← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وتوفي بعد سنة فجأةً ﵀ في شوّال سنة ست وسبع مئة، وتزاحم الخلق على سريره، وعاش اثنتين وستين سنة وأشهُرًا، وخَطَب بعده قاضي القضاة القَزْوينيّ. ٥٥٥ - خَضِر * ابن السلطان الملك الظاهر بَيبَرس التُّركي، يُلقَّب بالمَلِك المسعود. مَلَكَ الكرك بعد أخيه السعيد، ثم اقتضت الآراءُ إبعادَه مع أخيه سُلامش إلى بلاد الأشكري النَّصراني، وأقام هناك دهرًا، وتوفي أخوه، ثم أُقدم هذا وسكن مصر مدة، فقيل: إنه سُقيَ سنة ثمان وسبع مئة، وكان من أحسن الناس شكلًا وعقلًا. مات كهلًا. ٥٥٦ - الدِّمْياطيّ ** شيخُنا العالم، الحافظ البارع، النَّسّابة المجوِّد، الحُجّة عَلَم المُحدّثين، عُمدة النُّقاد، شرف الدين أبو محمد وأبو أحمد، عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف، التُّونيّ، الشافعيُّ، صاحب التصانيف. مولده بتُونةَ قرية من أعمال تِنّيس، في آخر عام ثلاثة عشر وست مئة. وكان منشؤه بدِمياط، ويُعرَف أولًا بابن الجامد، وكان من المِلَاح في وقته. حدَّثني ابن حَرَمي الفَرَضيُّ عن شيخ دِمْياطيٍّ قال: كانوا إذا بالَغُوا في نَعْت العروس بالجمال قالوا: كأنها ابن الجامد.

стр. 527

تفقَّه بدِمياط، وتميَّز في المذهب، وقرأ القرآن، ثم طلب الحديث بعدُ وقد صار له ثلاث وعشرون سنة، فسمع بالإسكندرية في سنة ست وثلاثين من أصحاب السِّلَفيِّ، ثم قَدِمَ القاهرةَ، وعُنِيَ بهذا هذا الشأن روايةً ودرايةً، ولازمَ الحافظ زكيَّ الدين حتى صار مُعِيدَه، ثم حجَّ سنة ثلاث وأربعين وسمع بالحَرَمين، وارتحل إلى الشام في سنة خمس وأربعين، وارتحل إلى الجزيرة وإلى العراق مرتين، وكتب العالي والنازل، وبالغ، وصنَّف إذ ذاك وحدَّث وأَملى في حياة كبار مَشيخَته. وكان مليحَ الهيئة، حسن الأخلاق، بسّامًا، فصيحًا، نَحْويًا لُغويًا، مقرئًا، سريع القراءة، جيّد العبارة، كثير التَّفنُّن، صحيح الكتب، مُكثرًا مفيدًا، حُلْو المذاكرة، حسن المعتقَد، كافًّا عن الدخول في الكلام. سمع من: أبي الحسن بن المقيَّر، وعليِّ بن مختار العامري، ويوسف بن عبد المعطي بن المَخِيليّ، والعَلَم الصابوني، وإبراهيم بن الخيِّر البغدادي، وأبي نصر بن العُلِّيق، وأحمد ويحيى ابني القُمَيرة، وموهوب بن الجَواليقيّ، وعبد العزيز بن يحيى الزَّبيديّ، وهبة الله بن محمد بن مُفرِّج بن الواعظ، وعلي بن زيد التّسارَسِيّ، وظافر بن شَحْم المُطرِّز، وشُعيب الزَّعْفراني المُجاور، وصفيّة بنت عبد الوهاب القرشية، وحمزة بن أوس الغَزّال، ومحمد بن محمد بن مُحارب القَيْسيّ، وأبي إبراهيم محمد بن عبد الرحمن بن الجَبّاب، وابن عمِّه أبي الفضل أحمد بن الجَبّاب، وعبد الوهاب بن رَوَاج، وعبد الله بن الحسين بن رَوَاحة، وأبي الحسن محمد بن يحيى بن ياقوت، وأبي الحسن علي بن هِبة الله بن الجُمَّيْزِيّ، وحسين بن يوسف الشاطِبيّ، وعبد العزيز بن النَّقّار الكاتب،

стр. 528

ومظفَّر بن عبد الملك الفُوِّي، وعبد الرحمن بن مكّي السِّبط، وأبي علي منصور بن سَنَد بن الدِّماغ، ويوسف بن محمود السّاوِيّ، ومحمد بن حسن السَّفاقُسِيّ خاتمة من سمع حُضورًا من السِّلَفي. وسمع بدمشق من: عمر بن البَراذعي، والرَّشيد بن مَسلَمة، ومَكّي بن عَلّان، وطبقتهم. وبدِمياط من: خطيبها الجَلال عبد الله بن الحسن الشافعيّ. وبحَرّان من: عيسى بن سلامة الخيّاط. وبمارِدِين من: عبد الخالق بن أنجب النِّشتَبْريّ. وبحلب من: الحافظ ابن خليل، فأكثَرَ، فلعلَّه سمع منه مئتي ألف حديث. وبالموصل من: أبي الخير إياس الشَّهَرزُوريّ صاحب خطيب الموصل أيضًا، وعنده عدّة من أصحاب السِّلَفيَّ، وشُهْدة، وابن عساكر، وقد ذكرناهم، وخلق من أصحاب ابن شاتيل، والقزّاز، وابن بَرِّيٍّ النَّحْوي، وإسماعيل بن عوف، ويحيى الثَّقَفيّ، وابن كُلَيب. ثم أصحاب ابن طَبَرزَد، وحَنْبَل، والبُوصِيريّ، والخُشُوعيّ. ونَزَل إلى أصحاب الكِنْدي، وابن مُلاعِب، والافتخار الهاشِميّ. وكتب عن طائفة من رفقائه، ومن هو أصغر منه، فعَدَدُ "معجمه" ألف ومئتان وخمسون نفسًا. وقد أجاز له أبو المُنجَّى بن اللَّتِّي وأبو نصر بن الشِّيرازيّ وخلقٌ، ويروي بالإجازة العامّة عن المؤيَّد الطُّوسي، وجماعة.

стр. 529

ومن مصنّفاته كتاب "الصلاة الوسطى" مجلد لطيف، كتاب "الخيل" مجلد، وقد سمعتهما منه، "قبائل الخزرج" مجلد، "العِقد المُثمن فيمن اسمه عبد المؤمن "مُجَيليد، "الأربعون المتبايِنة الإسناد من حديث أهل بغداد" مجلد، "مشيخة البغاددة" مجلد، "السيرة النبوية" مجلد، وله تصانيف كثيرة لم أقف على بعضها، وهي مهذَّبة منقَّحة، تَشهَد له بالحفظ والفَهْم وسَعَة العلم. حدَّث عنه: الصاحب كمال الدين عمر بن أبي جَرادة العُقَيلي (١)، والإمام أبو الحسين اليُونينيّ، والقاضي عَلَم الدين ابن الإخنائيّ، وشيخ الشيوخ علاء الدين القُونَوِيّ، والإمام أثير الدين أبو حيّان النَّحْوي، والحافظ جمال الدين أبو الحَجّاج المِزِّي، والعلّامة تقيّ الدِّين السُّبكي، والعلّامة فخر الدين النُّوَيريّ، وخلقٌ كثير من الرَّحّالين. وحدثني عنه طائفة، منهم الفقيه محمود بن خليفة، وقد قرأت عليه عدَّةَ أجزاء، وما فاتني عنه من الأجزاء العالية أكثر، ولقد رأيتُ أنِّي قرأتُ عليه في النَّوم ثلاثةَ أجزاء القاضي أبي الأحوص العُكْبَريِّ، ثم إنه طال عمرُه، وتفرَّد بأشياءَ وتكاثَروا عليه، وآخرُ من ارتحل إليه صاحبُنا أبو عَمرو المُقاتِلي، فأكثَرَ عنه. سمعت أبا الحَجَّاج الحافظَ يقول: ما رأيت أحدًا أحفظَ من الدِّمياطي. وسمعت شيخَنا يقول: سمعت ابن رَوَاجٍ يقول: قرأ عليَّ السِّراج بن شُحَانة نَتْف الإبط، فحرَّكه بالكسر (٢)، فقلت: لا تحرِّكه يَفُحْ صُنَانُه.

стр. 530

ذَكَر لي الدِّمياطيُّ: أنه تلا بالسَّبع على الكمال العباسيّ، وأراني الإجازة منه في مجلّد، وقد كان شيخُنا أبو محمّد حمل عن الصَّغَاني عشرين كتابًا من تصانيفه في الحديث واللغة، وسمع "جزء ابن عَرَفة" من بضعة وثمانين نفسًا بالشام ومصر والعراق، و "جزء الأنصاري" عن أكثر من مئة شيخ. وأمّا عِلم النَّسبَ فمسلَّمٌ إليه، أرْبَى فيه على المتقدِّمين. سكن دمشق مدّةً، وأفاد أهلَها، ثم تحوّل إلى مصر ونشر بها علمه، وكان موسَّعًا عليه في الرِّزق، وله حُرْمة وجلالة، وممَّا خلَّف لابنيه ثلاثة الآف مِثقال. قال أبو الفتح اليَعمَري: هو أجمعُ أصحاب المُنذريِّ رِحلةً، وأرفعُهم نِحْلةً، وأجمعُهم للحديث وعلومه، وأبرعُهم في منقوله ومفهومه، وإلى أن قال: كان يتفداه كل رئيس، ويُقرّ له بالنَّفاسة كل نفيس، لم يزل عاكفًا على العلم عُكُوف تَوْبةَ (١) على حبِّ الأَخْيَليَّة، ووقوف غَيْلان (٢) على دار مَيّة، يُلْقي دُروسا، تجلو على السماع عروسا. قلت: ما زال يُسمِع الحديث إلى أن مات فجأة بعد أن قُرئ عليه الميعاد، ثم صعد إلى بيته، فغُشِيَ في السُّلَّم عليه، وتوفّاه الله تعالى في نصف ذي القَعْدة سنة خمس وسبع مئة، عن اثنتين وسبعين سنة، وصلَّوا عليه بدمشق صلاة الغائب، وكانت جنازته مشهودة، وله نظمٌ جيِّد. وفيها مات خطيب حلب وحاكمها ومفتيها العلّامة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الدمشقي الشافعي عن ثمانين سنة، وقاضي نابُلُس

стр. 531

الشيخ مجد الدين سالم بن أبي الهَيْجاء الأَذْرَعيّ الشافعيّ، وشيخ الإسكندرية المُقرئ شرف الدين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن الصّواف الجُذامي في شعبان وله ست وتسعون سنة، ومقرئ حماة الإمام بدر الدين محمد بن أيوب التاذِفيّ الحنفي تلميذ أبي عبد الله الفاسي، وخطيب دمشق ومحدّثها الشيخ شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سِبَاع الفَزَاريّ المصريّ الدمشقي الشافعي النَّحوي في شوّال عن خمس وسبعين سنة وشهر، ومُسنِد مصر أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن شهاب ابن مؤدِّب الحدّادين عن بضع وثمانين سنة، ومحدِّث حمص القاضي بدر الدين محمد بن مسعود بن أيوب بن التُّوزيّ الحلبي وهو في عَشْر الثمانين، ومُسنِدة القاهرة زينب بنت سليمان بن إبراهيم الإسْعَرديّة. قرأت على الحافظ الناقد أبي محمد عبد المؤمن بن خلف، عن يحيى بن أبي السُّعود سماعًا، أن شُهْدة بنت أبي نصر الكاتبة أخبرته، قالت: أخبرنا أبو الحسين بن أحمد النِّعالي، قال: أخبرنا عبد الواحد بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْبة السَّدُوسِيُّ، حدثنا جدِّي، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا ابن عَوْن، عن الحسن، عن أُمِّه، عن أُمِ سلمةَ ﵂، قالت: ما نَسِيتُ الغُبار على شَعْرِ صَدْرِ رسولِ الله ﷺ وهو يقول: "اللهمَّ إِنَّ الخيرَ خيرُ الآخِرَة، فاغفر للأنصارِ والمهاجرة"، إذ جاء عمّارٌ ﵁ فقال: "وَيْحكَ - أو وَيْلكَ - يا ابنَ سُمَيّةَ، تَقتُلُكَ الفئةُ الباغيةُ"، أخرجه مسلم والنسائي (١) من حديث خالد الحذّاءِ

стр. 532

وابن عون عن الحسن، وإسناده صحيح. ٥٥٧ - الفارُوقيّ * العلّامة سيف النَّظر، نَصير الدِّين أبو بكر عبد الله بن عمر بن أبي الرِّضا الفارسيّ الفارُوقيّ، الشافعيّ، مدرِّس المُستَنصريّة من كبار الشافعية. قدم دمشق، وتكلَّم وبانت فضائلُه. مات ببغداد في سنة ستٍّ وسبع مئة. وفاروقُ قرية من قرى شِيراز. ٥٥٨ - العُبيدي ** شيخُ الشافعية، العلّامة الأوحد، شمس الدين عبد الكافي بن عبد المجيد التِّبْريزي. توفي سنة سبع وسبع مئة. وخلّف كتبًا نفيسة، وله تلامذة بتِبْريز، وهو والد العلامة نصير الدين عبد الله، مفتي تبريز الآن. ٥٥٩ - خطلو شاه *** نائبُ التَّتار، كان كافرًا ماكرًا شاطرًا، رفيع الرُّتبة، نزل بالقصر الأَبْلَق، وخرج إليه الشيخ تقيُّ الدين (١) فكلَّمه في الرَّعِيَّة، فتنمَّر ولم يلو

стр. 533

عليه، وهو كان مقدَّمَ التتار يوم شَقْحَب، فرَدَّ خاسئًا مهزومًا، وسار بالمغول لمحاربة صاحب جَيْلان فبيَّته الملك دوباج، وبثَّقُوا عليهم ماء البحر فغرق منهم عدة، ورماه دوباج بسهم فقتله في أول سنة سبع وسبع مئة، ودوباج هو الذي قدم الشامَ فمات، وله تربةٌ بسفح قاسيون. ٥٦٠ - ابن خُشنام * القاضي، المدبِّر، شمس الدين إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن خُشْنام بن أحمد، الكُرْدي، الحُميدي، الحَلَبي، الحَنفي. كان أبوه قد روى عن داود بن الفاخر، وقُتل في كائنة حلب. روى عنه: الدِّمياطي، وابن الظاهريِّ. وهذا وُلد في سنة تسع وعشرين. وتفقَّه وسمع من: يَعيش النَّحْوي، وأبي القاسم بن رَوَاحة، ومكِّي بن عَلّان، وصحب ابنَ العديم، ثم سكن حمص ووليَ بها قضاءَ الحنفية، ثم عُزِل، ثم وَليَ إمامة جامع حمص. وكان شهمًا، شجاعًا، جريئًا، وخدم غازانَ وداخَلَ التتار، ووليَ قضاء حمص من جهة قازان، وحَكَم وظَلَم، ثم خاف وسافر مع التتار، فولَّوه قضاءَ خِلاط، فأقام هناك نحو ست سنين، ثم مات على قضائها. سمع منه: البِرزالي وغيره. توفي في نحو سنة خمس وسبع مئة، وكان غيرَ أهل للأخذ عنه.

стр. 534

٥٦١ - ابن سيِّد الناس * الإمام النَّحْويُّ، المحدِّث الفقيه، جمال الدين أبو عمرو، محمد ابن العلّامة أبي بكر محمّد ابن الفقيه أحمد بن عبد الله بن محمّد بن يحيى بن محمّد بن محمّد بن أبي القاسم بن محمّد بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيِّد الناس بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيِّد الناس بن أبي الوليد بن منذر، الرَّبَعي ثم اليَعْمَري؛ يَعمر بن مالك بن بُهْثة. مولده في جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وست مئة بالمغرب، وسمع ببِجَاية من: أبيه، والحافظ ابن الأبّار، والمُسنِد أبي الحسين أحمد بن محمد بن السّراج، وبتونس من أبي إسحاق بن عياش، وأبي عمرو بن الشّقر، وبالإسكندرية من الحافظ منصور بن سُليم، وبمصر من النَّجيب، وابن عَلّاق، وعبد الهادي القيسيّ، وبمكة من أبي اليُمْن بن عساكر، وبطَيْبة من عبد الله بن محمد بن حسان العامريّ. وطلب الحديث وقرأ ونسخ بخطه المُتقَن، وسمَّع أولاده. وأجاز له في سنة اثنتين وخمسين عبدُ الرحيم بن عبد المنعم بن محمد بن الفَرَس، ومحمد بن عبد الله بن أحمد الأُنْدي وقال: مولده سنة ثمان وستين وخمس مئة، وإسماعيل بن يحيى الأزدي، وأحمد بن فَرْتُون المؤرِّخ، ومن الشام ابن عبد الدائم وشيخ الشيوخ الحَمَوي، والزين خالد، وخلقٌ. وكان يدري اللغة والعربية، وله نظم وفضائل، رأيته واقف مع ابنه ولم اسمع منه.

стр. 535

أنبأنا الحافظ أبو الفتح الأندلسيُّ، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا أبي أحمدُ، قال: أخبرنا ابن بَشْكُوال، فذكر حديثًا. وقرأت بخطِّ أبي الفتح الأندلسيّ: أن أباه أنشده لنفسه: بادِرْ إلى الخيراتِ واعملْ بها … فإنَّما المرءُ بأعمالِهِ لأنه يُسأل عن جاهِهِ … كمِثل ما يُسأَل عن مالِهِ ومن خَطِّ العلّامة بهاء الدين بن النَّحّاس قال: كتبت لصاحبنا الإمام أبي عمرو بن سيَّد الناس في صدر كتاب: يُثنِي عليكَ لسانُه وبَنانُهُ … ويَوَدُّ لو معك انتقضَتْ أزمانُهُ يشتاق منك فضائلًا ما مثلُها … إلّا الغمامُ مواصِلًا هُتّانُهُ والده أبو بكر وولده أبو الفتح تبعًا لجدِّه. تُوفّي أبو عمرو في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة، ودُفن بالقَرَافة. وقد كان وليَ مشيخةَ الكامليّة بعد شيخنا ابن دَقيق العيد، ثم أخذت منه لشيخنا ابن جَمَاعة، رحمهم الله تعالى. ٥٦٢ - الجَعْبَريّ * الإمام القاضي الفَرَضيّ، تاج الدين أبو الفضل، صالح بن ثامر بن حامد، الجَعْبري، الشافعيّ. مولده في سنة بضع وعشرين وست مئة. وسمع من يوسف بن خليل، وعبد الحق المَنْبِجيّ، والضياء صَقْر،

стр. 536

والنِّظام البَلْخيّ، ومجد الدين بن تَيميَّة، وعبد الله بن الخُشُوعيّ، والعِماد عبد الحميد بن عبد الهادي، وعدة. وخرَّج له أمين الدين الوانيّ "مشيخةً"، ووليَ قضاء أماكن كبَعْلَبَكّ، وناب بدمشق في القضاء والخطابة، واستسقى بالناس. وكان مليح الشكل، طويلًا، وَقورًا حسن الأخلاق، خيِّرًا عَفيفًا، سَلَفىَّ الطريقة، له قصيدة طويلة في الفرائض، وكان حميد الأحكام، ﵀. توفّي ببُستانِه بمَقْرَى (١)، وصُلِّيَ عليه بجامع العُقَيبة، ودُفن بسفح قاسيون في سادس عشر ربيع الأول سنة ست وسبع مئة، وقد قارب الثمانين. وأوّلُ ما وليَ القضاء في سنة سبع وخمسين وست مئة. روى عنه: البِرْزاليّ، وابن الفخر، والوانيّ، والطلبة. ٥٦٣ - شِهَاب * ابن علي بن عبد الله، الشيخ أبو عليّ التُّرْكمانيّ المُحْسِنيّ. تفرَّد بأجزاء عالية عن ابن المقيَّر، وعبد الوهاب بن رَوَاج، ويوسف الساوِيّ، وأبي الحسن بن الجُمَّيزي. سمع منه: ابن سامةَ، والوانيّ، والذَّهبيُّ، وابن الفخر، والسُّبْكيّ، والمِصريُّون. وكان عاقلًا، خيِّرًا منقطعًا بتُربة الفارس أقطاي بالقرافة، روى الكثير. وتوفّي في ربيع الأول سنة ثمان وسبع مئة وقد شاخ.

стр. 537

٥٦٤ - المَرِينيّ * ملك المغرب، السلطان الكبير، أبو يعقوب يوسف ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق بن مَحيُو المَرِيني، المغربي الأعرابيّ. وبنو مَرِين عرب ذَوُو عَدَد، من ظواهر فاس، تُضرَب بفروسيّتهم الأمثال، لا يلتحفون بلأْمة حرب بل يقاتلون في ثيابهم بلا جُنَّة، ولهم خِفَّة عَجِيبة على الخيل، فأول مظهرهم كان مع رئيسهم الأحور أبو سعيد بن عثمان بن عبد الحق بن مَحيُو، في حدود سنة ثلاث وأربعين وست مئة، عند وهن الدولة المُؤمنية وإدبارها، فاستولَوا على تازة، ثم بعد ثلاثة أعوام تملَّك الأحورُ فاس، ثم توفي، فقام أخوه محمد الأعرج فلم يُطوِّل، وقام بعده أخوهما أبو بكر، ثم ابنه عمر، فبقي أشهُرًا وخَلَعه عمُّه المجاهد يعقوب، وتمكَّن ودانت له المغرب، وبقي في المُلك ثمانيًا وعشرين سنة، فتوفِّي بالجزيرة الخضراء مُرابِطًا، فتَسلطَن بعده ابنه أبو يعقوب هذا وتَلقَّب بالأصفر، وهو الذي حاصر تِلِمْسان بعد السبع مئة مدة طويلة، فقُتل بظاهرها، وَثَبَ عليه الخادمُ الأسود على فراشه ففَتَك به بمُواطَأة من أخيه أبي بكر وكاتبِ سرِّه عبد الله بن أبي مدين في ثاني عشر ذي القَعدة سنة خمس وسبع مئة، ويقال: في سنة سبع، وتسلطن بعده حفيدُه عامر بن عبد الله، ثم مات مسمومًا بطَنْجةَ بعد سنة ونصف، وتسلطن بعده أخوه أبو الرَّبيع سليمان بن عبد الله، وكانت دولته ثلاث سنين، ومات على رِباط الفتح، وتسلطن الملقَّب بأمير المؤمنين عمّ أبيه أبو سعيد عثمان ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق فامتدَّت أيامُه.

стр. 538

٥٦٥ - الفَزَاري * الشيخ الإمام، المُقرئ المجوِّد، المحدِّث المفيد، النحويُّ البارع، فخر الخطباء، شرف الدين أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن سِباع بن ضياء، الفَزَاري، الصَّعيدي ثم الدمشقي، الشافعي، خطيب دمشق. وُلد في رمضان سنة ثلاثين وست مئة. وتلا القرآنَ بثلاث روايات على السَّخاوي، وسمع منه كثيرًا، وتلا بالسَّبع على غير واحد، وأحكَمَ العربيةَ على المجد الإربِلِي، قرأ عليه كتاب "المفصَّل". وسمع من: عَتيق السَّلْماني، والتاج القُرطبيّ، ونجم الأمناء عبد الرحمن بن علي، وأبي عمرو بن الصَّلاح، وعدَّة. ثم طلب الحديثَ بعد سنة ستين، وأكثر عن ابن عبد الدائم والكرماني وابن أبي اليُسر، وقرأ الكتب الكبار، وقرأ "المسند" على شيخ الشيوخ (١). وكان مليح القراءة، عَذْب العِبارة، حسن الصوت، فصيحًا، مُسرعًا، محرِّرًا للألفاظ، عديم اللَّحن بصيرًا بالعربية، تخرَّج به عدةٌ من الفُضَلاء، وله يد في اللغة، ومشاركة في الرِّجال، وعِلمٌ قويٌّ بالتفسير، مع التواضع والتودُّد والكَيْس والدُّعابة، وكان ينطوي على دين وصدق وخير، وله ودٌّ في القلوب. أخذ عنه النحوَ ابن أخيه الشيخ برهان الدين، وكمال الدين الشَّهْبيّ،

стр. 539

والخطيب نجم الدين القحفازي، وجماعة. وحدَّث بـ "الصحيح" بإجازته من ابن الزَّبيدي. وليَ مشيخةَ الرِّباط الناصري ومشيخةَ التُّربة العادلية مدة، ثم وليَ خطابة جامع الشاغُور ثم نُقل إلى خطابة البلد. وتلا عليه الشيخ محمد البالِسي، وبدر الدين بن بَصْخان، وقرأ على الكَرَاسيّ، وقد حدَّث بـ "السُّنن الكبير" للبَيهَقي. تُوفّي في العشرين من شوال سنة خمس وسبع مئة. ٥٦٦ - سُنْقُر بن عبد الله * الشيخ المُسنِد، الخيِّر المعمَّر، علاء الدين أبو سعيد الأرْمَنيّ ثم الحلبيّ، القضائي، الزّيْنيّ. وُلد في حدود سنة ثمان عشرة وست مئة. وجُلب إلى حلب في أول سنة أربع وعشرين وست مئة، فاشتراه قاضي حلب زين الدين ابن الأستاذ، وسمع مع أولاده كثيرًا، وكتبوا له في صَفَر وأنه لا يفهم بالعربيِّ (١)، ثم سمع في سنة خمس، وبعدها سمع من الموفَّق عبد اللطيف اللُّغَوي، وعزّ الدين بن الأَثير، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شدّاد، وأبي الحسن بن رُوزْبة، وجماعة، وسمع "الثُّلاثيات" بدمشق من ابن الزَّبيدي، وسمع ببغداد من الأنْجَب الحَمّاميّ، وعبد اللطيف بن القُبَّيْطيّ، وجماعة، وبمصر من عبد الرّحيم بن الطُّفيل.

стр. 540

وعُمِّر وتفرّد، وروى الكثير، وما حدَّث إلَّا ببعض مرويّاته، وكان قد أكثر عن ابن خليل، وسمع منه "المعجم الكبير" بكماله. ارتحلتُ إليه أنا والمُقاتِلي، وكان طويل الرُّوح، فيه سكون وحياء ومُروءة، كان لنا عليه في اليوم والليلة ثلاثة مواعيد، وكانوا يُثْنون عليه، وكان يقول: أُحضِرتُ إلى حلب ولي خمس سنين. وخرَّجتُ له "مشيخة"، وخرَّج له أبو عمرو المُقاتِلي أخرى، وأكثَرَ عنه ابن حبيب وولداه. توفّي في تاسع شوال سنة ست وسبع مئة بحلب. وفيها مات كبير الأمراء المجاهدين أمير سلاح بدر الدين الصالحي، والخطيب شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ابن إمام الكلّاسة، والنَّصير عبد الله بن عمر الفارُوقي الشافعي مدرس المستنصريّة، وخطيب بيت لِهْيا بهاء الدين يحيى بن زياد الحَرّاني، والقاضي تاج الدين صالح الجَعبَري، وصدر العراق جمال الدين إبراهيم السَّوامِلي، ومدرس النَّجيبية ضياء الدين عبد العزيز بن محمد بن علي الطُّوسي شارح "الحاوي"، ومدرِّس الزَّنْجِيليّة بدر الدين يوسف ابن القاضي تاج الدين محمد بن وثّاب بن البَجِيليّ، وشيخ اليُونُسِيَّة الصدر سيف الدين الرُّجَيحيّ بن سابق بن هلال ابن الشيخ يونس القُنَيِّي، وعلاء الدين علي بن مظفَّر الكتّاني الغَزُوليّ المحدِّث، والقُدوة العابد أبو عبد الله بن مطرِّف الأندلسيّ الذي جاوز ستِّين سنة، والطَّوَاشيُّ الأمير شمس الدين صَواب السُّيلي بالكَرَك في عَشْر المئة، والصدر بدر الدين محمد بن فضل الله بن مُجلِّي العَدَويّ الموقِّع أحد الإخوة روى عن الرَّشيد العِراقي، وناظر الزكاة علاء

стр. 541

الدين علي بن حسن بن عمرون الحلبي، والصدر عزيز الدين يحيى بن الفخر عمر بن يحيى بن الكَرَجي الكاتب روى عن ابن البرهان، ونائب حمص سيف الدين الجوكندار المنصوري، والإمام يحيى بن منظور الإشبيلي، والأمين أبو بكر محمد بن عبد الله بن عبيدة النَّحْوي الأنصاري الإشبيليّ، وكلاهما قرأ على الدَّبّاج. ٥٦٧ - الصَّرْصَرِيّ * رئيس العراق، ظَهير الدين محمد بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد السيد بن محاسن، الصَّرْصَريّ، الحنبلي. صدر معظَّم في دولة أبغا ومن بعده، وافر الجلالة، محترم الجَناب، معه فَرَمانٌ كان لأبيه بهاء الدين حسن من هولاكو، فسَلِمَ هو وأقاربه وجماعة أصدقائه الصَّراصرة وغيرهم، لأنه كان يتَّجر إلى خراسان فعرفوه. مولد الظَّهير سنة اثنتين وخمسين وست مئة ببغداد. وكان ذا مروءة وجُود ومكارم، وأموال وجاه عريض، يزور الصالحين ويَصِلهم ويذلّ لهم، وبيته بيت كبير قديم، وله مطالعة في العلم ومشاركة، كان يتردَّد إليه حكّام البلد فيُتحِفهم ويتفضَّل، وكان عليه رواتب من الغَلَّة والكِسْوة تبلغ في العام من القمح سبعةَ عشر كُرًّا، فالكُرُّ: سبعة آلاف وثمان مئة رِطْل بالبغداديّ، ولعلّه يجيء اثنتي عشرة غِرارة، ويُخرج من الشعير نحو عشرين كُرًّا، وأياديه كثيرة، كان يُفطِّر كلَّ ليلة من رمضان مئةً من فقير وفقيه.

стр. 542

وعمل لأبيه لمَّا مات في سنة سبع وسبعين وست مئة تربةً فاخرة وأوقف عليها أملاكًا كثيرة، وأنشأ قَنطرةً ومسجدًا وأماكن، غَرِمَ عليها سبعة عشر ألف دينار. وبين صَرْصَر وبغداد فرسخان وزيادة، وكان له نحوٌ من عشرين ضَيْعة، معه مرسوم بأن لا يؤدِّي عنها شيئًا، وكان له نوّاب ووكلاء من أكابر بغداد كالظهير الكازَرُونيّ، وابنه الجَمَال محمد، وابنه الشرف أحمد، وكان على بابه نحو من عشرة خدّام، ولما مرض عادَه متولِّي العراق آدينة، وقد تزوَّج بالسيدة زُبيدة بنت الملك هارون ابن الوزير الجُوَيني فأصدَقَها اثني عشر ألف مِثقال. اتَّفق أنَّ غلامين له قتل أحدُهما الآخر، فأسرع الخروجَ إليهما، فضربه القاتل بسكُين في خاصرته مات بعد ليلة، لكونه وَعَدَه بزواج بنت جارية له ثم صَرَفَها إلى الغلام المقتول. وتوفّي على توبة وإنابة في شوّال سنة ست وسبع مئة كهلًا، وشيَّعه النائبُ آدينة والكُبراء، نقلتُ أخباره من خطِّ الشَّرف ابن الكازَرُوني. ٥٦٨ - الذَّهَبي * المُسنِد الأَصيل، شمس الدين أبو الفضل، محمد بن يوسف بن يعقوب بن أبي طاهر، الإربِليّ ثم الدِّمشقي، الذَّهَبي. ولد سنة أربع وعشرين وست مئة.

стр. 543

وأجاز له أبو محمد بن البُنّ وجماعة، وسمع من: المُسلَّم المازِنيّ، وأبي نصر بن عساكر، وابن الزَّبيدي، وابن اللَّتِّي، ومُكرَم، والزَّكي البِرْزاليّ، وعدة. خرَّجت له "مشيخةً" ثم ذيَّلتُ عليها، وكان مكثرًا. سمع "السنن الكبير" للبيهقي في سنة اثنتين وثلاثين من المُرْسيّ. وكان شيخًا عاميًّا يتبرَّمَ بالتحديث. سقط من سُلَّم فمات لوقته - ورُحِمَ إن شاء الله تعالى - في رمضان وهو صائم سنة أربع وسبع مئة، تفرَّد بأشياء، وبلغ الثمانين. ٥٦٩ - ابن بَهْرام * العلّامة، قاضي حلب ومُفتيها وخطيبها، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن محمد بن بَهْرام، الدِّمشقي، الشافعيّ. وليَ القضاءَ مدة طويلة، وقد تفقَّه بمصر على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وبرع في المذهب وتصدَّر، وخرَّج له الأصحاب. وكان محمودَ الأحكام على ضِيق في خلقه، صلَّيتُ خلفه الجمعة، وعُدْتُه في مرضته، وكان قد صُرِف من الحُكْم بابن قاضي الخليل، لكونه كان يخالف قَراسنقر في أغراضه. مات في جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة، وله ثمانون سنة.

стр. 544

٥٧٠ - ابن السَّوَامِلي * الصَّدْر الكبير الأكمل، رئيس العراق، جمال الدين إبراهيم بن محمد بن سعدي، الطَّيبِي السَّفّار، المشهور بابن السَّوَامِليّ. كان أبوه يعمل في السَّوامِل، وهي أوعية من خَزَف، فسافر هذا وله مال يسير، وأبعَدَ إلى الصين، ففُتِح عليه وتموَّل إلى الغاية، ثم قبَّله حاكم العراق بلادًا كِبارًا، فكان يؤدِّي المقرَّر لهم ويَرفُق بالرعيّة، ثم صار بنوه ملوكًا. وكان ينطوي على دين وكرم، وبرٍّ واعتقاد في أهل الخير. كان يحمل إلى الشيخ عز الدين الفاروثي في العام ألف مثقال، ثم مالت عليه التتارُ بالأخذ حتى تَضعضَعَ حاله وقلَّت أمواله، وكان جدُّه من بلد الطِّيْب، فانتقل لمَّا دثرت الطِّيب إلى واسط يعمل السَّوَامل بها، ثم تحوَّل ابنه إلى بغداد زمن الخليفة الناصر فتزوَّج، ثم وُلِد له جمال الدين، ثم تقيُّ الدين محفوظ. فتعلَّم الجمالُ ثَقْبَ اللؤلؤ وبَرَع بها، وجمع دراهم، وقدم واسط فصحب الفارُوثي، فرُويَ عنه أنه قال: ركبتُ أنا وأخي بحر الهند، وغِبْنا فلم نرجع إلا ونحن لا نُحصي أموالًا كَسِبناها، ثم سافرنا إلى الزّنْج، ثم إلى الصِّين وإلى الخَطَا، وأقام أخي بالمعبر فوَزَرَ لصاحبها، واتّصلتُ أنا بصاحب شِيْراز، ثم توكَّلتُ له وجاءني أولادٌ نُجباء، ثم نزل الوقت بموكِّلي وافتقر ورَكِبَه دَيْن حتى مشى مرةً معي وأنا راكب، ومات سنة سبع مئة.

стр. 545

قلت: رُدّ أمرُ بغداد والبصرة في دولة قازان إلى ابن السَّواملي، وعَسَفُوه في المطالبة حتى إنه قال لصاحبنا ابن مُنْتاب: ما بقي لي شيء سوى هذا الحَبّ، وأراني حبًّا بثمانين ألف دينار، فبعثه إلى الصين، فكَسِبَ الدرهم تسعة دراهم. توفي جمال الدين سنة ست وسبع مئة. وقد وليَ ابنه سراج الدين عمر نيابةَ المُلك بالمعبر، وصار ابنه محمد ملك شِيْراز، وابنه عز الدين كان كافلَ جميع ممالك فارس في حدود السبع مئة. ٥٧١ - السَّيف المَنْطِقيّ * العلّامة، سيف الدين أبو الروح عيسى بن داود، البغدادي الحنفي، المصنِّف. أخذ الجَدَل عن البدر الطويل، والفخر بن البديع، وتفقَّه وشارك وبَرَع في المنطق. وكان متواضعًا ساكنًا مقتصدًا سَمْحًا، لطيف الشكل، حُلْو المجالسة، تخرَّج به طائفة كقاضي القضاة تقي الدين السُّبْكي، وشرح "الموجز" أملاه من حفظه، و "الإرشاد" كذلك، وسكن مصر. قال السُّبْكي: قال لي: كان لي وقتَ بناء المستنصريّة سبع سنين أو ثمان، ووُلِدتُ بخوارزم، وقال له أيضًا في سنة خمس وسبع مئه: لي تسعون سنة، فهذا تناقضٌ منه.

стр. 546

توفّي سيف الدين في جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة بالقاهرة. ٥٧٢ - ابن حِنّا * المولى الصاحب، شرف الوزراء، تاج الدِّين أبو عبد الله، محمّد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم، المصريّ، ولدُ الصاحب محيي الدين بن الوزير بهاء الدين بن حِنّا. مولده سنة أربعين وست مئة. وسمع من سِبْط السِّلَفي "جزء الذُّهْلي"، وسمع من الشَّرف المُرْسي، وبدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر. وله النظم والنثر، وشِعره مدوَّن. حدَّث بدمشق ومصر، وانتهت إليه رياسة عصره بمصر، وكان ذا تَصَوُّن وسُؤدَد، وشكل حسن ومكارم. توفّي في جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة. كتبتُ عنه، وروى عنه أبو حيّان، وقال: كان محبًّا للفقراء كثير الصدقة، والتواضع، متناهيًا في المَطعَم والمَلبَس والنِّكاح والمسكن، جالستُه، تمرَّض وطال مرضُه، وأنشدني لنفسه. ٥٧٣ - إمام الكَلّاسة ** خطيب دمشق، الإمام المفتي، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان بن سِياوش، الأرْمَني الخِلّاطيّ ثم الدِّمشقي، الشافعي.

стр. 547

وُلد سنة أربع وأربعين وست مئة. وجوَّد الختمة على أبيه وغيره، وتفقَّه وكتب المنسوبَ (١). وسمع من: ابن عبد الدائم وجماعة، وكتب الطِّباق. ونشأ في صَوْن وفضل، وكان ينطوي على خير وعبادة، له سَمْت وصَمْتٌ، وشكل تامٌّ حسن، وصوت مُطرِب، أمَّ زمانًا بالكَلّاسة، ثم خُطِبَ إلى الخطابة بعد شيخنا شرف الدين، فوليَ دون السَّنة. سمعتُ منه "جزء ابن عرفة". توفّي فجأةً في ثامن شوال سنة ست وسبع مئة، وقد ناب في تدريس الغَزَّالية وقتًا، ودخل عليه لصٌّ نَوْبةً فجَرَحه وقَتَل ولده. وتوفّي والده إمام الكلاسة أيضًا الزاهد المقرئ تقيُّ الدين صاحب السَّخاوي في رمضان سنة إحدى وسبعين وست مئة، حدَّثَنا عنه أبو الحسن بن العطّار، ﵀. ٥٧٤ - ابن أبي القاسم * الشيخ الإمام العالم الفقيه، المحدِّث الصالح، بقيَّة المشايخ، مُسنِد العراق، شيخ المستنصريّة، رَشيد الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي القاسم عبد الله بن عمر بن أبي القاسم، البغدادي، المقرئ الحنبليّ، الناسخ. ولد سنة ثلاث وعشرين وست مئة.

стр. 548

وسمَّعه والده الكثير من عمر بن كَرَم، والحسن ابن الأمير السيِّد، والشيخ شهاب الدين السُّهرَوَرديّ، وزكريا العُلَبيّ، وابن رُوزْبة، وابن بَهْرُوز، وعدَّة. وتفرَّد بالعَوَالي، ورُحِلَ إليه. وكان بديع الخطِّ، كامل العقل، متين الدِّيانة، موصوفًا بالفضل والصِّيانة. أخذ عنه: ابن الفُوَطي، والفَرَضيّ، وابن سامةَ، وسراج الدين القَزْويني، وشمس الدين بن خلف، وجماعة، وكتب إلينا بمرويّاته. باشر المشيخةَ بعد الكمال الفُوَيْرِه. توفّي في أول رجب أو قبله بيسير سنة سبع وسبع مئة، وكان من عِلْية مشايخ العلم. وفيها مات كبير الشافعية بتِبريز شمسُ الدين العُبَيدي، وأقضى القضاة جمال الدين محمد بن عبد العظيم السَّقَطيّ، ومقدَّم الجيش ركن الدين بَيْبَرس الصالحي الجالق، وشهاب الدين بن مُشرَّف، والمولى جمال الدين محمد بن أحمد بن الجُوخِيّ، وتاج العرب بنت المُسلَّم بن علّان، وشيخنا يحيى بن محمّد المكِّي بها، وخَطْلُو الأشرفيّ، والمعمَّر يونس بن أحمد الدِّمشقي المؤذِّن، وقاضي طرابُلُس شمس الدين أحمد بن أبي بكر الإسكندري، وخلقٌ سواهم. ٥٧٥ - ابن مُشرَّف * الشيخ الجليل، المُسنِد المعمَّر، شهاب الدين محمد بن أبي العزِّ بن مشرَّف بن بَيَان، الأنصاريُّ، الدمشقيُّ البَزّاز، شيخ الرواية بالدار الأشرفية.

стр. 549

روى "الصحيح" غير مرة عن ابن الزَّبيدي، وحدَّث أيضًا عن ابن صَبّاح، والناصح (١)، وابن المقيَّر، ومُكرَم، وابن باسَوَيْه، وتفرَّد في وقته. وكان حسن الإصغاء، جيّد الخطّ، أخذوا عنه يبعلبك ودمشق وطرابلس وأماكن، وعاش تسعًا وثمانين سنة. توفّي في ذي الحِجّة سنة سبع وسبع مئة. ٥٧٦ - ابن الطَّبّال * الشيخ الجليل العالم، المُسنِد المعمَّر، عماد الدين أبو الفضل، إسماعيل بن عليّ بن أحمد بن إسماعيل، البغداديّ الأَزَجيُّ، الحنبليُّ، شيخ الحديث بالمُستنَصريّة بعد ابن أبي القاسم. ولد في صفر سنة إحدى وعشرين وست مئة. وسمع حُضورًا من أبي منصور بن عُفَيْجة في سنة أربع (٢)، وسمع "جامع أبي عيسى" من عمر بن كَرَم بإجازته من الكَرُوخيّ، وسمع من أبي الحسن بن القَطِيعيّ، وابن رُوزْبة، وجماعة. أخذ عنه: الفَرَضيُّ، وابن الفُوَطيّ، وابن سامة، وسراج الدين القَزْوينيّ، وابن خلف، وعدّة. مات في شعبان سنة ثمان وسبع مئة. أجاز لنا، وسمع "صحيح البخاري" من القَطِيعيّ.

стр. 550

٥٧٧ - بنت سليمان * الشيخة الصالحة، المُسنِدة المعمَّرة، أم عبد الله فاطمة بنت المقرئ المحدِّث سليمان بن عبد الكريم بن عبد الرحمن الأنصاري الدِّمشقي. سمَّعها والدها الشيخ جمال الدين من المُسلَّم بن أحمد المازِنيّ، وكَريمة القرشية، وأبي القاسم بن رَوَاحة. وأجاز لها من العراق: الفتح بن عبد السلام، وأبو منصور بن عُفَيجة، وجماعة، ومن دمشق أبو القاسم بن صَصْرَى وغيره. وروت الكثير بالإجازة، وتفرَّدت عن المذكورين بالإجازة، وكانت آخر من روى عن المازِنيّ. سمع منها: المُحِبّ، والواني، والسُّبْكي، وعدّة. توفِّيت في ربيع الآخر سنة ثمان وسبع مئة. ولم تتزوَّج قطُّ، ولها مِلْكٌ يقوم بأمرها، حضَّرتُ ابني عبد الله عليها. ٥٧٨ - المَوازِينيّ ** الشيخ المقرئ، الصالح الحاجّ، بقيَّة المسنِدين، شمس الدين أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن سالم، السُّلَمي، المِرْداسيّ الدِّمشقيُّ، ابن المَوازِينيّ. ولد سنة خمس عشرة وست مئة تقريبًا، وسماعُه في سنة اثنتين وعشرين وست مئة وبعده، إذ كان عند المُلقِّن.

стр. 551

سمع أبا القاسم بن صَصْرَى، والبهاء عبد الرحمن، وتفرَّد بالرواية عنهما، وسمع من إسماعيل بن ظَفَر، وأبي سليمان بن الحافظ، والشيخ الضياء، وعدَّة. ووَرِثَ من أبيه ثروة وعَقارًا، وجاور مدّةً، وأنفق في البِرِّ والقُرَب، ثم أعطى ملكَه لابنته وبقَّى لنفسه كل يوم درهمين، ولَبِسَ العَسَليَّ وتزهَّد. سمعنا منه كثيرًا، وقد حجَّ في سنة خمس وسبع مئة وحدَّث بالحرم، ثم انحَطَم، وثَقُل سمعُه وضعُفَ بصرُه، سكن بكَفْر سُوسِيَّة ثم بتلتياثا (١)، وحدَّث عنه ابن الخبّاز وعامّة الطلبة. توفّي في نصف ذي الحِجة سنة ثمان وسبع مئة بقرية تلتياثا. ٥٧٩ - ابن سامَةَ * الشيخ الإمام الفقيه، المحدِّث الحافظ المتقِن، الصالح الخيِّر، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الرحمن بن سامَةَ بن كَوكَب بن عزّ بن حُميد الطائيّ، السِّنْبِسيّ، السَّوَادي ثم الدِّمشقي الصالحيّ، الحنبلي، نزيل القاهرة. وُلد سنة اثنتين وستين وست مئة. وسمَّعوه حضورًا من ابن عبد الدائم، وطلب لنفسه فسمع من ابن أبي عمر، وابن الدَّرَجيّ، والكمال عبد الرحيم، وأصحاب حَنبَل والكِنْديّ. وارتحل فسمع بمصر من العزِّ الحَرّاني، وابن خطيب المِزَّة، وغازي

стр. 552

الحَلَاويّ، وببغداد من الكمال الفُوَيْرِه وعِدّة، وبواسط وحلب والثَّغر. وانتهى إلى أصبهان، فما أحسبه ظَفِرَ فيها برواية، وقرأ الكثير من الأُمّهات وانتفع به الطلبةُ. وكان فصيحًا سريع القراءة، حسن الخطِّ، له مشاركة في أشياء، وفيه كَيْسٌ وتواضع وعِفّة مع الدِّين والتلاوة والأوراد، تزوَّج بأخَرَة. ثم توفي في ذي القَعدة أو ذي الحِجة سنة ثمان وسبع مئة ﵀. سمعنا بقراءته كثيرًا وسمعنا منه. كان عمُّه الشيخ شهاب الدين أحمد ابن سامة محدِّثًا عَدْلًا شُروطيًّا، نسخ الأجزاءَ وحمل عن ابن عبد الدائم وعدَّة، ومات بعد السَّبع مئة. ٥٨٠ - الحَلْبُوني * الشيخ الزاهد العابد القُدوة، أبو عمرو عثمان الصَّعيدي، المعروف بالحَلْبُونِي، لإقامته مدّةً بحَلْبُون. رأيته شيخًا مَهِيبًا حسن السَّمْت، قليل الشَّيب، محفوظ الوقت، فيه تألُّهٌ وصِدق، وتُؤثَر عنه حال وتوجُّه وتأثير. أقام مدة ببَعلَبَكّ ومدة ببَرْزَةَ وبها توفّي، فطلع إلى جنازته ملك الأمراء الأفرم والقضاة. توفّي في المحرَّم سنة ثمان وسبع مئة. وكان قانعًا متعفِّفًا، حسن الاعتقاد، قد ترك الخُبز من سنين عدَّة، ويقول: إنه يتضرَّر بأكله، حضرتُ معه دعوةً ودعا لنا.

стр. 553

٥٨١ - ابن الحُبُوبي * الشيخ المُسنِد، جمال الدين إبراهيم بن عليّ بن محمد بن أحمد بن حمزة بن علي الحُبُوبي، الثَّعْلَبيّ، الدِّمشقيّ. من بيت الرِّواية والعدالة. سكن مصر وروى بها، وبدمشق عن أبي المُنجّى ابن اللَّتِّي، وبالإجازة عن محمود بن مَنْده، ومحمد بن عبد الواحد المَدينيّ، وكان فرّاشًا مُعتبَرًا. توفّي في شوّال سنة ثمان وسبع مئة. سمعت منه أنا وسائر الطلبة، من أبناء الثمانين. ٥٨٢ - السَّرُوجيّ ** الإمام الأوحد قاضي القضاة، شيخ المذهب، شمس الدين أبو العباس، أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، السَّرُوجيُّ، الحنفي، صاحب التصانيف. كان أحد الفقهاء الأذكياء، وتواليفه دالّةٌ على ذلك، عاش ثلاثًا وسبعين سنة، عزله السلطان من الحُكْم لا لنقصٍ فيه، بل لقيامِه في دولة الشاشنكير إذ تملَّك فصُرِف، وطُلِب ابن الحَريري من دمشق ووليَ مكانه، فاتفق أنَّ السَّرُوجيَّ جاءه الأجلُ بعد عزله بأيام قلائل دون الشَّهر. وكان نبيلًا، وَقُورًا، كثير المحاسن. توفّي في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة عشر وسبع مئة. وما أظنُّه روى شيئًا من الحديث، وله ردٌّ على شيخنا ابن تَيميّة بسَكِينة

стр. 554

وصحَّة ذهن، ثم ردَّ الشيخُ على ردِّه، وما زال الفضلاءُ يختلفون قديمًا وحديثًا في الأصول والفروع، لكنهم متَّفقون على الأصل الكبير، وهو توحيد الحقِّ وتمجيده والإيمان به وبصفاته وأسمائه المقدَّسة من حيث الجُمْلة، وقد يختلفون في تفاصيلَ بعد ذلك، واللهُ الموفِّق. ٥٨٣ - ابن الزُّبَير * الإمام العلّامة، المقرئ الحاذِق، المحدث الحافظ، المفتي البارع، عالم الأندلس، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزُّبير بن محمد بن إبراهيم بن الزُّبير بن عاصم، الثَّقَفيّ العاصِميّ، الأندلسيّ الغَرْناطيّ، المقرئ المحدِّث النحوي، صاحب التصانيف. مولده في سنة سبع وعشرين وست مئة. وطلب العلم في حَدَاثته، وتلا بالسَّبع على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الشاري صاحب أبي عبيد الله الحَجْريّ، وعلي أبي الوليد إسماعيل بن يحيى الأَزديّ العطار، صاحب ابن حَسْنون الحِمْيَريّ. وسمع في سنة خمس وأربعين من: سعد بن محمد الحَفّار، وأبي زكريا يحيى بن أبي الغُصْن، وإسحاق بن إبراهيم بن عامر الطَّوْسيّ - بفتح الطاء - ومحمد بن عبد الرحمن بن جوبر - بجيم مَشُوبة بشين - البَلَنسيّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الكمّاد الحافظ، والوزير أبي يحيى عبد الرحمن بن عبد المنعم بن الفَرَس، وأبي الحسين أحمد بن محمد السّراج، والمؤرِّخ أبي العباس أحمد بن يوسف بن فَرْتُون، وأبي الخطّاب محمد

стр. 555

ابن أحمد بن خليل السَّكُوني الكاتب، والقاضي أبي عبد الله محمّد بن عبد الله الأزديّ، والقاضي أبي زكريا يحيى بن أحمد بن عبد الرحمن بن المُرابِط، والحافظ أبي يعقوب المَحَسّاني، وطائفة سواهم. وارتحل إلى بابِه العلماءُ لسَعَة معارفه، قال أبو حيان: كان يُحرِّر اللغة ويُعلِّمني النُّطق بها، وكان أفصحَ عالم رأيتُه، وأشفقَه على خلق الله تعالى، أمّارًا بالمعروف، وله صبرٌ على المِحَن، ما كان يضحك إلَّا تبسُّمًا، وكان ورعًا عاملًا، له اليد الطُّولى في علم الحديث والعربية والقراءات، ومشاركة في أصول الفقه، صنَّف فيه وفي علم الكلام والفقه، وله كتب كثيرة وأُمّهات، وله إيثار وبِر وخير. قلت: ومن مسموعاته "السُّنن الكبير" لأبي عبد الرحمن النَّسَائي، سمعه من أبي الحسن الشارِيّ بسماعه له من أبي محمد عبيد الله الحَجْريّ عن أبي جعفر البِطْرَوْجيّ، سماعًا متّصلًا بينه وبين المصنف سِتَّة، وعُنيَ بالحديث أتمَّ عناية، ونَظَرَ في الرجال، وفَهِم وأتقن، وجمع وألَّف، وعمل تاريخًا للأندلس ذيَّل به على "الصِّلة" لأبي القاسم بن بَشْكُوال، طالعتُه وعَلّقتُ منه جملة، سادَ أهل غَرْناطةَ في معرفة القراءات وعِلَلها، ومعرفة أسانيدها، وأَحكم العربية، وأقرأَها مدة طويلة، وكان رأسًا فيها. أخذ عنه: الإمام أبو حيّان، وأبو القاسم محمد بن سهل الوزير، وأبو عبد الله محمد بن القاسم بن رمّان، والزاهد أبو عمرو بن المُرابِط، وأبو القاسم بن عِمران السَّبْتيّ، وخلق كثير في فنون العلم. رأيت خطّه بالإجازة لابن سهل بالسَّبع، وهي مصدَّرةٌ بخطبة بديعة مؤنَّقة من عمله. توفِّي في ثاني ربيع الأول سنة ثمان وسبع مئة، وله إحدى وثمانون سنة،

стр. 556

ولم يخلِّف بتلك الديار مثلَه. ومات فيها مسند دمشق أبو جعفر محمد بن علي السُّلمي المَوَازينيّ، والمعمَّرة أم عبد الله فاطمة بنت سليمان الأنصارية الدمشقية، وشيخ المُستَنصريّة عماد الدين إسماعيل بن علي بن الطَّبّال عن ثمانٍ وثمانين سنة، ومحدِّث مصر الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن سامة الطائيّ، ومقرئ دمشق جمال الدين إبراهيم بن غالي البَدَويُّ، والشيخ عثمان الحَلْبُوني الزاهد، وعَفيف الدين محمد بن علي بن عبد الجبار البابشَرْقيّ، وشهاب بن علي المُحْسني، وعبد الغفار بن بُصْلَا البغداديّ، وعلي بن عثمان بن عِنَان الطِّيبيّ، وأمين الدّين بن شُقير، ونقيب الأشراف زين الدين حسين بن عدنان الحُسَيني، وأبو الحرم ابن رشيد الصالحي، والجَمَال يوسف بن محمد العزّازي المُنشِد، ورئيس الأطباء العَلَم ابن أبي خليفة، قيل: بلغت تركته ثلاث مئة ألف دينار، والشيخ علي بن إلياس القوّاس الحنبلي، وشيخ الحَيدَرية محمد المَشْرقي بداره بالعُقَيبة، وقاضي نابلس الفخر عثمان بن أحمد الزُّرَعي الأعرج، والفخر محمد بن محمد بن علي القَسطلّاني، وطُغريل الدَّواداري، والشَّرَفُ عبد الله ابن الشيخ، وولده صلاح الدين محمد، والمولى عماد الدين سعيد بن ريّان الطائيّ الكاتب ناظر حلب، وشيخ الحَرَم ظَهير الدين ابن مَنعة. ٥٨٤ - المُخَرِّميّ * الشيخ المُسنِد، المقرئ المعمّر، شرف الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن

стр. 557

أبي الحسن بن صدقة بن إبراهيم البغداديّ المُخرِّميّ ثم الدِّمشقي. وُلد بدمشق سنة أربع وعشرين وست مئة. وسمع من: ابن اللَّتِّي، وأبي نصر بن عساكر، وأبي الحسن بن المقيَّر، ومُكرَم بن أبي الصَّقْر، وجعفر الهَمْداني، وأجاز له ابن صبّاح، والناصح، وأبو الوفاء محمود بن مَنْده. تفرَّد وروى الكثير، وكان رجلًا جيِّدًا، حسن الأخلاق خيِّرًا، يؤمُّ بمسجدٍ ويُقرئ الصغار، وله حَلْقة. توفي في رمضان سنة تسع وسبع مئة. سمعنا عليه بكَفْر بَطْنا. أخذ عنه: المِزّي، والبِرْزاليّ، والواني، وبنو الفخر، والمُحِب، وابن العَلَم، والسُّبْكي، وحَضَره ولدي عبدُ الله. وفيها مات بمكة المجاوِر الصالح المُعمَّر أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن الحَمَّاميّ البغداديّ في جمادى الآخرة من أبناء التسعين، سمع من قرابته الأنجبِ بن أبي السعادات والمعمَّرُ شمس الدين يوسف بن أبي بكر بن صَعْنِين الراوي كتاب "ذمّ الكلام" عن ابن بَهْروز، والعَدْل المُعمَّر بدر الدين حسن بن أحمد بن عطاء الأَذْرَعيّ الحنفي حدَّثنا عن ابن الزَّبيدي، والعَدْلُ نبيه الدين أبو علي حسن بن حسين بن جبرائيل الأنصاري المصري عن ثمانين سنة سمع ابنَ المقيَّر وغيره، ومؤذِّنُ القلعة الشيخ عليّ بن جعفر الحلبي حدثنا عن ابن قُمَيرة، والمولى شرفُ الدين إسماعيل ابن خطيب دمشق مُحْيي الدين أحمد بن يحيى بن عبد السلام، وشيخنا الإمام شمس الدين محمد بن أبي الفتح البَعْلي، وقاضي القضاة الحنبلي شرف الدين عبد الغني بن يحيى الحَرَّاني بمصر، وكبير المؤذِّنين نجم

стр. 558

الدين أيوب بن سليمان المصري مؤذن النَّجِيبيّ، ونائب بغداد الأمير آدينة، وشمس الدين الأعسر المنصوري من كبار الأمراء، وشيخ الشاذِليّة الواعظ تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندري، وست الفخر بنت عبد الرحمن بن الشِّيرازي، والشهاب غازي الدِّمشقي المُجوِّد، وشرف الدين حسن بن الكمال الضَّرير، وشُهْدة بنت الصاحب عمر بن العَديم بحلب، والمظفَّر بَيبَرس قُتل وعِدَّة من أعوانه الأمراء وسُجِن آخرون. ٥٨٥ - ابن أبي الفتح * الإمام العلّامة المفتي، المحدِّث المُتْقن، النَّحوي البارع شيخ العربية، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل بن بركات، البَعْليّ، الحنبليّ. وُلد سنة خمس وأربعين وست مئة. وسمع من: الفقيه محمد اليُونينيّ، وابن عبد الدائم، والكِرماني، والعِزّ حسن بن المُهَير، وابن أبي اليُسْر، ومَن بعدَهم. وعُنِيَ بالرواية، وحصَّل الأصول، وجمع وخرَّج، وأتقن الفقه، وشرح في النحو، وصنَّف شرحًا كبيرًا لـ "الجُرْجانية". أخذ عن ابن مالك ولازَمَه، وحدَّث بمصر ودمشق وطرابلس وبَعلَبَكّ، وتخرَّج به جماعة، وانتفعتُ به ورافقتُه في السفر، وكان إمامًا ديِّنًا متعبِّدًا، متصوِّفًا من يومه، متواضعًا رَيِّضَ الأخلاق، تاركًا للتكلُّف، مُديمًا للاشتغال

стр. 559

والتعليم، كثير المحاسن. كان شيخُنا أبو الحسن بن حموة يحترمه ويُثني عليه، قال مرة: هو جبل عِلم يمشي. قلت: كان جيِّد الخبرة بألفاظ الحديث، مشاركًا في رجاله. ذهب إلى مصر في تحصيل معلوم فدخلها مريضًا، وحُضِر فتوفِّي إلى رحمة الله تعالى بالمنصوريّة في المحرَّم سنة تسع وسبع مئة، ودُفن بمقبرة الحافظ عبد الغني، وتأسَّفوا عليه كثيرًا. حَمَل عنه: البِرزاليُّ، وأبو حيَّان، وابن مظفَّر، والواني، والصَّلاح العلائي، وخلْقٌ. ٥٨٦ - ابن عطاءِ الله * الشيخ الزاهد، المذكَّر الكبير، تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندراني، تلميذ الشيخ أبي العباس المُرْسي، صاحب الشاذليّ. رأيته بالإسكندرية فيما أُرى، وكان يتكلَّم على الناس ويقول أشياء نافعة، وله عبارة عَذْبة، وفيه صِدق، وله مشاركة في الفضائل، ولكنه كان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين بن تَيميَّة، ورأيت الشيخ تاج الدين الفارِقي لمّا رجع من مصر معظِّمًا لوعظه وإشاراته. مات كهلًا في سنة تسع وسبع مئة، وكانت جنازته مشهودة ﵀، وله جلالة عَجيبة ووَقْع في النفوس.

стр. 560

٥٨٧ - الزَّانكيّ * الحاجّ الصالح، المعمّر المجاوِر أكثرَ زمانه بمكّة، أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن محمد، البغدادي الحَمّامي. رأيت شيخَنا الدَّبَاهِيَّ يُثْني على دينه ومُروءَته. سمع عدَّة أجزاء من قرابته الأنجب بن أبي السَّعادات الحَمَّامي، وحدَّث فروى عنه القاضي شمس الدين بن مسلَّم، ومجد الدين عبد الرحمن بن الإسكندري، وأجاز لي ولا بني أبي الدرداء عبد الله. توفِّي بمكة في جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة، عن بضع وثمانين سنة. نبشه الواني، وما تهيّأ له السماع منه. ٥٨٨ - المظفَّر ** السلطان الملك المظفَّر، رُكْن الدين بَيبَرس، المنصوري البُرْجي الشاشَنْكير. كان أبيض أشقر، مستدير اللحية، فيه عقل ودِيانة، وله أموال لا تُحصَى، وأقطاعه عدة أخباز أمراء. عَظُم شأنه، واشتَهر ذكرُه في الدولة الناصرية، وبقيَ مرجوعُ أمور الملك إليه وإلى سلّار، فأَنِفَ السلطانُ من ذلك وسار في هيئة أنه يحجّ إلى الكرك، فأقام بها وأمر نوّاب الأقاليم باجتماع الكلمة وأن يتَّقوا الله تعالى ولا يشقُّوا العصا، فبادر المظفَّر وتسلطن وفوَّض إليه الخليفة، وكتب

стр. 561

تقليده: "إنّه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم"، وركب بخِلْعة الخلافة السوداء، والعِمامة المدوَّرة، والتقليد على رأس الوزير، وزُيِّنت البلاد، وناب له سلّار، واستَوسَق له الأمر في شوّال سنة ثمان وسبع مئة، وإلى وسط سنة تسع، فغضب منه الأمير نغية وعدَّة من الخواصِّ نحو المئة، وبادَروا إلى الكرك وحرَّكوا السلطان فسار إلى دمشق، وتسارع إلى خدمته جيوشُ الشام، فقَصَد الديارَ المصرية، فجهَّز المظفر يَزَكًا مُقدَّمهم برغلي، فخامَرَ عليه وتوجَّه إلى رِكاب السلطان، فذلَّ الشاشنكير وهرب في مماليكه نحو المغرب، ثم رجع إلى حَتْفه، وطلب مكانًا يأوي إليه، فعُيِّن له صِهيَون، فسار إليه مرحلتين، فاقتضى الرأيُ الشريف ردَّه، فشَتَمه السلطان ووبَّخه، وخُنِقَ بوَتَرٍ، وقيل: بل سُقِيَ كأسًا أهلكه في الحال، وكان في أوائل الكهولة، وكان يَرجِع إلى دين وخير في الجملة، وله اعتقاد زائد في الشيخ نصر المَنْبِجيّ. مات سامحه الله تعالى في شوّال سنة تسع، وأباد السلطانُ في هذه النَّوبة نحوًا من ثلاثين أميرًا، وسجن مثلهم. ٥٨٩ - ابن الأحمر * صاحب الأندلس، السلطان أبو عبد الله محمد ابن السلطان أمير المسلمين محمد ابن السلطان الكبير أبي عبد الله محمد ابن الأمير يوسف بن نصر، الخَزرَجي الأنصاري، الأندلسي الأَرْجُوني. بُويِع بعد أبيه سنة إحدى وسبع مئة، فتملَّك ثمانية أعوام، ثم توثَّب

стр. 562

عليه أخوه أبو الجيوش نصر، وظَفِر به فخلعه وسجنه مدة، ثم جهَّزه إلى بلدة شَلَوْبِينة فحبسه بها، إلى أن تحرَّك على نصر ابن أخته الغالب بالله، فطلب نصرٌ أخاه المخلوع إلى غَرْناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته. قال لي أبو عمرو بن المُرابِط: مرض أبو الجيوش نصر فأُغمي عليه ثلاثة أيام، فأَحضر الكبراءُ أخاه ليُملِّكوه، فلمَّا عُوفِيَ نصر تعجَّب من مجيئه وأُخبر، فغرَّقه خوفًا من شهامتِه، ولم أَظفَر بوقت تغريق المخلوع، لكنه خُلِع سنة تسع وسبع مئة. أبوه قد مرَّ مختصرًا (١)، وأنه تملَّك بالأندلس في سنة إحدى وسبعين وست مئة وقتَ موت أبيه، فبُويع بدار المُلك غَرناطة، وامتدَّت أيامه، وعاش نحو الثمانين إلى أن مات كما قال لي ابن المُرابط: في ثامن شعبان سنة إحدى وسبع مئة، وكان قد ركب البحرَ إلى خدمة صاحب مرَّاكُش أبي يعقوب المَرِينيّ، وطلب منه أن يُنجِدَه على غزو العدوِّ، فنَفَّذ معه حفيده عامر بن عبد الله، فبَذَلَ له لأجل ذلك رُنْدةَ والجزيرةَ الخضراء في سنة اثنتين وثمانين، فأقام بها عامرٌ عامين، وافتتح حصونًا. ثم قال لي ابن المرابط: بل إنما اجتَمَع بأبي يعقوب سنة إحدى وتسعين بعد أَخْذ الفرنج طَرِيفَ، فأعرض عنه أبو يعقوب، وذلك لأنَّ ابن الأحمر كان قد استعان بالفرنج على أخذ مدينة طريف من نوّاب المَرِينيّ، فمَكَرَت به الفرنجُ وتملَّكوها، وعِيبَ عليه ذلك مع علمه وقوَّته، فإنه كان يُعرَف بالفقيه ابن الأحمر. قال ابن المرابط: كان أبي كاتبَ سِرِّه.

стр. 563

قال: وفي سنة أربع وتسعين خرج إلى قَيْجاطة فأخذها من الفرنج عُنوةً في ثلاثة أيام، علق سورها فاندكَّ، وسقطت شُرَافةٌ (١) على جواد ابن الأحمر، فهلك الفرس ونجا ابن الأحمر، وفي سنة سبع أخذ رَبَض جَيّان عُنْوةً، وفي سنة تسع وتسعين افتتح القَبذاق عنوةً. ٥٩٠ - ابن القيِّم * الشيخ الرئيس الفاضل، المرتضَى المعمَّر، بهاء الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ الفقيه ضياء الدين عيسى بن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم، الثَّعلبي، المِصري، الشافعي، الكاتب ناظر الأوقاف، وصِهْر الوزير بهاء الدين بن حِنّا. سمع من: الفخر الفارسي، وعبد العزيز بن باقا، وسِبط السِّلَفي، وتفرَّد مدةً بالرواية عن الفارسي. وكان فيه قوة وهِمَّة، يَركَب الخيل ويتصرَّف في مصالحه، وفيه دين وخير وتواضع ولُطف. مولده في سنة ثلاث عشرة وست مئة. سمع منه: شيخنا الدِّمياطي، والحارثي، واليَعْمَري، وابن حبيب،

стр. 564

والسُّبْكي، والوانيّ، وابن سامة، والنُّور الهاشمي، وابن المُهندِس، والشيخ رافع، وولدُه حُضورًا، والفخر، وابن خلف، وعدّة. قرأتُ عليه الأول من "عوالي ابن عُيينة" للرئيس الثَّقفي. توفي إلى رحمة الله في السادس والعشرين من ذي القَعدة سنة عشر وسبع مئة. ٥٩١ - أبو عَصِيدة * صاحب الغَرْب، المنصور بالله محمد بن الواثق يحيى الهَنْتاني. تملَّك تونس بإشارة المَرْجاني في آخر سنة أربع وتسعين وست مئة، وكان ديِّنًا صالحًا عالمًا، حميد السِّيرة، منفِقًا في جنده، وكانوا نحوًا من سبعة الآف. وكان مليح الشكل، شريف النفس، مَهيبًا سائسًا. توفّي سنة تسع وسبع مئة. ولم يَعهَد إلى أحد، فقام بعده ابن عَمِّه فقُتل بعد أيام، توثَّب عليه المتوكِّل خالد بن يحيى من بني عمه وتملَّك، ثم خُلع بعد عامين. مات أبو عَصيدة شابًّا ﵀، ولُقِّب بأبي عَصِيدة لأنه عمل في سِمَاط له عَصِيدةً عظيمة في وعاء سَعَتُه تفوق العبارة، في وسطه بركة واسعة مملوءة من سَمْن، ويليها خندق من عسل، ثم خندق من دُهن، ثم خندق من دِبْسٍ، ثم خندق من زيت، ثم خندق من رُبٍّ، سبع خنادق والله أعلمُ بحقيقة ذلك.

стр. 565

٥٩٢ - إسحاق * الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل، المُسنِد المُكثِر، كمال الدين أبو الفضل بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق، الأسَدي، الحَلَبي، الحنفيّ، النَّحّاس. ولد في حدود سنة ثلاثين. وسمع الكثير من: الموفّق يعيش، والعزّ بن رَوَاحة، والمؤتَمَن بن قُمَيرة، والحافظ ابن خليل، وأخيه، والضياء صَقْر الكَلبي، وابن أخته شمس الدين الخَضِر ابن قاضي الباب، وأبي الفتح الباوَرْديّ، وهديّة بنت خميس، ومحمد بن أبي القاسم القزويني، والكمال بن طلحة، والنِّظام محمد بن محمد البَلْخيّ، وعدة. خرَّج له عنهم جزءًا المحدِّث أمين الدين الواني، وعنده عن ابن خليل نحوٌ من ستِّ مئة جزء، ونَسَخ بخطِّه الأجزاء، وتنبَّه وشارك، وروى الكثير مع تعاسُر فيه على الطلبة، وكان له حانوت ثم بَطَلَ، وله مدارس يحضرها. أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزاليّ، والسُّبكي، والمُحبّ، والواني، وأنا، ومدحتُه بأبيات. توفي في رمضان سنة عشر وسبع مئة. وفيها توفي شيخ الشافعية نجم الدين أحمد بن رِفْعة المصري الذي شرح "التنبيه" و "الوسيط"، وشيخ الحنفيّة قاضي القضاة شمس الدين
следующие страницы →