والقاضي أحمد بن علي بن الزبير الجِيلي ثم الدمشقي، والعدل زين الدين عبد الرحمن بن نصر بن عُبيد الصالحي الحنفي، ووكيل السلطان كريمِ الدين عبد الكريم بن هِبَة الله القِبْطي الوزير، والشيخ محمد ابن المفتي جمال الدين عبد الرحيم الباجُرْبَقي الذي حَكَموا بكُفره، والمحيي يحيى بن مكّي بن عبد الرزاق، والشيخ علي بن أبي القاسم البغدادي أخو الرَّشيد، والمفتي نور الدين علي بن يعقوب بن جبريل البَكْري الشافعي الزاهد، وقاضي حلب زين الدين عبد الله بن محمد ابن قاضي الخليل، ووزير الشَّرق علي شاه ابن أبي بكر التِّبْريزي، والمحدِّث عبد الله بن علي بن شِبْل الصّنْهاجي بمصر، والمفتي محيي الدين محمد بن علي بن عبد القوي التَّنوخي الحنفي الدمشقي بالقاهرة، والتقي محمد بن بركات ابن القُريشة، والمفتي شرف الدين محمد ابن المنجَّى مدرِّس المِسْمارية.
٧٦٥ - ابن المُغَيزِل *
الإمام العالم الكبير، مُعِين الدين، أبو بكر بن عبد اللطيف بن محمد ابن محمد، ابن المُغَيزل، الحَمَوي العبدي الشافعي، خطيب الجامع الكبير بحماة بعد والده من سنة تسعين وست مئة.
مولدُه بدمشق سنة خمسين وست مئة من بنت واقف المدرسة الصَّدْرية.
وأجاز له سِبْط السِّلَفي، وسمع من: ابن أبي اليُسْر، وابن علّان، وطائفة.
وأفتى ودرَّس، وكان صدرًا معظَّماً، فاخر البزة، مليح الجُملة، درَّس بالتَّقوية بدمشق مدةً، ودرَّس بمصر بتُرْبة الشافعي، وكان تفقَّه بدمشق
стр. 737
على الشيخ تاج الدين، وأخذ المباحثَ عن الأصفهاني بمصر.
سمع منه الطلبةُ بدمشق وبحماة.
توفِّي في ذي الحِجة سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وهو أخو الشيخ عبد الصمد (١)، الذي سمع الكثيرَ من أصحاب ابن طَبَرزَد، وتأخَّر بعد أخيه، وتوفي سنة خمس، ووَزَرَ بحماة ثم تَرَك، وولي بعد أخيه الخطابة.
وأبوهما بدرُ الدين حدَّث عن ابن الخازن، أخذ عنه البِرْزالي وجماعة.
وتوفِّي عمُّهم وكيلُ بيت المال بحماة شرف الدين عبد الكريم بن محمد ابن المُغَيزل (٢) في المحرَّم سنة سبع وتسعين وست مئة عن إحدى وثمانين سنة. حدَّثَنا عن الكاشْغَري، وسمع بمصر من عبد الرحيم بن الطُّفيل. وهم بيتٌ كبير بحَمَاة.
٧٦٦ - ابن عُبيد *
مفتي المسلمين، زَيْن الدين عبد الرحمن بن نصر بن عُبيد، القَدَمي السَّوَادي، ثم الصالحي الحنفي.
سمع: المُرسيَّ، وسِبط ابن الجَوْزي، وخطيب مَرْدا، وإبراهيم البطائحي، والرَّشيد العراقي، والبَلْداني، وعدة.
وعالَجَ الشهادةَ تحت الساعات دهرًا، ثم عَجَزَ وانقطع بمدرسته
стр. 738
الأسَديّة، وكان ساكنًا وَقُوراً، كثير التلاوة، بصيراً بالفقه، عابراً للرؤيا. سمع منه الجماعة.
وتُوفِّي في ذي الحِجَّة سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وله ست وثمانون سنة.
٧٦٧ - ابن الحَدّاد *
القاضي الإمام الأوحَد، بدر الدين أبو عبد الله، محمد بن عثمان بن يوسف، الآمِدِي ثم المِصري، الحنبلي، ابن الحدَّاد.
تفقَّه بمصر، وحفظ "المحرَّر" وتميَّز، ثم دخل في الكتابة، واتصل بالمقرّ قَراسُنقُر وسار معه إلى حلب، ونَظَر في ديوانه، ونظر في الأوقاف بها والخطابة، فلمّا ولي قراسُنقُر نيابةَ دمشق عَلَت رُتبة ابن الحداد، وولي خطابة دمشق، انتزعها من القزويني، ثم بعد أيام وصل منشورٌ بإعادة القزويني، ثم بعد أيام وليَ الحِسبةَ ونظرَ المارستان النُّوري، ثم وليَ نظرَ الجامع.
وله سماعٌ من القاضي شمس الدين ابن العِماد.
وقد ذُكِر لقضاء دمشق وقويَ ذلك ولم يَتمَّ.
وكان قد عَرَضَ "المحرَّر" على ابن حَمْدان، وتفقَّه عليه مدةً.
ولمّا انصرف مخدومُه عن دمشق أقام بها، ودام مدةً في حِسْبة دمشق.
توفِّي في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة في المعتَرَك.
стр. 739
٧٦٨ - قاضي حَلَب *
الإمام، زَيْن الدين أبو محمد، عبد الله ابن قاضي الخليل محمد بن عبد القادر بن ناصر، الأنصاريُّ الشافعي.
كان رئيساً متميِّزاً وَقُوراً، مليح الشَّكل فاخر البِزة، حسن المشاركة حُلْو المحاضرة.
سمع من: ابن أبي عمر، وابن البخاري، والقُطْب الزّهري، وحدَّث.
ناب في الحُكْم بدمشق، ثم ولي قضاءَ حمص وبَعلَبك، ثم قضاءَ حلب نيِّفًا وعشرين.
تُوفِّي سنة أربع وعشرين وسبع مئة عن سبعين سنة.
٧٦٩ - محمود بن سَلْمان **
ابن فَهْد، القاضي الأثير، العلّامة الأوحد، ذو البلاغتَين، شهاب الدين أبو الثَّناء، الحلبي ثم الدمشقي، الحنبلي الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء.
وُلد سنة أربع وأربعين وستِّ مئة بحلب، وكان يقول: إن ابن خليل أجاز له.
وسمع بدمشق من: الرضي ابن البُرهان، ويحيى ابن الحنبلي، وابن مالك، وابن هامِل، وطائفة.
وكتب المنسوبَ، ونَسَخَ لنفسه وللناس، وتفقَّه على ابن المُنجَّى وغيره،
стр. 740
وأخذ الأدب عن ابن مالك، ومجد الدين ابن الظَّهِير، وبَرَعَ فِي النَّظْم الرائق والنَّثر الفائق، وانتهى إليه علم الترسُّل، وصنَّف فيه كتابًا نفيساً، وباشَرَ كتابةَ الإنشاء بدمشق وبمصر مدةً.
نقله إلى مصر وزيرُها ابن السَّلعُوس، وتقدَّم ببلاغتِه وبديع إنشائه، وسكونه وتواضعه، ثم بُعِثَ على ديوان الإنشاء بدمشق بعد الصاحب شرف الدين ابن فَضْل الله، فكان نائبُ السلطنة يحترمه ويَرَى له، فأقام على المنصب ثمانية أعوام.
وتُوفِّي فولي بعده ولدُه القاضي شمس الدين محمد، رعايةً لحق المرحوم، وصلَّى عليه النائب، ودُفن بتُربةٍ له بسفح قاسيون.
وقد ذُكِرَ في مصر لقضاء الحنابلة، ولم يُخلِّف الرجلُ في معناه مثله، سمعتُ منه وأنشَدَني من شعره.
عاش ثمانين سنة وأشهُرًا، توفي سنة خمس وعشرين.
٧٧٠ - إسحاق بن يحيى *
ابن إسحاق بن إبراهيم، الشيخ العالم الفاضل، المُسنِد المعمَّر، عَفيف الدين أبو محمد، الآمِدي ثم الدمشقي، الحنفي، شيخُ دار الحديث الظاهريّة.
وُلد سنة اثنتين وأربعين وست مئة بآمِد.
وارتَحَل به أبوه في سنة ثمان وأربعين فسمَّعَه من عيسى بن سلامة،
стр. 741
والشيخ المَجْد بحَرّان، ومن الحافظ ابن خليل فأكثَرَ، ومن الضِّياء صَقْر وجماعةٍ بحلب، وسمع بالمَعَرَّة ودمشق، ثم طَلَبَ بنفسه في أيام ابن عبد الدائم، وحصَّل أصولاً وأجزاءً، وحَضَرَ المدارس، وحجَّ غير مرة، وشَهِدَ على القضاة.
وكان طيِّب الأخلاق، منطبِعاً، يصحَبَ المولى عز الدين ابن القَلانسي.
وقد خرَّج له ابنُ المُهندِس "عواليَ" سمعناها منه سنة ثمان وتسعين، ثم عَمِلَ له "معجمًا"، فقرأتُه، وسمَّعتُ منه ابنَيَّ، وقد أخذ عنه القاضي عز الدين ابن جَمَاعة وابنه وعدَّةٌ، وتفرَّد بأشياءَ عالية، وكان يسكن بالجبل بناحية الناصرية.
توفِّي في الثاني والعشرين من رمضان سنة خمس وعشرين وسبع مئة بقاسيون.
وفيها مات الشهاب محمود المُنشِئ، والتقي الصائغ شيخ القرّاء، وشهاب الدين أحمد بن محمد ابن العَفيف الحنفي، والمحدِّث نور الدين علي بن جابر الهاشمي، والخطيب القُدْوة الفقيه صدر الدين سليمان بن هلال الجَعبَري الحَوْراني الشافعي، والعَدْل علاء الدين علي ابن النَّصير كاتب الحُكم، وعبد الرحمن بن عبد الوليّ سِبط اليَلْداني، وإمام الدين محمد ابن الشرف عمر ابن خَوَاجا إمام، وقاضي الكرك عز الدين محمد ابن أحمد الأميُوطي، وكبير الأمراء ركن الدين بَيبرس الخَطَائي الدُّوَيدار صاحب "التاريخ"، وقُتل صاحب المدينة منصور بن جماز بن شيحة الحُسيني، والنَّجم عبد الحميد بن سليمان ابن المُقرئ الحنفي بمدرسة البَدْرية، والصَّدر بدر الدين محمد بن أحمد بن العطّار، ورئيس المؤذِّنين
стр. 742
البدر محمد بن صبيح.
٧٧١ - الدُّوَيدار *
الأمير الكبير، مقدَّم الجيوش، ركن الدين بَيبَرْس الخَطَائيّ المنصوري، الدُّوَيدار، رأس الميسرة وكبير الدولة. عَمِلَ نيابة السلطنة بمصر، ثم سُجِنَ مدةً، ثم أُطلق وأُعيد إلى رُتْبته.
صنَّف "تاريخاً" كبيرًا بإعانة كاتبٍ له.
وكان عاقلاً، وافر الهَيْبة، كبير المنزلة عند السلطان، من أبناء الثمانين، وكان السلطان يقوم له ويأذنُ له في الجلوس.
تُوفِّي بمصر في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
٧٧٢ - الهاشمي **
الإمام العالم المحدِّث، نور الدين علي بن جابر بن علي بن موسى، الهاشمي اليَمَني الشافعي، شيخ الحديث بالمنصورية.
وكان أبوه سفّاراً، فكان مع أبيه صغيرًا أيامَ استباحة هولاكو العراقَ ببغداد، ثم سمع باليمن من زكي البَيْلَقاني، وبمصر من العز الحرّاني وخلق، وبدمشق من الفخر وجماعة، وذكر أنه يحفظ "الوجيز" للغزالي.
وكان فصيحًا مليحَ القراءة، وخلَّف كتبًا كثيرة، وما كان مع علمه بالمتحرِّي في النَّقل، قاله لي أبو عمرو النُّوَيري. أَخَذ عنه الطلبة.
стр. 743
ومات في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وله ثمان وسبعون سنة.
كتب الكثيرَ، وله نظم كثير.
٧٧٣ - اليَلْداني *
الشيخ المُسنِد، أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الوليّ بن إبراهيم، اليَلْدانِي الصَّحراوي، سِبط اليَلْداني.
سمع الكثيرَ من: جدِّه تقي الدين، والرَّشيد العراقي، وابن خطيب القَرَافة، وشيخ الشيوخ الأنصاري، وأجاز له العَلَمُ السَّخاوي، والضياء الحافظ، وآخرون، وتفرَّد بأشياء.
وسمع منه ملكُ الأمراء كتاب "الآثار" لأبي جعفر الطَّحَاوي، ووصله ورتَّب له شيئًا وكان فقيرًا، ثم عَمِي وانحَطَم.
مولده سنة أربعين وست مئة.
وتوفي في ربيع الأول سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
٧٧٤ - الإمام **
الرَّئيس العالِم، إمام الدين محمد ابن شيخنا الشَّرَف عمر بن محمد بن خَوَاجا إمام، الفارسي ثم الدمشقي.
ولد سنة ثمان وأربعين.
стр. 744
وسمع من: الرضي ابن البرهان، ومن جدِّه، وجماعة، وأجاز له عثمان ابن خطيب القَرَافة والبَكْري وآخرون.
حفظ القرآن و "التنبيه"، تفقَّه عند ابن المَقدِسي شمس الدين، وجوَّد الكتابة وأحكَمَ الإذهاب، وتعلم النِّجارة والحِدادة والحِساب، وكان له هيئة ورِواءٌ. وليَ نظرَ الظاهرية وغيرَ ذلك.
لم أسمع منه.
توفِّي في شعبان سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
غَرَقُ بغداد
في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين، وزنطرتُه دامت أربع ليال، فعمَّ الغرقُ ما وراء السُّور، وعمل كلُّ كبير وفقير في نقل التراب للسكورة بجِدٍّ وهِمة، وهم يستغيثون ويبكون وعايَنوا التَّلف، وارتفع الماء نيِّفًا وعشرين ذراعاً، ولم يُسمَع بمثل هذه المرّة، وغرق خلائقُ من الفلاحين، وعُدِمَ النوم، وعَظُم الصِّياح، وبقي البلد مغلَقاً ستة أيام، وغَلَت الأسعار، وأشرف الناسُ على الغرق الكامل.
وخَرِبَ بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت، وتَضِيق العِبارة عما جرى، وتهدَّمت القبور، وجاء على الأخشاب حيات كِبار، وصعد الماءُ من الآبار حتى بقي نحو ذراع ويَطفَح.
وتواتر أنّ الماء دخل في دهليز تُربة الإمام أحمد ارتفاع ذراع، ثم وقف بإذن العزيز العليم، فكان آيةً بيِّنة، وبقيت البواري حول الضَّريح عليها الغُبار، وكانت الكتب تجيء بهَوْل هذا الغرق إلينا، فسبحانَ مَن مَنَّ.
стр. 745
٧٧٥ - الدَّارَانِي *
الشيخ الإمام الفقيه المفتي، القُدْوة الزاهد العابد، القاضي الخطيب، بقيّة السَّلف الأخيار، صدر الدين أبو الفضل، سليمان بن هلال بن شِبْل ابن فَلاح، القُرشي الجعفري، الحَوْراني، الشافعيُّ صاحب النَّواوي.
وُلد سنة اثنتين وأربعين وست مئة بقرية بُشْرى من السَّوَاد.
وقَدِمَ مراهقاً، فحفظ القرآن بمدرسة أبي عمر على الشيخ نصر بن عُبيد، ورَجَع إلى البلاد، ثم قدم بعد سبع سنين فتفقَّه بالشيخ تاج الدين وبالشيخ محيي الدين النَّواوي، وأتقَنَ الفقه وأعادَ بالناصرية، ثم ناب في القضاء لابن صَصْرَى مدةً، فحُمِدَ، ولم يغيِّر ثوبه القُطْني ولا عمامته الصغيرة، وتُحكَى عنه حكايات في رِفْقه بالخصوم، وخيره وتواضعه، ثم تركه فوليَ خطابة العُقيبة واكتفى بها.
وعيَّنه وليُّ الأمر للاستسقاء بالناس في سنة تسع عشرة وسبع مئة فسُقُوا.
وكان قبلُ خطيبًا بدارَيَّا مدةً، يدخل على بهيمة ضعيفة، فرأى مرة صُعلوكةً تحمل حَطباً، فنزل وحمل حطبَها على دابته إلى باب الجابيَة، وكان ربما مَشَى إلى بعض الشهود ليؤدِّي عنده الشهادة، وربما مشى إلى بعض الخصوم فيصلح بينهما.
وكان لا يدخل حمَّاماً ولا يَتنعَّم، ويُؤثِر ويُطعِم العَيش، ومحاسنه غزيرة.
стр. 746
حدَّث عن: ابن أبي اليُسْر، والمِقداد القَيْسي.
ونابَ في دار الحديث عن ابن الشَّرِيشي.
مات سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وشيَّعه خلقٌ عظيم وتأسَّفوا لفقده، ﵀.
٧٧٦ - بنت الواسطي *
الشيخة الصالحة، العابدة المُسنِدة المعمَّرة، أَمَة الرحمن ستُ الفقهاء بنت الإمام تقي الدين إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل ابن الواسطي، الصالحية الحنبلية.
وُلدت تقريبًا في سنة ثلاث وثلاثين.
وسمعت حُضوراً "جزء ابن عَرَفة" في سنة خمس من عبد الحق بن خلف، وسمعت من إبراهيم بن خليل وغيره، وسماعُها قليل لكن لها إجازات عالية من جعفر الهَمْداني وأحمد ابن العز الحرّاني وعبد الحميد ابن بُنَيمان، وعبد اللطيف ابن القُبَّيطي وطبقتهم، وروت الكثير. وسمعوا منها "سنن ابن ماجه" وأشياء.
وتوفِّيت في ربيع الآخر سنة ست وعشرين وسبع مئة، ولها اثنتان وتسعون سنة.
قرأتُ عليها لابني عبد الرحمن.
وفي العام أو قبله، مات شيخُ الشيعة وعالمهم المتكلِّم ذو الفنون
стр. 747
والتصانيف، جمال الدين الحسن بن المطهَّر الحِلِّي المعتزلي الإمامي بالحِلّة من أبناء الثمانين، ومات الشيخ قطب الدين موسى بن محمد بن أحمد اليُونِيني، والقاضي شمس الدين محمد بن مُسلَّم الحنبلي، والزاهد الشيخ حماد التلعراني القطان بالعُقيبة، وشمس الدين محمد بن أحمد بن أبي الهَيجا الزَّرّاد، وعلاء الدين علي بن محمد ابن السَّكَاكري كبير الشُّروطية، وكبير الشرفاء ناصر الدين يونس بن أحمد بن أبي الجن الحُسيني، وخطيب المدينة وقاضيها السِّراج عمر بن أحمد بن طِرَاد الخزرجي وله تسعون سنة، والشمس محمد بن علي بن أحمد بن جميل المالقي ثم الكَرَكي، والمقرئ تقي الدين محمد بن عثمان المصري النجَّار تلميذ الناشِري، وناظر الجامع شرف الدين أحمد ابن المحتسِب عز الدين عيسى بن المظفر ابن الشِّيرجي، وشمس الدين محمد بن يوسف بن أفتكين عن تسع وثمانين سنة، والمدرِّس زين الدين أبو بكر ابن يوسف المِزّي الشافعي، وتقي الدين أحمد ابن العز إبراهيم بن أبي عمر، ومدرِّس الشامية الجوَّانية أمين الدين سالم بن أبي الدُّر الشافعي، وشاكر ابن الشيخ تقي الدين ابن أبي اليُسْر، وناظر أوقاف حلب شمس الدين محمد بن إسحاق بن صقر، والمُسنِد محب الدين محمد ابن المحِبّ، وشمس الدين محمد ابن الشيخ الفخر ابن البُخاري، ومجد الدين محمد بن عمر بن محمد ابن العِماد الكاتب ناظر زُرَع بها، والقاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن النابُلسي عُرِف بالدمشقي، والبدر عثمان بن عبد الصمد بن عماد الدين ابن الحَرَستاني، والمفتي كمال الدين عبد الوهاب بن محمد ابن قاضي شُهْبة.
стр. 748
٧٧٧ - ابن العِماد *
المقرئ المعمَّر الجليل، مجد الدين أبو عبد الله محمد بن عمر ابن عز الدين محمد ابن الإمام العلّامة عماد الدين محمد بن محمد بن أُلُه، القرشي الأصبهاني، ثم الدمشقي الكاتب، سِبط ابن الشِّيرجي، ناظرُ ديوان زُرَع.
مولده في سَلْخ جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وست مئة بالكُشك، وقيل: في سنة ثمان.
وتوفِّي والده في سنة اثنتين وأربعين، فكَفَله جده ابن السِّيرجي نجم الدين مظفَّر.
وسمع من: التاج القرطبي، ومن جدّه، ومن اليَلْداني، وعِدّة، فإنه روى لنا "جزء الأنصاري" عن أربعة وأربعين شيخًا، وروى بالإجازة عن أبي طالب ابن القُبَّيطي، وأبي بكر ابن الخازن، وجماعة، وعرض الختمة على زوج أمِّه الكمال ابن فارس.
وكان كثيرَ التلاوة، خدم أيضًا في نَظَر بَعلبَكَّ، وله نَظْم وفَهْم ومذاكرة حسنة.
قَدِمَ البلدَ قبل موته بشهرين وحدَّث، ثم عاد إلى النَّظر واعتذر بالحاجة، فأدركه الموت بزُرَع في ثالث عشر ذي القَعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
سمع منه: العَلائي، وابن الواني، وابني عبدُ الرحمن.
стр. 749
٧٧٨ - القَمُوليّ *
العلّامة القاضي، نجم الدين أحمد بن محمد بن أبي الحَرَم، المخزومي، المِصري القَمُولي، الشافعي.
شيخٌ إمام بصير بالمذهب، من أبناء الثمانين، شرح "الوسيط"، وشرح "الحاجبية" في النحو، ودرَّس بالفخرية وبالفائزية، ونابَ في الحُكْم وأفتى وناظَرَ، وولي حِسْبة مصر.
تُوفِّي في رجب سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
٧٧٩ - ابن الحَمَوي **
العَدْل المأمون الصالح، بقيّة المشايخ، ضياء الدين أبو الفضل، إسماعيل ابن المولى فخر الدين عمر ابن رضيّ الدين مسلم بن الحسن، الحَمَوي الدمشقي، الكاتب.
وُلد سنة خمس وثلاثين وست مئة.
وسمع من: عثمان ابن خطيب القَرَافة، وشيخ الشيوخ عبد العزيز، وطائفة، وسمَّع ولدَه عز الدين الكثير، وحدَّث غير مرة.
وكان يقول: لم أرَ حماةَ لا أنا ولا أبي.
وكان خيِّرًا، مصلِّيًا صواماً، مؤثِراً، جيد الفضيلة، بصيراً بالحِساب.
عمل مُشارَفة الخِزانة، ووَقْف الجامع، وكان محبَّباً إلى الناس ساكنًا
стр. 750
وَقُوراً، حجَّ مراتٍ وجاوَرَ سنة.
توفِّي في رابع عشر صفر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
أخذ عنه الطَّلَبة.
٧٨٠ - شيخا الإمامية
العلّامة محيي الدين، صالح بن عبد الله بن جعفر ابن الصَّباغ، الحنفي الأسدي الكوفي (١).
مات بالكوفة عن ست وثمانين سنة في صفر سنة سبع وعشرين.
وكان عالمَ الكوفة وزاهدها، طُلِب غير مرة لتدريس المستنصِريّة فيمتنع.
وتوفِّي معه شيخُ الشِّيعة، الشريف جمال الدين يوسف بن حماد الحُسيني المَشهَدي، مُفتى القوم، وقد حجَّ مراتٍ وجاور، ونيَّف على الستين (٢).
٧٨١ - ابن السَّكَاكِري *
الشُّرُوطي البارع المشهور، علاء الدين علي ابن العدل الأمين بدر الدين محمد بن علي بن أبي القاسم، العَدَوي الصالحي.
وُلد سنة ست وأربعين.
وأجاز له عبدُ العزيز ابن الزَّبيدي، وابن العُلَّيق، وعبد الخالق النِّشتَبْري،
стр. 751
وابن خليل. وسمع ابنَ عبد الدائم، ومحيي الدين بن الزَّكي، وجماعة.
وعُرف بإتقان المكاتيب ومعرفة غوامضها، وشَهِدَ على الحكّام، وكان شهمًا قويّ النفس، ثم كَبِر وعَجَز واعتراه نسيان وغفلة وافتَقَر، وكان ملازمًا للجماعة.
حدَّث، وتفرّد بالإجازة من بعض شيوخه، كَتبْنا عنه.
تُوفِّي في المحرَّم سنة ست وعشرين وسبع مئة عن ثمانين سنة. وكان يُتّقَى لسانه.
ومات والده في سنة خمس وسبعين وست مئة عن إحدى وثمانين سنة، حدّث عن الشيخ الموفَّق، وأجاز لي، وكان ديِّنًا متورِّعًا (١).
٧٨٢ - السِّرَاج *
خطيب المدينة النبوية، وقاضيها ومفتيها، الشيخ سراج الدين عمر بن أحمد بن الخَضِر بن ظافر، الأنصاري الخزرجي، المصري الشافعي.
وُلد سنة ست أو خمس - الشك من إخباره (٢) - وثلاثين.
وسمع من: الرَّشيد العطَّار وتفقَّه أولًا على ابن عبد السلام، ثم على النَّصير ابن الطَّبّاخ، وأجاز له المُرْسي والمُنذِري.
وسمع منه: البِرْزالي وابن المَطَري.
وخَطَبَ بالمدينة أربعين عامًا، ثم بعد ذلك وليَ القضاء، ثم تعلَّل
стр. 752
وسار إلى مصر ليتداوى، فأدركه الموت بالسُّويس في محرَّم سنة ست وعشرين وسبع مئة ﵀، سلَّمتُ عليه ولم أسمع منه.
٧٨٣ - الزَّين *
الإمام المقرئ المدرِّس، بقية المشايخ، زين الدين أبو بكر بن يوسف بن أبي بكر بن محمود بن عثمان بن عبدة الدمشقي، المِزِّي الشافعي، ويعرف بالحَريري؛ لأن أمَّه تزوَّجت بالشمس الحَريري نقيب ابن خلِّكان، فربَّاه.
وُلد سنة ست وأربعين تقريبًا.
وتلا بالسَّبع على الزَّوَاوي وغيره. وسمع من: الصَّدر البَكري، وخطيب مَرْدا، والشَّرَف الإربِلِي، وعبد الله ابن الخُشوعي، واليَلْداني، وابن عبد الدائم، وإبراهيم بن خليل، وعبد الرحيم القنَّاري، والكِرماني، وجماعة.
ودرَّس "التنبيه" وغيره، ودرَّس بالقَليجية الصغرى وغيرها، وولي مشيخةَ القراءات والنحو بالعادليَّة مدة، وسمَّع ابنَه وابنَ ابنه الشَّرف، وكان صديقًا لعلاء الدين بن غانم.
وفيه وُدٌّ وخير وتواضع وصِيانة، وملازمة للوظائف، ثم ضَعُفَ مدةً وتعلَّل.
توفِّي في ربيع الأول سنة ست وعشرين وسبع مئة.
سمع منه: قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، وابنُه، والطَّلبة.
стр. 753
٧٨٤ - الهِيتِي *
الفقيه، المقرئ الضالّ، ناصر بن الهِيتي الصالحي، ولدُ الشرف أبي الفضل بن إسماعيل الشافعي.
كان من المِلاح مُطرِب الصوت، يقرأ في التُّرَب والخِتَم، وحفظ "التنبيه"، ثم دخل في تصرُّف الفلسفة وصَحِبَ ابنَ الباجُرْبَقي وابن المِعمار البغدادي والنجم بن خلِّكان، وتَزندَق واستخفَّ بأمور الدِّين، وتفوَّه بعظائم، وتزهَّد وراح إلى مكة، ثم إلى بغداد، ثم فرَّ منها لمّا همُّوا بقتله، ثم هرب من ماردين، فشَهِدوا عليه بكُفْريات بحلب فأمسكه قاضيها ابن الزَّمْلَكاني وبعثه مقيّدًا، فأُقيمت عليه البيِّنة عند المالكي شرف الدين، فما أبدى عُذْرًا وسكت، لكنه تشهَّد، وقيل: صلَّي حينئذٍ وتلا القرآن.
وقد كنتُ لُمْتُه وخوَّفته وحذَّرته من خسارة الدنيا والآخرة، فأصغى إلى قولي، والله أعلم بما مات عليه، ضُرِبَت عنقه وما غُسِّل ولا كُفِّن، نسأل الله تعالى حُسْن الخاتمة.
قُتل في ربيع الأول سنة ست وعشرين وله نحو من ستين سنة.
٧٨٥ - القُطْب **
الشيخ الفاضل، المؤرِّخ المُعمَّر، المُسنِد، بقية المشايخ، قطب الدين أبو الفتح، موسى ابن شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي الحُسين،
стр. 754
اليُونيني البَعلَبكِّي الحنبلي.
وُلد في صفر سنة أربعين وست مئة بدمشق.
وسمع من: أبيه، والشَّرف الإربِلِي، وشيخ الشيوخ عبد العزيز، والرَّشيد العطّار، وأبي بكر بن مكارم، وابن عبد الدائم، وعدة.
وأجاز له عبدُ الوهاب بن رَوَاج، ويوسف السَّاوي، وجماعة.
وكان له صورة كبيرة وجلالة، وفيه مروءة وكَرَم، وعنده معرفة تامّة بالشُّروط، صار شيخ بَعلبكَّ بعد أخيه شيخنا أبي الحُسين، وروي الكثير بدمشق وبعلبك، واختصر تاريخ "مرآة الزمان" على نحو النصف، وذيَّل عليه في أربع مجلَّدات، ثم شاخ وعَجَزَ وتعلَّل.
توفِّي في شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة.
٧٨٦ - ابن الزَّرّاد *
الشيخ الفاضل، المُسنِد الرُّحْلة، المكثر الصدوق، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء، الصالحي، ابن الزَّرّاد الحَرِيري.
ولد سنة ست وأربعين.
وسمع بعد الخمسين من البَلْخي، ومحمد بن عبد الهادي، وأخيه، والعماد ابن النَّحاس، واليَلْداني، والصدر البكري، وخطيب مَرْدا، وإبراهيم بن خليل، والفقيه اليُونيني، وعدة.
وسَمِع الكتب الكِبار، وتفرَّد وروي الكثير، خرَّجتُ له "مشيخة"،
стр. 755
وكان ديِّنًا متواضعًا، خيِّرًا، يتَّجر ويَرتفِق، ثم ضَعُف حاله وافتَقَر وساء ذهنُه قبل موته وتَبلغَم، وله نَظْم وفَهْم.
مات في شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة، ﵀.
٧٨٧ - ابن مُسلَّم *
الشيخ، الإمام العالم، الفقيه المحدِّث، النَّحْوي، بَرَكة الإسلام، قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن مُسلَّم بن مالك بن مَزرُوع، الزَّيْني ثم الدِّمشقي الصالحي، الحنبلي الزاهد.
وُلِد في أوائل سنة اثنتين وستين وست مئة في صفر.
ومات أبوه وله ست سنين، وكان أبوه ملّاحًا في سوق الجبل، فكان يرتفق بما يصحُّ له من مَكتَب بالصالحية، وهو خمسة دراهم في الشهر هو وأمُّه وأختاه مع ما يَسُوق الله لهم، ونشأ في صَوْن وتقنُّع، وحفظ القرآن وتعلَّم الخِياطة واشتَغَل، وتفقَّه وسمع الكثير.
له حضورٌ على ابن عبد الدائم. وسمع من الشيخ شمس الدين وطبقته، وخرَّج له صاحبُنا ابن الفخر "مشيخةً" في مجلَّد بالسَّماع والإجازة، وهم نحو أربع مئة، منهم بالسَّماع مئة وتسعون شيخًا، سمعها منه خلق.
بَرَعَ في الفقه والعربية، وتصدَّر لإقرائهما وتخرَّج به فضلاء.
ولم يزل متقنِّعًا راضيًا بالقُوت، له نحو عشرين درهمًا في الضِّيائية مع ما يَحصُل له من الخِياطة، وكان يَلبَس ثياب النُّسّاك على رأسه عمامة
стр. 756
لطيفة، لا طلب تدريسًا ولا فُتْيا، ولا زاحَمَ على الدنيا.
سمعنا بقراءته الأجزاءَ، وكان ربما يكتب الأسماء والطِّباق ويُذاكِر، وبقي مدة على خزانة الضِّيائية، فلما توفي القاضي تقي الدين سليمان عُيِّن للقضاء وأُثني عليه عند السلطان بالعلم والنُّسك والسَّكينة، فرَغِبَ فيه وولَّاه القضاءَ فتوقف، وطَلَع إليه الشيخ تقي الدين بن تَيْمية إلى بيته وقوَّى عزمَه ولامَه، فأجاب بشرط أن لا يَركَب بغلة، ولا يأتي موكبًا، فأُجيب، فكان ينزل إلى الجَوْزية ماشيًا، وربما ركب حمارًا للمُكَاري، وكان مِئزرُه سجادتَه ودواةُ الحُكْم زجاجة، واتَّخذ فَرْجيّة مُقتصِدة من صوف وكبَّر العِمامة قليلًا، وكان يَليق به الزهدُ والاقتصاد، وكذلك كان حاله في نفقته ومَأكله، فنَهَضَ بأعباءِ الحُكم بعِلْم وحِلم وقوة في تَؤُدَة ورَزَانة، وعمَّر الأوقاف وحاسب العُمّال وحرَّر الإسجالات.
وقد عمَّر دارًا حَسَنة وجنينة صغيرة، وحُمِدت قضاياه، ولازم الورع والتحرِّي، ولاطَفَ العُتاةَ، فلم يرض بعضهم، وحكم إحدى عشرة سنة، وشهد له أهلُ العلم والدِّين بأنه من قُضاة العَدْل، وكان ديِّنًا صيِّنًا نهّاءً عن المنكر، له تلاوة وأوراد وتعبُّد واعتكاف، وحجَّ مرات.
وقد خرَّج له ابن سعد "الأربعين المتباينة الإسناد"، وخرَّج له المِزّي "تُساعيات"، وخرَّجت أنا له جزءًا، وأجاز له من مصر جماعة من أصحاب البُوصيري، وكان مُكثِرًا عن ابن البخاري وابن الكمال.
وقد أُوذي بالكلام لكونه ذَبَّ عن ابن تَيميَّة، فتألَّم وكَظَم.
وسارَ للحج والمجاوَرة، فتمرَّض من العُلَا وضَعُف، فلما قدم المدينة تحامَلَ حتى وقف مسلِّمًا على النبي ﷺ ، ثم أُدخل إلى منزل، فلما كان في
стр. 757
السَّحَر توفَّاه الله تعالى ليلة الثالث والعشرين من ذي القَعدة، ودُفِن بالبقيع ﵀، وذلك في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وله أربع وستون سنة وأشهُر.
وكان أبيضَ تامَّ القامة، رقيقًا معتدلًا، ساكنًا، حسن السَّمْت، خفيف اللِّحية، قليل الشَّيب، حَييّ العَين، ذا حِلْم وأَناة ودين ووَرَع.
سمعتُ بقراءته أجزاءً في سنة اثنتين وتسعين، ﵀.
٧٨٨ - الوانيُّ *
الشيخ الصالح المعمَّر المُسنِد، نور الدين أبو الحسن، علي بن عمر بن أبي بكر، المِصري الصوفي، الوانيُّ الأصلِ.
وُلد تقريبًا في سنة خمس وثلاثين.
وسمع من: عبد الوهاب بن رَوَاج "الأربعين" للثَّقفي، وسمع من السِّبط "الأربعين" للسِّلَفى، و "جزء ابن عُيينه" والسابع من "أمالي المَحاملي" والعاشر من "الثَّقفيات"، وسمع "صحيح مسلم" من المُرْسي والبَكْري، فحدَّث به خمسَ مرات، وسمع من يوسف الساوي. وتفرَّد وألحق الصِّغار بالكِبار، وقد أضرَّ بآخره، ثم عُولِج فأبصر.
وكان شيخًا صالحًا، سهل القِيَاد، أكثَرَ عنه المصريون وغيرهم.
توفِّي في المحرَّم سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وحدَّث عنه البِرْزالي.
стр. 758
٧٨٩ - ابن مَنعة *
الشيخ الصالح المعمَّر بقية المشايخ، شمس الدين، أبو يوسف محمد بن أحمد بن منعة بن مطرِّف بن طريف، القَنَوي ثم الصالحي.
مولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
وسمع من عبد الحق بن خلف "جزء ابن عرفة" حضورًا. وسمع من: ابن قُمَيرة، والمُرْسي، واليَلْداني، وأجاز له ابن يعيش النَّحوي، والحافظ الضِّياء، وإبراهيم بن الخُشوعي.
وحدَّث بالكثير، وكان خيِّرًا أمينًا.
مات في المحرَّم سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله اثنتان وتسعون سنة.
وكان يُعرَف مُضِيُّه للسَّماع بدَرْب السُّوسي من ابن قُميرة، وإنما لم نَجْزِمْ لأن له أخوين باسمه، فالله أعلم.
٧٩٠ - ابن الزَّمَلَكاني **
الشيخ الإمام العلّامة المفتي المجتهد، ذو الفنون، جمال الإسلام قاضي القضاة، كمال الدين أبو المعالي، محمد بن علي بن عبد الواحد، الأنصاري السَّمّاكي الدمشقي، كبير الشافعية.
وُلد في شوّال سنة سبع وستين وست مئة.
وسمع من: أبي الغنائم بن علّان، والفخر علي، وابن الواسطي، وابن
стр. 759
القوّاس، ويوسف بن المُجاوِر، وعدّة.
وطلب الحديثَ في وقتٍ وقرأ الحديث، وكان فصيحًا مسرِعًا، له خبرة بالمتون، وكان بصيرًا بالمذهب وأصوله والعربية، ذكيًّا فطنًا مُدرِكًا، فقيه النفس، له اليد البيضاء في النَّظم والنَّثر، تفقَّه بالشيخ تاج الدين، وأفتى وله نيِّف وعشرون سنة، وكان يُضرَب بذكائه المثل، وكتابته منسوبة.
وله شَكْل حسن، ومَنظَر رائع، وتجمُّل حسن، وشَيْبة منوَّرة، وصِحّة معتقَد، وفضائل عديدة.
صنَّف أشياء مفيدة، تخرَّج به الأصحاب، ودرَّس بالشامية والظاهرية والرَّوَاحية، ووليَ نظرَ الخزانة والوكالة، وكتب في ديوان الرسائل مدةً ثم نُقِل إلى قضاء حلب ومدارسها، فأقام بها أكثرَ من سنتين، واشتغلوا عليه.
ثم طلبه مولانا السلطان إلى بابه ليولِّيَه قضاءَ دمشق وفَرِحَ الناس به، فمرض وأدركه الأجلُ ببِلبِيس رحمه الله تعالى في سادس عشر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله ستون سنة.
خرَّج له العَلائيُّ "عواليَ" و "أربعين"، فقرأتُها عليه.
وكان بيننا وُدٌّ وصفاء، واللهُ تعالى يعفو عنه، آمين.
ويقال: سُمَّ بِبلبِيس ونال الشهادة، ورَثَتْه الشعراء.
٧٩١ - أخو ابن تَيْميَّة *
الشيخ الإمام، الفقيه المُفتي، القُدْوة العابد، بَرَكة المسلمين، شرف
стр. 760
الدين أبو محمد، عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخَضِر بن تَيْميَّة، الحَرَّاني ثم الدمشقي، الحنبلي.
وُلد بحرَّان في أول سنة ست وستين وست مئة.
وسمع حُضورًا من ابن أبي اليُسْر، وسمع من: الجَمَال البُغيدادي، وابن أبي الخير، وابن الصَّيرفي، وابن أبي عمر، وابن عَلّان، وابن الدَّرَجي، وخلق كثير.
وطلب الحديثَ في وقته، وسمع "المسند" و "المعجم الكبير" والدَّواوين، وأحكَمَ الفقهَ والنحو، وبَرَعَ في معرفة السيرة والتاريخ، وكثيرٍ من أسماء الرجال.
وكان فصيحًا يَقِظًا فَهِمًا، جَزْل العبارة، غزير العلم، بصيرًا بقواعد الدين وفروعه، منصفًا في بحوثه، مع الدِّين والإخلاص والتعفُّف والسَّماحة، والزهد والانقباض عن الناس والانزِواء عنهم.
كان أخوه شيخُنا يتأدَّب معه ويحترمه، انتفَعْنا بمجالسته، وكان قوَّالًا بالحق أمّارًا بالمعروف، يتنقَّل في مساجدَ ويختفي أيامًا.
سمع منه الطَّلبةُ، وما علمتُه صنَّف شيئًا.
تمرَّض أشهُرًا، وتوفِّي في جمادي الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وكانت جنازته مشهودةً وحُمِل على الرؤوس.
وفيها توفي الشمس محمد بن أحمد بن مَنعة بدمشق، والنُّور علي بن عمر الواني بمصر عن تسعين سنة وزيادة، وقاضي الحنفية صدر الدين علي بن أبي القاسم البُصْراوي، وقاضي حلب شيخنا كمال الدين محمد
стр. 761
ابن علي بن الزَّمْلكاني، والشيخ محمد بن خَرُوف الموصلي، والملك زكريا بن أحمد اللِّحياني صاحب توتس كان، وضياء الدين إسماعيل بن عمر بن الحموي، والملك الكامل محمد بن السعيد بن الصالح، وعزيز الدين الحسن بن علي بن العِماد الكاتب.
٧٩٢ - ابن خَرُوف *
الشيخ الإمام المقرئ، بقيّة السلف، شيخ المَوصِل، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن علي بن علي (١) بن أبي القاسم بن الورَّاق، الموصلي الحنبلي، عُرف بابن خَرُوف.
وُلد في حدود سنة أربعين وست مئة.
ورأى المَقرَى شغله، وتلا بالسَّبع، وحفظ "مختصر الخرقي"، وارتحل إلى بغداد سنة اثنتين وستين، فتلا بعدَّة كتب على الشيخ عبد الصمد، وأكثر عنه وصحبه سنتين، وتلا بالمَوصِل على الشيخ عبد الله بن رَفِيعا، وقرأ على الموفَّق الكَوَاشي كتابه "التلخيص في التفسير"، وقرأ "الجامع" للترمذي على محمد بن العجمي بسماعه من أحمد بن الغَزْنَوي، وسمع من كتاب "المصاحف" لابن أبي داود من عبد الصمد.
وسَمِع كثيرًا من كتب القراءات بقراءته على عبد الصمد، وقرأ "معالم التنزيل" على ابن العجمي بسماعه من المَجْد القزويني، وسمع من الكمال
стр. 762
ابن وضّاح، ومن السِّراج عبد الله بن عبد الرحمن الشِّرْمَسَاحي كتاب "خير البشر" بسماعه من عبد العظيم بن عبد الغفار سنة خمس عشرة بسماعه من مؤلِّفه في سنة خمس وستين وخمس مئة، وسمع من "الموطأ" بفَوْت بسماعه من عمر بن دِحْيه عن اللَّواتي سماعًا عن الخَوْلاني.
فقَدِمَ علينا سنة ثمان عشرة فسمعنا منه، وسار إلى مصر، ثم رجع وحصّل له مشيخة الإقراء بالتُّربة الأشرفية، ثم نَزَل عنها وحنَّ إلى الوطن، فقرأ عليه بالسَّبع الدَّقُوقي شارح القصيدة (١).
توفِّي في جمادي الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وقد قارب التسعين.
وله نظم حَسَن، ورواء مَنظَر، وشيبة بهيّة، ﵀، شاخَ ونسيَ بعض محفوظاته.
٧٩٣ - الصَّدْر عليّ *
قاضي القضاة، عالم الحنفية، صدر الدين أبو القاسم، علي ابن المدرِّس صفي الدين أبي القاسم [بن] محمد، البُصْراوي الحنفي.
مولده في رجب سنة اثنتين وأربعين بقلعة بُصرَى.
تفقَّه على والده، ثم قدم دمشق ولازم ابنَ عطاء القاضي، وبرع في المذهب، وتزوَّج بابنة شيخه ابن عطاء.
стр. 763
ودرَّس في سنة أربع وستين وأفتى، وسمع "الصحيح" من ابن عبد الدائم وغير ذلك.
وكان بصيرًا بالمذهب، مَليح الشَّكل، حسن الشارة، حُلْو المذاكرة.
وقد سمع أيضًا من صفيّ الدين إسماعيل بن الدَّرَجي، وحجَّ غيرَ مرة.
وكان كثير الأملاك، أوصى بثُلثه في البِرّ. وليَ قضاءَ دمشق نحوًا من عشرين سنة فحُمِدَت سيرته.
توفِّي في ثالث شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة ببستانه بناحية سَطْرا، ودُفن بسَفْح قاسيون.
سَمِعْنا منه، وحَكَمَ بعده نائبُه عماد الدين.
٧٩٤ - الهَكَّاري *
الإمام البارع، الرئيس، عز الدين أبو العز، عبد العزيز بن أحمد بن عثمان، الهَكّاري المصري، الشافعي، قاضي المَحَلَّة، ويعرف بابن خطيب الأشمُونِين.
كان من نُبلاء العلماء، ذا فَهم ومعرفة، وتواضع وسُؤدَد.
حجَّ وسمع من عبد الصمد بن عساكر وغيره، وله تصانيف وفضائل، واعتناء بالعلم الشريف، ذُكِرَ للقضاء بعد ابن صَصْرَى.
توفِّي بالقاهرة في رمضان سنة سبع وعشرين، وقد سَمِعَ بدمشق في سنة خمس وسبع مئة، ولم أَجتمع به.
стр. 764
٧٩٥ - ابن جِبَارة *
الفقيه الأُصولي، المقرئ النحوي، الصالح، شيخ القراء، شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن محمد بن جِبّارة بن عبد الوليّ، المَرْداوي، الحنبلي الصالحي.
مولده في سنة تسع وأربعين أو قبلها.
وسمع "السِّيرة" حُضورًا في الرابعة من خطيب مَرْدا، وسمع من: ابن عبد الدائم، والكِرماني، وابن أبي عمر.
وتفقَّه وشاركَ في الفضائل، وأقام بمصر زمانًا، وتلا بالسَّبع على الراشدي، وأخذ الأصول عن الشِّهاب القَرَافي، وجاوَرَ بمكة، وصنَّف شرحًا لـ "الشاطبية" كبيرًا، وشرحًا لـ "الرائية"، وأقرأَ بدمشق، ثم بحلب مدةً، ثم ببيت المَقدس.
وكان ذا زهد وقَناعة وعِبادة.
وفي شرحه احتمالاتٌ واهية، وقرأت بخطِّه أنه قال في قول الشاطبي:
وفي الهمزِ أنْحاءٌ وعند نُحاتِهِ … يضيءُ سَنَاه كلَّما اسودَّ أَلْيَلا
يحتمل خمسَ مئة ألف وجه وثمانين ألفًا! وإنما كتبتُ هذا للتعجُّب، والله تعالى يعفو عنه.
سمعنا منه الحديثَ، وتوفِّي فجأةً بالقدس في رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
стр. 765
٧٩٦ - قَراسُنقُر *
الأمير، نائبُ حلب ثم نائب السَّلطَنة بمصر، شمس الدين المنصوري.
قيل: إنه من نصارى قارَةَ، فسُبِيَ وهو أمردُ، ونشأ عند الملك المنصور، فلما تَسَلطَن أستاذُه أمَّره واستعمله.
وكان ذا خبرة ودهاء، وأموال عظيمة، وتجمُّل زائد، وليَ نيابةَ دمشق بعد الأفرَم وبقي بها نحو سنة، وكان يرتشي ويَجُور، ثم استَوحَش من السلطان وفرَّ هو والأفرمُ إلى خدمة خربندا فأقبل عليهما كثيرًا، وزوَّج قَراسُنقُر بعمَّته ابنة أَبَغا، فعَلَت رتبتُه بذلك وملَّكوه مَرَاغة.
وامتدَّت حياته إلى أن مات في شوّال سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وله بضع وثمانون سنة، وَثَبَت عليه فداويّة وسَلِمَ، وكان يُخلُّ بالصلاة، وفي دينه رِقّة.
٧٩٧ - ابن الحَرِيري **
قاضي القضاة، شيخ المذهب، شمس الدين محمد بن الصَّفِيّ عثمان بن أبي الحسن، الأنصاري، الدمشقي الحنفي، ابن الحَرِيري.
وُلد في صفر سنة ثلاث وخمسين.
وتفقَّه وبَرَع، وحفظ "الهداية" وغيرها، وأفتى ودرَّس وتميَّز مع الوَقَار والسَّمْت، والأوراد وحُسْن الهَدْي، والبِزَّة والهَيئة، وانطلاق العبارة.
стр. 766
وسمع من: أبي اليُسْر، وابن عطاء، والجَمَال بن الصَّيرَفي، والقُطْب بن أبي عَصرُون، وجماعة.
ودرَّس بأماكن، ثم وليَ القضاء بدمشق مدةً، ثم طُلِب إلى مصر ووليَ بها القضاء، وكان صارمًا قوّالًا بالحق، حميدَ الأحكام، قليل المِثل، متين الدِّيانة، ويُنتقَد عليه أمور من تعظيم النفس، والله تعالى يَغفِر له، فأين مثلُه؟!
توفِّي بسَكَنه بالقاهرة بالصالحية في خامس جمادي الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وكانت جنازتُه مشهودةً.
وطُلِب من دمشق بإشارته في مرضه الشيخُ برهان الدين بن عبد الحق، فولي المَنصِب بعده.
وتُؤثَر عنه حكايات في صَرَامته وقيامه في الحق، وهَيِبته في أنفس الأمراء، ولم يكن الذي وليَ بعده مثلَه ولا قارَبَ، وانتُقِدت عليه أشياءُ فوالَهْفاه! ثم عُزِلَ بعد عشر سنين، وبقي خاملًا بلا مَدرَسة.
٧٩٨ - ابن مُنْتاب *
الإمام العالم، التقيُّ المأمون، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن داود بن مُنتاب، المَوصِلي السَّلَّامي الشافعي التاجر.
وُلد سنة نيِّف وسبعين.
وسافَرَ في التجارة، وحضر غزوةَ عكَّا.
وحفظ "التنبيه" و "الشاطبية".
стр. 767
وسمع من: أبي جعفر المَوَازيني، وببغداد من ابن أبي القاسم وغيره.
وغاب عن دمشق زمانًا، ثم سكنها من بعد سنة عشرين وسبع مئة.
وكان مليحَ الشكل جميل اللباس، مَهيبًا، حسن البِشْر كثير المحاسن، دائم البَذْل والصدقة، خبيرًا بالأمتعة، ذا حظٍّ من أوراد وتهجُّد ومُروءة، كثير العلم، مجوِّدًا لكتاب الله تعالى، تخضع له التُّجار ويتحاكمون إليه وثوقًا بعلمه ووَرَعه، وكان وادًّا لي مُحبًّا، مدحتُه بقصيدة.
توفِّي في ذي القَعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وشيَّعه أمم، وصُلِّي عليه بالجامع بعد الجُمعة، ودُفن بمقبرة باب الصَّغير، ﵁ ورحمه.
وكان أخوه الحاج مُنتاب غائبًا، فهو وَرِثَه، ووَقَفَ كتبًا كِبارًا ببغداد وبدمشق، قلَّ أن رأيتُ مثلَه في الدِّين والمحاسن، والوَقَار والإيثار، علقتُ عنه حكايات.
٧٩٩ - ابن الصَّبّاغ *
العلّامة، محيي الدين [صالح بن عبد الله بن] (١) عبد الله بن جعفر بن علي بن صالح، الأسدي، الكوفي الحنفي النَّحْوي، أحد الأعلام.
وُلد سنة تسع وثلاثين.
стр. 768
أجاز له رضيُّ الدين الصاغاني، والموفَّق الكَوَاشي، وبالعامَّة ابن الخيِّر، وألقى "الكشَّاف" دروسًا مراتٍ، وله أدبٌ وفضائل، نَظَمَ الفرائض، وفيه عبادة وزهادة وجلالة، عُرِض عليه تدريس المُستنصريّة فأَبى ذلك.
كتب عنه العفيفُ المَطَري، وأجاز لابن رافع المُفيد، وكان فاضلَ الكوفة.
مات في صَفَر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
أَخَذَ الفقيهُ فخر الدين أحمد بن الفَصيح عنه.
وفيها مات معه ببلده شيخُ الشيعة الشريف جمال الدين يوسف بن حمّاد الحُسيني المَشهَدي الإمامي المفتي، وقد حجَّ مرات وجاور، وله نظم جيد وفيه تواضع، مات بالمعتَرَك (١).
٨٠٠ - الكامل *
الأمير الكبير، الملِك الكامل، ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد عبد الملك ابن السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن العادل الأيُّوبي، الدِّمشقي، سِبْط السلطان الملك الكامل، وابن خالة ملك الشام الناصر يوسف، وابن خالة صاحب حَمَاة.
وُلد سنة ثلاث وخمسين.
وحدَّثَ عن ابن عبد الدائم.
стр. 769
وكان ذكيًّا خبيرًا بالأمور منبسِطًا، من كبار أمراء دمشق.
أَوصى أن يُدفَن عند أمِّه بتُربة الكامليَّة فما مُكِّن، فدُفن بتُربة جدّتهم أم الصالح في جمادي الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وله أولادٌ أمراء، لا يزال هو وهم في دُيون ضخمة لكرمهم وتبذيرهم.
واقعة الثَّغْر
اختَصَمَ مسلمٌ وإفرنجيٌّ فضربه بمَدَاسه، فرُفع الأمر إلى الكَرْدَري الوالي، فرَكِبَ وأَمَر بغلق باب البحر قُبيل الغروب، والناس برَّا في الفُرجة فقَلِقوا، ومشى الأعيان إلى الوالي وقالوا: أولادنا برَّا البلد، فأَمر بفتح الباب بعد نومه فازدحموا، وسُلَّت السيوف، وخُطِفت العمائم، وطلع الضوءُ عن نحو عشرة موتى من الازدحام، فلما خرج الوالي لصلاة الجُمعة رَجَمَته الغَوْغاء، فرَدَّ إلى بيته، فأَتَوا بقشٍّ ونار وأحرقوا باب السلطان، وأخرجوا المُحبَّسين، ونهبوا اثنتين ثلاثة لأعوان الوالي، فبطق إلى مصر وغوَّثَ.
فتَنمَّر السلطانُ، واعتقد أنهم أخرجوا الأمراءَ المحبَّسين، فأمر ببَذْل السيف في الإسكندرية وهدمِها، وجهَّز أربعة أمراء، فأَحضروا قاضي البلد ونائبه فأُهينا، فقال النائب ابن التَّنَسيّ: لا تُهِينوا الشَّرع، فبُطِحَ وضُرب غيرَ مرة.
وأُهين الكارميّةُ، وأُخذ منهم ومن الرعيّة أموال لا تُحصَى، وافتَقَر خلقٌ، ثم وَسَّطوا ثلاثين نفسًا يوم جُمعة وعَظُمَ الخَطْب، ومنهم من نَزَحَ، وتضعضع البلدُ إلى الغاية.
стр. 770
٨٠١ - أخو الغَرَّافي *
الشيخ الفقيه الإمام الصالح الخيِّر المُعمَّر، بقيّة المشايخ، عز الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن بن أحمد، العَلَوي الحُسيني، الغَرّافي ثم الإسكندري، الشافعي الناسخُ، من ذرِّية موسى الكاظم.
وُلد بالثَّغْر سنة ثمان وثلاثين، فهو أصغر من أخيه المحدِّث تاج الدين الغرّافي بعشر سنين.
سمع بدمشق سنة اثنتين وخمسين من حَليمة حفيدة جمال الإسلام، ومن البادَرائي، والزَّيْن خالد، وسمع بحلب من نَقيب الشرفاء، ومن والده.
وأجاز له الموفَّق بن يَعيش النَّحْوي، وعبد الوهاب بن رَوَاج، وابن الجُمَّيزي، وكَريمة الزُّبيرية، وابن خليل، وجماعة.
وقد حدَّث قديمًا وهو ابن بِضع وعشرين (١) سنة، أَخَذ عنه الوجيه السَّبْتي، وسمعتُ منه جزءًا، وخرَّج لنفسه شيئًا.
ونِعمَ الشيخُ كان، فيه زهد ونَزاهة، وفضيلة غزيرة، ويَرتفِق من النَّسخ، ثم عَجَزَ وقام بمصالحه مُعَين الدين المصغوني، وصار بعد أخيه شيخَ دار الحديث النَّبيهية. يقال: حفظ "الوجيز" في الفقه و "الإيضاح" في النحو.
توفِّي في المحرَّم سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وله تسعون سنة، رحمه الله تعالى.
وفيها مات مُسنِد العراق عفيف الدين محمد بن عبد المحسن ابن
стр. 771
الخرّاط، وقاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان بن الحَريري الحنفي، ومفتي بغداد جمال الدين عبد الله بن محمد بن علي الواسطي بن العاقُولي وله تسعون سنة، وإمام وقته تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تَيْميَّة الحرَّاني، وملك الأمراء قَراسُنقُر المنصوري بمَرَاغة، وشهاب الدين أحمد بن عمر بن المَرجاني، وتقي الدين أبو بكر بن شرف الصالحي، والإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن جِبَارة الحنبلي بالقدس، والجَمَال يوسف بن مظفَّر ابن قاضي حرَّان، والإمام شمس الدين محمد بن داود بن مُنتاب السَّلّامي التاجر، والجَمَال عبد الرحمن بن أحمد بن شكر المُغربِل.
٨٠٢ - ابن الدَّوَالِيبي *
الشيخ الإمام الفاضل، الواعظ المعمَّر، مُسنِد الوقت، عَفيف الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار، الأَزَجي البغدادي، الحنبلي الخرّاط. والدُه الدَّوَاليبي شيخُ الحديث بالمستنصريّة.
وُلد في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وست مئة، هكذا أملاه، وكتب مرةً: سنة تسع.
وسمع في سنة أربع وأربعين من: إبراهيم بن الخيِّر، وأعزّ بن العُلّيق، وأحمد بن قُمَيرة وأخيه يحيى، وعبد الملك بن قَيَبَا، وأحمد بن عمر الباذَبِيني، وعَجِيبة الباقداريَّة، وطائفة، وكان خاتمةَ من سَمِعَ منهم.
فسمع من عَجيبة "معرفة الصحابة" لابن مَندَه، و "أمالي ابن مَردَوَيه" وهي ثلاث مجلّدات، و "الرِّقة" لابن أبي الدنيا، وأشياء، وسمع "المسند"
стр. 772
كلَّه بفَوْت، و "صحيح مسلم". وانتهى إليه علوُّ الإسناد، قال: حفظتُ "اللُّمع" في النحو و "مختصر الخِرَقي".
وحجَّ غيرَ مرة أحدُها سنة ثمان وتسعين على الشام، فوَعَظَ بالكَلّاسة، وسمعتُ منه بالعُلَا وغيرها، وكان حسنَ المحاضرة طيِّب الأخلاق.
أَخذ عنه: الفَرَضي، وابن الفُوَطي، والبِرْزالي، وصفيُّ الدين بن الخطيب، وسراج الدين القَزويني، وشهاب الدين بن السِّيرْجاني، وشمس الدين بن خلف وأخوه منصور، وعفيف الدين بن المَطَري، وخلق سواهم.
مات في جمادي الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وله تسعون سنة.
قرأت بخط السِّراج عمر القزويني: عفيف الدين رجلٌ كثير العبادة والتلاوة، يقول شيئًا من الشِّعر، وله فَهْم، ولو لازَمَ السكوتَ لكان مجمَعًا على احترامه.
وسَمِعَ "الأحكام المنتقى" من مؤلِّفه مجد الدين، ومن مسموعات ابن الدَّوَاليبي "القناعة" لابن أبي الدنيا من ابن العُلّيق بسماعه من شُهْدة، والجزء الثاني من الرابع من "أمالي عبد الرزاق" و "جزء محمد بن طلحة النِّعالي" و "جزء ابن شَيْبان" و "الخِرَقي" على ابن الخيِّر، وكتاب "نقض عثمان الدارِمي على المَرِيسي" و "السُّنة" لابن مَندَه على الباقداريّة، وسمع من عَجيبة "المتمنِّين" لابن أبي الدنيا، ومن ابن الخيِّر الثالث من "فوائد البِكَالي" و "جزء عمر بن شبّة" والأول من "أخبار ابن دُريد".
وأجاز مرويّاتِه لأولادي: عبد الله، وعبد الرحمن، وعَزيزة، ولوَلَدَي خالهم محمد وعائشة، وَلَدَي عمر.
стр. 773
٨٠٣ - ابن تَيْمِيَّة *
الشيخ، الإمام العالم، المفسِّر الفقيه المجتهد، الحافظ المحدِّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المُفرِط، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن العالِم المفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام شيخ الإسلام مَجْد الدين أبي البَرَكات عبد السلام مؤلِّفِ "الأحكام" ابن عبد الله بن أبي القاسم الحَرَّاني، ابن تَيمِيَّة، وهو لقبٌ لجدِّه الأعلى.
مولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحَرَّان، وتحوَّل به أبوه وأقاربه إلى دمشق في سنة سبع وستين عند جَوْر التتار، منهزمين في الليل يجرُّون الذُّرّية والكُتب على عَجَلة، فإن العدو ما تركوا في البلد دوابَّ سوى بقر الحَرْث، وكَلَّت البقرُ من ثِقَل العجلة ووقف الفُرّار وخافوا من أن يدركهم العدو ولجؤوا إلى الله تعالى، فسارت البقر بالعجلة ولطف الله تعالى حتى انحازوا إلى حدِّ الإسلام.
فسمع من: ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، والكمال بن عبدٍ، وابن أبي الخير، وابن الصَّيرفي، والشيخ شمس الدين، والقاسم الإربِلِي، وابن علّان، وخلق كثير.
وأكثَرَ وبالغَ وقرأ بنفسه على جماعة وانتَخَب، ونسخ عدة أجزاء، و "سنن أبي داود"، ونَظَرَ في الرجال والعِلل، وصار من أئمة النَّقْد ومن علماء الأثر مع التديُّن والنَّبالة، والذِّكر والصِّيانة، ثم أقبل على الفقه
стр. 774
ودقائقه، وقواعده وحُجَجه، والإجماع والاختلاف، حتى كان يُقضَى منه العجبُ إذا ذَكَرَ مسألةً من مسائل الخلاف، ثم يستدلُّ ويرجِّح ويجتهد، وحُقَّ له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحدًا أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالّة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا لمتون الأحاديث وعزوها إلى "الصحيح" أو إلى "المسند" أو إلى "السنن" منه، كأنَّ الكتاب والسُّنن نصبَ عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رَشِقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالِف.
وكان آيةً من آيات الله تعالى في التفسير والتوسُّع فيه، لعلَّه يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين، وأما أصول الدِّيانة ومعرفتها ومعرفة أحوال الخوارج والرَّوافض والمعتزلة وأنواع المبتدِعة، فكان لا يُشَقُّ فيه غبارُه، ولا يُلحَق شَأْوُه.
هذا مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثلَه قطُّ، والشجاعة المُفرِطة التي يُضرَب بها المثل، والفراغ عن ملاذِّ النفس من اللباس الجميل والمأكل الطيب والراحة الدُّنيوية.
ولقد سارت بتصانيفه الرُّكْبان، في فنونٍ من العلم وألوان، لعلَّ تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزُّهد واليقين والتوكُّل والإخلاص وغير ذلك تبلغ ثلاث مئة مجلد، لا بل أكثر.
وكان قوَّالًا بالحق، نهَّاء عن المنكر، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ذا سَطْوة وإقدام وعدم مداراة الأغيار، ومَن خالطه وعرفه قد يَنسُبني إلى التقصير في وصفه، ومَن نابَذَه وخالفه يَنسُبني إلى التَّغالي فيه، وليس الأمر كذلك، مع أنني لا أعتقد فيه العِصمةَ، كلّا! فإنه مع سَعَة علمه
стр. 775
وفَرْط شجاعته وسَيَلان ذهنه وتعظيمه لحُرُمات الدين، بشرٌ من البشر، تعتريه حِدّةٌ في البحث، وغضب وشَظَف للخصم، تَزرَعُ له عداوة في النفوس، ونُفورًا عنه، وإلَّا والله فلو لاطفَ الخصومَ ورَفَقَ بهم ولزم المجاملةَ وحسن المكالمة، لكان كلمةَ إجماع، فإنَّ كِبارَهم وأئمَّتهم خاضعون لعلومه وفقهه، معترفون بشُفوفه وذكائه، مقرُّون بنُدور خطئه.
لستُ أعني بعضَ العلماء الذين شعارُهم وهجِّيراهم الاستخفافُ به والازدراءُ بفضله والمَقْت له، حتى استجهلوه وكفَّروه، ونالوا منه من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فَهِموا كلامه، ولا لهم حظٌّ تامٌّ من التوسُّع في المعارف، والعالِم منهم قد يُنصِفه ويردُّ عليه بعلم، وطريقُ العقل السكوتُ عمّا شَجَرَ بين الأقران، رحم الله الجميع.
وأنا أقلُّ من أن ينبِّه على قَدْره كَلِمي، أو أن يوضح نبأَه قَلَمي، فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه مقرُّون بسرعة فَهْمه، وأنه بحرٌ لا ساحلَ له، وكَنْز لا نظيرَ له، وأن جُودَه حاتميّ، وشجاعته خالديّة، ولكن قد يَنقِمون عليه أخلاقًا وأفعالًا، مُنصِفهم فيها مأجور، ومُقتصِدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغاليهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور، وكلُّ أحد يُؤخَذ من قوله ويُترَك، والكمال للرُّسل، والحُجّة في الإجماع، فرحم الله امرأً تكلَّم في العلماء بعِلْم، أو صمت بحِلْم، وأمعَنَ في مضايق أقاويلهم بتُؤَدة وفهم، ثم استغفر لهم ووسَّع نطاق المعذرة، وإلا فهو لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.
وإن أنت عَذَرت كبار الأئمة في معضلاتهم، ولا تَعذُر ابن تيميَّة في مفرداته، فقد أقررتَ على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف، وإن قلتَ: لا