تقليده: "إنّه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم"، وركب بخِلْعة الخلافة السوداء، والعِمامة المدوَّرة، والتقليد على رأس الوزير، وزُيِّنت البلاد، وناب له سلّار، واستَوسَق له الأمر في شوّال سنة ثمان وسبع مئة، وإلى وسط سنة تسع، فغضب منه الأمير نغية وعدَّة من الخواصِّ نحو المئة، وبادَروا إلى الكرك وحرَّكوا السلطان فسار إلى دمشق، وتسارع إلى خدمته جيوشُ الشام، فقَصَد الديارَ المصرية، فجهَّز المظفر يَزَكًا مُقدَّمهم برغلي، فخامَرَ عليه وتوجَّه إلى رِكاب السلطان، فذلَّ الشاشنكير وهرب في مماليكه نحو المغرب، ثم رجع إلى حَتْفه، وطلب مكانًا يأوي إليه، فعُيِّن له صِهيَون، فسار إليه مرحلتين، فاقتضى الرأيُ الشريف ردَّه، فشَتَمه السلطان ووبَّخه، وخُنِقَ بوَتَرٍ، وقيل: بل سُقِيَ كأسًا أهلكه في الحال، وكان في أوائل الكهولة، وكان يَرجِع إلى دين وخير في الجملة، وله اعتقاد زائد في الشيخ نصر المَنْبِجيّ.
مات سامحه الله تعالى في شوّال سنة تسع، وأباد السلطانُ في هذه النَّوبة نحوًا من ثلاثين أميرًا، وسجن مثلهم.
٥٨٩ - ابن الأحمر *
صاحب الأندلس، السلطان أبو عبد الله محمد ابن السلطان أمير المسلمين محمد ابن السلطان الكبير أبي عبد الله محمد ابن الأمير يوسف بن نصر، الخَزرَجي الأنصاري، الأندلسي الأَرْجُوني.
بُويِع بعد أبيه سنة إحدى وسبع مئة، فتملَّك ثمانية أعوام، ثم توثَّب
стр. 562
عليه أخوه أبو الجيوش نصر، وظَفِر به فخلعه وسجنه مدة، ثم جهَّزه إلى بلدة شَلَوْبِينة فحبسه بها، إلى أن تحرَّك على نصر ابن أخته الغالب بالله، فطلب نصرٌ أخاه المخلوع إلى غَرْناطة فجعله عنده بالحمراء في بيت أخته.
قال لي أبو عمرو بن المُرابِط: مرض أبو الجيوش نصر فأُغمي عليه ثلاثة أيام، فأَحضر الكبراءُ أخاه ليُملِّكوه، فلمَّا عُوفِيَ نصر تعجَّب من مجيئه وأُخبر، فغرَّقه خوفًا من شهامتِه، ولم أَظفَر بوقت تغريق المخلوع، لكنه خُلِع سنة تسع وسبع مئة.
أبوه قد مرَّ مختصرًا (١)، وأنه تملَّك بالأندلس في سنة إحدى وسبعين وست مئة وقتَ موت أبيه، فبُويع بدار المُلك غَرناطة، وامتدَّت أيامه، وعاش نحو الثمانين إلى أن مات كما قال لي ابن المُرابط: في ثامن شعبان سنة إحدى وسبع مئة، وكان قد ركب البحرَ إلى خدمة صاحب مرَّاكُش أبي يعقوب المَرِينيّ، وطلب منه أن يُنجِدَه على غزو العدوِّ، فنَفَّذ معه حفيده عامر بن عبد الله، فبَذَلَ له لأجل ذلك رُنْدةَ والجزيرةَ الخضراء في سنة اثنتين وثمانين، فأقام بها عامرٌ عامين، وافتتح حصونًا.
ثم قال لي ابن المرابط: بل إنما اجتَمَع بأبي يعقوب سنة إحدى وتسعين بعد أَخْذ الفرنج طَرِيفَ، فأعرض عنه أبو يعقوب، وذلك لأنَّ ابن الأحمر كان قد استعان بالفرنج على أخذ مدينة طريف من نوّاب المَرِينيّ، فمَكَرَت به الفرنجُ وتملَّكوها، وعِيبَ عليه ذلك مع علمه وقوَّته، فإنه كان يُعرَف بالفقيه ابن الأحمر.
قال ابن المرابط: كان أبي كاتبَ سِرِّه.
стр. 563
قال: وفي سنة أربع وتسعين خرج إلى قَيْجاطة فأخذها من الفرنج عُنوةً في ثلاثة أيام، علق سورها فاندكَّ، وسقطت شُرَافةٌ (١) على جواد ابن الأحمر، فهلك الفرس ونجا ابن الأحمر، وفي سنة سبع أخذ رَبَض جَيّان عُنْوةً، وفي سنة تسع وتسعين افتتح القَبذاق عنوةً.
٥٩٠ - ابن القيِّم *
الشيخ الرئيس الفاضل، المرتضَى المعمَّر، بهاء الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ الفقيه ضياء الدين عيسى بن سليمان بن رمضان بن أبي الكرم، الثَّعلبي، المِصري، الشافعي، الكاتب ناظر الأوقاف، وصِهْر الوزير بهاء الدين بن حِنّا.
سمع من: الفخر الفارسي، وعبد العزيز بن باقا، وسِبط السِّلَفي، وتفرَّد مدةً بالرواية عن الفارسي.
وكان فيه قوة وهِمَّة، يَركَب الخيل ويتصرَّف في مصالحه، وفيه دين وخير وتواضع ولُطف.
مولده في سنة ثلاث عشرة وست مئة.
سمع منه: شيخنا الدِّمياطي، والحارثي، واليَعْمَري، وابن حبيب،
стр. 564
والسُّبْكي، والوانيّ، وابن سامة، والنُّور الهاشمي، وابن المُهندِس، والشيخ رافع، وولدُه حُضورًا، والفخر، وابن خلف، وعدّة.
قرأتُ عليه الأول من "عوالي ابن عُيينة" للرئيس الثَّقفي.
توفي إلى رحمة الله في السادس والعشرين من ذي القَعدة سنة عشر وسبع مئة.
٥٩١ - أبو عَصِيدة *
صاحب الغَرْب، المنصور بالله محمد بن الواثق يحيى الهَنْتاني.
تملَّك تونس بإشارة المَرْجاني في آخر سنة أربع وتسعين وست مئة، وكان ديِّنًا صالحًا عالمًا، حميد السِّيرة، منفِقًا في جنده، وكانوا نحوًا من سبعة الآف.
وكان مليح الشكل، شريف النفس، مَهيبًا سائسًا.
توفّي سنة تسع وسبع مئة.
ولم يَعهَد إلى أحد، فقام بعده ابن عَمِّه فقُتل بعد أيام، توثَّب عليه المتوكِّل خالد بن يحيى من بني عمه وتملَّك، ثم خُلع بعد عامين.
مات أبو عَصيدة شابًّا ﵀، ولُقِّب بأبي عَصِيدة لأنه عمل في سِمَاط له عَصِيدةً عظيمة في وعاء سَعَتُه تفوق العبارة، في وسطه بركة واسعة مملوءة من سَمْن، ويليها خندق من عسل، ثم خندق من دُهن، ثم خندق من دِبْسٍ، ثم خندق من زيت، ثم خندق من رُبٍّ، سبع خنادق والله أعلمُ بحقيقة ذلك.
стр. 565
٥٩٢ - إسحاق *
الشيخ الفقيه، الصالح الفاضل، المُسنِد المُكثِر، كمال الدين أبو الفضل بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق، الأسَدي، الحَلَبي، الحنفيّ، النَّحّاس.
ولد في حدود سنة ثلاثين.
وسمع الكثير من: الموفّق يعيش، والعزّ بن رَوَاحة، والمؤتَمَن بن قُمَيرة، والحافظ ابن خليل، وأخيه، والضياء صَقْر الكَلبي، وابن أخته شمس الدين الخَضِر ابن قاضي الباب، وأبي الفتح الباوَرْديّ، وهديّة بنت خميس، ومحمد بن أبي القاسم القزويني، والكمال بن طلحة، والنِّظام محمد بن محمد البَلْخيّ، وعدة.
خرَّج له عنهم جزءًا المحدِّث أمين الدين الواني، وعنده عن ابن خليل نحوٌ من ستِّ مئة جزء، ونَسَخ بخطِّه الأجزاء، وتنبَّه وشارك، وروى الكثير مع تعاسُر فيه على الطلبة، وكان له حانوت ثم بَطَلَ، وله مدارس يحضرها.
أخذ عنه: المِزِّي، والبِرْزاليّ، والسُّبكي، والمُحبّ، والواني، وأنا، ومدحتُه بأبيات.
توفي في رمضان سنة عشر وسبع مئة.
وفيها توفي شيخ الشافعية نجم الدين أحمد بن رِفْعة المصري الذي شرح "التنبيه" و "الوسيط"، وشيخ الحنفيّة قاضي القضاة شمس الدين
стр. 566
أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّروجي ثم المصري، وقاضي الحنابلة شهاب الدين أحمد بن الحسن ابن الحافظ المقدسي، وشيخ المتكلِّمين العلّامة قطب الدين محمود بن مسعود الشِّيرازي الشافعي بتِبْريز، والشَّرف يوسف بن مظفَّر بن كُوركيل الكحّال روى عن ابن الطَّفيل، والشيخ عبد الله بن رَيْحان التَّقَوي عن ابن المقيَّر، وستُّ الملوك فاطمة بنت أبي البدر ببغداد، ونائب المملكة سلّار المَغُلي، هَلَك جوعًا، ونائب حلب قبجق المنصوريّ، والأمير قتّال السَّبُع آقوش، وعِزِّيّة بنت غنائم، والشهاب أحمد بن عبد الملك الأعزازي الشاعر التاجر بمصر عن بضع وسبعين سنة، وديوانه في مجلدين، ومدرِّس الرُّكنية شمس الدين إبراهيم ابن سَنِيّ الدولة، والإمام المقرئ محمد بن أحمد بن عمرو المقدسيّ، وشيخ الحديث بالمستنصريّة نجم الدين أبو بكر عبد الله بن أبي السعادات.
٥٩٣ - القاضي *
الشيخ الإمام قاضي القضاة شرف الدين عبد الغني بن يحيى بن محمد ابن قاضي حَرّان أبي بكر بن نصر، الحَرّاني، الحَنبليّ.
من كِبار الرؤساء، وإليه نظرُ الخِزانة بمصر، وتدريسُ الصالحية والحُكْم، وليَ بعد شيخنا عز الدين بن عِوَض.
وحدَّث عن شيخ الشيوخ عبد العزيز الحَمَويِّ، وكان متوسِّطًا في المَذهَب، محمود السِّيرة، كثير المكارم.
مولده بحَرّان في سنة خمس وأربعين وست مئة.
стр. 567
وتوفّي في ربيع الأول سنة تسع وسبع مئة.
ووليَ أخوه عندنا بدمشق نظر الأوقاف مدة سنتين.
٥٩٤ - مؤذِّن النَّجِيبي *
الشيخ المقرئ المعمَّر، نجم الدين أيوب بن سليمان بن مظفَّر، المصريّ، المؤذِّن كبير المؤذِّنين.
كان يَخرُج بين يدي خطباء دمشق بالسَّواد، وله صوت جَهْوَري طيِّب، واستمرَّ في ذلك زمانًا، وعاش تسعًا وثمانين سنة، وكان منوّر الشَّيبة، ريِّضَ الأخلاق.
توفّي في جمادى الأولى سنة تسع وسبع مئة.
وله عدة أولاد، منهم: المَولَى أمين الدين محمد، الذي يُورِد الخبرَ يوم الجمعة في الإنصات.
٥٩٥ - آدينة **
نائب العراق، آدينة التَّتري. وليَ بغداد سنوات، فحُمِدت سيرته، وخفَّف ظلمًا كثيرًا، وكان يذهب إلى الجمعة ماشيًا.
توفّي بالكوفة في أوائل سنة تسع وسبع مئة.
٥٩٦ - الحِمْصي ***
المحدِّث الصالح، أبو عمرو عثمان بن إبراهيم بن أبي علي، الحِمْصي
стр. 568
ثم الصالحي، النَّسَّاج، إمام مسجد القُرشيِّين.
إنسانٌ خيِّرٌ متواضع، حسن البِشْر.
سمع حُضورًا من: ابن الزَّبيدي نصف "صحيح البخاري" الأخير، وسمع من ابن اللَّتِّي لكن تصحّفت في كتابة الأسماء الحمصي بالمصري، فذهب سماعُه.
وسمع كثيرًا من الحافظ الضِّياء، وكان ملازِمًا للسَّبع (١) على كِبَره، ثم ضَعُف، ونزل بالسامريّة، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. سمعنا منه بكَفْر بَطْنا.
توفّي في رجب سنة عشر وسبع مئةِ، وكان من أهل السُّبع الكبير.
سمع منه: الواني، والسُّبكي، والمُقاتِلي، والمُحبّ، والجماعة.
٥٩٧ - الكفيري *
المحدِّث الصالح العالم أبو الفضل يوسف بن محمد بن منصور بن عمران، الِهلالّي الحَوْرانيّ، الفرّاء.
كتب "أحكام الضِّياء" وقرأه على ابن الكمال، وحفظ متونًا جمّةً، وأمَّ بمسجد بيت أبيات، وقرأ الحديث على: ابن عبد الدائم وصحب الزاهد محمود الدَّشْتيّ، وسمع بمصر من الرَّشيد العطّار.
كتب عنه الجماعةُ، وكان يقرأ على كرسيٍّ في الجامع من حفظه، وربما قرأ في القرى فيَهَبُونه، وكان ديِّنًا قانعًا.
стр. 569
عاش سبعًا وخمسين سنة، ومات في رجب سنة عشر وسبع مئة.
وفيها مات بالجوع في قلعة مصر: الأمير الكبير سيف الدين برغلي الأشرفي، والأمير الكبير قتّال السَّبع جمال الدين أقوش المنصوريّ من كِبار الدولة.
٥٩٨ - سَلّار *
هو نائب المملكة بالدِّيار المصرية، أعظم أمراء زمانه، سيف الدين التُّركي التَّتَري، الصالِحيّ المنصوريّ.
نقلتُ من خطِّ المولى شمس الدين الجَزَريّ، قال: كان أوّلًا من مماليك الملك الصالح عليٍّ وَلَد السلطان الملك المنصور قلاوون، فلمّا مات الصالح صار من خاصكيّة ولده، ثم اتَّصل بخدمة الملك الأشرف صلاح الدين وحَظِيَ عنده وتأمَّر.
وكان عاقلًا وادعًا للشّرِّ، وينطوي على دهاءٍ وخبرة بالأمور، وفيه دينٌ في الجملة، وكان صديقًا لحسام الدين لاجِين المنصوريّ الذي تسلطن ومُصافيًا له، وتقدَّم في دولته، فلما قُتل لاجين ونائبه مَنْكوتمر نُدِب سلّار إلى إحضار السلطان الملك الناصر من الكرك، فسار إليه، فرَكَنَ السلطان إلى عقله وإيمانه، وسار معه إلى مصر، وجلس على السَّرير، واستناب سلّارًا وقدَّمه على الكلِّ، فخضعوا لأمره، ونال سلّار من سعادة الدنيا ما لا يُوصَف، وجمع من الذهب قناطير مقنطرة، حتى اشتهر على أفواه الناس أنَّ دخله كلَّ يوم كان مئة ألف درهم، واستمرَّ في الدَّسْتِ إحدى
стр. 570
عشرة سنة، وكانوا يتحدثون أنَّ أقطاعه بضعة وثلاثون طَبْلَخاناه (١)، وكان مما أعطاه السلطان بلدُ الكرك، فغَنِيَ بها وحوَّل إليها ذخائر كثيرة.
وحاصل الأمر: أنَّ سلّار وبَيْبَرس الجاشنكير استوليا على الممالك وأسرَفا، وكان السلطان كالمحجور عليه، ما يناله إلَّا ما فَضَلَ عنهما، وهو شابٌّ حَبِيّ، فكان يَكتُم ما عنده، فلما نصر الله الإسلام على يده وكسر التتار، وأُشْرِب حبُّه القلوب، وعَظُم وَقْعُه في النفوس، أضمر لهما الشرَّ والانتقام، وأنِفَ من تحكّمهما، وسار مُظهِرًا للحجِّ، فاستقرَّ بالكرك وأعرض عن المُلْكَ، فبَدَر هذان الملِكان المغروران فتَسلطَن بيبرس، وناب له سلّار، فلم تنقُصْ رُتْبة سلّار، بل ازداد عظمة وحِشمة، فأقاما على ذلك تسعة أشهر.
وأقبلت سعادةُ دولة السلطان، ونزل من الكرك ليعود إلى مملكته ويستأصل أعداءَه، فانبرمت له الأمور، وأَلقت إليه مصر والشام أفلاذ كَبِدها، فحار المظفَّر في أمره، وخارت قوى سلّار، وحلَّ بهما الدمار، ووقعا في قبضة السلطان فأهلكهما.
أما المظفَّر بَيْبرس فإنه خُنِقَ بين يدي السلطان، وأما سلّار فإنه توجه إلى الشَّوبك في جماعته خائفًا وَجِلًا، وتشاغل السلطان عنه بترتيب ملكه أشهرًا، ثم اهتمَّ بإدراكه وإهلاكه، ونزح سلّار عن الشَّوبك وطلب البَرِّيّة، وضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت، ثم خُذِل، وأرسل يطلب أمانًا على أن
стр. 571
يقيم ببيت المقدس يَعبُد الله تعالى فأُجيب، ومشى إلى حتفه برِجْليه ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا، ودخل القاهرة بعد أن بقيَ أيامًا في حَيْرة متردِّدًا في البرية مع العُرْبان، يَنُوبُه كلَّ يوم نفقةُ ألف درهم وأربعون غِرارة شعير، وسُيِّر إليه أمان وأقطاع مئة فارس فيما قيل، ويقال: إنه كاتب أمراءَ قبض عليهم السلطان، فالله أعلم.
فلما جاء عاتبه السلطان، ثم اعتُقل بمكانٍ ومُنِع من الزاد حتى مات جُوعًا، وفي أهرائه (١) نحو من مئتي ألف إردَبّ، فلا قوة إلَّا بالله.
وقيل: وجدوه قد أكل خُفَّه، وقيل: دخل عليه جماعة وقالوا له وهو في السِّيَاق: قد عَفَا عنك السلطان، فقام من الفرح ومشى خطوات وسقط ميتًا.
وكان أسمر آدم لطيف القَدّ، أَسِيلَ الخدّ، لحيته في حَنَكِه سوداء، من التتار العويراتيّة.
مات في أوائل الكُهولة، لعله بلغ الخمسين سنة أو دونها، مات في ليلة الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، وذلك بعد زوال دولته وسعادته بثمانية أشهر، مات بقلعة الجبل، وأَذن السلطان للجاولي أن يدفنه، فتولَّى جنازته ودفنه بتُربة الجاولي عند الكبش. إلى أن قال الجَزَرِيّ: فقيل: إنه أُخذ له ثلاث مئة ألف ألف وخمسون ألفًا، وشيء كثير من الجواهر والحُلِي والخيل والسلاح والغِلال مما لا يكاد ينحصر.
قلت: أما قوله: ثلاث مئة ألف ألف دينار؛ فشيء كالمستحيل، ولم
стр. 572
يكن ذلك قطُّ، فإنَّ ذلك يجيء عشرة آلاف وَقْر بغلٍ، الوَقْرُ ثلاثون ألف دينار، وما علمتُ أحدًا من كبار السلاطين ملك هذا ولا رُبعه، ثم تدبَّرْ رحمك الله إذا فَرَضتَ صحَّة ذلك بقولهم: إنَّ دخله كان في اليوم أربعة آلاف دينار، أما عليه خَرْج منها! فلو أمكنه أن يَكنِزَ كلَّ يوم ثلاثة آلاف دينار، أكان يكون في السَّنةِ إلَّا ألف ألف دينار ومئتي ألف؟ فيصير في عشرة أعوام اثني عشر ألف ألف دينار، وهذا لعلَّه غاية أمواله، فلاحَ لك فَرْطُ ما حكاه صاحبنا الجَزَريُّ واستحالته.
ثمّ إِنَّ شمس الدين نقل بعض تفاصيل تركة سلّار مما كنت علَّقتُه أنا من خطِّ بعض الكتّاب، فقال شمس الدين: قرأت بخطِّ الشيخ علم الدين البِرْزالي قال: دفع إليَّ المولى جمال الدين بن الفُوَيْره ورقةً بتفصيل بعض أموال سلّار وقتَ الحَوْطة على داره في أيام متعددة:
يوم الأحد: زُمرُّد: تسعة عشر رِطلًا، يعني بالمصري، ياقوت: رطلان، بَلْخَش: رطلان ونصف، صناديق ضمنها جواهر: ستة، فصوص ماس وغيره: ثلاث مئة قطعة، لؤلؤ كِبار مدرز زِنَة درهم إلى مثقال: ألف ومئة وخمسون حبَّة، ذهب: مئتا ألفٍ وأربعون ألف دينار، دراهم: أربع مئة ألف وسبعون ألفًا.
يوم الاثنين: ذهب: خمسة وخمسون ألف دينار وألف ألف درهم وأحد وعشرون ألفًا، فُصُوص بذهبٍ: رطلان ونصف، مصاغ عقود وأساور وزُنود وحَلَق وغير ذلك: أربع قناطير؛ يعني بالمصري، فِضِّيّات أواني وهواوين وصدور: ست قناطير.
يوم الثلاثاء: خمسة وأربعون ألف دينار وثمان مئة ألف درهم، براجم
стр. 573
وأهِلّة وصُناجق: ثلاثة قناطير فضَّة، وذهب أيضًا: ألف دينار وثمان مئة ألف درهم، أقبية ملوَّنة بفَرْوٍ قاقِم (١): ثلاث مئة، وأقبية بفَرْو سِنجاب: أربع مئةٍ، سروجٌ مُزركَشةٌ: مئة سَرْجٍ.
ووُجِدَ عند صِهْرِهِ الأمير موسى ثمانية صناديق فأُخِذَتْ، كان من جملة ما فيها عشر حوايص مُجوهَرة سلطانية وتركاش (٢) ما يُقوَّم، ومئة ثوب طرْد وَحْش (٣). وقدم صُحْبة طلبه من الشَّوبك خمسون ألف دينار وأربع مئة وسبعون ألف درهم وثلاث مئة خِلْعة ملوّنة، وخركاه (٤) بأطلس معدني مُبطَّنة بأزرق وبابها مُزركَش، وثلاث مئة فرس، ومئة وعشرون قطار بغال ومثلها جِمال، كل هذا سوى الغِلال والأنعام والجواري والغلمان، والأملاك والعِدَد والقماش.
وذكروا: أن كاتبه عوقب، فأقرَّ أنه كان يحمل في كل يوم إليه ألف دينار ما يعلم بها غيره.
وقيل: إنَّ مملوكًا له دلَّهم على كنزٍ له مبنيٍّ في داره، فوُجد فيه أكياس، وفتحوا بِركة فوجودها ملآى أكياس ذهب. ثم مات البائس يتحسَّر على خبز يابس.
وحدثني شيخنا فخر الدين النُّوري: أنَّ إنسانًا حكي له، قال: دخل
стр. 574
العام إلى شَوْنة سلّار من أصناف الغِلال ست مئة ألف أردَبّ. قلت: هذه الغِلال كافية لثلاثة الآف فارس.
حكاية غريبة
حدثني صدوق حُجَّة: أنه بلغه من الحاج عبد الله ركبدار أمير كبير: أنَّ جارية من خواصّ السلطان رأت أخرى معها زبدية وخبز، نزلت بذلك في سِرداب، وذلك بعد موت سَلّار بسنين، فقالت لها سرًّا: لمن هذا يا فلانة؟ قالت: لسلّار لسلّار. فاللهُ تعالى أعلم بصحة ذلك، فكمالُ دهاء الكبار يجوِّز مثل ذلك.
وبلغني أنه لما مات أُنزل من القلعة مُكَفَّنًا، فلم يَرَ أحدٌ وجهَه حتى وُضع في قبره، وقد جُعِل على قبره حرس يحفظونه أيّامًا، وهذا شيء ما فُعل بغيره، الله تعالى يسامحه وإيّانا.
قال لي الحُجّة: فكونه ما مُكِّن من رؤية وجهه، وأنه احتُرز على القبر بحرس أيامًا، مع قول تلك الجارية؛ أمور تُوقِف العاقل في وفاته.
وممَّن أُهلك في هذه النَّوبة، خلق كثير من الأمراء: الشاشنكير مخنوقًا، وقبجق الذي كان نائب الشام سُقِيَ بحَمَاة، ونائب طرابُلُس اسندَمُرْ أُهلِكَ بالكرك، ونغية، وقطلبك الكبير، وكريه نائب دمشق، وخلق كثير.
ابن المقرئ (١)
سِرْ بنا بين بانَتَي يَبْرين … فشَذاها من علّتي يُبْريني
وتيمَّن بأيمن الحيِّ فاليُم … نُ لأهلِ الهَوى بأهل اليمينِ
стр. 575
واروِ أخبارَ ريمِ رامةً عن في … ضِ دموعٍ تجري كفيض العُيونِ
ما غريمي سوى غرامي ولا قُيْ … يِدْتُ إلّا بمُطلقات الجُفونِ
قلْ لِليلى جُننت عشقا فعنِّي … كلُّ راوٍ يروي عن المجنونِ
فانتهاكي في الحب سِتري وصَحْوي … فيه سُكْري وفيه عقلي جُنوني
أنَا مُغرًى بحبّ قوم يقيني … في هواهم يومَ المعادِ يقيني
عُرُبٌ بالحِمى تَحِنُّ المَطايا … في سُراها إليهم كحَنيني
حُبُّهم شِرعَتي وديني هَواهُم … وولاؤُهم ذُخري ليوم الدِّينِ
ليتَ شِعْري أعايد صَفْو عَيشي … بلُقاهُم بين الصَّفا والحُجونِ
٥٩٩ - ابن رِفْعة *
شيخ الشافعية، نجم الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن صارم، المشهور بابن الرِّفْعة، المصريّ، صاحب "شرح التنبيه" و "شرح الوسيط".
كان من أئمة المذهب، عديم النَّظير، رأسًا في الفروع.
توفي في رجب سنة عشرٍ وسبع مئة بمصر وقد شاخ.
وقد درس بالمُعِزّية، وحدَّث بشيء من تصانيفه، وسمع من محيي الدين بن الدَّميري، ووليَ الحِسْبة بمصر، ولم يُكمِل "شرح الوسيط"، وعاش خمسًا وستين سنة.
стр. 576
٦٠٠ - ابن رَزِين *
العلّامة بدر الدين عبد اللطيف ابن شيخ الشافعية القاضي تقيّ الدين محمد بن الحسين بن رَزين، الحَمَويّ ثم المصريّ، الشافعي.
إمام متفنِّن، عارف بالمذهب، درَّس، وأفتى، وأعاد لأبيه، ووليَ قضاء العسكر، ودرَّس بالظاهرية وغيرها، وخطب بجامع الأزهر.
وحدَّث عن: عثمان ابن خطيب القرافة، وعبد الله بن الخُشوعي وغيره.
توفِّي في جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، عن إحدى وستين سنة.
ومن محفوظاته "المحرَّر".
٦٠١ - ابن أبي السَّعادات *
شيخ المستنصريّة، الإمام الفاضل، نجم الدين أبو بكر، عبد الله بن أبي السعادات بن منصور بن أبي السعادات بن محمد، الأنْباري ثم البغدادي، البابَصْري، المقرئ، خطيب جامع المنصور.
سمع: ابنَ بَهْروز الطبيب، والأنجب الحَمّامي، وأحمد بن المارستاني، وتفرَّد بأجزاء، وحمل عنه أهل بغداد.
توفِّي في رمضان سنة عشر وسبع مئة، وله اثنتان وثمانون سنة.
وليَ المشيخة بعد العماد بن الطبّال، رحمهما الله.
стр. 577
٦٠٢ - مَثَلا *
العلامة الزاهد، أبو الحسن عليّ بن عليّ بن أسْمَح، البَعْقُوبيّ، الشافعيّ، النَّحْوِيّ، ويلقَّب بالشيخ علي مَثَلا.
أخذتْه التتار من بَعْقُوبا صغيرًا، فأقام ببُلغار عند إنسان فقيه، فحفظ "المصابيح " للبغوي و "المفصَّل" و "المقامات" وغير ذلك، وتميَّز، وسكن الرُّوم ووليَ مشيخةَ الحديث بها وهو شاب، ورَكِب البغلة، ثم زَهِد وفارق الروم، ولبس دِلْقًا (١)، ولفَّ رأسه بمِئزَر صغير، وسكن دمشق سنة بضع وثمانين، واقتات من النَّسْخ، وجلس للإفادة، ثم حضر مدارس، وكان ديِّنًا خيِّرًا حضرتُ مجلسه.
توفي في قصد الحجِّ باللَّجُّون (٢) في شوّال سنة عشر وسبع مئة، عن نيِّف وستين سنة، وكان ممَّن يؤذي شيخَنا بلسانه، رحمهما الله تعالى.
٦٠٣ - القُطْب **
العلّامة الفيلسوف، ذو الفنون، أبو الثناء قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح، الفارسي الشِّيرازي، الشافعي المتكلِّم، صاحب التصانيف.
مولده بشِيراز سنة أربع وثلاثين وست مئة.
стр. 578
وكان أبوه طبيبًا، وعمُّه من الفضلاء، فاشتغل عليهما، وعلى الشمس الكِيشيِّ، وشرف الدين زكي، وزكي الدين البرشكاني، وقرأ "الوجيز" و "الحاوي" في الفقه على الشيخ الإمام علاء الدين محمد بن أبي بكر الطاووسي القزويني، ورُتِّب طبيبًا في المارستان وهو حَدَث، وسافر إلى النَّصير الطُّوسي ولازمه، فبحث عليه شرحه لـ "الإشارات" و "الرياضي" و"علم الهيئة" وبَرَع.
واجتمع بهولاكو، وأبغا، وقال له أبغا: أنت أفضل تلامذة النَّصير وقد كَبِرَ، فاجتهد حتى لا يفوتَك شيء من علمه. قال: قد فعلتُ وما بقيَ لي حاجة، ثم دخل إلى الروم فأكرمه البَرْواناه، وولّاه قضاء سِيوَاس ومَلَطْية.
وقدم الشامَ رسولًا من الملك أحمد، فلمّا قُتل أحمد ذهب القطب فأكرمه أرغون، ثم سكن تِبْريز مدة وأقرأ المعقولات، وسمع كتاب "شرح السُّنة" من القاضي محيي الدين.
وله كتب منها "غُرَّة التاج" حكمة، و"شرح الأسرار" للسُّهرَوَرْديّ المقتول، وشرح "الكُلّيات" وشرح "مختصر ابن الحاجب".
وكان من أذكياء العصر، وكان ظريفًا مزاحًا، لا يحمل همًّا، وهو بزِيِّ الصُّوفية، وكان يجيد نقل الشطرنج، ويلعب به والخطيب على المنبر وقت اعتكافه!! وكان حليمًا سمحًا، لا يدَّخر شيئًا، بل ينفق على تلامذته ويسعى لهم، وصار له في العام ثلاثون ألف درهم، وقد قصده صفيُّ الدين عبد المؤمن المُطرِب فوصله بألفي درهم، وفي الآخر لازم الإفادة، فدرَّس "الكشّاف" و"القانون" و "الشِّفا" وعلوم الأوائل، نسأل الله ﵎ النجاة.
стр. 579
وكان قازان يعظِّمه ويعطيه، وكان كثير الشفاعات، وإذا ألَّف كتابًا صام ولازم السَّهر، فمُسوَّدته مُبيَّضة، وروى للناس كتاب "جامع الأصول" في رمضانين، قرأه على الصدر القُونَوِيّ، عن يعقوب الهَذَبانيّ، عن مؤلِّفه.
وقيل: إنه كان في الاعتقاد على دين العجائز، ويحب صلاة الجماعة، ويخضع للفقير، ويُوصي بحفظ القرآن، وإذا مُدِح تخشَّع ويقول: أتمنَّى أني كنت في زمن النبي ﷺ ولم يكن لي سمع ولا بصر رجاءَ أن يَلمَحني بنظرة.
تمرَّض نحو الشهرين، وتوفِّي في سابع عشر رمضان سنة عشر وسبع مئة، وأُدِّيت عنه ديونه.
وكان يتقن الشَّعبذة، ويضرب بالرَّبَاب، ويورد من الهزليّات ألوانًا بحضور خربندا، وفي دروسه، والله أعلم بطَوِيَّته، فظاهره ما قلنا، وباطنه أجود، وله محاسنُ ومروءة وأخلاق، والله تعالى يَسمَح له ولنا آمين، فلقد كان من بحور العلم ومن ذوي الذكاء، وكان أجودَ فنونه معرفة الرِّياضي، رأيت تلامذته يتغالَون في تعظيمه.
٦٠٤ - الجَلَال القاضي *
الإمام مفتي المسلمين، جلال الدين أبو المحاسن، يوسف بن أبي عبد الله بن يوسف بن سعد، النابُلُسي ثم الدمشقي، الشافعي.
وُلد قبل الأربعين وست مئة.
وسمع من: عمِّه خالد الحافظ، ومجد الدين الإسفرايِنيّ، والمُرْسي،
стр. 580
وشيخ الشيوخ، وطائفة.
وأَمَّ بالشاميّة وأعاد بها، وعُرِف بجَوْدة النقل، ووليَ قضاء بَعلَبكّ ونابلس، ثم عاد إلى بَعْلبَكّ إلى أن توفِّي بها في الخامس والعشرين من رمضان سنة عشر وسبع مئة.
وكان ديِّنًا، حميد الأحكام، حدَّث بدمشق وبَعْلبَكّ.
٦٠٥ - ابن الماسِح *
الإمام الذكي، نجم الدين أحمد ابن شيخنا العماد إبراهيم ابن القاضي نجم الدين أحمد بن الشِّهاب بن راجح، المَقدِسي، الحنبلي، سِبْط الشيخ شمس الدين بن أبي عمر.
ولد سنة ستين.
وتفقَّه وشارك، وسمع من ابن عبد الدائم وغيره، وحدَّث.
وكان كثير الفضيلة، حصل له جنون من الحَشِيشة، وكان يقف في الطرق ويَسرُد أشياء مفيدة، وينبسط على المُرُد ويَشحَذ، ثم عقل ولزم الخير، ثم تغيَّر، ثم عقل، وقيل: كان يفعل ذلك خَلاعةً، وله تلامذه وزَبُون، ثم مات على سكون سنة عشر وسبع مئة، وهو أخو المفتي شمس الدين الحنبلي نزيل مصر.
٦٠٦ - ابن الحَشِيشي **
شمس الدين محمَّد بن الحشيشي المَوصِليّ، الرافضي.
стр. 581
حدَّثني الإمام محمد بن مُنْتاب: أنَّ عزَّ الدين يوسف الموصلي كتب إليه - وأَراني كتابه - قال: كان لنا رفيق يقال: له الشمس بن الحشيشي؛ كان يسُبَّ أبا بكر وعمر ﵄ ويُبالِغ، فلما وَرَدَ شأنُ تغيير الخُطبة؛ إذْ ترفَّض خربندا، افتري وسبَّ، فقلت له: يا شمسُ، قبيحٌ عليك أن تسُبَّ هؤلاء، وقد شِبتَ، ما لكَ ولهم وقد دَرَجُوا من سبع مئة سنة، والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، فكان جوابه: والله والله إنَّ أبا بكر وعمر وعثمان في النار، قال ذلك في مَلأ من الناس، فقام شعرُ جسدي، فرفعت يدي إلى السماء وقلت: اللهمَّ يا قاهرُ فوق عباده، يا من لا يخفى عليه شيء، أسألك بنبيِّك إن كان هذا الكلب على الحقِّ فأنزل بي آية، وإن كان ظالمًا فأنزِلْ به ما يُعلِم هؤلاء الجماعة أنه على الباطل في الحال، فوَرِمَت عيناه حتى كادت تخرج، واسودَّ جسمُه حتى بقيَ كالقِيْر وانتفخ، وخرج من حلقه شيء يصرع الطيور، فحُمِل إلى بيته فما جاوز ثلاثةَ أيام حتى مات، ولم يتمكَّن أحد من غسله مما يجري من جسمه وعينيه، ودفن لا ﵀، ثم قال لي ابن مُنتاب: جاء إلى بغداد أصحابُنا من الموصل وحدَّثوا بهذه الواقعة، وهي صحيحة، وذلك في سنة عشرة وسبع مئة.
وفيها ماتت فاطمةُ بنت علي بن علي بن أبي البدر ببغداد، والقاضي شهاب الدين أحمد بن حبيب الحافظ الحنبلي كهلًا، ونائب طرابلس الحاجّ بهادر، والصلاح محمد بن أحمد بن تُبَّع البَعْليّ، والمحدث الصالح محمد بن علي بن قُطْرال بمكة، والمعمَّر محمد بن أبي القاسم بن منصور بن البانياسيّ عن اثنتين وتسعين سنة، والمفتي عز الدين حسن بن الحارث بن حسين بن مسكين الزُّهْري الشافعي، والصاحب أمين الدين بن الرّقاقي
стр. 582
المصري أبو بكر بن عبد العظيم بالقاهرة، وعز الدين عبد العزيز الفصيح المُغنّي بمصر سمع من السَّخاوي، وخطيب نابُلُس عز الدين سليمان بن صالح بن يحيى الزُّهري، ووليُّ العهد خَضِر ابن الخليفة المُسْتكفي، ومحمد بن علي بن أبي الفتح النَّحْوي، والشيخ عثمان بن إبراهيم الحِمْصي، والمجد إسماعيل بن المتوكِّل العباسي، والمقرئ محمد بن عمران الوِطَائي الضرير، وبرغلي الأشرفي بالجوع في الحبس، وقتّال السّبُع جمال الدين، وقاضي بَعْلبَكّ جلال الدين يوسف بن عبد الله النابُلسي من كبار الشافعية، ونائب المالكي محيي الدين يحيى بن صالح الزَّوَاوي، وعبد الكريم بن محمد البَدْريّ المؤدِّب، والعفيف عمران بن علي الطَّبيب صاحب ابن هُود وكان يشرب الخمر، والشَّرَف يعقوب بن أحمد بن علي الحنفي سِبْط عبد الحق، والزاهد عبد الوهاب الخَشْكنانكي شقير، والشيخ سعيد بن علي ابن الأمير صاروا الحلبي، والمُعين محمد بن محمد بن الجُنيد الشُّروطي، والرضيّ أبو بكر الرَّقِّي الحنفيّ المَقْصوص مدرِّس المُعزِّية البَرّانية، والمفتي عز الدين بن عبد العزيز بن عبد الجليل النِّمْراويّ الشافعيّ بمصر، والمعمَّر بهاء الدين علي بن عيسى بن القيِّم بمصر في عَشْر المئة، والنجم أحمد ابن العماد إبراهيم الماسِح.
٦٠٧ - ملك القَفْجاق *
السلطان طقطاي، ويقال: توقتقا بن مَنكُوتمر بن سابر خان ابن الطاغية الأكبر جنكز خان المَغُلي. ومنهم من يُسمِّيه: تُخته.
стр. 583
جلس على التَّخت وله سبع سنين، فكانت دولته ثلاثًا وعشرين سنة، ومات سنة اثنتي عشرة.
وكان يحب السَّحرة ويعطيهم، وفيه عدلٌ وميلٌ إلى أهل الخير من المِلَل، ويرجِّح الإسلام، ويحب الأطبّاء، وممالكه واسعة، منها قِرم وسراي، وجيشه كثير إلى الغاية، يقال: جهَّز مرةً مئتي ألف فارس، وكان له ولد مليح فأسلم، وكان يحبُّ سماع القرآن، فمات قبل أبيه.
وقام في المُلْك السلطان أزبك خان، وهو بطل شجاع مليح الصورة مسلم، فأباد طائفة من الأمراء والسَّحرة، تسلطن في رمضان سنة اثنتي عشرة، وامتدَّت أيامه نحو ثلاثين سنة، وصاهَرَ السلطانَ الملك الناصر على أخته، ومملكته شماليّنا بشَرْق، وهي من بحر قسطنطينية إلى نهر أريس مسافة ثمان مئة فرسخ، وعرضها من باب الأبواب إلى مدينة بُلغار، وذلك نحو ست مئة فرسخ، لكن أكثر ذلك مراعي وقرى، ولها في أيدي التتار مئة، وكانت قبلهم ملوك القفجاق.
٦٠٨ - الكريم *
شيخ خانقاه سعيد السعداء، كريم الدين عبد الكريم بن حسن، الآمُلِيّ.
من كُبراء القوم، ينتمي إلى سعد الدين بن حَمّويه، ويخوض تلك الغَمَرات، ويفهم كلام أهل الوحدة المُنافي للشريعة، وكان محبّبًا إلى الأعيان، وله صورة كبيرة، ورياضة قديمة.
مات في شوّال سنة عشرة وسبع مئة وقد شاخ.
стр. 584
وكان شيخنا ابن تيميَّة يَحُطُّ عليه، وهو معذورٌ فيه، وقد أثبت الصُّوفية فِسقَه من ستة عشر وجهًا، ووليَ عِوَضَه ابن جماعة.
٦٠٩ - خطيب غَرْناطة *
الإمام أبو محمد، عبد الله بن أبي جَمْرة، المالكي.
روى عن أبي الرَّبيع بن سالم بالإجازة، وأقام مدة بسَبْتة، ووليَ خطابة غَرناطة في أواخر عمره، فخطب يوم جمعة بعد سنة عشر فخرَّ من المِنبر ميّتًا، رحمة الله تعالى عليه.
٦١٠ - الفخر ابن عَساكر **
الشيخ العالم الأصيل، المُسنِد، فخر الدين أبو الفتح، إسماعيل بن نصر الله ابن تاج الأمناء أحمد بن محمد بن حسن بن عساكر، الدمِّشقي، مُشرِف المساجد البَرّانية.
وُلد في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة.
وروى عن: ابن اللَّتِّي، ومُكرَم، وأبي نصر بن الشِّيرازي وابن المقيَّر، وجفعر الهَمْداني، وكريمة، وسالم بن صَصْرَى، وعِدَّة.
وخرَّجَ له الشيخ عَلَم الدين (١) "مشيخةً" في جزئين، وأجاز له الشيخ شهاب الدين السُّهرَوَرْديّ، وإسماعيل بن باتكين، وعدّة.
стр. 585
وحدَّث بالكثير، وكان له أجزاء، وعلى ذهنه تاريخٌ ونُتَف، وفيه دين وهِمَّة وجَلادة على خِفَّةٍ فيه. حدَّث بدمشق ومصر.
توفي في مصر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وله اثنتان وثمانون سنة.
٦١١ - بنت جَوْهر *
الشيخة المعمَّرة، العابدة المُسنِدة، أم محمد فاطمة بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جَوهَر، البَطَائحيّ البَعْليّ، والدة الشيخ إبراهيم ابن القُرَيشة.
وُلدت في سنة خمس وعشرين.
وسمعت "صحيح البخاري" من ابن الزَّبيدي وأشياء، وسمعت من العلّامة ابن الحَصِيريّ "صحيح مسلم".
وحدَّثت في أيام ابن عبد الدائم وطال عُمرها، وروت "الصحيح" مرات.
توفيت في صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة عن ست وثمانين سنة.
سمع منها: ابني، والسُّبْكي وسراج الدين بن الكُوَيك، والتَّقي بن أبي الحسن، وعدد كثير، رحمها الله تعالى.
٦١٢ - ابن البالِسيّ **
الشيخ الأمين، العَدْل المُسنِد، عماد الدين أبو المعالي محمد ابن المحدِّث العَدل ضياء الدِّين علي بن محمد بن علي، ابن البالِسيّ، الدِّمشقي الشافعيّ، الشاهد.
стр. 586
مولده في صفر سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وبكَّر به أبوه فسمَّعه حُضورًا كثيرًا على كَريمة القرشية، وإسحاق الشاغُوري، ومحاسب الجَوبَري، وأبي الحسن السَّخاوي، وعدَّة.
وسمع من السَّخاوي في الخامسة، ومن ابن قُمَيرة، وعمر بن البراذِعيّ، والرشيد بن مَسلَمة، ومُرجّا بن الشّقيرة، ومكِّي بن عَلّان، وعِدّة.
وأجاز له عبد اللطيف بن القُبَّيطيّ، وابن أبي الفَخّار، وخلقٌ.
وروى الكثير، وخرَّجت له "معجمًا" في مجلد، ووقف أجزاءَه. وكان معروفًا بالعدالة والتحرِّي والجلالة.
توفي في جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
سمع منه سائر أصحابنا.
٦١٣ - ابن مُكرَّم *
القاضي الأنبل، الأديب البليغ، جمال الدين أبو الفضل، محمد ابن القاضي جلال الدين مُكرَّم بن علي بن أحمد، الأنصاريّ الرُّوَيفِعيّ، الإفريقي ثم المصري، المُنشِئ، من ولد رُوَيفع بن ثابت الصحابيّ.
وُلد في أول سنة ثلاثين.
وسمع من يوسف بن المَخِيليّ، وعبد الرحيم بن الطُّفيل، ومُرْتضى بن حاتم، وابن المُقيَّر، وطائفة.
وتفرَّد وعُمِّر، وأكثروا عنه.
стр. 587
وكان عالمًا فاضلًا رئيسًا، اختصر "تاريخ دمشق"، وخدم في الإنشاء، ثم وليَ نَظَر طرابلس مدة. كتبتُ عنه، وعنده تشيُّع بلا رَفْض.
مات في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
٦١٤ - رَشِيد *
ابن كامل بن رشيد، العلّامة رشيد الدين الحَرَشِيّ، الرَّقِّي، الشافعيّ، وكيل بيت المال بحلب.
ولد سنة خمس وعشرين.
وسمع: ابن مَسلَمة، وابن علّان، والقُوصِيّ، وعدّة.
وتفنّن، وله النظم والنثر، عمل في ديوان الإنشاء بدمشق، وحضر مجالس الناصر الحلبي، ووليَ نظر الحشر بدمشق، كتبنا عنه، ودرَّس بعَصْرونيّة حلب، وكان ذا عقل وصِيانة.
توفِّي بحماة غريبًا في شوّال سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
٦١٥ - العماد **
الشيخ الإمام القُدوة العارف، عماد الدين أحمد ابن العارف شيخ الحِزَامية أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن، الواسطي، الشافعي الصُّوفيّ. نزيل دمشق.
تفقَّه، وتأدَّب، وكتب المنسوبَ، وتجرَّد، ولقيَ المشايخ، وتزهَّد
стр. 588
وتعبَّد، وصنَّف في السلوك والمحبّة، وشرح أكثر "منازل السائرين" واختصر "دلائل النبوة" و "السِّيرة" لابن إسحاق. وكان يتبلَّغ من نَسْخه ولا يحب الخوانك ولا الاحتجار، وقد أقام بها مدةً.
جالستُه مرات وانتفعتُ به، وكان منقبِضًا عن الناس، حافظًا لوقته، تسلَّك به جماعة، وكان ذا ورع وإخلاص ومنابَذة للاتحادية وذوي المعقول، وله نظمٌ حسنٌ، عاش بضعًا وخمسين سنة.
وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بالمارستان الصغير، ودُفن بسفح قاسيون، ﵀.
وعاش أخوه الإمام القُدوة ناصر الدين محمد، شيخ الصُّوفية بواسط، إلى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة عن نيِّف وثمانين سنة.
٦١٦ - الدَّبَاهيّ *
الإمام القُدوة، الزاهد المُتَّبِع، شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي نصر بن الدَّباهِيّ، البغداديّ، الحنبلي.
من كِبار التجار كأبيه، ثم تزهَّد ولَبِس عباءةً، وجاور مدَّةً وتصوَّف، ولقيَ المشايخ.
وكان ذا صدق وتألُّه وإنابة، وله مواعظ نافعة، انتفَعْنا بصُحبته.
قدم دمشقَ وصحب ابنَ تيميَّة، وكان ممَّن يقول الحقَّ وإن كان مُرًّا، وفيه صفات حميدة كان يُغبَط عليها.
стр. 589
حدَّثني عن النِّشتَبريِّ بالإجازة، وأنشدني غيرَ مرة لغيره:
إبليسُ ساوَمَني عُمري فقلت له … لا بِعتُ عمري بالدُّنيا وما فيها
ثم اشتراه تفاريقًا بلا ثمنٍ … تَبَّتْ يدا صفقةٍ قد خاب شاريها
توفِّي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
٦١٧ - ابن الوحيد *
الرئيس، العالم الأديب، شرف الدين محمد بن شريف بن يوسف، الزُّرَعي. عُرف بابن الوحيد.
صاحب الخطِّ الفائق، والنظم والنثر الرائق.
وكان تامَّ الشكل، حسن البِزَّةِ، موصوفًا بالشجاعة، متكلِّمًا بعدَّة ألْسِنةً، يُضرَب بحُسن كتابته المثل.
توفِّي في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وقد شاخ.
سافر إلى العراق واجتمع بياقوت المجوِّد، وقد اتُّهِمَ في دينه حتى قيل: إنه بلَّ الدَّواةَ بخمر وكتب بها المصحف، وممَّن يَحُطَّ عليه أخوه مدرِّس البادَرائية - كان - علاء الدين ميّاس بن شريف.
٦١٨ - الساوجي **
الوزير الكبير، سعد الدين محمد بن عليٍّ العَجَمي.
أنشأ ببغداد جامعًا، قتله خربندا، وقتل معه الوزير شهاب الدين مبارك شاه، والملك ناصر الدين يحيى بن إبراهيم ابن صاحب سِنْجار، وصاحب
стр. 590
الديوان المانستري، قُتلوا ببغداد، وممّن قُتل تاج الدين الآوي الشِّيعي كبير الأشراف، وذُبح ابناه قبله، وكان جبّارًا ظالمًا، فرافَعُوه فقُتِل.
وأُخذ للساوجي أموال عظيمة، ويقال: إنه غَرِمَ على الجامع الذي بناه ألف ألف درهم.
قُتلوا في شوّال سنة إحدى عشرة وسبع مئة، قيل: إنه صلَّى ركعتين وودَّع أهله وثبت للقتل، وخلع فَرجيَّته على قاتله فباس يدَه واستجعل منه في حِلٍّ، ثم طيَّر رأسَه.
٦١٩ - ابن العَديم *
قاضي القضاة، عزّ الدين أبو البركات، عبد العزيز ابن القاضي محيى الدين محمد بن أحمد بن هبة الله بن أبي جَرَادة، العُقَيليّ، الحلبي، الحنفي، ابن العديم، قاضي حماة.
ولد سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وروى عن: ابن خليل، وأخويه يونس وإبراهيم، والضِّياء صقر، وهَديّة بنت خميس. وحدَّث بدمشق وحماة.
وكان كبير القَدر، كثير العلم، له اعتناء بـ "الكشّاف" وبـ "المِفتاح" الذي للسَّكّاكي، وملازمة الإفادة.
حَكَمَ نحوًا من أربعين سنة، ودرَّس بأماكن. سَمِعنا منه.
وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة. وسَمِعنا من أخيه.
стр. 591
وتوّفي قبله الإمام العلامة بهاء الدين عبد المحسن رحمهما الله تعالى، وهو جدُّ قاضي القضاة الجَوَاد ناصر الدين محمد ابن قاضي القضاة كمال الدين عمر بن عزّ الدين أبي البركات المذكور الحاكم بمدينة حلب الآن (١).
٦٢٠ - الحارثيّ *
قاضي القضاة، سعد الدين أبو محمد، مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد، العِراقي الحارثي، الحنبلي - والحارثيّة: قرية من بغداد - المصريُّ المولِد، الحنبلي.
ولد سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وسمع من: الرَّضِيِّ بن البُرْهان، والنَّجيب عبد اللطيف، وابن عَلّاق، وطبقتهم، وبدمشق من جمال الدين بن الصَّيرفي، وابن أبي الخير، وابن أبي عمر، وعدَّة.
وعُنيَ بهذا الشأن، وكتب العاليَ والنازل، وخرَّج وصنَّف، وتميَّز وأفاد، ودرَّس بالناصرية وبالصالحية وبجامع ابن طُولون، وحَكَمَ سنتين ونصفًا.
وقد كان قدم دمشقَ على مَشيخة دار الحديث النُّورية، ثم ضَجِرَ ورجع، وحدَّث بدمشق ومصر، وكان رئيسًا فصيحًا، عَذْب الإيراد، قوي المعرفة بالمتون والرجال والفقه، ديِّنًا صيِّنًا وافِرَ الحُرْمة، فاخر البِزَّة،
стр. 592
وكان أبوه من التُّجار.
توفّي في ذي الحِجة سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وخَلَفه في الفقه ولدُه الإمام شمس الدين عبد الرحمن.
وفيها مات الشيخ عمر بن عبد النصير القُوصِيّ الزاهد، وفخر الدين إسماعيل بن نصر الله بن عساكر، وفاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جَوْهر، وقاضي حماة عزّ الدين عبد العزيز بن محمد بن العَديم الحنفي، والقُدْوة شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي نصر الدَّبَاهيّ، والقُدوة عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي، والمسنِد عماد الدين محمد بن علي بن محمد البالِسيّ، والمُنشئ جمال الدين محمد بن مُكرَّم المصري، والمجوِّد شرف الدين محمد بن شريف بن الوحيد الزُّرَعي، والملكُ يحيى بن إبراهيم ابن صاحب سِنْجار، وقُتل معه وزير خَرْبَندا سعد الدين محمد بن علي الساوجيّ الذي أنشأ جامعًا ببغداد، والوزير مبارك شاه، وصاحب الديوان وكُحِّل أخوه، رافَعَهم الشريفُ تاج الدين الآويّ الرافضيّ بأنهم يعملون على قتل خربندا، وخطيبُ غرناطة وهو أبو محمد عبد الله بن أبي جَمْرة الرَّبَعي، وله نيِّفٌ وثمانون سنة، ومات نقيبُ الأشراف، وبحلب شمس الدين حسن بن علي بن حسين بن زهرة الحَسَني بطريق الحج، والمفتي نجم الدين إسحاق بن عليّ الحلبي مدرس اليازْكُوجيّة بمصر، وناظر الصَّدقات حلَّال المترجَم بمصر أمين الدين عبد الحق بن أبي علي بن الفارغ الحَمَوي الأديب عن ستين سنة، وناصر الدين محمد بن عمر بن أبي بكر بن ظافر البَصْري ثم المِصري عن أربع وسبعين سنة والبدر محمد ابن الصدر الكبير عز الدين عبد العزيز بن أبي القاسم
стр. 593
القُرشيّ بن المطرّز، والمفتي وكيل بيت المال مجد الدِّين عيسى بن عمر بن الخَشّاب المخزوميّ الشافعي، والذي وليَ بيت المال بمصر بعده صدر الدين أحمد، وقاضي حماة عزّ الدين عبد العزيز بن محمد بن العَديم الحنفيّ، والبدر محمد ابن شيخ الأطباء عزّ الدين إبراهيم بن السُّويدي الدِّمشقي الكاتب، والجلال محمد بن محمد البُخاريّ الحنفي خطيب الزَّنْجِيليّة، والمفتي شمس الدين محمد بن يوسف الجَزَري الشافعي بمصر، والزاهد شعبان الإربِليّ صاحب ابن الظاهريّ، والشمس محمد بن إسحاق ابن قاضي اليمن الدمشقي المُجلِّد، والصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الحسن بن الخليلي المُكَاريّ عن ثنتين وسبعين سنة، ومحتسِب حماة شرف الدين عبد الكريم ابن القُدْوة نجم الدين أبي الفَرَج بن الحكيم الحَمَويّ، والمفتي رشيد الدين رشيد بن كامل الرَّقِّي الأديب بحلب، والمُعِين عبد الرحيم بن الزَّكي أبي بكر محمد بن عبد الواحد بن الكُتُبيّ وقد وليَ نَظَرَ السُّبع، وسُنْقرشاه الظاهري من كبار أمراء دمشق، وتاج الدين عبد الحليم بن أبي بكر الرَّقِّي المعدَّل، والخطيب ركن الدين محمد بن يوسف بن نهار البَكْريّ المالكي، والمقرئ كمال الدين عبد الله بن علي الغَرْناطي اللقّيِّ بالقُدس.
٦٢١ - ابن هارون *
الشيخ المقرئ، العالم المحدِّث، الصالح المعمَّر، المُسنِد، نور الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن علي بن
стр. 594
حميد، الثعلبي، الدِّمشقي، نزيل القاهرة، وقارئ العامّة.
ولد سنة ست وعشرين.
وسمع حُضورًا في الرابعة وفي الخامسة من: ابن صَبّاح، وابن الزَّبيدي، والناصح ابن الحَنْبليّ، وسمع من الفخر الإربِلِيّ، والمُسلَّم المازنيّ، وابن اللَّتِّي، ومُكرَم بن أبي الصَّقْر، وعدَّة.
وروى الكثير، وتفرَّد في وقته، وأكثر عنه الطلبةُ والرَّحّالة.
وكان خيِّرًا، ناسكًا، متواضعًا، طيّب القراءة، مُحبَّبًا إلى العامة. خرَّج له الشيخ تقيُّ الدين علي السُّبكي "مشيخةً".
وسمع منه: البِرْزاليّ، واليَعْمَري، وأنا.
توفّي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وهو آخر من سمع من ابن صبّاح، لكنِّي ما علمتُه حدَّث عنه.
سكن مصر وهو صبيٌّ مع أُمه، وله إجازة من ابن العِماد وابن باقا، وأخبر عن ابن اللَّتِّي، وسمع من ابن المقيَّر الثاني من "حديث سَعدان"، ومن عبد الكريم بن خلف الزَّمْلَكاني الجزء الثالث من "الطُّوالات"، ومن مُكرَم "جُزء الفَلَكي" و "الموطأ"، ومن المازِني "العاشر من حديث المَيَانِجيّ"، وجزءين من "فوائد الذُّهْلي" ومن ابن صابر "معجم أبي يعلي" ﵀.
٦٢٢ - بنت عَسكَر *
الشيخة الصالحة الزاهدة المعمَّرة، هَدِيّة بنت علي بن عَسْكر البغدادي،
стр. 595
الهَرّاسُ جدُّها، اللَّبّانُ أبوها، كان بسُوق الصالحيّة بسفح قاسيون.
روت عن: ابن الزَّبيدي حضورًا، وعن ابن اللَّتِّي كثيرًا، وجفعر الهَمْداني.
وتحوَّلت في آخر عمرها إلى بيت المقدس، ثمَّ توفِّيت به في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
قرأتُ عليها لولدي "مسند الدارمي".
٦٢٣ - مُوَفَّقِيّة *
مُسنِدة القاهرة، ست الأجناس بنت أحمد بن عبد الوهاب بن عَتيق بن وَرْدان المصرية.
وُلدت سنة ثلاثين.
وسمعت من: الحسن بن دينار، وعبد العزيز النَّقّار، والعَلَم ابن الصابوني، وطائفة. وتفرَّدت بسماع أجزاء.
أخذ عنها: ابن سيِّد الناس، والواني، وابن الفخر، وسائرُ الطلبة.
توفيت يوم نصف شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
٦٢٤ - ابن حاتم **
الإمام القُدوة، العابد الفقيه، شيخ بَعلَبَكّ، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حاتم بن علي، الحنبلي.
ولد سنة إحدى وثلاثين.
وأجاز له نصر بن عبد الرزاق، وابن رُوزْبة، وابن اللَّتِّي، وابن بَهْروز،
стр. 596
وابن القُبَّيْطيّ، وعدَّةٌ.
وسمع من: سليمان الإسْعَرْديّ، وأبي سليمان الحافظ، وخطيب مَرْدا، وعدَّة.
واشتغل على الفقيه اليُونِينيّ، وصحبه، وكان له وظائف، ونَسَخ "المغني"، وطلب العلم مدة. وكان خيِّرًا، ناسكًا، فقيهًا ربّانيًّا، سلفيًّا متواضعًا، يبدأ من لقيَه بالسلام، ويأمر بالمعروف برفق، وكان والده يؤمُّ بمسجد الحنابلة في أيام الفقيه.
أضَرَّ شيخُنا إبراهيم في أواخر عمره، وسمعنا منه ومن أخته مريم.
توفّي في صفر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة ببَعلبَكَّ.
حدَّث عنه البِرْزاليُّ وطائفة.
٦٢٥ - ابن العِماد *
الشيخ الفقيه، المقرئ، الصالح، المُسنِد، عماد الدين أبو العباس، أحمد ابن قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ محمد ابن الشيخ القدوة عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سُرور، المَقدِسي، البغداديُّ المولدِ ثم المصريّ، الحنبليّ.
ولد سنة سبع وثلاثين وست مئة.
وسمع سنة اثنتين وأربعين من الكاشْغَريِّ، وابن الخازن، وسمع بمصر من عبد الوهاب بن رَوَاج وطائفةٍ.
стр. 597
وتفرَّد بأجزاء عالية، أخذتُ عنه، وكان يؤمُّ بمسجد، وله مَدارس.
مات في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
روى عنه: القُطْب، والبِرْزالي، والسُّبْكي.
٦٢٦ - ابن الصَّوَّاف *
الشيخ الإمام الفاضل الخطيب، المعمَّر المُسنِد، نور الدين أبو الحسن، علي بن نصر الله بن عمر بن عبد الواحد، القرشي، المصري، الشافعي، خطيب قريةٍ بظاهر القاهرة.
روى أكثر "صحيح النسائي" عن عبد العزيز بن باقا، وسمع أيضًا من: جفعر الهَمْداني، والعَلَم ابن الصابوني، وأجاز له أبو الوفا بن مَندَه، وأبو سعد المَديني، وعدة.
وتفرَّد ورحلوا إليه، وكان خاتمةَ من سمع شيئًا من ابن باقا.
سمع منه: السُّبْكي، والوانيّ، وابن خلف، وابن المُهندِس، وابن حَرَميّ، وعدَّة. وإنما ظَهَر لهم بعد رحلتي إلى مصر، أثنَوا عليه.
وتوفّي في رجب سنة اثنتي عشرة، عن نيِّف وتسعين سنة.
٦٢٧ - الأَذْرَعيّ **
العلامة قاضي القضاة، شمس الدين محمد بن إبراهيم بن إبراهيم بن داود الحنفي، مدرِّس الشِّبلية.
стр. 598
إمامٌ بارع، مدرِّس الفقه والأصول والعربية.
سمع من: ابن عبد الدائم، ومحمد بن النُّشَبِيّ.
ودرَّس بحلب مدةً، ثم وليَ قضاء دمشق في آخر سنة ست وسبع مئة، ثم عُزِل بعد سنة.
تفقَّه بالرَّشيد سعيد، وبابن الشُّجاع.
مات سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بمصر، عن ثمان وستين سنة.
وهو والد الشيخ شهاب الدين أحمد (١) الذي كان مقيمًا بمصر ووليَ بها نيابة الحُكْم، ونال بها الجاه والشُّهرة، ثم كَسَدَت سوقُه، ثم مات بها أيضًا عفا الله عنّا وعنه سنة إحدى وأربعين وست مئة في رمضان.
٦٢٨ - سِبْط زيادة *
الشيخ العالم، المقرئ المجوِّد، الصالح المعمَّر، بقيَّة المُسنِدين، زين الدين أبو محمد، الحسن بن عبد الكريم بن عبد السلام بن فَتْح، الغُمَاريّ المغربيّ ثم المصريّ، المالكي المُلقِّن المؤدِّب، سِبْطُ الفقيه زيادة بن عِمران.
مولده سنة سبع عشرة وست مئة بمصر.
وتلا بالروايات على أصحاب أبي الجُود.
وسمع من: أبي القاسم بن عيسى جملةً صالحة، فكان آخر من حدَّث
стр. 599
عنه، بل ما روى لنا عنه سواه وكان عنده عنه "التيسير" و "التذكرة" و "العنوان في القراءات"، وكتاب "المحدِّث الفاصل" للرَّامَهُرمُزِيّ، وكتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود، وعدَّة أجزاء، وسمع الشاطبيَّتين من أبي عبد الله القُرطبي تلميذ الشاطبيِّ، وتفرَّد بمرويّاته.
وكان شيخًا حسنًا كاسمه، خيِّرًا متواضعًا، طيِّب الأخلاق، طلب أن يَحمِل عنِّي شيئًا.
روى عنه: أبو حيّان، واليَعمَري، والوانيّ، وابن الفخر، والسُّبكي، وعدَّة.
مات في شوّال سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وله خمس وسبعون سنة.
وفيها مات الفقيه إبراهيم بن أحمد بن حاتم ببَعْلبَكّ، وصاحب مارِدِين الملك المنصور غازي الأَرْتُقيّ عن نيِّفٍ وستين سنة، والشيخ علي بن محمد بن هارون المحدِّث بمصر، وهَديّة بنت علي بن عَسْكر، والعماد أحمد بن محمد بن العماد الحنبلي، والقاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن إبراهيم الأذْرَعيّ الحنفي، والنُّور علي بن نصر الله القُرشي ابن الصوَّاف بمصر، وست الأجناس مُوَفَّقية بنت أحمد بن وَرْدان، والشَّرَف عبد الأحد بن أبي القاسم بن تَيْميّة البزّاز، وسلطان القَفْجاق طقططاي، وعفيف الدين عبد الخالق ابن الفارغ، والمحدِّث عز الدين يوسف بن حسن الزَّرَنْديّ المدني، والمقرئ إبراهيم بن داود الكُردي، وعزّ النساء بنت محمد بن خلدون، وشهاب الدين أحمد بن مروان البَعلَبَكّي، والصدر تاج الدين أحمد بن محمد بن الشِّيرازي ببُستانه، والمُظفَّر غازي ابن صاحب الكرك الناصر داود، وناصر الدين محمد بن عطاء الله ابن الخطيب، والأديب
стр. 600
البارع شرف الدين محمد بن موسى المَقدِسي بمصر، والبدر أحمد بن محمد بن الحسن بن الصَّواف، والعلاء علي بن أحمد بن أبي القاسم بن البقّال، والقاضي شرف الدين يوسف بن أبي المجد النَّصِيبيّ عن اثنتين وتسعين سنة، ومدرِّس الصَّلَاحية بالقدس نجم الدين داود الكُرْدي الشافعيّ، والشمس محمد بن أيوب بن الأُطروش المجلِّد، وست القضاة بنت الشِّيرازي، والزاهد الكبير الشيخ علي بن حسن السَّقْباني عن نيِّفٍ وثمانين سنة.
٦٢٩ - صاحب مارِدِين *
الملك المنصور، نجم الدين غازي ابن الملك المظفَّر فخر الدين قرارسلان ابن الملك السعيد نجم الدين غازي ابن المنصور ناصر الدين أرْتُق ابن الملك قطب الدين أيل غازي ابن الملك ألبي ابن الملك تَمرتاش بن غازي بن أرْتُق بن أكسب، التُّركماني الأرتُقيّ.
والأرْتُقيّة: قبيلة من خيل دكر، والسَّلْجُوقيّة من خيل قنق، وهما من التُّرك الغُزِّيّة، فأول مَن ملك مارِدين من ملوكها هولاء أيل غازي بن أرْتُق، استولى عليها سنة تسعين وأربع مئة، فلدولتهم نحو من مئتين وخمسين سنة.
تملَّك صاحب الترجمة المنصور بعد أخيه الملك السعيد شمس الدين داود، الذي قام بعد أبيهما المظفَّر الذي حاصره جيش هولاكو تسعة أشهر فمات، فضَعُفَت نفسُ ابنه ونزل إلى المقدَّم ومَتَّ بخدمته للقان: وإنما