تملَّك بعد أخيه غازان، فكانت دولته ثلاث عشرة سنة.
وكان شابًّا مليحًا، أعور، جوادًا، لعّابًا، محبًّا للعِمارة، أنشأ مدينة جديدة بأذربيجان، وهي السلطانية، وقد حاصر الرَّحْبة، وافتتحها بالأمان سنة اثنتي عشرة، وعفا عنهم وحلفوا له، فلمّا ترحَّل التمس القاضي والأمير وطائفة من الملك الناصر أن يعزلهم لمكان اليمين، ففعل.
وما زال به الإمامية حتى رفّضُوه، وغيَّر شعارَ الخطبة وأسقط ذكر الخلفاء سوى علي ﵁، وصمَّم أهل باب الأَزَج على مخالفته، فتنمَّر وأمر باستباحة أموالهم ودمائهم، فعُوجِلَ بعد يومين بهَيْضة (١) مزعجة، داواه فيها الرشيد بمُسهِّل منظِّف فخوَّر قُواه، وتَلِفَ ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة ست عشرة وسبع مئة، وتملَّك بعده ابنه أبو سعيد، ودُفن بالسلطانية بتربته وهو في عشر الأربعين أو جاوز الأربعين، سامحه الله.
٦٦٠ - رشيد الدولة *
فخر الوزراء، مُشير الدول، رشيد الدولة، فضل الله بن أبي الخير بن عالي، الهَمَذاني، الطَّبيب، العطّارُ والده.
اشتغل في الطب وفي علم الأوائل، وأسلم، ومات أبوه على يهوديَّته، واتَّصل هو بقازان وخربندا، وعظُم شأنه جدًّا، وكثُرت أمواله، وصار في رتبة الملوك.
ولما طبَّب خربندا فهلك شَغَّب عليه أحد الوزراء علي شاه، فدارى
стр. 632
عن نفسه بقناطير الذهب وجواهر، فيقال: أخذ منه النائب جوبان ألف ألف مِثقال، ثم قتلوه، وقتلوا ابنه قبله.
وكان فيه حِلْمٌ، وتواضع، وسخاء، وبذلٌ للعلماء والصُّلحاء، وله رأي ودهاء، ومروءة، وقد فسَّر القرآن، وأدخل في ذلك فلسفة. وقيل: كان جيِّد الإسلام. عاش بضعًا وسبعين سنة.
ثم وَزَرَ ولده محمد بعد ذلك بسنوات، وتمكن وصار هو الكل، ثم قتل.
ولمّا طلبوا الرشيد إلى الخدمة قيل: أنت الذي قتلت القان؟ قال: أنّى يكون ذلك، وقد كنت عطّارًا طبيبًا خاملًا، فصيَّرني متصرِّفًا في الممالك، وحصَّلت الأموال العظيمة، فأُحضر الطبيب جلال الدين ابن الحزّان وسألوه، فقال: أفرطت الهَيْضةُ بالقان، فاجتمع أطباء بحضور هذا، ورأوا أن يعطوه مُقبِّضًا، فقال الرشيد: عنده امْتِلاءٌ، ويحتاج إلى تنقية، فسقيناه برأيه مُسهِّلًا خارت منه قُواه، فقال الرشيد: صدق، فقال جوبان: فأنت قتلته يا رشيد، وغَوَّث علي شاه: يا سلطاناه! فقتلوه وابنَه إبراهيم وعمرُه ستَّ عشرةَ سنة.
وطِيفَ برأسه في نصف جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
وسُرَّ بمصرعه خلقٌ وتوجَّع آخرون، وقد فُصلت أعضاؤه، وبُعث بكل عضو إلى بلد، وأُحرقت جثَّته، وخلَّف عدة بنين وبنات.
وله تصانيف واهية، وعمائر فاخرة، وأموال لا تنحصر، وكان الشيخ تاج الدين الأفضلي يذمُّه ويرميه بدين الأوائل، فحلمَ عنه وصَفَحَ.
وبالجملة فللرشيد مكارم، وشفقة وبذل ووُدٌّ لأهل الخير، وقد أُحرقت تواليفه بعده.
стр. 633
٦٦١ - ابن فَضْل الله *
القاضي الأثير، البليغ، عين المملكة، شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن فضل الله بن مُجلّي، العَدَويّ، كاتب السرِّ.
مولده في ذي الحِجة سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
نظر في الآداب وعلوم الحديث، وكتب المنسوب، وتنقَّل إلى أن وليَ رئاسة الإنشاء مدةً طويلة بمصر.
وكان كاملًا في فنه، أمينًا على الدُّوَل، ذا عقل وسُؤدَد ورَزانة، وخبرة بأمور الملك وأسراره، مع الدين والصيانة، وصحة التقوى، وطول البقاء.
سمع في كهولته من ابن عبد الدائم، وأجاز له ابن مسلمة وغيره، ثم نُقل إلى كتابة السِّرّ بدمشق، وكان ذا تجمُّل وثروة وأموال.
توفّي في رمضان سنة سبعة وعشرة وسبع مئة.
ورَثَتْه البُلَغاء كالقاضي شهاب الدين محمود الذي وليَ بعده، والشيخ علاء الدين ابن غانم، وفيه يقول الشهاب:
لِتَبكِ المعالي والنُّهى الشَّرَفَ الأعلى … وتَبْكِ الوَرَى الإحسانَ والحِلمَ والفَضْلا
وقالوا قضى عُمرًا طويلًا، نَعَم قضى … زمانًا ولم تُعرَفْ له صَبْوةٌ أصلا
стр. 634
وكان جميلَ الظنِّ جِدًّا بربِّهِ … ويُحسِن في أهل التُّقى القولَ والفِعلا
٦٦٢ - ابن سَلَامة *
شيخ المالكية، قاضي القضاة، فخر الدين أحمد بن سلامة بن أحمد بن سلامة بن يوسف بن علي بن عبد الدائم، البَلَويّ، القُضاعيّ، الإسكندراني.
مولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
وتفقَّه، ودرَّس، وأفتى وتصدّر للإفتاء.
وكان من أوعية العِلم أصولًا وفروعًا، ومن سَرَوات الرِّجال سُؤددًا وحِشْمة، ومن خيار الحكماء عفَّة وصرامة، مع الصِّيانة والدِّيانة والوَقار والرّزانة، وكان من أنظر الفقهاء وأوسعهم علمًا.
وليَ قضاء دمشق ثمانية عشر شهرًا بعد قاضي القضاة جمال الدين ابن سُومر الزَّواويّ.
وتوفّي في ذي الحِجة سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وتأسَّف الناس عليه.
٦٦٣ - ابن الشَّرِيشِيّ **
العلّامة القاضي، كمال الدين أحمد ابن العلامة جمال الدين محمد بن أحمد، البَكْري الوائليّ، الأندلسيّ، الشَّرِيشِيّ، الشافعيّ.
стр. 635
وُلد بسِنْجار في سنة ثلاث وخمسين.
واشتغل على أبيه، وسمع من: النَّجيب عبد اللطيف، وأحمد بن أبي الخير، وجماعة.
وشارك في الفضائل، وناب في القضاء عن ابن جَمَاعَة، ثمَّ درَّس بالشامية ثم بالناصرية مع الوكالة، ومشيخة دار الحديث الأشرفية والصالحيّة والرِّباط الناصري.
وكان مَهيبًا، حَسَن السَّمْت، يُذكر للقضاء لعلمه وتحرُّزه وأمانته وجلالته.
توجَّه للحج فتوفّي بالحَسَا في سَلْخ شوال سنة ثمان عشرة.
وهو والد العلّامة جمال الدين قاضي حمص في وقتنا، وكان أبوه من كبار الأئمة الأعلام، رحمة الله عليه
٦٦٤ - ابن الحَريري *
الشيخ علي بن محمد ابن الشيخ الكبير علي الحَريري شيخ الفقراء.
كان أحد الأخوين التوأمَيْنِ المُلقَّبينِ بالحِنِّ والبِنِّ، وكانا قد دخلا في أذيَّة الناس أيام قازان.
فغرق هذا في جامع بلد بَعلَبَكّ بالسيل العظيم الذي لم يُسمَع بمثله بعد الطُّوفان، جاء سيلٌ في صفر سنة سبع عشرة وسبع مئة ببَعلَبَكّ من شرقي البلد بشمال، فأقبل بحدَّةٍ إلى السُّور فخَرَقَه، بل ساقَه بين يديه سعة أربعين ذراعًا من مساحته، فمشى بإذن الحيِّ القيُّوم على هيئة لم يتغيَّر مسيرةَ خمسِ مئة ذراع، ثم سقط بعد ذلك، وتَدَكدَكَتْ حجارتُه الضخام
стр. 636
المبنيَّة إلى أعلاه، فسبحان الله العظيم! وهذا أمرٌ ثابت لا ارتيابَ فيه، ودُثِر ما في المسافة في البلد من الدور والحوانيت، وغرق خلقٌ من الرجال والنساء، وزَخَمَ الماءُ إلى الجامع من جهة الأمِينيّة فغرَّق الجامع ومَن فيه، وهَدَم حائطه الغربيَّ، ونزل إلى خندق القلعة، وذهب إلى البساتين، ولم يكن مقدار الماء على قدر ما بدَّع وأباد، لأنهم رأَوه في البساتين ليس بكثير بل كان آيةً حيَّرت العُقلاء، ووقع أوله رعدٌ عظيم وبرقٌ متواصل، وخرَّب نحو ثلث بَعلَبَكَّ، وكانت ساعةً كالساعة، ووقع الصُّراخ والعَويل في أرجاء المدينة على الغُرَقاء، فكانوا أزيَدَ من مئة وأربعين غريقًا، خَرَقت من السُّور بُرْجًا تامًّا سُمْكُه خمسة أذرُع من البَدَنتَينِ عن يمينه وشماله، فحمله الماءُ على هيئته، ولعلَّ زِنَةَ هذا الذي حمله الماء ثلاثة آلاف قنطار بالدِّمشقي، وذهبت الأموال والأملاك والرجال، صَدَم حائط الأَمِينيّة فأخذَ مِن بيت المدرِّس زوجتَه وحماتَه وكُتبَه إلى صحن المدرسة، فغرقت الأمُّ وشافت (١) الزوجة، فألقاها السيل على عقد باب المدرسة ثم أنزلت بسُلَّم، قال لي زوجها القاضي شمس الدين ابن المجد أعجب من ذلك: أنَّ زَخَم الماءِ دفع رأس عمودٍ ألقاه على رأس سارية بحذاء العمود، بينهما مسافة أذرع. وذكر ثقاتٌ: أنهم رأوا عمودًا عظيمًا من نار نزل في أول السيل ودخانًا وصرخات وهَلَك في حمّام سبع نسوة. وقيل: عِدّة ما انهدَّ من بيتٍ وحانوت: ست مئة مكان.
المَهْدي
خرج جَبَليٌّ دجّال، والتفَّ عليه نُصَيْريّة بجَبَلة، وقاتلوا وكثروا،
стр. 637
فقيل: بلغوا ثلاثة آلاف، فادَّعى أنه المهديّ، وقيل: ادَّعى أنه الإمام عليّ ﵁، أو أنه النبيّ ﷺ ، وقيل: هو المنتظَر، وصرَّح بأنَّ دين النُّصيريّة حقٌّ وما عداه باطل، وبدَّعوا، وفعلوا العظائم، وأَمر بخراب المساجد، ثم ركب إليهم العسكر، فقُتل هذا الشقيُّ في جماعة، وتمزَّقوا في سنة سبع عشرة.
٦٦٥ - المُقاتِلي *
المحدِّث، الذَّكي، المفيد، فخر الدين أبو عمرو، عثمان بن بَلَبان، الكُفْتيّ.
وُلد سنة خمس وسبعين.
وسمع في سنة أربع وتسعين، وكتب ودار على الشيوخ، وخرَّج لغير واحد، ثم تجسَّر وقرأ بنفسه.
سمع من: ابن أبي عَصرُون، وابن القوَّاس، والشَّرف ابن عساكر، وفي الرِّحلة من الدِّمياطي، وابن القيِّم، وسُنقر الحلبي، وعدّة.
وتميَّز وداخَلَ الرؤساء إلى أن صار مُعيدًا في المنصورية للحديث، وسكن مصر سنوات، وصاهَرَ ابنَ الظاهريِّ، وحدَّث بأجزاء، كتبت عنه بالمَعرَّة، وكان حلو المحاضرة، سامحه الله تعالى.
توفّي في شوال سنة سبع عشرة وسبع مئة.
وكان يحفظ بعض القرآن، ﵀.
стр. 638
٦٦٦ - الطُّوفِيّ *
العلّامة، نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، العراقي، الحنبلي، الرافضي.
سمع من: ابن الطَّبّال، والرَّشيد، وبدمشق من عيسى المُطعِّم.
وتفقَّه وبرع وصنَّف، له مؤلف في أصول الفقه، وشرح "الروضة" للشيخ موفَّق الدين في الأصول في ثلاثة أسفار، فأجاد وأفاد، وشرح "المقامات" أيام كُسِرت رِجْلُه، ولم يك عنده كتب، ولكن من صدره، ونظمٌ كثيرٌ جيِّد.
قدم علينا سنة أربع وسبع مئة، وسكن مصر، وحجَّ وجاور، عُزِّر بالرفض بالقاهرة على حمار، لكونه نال من الصحابة في شِعره، وكان ديِّنًا ساكنًا، قانعًا فقيرًا، وقيل: تاب في الآخر من الرفض والهجاء، قيل: اختصر "جامع الترمذي".
وهو القائل عن نفسه:
حَنْبليٌّ رافضيٌّ ظاهريٌّ أشـ … ــعَريٌّ هذهِ إحدى الكُبَرْ
وليَ بمصر إعادةً، وتقدَّم، ثم هجا قاضيَهم، وقيل: إنه قال في شعره هذا البيت:
كم بينَ مَن شُكَّ في خلافَتِه … وبينَ من قيل: إنّه اللهُ
مات ببلد الخليل في رجب سنة ست عشرة وسبع مئة كهلًا. وعاش
стр. 639
أبوه بعده سنواتٍ.
٦٦٧ - ابن عبد الظاهر *
الصدر الأوحد، المُنشِئ، علاء الدين علي ابن الوزير فتح الدين محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله ابن شيخ القرّاء عبد الظاهر بن نشوان، الجُذَامي، المِصري.
من كبار البلغاء، وكان بيته مَجْمَع الأدباء، نسخ عدة كتب، وكان ديِّنًا نبيلًا، له النظم والنثر، سمع بقراءتي من ابن الخلّال.
توفّي في رمضان سنة سبع عشرة، بعد ابن فضل الله بليال، وكان من أبناء الأربعين.
ورثاه الشيخ شهاب الدين محمود بقوله:
اللهُ أكبرُ أيُّ ظلٍّ زالا … عن آمِليهِ وأيُّ طَوْدٍ مالا
أنعى إلى الناسِ المَكارِمَ والندى … والجُودَ والإحسانَ والإفضالا
أنعى علاءَ الدِّين صدْرَ زمانِهِ … خَلْقًا وخُلُقًا بارعًا وجَلالا
ومهذّبًا مَلأَ القلوبَ مَهابةً … والسَّمعَ فَضْلًا والأكُفَّ نَوَالا
٦٦٨ - ابن المَقدِسي **
الإمام المدرِّس، الزاهد، محيي الدين أبو زكريا، يحيى ابن الخطيب أحمد بن نِعمة بن أحمد بن جعفر، المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي.
إمام مشهد علي، ومدرِّس الجارُوخيّة.
стр. 640
شيخ فقيه، عارف بالمذهب، ذو خير وتواضع واطِّراحٍ للتجمُّل، وحُسن أخلاقٍ.
وُلد سنة تسع وعشرين وست مئة.
سمع: أباه، ومكّي بن علّان، والرشيد العراقي، والشرف المُرْسيّ، وخطيب مَرْدا، وابن خطيب القَرَافة، والنجم البَلْخيّ، وابن الدَّهان، وعبد الله ابن الخُشُوعي.
وخرَّج له البِرْزاليُّ "مشيخةً"، وأخذ عنه هو، والوانيُّ، والمُحِبُّ، والعلائيُّ، وعدَّة.
كبُر وضعُف، وترك التدريس وغيره، وقنع بمشيخة دُوَيْرة حَمَد، وحدَّث بالكثير وتفرَّد.
توفّي في شهر رمضان سنة ست عشرة وسبع مئة، ﵀.
وهو أخو خطيب دمشق شيخِنا شرف الدين، وأخو مدرِّس الشامية العلامة شمس الدين.
٦٦٩ - البَلَديّ *
الصدر المعظَّم، القاضي، عز الدين عبد العزيز بن عَدِي بن عبد العزيز البَلَدي.
وبَلَد: بُليدة على يومين من غربيّ الموصل، وقد دُثِرت.
نشأ بالموصل صَيرفيًّا في سوق الغَزْل، ثم اشتغل وبرع، وكان من أذكياء زمانه، فطلب وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فأتقن الطبَّ، ومَهَر في
стр. 641
مذهب الشافعي، حفظ "الحاوي"، وتقدَّم في الفرض والجَبْر والمقابَلة.
ودخل الشام وغيرها، واتصل بصاحب أرْزَن الروم الملك الصالح، وكان الملك نُصَيريًّا، فدخل ابن عديّ في زندقته، فولّاه القضاء والمشاوَرة، فظَلَم وتمرَّد، وصار يركب في هيئة ملك، فقَتَل مُفسِدًا فثار عليه أقاربه وشَكَوه إلى قازان، فطلب صاحب أرزن لذلك، فأحال على القاضي، فأُخذ إلى الأُرْدُو، فشدَّ منه صاحب مارِدِين الملك المنصور، وأصلح حاله مع خُصومه، وقدم الموصل، ودرَّس وناب في القضاء عن كمال الدين ابن يونس، ولما عَزَل كمال الدين نفسه، وليَ حجة الدين عبد الرحمن ابن الشَّهْرزُورِيّ، فاستنابه، ثم اشتَهَر أنه نُصَيريٌّ، ففرَّ إلى أرْزَن في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فبقيَ بها مدة حتى مات من نزلة مُزْمنة، فصَنَع له حمّامًا لطيفًا من نحاس، وحلَّف أهله لا يفتحون عليه، ثم أغلقه عليه، فأخذه الكَرْبُ فصاح، ففتحوا له فغُشِيَ عليه مرات، ثم ضَعُف قلبُه وعاوده الغشيُ أيامًا وهلك، كان قَصَدَ أن تتحلَّل النَّزْلة بالعَرَق، ونسيَ مراعاة القلب.
وغالبُ اشتغاله على السيد ركن الدين، واختصر "شرح السنة" للبغوي.
توفي سنة بضع عشرة.
٦٧٠ - المَرَّاكُشيّ *
الشيخ المقرئ الصالح، زين الدين أبو عبد الله، محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف، الصُّنْهاجيّ، المرّاكشي، ثم الإسكندري، إمام مسجد
стр. 642
قداح.
سمع: عبد الوهاب بن رَوَاج، ومظفّر ابن الفُوِّيّ، سمع السِّتة أجزاء الأوائل من "الثَّقَفيّات" من ابن رَوَاج.
أخذ عنه الرَّحّالون، وكتب في الإجازات.
توفّي في ذي الحِجة سنة سبع عشرة وسبع مئة، وقد قارب الثمانين.
ومَرّاكُش: مدينة عظيمة أُحدثت في دولة تاشفين البَرْبري في أواخر المئة الخامسة، وجُعلت دارَ المُلك إلى أن استولى على البلاد السلطان عبد المؤمن، فنزلها هو وبنوه، يقال: كانت شَعْراء (١) يقف بها حرامي يقطع الطريق اسمه مرّاكش، فسُمِّيت به. وهي بأقصى المغرب، والآن فقد خفَّ أهلُها، وصارت مدينةُ فاس دار المُلك في الدولة المَرِينِيّة لطِيبِها وكثرة مياهها، وهي في مقدار دمشق أو أكبر منها.
٦٧١ - رافع *
ابن أبي محمد هَجْرس بن محمد بن شافع بن نعمة السَّلّاميّ الصُّمَيديّ، الشافعي، المقرئ المحدِّث، الإمام الخيِّر، أبو العلاء، نزيل القاهرة.
وُلد سنة ثمان أو تسع وستين وست مئة.
وسمع من: ابن أبي عمر، وابن الصابونيّ، والفخر عليّ.
وحفظ "التَّنبيه"، وتلا بالسَّبع على المَكِين الأسمر وغيره، وسمع بمصر من: غازي، وابن خطيب المِزَّة، وابن حمدان.
стр. 643
وشارك في الفضائل، ووليَ عْقَد الأنكحة، وسمع الكثير، وقرأ ونسخ، وارتحل بولده الحافظ أبي المعالي فسمَّعه من القاضي تقيِّ الدين.
وكان خيِّرًا، وقورًا، ساكنًا، جيد الفضيلة، مشهورًا.
توفّي في ذي الحِجة سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
وروى عنه: ابنه، وابن الدِّمياطي.
٦٧٢ - ابن الشَّرِيشيّ *
الشيخ الإمام العلّامة، كمال الدين أبو جعفر، أحمد ابن شيخ الإسلام جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله سُجْمان الوائليّ البَكْريّ، الأندلسيّ، الشَّرِيشيّ، الدِّمشقي، الشافعيّ.
شيخ دار الحديث، ووكيل بيت المال، ومدرِّس الناصريّة.
مولده بسِنْجار في رمضان سنة ثلاث وخمسين.
وسمع من: النَّجيب وأخيه بمصر، ومن أبيه، وابن أبي عمر، والجَمَال ابن الصَّيرفي، وابن أبي الخير، والكمال ابن فارس، وابن عَلّان بدمشق.
واشتغل على والده وطائفة، ثم طلب الحديث، وسمع من ابن البخاريّ "السُّنن الكبير" ومن جماعة.
وشارك في الفضائل، وتميَّز، وأفتى، وذُكر لقضاء الشام.
стр. 644
وكان تامَّ الشكل مَهِيبًا، حسن المناظرة، جيِّد العقل، مشهورًا في الأوقاف، خبيرًا بالأمور، مليح النظم، مدرسًا للعربية وكثير من الأصول.
وليَ الرِّباط الناصري بعد أبيه، ومشيخة أم الصالح، وناب عن ابن جَمَاعة في الحكم، ثم درّس بالشامية الكبرى، ثم بالناصرية، وكان فيه مرؤة وعصبية، وليَ نظر الجامع، وكان ذا نهضة وأمانة وسَكينة.
سمع منه: ابني عبدُ الله، والمِزِّي، والبِرْزاليّ، والعَلَائيُّ، والمُحِبّ.
وحجَّ غير مرة، وحدَّث بمصر.
توفّي في سَلْخ شوال سنة ثمان عشرة بمنزلة الحَسَا، ودُفن على الجادَّة.
وولي بعده بدار الحديث المِزّيُّ، وخلَّف ابنين، أحدهما الإمام جمال الدين قاضي حمص. وانتقى عليه المُقاتلي ثلاثة أجزاء.
٦٧٣ - السَّاعاتي *
الإمام، الصالح، زين الدين عبد الرحيم بن علي بن عبد الرحيم، البغدادي، الأستاذ في شَدِّ البناكيم (١).
وُلد سنة إحدى وأربعين وست مئة تقريبًا.
وقدم الشام قُبيل كائنة بغداد، ودخل مصر فتفقَّه، وصحب الشيخ شمس الدين ابن العِماد
وسمع من: الرَّشيد العطار، والكمال الضرير، والنَّجيب، وابن علّان.
стр. 645
وعُنيَ بالرواية، ثم قدم دمشق فأكثر عن ابن أبي عمر، والمسلَّم بن علّان، ولازم الشيخ علي بن نفيس.
وكان مليح الشكل، حسن البِشر، خيِّرًا عالمًا، يدري القراءات، وينسخ القرآن على الرَّسم الأول، وكانوا يعتمدون على بناكيمه لتحريرها.
سَمِعنا منه. أمَّ بالرِّباط الناصري مدةً.
وتوفي فجأة بالحمّام بقاسيون ﵀ في جمادى الأول سنة تسع عشرة وسبع مئة.
٦٧٤ - ابن حَدِيدة *
الإمام الواعظ المُذكِّر، أبو الحسن علي بن أحمد بن حَديدة الأندلسيّ، شيخ بيت المَقدِس.
مات في رمضان سنة تسع عشرة عن نحو السبعين.
حفظ "الموطأ"، وقرأ "صحيح مسلم" على ابن كُحَيْلة ببِجَاية، وبرع في التفسير، وتكلَّم على الناس، وأخذ التصوُّف عن خطيب مالِقة أبي عبد الله الساحلي وأبي محمد المَرْجانيّ.
ووَعَظَ بالمغرب، ثم انتقل إلى الشام، وحجَّ مرات، وله زوايا بأماكن، وأتباع ومحبُّون، وأقام مدةً بالإسكندرية، كان أبو فارس الأَسَفِيُّ يعظِّمُه ويُثني عليه.
٦٧٥ - ابن مَخْلُوف **
قاضي القضاة، كبير المالكيّة، زين الدين أبو الحسن علي بن مخلوف
стр. 646
ابن ناهض بن مسلم، النُّوَيري، المالكي.
حَكَم بالديار المصرية نيِّفًا وثلاثين سنة.
وحدَّث عن: الشرف المُرْسي، وابن عبد السلام.
وكان فيه مروءة واحتمال، ورِفق بالفقهاء، وله دُرْبةٌ بالقضاء وبَتِّ الأحكام.
توفّي في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وله خمس وثمانون.
حَكَم بعد ابن شاش، وولي بعده القاضي تقيّ الدين ابن الإخنائيّ.
شأن الزَّوْبعة
هاجت ريحٌ عاصفٌ بأرض طرابُلس في صفر سنة ثمان عشرة فكسرت البيوت، وتشكَّلت عمودًا أغبر إلى السحاب، ودامت نحو ساعة على زوق المقدَّم طُرْلي من مَنْكلي، فما تركتْ شيئًا له، فقال: يا ربِّ، بقيت العائلة بلا رزق، فعادت الريح كالتنِّين، فأهلكته، وأهلكت امرأته، وبنته وولديها وجاريته، وتتمَّة أحد عشر نفرًا، وتكسَّر ثلاثةُ أنفُسٍ من الأحجار والأخشابِ، وحَمَلَت الريحُ جملين عُلُوَّ عشرةِ رماح، وتمزَّق الأثاث والقماش، وحَمَلَت امرأةً نحوَ رميتي نُشّاب، وأَخذت أربعةَ أجمال للعرب، ثم سقطت من الجوِّ هَلكَى، وهلك دوابُّ كثير، ثمَّ نزل مطرٌ وبَرَدٌ كِبار نحو وُقِيَّتَينِ وأكثر مثلَّثُ الشكل ومربَّع كزَلَطِ الحجارة، وهلكت الزُّروع، وكُتب بذلك مَحضَرٌ أثبَتَه قاضي طرابلس، فسبحان الله العظيم!
قَحْط الجزيرة
توفي في سنة ثمان عشرة بالموصل وإربل وديار بكر من الغلاء والفناء
стр. 647
عالَمٌ عظيمٌ بالمَرَّة، وبلغ الخبز بالرِّطل الشامي بثلاثة دراهم، وباعوا أولادهم، وأُكلت المَيْتات.
وقيل: إنَّ مدينة جزيرة ابن عمر مات بها نحو خمسة عشر ألفًا، وباعوا من أولادهم نحو ثلاثة آلاف صبيٍّ، كان التتار يشترون الصبيَّ من أبيه بعشرين درهمًا وإلى خمسين، وكانت الكلاب تأكل في الموتى، وتأوي إلى الجامع، وبَطَلَت نحو أربع جُمَع، ولم يبق بمَيّافارِقين سوى سِتِّ حوانيت، وباع بالمَوصل إنسانٌ ولده باثني عشرة درهمًا، وقال: غرمتُ على طَهُوره خمسين دينارًا، وبقيَ بعضهم يتوقَّف في شراء أولاد المسلمين، فكانت البنت تقول: أنا نصرانية لتُشتَرى، وتكون مسلمة، تفعل ذلك من الجوع.
ونَزَحَ من إربل نحو أربع مئة بيت إلى جهة مَرَاغة، فماتوا من الثلج، وبقيَ بإربل بعد خمسةَ عشرَ ألف بيتٍ نحو خمس مئة بيت.
ولقد حدَّثني الفقيه بهاء الدين المَوصِليّ الحنبليّ عجائبَ عن غلاء الجزيرة والعراق من ذلك: أنَّ رجلًا باع ابنه برغيف فأكله، ثم مات. وأما أكل الكلاب والمَيتة فشائع ذائع، وأُكلت لحوم الآدميِّين.
قال: ودام ذلك القحط أربع سنين، وجرى ما لا يعبَّر عنه، أكلتُ وأهلي في نهارٍ خبزًا بثمانية عشر درهمًا، واشتريت هيكلًا بدرهم يساوي ثلاثين، وأخذت "الهِداية" بخطٍّ جيِّد بدرهم.
قلت: أما أهل بغداد فكانوا في القحط، لكن ما باعوا الأولاد، ولا شاع فيهم أكل الجِيَف، قلَّت عليهم الأمطار، وسببُه أولًا جرادٌ عظيم، وخربت القرى، مع جَوْر التتار بموت القان خَربندا.
стр. 648
٦٧٦ - ابن عبد الدائم *
الشيخ الصالح المعمَّر اليقظ، مُسنِد الوقت، أبو بكر ابن الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نِعمة، المقدسي، الصالحي، ويُعرف بالمُحتال.
وُلد بكَفْر بَطْنا إذ والده خطيبٌ بها في سنة خمس أو سنة ست وعشرين وست مئة.
وحضر على سعيدة المقدسيّة في سنة سبع وعشرين، وسمع في سنة ثلاثين على الفخر الإرْبِليّ، وسمع "الصحيح" كلَّه على ابن الزَّبيدي.
وسمع أيضًا من: الناصح ابن الحنبلي، وسالم بن صَصْرَى، وجعفر الهَمْداني، والشيخ الضياء، والسيف ابن المجد، وإبراهيم الخُشُوعي، وجماعة.
وأجاز له أبو الحسن بن رُوزْبَة وأقرانه من بغداد.
وحجَّ ثلاث مرات، وأضَرَّ قبل موته بأعوام، وثقُل سمعه، ولكن كان ذا هِمَّة وجلادة وفَهْم، وله عبادة وأذكار، وقد حدَّث في زمان والده.
وروى عنه: ابن الخبّاز، وابن نَفِيس، والقدماء، وبقيَ إلى هذا الوقت، وحدَّث بـ "الصحيح" غير مرة، وسمع منه الخلق، وانتهى إليه علوُّ الإسناد كوالده في زمانه، وعاش كأبيه ثلاثًا وتسعين سنة.
توفي ليلة الجمعة التاسع والعشرين من رمضان سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وكانت جنازته مشهودة، رحمة الله تعالى عليه.
стр. 649
وفيها مات: قُطب الدين عمر بن عبد العزيز بن رشيق العدْل بمصر يروي عنه ابن المُقيَّر، والقُدوة الشيخ محمد بن عمر بن قوام البالسيّ، وقاضي المالكية زين الدين علي بن مخلوف، وإمام المالكية أبو الوليد محمد بن أحمد بن الحاج الإشبيلي، وشيخ دار الحديث كمال الدين أحمد بن محمد الشَّرِيشِيّ، وشيخ القرّاء مجد الدين أبو بكر بن قاسم التُّونسي، وقاضي المالكية وعالِمهم فخر الدين أحمد بن سلامة الإسكندراني بدمشق، وكبير الأمراء طغية الناصري قُتل، والبرهان إبراهيم بن عبد الكريم بن راشد الذَّهبي، والتَّقيّ عبد الله بن أحمد بن تمام الأديب، والشهاب المقرئ الجنائزي، والجلال محمد بن محمد الصُّوفي الطبّاخ، وزينب بنت عبد الله ابن الرَّضِيِّ، والعالِم عَلَم الدين أحمد بن عبد الرحمن دَرَادَة.
٦٧٧ - المُطعِّم *
الشيخ المُسنِد المعمَّر، الرُّحْلة، شرف الدين أبو محمد، عيسى بن عبد الرحمن بن مَعَالي بن أحمد، المقدسيّ، ثم الصالحيّ، الحنبلي، الصَّحْراويّ، المُطعِّم، ثم السِّمسار في الأملاك.
وُلد سنة ست وعشرين وست مئة.
وسمع من: ابن الزَّبيدي والفخر الإربِلِي حضورًا، ومن ابن اللِّتِّي، وجعفر الهَمْداني، وكَريمة القرشية، والضياء الحافظ، وجماعته.
وروى الكثير وتفرَّد، وخرّجت له العوالي و"المشيخة".
وقد حدَّث عن ابن الخبَّاز في حياة ابن عبد الدائم، وله إجازة من ابن
стр. 650
صَبّاح، ومُكرَم، وابن رُوزْبَة، والقَطِيعي، وعدَّة.
وحدَّثني: أنه سار إلى بغداد وطعَّم في بُستان الخليفة المُستَعصِم.
وكان رجلًا أميًّا بعيد الفَهْم، عَرِيًّا من العلم على جَوْدة فيه ولِينٍ وصبرٍ على الطلبة، وربما أخلَّ بالصلاة على عادة العوامّ، وأُقعد بأخَرَة.
توفي في ذي الحِجَّة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
سمعت منه أنا والمِزِّيُّ، والبِرْزاليّ، والمُحبّ، والوانِيّ، وأولادنا.
وفيها مات القُدوة المذكِّر تاج الدين عبد الرحمن بن محمد الأَفْضَليّ التِّبْرِيزيّ عن ثمان وخمسين سنة، وخطيب حماة صلاح الدين يوسف بن المُغَيزِل، والمفتي فخر الدين عثمان بن عليّ الشافعي ابن بنت أبي سعد، والقدوة الشيخ نصر بن سلمان المَنْبِجِيّ المقرئ، والجمال إبراهيم بن عليّ بن النَّصير التاجر حدثنا عن السَّخاوي، وشيخُ القراء شهاب الدين حسين بن سليمان الكَفْرِيّ الحَنَفيّ، وعبد الرحيم بن يحيى بن مَسْلمة الدِّمشقي، والشرف محمد بن عبد الله بن رُقيَّة المقدسيّ، ونَخْوةُ بنتُ محمد ابن النَّصِيبيّ بحماة، والزَّين عبد الرحيم بن علي البغدادي الساعاتي، والمولى بدر الدين محمد بن منصور ابن الجَوْهريّ، والبدر محمد بن عتيق الأنصاري الشُّروطي، والمقرئ إسحاق ابن البرهان الوَزيري، ومسنِد مالِقة أبو عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري عن نيِّف وتسعين سنة، والكمال محمد بن نصر الله بن إسماعيل ابن النَّحاس الدِّمشقي، والملك المعظَّم شرف الدين عيسى بن الزاهر عن أربع وستين سنة بمصر.
стр. 651
٦٧٨ - ابن تَمّام *
الأديب الإمام، تقي الدين عبد الله بن أحمد بن تمّام الصالحي، الحنبليّ، أخو الشيخ محمد.
وُلد سنة خمس وثلاثين.
وسمع من: يحيى بن قُمَيْرة، والمُرْسيّ، والبُلْدانيّ، وقرأ النحو على ابن مالك، وعلى ولده البدر.
وكان ديِّنًا خيرًا، نزيهًا، محبوبًا إلى الفضلاء، مليح المحاضرة، وبديع النظم، حسن البِزَّة مع الزُّهد والقناعة.
مات في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة وسبع مئة.
٦٧٩ - التُّونُسي *
العلّامة ذو الفُنون، مجد الدِّين أبو بكر بن محمّد بن قاسم، المُرْسيّ، ثُمَّ التُّونسِيُّ، المقرئ النَّحْوي الشافعيّ، الأصوليّ، نزيل دمشق.
وُلد سنة ست وخمسين.
وقدم القاهرة مع أبيه، فأخذ القراءات والنحو عن الشيخ حسن الراشديّ، وحضر حَلْقة بهاء الدين بن النَّحاس.
وسمع من: الفخر علي، والشهاب بن مُزْهر.
وتصدّر بدمشق للقراءات، وعِلَلها والنحو وبحوثه، وهو في غضون
стр. 652
ذلك يتزيَّد من الفضائل، ويناظر في المحافل، ويوصف بحدَّة الذِّهن وقوَّة الذكاء مع الدين والسَّكينة والخير.
وليَ مشيخة الإقراء بأم الصالح، وبالتُّربة الأشرفية، وتخرَّج به أئمة، وقد ذكرتُه في "طبقات القرّاء" (١) وتلوتُ عليه بالسَّبع.
توفي في ذي القَعدة سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وتأسَّف الطلبة عليه.
٦٨٠ - الأَفْضَليّ *
الإمام القُدوة، العابد المُتَّبع المذكِّر، تاج الدين عبد الرحمن بن محمد ابن الإمام أفضل الدين أبي حامد التِّبْريزيّ، الشافعي الواعظ.
كان أحد من قام بالإنكار على رشيد الدولة وزير التتار، وطَعَن في نِحْلته وفلسفته، فما أقدم الرشيدُ عليه بل أعرض عنه لوقعه في نفوس أهل تِبْريز، وكان عالمًا سلفيًّا، قوَّالًا بالحق، ذا سكينة وإخلاص.
قدم علينا حاجًّا بأبيه وأولاده، فزُرْناه، وكان قد اشتغل على جدِّه، فسار وحج، ورجع مع وفد العراق، فأدركه الأجلُ ببغداد في صفر سنة تسع عشرة وسبع مئة، وله ثمان وخمسون سنة، رحمة الله تعالى عليه.
٦٨١ - ابن بنت أبي سَعْد **
العلّامة المُفتي، فخر الدين عثمان بن علي، الأنصاري، الشافعي، المصري، ابن بنت أبي سعد.
стр. 653
من كبار الفقهاء ناب في الحُكم، ودرَّس بجامع ابن طُولون، وحدَّث عن الكمال الضرير، والرَّضِيّ بن البرهان.
توفي في جمادى الآخرة سنة تسع عشرة، وله سبعون عامًا.
وفيها استَسْقَينا بدمشق، فخطب صدر الدين الجَعْبريّ، وسُقوا قليلًا بعد يومين، ولطفَ اللهُ ﵎.
٦٨٢ - ابن المُغَيْزِل *
مفتي حماة وخطيبها، صلاح الدين أبو المحاسن، يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن محمد بن العَبْدي بن المُغَيْزِل، الحَمَويّ، الشافعي.
كهلٌ مُتفنِّنٌ مناظر، له محفوظات وفضائل.
حدَّث عن الشيخ شمس الدين بن قُدامة.
توفي في جمادى الآخرة سنة تسع عشرة بحماة.
٦٨٣ - المَنْبِجِيّ **
الشيخ الإمام القُدوة، المقرئ المحدِّث، النَّحْوي، الزاهد العابد القانت الرَّبّاني، بقيَّة السلف، أبو الفتح نصر بن سلمان بن عمر، المَنْبِجيّ. نزيل القاهرة وشيخها.
وُلد سنة ثمان وثلاثين بمَنْبِج.
وسمع بحلب من إبراهيم بن خليل، وبمصر من الكمال الضرير، وتلا
стр. 654
عليه بعدَّة كتب، وعلى الكمال ابن فارس.
وتصدَّر في أيام مشايخه، وشارك في العلوم وتفنَّن، ثم تعبَّد وانقطع وانجمع، فاشتَهَر، وتردَّد إليه الكبارُ والأمراء، وكان يهرب منهم غالبًا، وارتفع أمره جدًّا في دولة تلميذه الشاشنكير.
وكان يؤذي شيخَنا ابن تيميّة، والله تعالى يغفر لهما.
قال ابن أخته الحافظ عبد الكريم: ما دخلتُ عليه إلَّا وجدته مشغولًا بما ينفعه في آخرته.
توفي في جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
وكان يتغالى في ابن العربي في الجُملة ولا يخوض في مُزمِناته.
وقد لحقتُ جماعةً من الفضلاء بهذه الصفة يبالغون في تعظيم كبيرٍ فوق الحاجة وله معضلات ومُزْمِنات لا يفهمونها ولا يخوضون في لوازمها، أو قد لا يعرفون أنه عَمَّق في ذلك ولا دقَّق، كما أنَّ طوائف وعلماء يذمُّون الكبير بشناعةٍ قيلَت عنه، قالها أولم يقُلها، أو تاب منها، أو له فيها عُذْرٌ عند الله تعالى لِحُسْن قَصْدِه، واستفراغ وُسْعِه في اجتهاده، وله أعمال صالحة، وعلوم نافعة تُدفَن وتُنسَى، فما أحسنَ الإنصافَ وما أجملَ الورعَ.
ولقد جلستُ مع الشيخ نصر بزاويته، وأعجبَني سَمْتُه وعبادتُه.
ونقل إليه أوباشٌ عن شيخنا ابن تيميّة أنه يحُطُّ على الكِبار، فبنى على ذلك، فهلّا اتَّعظْتَ في نفسك بذلك ولم تحُطَّ على ابن تيميَّة، فإنه والله من كبار الأئمة، وبعدُ فكلام الأقران لا يُقبل كلُّه، ويُقبل منه ما تبرهن، والله
стр. 655
الموفِّق، وقلَّ أن ترى العيونُ مثلَ نصر (١).
٦٨٤ - ابن قوام *
العالم الزاهد، القُدوة الرَّبّاني، الشيخ محمد بن عمر ابن الشيخ أبي بكر بن قوام البالِسِيّ.
روى لنا عن أصحاب ابن طَبَرزَد، وكان يحبُّ الحديث ويُسمِّع أولاده، وفيه تواضع ومروءة، وعليه سَكينة وهَيْبة، وهو ذو صدق وإخلاص وتمسُّكٍ بالسُّنن، وله قَبول عظيم، ومحبة في القلوب.
عرض الدولةُ راتبًا لزاويته فامتنع، ووقف بعضُ التجار عليها بعض
стр. 656
قريةٍ، وقد جمع سيرةً لجَدِّه، ومحاسنُه جمَّة، وكان له حظٌّ من تعبُّد وتهجُّدٍ وكرمٍ وانقطاع عن الناس، قلَّ أن ترى العيون مثلَه.
توفّي بزاويته بسفح قاسيون سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وله ثمان وستون سنة، رحمة الله تعالى عليه.
٦٨٥ - أبو الوليد *
الشيخ الإمام الفقيه القُدوة، بقيَّة السلف، أبو الوليد محمد بن أبي عمرو أحمد ابن قاضي الجماعة أبي الوليد محمد ابن القاضي أحمد بن محمد بن عبد الله ابن القاضي أبي جعفر بن الحاج، التُّجِيبيّ، الأندلسيّ القُرطبيّ ثم الإشبيليّ، المالكي، نزيل دمشق، إمام محراب المالكية.
وُلد سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
ومات أبوه وجده كلاهما عامَ أحدٍ وأربعين، وورث مالًا جزيلًا، فتمحَّق منه بمصادرة ابن الأحمر السلطان، فإنه أَخذ له في وقتٍ عشرين ألف دينار، وعدمت له كتب جليلة، ونشأ يتيمًا في حِجْر أُمِّه، وتحوَّلوا إلى شَرِيش ثم غَرناطة، ثم شبَّ وقَدِمَ تونس فسكنها خمس سنين، ثم رحل بوَلَدَيهِ إمامَي المالكية بعده إلى دمشق فسكنوها، وسمعوا من الفخر بن البخاري، وقد ذُكر لنيابة القضاء فامتنع، ونسخ عدة كتب نافعة.
وكان مُسْمِتًا وقورًا منوَّر الشَّيبة، حسن الفضيلة، متين الدِّيانة والتألُّه، منقبضًا عن الخُلطة. سمعت منه حديثًا واحدًا.
توفّي في رجب سنة ثمان عشرة وسبع مئة، وكانت جنازته مشهودة.
стр. 657
٦٨٦ - الكَفْريّ *
شيخ القرّاء، القاضي شهاب الدين حسين بن سليمان بن فَزَارة، الكَفْريّ، ثم الدِّمشقي، الحَنَفيّ.
تلا بالسبع على عَلَم الدين القاسم.
وسمع من: ابن طلحة، وابن عبد الدائم، وجماعة.
وتصدّر للإقراء، وطال عمره، فقرأ عليه ابنه، وخَلْق من الفُضلاء، ودرّس وأفتي، وناب في الحكم، وكان ديِّنًا، خيِّرًا، عالمًا.
مات في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة، عن اثنتين وثمانين سنة.
٦٨٧ - ابن رَبيع **
العلّامة، أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع، الأشعريّ، القُرطبي، المالكي، نزيل مالِقة.
مولده بقُرطُبة في سنة ست وعشرين وست مئة.
وكان شيخَ مالِقة وعالمها ووزيرها، كان محدِّثًا فقيهًا، متكلِّمًا أشعريًّا، شُروطيًّا، ومن بعض محفوظاته "مقامات الحريري". وكان آخر من حدّث عن والده بالسَّماع.
وسمع من: ابن الدَّبّاج، والشَّلَوبِين، وابن الطَّيْلَسان، والمقرئ أبي جعفر
стр. 658
أحمد بن علي النَّحّام.
وحدَّث عن النَّحام بـ "التيسير" عن أبي عبد الله بن زَرْقُون إجازةً، وعن الحَصَّار سماعًا، ذكر أكثرَ هذا لي سِبْطُه محمد بن عبد الله بن ربيع، وروى عنه هو وجماعة.
مات في سابع عشر ذي القَعدة سنة تسع عشرة وسبع مئة، وله ثلاث وتسعون سنة.
وانتهى إليه عُلوُّ الإسناد بمالِقَة.
ومات بعد شهرين قاضي مالِقة الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن بَرْطَال المالكي (١)، وله إجازة صحيحة في سنة ثلاثين وست مئة من ابن الشيخ صاحب السِّلَفيّ، وأخبر عن خاله ابن عَسكَر، وأبي علي بن أبي الأحوص، مات في ثامن المحرَّم سنة عشرين وسبع مئة، وهو في عَشْر المئة، رحمة الله تعالى عليه، آمين.
٦٨٨ - ابن الصَّابُونيّ *
المحدِّث العَدْل كاتب الحُكم، شرف الدين يعقوب بن أحمد بن يعقوب، الحلبيّ، الشافعيّ.
كان الحافظ أبو حامد الصابوني زوجَ خالته فعُرِفَ به.
وُلد سنة أربع وأربعين.
وسمع من: ابن عَزُّون، وأحمد ابن القاضي زين الدين، والنَّجيب، وابن
стр. 659
عَلّاق، وابن أبي اليُسْر، وخلقٌ.
وقرأ، ونسخ الأجزاء وأكثَرَ، وتميَّز في الشُّروط، ووليَ مشيخة المنكوتمرِيّة، وسكن دمشق زمانًا.
وتوفّي بمصر في رجب سنة عشرين بعد تعلُّلٍ طويل نحو سنة ونصف، وتغيَّر ذهنُه فيها، رحمه الله تعالى.
٦٨٩ - ابن مَسْلَمة *
الشيخ، المقرئ، الفقير، أبو محمد عبد الرحيم ابن المحدِّث يحيى بن عبد الرحيم بن المُفرِّج بن مَسْلَمة الأُمويّ، الدِّمشقيّ، الكَوافي.
مولده في رمضان سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
حضر السَّخاويَّ، وعتيقًا السَّلْمانيَّ، وعمر بن البَراذعيّ.
وسمع كثيرًا من: عمِّ أبيه الرشيد بن مَسْلمة، والسديد بن عَلّان، وعدّة.
وحدَّث وكتب في الإجازات في أيام ابن أبي اليُسْر، وحفظ القرآن، وعمل في الكَوَافي مدّةً، وقرأ على التُّرَب.
خرَّج له الشيخ عَلَم الدين "مشيخةً" سمعناها. وكان رجلًا مباركًا.
توفّي في المحرِّم سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودُفن في قَبْرٍ كان اشتراه لنفسه بأربعين درهمًا، رحمه الله تعالى.
стр. 660
٦٩٠ - ابن الجَوْهَريّ *
الإمام العالِم الصَّدْر الصاحب، بدر الدين محمد بن منصور بن إبراهيم بن منصور، الحلبيّ الجَوْهريّ، نزيل مصر.
وُلد في صفر سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وسمع من: إبراهيم بن خليل بحلب، ومن الكمال العبّاسي، وابن عَزُّون، وابن عبد الوارث، والنَّجيب، وعدّة بمصر.
وتلا بالروايات على الصَّفِيّ خليل، وتفقَّه وشارك في فضائل، وكان ينطوي على دينٍ وعبادة، له خُلُق حادٌّ، والله تعالى يغفر له. حدَّث بدمشق ومصر.
توفّي بدمشق في جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
قال البِرْزاليّ: هو وافر الدِّيانة، شديد التَّحرِّي، ذو وَقارٍ وجلالة، عُرِضَت عليه الوزارة فامتنع.
٦٩١ - إيرَنْجِي **
من رؤوس أمراء التتار، وكان خالَ القان خَرْبَندا، وكان القان أبو سعيد قد تبرَّم باستيلاء نائبه جُوبان على الأمور واحتجاره عليه، فتنفَّس إلى مقدَّمِينِ في ذلك ممَّن يكرهون جُوبان، وهم إيرَنْجِي وقرمشي ودُقماق (١)، فقالوا: إن رَسَمْتَ قتلناه، واتفقوا على أن يُبيِّتوه، وذلك في
стр. 661
جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ثم وافقهم أخو دُقماق، ومحمد هرزة، ويوسف بكا، ويعقوب المسخرة، فهيّأ قرمشي دعوة ودعا جوبان، فأجاب، ونفَّذ له تقدمة سَنيّة فقبلها، فلما قام جوبان لحضور الدعوة نصحه تتريٌّ، فتحفَّظ فأَخذ في الهرب وترك خيامه وأسبابه، وأقبل قرمشي في عشرة آلاف وسأل عن جوبان، فقيل: هو في مخيَّمه، فهجم، فثار أجناد جوبان إلى السلاح والتحم القتال، فقُتل نحو ثلاث مئة، ونهب قرمشي حاصل جوبان، وساق في طلبه، وهرب هو إلَى مَرَنْد ومعه ولده حسن واثنان، فأكرمه صاحب مرند، وأمدَّه بخيل ورجال، وأتى تِبريز، فتلقاه علي شاه وزيَّن له البلد، وجاء في خدمته علي شاه إلى خدمة أبي سعيد، وأثنى على جوبان وعلى شفقته وأنه والد، ثم دخل جوبان بيده كَفَنٌ وهو باكٍ، وقال: يا خوند، قتلت رجالي، ونهبت أموالي، فإن كنت تريد قتلي فها أنا في تصرفك، فتنصَّل السلطان وتبرّأ مما جرى، وقال: حاربهم فهم أعداؤنا، قال: فليساعدني السلطان، فجهَّز له جيشًا مع طاز ابن النَّوِين كتبغا الذي قُتل يوم مصافِّ عين جالوت، ومع قراسنقر المنصوري، وركب السلطان في خواصِّه مع العسكر.
وأما إيرَنجي وأولئك، فقصدوا تِبريز في طلب جوبان، فأغلق البلد في وجوههم وخرج واليها إليهم، فأهانوه وعلَّقوه منكَّسًا حتى وَزَن أربع مئة ألف درهم، ثم ساروا إلى زنكان، فالتقى الجمعان، فلما رأى إيْرَنجي السلطان وراياته سُقط في يده، وقال لأصحابه: ما هذا! إنَّ السلطان علينا، فما العمل؟ قال قرمشي: لا بدَّ من الحرب، فالسلطان معنا، وسيَّر قرمشي
стр. 662
إلى جوبان: أني معك، يخدعه، وحميَ القتال وجدلت الإبطال، وانكسر إيرَنجي، وتحوّل غالب عسكره إلى تحت رايات السلطان، ثم أُسِرَ إيرنجي ثم قرمشي ودُقماق، ثم عُقد لهم مجلس بالسلطانية، فقالوا: ما تحركنا إلَّا بأمر القان، فأنكَرَ وكذَّبهم وأمر بقَتلِهم، فقال إيرنجي: هذا خَطُّك معي، فأنكر وجحد ففتر إيرنجي، فجعل يسفِّه، فضُرب بسيف في فمه فتلف، وطوَّفوا رأسه في خراسان والعراق. وكان وافرَ الحشمة، جبّارًا ظلومًا، بيده بلاد الروم، ثم تحوَّل إلى العراق.
وقُتل قرمشي ابن نائب أرغون، وكان متسلِّمًا ثغر الكَرَج وقت دُقماق، وكان أرفعهم منزلة، وأمسك ثلاثون أميرًا ثم قُتلوا، وتمكَّن جوبان، وأباد أضداده.
وكان دُقماق مسلمًا يُحِبُّ العرب، ويُكثِر الصدقة، فحلقوا ذقنه، وطوَّفوا به، ثم رموه بالنُّشّاب حتى مات.
وأُبيد من المغول خلق كثير، ولله الأمر كله.
٦٩٢ - غُرْلُو *
ملك الأمراء، الغازي المجاهد البطل، سيف الدين العادلي.
الذي ناب بدمشق أيامًا لأستاذه السلطان كتبغا، فلمّا خُلع كتبغا، بقيَ غُرلو أميرًا كبيرًا مدة طويلة بشجاعته وعقله وجلالته.
توفّي بدمشق في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودُفن بتربته المليحة البنيان التي شمالي الجامع المُظفَّري.
стр. 663
وكان أبيض أشقر، من أبناء الستين، ورأيت نائب الساحل يُثني على شجاعة غُرلو يوم وقعة عُرْض (١)، ﵀.
٦٩٣ - ذُون بترو *
الملك الكبير، طاغية الفِرَنج، الأندلسي.
قتل سنة تسع عشرة وسبع مئة، وسُلِخَ وَحُشِيَ قُطنًا، وعُلِّق على باب غرناطة.
ومن خبره فيما ذكر لنا المحدِّث ابن ربيع: أنَّ الفرنج حشدوا ونفروا في البلاد، وذهب سلطانهم ذُون بطرو إلى طُلَيطلة، فدخل على الباب فسجد له وتضرَّع، وطلب منه أن يستأصل ما بقيَ من المسلمين من الأندلس فأكَّد عزمه، وقلق المسلمون، فعزموا على أن يستنجدوا بصاحب الغرب المَرِينيّ، ونفَّذوا إليه، فلم ينجع، فلجأ أهل غرناطة إلى الله تعالى، وأقبل جيش الصليب في عدد لا يُحصى فيه خمسةٌ وعشرون ملكًا، فقُتلوا كلهم عن بَكْرة أبيهم، وأقلّ ما قيل: إنه قُتل في تلك الملحمة خمسون ألفًا من النَّصارى، وأكثر ما قيلَ ثمانون ألفًا، وكان نصرًا عزيزًا، ويومًا مشهودًا، والعجب أنه لم يُقتل من الأجناد سوى ثلاثة عشر فارسًا، وأنَّ عسكر الإسلام كان نحو ألف وخمس مئة فارس، والرَّجّالة نحو من أربعة آلاف راجل، وقيل دون ذلك، وكانت الغنيمة تفوق الوصف، وطلبت الفرنج الهُدنة فعُقدت، ولله الحمد والمنَّة، وبقيَ ذون بتره معلّقًا على باب
стр. 664
غرناطة سنوات، وبذلت الفرنج في إنزاله وأخْذِه قناطير من الذهب، فامتنع ابن الأحمر إلَّا ببَذْلِ مدينةٍ كبيرة.
٦٩٤ - الأصبهاني *
الإمام القدوة، شيخ الحَرَم، الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن علي، الأصبهاني الشافعي، الصُّوفيّ المجاور.
وُلد سنة ثلاث وأربعين.
وصحب أبا العباس المُرْسيّ تلميذ الشاذليِّ، وتفقَّه وبرع في الأصول، ودخل في طريق الحُبّ صُحْبةَ الشيخ عماد الدين الحِزامي.
وكان شيخًا مَهيبًا، مُنقبضًا عن الناس، جاور بضعًا وعشرين سنة، حجَّ من مصر، ولم يَزُرِ النبي ﷺ ، فعِيبَ عليه ذلك مع جلالة قدْره، وكان لجماعةٍ فيه اعتقاد عظيم.
توفّي في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
وقيل عنه أمرٌ ما أدري ما القول فيه، أعاذك الله تعالى وإيّانا من تُرَّهاتِ الصُّوفية، وخَطَرات أهل الفناء، ووساوس ذوي الخَلَوات، التي تؤول بهم إلى الزَّندقة والشَّطح.
٦٩٥ - الكُرْديّ **
الشيخ المقرئ، المُسنِد المعمَّر البقيَّة، أبو علي الحسن بن عُمر (١) بن
стр. 665
عيسى بن خليل، الدِّمشقيَ، ابن القيِّم.
كان أبوه قيِّمًا بتُربة أمّ الصالح، فأسمعه حضورًا في الرابعة من ابن اللَّتِّي كثيرًا.
وسمع "الموطّأ" من مكرم بن أبي الصَّقْر، وسمع من أبي الحسن السَّخاوي، وتلا عليه ختمة.
وتنقّلَت به الأحوال، ثم صار إلى مصر وسكن بالجيزة، فكان يؤذِّن بمسجدٍ، ويبيع الأوراق على باب جامعها للشُّهود وغيرهم، وتقنَّع باليسير، وخفيَ خبره غالب عُمره إلى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فعُرف، وإذا معه ثَبتٌ بمسموعه، فأقبلَ عليه الطلبة وسمعوا منه، وأُحضر إلى القاهرة مرات، ووَصَلُوه بدراهم، ثم شاخ وعَجَز وأصَمَّ.
وحدَّث في أواخر عمره بـ "الجزء الأول من حديث ابن السَّمَاك" في ستة مجالس بتلقين القاضي تقيّ الدين السُّبكي له.
أخذ عنه: الوانِيُّ، وابن الفخر، وابن رافع، وابنا المِزِّي، وآخرون.
مات في ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مئة، وله تسعون سنة سوى ثمانية أشهر.
وكان آخر من روى بمصر عن شيوخه.
وفيها توفي القاضي زين الدين أبو القاسم محمد بن محمد بن حسين بن رشيق المالكي عن اثنتين وتسعين سنة، وخطيب المَنْشِيّة الكمال عبد الرحيم بن عبد المحسن الكِناني، وصاحب مكة حميضة قُتل، وأبو الفتح القرشي بن النَّشو، وأمين الدين محمد بن أبي بكر النَّحاس، وعماد الدين محمد بن يعقوب بن بَدْران بن الجرائدي بالقدس، وسِتُّ
стр. 666
الخطباء بنت المحدِّث علي بن البالِسِيّ، وقاضي مالِقة محمد بن أحمد بن بَرْطان، أجاز له ابن الشيخ صاحب السِّلَفيّ سنة ثلاثين وست مئة، وشيخ القرّاء وحيد الدين يحيى بن أحمد الرُّومي إمام الكلّاسة.
٦٩٦ - القُرشيُّ *
الشيخ الأمين المُسنِدُ الجليل، شرف الدين أبو الفتح، محمد بن عبد الرحيم بن عباس بن أبي الفتح بن النَّشو، القرشي، الدمشقي، التاجر الحَريري.
وُلد في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وست مئة بالقاهرة.
وسمع من: عبد الوهاب بن رَوَاج، ويوسف الساويّ، وفخر القضاة ابن الحبّاب، وأبي الحسن بن الجُمَّيْزِي، وجماعة.
وتفرَّد مدةً بعدة أجزاء، وروى الكثير.
وكان تامَّ الشكل، حسن الهيئة، سافر في التجارة، وله بستان بعين ثَرْما.
حدَّث عنه: ابن الخبّاز، وابن العطّار، والقُطب الحلبيّ، والمِزِّي، والبِرْزالي، والواني وولده، والمُحبّ وابنُه، وأولادي، وابن خليل، وعِدَّة.
توفّي في ثالث شوال سنة عشرين وسبع مئة.
٦٩٧ - ابن النَّحّاس **
الشيخ الصالح المعمَّر، المُسنِد، أمين الدين محمد بن أبي بكر بن
стр. 667
إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن أبي البركات بن محمد، الأسديّ، الحلبيّ الصَّفّار. نزيل دمشق.
وُلد في حدود سنة خمس وعشرين وست مئة.
وسمع لما حجَّ مع إخوته من صفية القرشية بحماة، ومن شعيب الزَّعْفَراني بمكة، ومن يوسف الساوِيّ، وابن الجُمَّيْزِي بمصر، ومن ابن خليل بحلب. وأجاز له أبو إسحاق الكاشْغَريّ وطائفة.
وشاخ وتفرَّد، وأضرّ وعَجَز وانحطَم، وبَطَّل الحانوت.
وكان خيِّرًا ساكنًا عامِّيًّا، سليم الباطن، خيِّرًا له دنيا، وفيه بِرٌّ وإيثار، ما تزوَّج قطُّ ولا احتلم، وقد أضرَّ، ثم قَدَحَ فأبصَرَ.
مات في أواخر شوال سنة عشرين.
سمع منه الوانِيُّ وابنه، وابناي، وأبو بكر بن المُحبّ، وخلق كثير.
٦٩٨ - ابن النَّحّاس *
الإمام العَدْل الفقيه، كمال الدين محمد بن أبي الفتح نصر الله بن إسماعيل بن النحاس، الأنصاري، الدمشقي، الشافعي الكاتب.
وُلد في رجب سنة تسع وثلاثين.
وبرع في الفقه عند الشيخ تاج الدين، ثم خَدَم بالكتابة، وكان أمينًا، حميد السيرة، متين الدِّيانة.
سمع من: العماد بن النحاس، وخطيب [مَرْدا]، وقاضي القضاة أحمد ابن سَنيّ الدولة.
стр. 668
وروى "صحيح مسلم" في آخر عمره بحماة عن ابن البرهان.
سمعت منه مع ولدي.
توفّي في ذي القَعدة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
٦٩٩ - ابن رُشَيد *
الشيخ الإمام، الحافظ الناقد الخطيب، أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن عمر بن محمد بن رُشَيد، الفِهْريّ، السَّبْتِيّ.
اشتغل بالعربية على الشيخ أبي الحسين بن أبي الربيع ونظرائه، واحتفل في صغره بالأدبيات، وبرع في ذلك، وروى كتاب "البخاري" عن عبد العزيز الغافقي قراءةً من لفظه، ثم ارتحل إلى مدينة فاس، فاشتغل بالمذهب اشتغالًا شافيًا، ثم رجع إلى سَبْتة لإقراء الفقه خاصة، وتأدَّب مع شيوخه أن يقرئ غيره.
ثمَّ ارتحل إلى تونس، فاشتغل في الأصلين على ابن زيتون ونظرائه كابن سُرور وغيره، ثم ارتحل إلى الإسكندرية.
ولم يقدِّم شيئًا على اهتمامه بالحج، فحجَّ سنة أربع أو خمس (١) وثمانين، وسمع بمكة والمدينة، ثم نزل إلى مصر.
ومن شيوخه: أمين الدين أبو اليُمْن بن عساكر، وعَفيف الدين أبو محمد بن مَزْروع البصري، وقطب الدين القَسطلّاني، وقطب الدين
стр. 669
عبد المنعم بن يحيى الزُّهري خطيب المسجد الأقصى، وفخر الدين أبو الحسن بن البخاري، وشرف الدين محمد بن عبد الخالق بن طَرْخان الإسكندري، سمع عليه جميع "الترمذي" بسماعه على ابن البَنّاء بسماعه على الكَرُوخيّ بسنده المشهور باتصال السَّماع إلى الترمذي، وعز الدين بن عبد المنعم الحَرّاني قرأ عليه أكثر كتاب "البخاري" وسمع عليه الباقي، قال: وهو يرويه عن أحمد بن البَيِّع من أصحاب أبي الوَقْت، وقرأت عليه ورقات من أول "سنن أبي داود" عن عَفيفة الفارفانية، عن أبي عليٍّ الحدّاد، عن أبي نعيم، عن ابن داسة، عن أبي داود، والسند كله إجازة إلى ابن داسة، قال: وهو سندٌ لا يوجد أعلى منه، والشيخ المعمَّر أبو المجاهد غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحَلَاويّ، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد سمع عليه كثيرًا، وغير هؤلاء، رحم الله الجميع.
وله مصنفات كثيرة، وأكثرها في متعلقات الحديث، فمنها كتاب "الرحلة المشرقية" في أربع مجلدات كبار محتوية على علوم شتّى، غالبها علم الحديث وغريبه ومشكله، و "فهرست مشيخته" بحسب ترتيب لقاء زمانهم والأخذ عنهم، وأفرد فيه بابًا لمن لقيَ من مشايخ الصُّوفية، نفع الله بهم.
ومن تصانيفه "المقدمة المعرِّفة في علوِّ المسافة والصفة" جزء، وكتاب "الصراط السَّويّ في اتصال سماع جامع الترمذي" جزء كبير، وكتاب "إفادة النصيح في مشهور رواة الصحيح" جزء، وجزءٌ في مسألة العنعنة والمحاكمة بين الإمامين، غاب عنِّي اسمه (١)، و "إيضاح المذاهب في تعيين من ينطلق
стр. 670
عليه اسم الصاحب" جزء، وجزء في حكم رؤية هلال شوّال ورمضان، وتلخيص كتاب "القوانين في النحو" لأبي الحسين بن أبي الربيع، وشرح "حال التجنيس" لحازم بن حازم الإشبيلي، وكتاب "حكم [الاستعارة] (١) " جزء، وغير ذلك من الخطب والقصائد النبوية، والمقطَّعات البديعة.
أخبرنا أبو عمرو بن المرابط، أخبرنا أبو عبد الله بن رُشَيد، أخبرنا أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم الغافقي، أخبرنا أبو الحسن الشاري، أخبرنا أبو محمد الحَجْريّ، عن شريح بن محمد، أخبرنا ابن منظور، أخبرنا أبو ذرّ الهَرَوِيُّ، أخبرنا أبو إسحاق المُستَمْلي وأبو محمد الحَمَّوي والكُشْمِيهَنيّ، قالوا: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله البخاري (٢)، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سَلَمة قال: إنَّ النبي ﷺ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالَفَ بين طَرَفيهِ.
وسمعناه عاليًا بأربع درجات: أخبرنا أبو عمرو بن المُرابط، أخبرنا ابن رُشَيد سنة خمس وتسعين، أخبرنا غازي بن الفضل، حدثنا عمر بن أبي بكر، أخبرنا ابن الحُصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد، أخبرنا أبو بكر الشافعي (٣)، حدثنا إسحاق الحَرْبيّ، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حمّاد