وبعد الواقعة انجَمَعَ بالكُلّية، ولم تتهيَّأ لي زيارته.
٤٣٩ - ابن الفاضل *
الشيخ الجليل، سعد الدين أبو القاسم، عبد الرحمن بن علي ابن الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي، اللَّخْمي، البَيْساني المِصري.
أول سماعه من ابن باقا حُضورًا، وسمع من: عبد الصَّمد القراءات، وجعفر الهَمْداني، وابن رَواج، وعدَّة من أصحاب السِّلَفي، وتفرَّد بأشياء.
أخذ عنه: الحارثي، والقُطْب اليَعمَري، والبِرْزالي.
وكان خازنَ الكتب بمدرسة جدِّه.
تُوفِّي في أوّل رجب سنة خمس وتسعين وست مئة، وقد قارب السبعين، قرأ عليه شيخُنا ابن دَقيق العيد جُزْءًا.
٤٤٠ - ابن بنت الأعر **
قاضي القضاة، فخرُ الإسلام، تقي الدين عبد الرحمن، المصري الشافعي.
تُوفي سنة خمسٍ كهلًا، كان مع أخيه صدر الدين عمر.
٤٤١ - الشَّرَف ***
قاضي الحنابلة، الإمام شرف الدين، الحسن ابن الخطيب شرف الدين
стр. 422
عبد الله ابن الإمام الشيخ أبي عمر المقدسي. والدُ العلّامة شرف الدين.
والإمامُ شرف الدين مدرِّسٌ عالم، مَلِيح الشَّكل، حَسَن السِّيرة، حَكَمَ بعد القاضي نَجْم الدين ابن الشيخ.
وسمع من: أبي القاسم بن قُمَيرة، وابن مَسلَمة، والمُرْسي، وقرأ بنفسه على الكَفَرْطابي، وأجاز له ابن القُبَّيْطي وطبقته.
وكان حسن الطَّوِيّة، حميد السِّيرة جيِّد الفقه.
مولدُه في شوّال سنة ثمان وثلاثين وست مئة، ومات في شوال سنة خمس وتسعين وست مئة، وحضره نائبُ السلطنة، ودُفن عند جدِّه.
روى عنه: البِرْزالي، وغيره.
وولي القضاء بعده شيخُنا التقيُّ سليمان، وخلَّف ابنَه العلَّامة المناظر شرفَ الدين أحمد، فرُبِّي يتيمًا، ثم اشتَغَل وتميّز.
٤٤٢ - ابن النَّحّاس *
الشيخ الإمام العلّامة، الصاحبُ قاضي القضاة محيي الدين أبو عبد الله، محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن هِبَة الله بن طارق بن سالم، الأَسَدي الحلبي، الحنفي.
وُلد بحلب سنة أربع عشرة وست مئة في شوّال.
وسمع من: جدِّه لأُمّه موفَّق الدين يَعيش، ومن القاضي بهاء الدين بن شدّاد، وطائفة، وببغداد من أبي إسحاق الكاشْغَري، وابن الخازن، وبمارِدين من عبد الخالق النِّشْتِبري، وبمكة من شعيب الزَّعْفراني.
стр. 423
وكان إمامًا، مُفتيًا، مناظِرًا، ذكيًّا، مُدرِكًا، صَدْرًا معظَّمًا، وافر الحُرْمة، موصوفًا بالنَّهضة والكَفاءة.
وليَ القضاءَ بحلب، ثم بعد أن نُكِبَت انتقل إلى دمشق وسكن بالمِزّة، ودرَّس بالرَّيحانية ثم بالظاهرية، ووليَ نَظَرَ الجامع، ونظرَ الديوان الكبير لخِبرته وأمانته، وكان محبًّا للحديث، صاحب سُنّة، وولي إمرة الرَّكْب الشامي في سنة خمس وسبعين.
قرأتُ عليه "جزء البانِياسيّ".
تُوفِّي في آخر يوم من سنة خمس وتسعين وست مئة، ودُفن من الغد بالمِزَّة.
٤٤٣ - ابن المنجَّى *
الشيخ الإمام المُفتي العلّامة، شيخ الحنابلة فخر الإسلام، زَيْن الدين أبو البركات، المنجَّى بن عثمان ابن الإمام شيخ الحنابلة وَجِيه الدين أسعد بن المنجَّى بن بَرَكات، التَّنْوخي، المَعَرِّي ثم الدِّمشقي الحنبلي.
وُلد سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وسمع حُضورًا من أبي الحسن بن المُقيَّر، وجعفر الهَمْداني.
وسمع من: السَّخَاوي، وسالم بن صَصْرَى، وطائفة، وأخذ علمَ النَّظَر عن كمال الدين التَّفلِيسي، ودرَّس وأفتى، وتخرَّج به الأصحاب، وبَرَعَ في الفقه وأصوله، ومَهَرَ في العربية وغوامضها، أخذها عن ابن مالك، وصنَّف فيها، وعمل شرحًا لـ "المُقنع" في أربع مجلّدات، وجمع "تفسيرًا"
стр. 424
ولم يبيِّضه.
وكان رئيسًا كبير القَدْر خيِّرًا، متنسِّكًا متعبِّدًا، ذا برٍّ ومعروف، وأوراد وتهجُّد، وفيه عقلٌ وتواضع، وكان منتصبًا للإشغال، من أوعية العلم.
درَّس بالمِسْماريّة وبالحنبلية وبالصَّدْرية.
أَخذ عنه: الشيخ مجد الدين إسماعيل، والشيخ شمس الدين بن الفخر، وطائفة.
مات في رابع شعبان سنة خمس وتسعين وست مئة.
أجاز لي مرويَّاته، وقصدتُه لأسمع منه، فقال لي: الآن شغل، إذا رجعتَ سأُسمع لك، فتُوفِّي وأنا بمصر، ﵀.
٤٤٤ - القُسَنطِيني *
العلّامة النَّحْوي، الصالح البركة، رضيُّ الدين، أبو بكر بن عمر بن علي بن سالم، الشافعي المِصري.
مولده سنة سبع وست مئة.
وسمع في سنة ثلاث وعشرين من: الحسن بن أحمد الأَوَقي، وسمع من: ابن المُقيَّر، ويوسف بن المَخِيلي، وزين الدين بن مُعْطي، وروى عنه "ألفيَّتَه" وتزوَّج ببنته.
وأتقَنَ الفقه، وأَفتى، ودرَّس، وأقرأَ العربية مدَّة.
أخذ عنه: بدر الدين التاذِفي، وأثير الدين الغَرْناطي، وأبو الفتح اليَعمَري،
стр. 425
وقُطْب الدين الحَلَبي، ولحقْتُه وسمعتُ منه، وقد أضرَّ بأَخرة.
تُوفِّي في شوّال سنة خمس وتسعين وست مئة.
٤٤٥ - ابن عبد الباري *
المُقرئ المجوِّد، شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الباري بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن عبد الحميد بن كنانة بن حنظلة ابن الصحابي تَميم بن أَوْس الدَّارِيّ، الصَّعِيدي، المالكي المؤدِّب.
وُلد سنة اثنتي عشرة وست مئة.
وسمع الكثيرَ بنفسه، وتلا بالرِّوايات على ابن عيسى، والصَّفْراوي، وسمع منهما فأكثرَ، ومن: الهَمْداني، وجماعة.
وابتُليَ بوَسْواس، فكان يخرج من الصلاة ثم يُحرِم.
وهو أخو المجوِّد عبد الكريم، وأبو شيخنا أبي بكر البَزّاز، وله مسجد يَؤُمُّ به، ومَكتَب.
أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزالي، واليَعمَري، ولم أُدرِكْه.
تُوفي في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وست مئة.
٤٤٦ - ابن عَيّاش **
الشيخ العالم الصالح، ناصر الدين أبو الفتح، نَصْر الله بن محمد بن عيّاش بن حامد بن خُليف، الصالحي الحنبلي، السَّكَاكيني.
стр. 426
مولده في أول سنة سبع عشرة وست مئة.
وله إجازة من الشيخ موفَّق الدين، وابن أبي لُقْمة.
وسمع: أبا المجد القَزْويني، وأبا القاسم بن صَصْرَى، وابن الزَّبِيدي، وارتحل فسمع بالإسكندرية من: علي بن زيد التَّسَارسي، ويحيى بن محمد بن مُحارِب، وابن رَوَاج.
وكان إنسانًا مبارَكًا خيِّرًا، منوّر الشَّيْبة، حسن الفضيلة، بسَّامًا، كيِّسًا.
تُوفي في شوال سنة خمس وتسعين وست مئة.
سمع منه: ابن يَعيش، وابن الخبَّاز، والبِرْزالي، والمِزِّي، وأنا، وعدَّة.
٤٤٧ - ابن عِوَض *
قاضي القُضاة بالدِّيار المِصرية للحنابلة، عزُّ الدين أبو حفص، عمر بن عبد الله بن عمر بن عِوَض، المَقدِسي الصالحي، نَزِيل مصر.
مولده سنة إحدى وثلاثين.
وحضر أبا المنجَّى بن اللَّتِّي، وسمع جعفرًا الهَمْداني، وعبدَ الوهّاب بن رَوَاج، وتفقَّه بالشيخ شمس الدين بن العِماد وصاهَرَه.
ودرَّس وأَفتى، وكان ذا سَكِينة ودِيانة، وسَدَاد أحكام وصِيانة.
أخذ عنه الطَّلَبة، وسمعتُ منه.
تُوفي في صَفَر سنة ست وتسعين وست مئة.
وكان ابن جَمَاعة يعتمدُ على إثباتاته.
стр. 427
٤٤٨ - ابن النَّصِيبي *
الرَّئيس، ضياءُ الدين أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عبد القاهر، ابن النَّصِيبي، الحَلَبي.
ناظرُ أوقاف حلب، ووزير حماة، ومدرِّس العَصرُونية.
أجاز له علي بن البَنّاء، وسمع من: الموفَّق عبد اللَّطيف، وابن شدّادِ، والكاشْغَري، وابن اللَّتِّي، وابن رُوزْبَة، وخَلْق.
مولده سنة ثمان عشرة، وتُوفِّي في رجب سنة ست وتسعين وست مئة.
روى عنه: البِرْزالي، وأجازَ لي.
٤٤٩ - السامَرِّيّ **
الرئيسُ الأجلُّ الأديب، سيف الدين أحمد بن محمد بن علي بن جعفر، العراقي السامَرِّي الشاعرُ، واقفُ السامَرِّيّة بدمشق، وبها دُفن.
كان شيخًا متميِّزًا منبسِطًا، ذا نوادر ونَظْم جيّد، وله هجوٌ مُقذعِ، صُودِرَ وأُخذ منه نحو مئتي ألف، وكان من أبناء السبعين.
تُوفِّي في شعبان سنة ست وتسعين.
٤٥٠ - ابن صَدَقة ***
الرئيس المرتَضَى، نَفيس الدين إسماعيل بن محمد بن عبد الواحد، الحَرّاني ثم الدمشقي، ناظرُ الأيتام.
стр. 428
تُوفي في ذي القَعْدة سنة ست وتسعين وله ثمان وستون سنة.
روى عن: مُكْرم بن أبي الصَّقْر.
وكان ساكنًا وَقُورًا، صِّيتًا، وهو واقفُ دار الحديث النَّفِيسيَّة، ولا عَقِبَ له إلّا في البنات.
٤٥١ - ابن عبد الرَّحيم *
مفتي المسلمين، ضياءُ الدين جعفر بن محمد ابن القُدْوة الكبير عبد الرحيم بن أحمد بن حَجون، العَلَوي الحُسيني، الصَّعيدي الشافعي.
وُلد سنة تسع عشرة.
وسمع من: ابن الجُمَّيزي، والسِّبْط، وطائفة، وبدمشق من الزَّين خالد.
وبَرَعَ فِي المَذهَب، ودرَّس، أخذتُ عنه.
روى عنه شيخنا الدِّمْياطي من نَظْمه، وروى عنه: البِرْزالي، وقُطْب الدين، والناس.
تُوفي في ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة بمصر.
٤٥٢ - الأغْلاقي *
المُسنِد العالم، زَيْن الدين أحمد بن عبد الكريم بن غازي، الواسطيُّ المِصري، ابن الأَغْلاقي، نائب الحِسْبة.
سمع من: عبد القوي بن الجَبّاب، وعبد الغفَّار المَحَلِّي، ونَصْر بن جَرُو، والقاضي زَين الدين علي بن يوسف، وابن باقا، وجماعة.
стр. 429
قرأتُ عليه عدّة أجزاء، وكان بمسجد بين القَصرَين.
مات في صفر سنة ست وتسعين عن نيِّف وثمانين سنة.
٤٥٣ - ابن الظَّاهري *
الشيخ الإمام الزاهد، المحدِّث الحافظ المفيد بقيّة السلف، جمال الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن عبد الله بن قيماز، ابن الظَّاهري، الحلبي الحنفي، شيخ الزاوية الجَمَاليّة بالمَقْس.
وُلد بحلب في سنة ست وعشرين وست مئة.
وسمع من: ابن اللَّتِّي، والفخر الإربِلِي، وابن رَوَاحة، وكَريمة، وصَفيّة، وابن يَعيش، والضياء المَقدِسي، وسَرَايا بن مَعَالي، وابن صَدَقة، وبشير بن حامد، وابن الجُمَّيزي، والنِّشْتِبري، وابن خليل فأكثر عنه، وعن خلق.
وكتب العاليَ والنازل بالحَرَمين ومصر والثَّغر وحلب وحماة ودمشق وماردين وحرّان، وخرَّج لعدَّة من المشايخ، ونسخ كتبًا كِبارًا، وبرع في حُسن الانتخاب ومعرفة العوالي.
وكان شيخًا مَهيبًا، وَقُورًا، ساكنًا، حسن السَّمت، طيِّب الأخلاق، ذا دِيانة وتصدُّق، وتعفُّف، وانقطاع، قرأ القرآن بالرِّوايات على أبي عبد الله الفاسيّ.
رحلتُ إليه ونزلتُ عليه، وأعارَني وأفادَني عن الشيوخ.
أكثَرَ عنه البِرْزالي، وابنُ سامة، وأبو حيَّان، والمِزِّي، وقطب الدين،
стр. 430
واليَعمَري، وأهل مصر وأهل دمشق، فاللهُ يرحمُه ويُحسِنُ إليه.
مات في ربيع الأول سنة ست وتسعين وست مئة عن سبعين سنة.
وكان بمعرفة المتأخِّرين أشهَر، وببراعة الانتقاء أمهَر، كان مُديمًا للطَّلب والكتابة، ولمعرفة الموافَقات ومَكامِنها، والاعتناء بمشايخ الأزمنة لنفسه ولطلبته، سَمْحًا وقورًا، تامَّ الشَّكل، أصابته ضربة سيف بكائنة حلب في عنقه لكن مالت عنقه، وكان بمصر عدّةُ أمراء يحبُّونه ويَبذُلون له، ويرون له من العُلا خِلالًا كثيرة، وقام في المسجد بعده ولدُه المحدِّث فخر الدين عثمان، رحمهما الله.
٤٥٤ - ابن عُلْوان *
عبد الخالق بن عبد السّلام بن سعيد بن عُلوان، الشيخ المعمَّر تاجِ الدين أبو محمد، المَعَرِّيّ ثم البَعْلي الشّافعي.
ولد سنة ثلاث وست مئة.
وسمع من: الشيخ موفَّق الدين بن قُدَامة، وأبي المجد القَزْويني، وابن واصل، والشيخ البَهَاء، والكاشْغَري، وجماعة.
وسمع السِّيرة من: أبي القاسم بن رَوَاحة أخبرنا السِّلَفي، وأجاز له أبو اليُمْن الكِنْدي وغيره.
وتفقَّه، وأفتى ودرَّس، وولي قضاء بَعلَبَك، ودرَّس بالأَمِينية، وله يد في النَّظم والنَّثر، وكان صاحبَ عبادةٍ وأوراد وتهجُّد، وله تواضع ومُروءة، وصفات محمودة، لازمتُه وأكثرتُ عنه، فسمعتُ منه "تفسير ابن ماجه"
стр. 431
و"الموطأ" راوية القَعْنَبي، و"المصافحة البَرقانية"، و"الرِّقّة" و"التَّوابين" لابن قُدَامة، وعدَّة أجزاء.
سمع منه: أبو الحُسين شيخُنا، وابن أبي الفتح وأولادهما، والمِزِّي، وابن سامة والبِرْزالي، والمُهندِس، وشهاب الدين بن عُدَيْسة، وزَين الدين بن عُبَيدان، والشيخ أبو بكر الرَّحبي، وسبطه صفي الدين عبد الكريم، وشهاب الدين أحمد بن النابُلسي، وخلق كثير.
تُوفِّي في المحرَّم سنة ست وتسعين وست مئة.
أخبرنا عبد الخالق القاضي، أخبرنا ابن قُدَامة، أخبرنا طاهر بن محمد، أخبرنا أبو الفتح عَبدُوس بن عبد الله، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الطُّوسي، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أبو عُتْبة، حدثنا بَقيَّة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدّثني أزهر بن عبد الله، سمعتُ عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﷺ يقول: كنَّا نَسْمَعُ أنه يقال: إذا اجتمع عشرون رجلًا أو أكثر أو أقلّ، ولم يكن فيهم مَن يُهابُ في الله، فقد حَضَرَ الأمرُ (١).
٤٥٥ - السَّبْتي *
الشيخ الإمام المحدِّث المفيد المعمَّر الزاهد، بقيّة السلف، ضياء الدين أبو الهُدى، عيسى بن يحيى بن أحمد بن محمد بن مسعود، الأنصاري
стр. 432
السَّبْتي، ثم المقرئ الصُّوفي.
وُلد سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وطلب الحديثَ، فسمع من: أبي القاسم الصَّفراوي، ومنصور بن سَنَد، وابن المَخِيلي، وابن رَوَاج، وطبقتهم.
وحجَّ مع الصَّفراوي والحسن بن دينار ومنصور، ولَبِسَ من الشُّهْرَوَردي بمكة، وأَلبَسَني وسمعت منه جماعةَ أجزاء، وأخذ عنه الطلبةُ والرَّحَّالة، وابنُه مجد الدين.
وكان خيِّرًا، متنسِّكًا، عالمًا، متواضعًا، وافر الجلالة.
مات فجأةً في رجب سنة ست وتسعين وست مئة بالقاهرة، وكان شيخ مِيعاد بجامع الحُسينية وبجامع عمرو، ويُورِد من حِفْظه.
٤٥٦ - ابن حازم *
الشيخ الإمام الصالح العابد، المُسنِد، بركة المشايخ، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن حازم بن حامد بن حسن، المَقدِسي ثم الصالحي، الحنبلي.
وُلد سنة عشرين وست مئة.
وسمع من: الحسين بن صَصْرَى في الخامسة، ومن ابن الزَّبيدي، والنَّاصح، وابن عسَّاف، والشيخ الضياء فأكثرَ عنه جدًّا.
وحدَّث بـ "الصحيح" وأشياء، وكان كبير القَدْر، من بقايا السَّلَف.
زار بيتَ المقدس فأدركه الأجلُ بنابُلُس في ذي الحِجّة سنة ستّ
стр. 433
وتسعين وست مئة، سمعتُ فيها منه أجزاء.
وفيها توفي الحافظ أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الظَّاهري، والقاضي تاج الدين عبد الخالق بن عبد السّلام بن عُلْوان ببَعلَبَك، والنفيس إسماعيل بن محمد بن صَدَقة، وابن النَّصيبي، وضياء الدين جعفر بن محمد بن عبد الرحيم المصري، وقاضي الحنابلة عزّ الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عِوَض، والزَّين أحمد بن عبد الكريم بن الأغلاقي، والسَّيف أحمد بن محمّد السَّامَرِّي الشاعر واقفُ السامَرِّيّة، وقاضي الكرك دانيال بن منكلي بالشَّوبك، وعَفيف الدين عبد السلام بن مَزْروع، والجمال عبد الواحد بن كثير بن ضِرغام، والضياء الفخر محمد بن بَلَغْزا البَعلَبكيّ، ومحمد بن أبي بكر بن بِطِّيخ، ومدرِّس الزَّبَداني يحيى بن محمد بن العَدْل.
٤٥٧ - نَوْروز *
من كِبار المغول، ناب في المُلك لغازان، وما زال يحسِّن لغازان الإسلامَ حتى أسلم بجُوَين على يد الشيخ صدر الدين المحدِّث، وكان أميرًا كبيرًا، حسن الدِّيانة، معظِّمًا للإسلام.
كان في خدمة غازان بخُراسان إذ قُتل كيختو، وقام بَيْدو بأذربيجان، فجهَّز غازان نَوْرُوز إلى بَيْدو يُنكِر قتلَ عمِّه كيختو فأحال على المقدَّمِين، والْتَمس من نَوْروز أن يصلح الحال، وهرب، ثم قتله أصحاب كيختو، ثم بعد عام تَوحَّش غازان من نَوْرُوز، وبلغه أنَّ الجمال الدسجرداني يخبره
стр. 434
بأمور، فأمر غازانُ بقتل الجمال صاحب الديوان فوُسِّط، وقُتل أخو نَوْروز، وجهَّز خطلوشاه الذي استنابه بحرب نَوْروز بخراسان، فأدركه بناحية هَرَاة، فقاتل عنه أهلُها أهلُها فخذَّلَهم عنه خطلوشاه واصطاده، فقطع رأسه وبعث به إلى غازان في سنة ست وتسعين وست مئة.
٤٥٨ - البِجَائيّ *
الخطيب المحدِّث المُسنِد، ناصر الدين محمد بن صالح بن أحمد، الكِنَاني الشاطبي، نَزيل بِجَاية.
سمع "الموطأ" عاليًا من أبي الحسن قُطرال في سنة سبع وثلاثين وست مئة، وسمع "الشاطبيَّة" من الخطيب محمد بن محمد بن وضَّاح صاحب الناظم.
وعُمِّر دهرًا.
حَمَلَ عنه العَلَمُ أبو القاسم السَّبْتي، وأبو القاسم .... وأبو ظفر غالب البَطَليوسي.
بقي إلى حدود سنة سبع مئة، وجدتُ وفاته بخطِّ الوادِياشي في صفر سنة سبع وتسعين، ومولده سنة أربع عشرة وست مئة.
٤٥٩ - الكازَرُوني **
الإمام المحدِّث، الأديب المؤرخ، العَدْل الأوحد، ظَهير الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن محمود بن أبي العزِّ، الكازَرُوني ثم البغدادي،
стр. 435
الشافعي.
مولده في ذي القَعدة سنة إحدى عشرة وست مئة ببغداد.
قدم جدُّه النِّظام محمود من بلاده، وولداه المُعِين عبدُ الله والإمامُ جمال الدين محمد والد صاحب الترجمة، فنزلوا برِبَاط البِسطامي، وكان النِّظام من العُبّاد الزُّهّاد.
وكان الظَّهير إمامًا صاحبَ فنون وعلوم وآداب، وله حظٌّ من صلاة وصيام، وأخلاق جميلة، ونَظْم جيّد، وبَصَرٌ باللغة، وكان ذا رُوَاءٍ ومَنظَر وبزّة جميلة.
سمع من: الحسن ابن الأمير السيِّد كتاب "الذُّريَّة الطاهرة" وما معه للدُّولابي، وسمع من أبي عبد الله الدُّبَيثي، ومحمد بن عبد الرَّحمن اليوسفي، ولَبِسَ الخِرقةَ من شمس الدين عبد الرّحمن بن عبد اللطيف بن أبي سعد، وأجاز له ثابت بن مشرَّف والمؤيَّد الطُّوسي، وعلي بن بُورنداز، وعدَّة.
حدَّث عنه: حفيده الشيخ شرف الدين أحمد بن محمد، وأبو العلاء الفَرَضي، والكمال بن الفُوَطي، والشمس محمد بن محمد الخوارزمي، وأبو حامد عبد الله بن عبد الحميد الأَنَسي، وآخرون، وأجاز لنا مرويّاته.
وعلَّقتُ من "تاريخه" فوائدَ مهمّة، وحدَّثني عنه حفيدهُ، وصنَّف كتابًا في الفقه سمّاه "النِّبْراس المضيء"، وكتاب "آداب الأقطاب" في مجلَّد، وكتابًا في التصوّف، وكتابًا في اللغة منظومًا، وكتابًا في علم الحِساب، وآخر في المساحة، وله "تاريخ" كبير في سبعة وعشرين مجلدًا، وله ذيل على "تاريخ ابن السَّاعي"، وأشياء كثيرة.
стр. 436
توفي في ربيع الأول سنة سبع وتسعين وست مئة، وقيل بعدها.
٤٦٠ - العابِر *
الشيخ الإمام الفقيه، شيخ التعبير، نادرة الوقت، شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن سلطان بن سُرُور، المَقدِسي النابُلُسي، الحنبلي.
وُلد سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وسمع من: ابن رَوَاج، والسَّاوي، وابن الجُمَّيزي، ومحيي الدين بن الجَوْزي، وسِبْط السِّلَفي.
سمع منه: المزِّي، والبِزْالي، وإمام الجَوْزية شمس الدين، وخلق.
وحدَّث بمصر ودمشق بعدَّة أجزاء، وقد ذُكِرَ في وقتٍ لقضاء المقادسة بدمشق.
وله الباعُ الأطول في التعبير، ويُحكَى عنه في ذلك عجائب تحيِّر السامع من غَيبيّات يَنطِق بها لا تَعلُّقَ لها أصلًا بالرؤيا، وسمعت أنه كان له رَئِيٌّ من الجنّ وأنه مخدوم، وعندي في ذلك أخبار دالَّة على ذلك، وكان في مصر قد نَفَقَ سوقُه، وأتته الأمراء وتبرَّكوا به، ثم جَرَت له مُلمَّة، وهرب ابنُه فوَقَعَ من سَطْح فهَلَك، ورُسِم بإخراج الشِّهاب من مصر، فخرج.
تُوفِّي بدمشق في ذي القَعدة سنة سبع وتسعين.
ومات أخوه مُفتي نابُلُس فخر الدين علي سنة اثنتين وسبع مئة، سمعت منهما.
стр. 437
٤٦١ - ابن واصل *
قاضي القضاة، العلَّامة المتكلِّم، جمال الدين محمد بن سالم بن نصر الله بن واصل، الحَمَوي، الشافعي.
مات في شوّال سنة سبع وتسعين وله ثلاث وتسعون سنة.
صنَّف ودرَّس وأفتى وأفاد، وكان بارعًا في علوم الأوائل والرياضيات.
وحدَّث عن الزَّكيّ البرْزالي بجزء، وصنَّف "تاريخًا" في أخبار ملوك بني أيوب، وكان فاضلَ عصرِه بحماة.
٤٦٢ - الأَيْكيّ **
الشيخ الزاهد، العلّامة الأُصولي، شيخ المناظرين، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن محمد، الفارسيُّ الأَيْكي، الشافعيُّ الصوفي المتكلِّم.
قدم الشام ودرَّس بالغَزالية، وكَثُرت فضائلُه، ثم انتقل إلى مصر ووليَ مشيخةَ الشيوخ، ثم رجع إلى دمشق، وكان حلّالًا للمُشكِلات، عارِفًا بالمَنْطِق.
حضرتُ شروحَه مع شيخنا المَجْد التُّونسي وقاضي القضاة جلال الدين القَزْويني، وكان حسنَ الهَيْئة، طيِّب الأخلاق.
ألَّف معتقَدًا لطيفًا فيه فوائد، يقول فيه: وللحَنبَليّة والأشعريّة فضولٌ من الكلام تركُها من حُسْن الإسلام.
стр. 438
تُوفِّي في رمضان سنة سبع وتسعين وست مئة، ودُفن بمقابر الصُّوفية، شهدتُ دفنَه، وقارب سبعين سنة.
٤٦٣ - عائشة *
الشيخة الصالحة المعمَّرة المُسنِدة، أم أحمد بنت المحدِّث المَجْد عيسى ابن الإمام موفَّق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدَامة، المَقدِسيّة ثم الصالحيّة، الحنبلية.
سمعت من: جدِّها، والبهاء عبد الرَّحمن، وابن الزَّبيدي، وأجاز لها القاضي جمال الدين بن الحَرَسْتاني، وحَضَرَت على أبيها، وابنِ راجح، والعزّ محمد ابن الحافظ.
سمعتُ منها جماعةَ أجزاء، وكانت ثقيلةَ السَّمْع، مباركة خيِّرة، عابدة، سمع منها الجماعةُ.
توفِّيَت في شعبان سنة سبع وتسعين وست مئة.
أخبرتنا أمُّ أحمد عائشة بنت عيسى سماعًا في سنة اثنتين وتسعين، أخبرنا جدِّي عبد الله بن أحمد الفقيه سنة أربع عشرة وست مئة حُضورًا، أخبرنا أبو زُرْعة المَقدِسي، أخبرنا محمد بن أحمد الكامَخِي، أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، حدثنا محمد بن يعقوب الأصمّ، حدثنا أبو يحيى زكريا بن يحيى بن أَسد، حدثنا ابن عُيَينة، عن زياد بن عِلَاقة، أنه سمع جَرِير بن عبد الله يقول: بايعتُ النبيَّ ﷺ على النُّصْح لكلِّ مسلم. أخرجه (م) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة، و (خ) عن أبي نعيم
стр. 439
عن الثَّوْري، كلاهما عن زياد بن علاقة (١)، وهو أسنُّ شيخ للسُّفيانَين.
وفيها مات إمامُ التعبير الشهاب أحمد بن عبد الرَّحمن النابُلُسي الحنبلي، وجبريل بن إسماعيل الشارعي الحطَّاب، وشُهْدة بنت الصائن العامريّة، والكمال المفسِّر ببغداد، والشَّرَف عبد الكريم بن محمد بن المُغيزِل بحَماة، وشيخ الصوفية النَّجم عبد اللطيف بن نصر الشَّيخي بحلب، والموفَّق عمر بن أبي بكر ابن خطيب بيت الآبار، والقاضي جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، والشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الأَيْكي الأُصولي، وسليمان بن داود بن كِسا ببِلْبيس، والبدر محمد بن سليمان بن المَغْربي، والشَّرف محمد بن صالح.
٤٦٤ - ابن المُكبِّر *
الشيخ الإمام، المُقرئ المُجوِّد المُسنِد، مُسنِد العراق، بقيّة المُعمَّرين، كمال الدين أبو الفَرَج، عبد الرحمن ابن الشيخ عبد اللطيف بن محمد بن وَرِّيدة البغدادي الحنبلي، البزّاز، ويلقَّب بالفُوَيرِه؛ من الفُروهيّة.
وُلد سنة ست مئة أو قبلها بعام.
وسمع من: أبي العباس بن صِرْما، وزيد بن يحيى البَيِّع، ومُهذَّب بن قُنَيدة، وأبي الوفاء محمود بن مَنْدَه، قَدِمَ عليهم حاجًّا، ومحمد بن محمد بن أبي حَرْب، وعلي بن صَبُوخا، وابن أُشْنانة، وطائفة.
وتلا بالسَّبْع على الفخر المَوصِلي، وأجاز له أبو أحمد بن سُكَيْنة،
стр. 440
وعمر بن طَبَرزَد، وعبد العزيز بن الأخضر، وخلقٌ سواهم.
وانتهى إليه علوُّ الإسناد، ولقد هَمَمتُ بالرِّحلة إليه فما تيسَّر، وقد أجاز لنا بخطِّه في سنة خمس وتسعين وبعدها، وكان شيخَ الحديث بالمُستَنصِريَّة بعد ابن أبي الدِّينة.
أخذ عنه: الفَرَضي، وابن الفُوَطي، وابن سامة، وجماعة.
وكان ذا فضيلة ومعرفة، عُمِّر وأسنَّ ووقع في الهَرَم، وتغيَّر قبل موته بنحو من سنة.
تُوفِّي في ذي الحِجَّة سنة سبع وتسعين وست مئة، وقد قارب المئة.
وممن له إجازتُه: القاضي عز الدين بن جَمَاعة، والقاضي جمال الدين بن الشَّرِيشي، والشيخ بدر الدين بن الفُوَيرِه، ومحمدٌ ابن عمَّتي.
ومن مشايخه بالسَّمَاع محمدُ بن أبي جعفر بن المهتدي بالله، وسعيد بن ياسين، وعمر بن كَرَم، ونَصْر بن عبد الرزَّاق، ويَعيش بن مالك، ومن مسموعه "الهداية" لأبي الخطّاب على يَعيش الأنباري، وكتاب "الموت" و"الرِّقّة" لابن أبي الدُّنيا على أبي الوفاء محمود، و"الإقناع" في الشَّواذّ للأهوازي على عمر بن كَرَم عن عبد الوهّاب الصَّابوني، وسمع "صفة المنافق" للفِرْيابي على ابن صِرْما قال: أخبرنا الأُرمَوي.
٤٦٥ - صاحب حَمَاة *
الملك المظفَّر، تقي الدين محمود بن المنصور محمد بن المظفَّر محمود بن المنصور محمد بن المظفَّر تقيُّ الدين عمر بن شاهِنشاه بن
стр. 441
أيوب.
كان شابًا حسن الطَّوِيَّة، محبَّبًا إلى الرَّعيَّة، قليل الأذيَّة، وأمُّه هي ابنة الناصر صاحب حلب، اسمها: الخاتُون عائشة.
تَملَّك بعد أبيه خمس عشرة سنة، ومات في ذي القَعدة سنة ثمان وتسعين وست مئة، وعاش اثنتين وأربعين سنة سوى شهرين، ثم أُعطيَت حماةُ بعده لقراسُنقُر المنصوري.
٤٦٦ - ياقوت *
الرُّومي المُستَعصِمي المُجوِّد، شيخ الكِتابة، ومن انتهى إليه رياسةُ الخط البديع.
كان صَدْرًا نبيلًا، كتب متجمِّلًا، كَتَب عليه أولادُ رؤساء ببغداد.
وله نظمٌ رائق وأدب، وأُسلوب في الكتابة لا يُلحَق فيه في القوّة، ولكنه مخالفٌ لطريقة ابن البَوَّاب، وله زبون ومحبُّون ومتعصِّبون.
كتب على نفسه كثيرًا من خطوط منسوبة.
تُوفي المولى جمال الدين أبو الدُّر ياقوت ببغداد في سنة ثمان وتسعين وست مئة عن نيف وستين سنة.
وكان كتب على ابن حبيب والصفيّ عبد المؤمن، وله غلمان، وثروة.
٤٦٧ - ابن الكَسّار **
الإمام المُفِيد محدِّث العراق، صدر الدين أبو عبد الله، أحمد بن محمد
стр. 442
ابن أنجب، ابن الكَسّار، الواسطيُّ الأصل البغداديُّ، المُقرئ.
سمع القَطِيعيَّ، وابن اللَّتِّي، وابن القُبَّيطي، فمن بعدهم، وعُنيَ بهذا الشأن بعد كائنة بغداد، وكتب الكثير وحصَّل، ومَهَرَ في الرجال وغير ذلك، وقرأ الكثير، وعُدَّ من الحُفّاظ.
ولد سنة ست وعشرين وست مئة، ومات في نحو سنة ثمان وتسعين أو بُعيدها.
٤٦٨ - عبد الحافظ *
ابن بَدْران بن شِبْل بن طَرْخان، الشيخ الإمام المقرئ الفقيه، مُسنِد نابُلُس وشيخُها، وواقفُ المدرسة بها، عماد الدين أبو محمد، النابُلُسي المَقدِسي، الحنبلي.
وُلدَ سنة عشر وست مئة أو قُبَيلها.
وسمع من: الشيخ موفَّق الدين، وموسى بن عبد القادر، وابن راجح، وأحمد بن الخَضِر بن طاووس، وزَيْن الأمناء، وابن الزَّبيدي، وجماعة، وأجاز له أبو القاسم بن الحَرَسْتاني، وداود بن مُلاعِب.
وتفرَّد بأشياءَ عالية، ورُحِل إليه، وكان يُقصَد بالزيارة والتبرُّك.
قرأتُ عليه نحوًا من عشرة أجزاء، ورَحَلَ إليه قبلي ابن العطَّار والبِرْزالي، وسمع منه: ابن تَيْميَّة، وابن سامة، وطائفة وقتَ حصار عكّا، وحدَّث عنه جمال الدين يوسف بن العَفيف وغيرُ واحد، وأول سماعه كان في سنة خمس عشرة وست مئة.
стр. 443
ومات في ذي الحِجّة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
٤٦٩ - ابن النَّقِيب *
العلّامة المفسِّر الأوحد، الزاهد الورع، جمال الدين محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين، البَلْخي ثم المَقدِسي، الحنفي.
صاحب "التفسير الكبير" يكون خمسين سِفْرًا.
وُلد سنة إحدى عشرة وست مئة.
ودرَّس بالعاشوريّة، ثم تركها، وأمَّ بالجامع الأزهر.
وكان خيِّرًا، صالحًا، مطَّرِحًا للتكلُّف، قوَّالًا بالحق، واسع النَّقْل.
حدَّثَنا عن يوسف بن المَخِيلي، وسمع منه: البِرْزالي، واليَعمَري، وعدّة.
ثم تحوَّل ومات ببيت المقدس في المحرَّم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
٤٧٠ - البَيسَري **
الأمير الكبير، مقدَّم الجيوش، بدر الدين بَيْسَري بن عبد الله، الشَّمْسي التُّركي القَفْقاجي، الصالِحي النَّجْمي، خُشْداش الملك الظاهر والملك المنصور.
وكان بطلًا شجاعًا مَليحَ الشَّكل، أبيض اللحية، رأيته حاملًا للحصير على رأس السلطان الملك الأشرف، وكان ذا نعمة وافرة، وتجمُّل زائد،
стр. 444
ودار فاخرة بين القَصرَين، وكان يُذكَر للسلطنة، فبادر، وقُدِّم على الكلّ للسلطان الملك المنصور، فتمَّ ذلك، ثم اعتقله السلطان بلا كبير ذنب، فبقي في الحُبّ تسع سنين، فأطلقه الأشرف وعاد إلى رُتبته، فلما تملَّك الملك المنصور لاجين في سنة ست وتسعين رآه كبيرًا عليه، فأمسكه، فتوفِّي بقلعة الجبل في شوال سنة ثمان وتسعين وهو في عَشْر الثمانين، وعُقِدَ له العَزاء بدمشق في الجامع.
ومات فيها: الأمير الكبير ملك الأمراء سيف الدين طُغجي الأشرفي، كان من أحسن الترك وأجملهم وأشجعهم خَبَّ وأوضَعَ، وخرج على السلطان حسام الدين لاجين في عدّة أمراء فقتلوه، وعمل طُغجِي نيابة الدِّيار المصريّة أربعة أيام ثم قُتل في الموكب في ربيع الآخر سنة ثمانِ وتسعين، وكان محبوبًا إلى أستاذه، رفيع المنزلة عنده.
ونائب طرابُلس الأمير عز الدين أيبَك المَوصِلي من كبار المنصورية، فيه عقل ودين وسياسة.
وكبير الخدّام الأمير الكبير الطَّواشي بدر الصَّوابي التَّكروري، أحد الأبطال، روى عن ابن عبد الدائم، ونيَّف على الثمانين، كان من مقدَّمي الألوف.
والوزير الصاحب تقي الدين تَوْبة بن علي بن مهاجر التَّكْريتي الرَّبعي عن ثمان وسبعين سنة، ودُفن بقبَّته بقاسيون، وكان يسافر في التجارة ثم ترقَّى إلى الوزارة بدمشق، وكان وافر الحِشْمة، كثير التجمُّل.
والصَّاحب أمين الدين سالم بن محمد بن صَصْرَى التَّعْلِبي ناظر الدواوين، كَهْلًا، وكان ذا دين وأمانة، وحدَّثَنا عن مكِّي بن عَلّان.
стр. 445
والملِك الأوحد نَجْم الدين يوسف ابن صاحب الكَرَك داود الأيُّوبي، روى لنا عن ابن اللَّتِّي، وكان ديِّنًا متزهِّدًا.
٤٧١ - المنصور *
السلطان الملك المنصور، حُسام الدين لاجِين بن عبد الله، المنصوريُّ السَّيفي.
من نُجباء مماليك السلطان المنصور قلاوون، بَعَثَه مولاه عندما تملَّك نائبًا على قلعة دمشق، فقبض عليه سُنْقُر الأشقر واستبدَّ بالمُلْك أيامًا، ثم وليَ لاجين نيابةَ دمشق إحدى عشرة سنة.
وكان أشقر مهيبًا وَقُورًا، رقيق الوجه، تامَّ القامة، محبَّبًا إلى الرعيَّة، حَسَن الدِّيانة، وقد تخيَّل من الملك الأشرف على حصار عكا، وشرع في الهرب، فردَّه السلطان وصَفَحَ عنه، ثم عزله من نيابة دمشق بالشُّجَاعي، ثم هَرَبَ يوم عيد الفطر من دمشق وبها السلطان، فبطَّل السلطانُ عمل السِّمَاط ورَكِبَ، فما لَبِثَ أن ظَفِرَ به أمير العرب وأتى به، فعَفَا عنه السلطان أيضًا، وصار من كبار أمراء القاهرة، ثم رأى منه السلطان ومن حَمْوه طقصو ومن سُنقُر الأشقر خروجًا عليه، فخُنِفُوا بين يديه، ثم بعد سُوَيْعة تحرَّك لاجِين فرقَّ له السلطان وتركه، فعاش، وبقّاه السلطان على رتبته ليكون له عدوًّا.
وامتُحِن بأمر هو وبَيْدَرا وغيرهما، فصمَّموا على الفَتْك بالسلطان، فقتله لاجِين، ثم قُتِلَ بيدرا واختفى لاجِين أشهرًا عند النائب كُتْبُغا، ثم تشفَّع فيه لأمرٍ يريده الله وأحضره بين يدي السلطان الملك الناصر ملفوفًا
стр. 446
في كفن باكيًا، مستسبلًا للموت فعفا عنه السلطان وأعطاه مئة فارس، فلما أن تَسلطَن كُتبُغا، وذهب السلطان إلى الكرك مقيمًا، عمل لاجِين نيابةَ المملكة، ثم بعد سنتين توثَّب على الملك وقتل الأزرق وبتخاص وفرَّ منه كتبغا سليمًا، وتمكَّن لاجين وسُمِّي بالملك المنصور، واستناب مملوكه مَنكوتَمُر فبقى مَنكوتمُر يُوحِش أستاذَه من الأمراء، فقبض على طائفة، وسقى جماعة، وأمسك الذين قاموا بسلطنته مثل بَيسَرِي وقراسُنقُر وأيبَك الحَمَوي، ومن أجل ذلك خاف نائب دمشق قبجق وألبكي وبكتمر السلحدار، ودخلوا إلى الشرق، فأقبل عليهم قازان وفَرِحَ بهم.
فلما كان من عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ركب السلطان صائمًا، ثم أمسى وصلَّى وجلس على الشِّطرنج وعنده القاضي حسام الدين الحنفي وأميرٌ وبُرَيد البدوي والمُجِير إمامُ السلطان، فهَجَمَ عليه ستة في السلاح، فيهم كُرْجي، فنزلوا عليه بالسيوف وبادَروا إلى مَنكُوتَمُر فاستجار بطُغْجِي فأجاره ساعة، ثم قُتِل، وطلبوا الوصول للسلطان الناصر من الكَرَك وحَلَفوا له، وكان لاجِيْن من أبناء بضع وأربعين سنة.
وحدَّثني الأمير قان ابن الملك المُعزّ قال: طلبني الملك الأشرفِ فاشترى منِّي لاجين الذي تَسَلطَن بخمسة آلاف درهم، وكان باقيًا على ملكي من زمن أَبي.
٤٧٢ - ابن القوَّاس *
الشيخ الجليل الخيِّر المُعمَّر، مُسنِد الشام، ناصر الدين أبو حفص،
стр. 447
عمر بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن غَدِير، الطائيُّ الدِّمشقي، ابن القوّاس.
وُلِدَ سنة خمس وست مئة.
وأجاز له في سنة ثمان أبو اليُمْن الكِنْدي، وعبد الجليل بن مَنْدَويه، وأبو البركات بن مُلاعِب وعدَّة، وسمع في الرّابعة من القاضي ابن الحَرَسْتاني "معجم ابن جُمَيع الغسَّاني"، وتفرد بعلوّه سنوات، وسمع في سنة عشر وست مئة "جزء الرَّبَعي" من حمزة بن أبي لُقْمة، وظهر سماعُه على الشمس العطَّار سنة إحدى عشرة وست مئة لقطعة من "البخاري" بعد وفاته، وسمع من أبي نصر بن الشِّيرازي وجماعة بنفسه، حتى إنه سمع من الفَخْر عليٍّ "مشيخته"، وكان ذا دين وحياءٍ ومُروءة، وصَبْر على التحديث، وحُبٍّ للرواية، له بستان كبير بقرية عربيل يقوم بكفايته.
روى الكثيرَ وانتهى إليه علوُّ الإسناد، وحَمَل عنه: ابن نَفِيس، وابن الخبَّاز، والمِزِّي، والبِرْزالي، وابن سامة، وناصر الكَرَكي، وزين الدين عمر الغَزّي، والقاضي برهان الدين الزُّرَعيّ، والشيخ تاج الدين الفارِقي، والشيخ محبّ الدين بن المُحِب، وزين الدين عبد الرحيم بن جَمَاعة، والشيخ موسى بن بشر، وخلق، وأكثرتُ عنه.
حدَّثني أبو عمرو المُقاتِلي أنه سَمِعَ ابنَ القوَّاس شيخَنا يقول: كان السّعردي السُّيوفي له مِسَنٌّ عنده يسنُّ به السيف ويُسقِيه ثم يَضَعُه في الشمسِ، فإذا حَطَّت عليه الذُّبابة قَطَعَها نصفين، ورأيتُ ذلك.
стр. 448
٤٧٣ - ابن النَّحّاس *
الشيخ الإمام العلَّامة البارع، حُجَّة العرب، بهاء الدين أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن أبي عبد الله محمد بن أبي نَصْر، الحَلَبي الشافعي، النَّحْوي اللُّغَوي، نَزِيل مصر وشيخها.
وُلِدَ سنة سبع وعشرين وست مئة.
وسمع من: أبي المنجَّى بن اللَّتِّي، وابن يَعِيش، وابن رَوَاحة، وعدَّة.
وتلا بالسَّبع على: الكمال الضرير، وأبي عبد الله الفاسي، وأخذ العربيةَ عن جمال الدين بن عَمْرون، وعن عَلَم الدين القاسم بن أحمد اللُّورْقي، وسكن مصر من سنة هولاكو، واشتَغَل وصنَّف، وكان من أذكياء العالم بحَلِّ "كتاب إقْلِيدس" والمنطق.
تخرَّج به أئمَّة، وكان ديِّنًا، حسن الأخلاق، تاركًا للتكلُّف، سَمْحًا بعلمه وماله وجاهه، حلَّالًا للمشكلات.
قال الحافظ قطب الدين في "تاريخ مصر": كان كثير التلاوة والذِّكرِ والصلاة، ثقةً، حُجّة، ديِّنًا، سريع الدَّمعة، يسعى في مصالح الناس، عرضتُ عليه "ألفيَّة ابن مالك".
قلت: قرأت عليه "جُزء بِيبَي" فقال: وكم "جُزء بيبي"، وَدِدتُ لو قرأ أحدٌ عليَّ "الجَعْدَيّات" فإنها سماعي من أبي عن ابن سُكَيْنة.
تُوفي الشيخ بهاء الدين بالقاهرة في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة.
стр. 449
أخبرنا أبو الصفا الصَّفَدي، أخبرنا أبو حيّان النَّحْوي قال: قرأتُ على الشيخ بهاء الدين "كتاب سيبويه" و"الإيضاح" و"التكملة" و"المفصَّل" و"الحماسة" و"ديوان حبيب" و"ديوان أبي الطيّب" و"ديوان أبي العلاء"، يروي الجميعَ بالسَّماع، وانفرد بسماع "الصِّحاح" للجَوهَري، وكان كثير العبادة والصَّلاة، كثير المُروءة، معتنيًا بأصحابه، كريمًا لا يكادُ يأكل وحدَه، ينهى عن الخَوْض في العقائد، وله تودُّد إلى مَن ينتمي إلى الخير، وكان غير متزوِّج، وكان لي مُكرِمًا معظِّمًا، وله نظمٌ ونثرٌ، وخطٌّ حسن، قرأ القراءات، وسمع الحديث، وبَحَثَ في علم الخِلاف، واعتَنى بكتبِ النحو والآداب، فسمع منها جملةً كثيرة.
وَلِيَ تدريس التفسير بجامع ابن طُولون وبالمنصورية، وله تصدير في النحو بالجامع الأقمر، وتصادير بمصر، ولم يصنِّف إلا ما أَملاه على كتاب "المقرِّب"، وذلك إلى باب الوقف، إلى أن قال: مات في سابع جمادى الأولى وأنشدني لنفسه فيما يكتب على منديل:
ضاعَ منِّي خَصْرُ الحبيب نُحولًا … فلهذا أُضحِي عليه أدورُ
لَطْفَتْ خِرْقتي ودقَّت فجَلَّت … عن نظيرٍ لما حَكَتْها الخُصورُ
أكتُمُ السّرَّ عن رقيبٍ لهذا … بي يُخفِي دموعَه المهجورُ
قال: وأنشدني لنفسه:
إني تركتُ لِذي الوَرَى دُنياهم … وظَلَلتُ أنتظرُ الممات وأرقبُ
وقطعتُ في الدنيا العلائقَ ليس لي … ولدٌ يموت ولا عَقارٌ يخربُ
وفيها مات المُسنِد ناصر الدين عمر بن القوَّاس، والعماد عبد الحافظ
стр. 450
ابن بدران بنابلس، وكبير الأمراء بدر الدين بَيْسَري الشمسي، والأمير الطواشي بدر الدين بدر الصَّوابي، وعز الدين أيْبَك الموصلي نائبِ طرابلس، والصاحب تقي الدين تَوْبة بن علي التَّكريتي البيِّع بدمشق، والجلال النّهاوندي قاضي صَفَد من أوّل فتحها، والصاحب أمين الدين سالم بن صَصْرَى، والأمير سيف الدين طُغْجِي الأشرفي شابًّا قتلوه، والشيخ علي بن بَقَاء الملقِّن، وزوجته فاطمة بنت الآمدي، والزَّين محمدِ بن أحمد العُقَيلي القلانسي، وشيخ التفسير جمال الدين محمد بن سليمان بن النَّقيب البَلْخي، والملك المظفَّر تقي الدين محمود بن المنصور محمد صاحب حَمَاة، والسلطان حسام الدين لاجِيْن المنصوري، ونائب المملكة مَنْكُوتمر قتلًا، وإمام التجويد ياقوت المُستعصِمي ببغداد، والملك الأوحد يوسف ابن صاحب الكرك داود.
٤٧٤ - ابن المُرحِّل *
شاعر المغرب، أبو الحَكَم مالك بن عبد الرحمن بن علي، المالِقِي، الأديب، أحدُ الكِبَار.
مولده بمالِقةً سنة أربع وست مئة.
أخذ النحوَ عن ابن الدَّبّاج، وأبي علي الشَّلَوْبين، وله اليدُ البيضاء في النَّظم والنَّثر، وكان بصيرًا بالقراءات، نظم "التيسير" في ألفي بيت.
ومَدَحَ الكبار، وكان ظريفًا منبسطًا نَديمًا.
مات سنة تسع وتسعين وست مئة بسَبْتة.
стр. 451
ونظمُه في الذّرْوة حلاوةً وجَزالة.
٤٧٥ - حُسَام الدين *
قاضي القضاة، أبو الفضائل الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان، الرازيُّ ثم الرُّومي، الحنفي، وَلَدُ قاضي الرُّوم تاج الدين، ووالدُ القاضي جلال الدين.
مولده بأقصرا سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
وولي قضاء مَلَطية أزيدَ من عشرين سنة، ثم نَزَحَ إلى الشام نوبة البُلُستَين فدرَّس بدمشق، ثم وليَ القضاءَ بها في سنة سبع وسبعين، فحكم بها تسع عشرة سنة، وحمدت سيرته.
وكانت فضائله بحرًا، ولي قضاء الحنفية بمصر، وكان خصّيصًا بالسلطان حسام الدين لاجِين، وبينهما مودّة خطيرة منسوبة، ووصله بأموال، وفوَّض إليه قضاء الإقليمين، فرأى مصرعَ السلطان، وكان ابنه قد ولي قضاء دمشق، فصُرف حسام الدين من قضاء مصر فقدم دمشق على مدارسه وقضائه وعزل ابنه.
وكان مجموع الفضائل جمّ المحاسن، يرى طريقة السَّلف ويكفّ عن التأويل، سمعتُ ذلك منه، وله أدب ونظم وخط منسوب.
شهد وقعة قازان، وفرَّ وعَبَر مارًّا بجبل الجُرد، فأضمرته الأرض، فيقال: أُسِرَ وبيعَ للفرنج بقبرس، ولم يثبت ذلك، وحصل له تمحيص، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، ولعله استُشهِد.
стр. 452
٤٧٦ - المَرْجاني *
الإمام القُدْوة الواعظ، المُفسِّر ذو الفنون، أبو محمد عبد الله بن محمد، القُرَشيّ التُّونسيّ، أحد الأعلام.
كان غارقًا بمذهب مالك، رأسًا في التفسير، عالمًا بالحديث، صوفيًا عابدًا، أبيض، أشقر، خفيف اللحم.
قَدِمَ مصرَ وذَكَّر بها، واشتَهَر في البلاد.
مات بتونس في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة عن اثنتين وستين سنة، خلَّف كتبًا كثيرة وأولادًا.
٤٧٧ - ابن هُود **
الزاهد الكبير، بدر الدين حسن ابن الأمير عليٍّ أخي ملك الأندلس مع ابن الأحمر محمد ابنَي يوسف بن هُودٍ، المُرْسي، الصُّوفي الاتِّحاديّ.
قدم علينا فرأيته غيرَ مرَّة معتدلَ القامة، وافرَ السَّكِينة، كثير الصمت والإطراق، سَمْحًا أشقرَ أزرق، عليه دِلقٌ أزرق وقُبع دِلك، فأعجبني هديُه وسَمْتُه، واشتغالُه بنفسه، لكن رأيت له نظمًا على رأي أهل الوحدة، وكان له مشاركة في فنون وفَهْم، وتبيَّن لى وللناس أنه يشرب الخمر، فإنه أُخذ من حارة اليهود مخمورًا إلى الوالي فحارَ فيه.
قال شيخنا العِماد: قلت له: أريد أن تُسلِّكَني، فقال: من أيِّ الطرق تريد؟ أمن المُوسَوِيَّة، أو العِيسويَّة، أو المُحمَّديَّة؟ فمَقَتُّه وأعرضتُ عنه،
стр. 453
وكان بخَانْقاه الطاحون، فكان إذا طلعت الشمسُ استَقبَلها وصَلَّبَ وجهه، نسأل الله العفو.
صَحِبَه العَفِيف ابن عمران الطبيب، وعبد الله الطبيب المَسْلَماني، والشيخ سعيد المغربي.
مات في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة بدمشق.
وللناس فيه اعتقادٌ كبير، وكان يستولي عليه الفِكرُ، ويغيب عن نفسه، والله أعلم بنيَّتِه. أعاذَنا الله وإياكم من تصوُّفٍ منافٍ للشرع، وسلَّمَنا من ضلال الاتحادية ومروق الباجُرْبَقيّة (١)، وانحلال البَرهميَّة، وسَلَكَ بنا المَحَحَبَّة المحمدية، آمين آمين.
٤٧٨ - الدَّوَاداري *
الأمير مقدَّم الجيوش، فخر المحدِّثين، عَلَمُ الدين أبو موسى، سَنْجَر التُّركي البرليّ الصالحي الدَّوَاداري.
وُلد سنة نيِّف وعشرين، وجُلِب في حدود سنة أربعين.
وكان مليحَ الشَّكل، مَهيبًا، رَبْعة، سمينًا، جَهْوريَّ الصوت، فصيحًا، شجاعًا، عالمًا، حسن الخطّ، حافظًا للقرآن، ولـ"الإشارة" في الفقه لسُلَيم، وطلب الحديثَ ونسخ وتَعِب، خرَّج له الشيخ عَلَمُ الدين "معجمًا" في مجلَّد، وخرَّج له شيخنا المِزِّي "عواليَ".
وحجَّ ستَّ مرّات، أحدها هو واثنان، وكان من مقدَّمي الحَلْقة في أيام
стр. 454
الظاهر، ثم أُعطي الإمرة بحلب ثم بدمشق، وعمل الشَّدَّ، ثم أُمسك لقيامه مع سُنقُر الأشقر، ثم أُعيد إلى إمرته، وعَلَت رُتْبته في دولة حسام الدين وصار من أمراء الألوف، وقَدِمَ على العسكر في سنة سبع وتسعين في غزوة سِيس.
وكان يحبُّ الطَّلبة والصُّلحاء ويُواسِيهم، وله أوقاف معروفة، وللشعراء فيه ما دُوّن في مجلدين.
روى عن: المُنذِري، والعطَّار، والمُرْسي، والكمال الضَّرير، وعبد الغني بن بَنِين، وخلق.
شَهِدَ الوقعة ثم تحيَّز عَليلًا إلى حصن الأكراد، فتُوفِّي به في رجب سنة تسع وتسعين وست مئة.
سمع منه خَلْق.
٤٧٩ - الحَرَّاني *
المُقْرئ الصالح، شهاب الدين أحمد ابن الفقيه المفتي أبي الربيع سليمان بن أحمد بن إسماعيل بن عطَّاف، الأنصاري النَّجّاري، المَقدِسي ثم الحَرّاني، الحنبلي، نزيل سَفْح قاسيون.
وُلِد في ربيع الآخر سنة خمس عشرة.
وسمع من أبيه "جزء ابن عَرَفة"، ومات أبوه بحرَّان في سنة سبع وعشرين وست مئة، وسمع "الصحيح" من ابن رُوزْبة.
وكان خَيِّرًا، ساكنًا، مُسمِتًا.
стр. 455
حدَّث بـ"صحيح البخاري"، وسكن بتُرْبة تقي الدين ابن العادل أربعين سنة.
سمع منه: المِزِّي، والبِرْزالي، وابن النابُلُسي، والذَّهبي، وآخرون.
تُوفِّي بدمشق في أيام قازان ببيته سنة تسع وتسعين وست مئة.
وكان أبوه من أئمّة المذهب، عاش اثنين وسبعين سنة، وصحب الحافظَ عبد الغني، وتفقَّه ببغداد، وسمع من أحمد بن أبي الوفاء وغيره.
٤٨٠ - ابن عبد القويّ *
العلّامة المُفتي النَّحْوي، شمس الدين محمد بن عبد القوي بن بَدْران، المَقدِسي ثم الصالحي، الحنبلي.
وُلد سنة ثلاثين وست مئة.
وبَرَعَ في المذهب والعربيّة، وتصدَّر للإفادة، ونَظَم قصيدةً داليّةً في مذهب أحمد، ثمانيةَ عشرَ ألف بيت، فيها عِلْم جمٌّ.
وكان كيِّسًا، متواضعًا، خيِّرًا، غزير العلم، مطَّرِحًا للرِّياسة في ثوبه وأُموره.
درَّس بالصَّاحبيّة، وله سماع من خَطيب مَرْدا، ومحمّد بن عبد الهادي، وجماعة، وكان من تلامذة ابن أبي عُمَر.
طلب الحديثَ، وقرأَ على الشيوخ، وحدَّث واشتَهَر بالنحو.
أخذ عنه: ابنُ مسلَّم وجماعة.
تُوفِّي في ربيع الأول سنة تسع وتسعين، ﵀.
стр. 456
٤٨١ - البِرْزاليّ *
الإمام العَدل المرتضَى، بهاء الدين أبو الفضل، محمد بن يوسف ابن مُفِيد الشام زكيِّ الدين محمد بن يوسف، البِرْزالي الدمشقي، الشُّروطي.
وُلد في رجب سنة ثمان وثلاثين.
وسمَّعه أبوه حُضورًا من السَّخَاوي، وكَريمة، وابن أبي جعفر، وجماعة، وأجاز له ابن القُبَّيطي وأقرانه.
ثم مات الأب ولم يُكمِل ولده خمس سنين، فنشأ عند جدِّه لأمّه عَلَم الدين القاسم الأندلسي، وأقرأه بالسَّبع، وكان قد صلَّى بالعَصرُونية، فخطب عند جدِّه ليلة الختم، فإنه قصّر في حفظ الخطبة، وأحسن إليه كثيرًا، ثم كتب المنسوبَ، وحصل له من جدّه مال، ثم تزوَّج وتفقَّه ونزل في الشامية وغيرها، وكُتب له محضر عدالةٍ شهد له فيه ابنُ مالك والشيخ حسن الصِّقِلي وقطب الدين ابن أبي عَصرُون وابن شعيب، وجلس بالعُقَيبة، ثم انتقل إلى حضرة الأشراف، وخَدَمَ موقِّعًا قبل ذلك عند ابن وَدَاعة، ونسخ كتبًا كثيرة، من ذلك عدّة نسخ لـ"محرَّر" الرافعي، وصحب محيي الدين ابن قاضي القضاة وجاوَرَه في العَزيزية وعادَلَه في الحج، وبلغ في كتابة الإسجالات مع التصوف والدِّين والحياء والتهجُّد، وحدَّث وله خمس وثلاثون سنة، وكتب لابن الصائغ ومن بعده، واشتَهَر وحصَّل، واحتَسَبَ جماعةً من أولاده.
وقرأ عليه ولدُه الحافظ عَلَم الدين شيئًا كثيرًا من ذلك الكتب الستة.
وسمع منه: ابنُ تَيميّة وابن سامة، وابن مسلَّم، والمزِّي، وابن مظفَّر،
стр. 457
والذَّهبي، وعدّة.
توفي في شوّال سنة تسع وتسعين وست مئة، وشيَّعه خلق، ﵀.
٤٨٢ - بنت كِندي *
الشيخة الصّالحة المُعمَّرة، أم محمد، زينب محمد، زينب بنت عمر بن كِندي بن سعيد، الدِّمشقية، نَزيلة بَعلبَكَّ.
روت "صحيح مسلم"، وأشياءَ من العَوَالي، أجاز لها المُؤيَّد الطُّوسي، وزينب الشَّعْريّة، وعبد المُعزّ الهَرَوي، والافتخار الهاشمي، وعدّة.
وتفرَّدت في وقتها، وكانت ذاتَ دِيانة، وبِرٍّ وصَدَقة، عاشت نحو التسعين.
أخذ عنها: ابنا اليُونِيني، وابن أبي الفتح وأولاده، والمِزِّي وابنه، وابن سامة، والبِرْزالي، وأبو بكر الرَّحبي، وقرأت عليها إلى النكاح من "صحيح مسلم".
تُوفِّيت في جُمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة.
٤٨٣ - العَقِيمي **
الشيخ الإمام الفقيه الأديب العلّامة، بقيّة السَّلَف، جمال الدين، شيخ أهل الآداب، أبو حفص عمر بن إبراهيم بن حسين بن سَلَامة، الأنصاري، الجَزَري الرَّسْعَني، العَقِيمي الشافعي، الكاتب، نَزِيل دمشق.
مولده سنة ست وست مئة.
стр. 458
أجاز له أبو اليُمْن الكِنْدِي، وقال لي: كان الاستدعاءُ بخط الشيخ موفَّق الدين الحَنبَلي، فذهبت منه زمنَ التتار.
وسمع من: أبي المجد القَزْويني، وأبي الحسن ابن رُوزْبة، وبدمشق من ابن الزَّبيدي، وابن رَوَاحة، وطائفة.
وله يدٌ طُولَى في النَّظم والنَّثر، قُرِّر بالشامية إذ مدرِّسها أبو نصر ابن الشِّيرازي، وتنقَّل في الخِدَم، وكان عدلًا وَقُورًا، أَمينًا، حسن الهيئة، وافر الجلالة.
وعَقِيمة قرية بقرب سِنْجار.
مات في شوّال سنة تسع وتسعين وست مئة.
وهو آخر من روى عن الكِنْدي مطلقًا.
٤٨٤ - ابن الصَّيْرَفي *
الإمام المحدِّث المُفيد، شرف الدين الحسن بن علي بن عيسى بن الحسن، ابنُ الصَّيرَفي، اللَّخْمي المصري.
شيخُ حَسَنٌ، عالم، متواضع، طَلَبَ وكَتَب، وعُنيَ بالفنِّ.
وسمع من: ابن رَوَاج، ويوسف السَّاوي، وابن الجُمَّيزي، وابن قُمَيرة، وخلق. وصار شيخَ دار حديث الفارقانيّة.
مات في سنة تسع وتسعين وست مئة، وقد شاخ، ارتحل إلى الثَّغْر سنة … (١).
стр. 459
سمعتُ منه وجماعةُ الرِّفاق.
٤٨٥ - ابن مَلِيٍّ *
العلّامة ذو الفنون، نجم الدين أحمد بن مُحِّسن بن علي بن حسن بن عَتيق، الأنصاري البَعلَبكِّي الشَّافعي، المتكلِّم الشِّيعي.
وُلد سنة سبع عشرة وست مئة.
وسمع من: البهاء عبد الرحمن، وأبي المَجْد القَزْويني، وابن الزَّبيدي، وطائفة، وأخذ النحو عن ابن الحاجب، والفقه عن ابن عبد السَّلام، والحديث عن الحافظ عبد العظيم، والمعقول والرَّفْض عن طائفة.
ودرَّس وأفتى وناظر، وتخرَّج به الأصحاب، وكان من بحور العلم، ذكيًّا فَطِنًا، يقظًا حاضر الحجَّة، فصيحًا، شجاعًا، جريئًا، يتظاهر بالرَّفْض، ويُفحِم الخَصْم، وينالُ من الصَّحْب ويُخِلّ بالفَرْض، ويُتقِن الطبّ.
وكان يقول في الدرس: عيِّنوا آيةً نفسّرها، فيتكلم عليها بعبارة جَزْلة متقبَّلة كأنما يقرأ من كتاب.
وكان يشرح في مذهب الأوائل، وبَلَغني عنه عظائمٌ لا أُوردها، وربما صفق في البحث، وكان الكبار يتَّقُونه.
قرأ عليه الشيخ عَلَم الدين "موطَّأ" القَعْنبيّ. لم آخذ عنه شيئًا.
مات بقرية بخعون من جبل الضِّنِّيِّين في جمادى الأولى سنة تسع
стр. 460
وتسعين وست مئة.
وقد درَّس بالرَّوَاحيّة وغيرها، وما أظنه صنَّف مع سَعَة دائرته، وفَرْط ذكائه.
قال ابن الزَّمْلَكاني: جمع علومًا كثيرة، وكان خارقَ الذِّهن، قويَّ الحافظة، يسمع الأوراق العدّة مرةً يعيدها بأكثر لفظها، وكان لا يدخل في ذهنه الفاسد (!) ولا يقبله، وعنده رَوَايا من العلم لم تكن عند غيره، طَلْق العبارة، قويّ البحث، مِقْدامًا شجاعًا.
قلت: وكان جبَّارًا قويّ النَّفْس، لا يخضع أبدًا، وعليه قساوة واضحة، ومتَّهَم في دينه.
٤٨٦ - إمامُ الدِّين *
قاضي القضاة، أبو المَعالي عمر ابن القاضي سعد الدين عبد الرحمن ابن عمر بن أحمد، القَزْويني، الشافعي.
مولده بتِبْريز في سنة ثلاث وخمسين.
واشتَغَل وتفنَّن ثم قَدِمَ دمشق في الدولة الأشرفية هو وأقاربه، فأكرم مَورِده، وكان تامَّ الشكل، ضخمًا، وسيمًا، عالمًا، عاقلًا، متواضعًا، وَقُورًا.
درَّس بالقَيمُريّة وغيرها، ثم صُرِفَ ابنُ جماعة من قضاء دمشق ووليَه هو، فأحسن السِّيرةَ، ودرَّس، ولما وقعت الكَسْرةُ بوادي الخَزْندار انجفل إلى مصر، فدخلها عَليلًا، وتُوفِّي بعد أسبوع وشيَّعه الخَلْق في الخامس