمِزِّي والبِرْزالي وطائفة.
وهو القائل:
ذُرِّيّةٌ في الورى دُرِّيةٌ زُهُر … يُرجَى بها الغيثُ أو يُجْلى بها الغَسَقُ
همُ مَعاذي وذُخْري في المَعَاد وهمْ … كَنْزي وحِرْزي إذا ما أَلجَمَ العَرَقُ
خفضُ الجناح لهم رفعٌ لِمَنزلتي … فاجزم بهذا ولا تَنصَبْ فتحترقُ
هم الأُلى أعربوا مَبَنَى مُجِدِّهِمُ … بنَحوهمْ كلَّ شأوٍ ليس يلتحقُ
مَن شاء باهَلَني باهَلْتُه بهمُ … وبَعدُ عند ورود الحوضِ نَستبقُ
وهل أتى شاعرٌ إلّا وقلتُ له … هل في مدح أهل البيت متَّسقُ
ومن شعره:
إنَّ في عينيك معنًى … حدَّث النّرجِسُ عنهُ
ليت لي من غُصْنِه سَه … مًا ففي قَلْبيَ منهُ
стр. 348
وقال:
لشيخنا في النَّقاءِ الشَّيبُ والكَرَمُ … حظٌّ كما لسِواهُ الشيبُ والهَرَمُ
ففي العلاء عليٌّ والسَّخاء سخا … وِيٌّ وفي عِلمِه بين الوَرَى عَلَمُ
شيخُ المشايخِ في زُهدٍ وفي لَسَنٍ … يجُول في كلّ إقليمٍ له قلَمُ
لولا عليٌّ لعِلم النحو أجمعِهِ … ما كان زيدٌ ولا عمرٌو ولا الكَلِمُ
وله:
مرَّ النّسيمُ على الرَّوض البَسيمِ فما … شَكَكتُ أنَّ سُلَيمي حلَّتِ السَّلَما
ولاحَ برْقٌ على أعلى الثَّنيّةِ لي … فخِلتُ برقَ الثنايا لاحَ وابتَسَما
خَوْدٌ تَجمَّعَ فيها كلُّ مُفتَرِقٍ … من المعاني التي تَستغرِقُ الكَلِمَا
لمّا سَرَتْ أسَرَتْ قلبي ومُذْ نَزَحَتْ … نزحتُ ماء جُفُونٍ تُخجِلُ الدِّيَما
وصار مَربَعُها قلبي ومَرْتعُها … لُبّي ومَورِدُها دمعي الذي انسَجَما
ولم أكن راضيًا منها بطَيْف كَرًى … فاليومَ مَنْ لي به والنَّومُ قد عُدِما
حُنِق الرشيدُ في رابع محرَّم سنة تسع وثمانين بالظاهرية، ودرَّس بها بعده علاء الدين بن بنت الأعزّ، وكان يدخل في التنجيم، وفيه حِرصٌ وجمعٌ.
وبعض العلماء يقول: إنه جاوز المئة، وذلك وهمٌ، فإنه أخبر لمّا كاتَبَ ابنَ وَدَاعة فقال: مولدي في حادي عشر شعبان سنة ثمان وتسعين.
وقد وَزَرَ لنائب السلطنة الشمس لؤلؤ، واتُّهِمَ بقتله ابن أخته ولد سعد الدين، حطَّ عليه عمّه رشيد الدين وبالغ، فقال سعد الدين: أنا أثبت أنَّ
стр. 349
الرشيد مات كافرًا يعبد الأصنام، فقيل: وجدوا في جيب الرشيد لوحًا فيه صورة، وبعد شهرين ضُرِب ابن سعد الدين، فأقرَّ بأخذ المال، وأقرَّ على شاب أنه هو القاتل وهرب، وهو ابن الشيخ علي مَثَلا (١).
٣٥٩ - الملك المنصور *
السلطان الكبير، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين، أبو المَعالي، قلاوون، التركي الصَّالحي النَّجْمي.
صاحب مصر والشام والحجاز، وكان في إمرته يعرف بالأَلْفي، لأنَّ السلطان نَجْم الدين اشتراه بألف دينار، وكان من أجمل الرجال في صباه وأهيبهم، وأبهاهم في كِبَره، تامّ الشكل، مستدير اللِّحية خفيفها، وقد وَخَطَه الشيبُ، يَعْلوه وَقارٌ وجلالة، رأيته غير مرّة، وكان من أبناء الستين، وكان موصوفًا بالشجاعة، والرأي والهِمّة العالية.
كان من أمراء الأُلوف في دولة خُشداشه، ثم لمّا خُلع السَّعيد من السلطنة حَلَفَت الأمراء لسُلامش وهو ابن سبع سنين، وحلفوا معه لسيف الدين قلاوون، ودُعِيَ لهما معًا في الخطبة، وضُربت السكَّة على الوجهين باسميهما، ودام الأمر على هذا أكثر من شهرين في أثناء سنة ثمان وسبعين وست مئة.
ثم في رجب عزلوا الصبيَّ وبايعوا سيف الدين بالسَّلطنة، ودانت له
стр. 350
الأمم، وقبض على عدَّة من الأمراء المقدَّمين، واسْتَناب مماليكه و تمكَّن، ثم كسر التتار يوم حمص سنة ثمانين، وافتتح حصن المَرْقَب، وبلد طرابُلُس وصِهيون، وغير ذلك، وأنشأ مدرسة عظيمة وبيمارستان وبرِّية له بين القصرين، وعمل أنواعًا من البِرّ.
ونشأ له غلمان قلَّ أن ترى العيون مثلهم، كالحُسام لاجين، وزين الدين كَتْبغا اللَّذين تملَّكا، وحسام الدين طُرنطاي نائب المُلك، وعَلَم الدين الشّجاعي، وبدر الدين بَيْدرا، وسيف الدين قَبْجَق الطباخي، وقراسُنقُر، وأمثالهم، وقبض على الحلبي وبَيْسَري والكبار، وسار إلى خدمته سُنْقر الأشقر، فعفا عنه، وأعطاه خيرًا جليلًا.
وخلّف في المُلك ولدَه السلطان الملك الأشرف خليل، وولده مولانا السلطان الملك الناصر أيَّده الله.
توفي في يوم السَّبت سادس عشر ذي القَعدة سنة تسع وثمانين وست مئة، ودفن بتربته بين القصرين، رحمه الله تعالى.
وقَبَض ولدُه على نائب المملكة حسام الدين طُرنطاي، وبسط عليه عذابًا أتلفه واستأصله، وصَبَر المسكين صبرًا جميلًا، وكان عاقلًا، ذكيًّا، مَهيبًا، خبيرًا بالأمور، كامل السؤدد، مليح الشكل، دَيِّنًا، له من الأموال والمماليك والخيل ما يفوق العد، دفن بزاوية السعودي.
قال قطب الدين اليُونينيّ: كان طُرُنْطاي معدوم النظير، ولولا شحّه وبذاءة لسانه لكان أوحد زمانه، خلَّف من العين ألف ألف دينار وست مئة ألف دينار، ولم يبلغ الخمسين.
стр. 351
٣٦٠ - الشيخ قاضي القضاة *
أبو العباس، أحمد ابن شيخ الإسلام نجم الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ القُدوة الربّاني أبي عمر محمد ابن الإمام الزاهد القدوة أحمد بن محمد بن قُدَامة بن مِقدام، المَقدِسي الجماعيلي الصالحي، الحَنبلي.
ولد سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وسمع من: إبراهيم بن خليل وجماعة، ولم يحدِّث.
رأيته شابًا ضخمًا، وسيمًا، أبيض، حسن الزي، لحيته يسيرة.
وليَ الخطابة بالجامع المُظفَّري، ودرَّس وحكم، وكان ذكيًا، جيّد المشاركة في العلوم، مطوِّلًا لدروسه، وله نظم جيد، وسيرة حميدة.
كان يحضر الجهاد، ويركب الخيل العربية، ويتجمل، ويعاشر الأمراء، ويسافر بالجنائب إلى الغَزاة، ولما عَزَلَ والدُه نفسَه فوّض القضاء إلى نجم الدين.
عاش ثمانيًا وثلاثين سنة، وخلَّف ولديه الخطيبين سعد الدين وفخر الدين.
توفي في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وست مئة.
ومن نظمه:
أيّاتُ كُتُبِ الغَرَامِ أَدْرُسُها … وعَبْرتي لا أُطيق أحْبِسُها
ليستُ ثوب الضَّني على جَسَدي … وحُلَّة الصبْر لستُ ألبَسُها
وشادِنٌ مارنا بمُقلَتِه … إلا سبَى العالَمين نرجِسُها
стр. 352
ووجهُه جَنَّةٌ مُزَخرفةٌ … لكن بنَبْل الحُتوف يحرسُها
ورِيقُه خمرةٌ معتَّقةٌ … دارت علينا من فيهِ أكؤسُها
يا قمرًا أصبحتْ ملاحتُه … لا يَعْتَريها عَيبٌ يدنِّسُها
صِل هائمًا إن جَرَتْ مَدامِعُه … تلحقُها زفرةٌ تُيبِّسُها
ولما توفي درَّس تقي الدين سليمان بالجَوْزيَّة شطر المعلوم، والشطر للولدين مدة.
٣٦١ - ابن الصَّائن *
خطيب المُصلّى، الإمام العدل، عماد الدين أبو بكر، عبد الله ابن الخطيب صائن الدين محمد بن حسَّان بن رافع بن سُمَيْر، العامري، الدمشقي الشَّافعي.
سمَّعه أبوه من: ابن أبي لُقْمة، وابن البُنّ، وزَيْن الأمناء، والقَزْويني، والحسن بن الزَّبِيدي، وجماعة.
حدَّث عنه: ابن الخبَّاز، والمِزِّي، وابن العطَّار، والبِرْزالي، وآخرون، ولي منه إجازة.
حجَّ وهو مراهق، فلقيَ ابن الزَّبِيدي، ثم حجَّ في أواخر عمره بعد ستين سنة.
مات في صفر سنة تسع وثمانين وست مئة، عن ثلاث وسبعين سنة.
ووليَ الخطابة بعده ابنه صائن الدين، فبقيَ بضعًا وأربعين سنة.
стр. 353
٣٦٢ - ابن عبد الكافي *
الإمام المفتي، خطيب دمشق، جمال الدين أبو محمد، عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي بن علي، الرَّبعي، الدمشقي، الشَّافعي.
ولد سنة اثنتي عشرة وست مئة.
وسمع من: أبي صادق بن صبَّاح، وأبي عبد الله بن الزَّبِيدي، وأبي الفضل الهَمْداني، والفخر الإرْبِلي، وابن اللَّتِّي. وقرأ على السَّخاوي.
وكان فقيهًا نقَّالًا للمذهب، وافر الحُرمة، حسن السَّمت، جميل الطريقة، للناس فيه عقيدة.
حدَّث عنه: ابن مُسلَّم، والمِزِّي، وابن تَيْميَّة، والبِرْزالي، وابن حَبِيب، والخُتَني، وعدَّة. ولي منه إجازة.
توفِّي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وست مئة.
٣٦٣ - ابن الزَّين **
الشيخ الإمام الفقيه الخيِّر، المُسنِد الرَّحال، شمس الدين أبو الفرج، عبد الرَّحمن بن زين الدين أحمد بن عبد الملك بن عثمان، المَقِدسي الصَّالحي، الحنبلي
ولد سنة ستٍّ وستِّ مئة.
وسمع من: الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني، وعبد الجليل بن مَندَوَيه حضورًا، ومن أبي عبد الله بن البناء، وعبد الوهاب بن المنجَّي، وابن راجح، وأبي
стр. 354
الفُتوح البَكْري، ومحمد بن علي الجَلَاجِلي، وابن مُلاعِب، وابن عبد القادر، والشيخ الموفَّق، وعدَّة.
ثم ارتحل مع السَّيف وابن الواسطي، فسمع من: الفتح بن عبد السَّلام، وأبي علي بن الجَوالِيقي، والأمير السيِّد، وعمر بن كَرَم، ومحسن بن عمر، وعلي بن بُورنداز، وعبد السَّلام الداهري، وطبقتهم.
وأجاز له: أبو الفخر أسعد بن رَوْح، وعينُ الشمس الثَّقَفية، وزاهر بن أحمد، وابن سُكَيْنة، وعمر بن طَبَرزَد، وعدَّة.
وكان ثقةً، صادقًا، عابدًا، متيقِّظًا، كثير المسموع، تفرَّد بأشياء.
حدَّث عنه: ابن العطَّار، وابن الخبَّاز، وابن تَيْميَّة، وابن نَفِيس، وابن مُسلَّم، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن المهندِس، وخلق. وأجاز لنا.
توفي في ذي القَعدة سنة تسع وثمانين وست مئة.
وفيها مات الشيخ رشيد الدين عمر الفارِقي شيخ الأدب، وعماد الدين عبد الله بن محمد بن حسَّان الخطيب، وقاضي الحنابلة نَجْم الدين أحمد ابن الشيخ، وخطيب دمشق جمال الدين بن عبد الكافي، والسلطان الملك المنصور سيف الدين، ونائبه طُرُنْطاي، والشيخ علاء الدين طَيْبرس الوزيري، والزاهد فخر الدين إسماعيل بن عِزِّ القضاة الدمشقي، والمجد إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن المارِدِيني مدرِّس الأتابكية، والمُقْرئ نور الدين بن الكُفْتي بمصر، والمحدِّث محمد بن أحمد سِبْط إمام الكَلَّاسة، وناصر الدين محمد بن عبد الرحمن المَقدِسي مشنوقًا، وعزّ الدين محمد ابن المحدِّث عبد الرزَّاق الرَّسْعَني بنهر الشريعة غريقًا، والمسنِد محمد بن عمر بن المُرَيخ ببغداد، والشيخ محمد بن علي بن شَمّام الذهبي.
стр. 355
٣٦٤ - ابن المُرَيْخ *
المُسنِد الصَّدوق، أبو عبد الله، محمد بن عمر بن محمد بن أبي الحسن الحَنبَلي، البغدادي، النجَّار، المعروف بابن المُرَيخ.
سمع من: علي بن يونس بن بُورنداز، وزيد بن يحيى البيِّع، وعبد الرَّحمن بن الخبَّازة، وأبي نصر أحمد بن الحسين بن النَّرْسي، والحسن بن محمود الدَّقُوقي، وطائفة.
وأجاز له من دمشق: الكِنْدي، وابن الحَرَسْتاني.
سمع منه: الفَرَضي، وأحمد بن القَلانِسي، وابن الفُوَطي، وحدثنا عنه أبو المَجَامع حَمّويه بحديثٍ سمعه من عبد الرحمن بن محمد بن يعيش، حدَّثنا عبد الوهاب الأنماطي. وأجاز لجماعة منهم ابن الكازَرُوني.
توفي سنة تسع وثمانين وست مئة.
وهو من أهل باب الأزَج.
٣٦٥ - أرغون **
صاحب الشَّرق، ابن أبَغا بن هولاكو ملك التتار.
كان شهمًا شجاعًا مِقدامًا، جبارًا، سفَّاكًا للدماء، شديد الوطْأة.
مات في ربيع الأول سنة تسعين وست مئة.
وهو والد المَلِكين قازان وخَرْبَندا، ولما مات أبغا كان ابنه أرغُون نائبًا له على إقليم خراسان، فلما وليَ أحمد اختلفت التتار واقتتل أرغون وعمُّه