وله رحلة واسعة، وفضيلة في الجملة، وسمع بمكة من المُحِب الطبري. وأجاز له نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القَزْويني صاحب "الحاوي" عن إجازته من عفيفة، وأجاز له العِزُّ الحَرّاني من مصر، وابن أبي عمر، وعدة من دمشق، وإمام الدين أبو الخير عبد الله داود ابن الفاخر في سنة خمس وستين، وعلاء الدين عبد اللطيف بن عبد الرشيد بن محمد من أصبهان، يروي أبو الخير عن عمِّه محمد، ويروي العلاء عن أبي جعفر الصَّيْدلاني قراءةً في سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وأجاز له من قزوين الإمام بدر الدين محمد بن عبد الرزاق بن أبي بكر ابن حَيْدر، وإمام الدين يحيى بن حسين بن عبد الكريم الكَرَجي، لهما إجازة عفيفة، وبدر الدين إسكندر بن سعد الطاووسي، شافَهَني بقَزْوين وله إجازة عفيفة، قال: وشافَهَني يحيى الكَرَجي المذكور بهَمَذان عن القاضي نجم الدين أبي سالم أحمد بن يزيد بن نبهان الأسدي عن أبي علي الحدّاد، روى له حديثين هكذا في مكانين.
قال: وأجاز لي العلّامة تاج الدين أبو المفاخر محمد بن أبي القاسم محمود السَّديدي الزَّوْزَنِي من كِرْمان سنة أربع وستين وست مئة: أنبأنا أبو سعيد الصَّفار.
وعمل ثُنائيات وثُلاثيات ورُباعيات من الأباطيل، فكان الرجل حاطبَ ليلٍ، ﵀.
توفي سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة بالعراق.
وأنبأني ظَهير الدين ابن الكازَرُوني قال: وفي سنة إحدى وسبعين اتَّصلَت ابنهُ علاء الدين صاحب الديوان بالشيخ صدر الدين أبي المَجَامع إبراهيم
стр. 702
ابن الجُوَيْني، والصَّدَاق هو: أقرَّ السيدُ الأوحدُ العالم عماد الإسلام قدوة المشايخ أنَّ عليه لزوجته السيدة فَرخندة ابنة المولى الأعظم الصاحب سلطان الوزراء خمسة آلاف دينار ذهب أحمر.
وله تواليف ومجاميع.
٧٣١ - ابن صَصْرَى *
الشيخ الإمام العالم، قاضي القضاة، كبير الرؤساء، نجم الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن سالم ابن الحافظ أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد ابن محمد بن صَصْرَى، الرَّبَعيّ التَّغْلِبي، الدِّمشقي، الشافعي.
وُلد في سنة خمس وخمسين وست مئة.
وحضر على الرشيد العَطار في سنة تسع، والنَّجيب عبد اللطيف، وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، وجدِّه لأُمُّه المسلَّم بن علان، وتفقَّه على الشيخ تاج الدين (١)، وكتب المنسوب، ودخل في الإنشاء، ونظم ونثر، وشارك في فنون.
وكان فصيح العبارة، طويل الدروس، سريع الكتابة جدًا، ينطوي على دين وتعبُّد في الجُملة، وفيه مكارم ومُداراة، وله أموال وحِشمة وتجمُّل زائد
وقد اشتغل بمصر على الأصبهاني في أصول الفقه، ودرَّس بالعادلية
стр. 703
الصُّغرى، وبالأمِينية، ثم بالغَزاليَّة مع قضاء العسكر، ثم وليَ القضاء في سنة اثنتين وسبع مئة وإلى أن مات، وقد أَذن لجماعة في الفتوى، وخرَّج له العَلائيُّ "مشيخة" فأجازه عليها بجُملةٍ.
توفّي بعد تعلُّل فجأة ببُسْتانه في نصف ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، والله يَسمَح له.
قال ابن الزَّمْلَكاني: كان طَلْقَ العبارة، لا يكاد يتكلَّم في نوع إِلَّا ويُمعِن من غير وَقْفة، ويذكر دروساً طويلة مشروحة، وأفتى ودرَّس، ولم يزل في نموٍّ وارتفاع، وكان قويَّ الحافظة.
وفيها توفّي المحدِّث اللُّغوي صفيُّ الدين محمود بن أبي بكر بن حامد الأرمَوي بدمشق، والمُسنِدان بهاء الدين القاسم ابن عساكر، وشمس الدين أبو نصر ابن الشِّيرازي المِزِّيّ، والمؤرِّخ كمال الدين بن أحمد ابن الفُوَطي ببغداد، والمعمَّر شهاب الدين محمد بن محمد بن دَمُرداش الدمشقي الشاعر، ومدرِّس الدَّوْلعيَّة علاء الدين علي بن يحيى بن نَحْلة، والأمير الكبير علاء الدين علي بن محمد بن معبد البَعْلي بالمِزَّة، والمفتي شرف الدين محمد بن عبد الأحد بن نجيح بوادي الصفراء، والصلاح صالح بن أحمد بن عثمان القوّاس الشاعر ببَعلَبَك، والشيخ أحمد بن علي بن مسعود عُرف بعمِّي (١)، والزاهد أحمد ابن الحَلبية الصالحي، وكبير التُّجار الشِّهاب أحمد بن محمد بن قُطَّيْنة الزُّرَعي، وقاضي بعلَبَكَّ جمال الدين أبو بكر بن عياش الخابُوري، والشيخ علي بن أحمد بن عسكر القَصِيري، والعفيف
стр. 704
أبو بكر بن يوسف النَّسَائي الصوفي الهندازة، ومحمد بن أحمد بن سلامة القصاص، والصاحب الأمير نجم الدين محمد بن عثمان ابن الصَّفِيِّ البُصْرَويّ مدرِّس بُصْرَى، وخطيب صَفَد ومُنشِؤها نجم الدين حسن بن محمد الصَّفَدي، وأبو بكر بن عياش الشايب، والعدل تاج الدين أحمد بن علي ابن دقيق العيد أخو شيخنا أكثَرَ عن ابن الجُمَّيْزي، وزين الدين عبد العظيم ابن شيخنا الدِّمياطي كهلاً وكان شيخَ الظاهرية.
٧٣٢ - القَرَافي *
الشيخ الإمام العالم، المحدِّث المُتقِن المُفِيد، اللُّغوي العلامة، صفيُّ الدين أبو الثَّناء، محمود بن أبي بكر محمد بن حامد بن أبي بكر الأرمَوي ثم القَرَافِي، الصُّوفي. أخو الشيخ المعمَّر شهاب الدين أحمد بن محمد الصُّرفي الذي روى عن سِبْط السِّلَفي.
وُلد الصَّفيُّ في سنة سبع وأربعين وست مئة بالقَرَافة.
وسمع من: النَّجيب عبد اللطيف، وأخيه العزّ، وبدمشق من الكمال ابن عبد، وعدَّة. قرأ "مسند أحمد" على أبي الغنائم بن عَلان، وكتب العالي والنازل، وقرأ الكثير.
وكان فصيح القراءة، عَذْب العبارة، صيِّناً، ديِّناً، مُتقنًا. حصل له لما تكهَّل يُبْسٌ وسَوْداء، فاستوحَشَ ولازَمَ الوحدة، وبقي يحدِّث نفسَه بهُجْرٍ في القول، ولكنه يجمع وينسخ، وإذا جلس أحدنا إليه تأنَّسَ وذاكَرَ، وكان
стр. 705
يسُدُّ أُذنه بقُطْنٍ، ويزعم أنه يسمع من يؤذيه، فكلَّمته في هذا وقلت: هذا انحراف مزاج، فقال: لعلَّه، وقد تعب وخلط هذه الكتب، وصيَّرها ديواناً واحدًا "الصحاح" و "تهذيب الأزهري" و "مُحكَم ابن سِيدَه".
وكان في الخانقاه السُّمَيساطيَّة، وقد حجَّ، وسافر مرتين إلى المدينة فيقيم بها ولا يحج، ووقف كتبَه، سمعنا منه "جزء ابن عرفة" وغيره.
توفِّي بالمارستان النُّوري في جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.
٧٣٣ - ابن عساكر *
الشيخ الجليل الطيِّب، المعمَّر، مُسنِد الشام، بهاء الدين أبو محمد، القاسم بن مظفَّر بن محمود ابن تاج الأُمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر، الدِّمشقي.
وُلد في صفر سنة تسع وعشرين وست مئة.
وله حضور في هذه السنة على مشهور النَّيْرَباني، وحضر في الثانية على كريمة القُرشيّة، وحضر في الثالثة على سيف الدولة ابن غسان، والفخر الإرْبِلِي، ومكرم بن أبي الصَّقْر، وعمِّ جدِّه أبي نصر عبد الرحيم بن محمد، وحضر في سنة اثنتين وثلاثين على أبي الحسن ابن المُقيَّر، وسمع في أربع وثلاثين من أبي المُنجَّى ابن اللَّتي، والقاضي شمس الدين ابن سَنِي الدَّولة، ومكتوم بن أحمد، وابن ظَفَر، والعزِّ النَّسّابة، وطائفة، وأجاز له خاصًا
стр. 706
وعاماً مثلُ أبي الوفا ابن مَنْده، وابن رُوزْبَة، والقَطِيعي، وخلق.
وكان يعالج المرضى مُروءةً، وله من ملكه ووَقْفه مَغَلٌّ وافرٌ.
خدم في ديوان الخِزانة مدة، ثم ترك وكَبِرَ وارتعش خطُّه.
خرَّج له المفيد ناصر الدين ابن الصَّيْر في "معجمًا" حافلاً في سبع مجلدات، وخرَّج له البِرْزالي والعلائي، وعُمِّر دهرًا، وروى الكثير.
وكان كثير المحاسن، صبوراً على الطلبة على تخليط في نِحْلته، فالله تعالى أعلم بسِرِّه، وله صدقة ووقف، وقد جعل داره دار حديث.
سمَّعتُ منه أولادي الأربعة، وسمع منه بكَفْر بَطْنا عدَّة.
توفّي في شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
وقد سمع بنفسه من: الرَّشيد العراقي، والكمال ابن طلحة، وعثمان ابن خطيب القَرَافة، وشيخ الشيوخ الأنصاري.
لازَمَه البِرْزاليُّ إلى سنين، وقرأ عليه نحواً من خمس مئة جزء، وكان مُتودِّداً إلى المحدِّثين ويَثبُت للرواية، وفي خطِّه ارتعاشٌ شديد بحيث إنه يكتب الألف هكذا: خمس سينات.
وتفرَّد بأجزاء عالية، ومُتِّع بأكثر حواسِّه وذهنه، وُلِّيتُ مشيخة داره، ثم تركتها لبُعْدها، وكان حسنَ المحاضرة.
٧٣٤ - ابن دَمُرداش *
الشيخ، شهاب الدين محمد بن محمد بن محمود بن مكي، الدمشقي، الشافعي، الشاهد، الشاعر.
стр. 707
ولد سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
وخدم جُنديًّا مدةً عند صاحب حماةَ الملك المنصور، وقال النظم الرائق، ولُقِّب بالبُحْتري، ثم صحب الجَمَال شيخ مَغَارة العزيز، وله ديوان مُسوَّدة وهبه لقاضي غزة الكمال العجلوني، ثم فتح كُتْبِيًّا بالجسر، وحضر السُّبعَ، وارتفق بالشَّهادة، وكَبِر وانحطَم، وزَمِنَ إلى أن مات في صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
سمع منه: الواني والصَّلاح، العلائي.
وله:
انظر إلى الأزهار (١) تَلْفِ رؤوسَها … شابتْ وطِفلُ ثمارها ما أدركا
وعَبيرُها قد ضاع من أكْمامِها … وغدا بأذيالِ الصَّبَا متمسِّكا
٧٣٥ - ابن الحالوب *
الشريف، المعمَّر، شرف الدين أبو الفضل، عبد المغيث بن أبي تمام ابن جعفر بن الحالوب، العبَّاسي، الحَرْبي.
سمع شطر جزءٍ من إبراهيم بن عمر ابن الدُّردانة في سنة سبع وثلاثين وست مئة، ومن أعزَّ بن كَرَم بسماعه، وأجازَه الأول من يحيى بن ثابت بن بُنْدار، وسمع المجلَّد الأول من مسند أنس من "المسند" للإمام أحمد في سنة ست وأربعين على جماعة سمَّعوه من عبد الله بن أبي المجد.
وكان يرتزق بالوكالة على أبواب القضاة. حدَّثَنا عنه الصدر علي ابن
стр. 708
حَمَّويه، وأجاز لأولادي الأربعة.
توفّي في المحرَّم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وله نيِّف وتسعون سنة.
والجزء الذي عنده هو الثاني من حديث أحمد بن علي الآبار.
٧٣٦ - ابن دَقِيق العِيد *
العَدْل المعمَّر، تاج الدين أبو العباس، أحمد ابن العلامة مجد الدين علي بن وهب، القُشَيري، المَنفَلوطي القُوصِيّ، أخو شيخنا قاضي القضاة تقي الدين.
وُلد سنة ست وثلاثين.
وسمع "الثَّقفيات العشرة" و "ثاني المَحَامِليّات" و "ثاني حديث سَعدان" و "أربعين السِّلَفي" من أبي الحسن الجُمَّيْزي، وسمع "جزء الصُّولي" من عبد الوهاب بن رَوَاج، وسمع من الزَّكي المُنذِري وغير واحد.
حدَّث قديمًا، وسمع منه: البِرْزاليُّ، والقُطْب، والجماعة. وطال عمره وتفرَّد.
تُوفِّي بقُوص في ذي الحِجّة أو قبله من سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
٧٣٧ - الصَّفَدي **
العالم البارع الخطيب، نجم الدين أبو علي، الحسن بن محمد، الصَّفَدي، الذي كان قد وليَ خطابة جامع جَراح في وقتٍ.
رجلٌ فاضلٌ، ومُنشئٌ بليغ، وله نَظَر في المعقول وغير ذلك.
стр. 709
وليَ خطابةَ صفد وكتابةَ الإنشاء بها، وتخرَّج به فضلاء، منهم المولى صلاح الدين خليل بن أيبَك وغيره.
وله نظمٌ جيِّدٌ.
مات فجأة بصفد في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وقد شاخ.
٧٣٨ - ابن الشِّيرازي *
الشيخ الجليل، المُسنِد الأمين، المعمَّر رُحْلة الشام، شمس الدين أبو نصر، محمد ابن القاضي الرئيس عماد الدين مَلِك الكَتَبة محمد ابن العلّامة أقضى القضاة شمس الدِّين أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد ابن بُنْدار بن مَمِيل، الفارسي الشِّيرازيُّ الأصل، الدِّمشقيُّ ثم المِزِّيُّ.
ولد في شوال سنة تسع وعشرين وست مئة، وقيل: في رجب منها.
سمع جدَّه حضوراً ثم سماعًا، ومن عمِّه تاج الدين، والشيخ عَلَم الدين السَّخاوي، والعَلَم ابن الصَّابُوني، والمؤتمَن ابن القُمَيرة، وأبي إسحاق ابن الخُشُوعي، وبهاء الدين ابن الجُمَّيْزي، وجماعة.
وأجاز له الشيخ شهاب الدين السُّهرَوَرْدي، والقاضي ابن شداد، وإسماعيل بن باتكين، والأنجَب الحَمّامي، وابن رُوزْبةَ، وخلق كثير.
وتفرَّد بأجزاء وبعَوالٍ، وتزاحم عليه الطلبة، وألحَقَ الصغارَ بالكبار، انتقى له العَلائيُّ والبِرْزالي والواني وأنا.
وكان ساكنًا وَقُوراً، متواضعًا، نَزْرَ الحديث، مُنجَمِعاً عن الناس وعن
стр. 710
القضاة، له مِلكٌ يعيش منه، ويدخل البلد في الأحايِين، وكان طويل الرُّوح على المحدِّثين، وكان بارعًا في إذهاب المصاحف، وكان يسافر مع والده في التجارة، فسمَّعه بمصر وحلب.
أسمعتُ أولادي الأربعة منه، ثمَّ في أوائل سنة اثنتين وعشرين تغيَّر وظَهَرت فيه مبادي الاختلاط، وأصحابُنا لا يتوقَّفون في السَّماع فيمَن فيه رُوحٌ.
توفي ليلة عرفة من سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة بالمِزَّة ببُسْتانه، ﵀.
٧٣٩ - ابن الفُوَطيّ *
الشيخ الإمام، المحدِّث، المؤرِّخ العلّامة، الأخباري النَّسّابة، المتكلِّم الفيلسوف، الأديب، كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد الصابوني، الشَّيباني، البغدادي، ابن الفُوَطي، صاحب التصانيف.
كتب إلينا عبد الرزاق الشَّيباني، قال: حدثنا مُحيي الدين يوسف ابن الجَوْزي سماعًا منه سنة ثلاث وخمسين وست مئة قال: قرأت على الإمام المُستَعصِم بالله أبي أحمد قال: أخبرنا محمد بن محمد بن بدر الأصفهاني إذنًا قال: أخبرنا غانم بن أحمد الجُلُودي، أخبرنا محمود بن عبد الله بن ماشاذة قراءةً، حدثنا عبيد الله بن حَبَابةً، حدثنا البَغَوِيُّ (١)،
стр. 711
حدثنا طالُوت، حدثنا فَضّال بن جُبير، حدَّثنا أبو أُمامة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أولُ الآيات طلوعُ الشمس من مَغرِبها".
قد أفردتُ له ترجمةً في جزء، وذكر أنه من وَلَد مَعْن بن زائدة الأمير.
وُلد في المحرَّم سنة اثنتين وأربعين.
وأُسر في كائنة بغداد، ثم سار للنَّصير الطُّوسي في سنة ستين، فاشتغل عليه بعلوم الأوائل، وبالأدب والنظم والنثر، ومَهَرَ في التاريخ، وله نظمٌ فائق، ويدٌ بيضاء في ترصيع التراجم، وذهن سيال، وقلم سريع، وخطٌّ بديع، وبَصَرٌ بالمنطق وفنون الحكماء.
باشرَ كتب خزانة الرَّصد أزيدَ من عشرة أعوام بمَرَاغة، ولَهْجٌ بالتاريخ، واطَّلَع على كتب نفيسة، ثم تحوَّل إلى بغداد وصار خازن كتب المُستَنصريّة، فأكَبَّ على التصنيف، وسوَّد تاريخاً كبيرًا جدًا، وآخر دُونَه سماه "مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب" في خمسين مجلداً، المجلد عشرون كُرّاسة، وألَّف كتاب "دُرَر الأصداف في غُرَر الأوصاف" مرتَّب على وضع الوجود من المبدأ إلى المَعَاد، يكون عشرين مجلّداً، وكتاب "تلقيح الأفهام في المختلف والمؤتلف" مجدوَلاً، والتاريخ على الحوادث من آدم إلى خراب بغداد، و "الدُّرر الناصعة في شعراء المئة السابعة" في مجلدات.
قال: ومشايخي الذين أروي عنهم يَنيفُون على خمس مئة شيخ، فهم: الصاحب محيي الدين ابن الجَوْزي، والأمير مبارك ابن المستعصم بالله
стр. 712
حدَّثَنا عن أبيه بمَرَاغة.
قلت: وسمع ببغداد كثيرًا من ابن أبي الدِّينةِ والموجودين، وله شعر كثير بالعربي وبالعجمي، ولولا إقبالُه على الحديث لما عُدَّ إِلَّا من الحكماء، وكان يتناول الخمر، وقيل: إنه صلح حالُه في الآخر وأفاق، وكان روضةَ معارف وبحرَ أخبار.
كتب إليَّ بالإجازة بمَرْويّاته، ولقيه شمسُ الدين ابن خلف وأخذ عنه، حدَّثني ابن المَطَري: أنه بلغه أن ابن الفُوَطيّ كان يترك الصلاة، ويدخل في بلايا، ويتعانى المُسكِر.
ذكر ابن الفُوَطي أنه طالع في التَّواريخ: "تاريخ" غُنجار، "تاريخ سمرقند" الادريسي، "تاريخ خوارزم"، "تاريخ" الحاكم، "تاريخ خراسان" للأبيوَرْدِي، "تاريخ مَرُو" للسَّمعاني، "تاريخ جُرْجان"، "تاريخ أصبهان" لابن مَردَويه، ولحمزة، ولابن مَندَه، "تاريخ قزوين" للرافعي، "تاريخ الرَّيّ" للآبيّ، "تاريخ مَرَاغة"، "تاريخ أرّان"، "تاريخ" ابن جرير، "تاريخ" الخطيب و "ذَيله"، "تواريخ" شيخنا تاج الدين علي بن أنجب الخازن، "المنتظم"، "الكامل"، "تاريخ البصرة" لابن دَهْجان، "تاريخ الكوفة" لابن مُجالد، "تاريخ واسط" للدُّبَيثيّ ولبَحْشَل، "تاريخ" سامراء وتكريت والموصل، و "تاريخ إرْبل" لابن المُستَوفي، "تاريخ مَيافارِقِين"، "تاريخ حلب" لعلّان، "تاريخ" ابن عساكر، "تاريخ" العميد ابن القَلانسي، "تاريخ مصر"، "تاريخ القَيروان" لأبي العرب ولابن رَشِيق، "تواريخ الأندلس"، "تاريخ صقلية"، "تاريخ اليمن". وسمى كتبًا أكثر مما ذكرتُ بكثير.
مات في المحرَّم سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، وخلَّف ولدين أحدهما
стр. 713
طبيب، والآخر عبدٌ تقيٌّ، رحمة الله عليهم أجمعين.
٧٤٠ - الصاحب *
الوزير الكبير، والأمير الكبير أيضًا، نجم الدين محمد بن عثمان، البُصْرَويّ، ابن أخي قاضي الحنفية صدر الدين.
وليَ بدمشق الوزارةَ ثم أُعطى طَبْلخاناه، وكان محتشِماً مبجَّلاً، غارقاً في اللَّهو، درس أولًا ببُصْرى، ثم [وليَ] حِسْبة دمشق، ثم نَظَر الخِزانة، ثم الوزارة، ثم اقتصر على الإمرة ولم [يَلبَس] (١) زيَّ الأمراء.
مات سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
٧٤١ - العُتْبِيُّ **
الشيخ الفقيه، المُسنِد، ركن الدين أبو حفص، عمر بن محمد بن يحيى ابن عثمان، القرشي، العُتْبِي، الإسكندراني، ويُعرَف بابن جابي الأحباس.
ولد سنة تسع وثلاثين وست مئة.
وسمع من سِبْط السِّلَفي "جزء الدعاء" للمَحَاملي و "جزء ابن عُيينة" وكتاب "التوكُل" لابن أبي الدُّنيا و "مشيخه السِّبْط"، وتفرَّد في وقته، وكان من الشهود.
وكتبتُ عنه ومِن قَبْلي اليَعمَري والحلبي، ومن بعدي الوانِيُّ والسُّبْكي وعدَّة.
مات بالثَّغْر في صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
стр. 714
٧٤٢ - ابن الأحمر *
السلطان، أبو الجيوش نصر ابن السلطان محمد ابن السلطان محمد ابن السلطان محمد ابن الأحمر، الأنصاري.
خَرَجَ على أخيه واعتقله وتملَّك، فكانت دولته أربع سنين، ثم وَثَب عليه ابنُ أخته الغالب بالله وقَهَره وتسلطن، وقرَّر أبا الجيوش أميرًا بوادي آش، فدام بها نحواً من عشر سنين.
ومات في حدود سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
٧٤٣ - قاضي المَغُول **
قاضي الممالك، برهان الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن عمر ابن محمد النُّوجاباذي (١)، الحنفي، البخاري.
صدر معظَّم، وعالم مفخَّم، فيه كَيْسٌ ولطفٌ، وحُسن مذاكرة، وكان ملازماً للسلطان والوزراء.
قدم بغداد مرارًا، وروى بالإجازة عن سيف الدين الباخَرْزي ويقال: سمع منه، ولم يصحَّ.
مولده بمَحلة نوجاباذ (٢) من بخارى في سنة ثلاث وأربعين وست مئة،
стр. 715
ويوم كمَّل ثمانين سنة من عمره عمل وليمةً مشهودة، فاتفق موتُه بعدها بنحو من جمعة في شهر شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة بقرب تِبْرِيز.
وكانت إجازته من الباخَرْزيّ في سنة ست وخمسين.
أخذ عنه: السِّراج القَزْويني، ومحمد بن يوسف الزَّرَنْديّ، وأجاز للأولاد.
٧٤٤ - النُّور الحَكيم *
الإمام الأوحد، نور الدين عبد الرحمن بن عمر بن علي، الهاشمي الجعفري، الششتري، الطبيب.
قدم بغداد في أيام العزِّ الجَعْفَري متولِّي البصرة، فنزل بالنِّظامية وتفقَّه، ومَهَر في الطب، وتخرَّج بابن الصَّباغ وبابن القسِّيس، ثم برع في الإنشاء وفنون الأدب وكتابة المنسوب، فنوَّه عزُّ الدين بذِكْره وأجزل عطاياه، واتصل بصاحب الديوان علاء الدين، وحصَّل بالطِّب، ثم أقبل على فمن التصوُّف، ودخل في تلك المضايق وعمَّر خانقاه صيَّر نفسه فيها شيخها وبَعْدَ صِيتُه، وعظُم شأنه عند خَربندا، وبقيَ دخله في العام سبعين ألفًا إلى أن مات سنة ثلاث وعشرين، وقد شاخ، وهو والد المتفنّن نِظام الدين يحيى شيخ الرَّبْوة.
٧٤٥ - المُطَهَّر **
العلّامة ذو الفنون، عالم الرافضة، جمال الدين حسن بن يوسف بن المُطهَّر، الأسَدي الحِلِّي، المُعْتزلي.
стр. 716
صاحب التصانيف كـ "شرح مختصر ابن الحاجب"، وكتابه في الإمامة ردَّ عليه شيخُنا ابن تيميّة في ثلاثة أسفار، واختصرتُ ذلك أنا في سِفْر.
وكان يدري الكلامَ والعقليات، وفروع الشِّيعة وأصولهم، ويقال: بلغت تواليفُه مئة وعشرين مجلّداً، اشتغل مدة على النَّصير الطُّوسي، وكان من البخلاء مع الأموال، وقد اشتَهر ذكرُه، وتقدَّم في دولة خربندا، وتخرَّج به أقوام، وقد حجَّ في أواخر عمره، وخَمَلَ وانزوى إلى الحِلّة.
توفي سنة ست وعشرين وسبع مئة وقد ناهز الثمانين، وقيل: مات في المحرَّم سنة ست في الحادي والعشرين منه ..
٧٤٦ - الغالبُ بالله *
صاحب الأندلس، أبو الوليد إسماعيل ابن الرئيس أبي سعيد الفرج ابن إسماعيل بن يوسف بن نصر، الأَرْجُوني، وجدُّه هو أخو السلطان الكبير.
مولده سنة ثمانين وست مئة.
واستولى على الأندلس سنة ثلاث عشرة، فأَبعَد الملك أبا الجيوش خالَه، وقرَّر له وادي آش.
وكان أبوه الفَرَج متولِّياً لمالقةَ مدةً، فشبَّ إسماعيل وعَزَمَ على الخروج، فلامَه الأب، فقبض على أبيه مكرَّماً، وعاش الأب في دولة ولده عزيزاً إلى ربيع الأول سنة عشرين وسبع مئة وقد شاخ، وكان الذي نهضَ بتمليك إسماعيل أبو سعيد بن أبي العلاء المَرِيني وابنُ أخيه أبو يحيى.
стр. 717
وكان سلطاناً مَهيباً شجاعًا حازماً، ناهضاً بأعباء الملك عديم النَّظير، عظيم السَّطوة، هَزَمَ الله تعالى جيوش الكُفر على يدِه سنة تسع عشرة، ثم وَثَبَ عليه ابنُ عمه فقتله في ذي الحِجّة سنة ست وعشرين، ثم قُتِل قاتلُه وأعوانه في اليوم، وتملَّك ولده محمد أعواماً، وأباد ملوكَ دين الصَّليب.
٧٤٧ - الكريم *
القاضي النَّبيل، وكيل السلطنة، الصاحب، كريم الدين عبد الكريم ابن العَلَم هبة الله ابن السَّديد، القِبْطي، السَّلْماني، المصري. الذي بلغ من الارتقاء فوق رُتبة الوزراء.
أسلم كهلاً، وتقدَّم في أيام بَيبَرس الشاشنكير، ثم قدم السلطان أيَّده الله تعالى، ومكَّن له وصرَّفه في الخزائن، وأخذ ما شاء واصطفى لنفسه ما أحبَّ، وكانت داره عبارة عن بيوت الأموال، وكان يركب في خدمته الأمراء، ويركب في دَسْت أكبر وزير، ولا يتكلَّف في مَلْبس ولا زيٍّ، وقد قدم من الثَّغر نَوْبة أن أحرقت النصارى في القاهرة أماكن جمةً، فَغَوَّثَ به الغَوْغاءُ ورُجِمَ، فغضب له السلطان، وقطع أربعةً من أيدي الراجمين، ثم إنه مرض عام أوّل، فلمّا عُوفيَ أمر السلطان بالزِّينة له، ثم تزاحم الخلقُ على صدقة له فاختنق رجل، وقد ربط السلطان على راهب أُحضر فأخبره بمُغيَّبات، فشدَّ عليه الفخري فقتله، وقد قدم دمشقَ فبالغ نائبها في تعظيمه.
وكان عاقلاً وقوراً، ذا هيئة، جَزْل الرأي، بعيد الغَوْر.
стр. 718
وقف جامِعَي القُبيبات والقابون، ثم انحرف عنه السلطان ونَكبه وأُبعدَ إلى الشَّوبك، ثم حُوِّل إلى القدس، ثم طُلب ونُفِّذ إلى أُسوان، ثم بعدُ بيسير أصبح مشنوقاً بعِمامته، وكان سمحاً جوادًا متأدِّباً، وعادت تلك الأموال إلى بيت المال بعد تمحُّق كثيرٍ منها، والله تعالى أعلم بطَوِيَّته، فقد حجَّ وعمل خيرًا، واحترم العلماء.
شُنق في شوال سنة أربع وعشرين، وكان من أبناء السبعين، وقيل: إنه عند المفارَقة صلَّى ركعتين، وقال: عِشنا سعداء، ونموت شهداء، وكان معظِّماً لدينه وللإسلام.
وكان يُنظَّر برشيد الدولة الهَمَذاني وزير الشَّرق.
٧٤٨ - البَكْري *
الإمام المفتي الزاهد، نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل، البَكْري، المِصْري، الشافعي.
قرأ على بنت المُنَجّى "مسند الشافعي"، وله تواليف.
وكان ديِّناً متعفِّفاً، مطَّرِحاً للتجمُّل، نَهَاءً عن المنكر، حتى نفاه السلطان بعد أن هَمَّ بقطع لسانه، وكان قد وَثَبَ مرةً على الشيخ تقيِّ الدين ونال منه، وكان كثير القلاقل، فنزل بدَهْرُوط وغيرها، وعاش خمسين سنة.
توفّي بالقاهرة في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وشيَّعه الخلق.
стр. 719
٧٤٩ - الجِيليّ *
القاضي الفقيه، شمس الدين أبو العباس، أحمد بن علي بن الزُّبير بن سليمان بن مظفَّر، الجِيْليُّ أبوه، الدِّمشقي، الشافعي، الشاهد، من صُوفية الطَّواويس.
وُلد سنة خمس وثلاثين وست مئة.
وسمع مجلَّدين من "السُّنن" للبيهقيّ من أبي عمرو ابن الصَّلاح، روى عنه سائرُ الطلبة.
وكان ديِّناً، مُنطَبعاً، منادِماً، كثير النوافل والتلاوة.
مات على خيرٍ في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين.
سمع منه: ابن سعد، وابني عبدُ الرحمن.
٧٥٠ - الباجُرْبَقيُّ **
الشيخ الضالُّ الزِّنديق، محمد ابن المفتي الكبير جمال الدين عبد الرحيم ابن عمر، الباجُربَقي الجَزَري، الشافعي.
تحوَّل جمال الدين بعد الثمانين بولديه محمد وأحمد المدرِّس إلى دمشق فسمعوا من ابن البخاريِّ، وجلس للإفادة والإفتاء ودرَّس، ومات وقد شاخَ بعد السبع مئة.
فتَمشيَخَ محمد، وحَصَلَ له حالٌ وكَشْف ما، وانقطع فصَحِبَه جماعة
стр. 720
من الرُّذَالة، وهوَّن لهم أمرَ الشرائع، وأراهم بوارق شيطانية، وكان له قوة تأثير وتصرُّف في الجَهَلة، فقصده أناس فضلاء للسلوك، فرأوا منه بلايا منافية للشَّرع، فشَهِدوا عليه بما يُبيح الدم، منهم شيخُنا الإمام مجد الدين التُّونسي وخطيب الزنجيلية ومحيي الدين ابن الفارعي والشيخ أبو بكر ابن شرف، وجُنَّ أبو بكر هذا أيامًا ثم عقل، وحُكيَ عنه التهاون بالصلوات، وذِكرُ نبيِّنا باسمه من غير تعظيم ولا صلاة عليه، حتى يقول السامع: ومَن محمدٌ هذا؟ فحَكَمَ القاضي جمال الدين الزَّوَاوي بإراقة دمه بشهادة عدد اعتَمَد منهم على ستة، فاختفى، ثم تَسحَّب إلى العراق، وسعي أخوه بجاه بيبرس العلائي إلى القاضي الحنبلي، فشَهِدَ نحوُ العشرين بأن الستة بينهم وبين الشيخ عداوة، فعَصَمَ الحنبلي دمه، فغضب المالكيُّ وجدَّد الحكمَ بقتله.
وبعد مدة جاء من الشَّرق، فنزل بالقابُون متخفِّياً إلى أن مات في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين، وله ستون سنة، وكان أصحابه يقصدون قبره يوم الجمعة ويتركون صلاة الجمعة.
قال البِرْزالي: وفي ذي القَعدة سنة أربع وسبع مئة حكم المالكيُّ بقتل ابن الباجُربَقي وإن تاب، وكان شُهِد عليه بأمور لا تَصدُر من مسلم من الاستخفاف بالدِّين والكلام في الله تعالى ورسوله ونحو ذلك.
حدَّثَني قاضي القضاة أبو الحسن السُّبْكي: أنه اجتَمَع بمصر بابن الباجُربَقي، فذكر أنه قال له محيي الدين ابن العربي: إنه غضبان على أصحابه، قال: فأنكرتُ هذا وقلت: لعلَّ هذا في النوم! فما أعجَبَه هذا مني.
وحدَّثَني فقيه: أن الباجُربَقي قال: إن الرُّسل طوَّلت على الأُمم الطُّرقَ
стр. 721
إلى الله تعالى، ودارُوا بهم؛ يشير إلى أن الفرائض والعبادات حِجاب عن الله تعالى.
قلت: هذه الطائفة الخبيثة مدفونون في الأنجاس، لو أظهروا زندقتَهم لقُتلوا.
٧٥١ - ابن شِبْل *
المحدِّث العالِم، نجم الدين أبو بكر، عبد الله بن علي بن عمر بن شِبْل ابن رافع، الحِمْيَري الصُّنْهاجي، المَغْربي الشافعي، الصوفي.
وُلد بالقاهرة في رجب سنة ثمان وخمسين.
وكان أبوه أميرًا نبيلًا، له وَجاهة عند السلطان الملك المنصور سيف الدين، فسمَّع ولدَه هذا في صباه من الثلاثة ابن زين الدين، وابن رشيق، وابن عزُّون "صحيح البخاري" وأجزاء، وارتحل به فسمع "صحيح مسلم" من ابن عبد الدائم، وسمع "سنن أبي داود" من النَّجيب، و "الترمذي" من ابن القسطلاني، و "مسند أحمد" من النَّجيب.
وسمع من: إبراهيم بن نَجيب، وابن علّاق، وابن أبي اليُسْر، وعثمان ابن عوف، وخلق، وحصَّل له أبوه أصولاً مليحة.
قال ابن الدِّمياطي: قرأتُ عليه "صحيح مسلم"، قال: وكان فاضلًا جميل الصورة، ذاكراً لمسموعاته ومشايخه، صابراً على التحديث، شريف النفس، نشأ في سعادة ثم افتَقَر وباع أصولَه فتفرَّقت.
حدَّث بالكُتب الستة، وقد قرأ بنفسه وكتب، أخذ عنه المِصريُّون.
стр. 722
مات في شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
٧٥٢ - ابن دِرْباس *
القاضي الإمام الأديب، الناظم، فخر الدين، عثمان ابن القاضي أبي حامد محمد ابن قاضي القضاة عبد الملك بن عيسى بن دِرْباس، المارانيُّ المِصري.
وُلِد سنة ثمان وأربعين.
وسمع من أبيه جزءَين، رواهما مرّاتٍ، وله نظمٌ رائق، أنشأ رباطاً للفقراء على البحر، وحجَّ مرّات، وألَّف كتاباً في الأدب، رحمة الله عليه.
٧٥٣ - ابن الخَوام **
العلّامة البارع، عماد الدين عبد الله بن محمد بن عبد الرزاق، العراقي الحَرْبَوي، الطبيب الأديب، الحَيسُوب، المتكلِّم الفيلسوف، أحد الأعيان ببغداد.
ولد سنة ثلاث وأربعين.
وبَرَعَ في فنون، وعلَّمَ شرفَ الدين هارون ابن الوزير وأولادَ عمِّه علاءِ الدين صاحب الدِّيوان فنَّ الحِساب، وكَثُرَت أمواله، ودرَّس مذهب الشافعي بدار الذَّهب، وولي رياسة الطِّب ومشيخةَ الرِّباط، وجالسَ الملوك، وأخذ عن النَّصير الطُّوسِي عِلمَ الأوائل، وأنشأ دارًا وَقَفَ عليها لإمام ومؤدِّب وعشرة أيتام، وله تصانيف وإنشاءٌ وبلاغة.
стр. 723
قال لنا العزُّ الإربِلِي: أخذتُ عنه، وحدَّثَنا: أن بهاء الدين متولِّي أصبهان لازَمَه القُولنج، وكان سفّاكاً للدماء، فجمع له أبوه الوزير شمس الدين الجُويني أطبَّاءَ وحكماءَ بأصبهان نحو مئتي فاضل، منهم السيد رُكن الدين والتاج الخَوَافي والفخر قاضي هَرَاة وشمس الدين العُبيدي من تِبريز وشمس الدين الكِيشي والقُطب الشِّيرازي والنِّظام الأوْبهي الطبيب، فداوَوْه فما نفعَ لكونه كان لا يَحتمي، حتى بقي يُصرَع من القُولنج وضَعُف، فأعطاه الأوبهي ترياق بَرْشَعثا فسكَّن وجعه يومًا، ثم عاد، ثم عالجوه فما نَجَعَ، فأعطاه الأوبهي شربة بَرشَعثا فطابَ وأكل يومين، فاقتَصَر على معالجة الأوبهي وبقي أولئك مُعطَّلِين فحسدوه، وقالوا للخواصِّ: هذا يقتل مخدومَكم؛ لأن البرشعثا له غائلة تحلِّل الروح، فتواطؤوا على اغتيال الأوبهي، فعَرَفَ فالتَمَس من الملك السُّرعة إلى أوبَه، وهي قرية بما وراء النهر، فغضب الملكُ وحلف بحياة القان أبغا: لئن لم تكفُّوا عنه وإلا قتلتُ نفسي، فقالوا: إنما نقتله لسلامتك، وامتَنَع الأوبهي من علاجه بالبرشعثا، فزاد به القولنج فعالجوه بأشياء فلم تَنجَع، فطَلَب النِّظامَ وقال: اسقِني برشعثا، فامتَنع، فناوله ألف دينار فأخذها وسقاه، فطاب ثلاثة أيام، فوَصَلَه بألفي دينار، واختفى الأوبهي، وعَظُمَ القولنج بالملِك، فطلب مسلوقة بلحم خروف، فأكل من الكَبِد فصُرِعَ وأفاق، ثم غُشِي عليه، ثم مات ليومه، قال ابن الخوّام: سألتُ الأوبهي: لو عالجتَه أكان يَبرَأ؟ قال: لا، بل كان قد يعيش نحو شهرين بالملاطفة.
وقال ابن الخوّام: لمّا طلبني الصاحبُ علاء الدين قال لي: كم أربعةٌ في أربعة؟ فعرفت أنه يريد جواباً غير العادة، فقلت: أربعة في أربعة نصف
стр. 724
اثنين وثلاثين، وثُلُث ثمانية وأربعين، وخُمس ثمانين، وجزءٌ من كذا وكذا، فقال: حسبُك بانَ فضلُك.
قال الإربلي: كان العِمادُ يُصلح مِزاجَه بالمفرحات والمعاجين والمسموعات، ويشتري الوردَ الكثير يشدُّه على قَصَب ويشبّكه على الحيطان والسقف، وله من الكتب "القواعد البهائية" في الحساب و "المقدّمة" في الطب وغير ذلك، وهمُّوا بقتله عند مصرع رشيد الدولة، وشهدوا عليه بالكفر لأنَّه مدح "تفسير" الرشيد، وقال فيه: فهو إنساني ربَّاني، بل رب إنساني، تكاد تجلُّ عبارتُه بعد الباري؛ فقام عليه مُسافر العباسي وتقي الدين الزَّرِيراني الحاكم، وكفَّروا من قال ذلك، وذكروا أن البيِّنة قد قاربت الكمال، فدخل على قاضي القضاة القُطْب وأعطاه ذهبًا، وأسلَمَ على يديه سرًّا، فجَمَعَ له مجلسًا وحَكَم بحَقْن دمه، فقال محمد العلوي:
يا حزبَ إبليسَ ألا أبشروا … أنَّ فتى الخوَّامِ قد أسلما
وقال ممّا قال في كفرِه … أن رشيدَ الدين ربُّ السَّما
وقال لي شخصٌ خبيرٌ به … ما أسلم الشيخُ بلِ استسلَما
وقال المَطَري: سألت محيي الدين محمد ابن العاقولي عن مولد ابن الخوّام، فقال: أخبرني أنه ولد في ذي القَعدة سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
قال ابن رافع: ومات في سَلْخ ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة، ودُفن بداره ببغداد، قلت: كان قد دخل في تصوُّف الفلاسفة، فالله تعالى أعلم به.
стр. 725
٧٥٤ - ابن أبي القاسم *
الشيخ زَيْن الدين أبو الحسن، علي بن عبد الله بن عمر بن أبي القاسم، البغدادي الحنبلي، أخو الإمام رَشيد الدين.
وُلد بعد الأربعين.
وأجاز له في سنة ثلاث وأربعين ابنُ العُلّيق وجماعة، وسمع من فضل الله الجِيلي ثلاثة "أجزاء أبي الأحوص"، ومن علي بن محمد بن خطّاب ابن الخِيَمي "جزء التراجم" للنَّجّاد، ومن ابن تيميَّة "أحكامه"، ومن محيي الدين ابن الجَوْزي كثيرًا من تواليف أبيه.
وتفرَّد في وقته، وكتب في الإجازات، لكنه كان عاميًّا يتهاون بالدِّين، كان أخوه يَزجُر عن السَّماع منه، قال السِّراج القزويني: تركتُه لما فيه ممَّا لا يَلِيق.
تُوفِّي في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
٧٥٥ - البَدْر المَنبِجي **
الأديب البارع، صاحب النَّظْم والنَّثر، بَدْر الدين محمد بن عمر بن أحمد، المَنبِجيُّ الشافعي.
وُلد بمَنبِج قبل الخمسين.
وسَمِع من: ابن عبد الدائم بدمشق، ومن النَّجيب بمصر، وتَخرَّج بمجد الدين ابن الظَّهير.
стр. 726
تُوفِّي بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
٧٥٦ - علي شاه *
ابن أبي بكر التِّبريزي (١)، الوزير الكبير.
خَدَمَ القانَ أبا سعيد وتمكَّن وعَظُم محلُّه، وكان مصافياً للسلطان، محبًّا فيه، أَهدى إليه إلى مصر تُحَفاً، وكان محبّاً لأهل السُّنة، كان في أول أمره ابن سمسار ثم آلَ به الحالُ إلى وزارة الممالك، وأنشأَ جامعاً كبيرًا بتِبريز.
توفِّي بأرجان في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، من أبناء الستين.
وهو الذي قام على الرَّشيد حتى أُهلك، ثم وَزَرَ بعد علي شاه الوزيرُ محمد ابن الرَّشيد، ثم قَدِمَ على السلطان خليفةُ بن علي شاه فأعطاه إمرةً بدمشق في سنة ثمانٍ وثلاثين، وله أخٌ مُحتشِم في البلاد.
٧٥٧ - المُحْيي [ابن خطيب عَقْربا] **
يحيى بن مَكِّي بن عبد الرزاق بن يحيى، المَقدِسي الدمشقي، ابنُ خطيب عَقْربا، المارِسْتاني.
سمع من: أبيه، واليَلْداني، والبادَرَائي.
وكان منزَّلاً بدار الحديث، سَمعْنا منه، وكان منوَّرَ الوجه، لا بأس به.
стр. 727
توفِّي في صفر سنة أربع وعشرين وسبع مئة، عن تسع وثمانين سنة.
٧٥٨ - المُحْيي [ابن المارِسْتاني] *
الإمام المفتي، محيي الدين محمد بن علي بن عبد القوي بن عبد الباقي، التَّنُوخي، المَعَرِّي ثم الدمشقي، ابن المارِستاني الحنفي، نَزِيل القاهرة.
وُلد سنة سبع وأربعين.
وسمع من: عثمان بن علي، وإبراهيم بن خليل، وفرج الخادم، وعبد الله ابن الخُشُوعي، وعدة.
وخرَّج له شيخُنا الدِّمياطي "مشيخة" وسمعها منه قديمًا.
وكان مُدِيماً للاشتغال، وَرِعاً، زاهدًا، مفسِّراً، متواضعًا، كيِّسًا، من كبار الحنفية، أعاد بالمنصورية والناصرية والظاهرية والصالحية، حَمَلَ عنه الطَّلبة.
توفِّي في ثامن عشر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومن سماعاته "جزء الذُّهْلي" على ابن خطيب القَرَافة في سنة اثنتين وخمسين.
٧٥٩ - ابن أمين الدولة **
الإمام الزاهد النَّحْوي، ظَهير الدين عبد الوهاب بن عمر بن عبد المنعم ابن هِبَة الله، ابن أمين الدولة، الحلبي الحنفي، الصُّوفي.
стр. 728
مولدُه في رجب سنة أربعين وست مئة.
وسمع من: حييَّة الحرّانية، وأجاز له شعيب الزُّعفراني، وأبو الحسن ابن الجُمَّيزي، وحدَّث.
أخذ عنه: ابن طُغريل، وجماعة.
مات في صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة بحلب.
٧٦٠ - ابن النَّصِير *
العَدْل الكبير، الفقيه المحدِّث، كاتب الحُكْم، علاء الدين أبو الحسن، علي ابن الإمام نَصِير الدين محمد ابن القاضي كمال الدين غالب بن محمد ابن مُرِّي، الأنصاري، الدمشقي، الشافعي.
مولده في رمضان سنة خمس وأربعين.
وروى "الشاطبية" بسماعه بقوله من الكمال الضرير، وسمع بدمشق من: ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، وعدة، وطلب الحديث، وقرأ في النحو على ابن مالك، وقرأ كُتبًا وأجزاء.
وكان طويلًا رقيقًا، لديه فضيلة ونحو وحساب وشروط، وحصَّل مالًا جيدًا من الشُّروط، قرأ عليٌّ بالتُّربة جميع "السيرة"، وكان ذا تُؤَدة وسُكون.
مات في صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وشيوخه بلغوا تسعين شيخًا، جَمَعَهم البِرْزالي.
وكان يقول: سمَّعَني أَبي من الفقيه اليُونِيني، وانجَفَلْنا إلى مصر، فمات
стр. 729
أبي في الطريق بعَجْلون.
ومات قبله ابنُ أخيه التاجر أبو إسحاق إبراهيم بن علي في سنة تسع عشرة وسبع مئة عن نيِّف وثمانين سنة، وكان إنسانًا جيدًا، سمع من السَّخَاوي ستة أجزاء وتفرَّد بها مدةً.
٧٦١ - قاضي الكَرَك *
العلّامة الورع، عزُّ الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن الأميُوطي، الشافعي.
حَكَم بالكرك ثلاثين سنة.
وروى "التنبيه" عن ابن القَسطلاني، وقرأ أجزاء على الرَّضي القُسَنطيني، وتفقَّه بالضِّياء ابن عبد الرحيم، والنَّصير ابن الطَّبّاخ، وأخذ أيضًا مذهب مالك عن ناصر الدين ابن الأبياري قاضي الثَّغر، وبحث عليه "مختصر ابن الحاجب"، وتلا بالسَّبْع على النُّور الكُفْتي، وجماعة، والمَكِين الأسمر.
وتصدَّر للإقراء، وتخرَّج به فقهاء.
توفِّي في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وكان من جِلّة العلماء، كمَّل خمساً وسبعين سنة.
٧٦٢ - الصائغ **
الإمام الخطيب، شيخ القرّاء ومُسنِدهم، تقي الدين أبو عبد الله، محمد
стр. 730
ابن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكِّي، المِصري الشافعي، المشهورُ بالصائغ.
وُلد سنة ست وثلاثين وست مئة.
وتلا بعِدّة كتب على الكمال الضرير، والكمال ابن فارس، والتقي الناشِري، وسمع من الرَّشيد العطّار، وجماعة. وأعاد بالطَّيْبرسِيّة وغيرها.
وكان شاهدًا، عاقداً، خيِّراً، صالحًا، متواضعًا، صاحبَ فنون، صحب الرضيَّ الشاطبي مدة، وتضلَّع من اللغة، وسمع "صحيح مسلم" من ابن البُرهان. وكان يدرِّس القراءات ويعلِّل ويناظِر.
صنَّف خُطَباً للجُمَع، ابتدأ كل خطبة بعلامة قارئ (١) وجوَّدَها.
وكان كيِّسًا طويل الرُّوح، مُوطَّأَ الأكناف، كبير القَدْر.
ذكر لي ابنُ مؤمن أنه جَمَعَ عليه بعدَّة كتبٍ الختْمة في سبعة عشر يومًا.
وتَلَا عليه أئمةٌ مثل البُرهان الحِكْري، وإسماعيل العجمي، وابن غَدِير، وأبي إسحاق الرَّشيدي، وابن عَوْسجة، وتاج الدين ابن مكتوم، وعلي الحلبي الضرير، وعوض السَّعدي، ومحمد ابن الزمرّدي، وأبي العباس الحِكْري النحوي، وبهاء الدين ابن عَقيل، والشمس العَزَب، وخلق ذكرتُهم في "طبقات القراءات" (٢)، وكنت أحرِّض أصحابنا على الارتحال إليه.
стр. 731
وحدَّثني سِبطُ ابن السَّلْعوس: أنه شيخ مَتين الدِّيانة، قوىّ العربية.
وقرأتُ بخط العلّامة أبي حيان: أشهَدَني شيخُنا الإمام العالم العلّامة، شيخ المقرئين ورئيس المتصدِّرين، حامل راية الرِّواية والإسناد، مُلحِق الأحفاد بالأجداد، تقيُّ الدين، في سنة تسع عشرة.
قلت: تُوفِّي في صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
٧٦٣ - اللِّحْياني *
صاحب تونس وطرابُلُس والمهديّة وقابِس وتَوْزَر وسُوسَة؛ الملك أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد ابن الشيخ عمر إينْتِي، البَربَري الهَنْتاتي، المَغْربي المالكي.
وُلِد بتونس سنة نيِّف وأربعين وست مئة.
ووَزَرَ لابن عمِّه المستنصِر مدةً، وتفقَّه، وأتقن النحو، ثم تملَّك سنة ثمانين، ثم خُلع، ثم حج سنة تسع وسبع مئة، واجتمع بشيخنا ابن تَيميَّة، ثم رَدَّ إلى تونس وقد مات صاحبُها، فملَّكوه في سنة إحدى عشرة ولُقِّب بالقائم بأمر الله، وله نظمٌ وفضيلة، ثم سافر إلى طرابُلس في سنة ثمان عشرة، فتوثَّب على تونس قرابتُه أبو بكر، فسار اللِّحيانيُّ إلى الإسكندرية في سنة إحدى وعشرين، وقد رَفَضَ المُلك، وكان جدُّهم عمر من أكبر أصحاب ابن تُومَرت، وكان اللِّحياني قد أسقَطَ ذكرَ "المَهْدي المعصوم" من الخُطبة.
وكان جدُّ أبيه قد تملَّك المغربَ بضعاً وعشرين سنة، ثم تملَّك بعده
стр. 732
ابنه المستنصِر الملقَّب بأمير المؤمنين، وذلك في الدولة الظاهرية، ودامت دولتُه إلى سنة ست وسبعين، وكان شَهماً ذا جبروت، وتَسلطَنَ بعده ابنُه الواثق بالله يحيى، ثم خُلِعَ بعد سنتين وأشهر، وتملَّك المجاهد إبراهيم فبقي أربعة أعوام، ثم توثَّب عليه الدَّعيُّ أحمد بن مرزوق البجائي الذي زَعَمَ أنه ولد الواثق، وتمَّ ذا له؛ لأن المجاهد قَتَل الفضلَ ابن الواثق سرًّا، فقال هذا: أنا هو الفضلُ، وتملَّك عامين، وقام عليه أبو حفص أخو المجاهد فهَرَب الدعيُّ، ثم أُسر وهَلَك تحت السِّياط بعد أن اعترف أنه دعيٌّ، فتملَّك أبو حفص ثلاثة عشر عامًا وأحسنَ السِّيرة، ثم توفي سنة أربع وتسعين وست مئة، وقام أبو عصيدة محمد ابن الواثق فتملَّك خمس عشرة سنة، وكان صالحًا مشكوراً.
وأما اللِّحياني فاستَوطَن الإسكندرية حتى مات في المحرَّم سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وقد شاخَ.
فحدَّثني الفقيه أحمد بن شَبيب، قال: قَدِمَ اللِّحياني الثِّغر وأنا عند الشيخ، فتردَّد إلى الشيخ، فعمل له شرف الدين ابن المنجَّا وليمة، فقال لنا الملك أبو يحيى: عندنا المَرِيّ وهو طيِّب، فقال ابن المنجَّا: فما هو؟ فقال: تعالَوْا غدًا، فظننا يحتفلُ لنا، فلم نرَ شيئًا، بل أخرج سُكُرّجة (١) فيها مَرِيّ، فلَعِقَ ابنُ المنجَّا منه وتطعَّم، وقال: طيِّب، ولَعِقتُ أنا، فهذه كانت مأدُبة هذا الملك. ثم حججتُ مع بيت أمير وفي الرَّكْب اللِّحياني، له بغلة تُجنّب (٢)، وله أتباع، فكانوا يجوعون وكنا نطعمهم، كان الرِّزق معنا كثيرًا.
стр. 733
ولمّا رَجَع في سنة اثنتي عشرة أعانه عرب إفريقية، وكاتَبَ أهل تونس لكراهيَتهم للملك خالد بن يحيى الهَنْتاني، وقبضوا على خالد، ثم تملَّك اللِّحياني وقتل خالدًا أسيرًا، فبقي ستة أعوام، وأخذ الملكَ منه السلطان أبو بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الواحد بن عمر أخو يحيى المقتول، بإعانة البطل الشهير عمر بن زحوا المَريني، وهرب اللِّحياني بآله وحواصله ليلًا في البحر إلى خاله الفرنجي الذي بصِقلِّية، فأجازه.
وكان عالمًا، فاضلًا، قوى العربية، ثم إنه قدم الإسكندريةَ وسكنها حتى مات بها، وكان محباً للحديث والآثار.
وكان يحيى المقتول قد وَرِثَ الملكَ من أبيه صاحب بجاية وقُسَنطينة، وكان شابًا حسنًا، فتعاضَدَ هو وابنُ عمه أبو عصيدة محمد بن يحيى ابن المستنصِر، وتحالَفا على أن من مات قبل صاحبه فمملكتُه كلها للباقي، وكانت دولة أبي عصيدة بضع عشرة سنة، ومات، فأقبل يحيى بجيوشه من بجاية وتملَّك تونسَ، واستناب على بِجاية أخاه أبا بكر، وهرب أعوانُ اللِّحياني من تونس بولد اللِّحياني الأمير محمَّد إلى العرب، فبايعوا محمدًا، وأقبَلوا به فانهزم منهم أبو بكر، واشتغل ابنُ اللِّحياني بالمُلك حولًا كاملًا، ثم أقبل أبو بكر في جيش فالتقى الجمعان، فانكسر محمدٌ وهرب إلى أبيه بطرابُلس.
٧٦٤ - ابن العطَّار *
الشيخ الإمام المفتي المحدِّث، الصالح بقيَّةُ السَّلف، علاء الدين أبو
стр. 734
الحسن، علي ابن الموفَّق العطَّار إبراهيم ابن الطبيب داود، الدمشقي الشافعي، شيخ دار الحديث النُّورية، ومدرِّس القُوصية والعَلَمية، يلقب بمُختصِر النَّواوي، وبالمُختصِر.
وُلِد يوم الفِطْر سنة أربع وخمسين وست مئة.
فحفظ القرآنَ ثم سمع من: ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، وعبد العزيز ابن عَبْدٍ (١)، والجَمَال ابن الصَّيرفي، وابن أبي الخير، والمَجْد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، والعِماد محمد ابن صَصْرَى، وشيخ العربية الجَمَال ابن مالك، والشمس ابن هامل، وأبي بكر محمد ابن النُّشْبي، وخطيب بيت الآبار محمد بن عمر، والقُطب ابن أبي عَصْرون، وأحمد بن هبة الله الكَهْفي، والكمال ابن فارس المقرئ، والشيخ حسن الصِّقِلي، والفقيه زهير الزُّرَعي، والقاضي أبي محمد ابن عطاء الأذرَعي، ومدلَّلة بنت الشِّيرَجي، وإلياس ابن عُلْوان المقرئ، وعدة.
وسمع بمكة من: يوسف بن إسحاق الطَّبري، وأبي اليُمْن ابن عساكر، وعدة، وبالمدينة من أحمد بن محمد بن النَّصِيبي، وببيت المقدِس من قُطب الدين الزهري، وبنابُلس من العِماد عبد الحافظ، وبالقاهرة من الأبَرقُوهي، وابن دَقيق العيد.
وعملتُ له "معجمًا"، سمعه منه في سنة سبع وتسعين بقراءتي ابنُ الزَّمْلَكاني، وابن الفخر، وابن المجد، والمجد الصَّيرفي، والبِرْزالي، والمُقاتلي، وابن خالي إسماعيلُ الذَّهبي، وسمع منه ابني عبدُ الرحمن،
стр. 735
وعدّة.
وقد صَحِبَ الشيخَ محيي الدين النَّوَاوي وتفقَّه عليه، وقرأ عليه "التنبيه"، وأفتى ودرَّس، وجَمَع وصنَّف ونسخ الأجزاء، ودارَ مع الطَّلبة وسَمِعَ الكثير، وله محاسن جَمّة، وزُهد وتعبُّد، وأمرٌ بالمعروف على زَعَارَّة في أخلاقه، وله أتباع ومحبُّون.
أُصيب بالفالج سنة إحدى وسبع مئة، فكان يمشي بمَشقَّة، ثم عَجَزَ وانقطع، وكتب كثيرًا بالشِّمال. استجاز لي طائفةً من الكِبار عامَ مولدي.
تُوفِّي إلى رحمة الله تعالى في ذي الحِجّة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، عن سبعين سنة وشهرين.
قرأتُ على عليِّ بن إبراهيم الفقيه: أخبَرك إسماعيلُ بن إبراهيم وابنُ عبدٍ الحارثي وعبدُ الوهاب بن محمد الصالحي، قالوا: أخبرنا أبو طاهر الخُشوعي، قال: أخبرنا عبد الكريم بن حمزة، قال: أخبرنا الحسين بن محمد الحِنّائي، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن الحسن الكِلابي، قال: أخبرنا أحمد بن عُمير الحافظ، حدثنا كَثير بن عُبيد، حدَّثنا محمد بن حرب، عن الزُّبَيدي، عن الزُّهْري، عن حُميد، قال: إن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن حَلَفَ منكم فقال في حَلِفِه: باللّات، فليقل: لا إله إلا الله، ومَن قال لصاحبِه: تعالَ أُقامِرْك، فليَتصدَّقُ"، رواه النَّسَائي (١) عن كَثير، وحُميدٌ: هو ابن عبد الرحمن بن اللون الزُّهري ﵁.
وفيها مات رُكْن الدين عمر بن محمد القرشي العُتْبي بالإسكندرية،
стр. 736
والقاضي أحمد بن علي بن الزبير الجِيلي ثم الدمشقي، والعدل زين الدين عبد الرحمن بن نصر بن عُبيد الصالحي الحنفي، ووكيل السلطان كريمِ الدين عبد الكريم بن هِبَة الله القِبْطي الوزير، والشيخ محمد ابن المفتي جمال الدين عبد الرحيم الباجُرْبَقي الذي حَكَموا بكُفره، والمحيي يحيى بن مكّي بن عبد الرزاق، والشيخ علي بن أبي القاسم البغدادي أخو الرَّشيد، والمفتي نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل البَكْري الشافعي الزاهد، وقاضي حلب زين الدين عبد الله بن محمد ابن قاضي الخليل، ووزير الشَّرق علي شاه ابن أبي بكر التِّبْريزي، والمحدِّث عبد الله بن علي بن شِبْل الصّنْهاجي بمصر، والمفتي محيي الدين محمد بن علي بن عبد القوي التَّنوخي الحنفي الدمشقي بالقاهرة، والتقي محمد بن بركات ابن القُريشة، والمفتي شرف الدين محمد ابن المنجَّى مدرِّس المِسْمارية.
٧٦٥ - ابن المُغَيزِل *
الإمام العالم الكبير، مُعِين الدين، أبو بكر بن عبد اللطيف بن محمد ابن محمد، ابن المُغَيزل، الحَمَوي العبدي الشافعي، خطيب الجامع الكبير بحماة بعد والده من سنة تسعين وست مئة.
مولدُه بدمشق سنة خمسين وست مئة من بنت واقف المدرسة الصَّدْرية.
وأجاز له سِبْط السِّلَفي، وسمع من: ابن أبي اليُسْر، وابن علّان، وطائفة.
وأفتى ودرَّس، وكان صدرًا معظَّماً، فاخر البزة، مليح الجُملة، درَّس بالتَّقوية بدمشق مدةً، ودرَّس بمصر بتُرْبة الشافعي، وكان تفقَّه بدمشق
стр. 737
على الشيخ تاج الدين، وأخذ المباحثَ عن الأصفهاني بمصر.
سمع منه الطلبةُ بدمشق وبحماة.
توفِّي في ذي الحِجة سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وهو أخو الشيخ عبد الصمد (١)، الذي سمع الكثيرَ من أصحاب ابن طَبَرزَد، وتأخَّر بعد أخيه، وتوفي سنة خمس، ووَزَرَ بحماة ثم تَرَك، وولي بعد أخيه الخطابة.
وأبوهما بدرُ الدين حدَّث عن ابن الخازن، أخذ عنه البِرْزالي وجماعة.
وتوفِّي عمُّهم وكيلُ بيت المال بحماة شرف الدين عبد الكريم بن محمد ابن المُغَيزل (٢) في المحرَّم سنة سبع وتسعين وست مئة عن إحدى وثمانين سنة. حدَّثَنا عن الكاشْغَري، وسمع بمصر من عبد الرحيم بن الطُّفيل. وهم بيتٌ كبير بحَمَاة.
٧٦٦ - ابن عُبيد *
مفتي المسلمين، زَيْن الدين عبد الرحمن بن نصر بن عُبيد، القَدَمي السَّوَادي، ثم الصالحي الحنفي.
سمع: المُرسيَّ، وسِبط ابن الجَوْزي، وخطيب مَرْدا، وإبراهيم البطائحي، والرَّشيد العراقي، والبَلْداني، وعدة.
وعالَجَ الشهادةَ تحت الساعات دهرًا، ثم عَجَزَ وانقطع بمدرسته
стр. 738
الأسَديّة، وكان ساكنًا وَقُوراً، كثير التلاوة، بصيراً بالفقه، عابراً للرؤيا. سمع منه الجماعة.
وتُوفِّي في ذي الحِجَّة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وله ست وثمانون سنة.
٧٦٧ - ابن الحَدّاد *
القاضي الإمام الأوحَد، بدر الدين أبو عبد الله، محمد بن عثمان بن يوسف، الآمِدِي ثم المِصري، الحنبلي، ابن الحدَّاد.
تفقَّه بمصر، وحفظ "المحرَّر" وتميَّز، ثم دخل في الكتابة، واتصل بالمقرّ قَراسُنقُر وسار معه إلى حلب، ونَظَر في ديوانه، ونظر في الأوقاف بها والخطابة، فلمّا ولي قراسُنقُر نيابةَ دمشق عَلَت رُتبة ابن الحداد، وولي خطابة دمشق، انتزعها من القزويني، ثم بعد أيام وصل منشورٌ بإعادة القزويني، ثم بعد أيام وليَ الحِسبةَ ونظرَ المارستان النُّوري، ثم وليَ نظرَ الجامع.
وله سماعٌ من القاضي شمس الدين ابن العِماد.
وقد ذُكِر لقضاء دمشق وقويَ ذلك ولم يَتمَّ.
وكان قد عَرَضَ "المحرَّر" على ابن حَمْدان، وتفقَّه عليه مدةً.
ولمّا انصرف مخدومُه عن دمشق أقام بها، ودام مدةً في حِسْبة دمشق.
توفِّي في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة في المعتَرَك.
стр. 739
٧٦٨ - قاضي حَلَب *
الإمام، زَيْن الدين أبو محمد، عبد الله ابن قاضي الخليل محمد بن عبد القادر بن ناصر، الأنصاريُّ الشافعي.
كان رئيساً متميِّزاً وَقُوراً، مليح الشَّكل فاخر البِزة، حسن المشاركة حُلْو المحاضرة.
سمع من: ابن أبي عمر، وابن البخاري، والقُطْب الزّهري، وحدَّث.
ناب في الحُكْم بدمشق، ثم ولي قضاءَ حمص وبَعلَبك، ثم قضاءَ حلب نيِّفًا وعشرين.
تُوفِّي سنة أربع وعشرين وسبع مئة عن سبعين سنة.
٧٦٩ - محمود بن سَلْمان **
ابن فَهْد، القاضي الأثير، العلّامة الأوحد، ذو البلاغتَين، شهاب الدين أبو الثَّناء، الحلبي ثم الدمشقي، الحنبلي الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء.
وُلد سنة أربع وأربعين وستِّ مئة بحلب، وكان يقول: إن ابن خليل أجاز له.
وسمع بدمشق من: الرضي ابن البُرهان، ويحيى ابن الحنبلي، وابن مالك، وابن هامِل، وطائفة.
وكتب المنسوبَ، ونَسَخَ لنفسه وللناس، وتفقَّه على ابن المُنجَّى وغيره،
стр. 740
وأخذ الأدب عن ابن مالك، ومجد الدين ابن الظَّهِير، وبَرَعَ فِي النَّظْم الرائق والنَّثر الفائق، وانتهى إليه علم الترسُّل، وصنَّف فيه كتابًا نفيساً، وباشَرَ كتابةَ الإنشاء بدمشق وبمصر مدةً.
نقله إلى مصر وزيرُها ابن السَّلعُوس، وتقدَّم ببلاغتِه وبديع إنشائه، وسكونه وتواضعه، ثم بُعِثَ على ديوان الإنشاء بدمشق بعد الصاحب شرف الدين ابن فَضْل الله، فكان نائبُ السلطنة يحترمه ويَرَى له، فأقام على المنصب ثمانية أعوام.
وتُوفِّي فولي بعده ولدُه القاضي شمس الدين محمد، رعايةً لحق المرحوم، وصلَّى عليه النائب، ودُفن بتُربةٍ له بسفح قاسيون.
وقد ذُكِرَ في مصر لقضاء الحنابلة، ولم يُخلِّف الرجلُ في معناه مثله، سمعتُ منه وأنشَدَني من شعره.
عاش ثمانين سنة وأشهُرًا، توفي سنة خمس وعشرين.
٧٧٠ - إسحاق بن يحيى *
ابن إسحاق بن إبراهيم، الشيخ العالم الفاضل، المُسنِد المعمَّر، عَفيف الدين أبو محمد، الآمِدي ثم الدمشقي، الحنفي، شيخُ دار الحديث الظاهريّة.
وُلد سنة اثنتين وأربعين وست مئة بآمِد.
وارتَحَل به أبوه في سنة ثمان وأربعين فسمَّعَه من عيسى بن سلامة،