← Тараджим

Тараджим · id 10907

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (937 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الخرّاط، وقاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان بن الحَريري الحنفي، ومفتي بغداد جمال الدين عبد الله بن محمد بن علي الواسطي بن العاقُولي وله تسعون سنة، وإمام وقته تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تَيْميَّة الحرَّاني، وملك الأمراء قَراسُنقُر المنصوري بمَرَاغة، وشهاب الدين أحمد بن عمر بن المَرجاني، وتقي الدين أبو بكر بن شرف الصالحي، والإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن جِبَارة الحنبلي بالقدس، والجَمَال يوسف بن مظفَّر ابن قاضي حرَّان، والإمام شمس الدين محمد بن داود بن مُنتاب السَّلّامي التاجر، والجَمَال عبد الرحمن بن أحمد بن شكر المُغربِل. ٨٠٢ - ابن الدَّوَالِيبي * الشيخ الإمام الفاضل، الواعظ المعمَّر، مُسنِد الوقت، عَفيف الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار، الأَزَجي البغدادي، الحنبلي الخرّاط. والدُه الدَّوَاليبي شيخُ الحديث بالمستنصريّة. وُلد في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وست مئة، هكذا أملاه، وكتب مرةً: سنة تسع. وسمع في سنة أربع وأربعين من: إبراهيم بن الخيِّر، وأعزّ بن العُلّيق، وأحمد بن قُمَيرة وأخيه يحيى، وعبد الملك بن قَيَبَا، وأحمد بن عمر الباذَبِيني، وعَجِيبة الباقداريَّة، وطائفة، وكان خاتمةَ من سَمِعَ منهم. فسمع من عَجيبة "معرفة الصحابة" لابن مَندَه، و "أمالي ابن مَردَوَيه" وهي ثلاث مجلّدات، و "الرِّقة" لابن أبي الدنيا، وأشياء، وسمع "المسند"

стр. 772

كلَّه بفَوْت، و "صحيح مسلم". وانتهى إليه علوُّ الإسناد، قال: حفظتُ "اللُّمع" في النحو و "مختصر الخِرَقي". وحجَّ غيرَ مرة أحدُها سنة ثمان وتسعين على الشام، فوَعَظَ بالكَلّاسة، وسمعتُ منه بالعُلَا وغيرها، وكان حسنَ المحاضرة طيِّب الأخلاق. أَخذ عنه: الفَرَضي، وابن الفُوَطي، والبِرْزالي، وصفيُّ الدين بن الخطيب، وسراج الدين القَزويني، وشهاب الدين بن السِّيرْجاني، وشمس الدين بن خلف وأخوه منصور، وعفيف الدين بن المَطَري، وخلق سواهم. مات في جمادي الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وله تسعون سنة. قرأت بخط السِّراج عمر القزويني: عفيف الدين رجلٌ كثير العبادة والتلاوة، يقول شيئًا من الشِّعر، وله فَهْم، ولو لازَمَ السكوتَ لكان مجمَعًا على احترامه. وسَمِعَ "الأحكام المنتقى" من مؤلِّفه مجد الدين، ومن مسموعات ابن الدَّوَاليبي "القناعة" لابن أبي الدنيا من ابن العُلّيق بسماعه من شُهْدة، والجزء الثاني من الرابع من "أمالي عبد الرزاق" و "جزء محمد بن طلحة النِّعالي" و "جزء ابن شَيْبان" و "الخِرَقي" على ابن الخيِّر، وكتاب "نقض عثمان الدارِمي على المَرِيسي" و "السُّنة" لابن مَندَه على الباقداريّة، وسمع من عَجيبة "المتمنِّين" لابن أبي الدنيا، ومن ابن الخيِّر الثالث من "فوائد البِكَالي" و "جزء عمر بن شبّة" والأول من "أخبار ابن دُريد". وأجاز مرويّاتِه لأولادي: عبد الله، وعبد الرحمن، وعَزيزة، ولوَلَدَي خالهم محمد وعائشة، وَلَدَي عمر.

стр. 773

٨٠٣ - ابن تَيْمِيَّة * الشيخ، الإمام العالم، المفسِّر الفقيه المجتهد، الحافظ المحدِّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المُفرِط، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن العالِم المفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام شيخ الإسلام مَجْد الدين أبي البَرَكات عبد السلام مؤلِّفِ "الأحكام" ابن عبد الله بن أبي القاسم الحَرَّاني، ابن تَيمِيَّة، وهو لقبٌ لجدِّه الأعلى. مولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحَرَّان، وتحوَّل به أبوه وأقاربه إلى دمشق في سنة سبع وستين عند جَوْر التتار، منهزمين في الليل يجرُّون الذُّرّية والكُتب على عَجَلة، فإن العدو ما تركوا في البلد دوابَّ سوى بقر الحَرْث، وكَلَّت البقرُ من ثِقَل العجلة ووقف الفُرّار وخافوا من أن يدركهم العدو ولجؤوا إلى الله تعالى، فسارت البقر بالعجلة ولطف الله تعالى حتى انحازوا إلى حدِّ الإسلام. فسمع من: ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، والكمال بن عبدٍ، وابن أبي الخير، وابن الصَّيرفي، والشيخ شمس الدين، والقاسم الإربِلِي، وابن علّان، وخلق كثير. وأكثَرَ وبالغَ وقرأ بنفسه على جماعة وانتَخَب، ونسخ عدة أجزاء، و "سنن أبي داود"، ونَظَرَ في الرجال والعِلل، وصار من أئمة النَّقْد ومن علماء الأثر مع التديُّن والنَّبالة، والذِّكر والصِّيانة، ثم أقبل على الفقه

стр. 774

ودقائقه، وقواعده وحُجَجه، والإجماع والاختلاف، حتى كان يُقضَى منه العجبُ إذا ذَكَرَ مسألةً من مسائل الخلاف، ثم يستدلُّ ويرجِّح ويجتهد، وحُقَّ له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحدًا أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالّة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا لمتون الأحاديث وعزوها إلى "الصحيح" أو إلى "المسند" أو إلى "السنن" منه، كأنَّ الكتاب والسُّنن نصبَ عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رَشِقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالِف. وكان آيةً من آيات الله تعالى في التفسير والتوسُّع فيه، لعلَّه يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين، وأما أصول الدِّيانة ومعرفتها ومعرفة أحوال الخوارج والرَّوافض والمعتزلة وأنواع المبتدِعة، فكان لا يُشَقُّ فيه غبارُه، ولا يُلحَق شَأْوُه. هذا مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثلَه قطُّ، والشجاعة المُفرِطة التي يُضرَب بها المثل، والفراغ عن ملاذِّ النفس من اللباس الجميل والمأكل الطيب والراحة الدُّنيوية. ولقد سارت بتصانيفه الرُّكْبان، في فنونٍ من العلم وألوان، لعلَّ تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزُّهد واليقين والتوكُّل والإخلاص وغير ذلك تبلغ ثلاث مئة مجلد، لا بل أكثر. وكان قوَّالًا بالحق، نهَّاء عن المنكر، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ذا سَطْوة وإقدام وعدم مداراة الأغيار، ومَن خالطه وعرفه قد يَنسُبني إلى التقصير في وصفه، ومَن نابَذَه وخالفه يَنسُبني إلى التَّغالي فيه، وليس الأمر كذلك، مع أنني لا أعتقد فيه العِصمةَ، كلّا! فإنه مع سَعَة علمه

стр. 775

وفَرْط شجاعته وسَيَلان ذهنه وتعظيمه لحُرُمات الدين، بشرٌ من البشر، تعتريه حِدّةٌ في البحث، وغضب وشَظَف للخصم، تَزرَعُ له عداوة في النفوس، ونُفورًا عنه، وإلَّا والله فلو لاطفَ الخصومَ ورَفَقَ بهم ولزم المجاملةَ وحسن المكالمة، لكان كلمةَ إجماع، فإنَّ كِبارَهم وأئمَّتهم خاضعون لعلومه وفقهه، معترفون بشُفوفه وذكائه، مقرُّون بنُدور خطئه. لستُ أعني بعضَ العلماء الذين شعارُهم وهجِّيراهم الاستخفافُ به والازدراءُ بفضله والمَقْت له، حتى استجهلوه وكفَّروه، ونالوا منه من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فَهِموا كلامه، ولا لهم حظٌّ تامٌّ من التوسُّع في المعارف، والعالِم منهم قد يُنصِفه ويردُّ عليه بعلم، وطريقُ العقل السكوتُ عمّا شَجَرَ بين الأقران، رحم الله الجميع. وأنا أقلُّ من أن ينبِّه على قَدْره كَلِمي، أو أن يوضح نبأَه قَلَمي، فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه مقرُّون بسرعة فَهْمه، وأنه بحرٌ لا ساحلَ له، وكَنْز لا نظيرَ له، وأن جُودَه حاتميّ، وشجاعته خالديّة، ولكن قد يَنقِمون عليه أخلاقًا وأفعالًا، مُنصِفهم فيها مأجور، ومُقتصِدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغاليهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور، وكلُّ أحد يُؤخَذ من قوله ويُترَك، والكمال للرُّسل، والحُجّة في الإجماع، فرحم الله امرأً تكلَّم في العلماء بعِلْم، أو صمت بحِلْم، وأمعَنَ في مضايق أقاويلهم بتُؤَدة وفهم، ثم استغفر لهم ووسَّع نطاق المعذرة، وإلا فهو لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري. وإن أنت عَذَرت كبار الأئمة في معضلاتهم، ولا تَعذُر ابن تيميَّة في مفرداته، فقد أقررتَ على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف، وإن قلتَ: لا

стр. 776

أعذره، لأنه كافر عدوّ الله تعالى ورسوله، قال لك خلقٌ من أهل العلم والدين: ما عَلِمناه والله إلا مؤمنًا محافظًا على الصلاة والوضوء وصوم رمضان، معظِّمًا للشريعة ظاهرًا وباطنًا، لا يُؤتَى من سوءِ فهم، بل له الذكاء المُفرِط، ولا من قِلّة علم، فإنه بحر زخَّار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النَّظير في ذلك، ولا هو بمتلاعِب بالدِّين، فلو كان كذلك لكان أسرعَ شيء إلى مُداهَنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو يتفرَّد بمسائل بالتشهِّي، ولا يفتي بما اتفق، بل مسائله المفرَدة يحتجُّ لها بالقرآن أو بالحديث أو بالقياس، ويبرهنُها ويناظر عليها وينقل فيها الخلاف، ويطيل البحث أُسوةَ مَن تقدَّمه من الأئمة، فإن كان قد أخطأ فيها، فله أجر المجتهد من العلماء، وإن كان قد أصاب فله أجران، وإنما الذمُّ والمَقْت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألةٍ بالهوى ولم يُبدِ حُجّةً، ورجل تكلَّم في مسألة بلا خَميرةٍ من علم، ولا توسُّع في نقل، فنعوذ بالله من الهوى والجهل. ولا ريبَ أنه لا اعتبارَ بذمِّ أعداء العالِم، فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف، والقيام عليه، ولا اعتبارَ بمدح خواصَّه والغُلاة فيه، فإن الحب يحملهم على تغطية هَنَاته، بل قد يعدُّونها له محاسن، وإنما العبرة بأهل الورع والتقوى من الطرفين الذين يتكلمون بالقِسْط، ويقومون لله ولو على أنفسهم وآبائهم. فهذا الرجلُ لا أرجو على ما قلتُه فيه دنيا، ولا مالًا ولا جاهًا بوجهٍ أصلًا، مع خِبرتي التامّة به، ولكن لا يَسَعُني في ديني ولا عقلي أن أكتُمَ محاسنه، وأدفن فضائله، وأُبرز ذنوبًا له مغفورةً في سَعَة كرم الله تعالى،

стр. 777

وصفحةً مغمورة في بحر علمه وجُوده، فاللهُ يغفر له ويرضي عنه، ويرحمنا إذا صِرْنا إلى ما صار إليه. مع أني مخالفٌ له في مسائل أصلية وفرعية، قد أَبديتُ آنفًا أن خطأه فيها مغفور، بل قد يُثِيبه الله تعالى فيها على حُسْن قصده وبَذْل وُسْعه، واللهُ المَوعِدُ، مع أني قد أُوذيت لكلامي فيه من أصحابه وأضداده، فحسبيَ الله. وكان الشيخُ أبيض أسود الرأس واللِّحية، قليل الشيب، شعره إلى شَحْمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، رَبْعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جَهوريّ الصوت، فصيحًا سريع القراءة، تعتريه حِدّة، ثم يقهرُها بحِلْم وصَفْح، وإليه كان المنتهى في فرطِ الشجاعة والسَّماحة وقوة الذكاء، ولم أرَ مثلَه في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى وكثرة توجُّهه. وقد تَعِبتُ بين الفريقين، فأنا عند محبِّه مقصِّر، وعند عدوِّه مُسرِف مُكثِر كلّا والله. توفِّي ابن تيميَّة إلى رحمة الله تعالى معتقَلًا بقلعة دمشق بقاعةٍ بها بعد مرضٍ جَدَّ أيامًا، في ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، وصُلِّي عليه بجامع دمشق عُقَيب الظهر، وامتلأ الجامع بالمصلِّين كهيئة يوم الجمعة، حتى طلع الناسُ لتشييعه من أربعة أبواب البلد، وأقلُّ ما قيل في عدد من شهده خمسون ألفًا، وقيل: أكثر من ذلك، وحُمِل على الرؤوس إلى مقابر الصوفية، ودُفن إلى جانب أخيه الإمام شرف الدين، رحمهما الله تعالى وإيانا والمسلمين.

стр. 778

٨٠٤ - ابن العاقُولي * مفتي العراق، الإمام جمال الدين، عبد الله بن محمد بن علي بن حمّاد بن ثابت، الواسطي الشافعي، ابن العاقُولي البغدادي، مدرِّس المستنصِريَّة. وُلد في رجب سنة ثمان وثلاثين وست مئة. وتفقَّه ودرَّس وأفتى وعدّل في سنة سبع وخمسين، وكان يقول: إنه سمع من الصاحب محيي الدين بن الجَوْزي. وسمع من الكمال المكبِّر وروي عنه ابن الساعي شيئًا في تأليفه. ورُزِقَ حظًّا في الفتوى، وكان إمامًا عالمًا، مَهيبًا شهمًا، مسدَّد الفتاوى، حميد الطريقة، أفتى نحوًا من سبعين سنة. توفِّي في شوّال سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ودُفن بداره التي وقفها على ملقِّن وعشرةِ أيتام. وذُكر أنه ما رُئيَ جمعٌ أكثر من جنازته، رحمه الله تعالى. وخلَّف العلّامةَ محيي الدين محمدًا؛ ولدًا ذكيًّا مشتغلًا بالحِكمة والبحث، درَّس بعده بالمستنصِريّة. ٨٠٥ - المَجْد ** شيخ الحنابلة، العلّامة الصالح الخيِّر، مجد الدين إسماعيل بن محمد بن إسماعيل، الحرَّاني الحنبلي، ابن الفَرَّاء.

стр. 779

وُلد بحرَّان وقدم دمشق شابًّا، فاشتغل وبَرَع في المذهب، وأخذ عن: ابن أبي عمر، وابن عبد الوهاب، والفخر البعلي، وابن المُنجَّا، وسمع من ابن الصَّيرَفي وعدة. وكان بقيَّة سلفٍ ذا إخلاص ووَرَع وهَضْم لنفسه، كان يقول: ما حدَّثَتني نفسي بالترفُّع على مسلم، لأني خبير بنفسي، ولست أعرف أحوالَ الناس. وكان لا يُفتي إلا بما يَدِين الله تعالى به، ويمتنع كثيرًا من الفتوى، تَخرَّج به أئمةٌ، وكان رأسًا في الفقه، يُعيد في مدارس تلامذته. توفِّي في جمادي الأول سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وشيَّعه الخلق، عاش ثلاثًا وثمانين سنة وأشهُرًا، قَلَّ مَن رأيتُ مثله في الفقه والدِّين. ٨٠٦ - القُونَوِيّ * العلَّامة ذو الفنون، قاضي القضاة شيخ الشيوخ، علاء الدين أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن يوسف، التِّبْريزي الأصل القُونَوي الشافعي. وُلد سنة ثمان وستين. وتفقَّه وتفنَّن وبَرَع وناظَرَ، ثم قَدِمَ علينا في أول سنة ثلاث وتسعين وست مئة، فرُتِّبَ صوفيًّا، ثم درَّس بالإقباليّة. وسَمِعَ من: أبي حفص بن القوّاس، وأبي الفضل بن عساكر، وجماعة، وبمصر من الأبَرْقُوهي، وطائفة.

стр. 780

واستَوطَن مصر، ووليَ مشيخةَ السَّعيدية، وتخرَّج به الأصحاب في الأصول. وكان ساكنًا، وقورًا، حليمًا، مُسمِتًا، مَلِيح الشَّيبة، حسن التعليم، ذكيًّا، قويّ اللغة، كثير التلاوة والخير. ثم وليَ قضاءَ دمشق فباشَرَ، ولم تكن له نَهْمةٌ في الأحكام بل في العلم والإفادة، وطَلَبَ الإقالةَ فما أُجيب، وكان حميد السِّيرة نَزِهًا، ما قَبِلَ هديةً قطُّ، وكان منصفًا في بحوثه معظِّمًا للآثار. توفِّي في ذي القَعدة سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ودُفن بسفح قاسيون بتُربةٍ اشتُريَت له. خرَّج له ابن طُغْريل، والشيخُ عماد الدين بن كَثير، ووَصَلَهما بجُمْلة. وجود "شرح الحاوي" في أربع مجلَّدات، وكان يدري الأصلين والمَنطِق والحِكمة، ويخوض تلك الغَمَرات، ولكن له حظٌّ من تلاوة وصلاة وخيرٍ وحَياء، وكان مع مخالفته لابن تيميَّة وتخطئته له في أشياء، يُثْني عليه ويعظِّمه ويَذُبُّ عنه. وكان له مَيلٌ إلى ابن العَرَبيّ، لكنَّه له عقل وفَهْم، فحدَّثَني صادقٌ: أنه سمعه يتكلَّم على حديث أبي هريرة ﵁: "كنتُ سَمْعَه الذي يَسمَع به" (١)، فشرحه شرحًا حسنًا، ورَدَّ على أهل الاتِّحاد. وحدَّثَني ابن كَثير: أَنه حَضَرَ مع المِزِّي عنده، فجرى ذكر "الفصوص" لابن العربي، فقال: لا ريبَ أن هذا الكلام الذي فيه كفرٌ وضلال، فقال

стр. 781

صاحبه الجَمَال المالكي: أفلا نتأوَّله يا مولانا؟ قال: لا، إنما نتأوَّل قولَ المعصوم. وبَلَغني: أنه حضر عنده ابن جُمْلة وحطَّ على كلام الشيخ تقي الدين فقال القُونَوي لفاضلٍ بالتُّركي: هذا ما يفهمُ كلامَ ابن تَيْميّة، لو فهم لما قال هذا. ولمّا أُخرج إمامُ الجَوْزيّة (١) من القلعة، أتاه فبشَّ به وأكرمه ووصله، وكان تعجبه بحوثُه. وحدَّثَني أمين الدين الوانيّ: أنه قال له يومًا: أنا أحبُّ أهلَ العلم وأحبُّ من بينهم أهلَ الحديث أكثرَ. مرض أحد عشر يومًا في بستان ضَمِنَه، ومات بوَرَم الدِّماغ، أنشدنا لنفسه أبياتًا في الشِّجَاج، وتأسَّف الناسُ لموته ﵀، ولم يتأسَّفوا على غيره من قضاة الجَوْر والارتشاء، بل سبُّوا وجدَّعوا. ٨٠٧ - ابن عَقِيل * العلّامة الزاهد، مفتي المسلمين، نجم الدين محمد بن عَقِيل بن أبي الحسن، البالِسيّ ثم المصري، الشافعي. مولده سنة ستين وست مئة. وسمع من: الفَخْر بن البُخاري.

стр. 782

ونابَ في الحُكْم عن ابن دَقِيق العيد، وولي قضاءَ دِمياط، وكان من أئمّة المذهب، وقد شرح "التنبيه". توفِّي في المحرَّم سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكانت جنازته مشهودة. ٨٠٨ - ابن الأَثير * القاضي الأكمل، عينُ المملكة، علاءُ الدين علي ابن القاضي الأديب تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأَثير، الحلبي ثم المصري، كاتب السِّر. كان أبوه من أعيان الموقِّعين، ولي صحابة الديوان مُديدةً، وكان عمُّه عماد الدين إسماعيل بن سعيد صاحبَ ديوان الإنشاء بعد والده، ولما ذهب السلطان إلى الكَرَك بعث وفي خِدمته علاءُ الدين، فخَدَمَ السلطان وتمكَّن منه، ثم صُرِف من كتابة السِّر شرفُ الدين بن فضل الله إلى ديوان دمشق ونُصِّبَ هذا في رُتْبته، وعَظُم شأنُه وكَثُرت أمواله، ثم إنه أصابه فالجٌ وتعلَّل سنةً، ثم توفي في المحرَّم سنة ثلاثين وسبع مئة، وكان من أبناء الستين. ٨٠٩ - ابن هِلال ** الصَّدر الكبير، المحدِّث، نجم الدين أبو الحسن، علي بن العِماد محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن هلال، الأزْدي الدمشقي، أخو الصَّدر أَمين الدين، من كُبراء البلد وأعيانهم. وُلد سنة تسع وأربعين وست مئة. وفيها أجاز له أبو الحسن ابن

стр. 783

الجُمَّيزي. وسمع من: الرَّضيّ ابن البُرْهان وصدر الدين ابن سَنِيّ الدولة، وفي طلبه من: ابن أبي اليُسْر، وعبد الوهاب المَقدِسي، والكمال بن عبدٍ، ويحيى بن الحنبلي، وعمر الكِرماني، والزَّين خالد، والنَّجم بن النُّشْبي. خرَّج له البِرْزاليُّ مئة وخمسين شيخًا، وله أجزاء وأصول، وسمع بمكة من أَمين الدين بن عساكر. وحدَّث بمصر والقدس ودمشق، وكان يُذاكِر الطَّلبة ويَدْري ويَفهَم تواريخَ، وفيه مُروءة وكَرَم ومحاسن في الجُملة، باشَرَ نظرَ الأيتام مدةً. وهو والدُ العَدْل الرئيس شهاب الدين عبد الله، أضافَنا مراتٍ وحدَّث بـ "موطَّأ أبي مصعب". توفِّي في خامس ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وسبع مئة بداره عند السُّمَيساطيّة، ودُفِن بتُربته بقاسيون، وكانت جنازته مشهودة. ٨١٠ - الزَّرِيراني * الإمام العلّامة، شيخ الحنابلة، قاضي بغداد، تقي الدين عبد الله بن محمد بن أبي بكر، العِراقي الزَّرِيراني ثم البغدادي، مدرِّس المستنصِريّة. وُلد سنة ثمان وستين بقرية زَرِيرانَ. وقَدِمَ دمشقَ في حدود سنة تسعين فتفقَّه على المَجْد وغيره، ورجع، ثم شَرَعَ في المَذهَب وصنَّف واشتَغَل ونابَ في الحُكْم فحُمِدَت سيرتُه، وتفقَّه به جماعة، ومحاسنه جَمَّة.

стр. 784

وهو والدُ صاحبنا المفتي شرف الدين عبد الرحيم. توفِّي في جمادي الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكان من بحور الفقه، صحيحَ الذِّهن، رحمه الله تعالى. ٨١١ - ابن القَلَانِسي * الصدر المعظَّم، رئيس الدَّماشقة، عز الدين حمزة ابن مؤيَّد الدين أسعد بن مظفَّر ابن الوزير مؤيَّد الدين أسعد بن حمزة، ابن القَلَانسي، التَّميمي الدمشقي. وُلد سنة تسع وأربعين وست مئة. وسمع من: ابن عبد الدائم، والرضيّ بن البرهان، وابن أبي اليُسْر. وحجَّ مرتين، وولي الوزارةَ في وقتٍ، وكان رئيسًا وافر الحُرْمة، كثير المَكارم مُحسنًا إلى أقاربه. حدَّث بدمشق والحجاز. وتوفِّي في ذي الحِجّة سنة تسع وعشرين وسبع مئة. وكان يَدخُل في أمورٍ واللهُ تعالى يعفو عنه، وَزَنَ في مصادرة قازانَ مئة ألف، وحجَّ في الشيخوخة فنابَه ستون ألفًا. وله دارُ حديث بالمدينة النبوية على ساكنها السلامُ، وعَقِبه باقٍ (١).

стр. 785

٨١٢ - جوبان * النَّوِين الكبير، نائب المملكة المَغُلي. كان رجلًا شجاعًا مَهيبًا، شديد الوَطْأة، كبير الشَّأن، كثير الأموال، عالي الهِمَّة، صحيح الإسلام، ذا حظٍّ من صلاة وبِرٍّ. بَذَلَ ذهبًا كثيرًا حتى أوصل الماءَ إلى بطن مكة، وأنشأ مدرسةً بالمدينة النبوية، وتُربةً ليُدفَن بها، فما مكَّنَهم السلطانُ من دفنِه بها، فدُفِنَ تابوته بالبقيع، ولم تَبلُغنا تفاصيل أموره، لكنه تمكَّن وأبادَ عددًا كثيرًا من الأمراء، وجرى له ما تقدَّم في ترجمة إيرنجين، حتى كان سلطانُه أبو سعيد من تحت يده، وقيل: إنه أخذ من الرَّشيد ألف ألف دينار. وكانت ابنته بغدادُ زوجةَ أبي سعيد، وابنه دمرتاش متولِّى ممالك الروم، وابنه دِمَشق قائد عشرة آلاف، ثم وَلَّت سعادتُهم وتَنمَّر أبو سعيد لهم بمَعُونة عدّة أمراء، وجرى بينهم قتالٌ وأمور طويلة، ثم قُتِل دمشقُ وفَرَّ أبوه جوبان إلى والي هَرَاة لائذًا به، فقتله بأمر أبي سعيد، وفرَّ ابنُه الآخر إلى خدمة السلطان بل إلى حِمَامه، ثم نُقِل تابوت جوبان وولده خلو خان المقتول معه إلى العراق، فجهَّزَته بنتُه الخاتون مع الرَّكْب ليُدفَن بتُربته بالمدينة، فما مُكِّنوا من ذلك، ثم إن بنته قُتِلت عُقيبَ موت أبي سعيد. وولي نيابةَ ممالك التتار ولدُ جوبان سرغان (١)، وهو شابٌّ أمرد. قُتل جوبان في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ولعله من أبناء الستين أو

стр. 786

أزيَد، فإنه لمّا قَدِمَ إلى دمشق مع قازان كان من أكبر قُوَّاده. قرأتُ بخطّ صاحبي ابن يونس البَعْلي: أنه كان بالمدينة يصلِّي يوم الجمعة عاشرَ ربيع الآخر على شيخ الإسلام ابن تيميَّة والنَّجم البالِسي صلاةَ الغائب وأُحضر تابوتا جوبان وابنه خلو خان فوُضِعا في الرَّوضة، وصلَّى الخطيب على الأربعة جملةً، ثم دُفنا في بَقيع الغَرقَد، وشيَّعهما صاحبُ المدينة سيف الدين طفيل بن منصور بن جمَّاز الحُسيني، وذلك بمرسوم سلطاني، وكان جِيءَ بهما إلى عرفات في موسم سنة ثمان وعشرين وطِيفَ بالتابوتين بالكعبة، وما مُكِّنا من الدفن بالجوبانية، وهي مدرسة كبيرة مليحة مُزخرَفة قريبة من الحُجْرة النبوية، على ساكنها السلام. ٨١٣ - ابن سَهْل * الوزير العالِم العلّامة الزاهد، أبو القاسم محمد ابن المولى الوزير الأوحد محمد بن سَهل بن محمد بن سَهل، الأزْدي الغَرْناطي، رئيس غَرناطة. وُلد سنة ثنتين وستين وست مئة. ومات أبوه سنة سبعين، ومات جدُّه أبو القاسم سنة سبع وثلاثين. حجَّ سنة سبع وثمانين ورجع، ثم إنه قَدِمَ سنة عشرين وسبع مئة، وحجَّ وجاوَرَ سنتين، وسمع من الرضيِّ الطَّبَري، ثم قَدِمَ علينا وقرأ "الصحيح" على الحَجَّار، و "صحيح مسلم" على ابن العَسقَلَاني، وقد قرأ بالسَّبع في صغره على ابن بشير وابن أبي الأحوص وابن الزُّبير. وبَرَعَ في معرفة الأَسطُرلاب وأشياء. وكان وافرَ الجلالة ببلده، بحيث إنهم

стр. 787

يَرجِعون إلى رأيه فيمن تُولَّى المملكةُ ويُلقِّبونه بالوزير، وفيه ورعٌ وله فضائل. أخذ عنه: قُطْب الدين عبد الكريم، ومحمد بن الذَّهَبي، وكان شيخًا وقورًا لا يَتعمَّم ويَتطَيلَس على طاقية. مات بمصر عُقيبَ قدومه من الحجِّ في المحرَّم سنة ثلاثين وسبع مئة، وكان ذا فنون ودين. ٨١٤ - الشيخ بُرهان الدين * إبراهيم ابن الإمام شيخ الإسلام تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سِبَاع بن ضِياء، شيخُنا الإمام العلّامة القُدْوة الوَرع، شيخ الشافعية، برهانُ الدين أبو إسحاق الفَزَارِي الصَّعيديُّ الأصلِ الدمشقيُّ الشافعيّ، مدرِّس البادَرائية وابن مدرِّسها. كان جدُّه فقيهًا كبيرًا يؤمُّ بالرَّوَاحيّة، مات في الكُهولة سنة ثلاث وخمسين. وُلِد شيخُنا في سنة ستين وست مئة، وأمُّه أمُّ ولدٍ عاشت إلى بعد العشرين وسبع مئة. سمَّعه أبوه الكثيرَ في الصِّغر من ابن عبد الدائم وابن أبي اليُسْر أيضًا والموجودين. وبَرَعَ في المذهب على والده، وأتقَن العربيةَ على عمِّه شرف الدين، وقرأ الأصول وبعضَ المنطِق وتفنَّن، وجوَّد الكتابةَ، ونشأ في صَوْن وخير

стр. 788

وإكباب على العلم والإفادة عُمُرَه كلَّه. درَّس واشتغل بعد أبيه، وتخرَّج به الأصحابُ، وأَذِنَ في الفتوى لجماعة، وانتهى إليه إتقانُ غوامض المذهب، وعلَّق على "التنبيه" شرحًا حافلًا في مجلَّدات. وكان عَذْبَ العِبارة، صادقَ اللهجة، طَلْق اللسان، طويل الدروس، يُورِدُها كالفاتحة. وكان له حظٌّ من صلاة وصيام وذِكْر، ولُطْف وتواضع، ولزوم للخير وكَفِّ عن الغِيبة وعن أذيّة الناس، مع الكرم والبَذْل والفُتوَّة، وعِيادة المرضى وشهود الجنائز، ويُحسِن إلى الطَّلبة ويطوِّل روحَه ويُفهِّمهم، ويُثْني على فاضلهم ويَسعَى لهم. حجَّ مرّاتٍ. وكان لطيف المزاج، نحيفًا أبيض، حُلْو الصورة رقيق البَشرة، معتدل القامة، قليل الغِذاء جدًّا، يُدمِنُ التنقُّل (١) بالخِيار شَنبَر، فيذهب يُبْسه، وكان ربما انزَعَجَ في المناظَرة، وله مسائل يَشذُّ فيها مغمورة في بحر عِلمه كنُظرائه من العلماء. خرَّج له العَلَائيُّ وغيرُه، وقد حدَّث بـ "الصحيحين"، وقرأتُ عليه "مشيخة ابن عبد الدائم". وليَ الخطابةَ بعد عمِّه ثم عَزَلَ نفسه بعد أيام، وغَضِب لما بَلَغَه أنهم سَعَوْا في أخذ البادَرائية منه، ولما تُوفِّي ابن صَصْرَى طُلب للقضاء فامتَنع، وأَلحُّوا عليه فصمَّم.

стр. 789

وكان يخالف الشيخَ تقيَّ الدين في مسائلَ، ومع هذا فما تَهاجَرا ولا تَقاطَعا، بل كان كلُّ واحد منهما يحترمُ الآخرَ، ولما توفِّي تقي الدين استَرجَعَ برهانُ الدين وشيَّعه وأَثنى على علمه، وقال: عندي بخطٍّ والدي درسَه الذي ألقاه بالسُّكَّريّة. وكان رحمه الله تعالى فيه رحمةٌ ورِفْق، يكره الفتنَ، وله جلالةٌ ووَقْع في النفوس. تُوفِّي في ليلة الجمعة سابع جمادي الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وهو في سبعين سنةً، وكانت جنازته مشهودةً، وتأسَّف الخلقُ عليه، ودُفِنَ عند والده بمقبرة باب الصَّغير، رحمة الله تعالى عليهما. وفيها مات شيخُ الحنابلة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحرَّاني، ومُسنِد مصر الفتح يونس بن إبراهيم الكِناني الدَّبابيسي، وقاضي بغداد تقي الدين عبد الله بن محمد الزَّرِيراني، وقاضي القضاة علاء الدين علي بن إسماعيل القُونَوِي، والرئيس الصاحب عز الدين حمزة بن أسعد بن القَلَانسي، والمولى نجم الدين علي بن محمد بن هلال، والمولى مُعين الدين هبة الله بن حَشيش ناظر الجيش بمصر، والعَدْل ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن البَعلَبكِّي. ٨١٥ - الدَّبَابيسي * الشيخ المُسنِد المعمَّر، فَتْح الدين ذو النُّون، يونس بن إبراهيم بن عبد القويّ بن قاسم، الكِناني، العَسْقَلَاني ثم المِصري، التاجر الدَّبَابِيسي.

стр. 790

وُلد في حدود سنة خمس وثلاثين وست مئة تقريبًا. وسمع من: أبي الحسن بن المقيَّر "ثلاثةَ أحاديث الفَرَضي" وبعض "القَناعة"، فكان آخرَ من روى في الدنيا عنه، وأجاز له هو ويوسفُ بن المَخِيلي، وعلي بن زيد التَّسَارَسِي، وظافر بن شَحْم، وعبد العزيز بن النَّقّار، والحسن بن دينار، وحمزة بن أَوس، وعِدّة، وتفرَّد عنهم بالرواية. وروي الكثيرَ ورُحِل إليه، سمع منه: ابن سامَة، والحلبي، واليَعمَري، والبِرزالي، والسُّبْكي وأولاده، والنُّوَيري، وابن رافع، وخلق، وأجاز لأولادي، وحدَّثَني عنه ابن المَطَري وغيرُه. وكان شيخًا عاقلًا ساكنًا، حسنَ السَّمْت. مات في جمادي الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وهو في عَشْر المئة. ٨١٦ - ابن المَجْد * العلّامة المناظِر المحدِّث، قاضي طرابُلُس، شمس الدين محمد بن المجد عيسى بن عبد الضّيف، البَعلَبكِّي، الشافعي المدرِّس. وُلد سنة ست وستين ببعلبكَّ. وتفقَّه وبَرَعَ بحلب، وكان صاحبَ فنون، وليَ قضاءَ بعلبك مدةً ثم تركه، وسَكَنَ دمشق وأَمَّ بتُربة أُم الصالح، ودرَّس بالقُوصيّة، ثم نُقِلَ إلى قضاء طرابُلُس فمات بعد أشهُرٍ.

стр. 791

وقد سَمِعَ الكثيرَ، وقرأَ على ابن مُشرَّف والمَوَازيني، وأسمَعَ ولدَه. تُوفِّي في رمضان سنة ثلاثين وسبع مئة. ٨١٧ - ابن الشِّحْنة * المبارَك الأُمِّي، المُسنِد المعمَّر، رُحْلةُ الدنيا، شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن الشَّحْنة بالصالحيّة أبي طالب بن أبي النِّعَم نِعمة بن حسن بن علي بن بَيَان، البِقَاعي الدَّيرمقرني (١) ثم الدمشقي الصالحي، الحجَّار الخيَّاط. وُلد سنة نيِّف وعشرين وست مئة. وخدم حجّارًا بقلعة دمشق في سنة ثلاث وأربعين وست مئة، وكان فيها لما حاصرها جندُ هولاكو. ولم يَظهَر للمحدِّثين إلى أثناء سنة ست وسبع مئة، فسألوه فقال: قد كنا سَمِعْنا، فوُجِدَ اسمه في أجزاء على أبي المنجَّا بن اللَّتِّي، فسمعنا منه "جزء ابن مخلد"، و "مسند عمر" للنَّجّاد، ثم ظهر اسمُه في كُرّاس أسماءِ السامعين بالجبل لـ "صحيح البخاري" على ابن الزَّبيدي في سنة ثلاثين، فحدَّث بـ "الجامع" بضعًا وسبعين مرةً بالبلد والصالحية وبالقاهرة وحماة وبعلبكَّ وكَفر بَطْنا وحمص، واشتَهَر اسمه وبَعُدَ صِيتُه، وألحَقَ الصِّغار بالكِبار، ورأى العزَّ والإكرام، وسمع منه نائبُ مصر ونائب دمشق والقضاة

стр. 792

والأئمة، وروي بإجازة ابن رُوزْبة وابن بَهْروز وابن القَطِيعي والأنجَب الحَمّامي وياسمين بنت البَيْطار وجعفر الهَمْداني وخلقٍ كثير، وأبي بكر بن كمال وعبد الواحد بن نِزار وزَهْرة بنت حاضر، وقرأتُ عليه "الصحيح" بالعامَّة من داود بن معمر بن الفاخر، والله أعلم. وانتَخَب عليه الحُفّاظ ورُحِلَ إليه من البلاد، وسمع منه أُممٌ لا يُحصَون، وتَزاحَموا عليه في سنة بضع عشرة وسبع مئة وإلى أن تُوفِّي، ونزل الناسُ بموته درجةً. وكان صحيحَ التركيب، دمويَّ اللون، أشقر طويلًا، أبطأَ عنه الشيبُ، له هِمّة، وفيه عقل وفَهْم، يُصغي جيّدًا، وما رأيتُه نَعَسَ فيما أعلم، وكان في سمعه ثِقَل. وكان في صِباه خيّاطًا، وكان يشدُّ السيفَ ويقف في الخِدْمة بالقلعة، ورأيته يوم عرض القلعية وعلى كتفه دبُّورة. أتيتُه في سنة ست وسبع مئة فسألته عن عُمُره، فقال: أُحِقُّ حصارَ الناصر داود بدمشق؛ وكان الحصار في سنة ست وعشرين، وسُمِع منه في سنة ثلاثين هو وأخوته الثلاثة، وكان يسكن عند المعظَّمية. وقد سأله قبلي بأيامٍ الشيخُ عَلَم الدين عن سنِّه، فقال: لي الآن ثلاث وثمانون سنة، أو اثنتان وثمانون سنة. ولمّا قرأت عليه "الصحيح" بكفر بَطْنا في شعبان سنة عشرين وسبع مئة، كان يقول لهم: لي مئةُ سنة وسنة؛ فلعلَّه وَهِمَ، والعامِّيُّ إذا طال عمرُه يَغلَط فيه، وكان ربما أسمَعَ في بعض الأيام أكثرَ النهار بل سائره، وحَصَلَ له الذهبُ والخِلَع والدراهم، وتَطعَّم بالأخذ فصار يَطلُب على

стр. 793

تسميع الكتاب، ويرضي بالخمسين والستين، وقَرَّر له الدولةُ معلومًا نحو خمسة وأربعين درهمًا في الشهر بالقَلْعة، فكان مقدَّمَ الحجّارين، ثم ترك الخدمةَ في حدود سنة عشري وسبع مئة، وقُرّر له على بيت المال ثلاثون درهمًا، واستمرَّت فكان يتناولها. قال لي: كان لأبي بدَيْر مقرن بستان وكُروم، فتَحوَّل إلى الصالحيّة ووليها نحوًا من أربعين سنة، وإن إخوته وهم: ناصر وخليفة ومحمد، كانوا حجَّارين بالقلعة، فخلّف خليفةُ بنتين تُوفِّيتا، ومحمد لم يتزوَّج، وناصر ترك بنتًا. وقال لي: تزوَّجتُ أربعَ نِسوة، وجاءني أحدَ عشرَ ولدًا، وله بنتان تعيشان ثم ماتتا قبله، قال: وخلّف ابني ثلاثة أولاد، وخلف ابني عبد الرحمن خمسةً، ولبِنته فاطمة من أحمد الحِجّاوي أربعة أولاد، وقال: حججتُ سنةَ الطيّار. قلت: وكان فيه دِين وملازَمة للصلاة ويصوم، ولكن أخّر الصلاة في السَّفر على رأي العَوامِّ ويقضي، وكان يحفظ ما يصلِّي به، وقال: كانت لي جِمال تَنقُل في الحجارة. وقد صام وهو ابن مئة عام رمضانَ وأتبَعَه ستًّا من شوّال، وحُدِّثتُ: أنه في هذا السنِّ في الصيف اغتَسَل بماء بارد، وكان لا يتأخَّر عن غِشْيان الزوجة، ولما حدَّث بحمص استفتاه أهلُها عن عاقِّ والديه فقال: يُقتَل! وسُئل عن صومه ست من شوّال فتَلَا قوله: ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]! وقال له صاحبي البالِسي رفيقه إلى حَمَاة: قد طلب الحَمَويُّون من

стр. 794

يروي لهم "صحيح مسلم"، قال: نسافرُ ونُسمِعهم، قلتُ له: فما هو سماعُك؟ قال: نَسمَعُه الآن ونسافر فنُسمِعهم. ولا أرتابُ في سماعه من ابن الزَّبيدي وابن اللَّتّي، ولم يكن له أخ اسمُه باسمه قطُّ. وقد شَرَعَ عليه الشيخُ محبُّ الدين في "الصحيح" قبل موته بيوم، وقُرئَ عليه يومَ وفاته إلى الظُّهر، وتوفِّي قريب العصر الخامسَ والعشرين من صفر سنة ثلاثين وسبع مئة. ومن مرويّاته "جزء أبي الجَهْم الباهلي" وأكثر "مسند الدارمي" وأكثر "مسند عبد بن حُميد"، ﵀. وفيها مات الزَّين أيوب بن نِعمة النابُلُسي ثم الدمشقي الكحَّال، والقاضي الأوحد علاء الدين علي بن تاج الدين أحمد بن الأثير بمصر، والوزير الزاهد أبو القاسم محمد بن محمد بن سهل الأزدي الغَرْناطي بمصر، والنجم محمد بن محمد بن عبد الله بن العسقلاني الشاهد، وشيخ الإنشاء ناصر الدين شافع بن علي المِصري، والشيخ أحمد بن المحِبّ عبد الله بن أحمد المقدسي، وفخر الدين عثمان ابن شيخنا أبي العباس بن الظاهري، وقاضي طرابُلُس شمس الدين محمد بن المجد عيسى البَعْلي، وعز الدين إبراهيم بن صالح بن العجمي بحلب.

стр. 795

الطبقة الأربعون ٨١٨ - الكَحَّال * الشيخ الفاضل، المعمَّر المُسنِد، زين الدين أيوب بن نِعمة بن محمد بن نعمة بن أحمد بن جعفر، النابُلُسي المقدسي ثم الدمشقي، الكَحّال. وُلد سنة أربعين وست مئة ظنًّا. وحفظ "التنبيه" إلى اللُّقَطة، واشتَغَل على طاهر الكحّال وبَرَعَ في الصَّنعة وتميَّز وتكسَّب بها سبعين سنة، ولم يكن له لحيةٌ بل شَعَرات يسيرة في حَنَكه، وكان فيه وُدٌّ وتواضع ودِين. سمع من: الشَّرف المُرْسي، والرَّشيد العراقي، وعثمان بن خطيب القَرَافة، وعبد الله بن الخُشوعي، وجماعة. وتفرَّد وروي الكثيرَ بمصر وبدمشق، انجَفَلَ إلى مصر فأقام بها ثنتين وعشرين سنة يُعالِج الناس، ثم رَجَع إلينا فسمَّعنا منه أولادَنا، وشاخَ وعَجَزَ ونُزِّل بدار الحديث. توفِّي في ذي الحِجة سنة ثلاثين وسبع مئة. ٨١٩ - ابن العَجَمي ** الشيخ الجليل، المعمَّر، بقيّة المشايخ، عز الدين أبو إسحاق، إبراهيم

стр. 796

ابن صالح بن هاشم بن العجمي، الحلبي الشافعي، من بيت العلم والرِّياسة. كان خاتمةَ من روى بالسَّمَاع عن الحافظ ابن خَليل، روى عنه "عَشَرة الحدّاد" وجماعةَ أجزاء، وسمع بدمشق وبحلب. أخذتُ عنه، وكان من أبناء التسعين. توفِّي بحلب في جمادي الآخرة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. ٨٢٠ - ابن الكيَّال * الشيخ العالِم الفاضل، المحدِّث المُفيد، عماد الدين أبو إسحاق، إبراهيم بن يحيى بن أحمد بن أحمد، الفَزَاري الدمشقي الحنفي، ابن الكيّال الكاتب، ثم إمام الرَّبْوة وإمام مسجد حارة اليهود. وُلد سنة خمس وأربعين وست مئة. وطلب الحديثَ فأكثر بقراءته عن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، والشَّرف بن النابُلسي، وابن الصَّيرفي، وطبقتهم. وكان فصيحَ القراءة جيِّدها، ثم تَرَك ودخل في الكِتابة وخَدَم زمانًا في ديوان المواريث وحصَّل منه جملةً. وكان قد حَضَرَ المدارسَ وتفقَّه وبحث في الشاميّة على ابن مالك، وقرأ غالب "مسند أحمد" على القاضي شمس الدين بن عطاء، وحفظ القرآنَ، ثم عَزَلَ نفسه من الدِّيوان لرؤيا، قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم وقد أُحضِرتُ بين يديه، فقال: اذبحوه، فقلت: يا رسول الله، أنا أتوبُ، فأطلَقَني.

стр. 797

وحجَّ سنة ثمان وسبع مئة وانصَلَح، ولازم التلاوةَ، وشاخَ وانقطع بمسجده الذي فوق كنيسة اليهود، وبه توفِّي. وقد خرَّج له الشيخ عَلَم الدين "مشيخةً"، قرأتُ عليه "جزء ابن عَرَفة" بالرَّبوة، وكان يَتعاسَر في كتابة الإجازة ولا يَراها. مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وفيها مات صاحب حماة المؤيَّد إسماعيل بن علي ابن الملك المظفَّر الحَمَوي صاحب التواليف، والمُقرئ الخيِّر أحمد بن الفخر عبد الرحمن بن يوسف البَعلبَكّي، والمحدِّث تاج الدين عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي السَّعدي الشافعي عن إحدى وثمانين سنة، و "معجمه" ضخم، والمحدِّث محيي الدين عبد القادر بن محمد المَقْريزي، وقاضي الحنابلة شرف الدين عبد الله بن الحسن ابن الحافظ، والعَدْل نور الدين علي بن إسماعيل بن قُريش المخزومي وله ثمانون سنة، مُكثِر جدًّا، وشيخ الطبِّ بدمشق الأمين سليمان بن داود، وشيخ بلد الخليل برهان الدين إبراهيم بن عمر الجَعبَري، وقاضي دمشق عَلَم الدين محمد بن أبي بكر بن الأَخْنائي، والمحدِّث فخر الدين بن الفَخْر. ٨٢١ - ابن عَسْكَر * شيخ المالكيّة، شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عَسكَر، البغدادي، مدرِّس المستنصِريّة. وُلد في المحرَّم سنة أربع وأربعين وست مئة.

стр. 798

روى عن: أبي ذي الفَقار محمد بن أشرف "مسند الشافعي" بسماعه من ابن الخازن، وسمع من: علي بن محمد الإستِراباذي، وعز الدين الفارُوثي، والعِماد بن الطَّبّال، وسمع في الحِجاز من شيخنا زين الدين بن المنيِّر قصيدةً. أخذ عنه: الشَّرف بن الكازَرُوني، والعَفيف المَطَري، وأبو الخير الدِّهْلي، وولدُه الفقيه شرف الدين أحمد الذي درَّس بعده. وكان صاحب أخلاق وتصوُّف ولُطف، يَشهَد السَّمَاع ويَتواجَد، ولا يُراعى نامُوسًا ولا ملبوسًا، ولا يرعى كيموسًا. سافَرَ ودخل اليمنَ. وله مصنَّفات في المذهب وفي الدعوات، وله "عُمدة الناسك"، وغير ذلك من التواليف، وتخرَّج به الأصحاب وبَعُدَ صِيتُه. توفِّي في شوّال سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ببغداد، ﵀. ٨٢٢ - ابن الشَّحّام * المُفتي، نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن نصر، المَوصِلي الشافعي، ابن الشَّحّام. أكثرَ الأسفارَ واشتَغل ببغداد وتميَّز، ثم سكن مدينةَ سراي مدةً، ثم قَدِمَ علينا في سنة أربع وعشرين وسبع مئة وكلَّمتُه. كان فقيهًا طبيبًا، وليَ مَشْيخة القصر وتدريس الجاروخيّة والظاهرية البَرّانية. مات في ربيع الآخر سنة ثلاثين وسبع مئة، وله ثمان وسبعون سنة.

стр. 799

٨٢٣ - الهدمة * الفقير العابد، الخيِّر، الشيخ إبراهيم بن عبد الله، الكُرْدي المَشرقي. تُحكَى عنه كرامات، فاللهُ أعلم، انقَطَعَ بقرية سيعر (١) بين القدس والخليل، فأصلَحَ لنفسه مكانًا وزرعه وغَرَس شجرًا أثمَرَ، وتأهَّل بعد سنة ثمانين وست مئة وجاءته الأولادُ، وقصَدَ بالزِّيارة، وعُمِّر دهرًا وقارب المئةَ، واشتَهَر اسمه. تُوفِّي في جمادي الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة، ﵀. ٨٢٤ - البارِزِي ** الإمام البارع، قاضي حلب، فخرُ الدين عثمان بن محمد ابن قاضي حَمَاة نجم الدين عبد الرحيم، ابن البارِزِي الحَمَوي، الشافعي. مولده سنة ثمان وستين وست مئة. ولَحِقَ جدَّه وأَخذ عنه وعن عمِّه قاضي القضاة شرف الدين، وكان يحفظ "الحاوي" ويَفهَمه، ويَعرِف "ألفية ابن مالك". نابَ في الحُكْم بحماة ثم وليَ قضاء حِمص، ثم رجع إلى حماة وولي بها الخطابةَ ونيابةَ القضاء، ثم ولي قضاءَ القضاة بحلب، وكان ذا دين وصَرَامة وجَودة سِيرة.

стр. 800

حجَّ غيرَ مرة، وحدَّث بـ "مسند الشافعي" عن ابن النَّصِيبي، وتفقَّه به جماعةٌ. تُوفِّي فجأةً بعد أن توضَّأ وجلس في مجلس حُكْمه ينتظرُ إقامة صلاة العصر، وذلك في صفر سنة ثلاثين وسبع مئة بحلب. ٨٢٥ - ابن الزَّيّات * الإمام القُدْوة، شيخ الأندلس، أبو جعفر أحمد بن حسن بن علي، الكَلَاعي البَلَّشِي، المقرئ الأديب، والد قاضي مدينة بَلَّش. كان من العلماء العاملين، له نظمٌ بديع وفضائل، تَلَا بالسَّبع على أبي جعفر بن الطَّبّاع الرُّعَيني، وروي بالإجازة عن أحمد بن يوسف الهاشمي صاحب أبي الخطّاب ابن واجب. رَحَلَ إليه صاحبُنا الوادياشي وتلا عليه بالسَّبع في سنة ست وعشرين وسيع مئة ببَلَّش، فأجاز له نظمًا في أكثر من مئتي بيت، فقال - ومن خطِّه نقلتُ -: وأَتى فيها بكلِّ مَليح: الحمدُ لله إسرارًا وإعلانا … منزِّل الذِّكرِ تفصيلًا وفُرْقانا له تعالى اسمُه العزُّ القديمُ ولا … يحيطُ فكرٌ بما مِن عِزِّه صانا قام الدليلُ على أنْ ليسَ يُشبِهُهُ … شيءٌ تَدبَّرتُ آثارًا وأعيانا سوَّى الجواهرَ من رُوح ومن … وأبدَعَ الصُّنعَ إحكامًا وإتقانا وكان خطيبَ بلده، ونَظَم في القراءات على وَضْع "الشاطبيّة"، ونظم

стр. 801

قصيدةً في أصول الدين، وكان ذا فُنون ودين وتواضع ومُروءة وباعٍ مديد في النحو. وبَلَّش في قَدْر عَجلُون، وهي حصينة بقرب مالقة. توفِّي ابن الزَّيّات ﵀ بعد الثلاثين وسبع مئة، وله نحو من ثمانين سنة. قال لي ابن عمران السَّبْتي: مولده قبل الخمسين، وتلا على ابن أبي الأحوص، عارضَ "الشاطبيّةَ" بقصيدة سمّاها "لَذّة السمع في القراءات السَّبع"، سَمِعنا منه، وهو خطيب بلده، وله أخلاق كريمة فاقَ فيها أهلَ زمانه ٨٢٦ - الطَّبَري * قاضي مكة ومُفتيها وعالمها الإمام نجم الدين أبو اليُمْن ابن أبي حامد محمد بن محمد ابن الإمام الكبير مُحِب الدين أحمد بن عبد الله، الطَّبَري ثم المكّي، الشافعي. وُلد سنة ثمان وخمسين وست مئة. وسمع من عمِّ جدِّه يعقوب بن أبي بكر الطَّبري "جامعَ أبي عيسى"، وسمع من: جدِّه المحِبّ، والفارُوثي، وله إجازة من الحافظ أبي بكر ابن مُسْدي. أخذ عنه: البِرْزالي، والجَمَال الغانِمي، والوانيّ، وعدّة.

стр. 802

وما خلَّف بمكة مثلَه، كان بارعًا في الفقه. توفِّي في جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبع مئة، ووليَ القضاءَ بعده ابنُه الإمام شهاب الدين أحمد. ٨٢٧ - شافِعٌ * الإمام البارع، شيخ الأدباء، ناصر الدين شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر، الكناني العَسقَلاني ثم المصري، سبط الشيخ عبد الظاهر بن نَشْوان. وُلد سنة تسع وأربعين. وأقرأ العربيةَ مدةً، ثم خَدَم في ديوان الإنشاء زمانًا، وله النَّظمُ والنَّثْر والبلاغة والنّوادر والتعاليق الحَسَنة، ثم أَضرَّ مدةً ولزم المنزل. روى عنه: أبو حيّان، والبِرْزالي، وابن يونس الغانِمي. توفِّي في شعبان سنة ثلاثين وسبع مئة، تغمَّده الله برحمته. ٨٢٨ - الضِّياء ** أقضى القضاة، ضياء الدين أبو الحسن علي بن سليم بن رَبيعة، الأَذرَعي الشافعي. باشَرَ الحُكمَ بحمص وطرابُلُس ونابُلُس وأماكن، وكان جيِّد الفضيلة،

стр. 803

وافر الأدب، عارفًا بالفرائض، حسن النَّوادر، جالستُه بطرابلس. قال لشيخنا البِرْزالي: إنه نَظَمَ "التنبيه" في ستة عشر ألف بيت، وله نظمٌ كثير وسط. نابَ بدمشق نحو شهر للقُونَوِي في آخر أيامه، ثم وليَ عَجلُون مع الرَّملة. وله تخميس "الوترية" في مجلد، وله قصيدة مخلَّعة خمسون بيتًا. وكان حكّامًا ممشّيًا لأموره، أخذ عنه الشيخ تاج الدين وغيره. عاش خمسًا وثمانين سنة، وتوفِّي بالرَّمْلة في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. قلت: سَمِع بقراءتي "صحيح البخاري" بطرابلس، وعلَّقتُ عنه نوادرَ، سمعته يقول: سافر بعضُهم إلى طبرّية وأخذ رغيفًا بحبّة وخُبزها مَزُون، فأكل وانصَطَل من الزّوَان فنام فأجنَبَ، فقام إلى العين السُّخنة فاستحمَّ وقال: إنك البلد السعيد، غداءٌ وسُكْر وحمَّام، الكلُّ بحبَّة. ٨٢٩ - الدَّقّاق (*) الشيخ العالم البارع، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد، الأزْدي المُرّاكِشي النَّحْوي، نزيل القاهرة. أخذ العربيةَ عن اللقلوري والشريف أبي علي، وشارك في علوم، ونَزَعَ إلى الاعتزال وإلى تصوُّف الضّلال، وأقبل على تواليف المُحْيى الطائي وكتب "الفتوحات المكية" و "التنزّلات الموصلية"، وكان يحطُّ على أبي

стр. 804

حيّان وأبو حيان يَرمِيه بالزَّندَقة، ويقول: الدقاق: أبو حيان ظاهريٌّ حتى في النَّحو حمار. وكان له كتب كثيرة، وفيه زهدٌ وانقباض، وفيه شراسة وبَذَاذة وحَرفَشة، لكنَّه يُلازِم الصلاة في جامع الشارع، وكان يَلثَغُ بالرَّاء غينًا كصديقه الرُّكن ابن القُويع، حرّض به الشيخ علاء الدين القُونَوِي أَن يَنزِل بالخانقاه فأَبَى، وما كان عليه ضَوْء مع قوّة ذكائه، وقد وَقَفَ كتبَه، وممَّن كان يعظِّمه ابنُ سيِّد الناس. مات في حدود سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكان من أبناء الثمانين. حدَّثَني بحاله أبو الحسن الحَزْمي. ٨٣٠ - القاضي (*) الإمام، قاضي القُضاة، عز الدين محمد ابن شيخنا قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة، المَقدِسي الحنبلي. مولده في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين. وله إجازةٌ من ابن عبد الدائم سمعتُ منه بها في الكَرَك في سنة ثمانِ وتسعين، وكان قاضيَ الرَّكْب. وسمع من: الشيخ (١)، وأبي بكر الهَرَوي، والفَخْر، وطائفة.

стр. 805

ونابَ عن أبيه، ونَزَل له أبوه عن تدريس الجَوْزية، ثم وليَ القضاءَ بعد ابن مُسلَّم، وكان مُدارِيًا متودِّدًا، ممشِّيًا للأمور، ولم يكن بذاك في الفقهِ، وكان له وِردٌ وتهجُّد، عفا اللهُ عنه، وحجَّ ثلاث مرّات. توفِّي في صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. ٨٣١ - ابن القَلَانِسيّ * وكيل بيت المال، وقاضي العسكر، ومدرِّس الأَمِينيّة والظاهريّة، القاضي جمال الدين، أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله، التَّميمي الدِّمشقي. كان صدرًا نبيلًا، مَلِيح الشَّكل، حسنَ الفضائل. روى عن: ابن البُخاري، وبنت مكِّي. وأَذِنَ لجماعةٍ في الإفتاء، وكان مُنشِئًا مترسِّلًا. عاش نيفًا وستين سنة، توفِّي في ذي القَعْدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. ٨٣٢ - أرغون ** مَلِك الأمراء، سيف الدين أرغون الناصري، الفقيه الحنفي. أنبلُ مماليك السلطان وأميَزُهم، نابَ في المملكة سنواتٍ، وتفقَّه، وسمع "صحيح البخاري" من ابن الشِّحْنة وكَتَبه، واقتنى الكتبَ الكثيرة الثمينة.

стр. 806

وكان فَهِمًا يَقِظًا، فيه تواضع ودين، إلا أنه كان شديد الحرْص. صَرَفَه السلطان من نِيابة المملكة وجعله نائبًا بحلب، فأقام مدةً، وأوصل بهِمَّته نهرَ الساجور إلى البلد. عَرَضَ له ألمٌ عظيم قضى عليه في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله بِضْع وأربعون سنة، وكان تركيًّا فصيحًا مليحَ الشَّكل، دُفن بتُربةٍ اشتُريَت له. ٨٣٣ - وَجِيهيّة * زَيْن الدار بنت المؤدِّب علي بن يحيى بن علي بن سلطان الأنصاري البُوصِيري ثم الإسكندري. معمَّرة مُسنِدة، لها إجازة مؤرَّخة بسنة إحدى وأربعين وست مئة، أجاز لها يوسفُ الساوِيّ، وابنُ وَثِيق المقرئ، ومقرَّب بن عبد الرحمن، والأمير يعقوب الهَذَباني، وعدة، سَمِعَت من أبويها، والنور أحمد بن عبد المحسن الغرَّافي، وأحمد ابن النَّحّاس، وهِبة الله بن زُوَين الأزدي، وغيرهم. وخرَّج لها "مشيخةً كبرى" الفقيهُ المدرِّس تقي الدين محمد بن أحمد ابن أبي بكر بن عَرّام الرَّبَعي الإسكندري. سمع منها: ابنُ رافع، وحسن ابن النابُلُسي، وجمال الدين ابن الغانِمي، وعدّة. وبلغت التسعين، تُوفِّيت في شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة. وممَّن أجاز لها أبو عمرو ابن الحاجب.

стр. 807

٨٣٤ - بَكْتمر * الأمير الكبير، مقدَّم الجيوش، سيف الدين بكتمر الساقي التُّركي. أكبرُ الدولة، ومن يُضرَب بحِشْمته المثل، تقدَّم في دولة مولاه السلطان حتى تفرَّد، وكان قد ظنَّنت في أُذنه أمور، وحجَّ مع السلطان فأسرفَ في التجمُّل، وحجَّ ورجع فمات فجأةً في الطريق في المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين في الكُهولة، ومات قبله بثلاثة أيام فجأةً ولدُه الأمير الكبير أحمد، فتوفِّي الأبُ بعيون القَصَب، وترك من صنوف المال ما لا يُعبَّر عنه، وحُمِلا إلى تُربتهما إلى القَرَافة. فقيل: كان في داره مئة خادم، وكان يَرجِع إلى دين وسُؤدَد، وخِبْرة بالأمور. ٨٣٥ - الحُتَنيّ ** الشيخ العَدْل المُعمَّر، بدر الدين يوسف بن عمر بن الحُسين، الخُتَني ثم المِصري. وُلد في سنة خمس وأربعين. وحضر في الرابعة على ابن رَوَاج، وتفرَّد به. وسمع من: صالح المُدْلِجي، والمُرْسي، والبَكْري، وابن اللّمْط، وتفرَّد بأشياء. وله "مشيخة" بانتقاءِ ابن أَيبَك، روى فيها عن نيِّف وستين نفسًا، وأكثر عنه الطَّلبةُ. تُوفِّي في صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.

стр. 808

وفيها مات قاضي الحنابلة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة سليمان ابن حمزة، ونائب حلب سيف الدين أرغون الناصري الحنفي، والمحدِّث جمال الدين أحمد بن يعقوب ابن الصابُوني، ومُسنِد حلب العزُّ إبراهيم ابن العَجَمي، والمحدِّث مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الشارِعي شابًّا، والعَدْل نجم الدين محمد بن عبد الغني بن محمد الصَّعْبي عن خمس وثمانين سنة، والإمام الرئيس جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد ابن القَلَانسي عن اثنتين وستين سنة، وشيخ الحنفية فخر الدين التُّركُماني. ٨٣٦ - التُّرْكُماني * مفتي الحنفية، فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارِدِيني التُّركُماني، نَزيل مصر. شرح "الجامع الكبير" في مجلَّدات، وألقاه بالمنصورية دروسًا، وكان إمامًا فصيحًا، عَذْب العِبارة، رضيّ الأخلاق. وتفقَّه به ولداه علاءُ الدين وتاجُ الدين، وروى عن الأَبَرْقُوهي. مات في رجب سنة إحدى وثلاثين وله إحدى وسبعون سنة، ﵀. ٨٣٧ - الجَعْبرَي ** العلّامة ذو الفنون، شيخ القرّاء، برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، الرَّبَعي الجَعْبري الشافعي، ابنُ مؤذِّن جَعبَر. وُلد في حدود الأربعين.

стр. 809

وسمع في حياة ابنِ خليل الحافظ "جزءَ ابن عَرَفة" من قاضيهم، وأجاز له ابنُ خليل، وتلا بالسَّبع ببغداد على أبي الحسن الوُجُوهي صاحب الفخر المَوصِلي، وتلا بالعَشْر على المُنتجَب صاحب ابن كدي، وأَسند القراءات بالإجازة عن الشريف أبي البدر الداعي، وقرأ "التعجيز" حفظًا على مؤلِّفه التاج ابن يونس، وسمع من جماعةٍ. ثم قَدِمَ دمشقَ بفضائل فنزل بالسُّمَيساطيّة، وأعاد بالغَزّالية، وباحَثَ وناظرَ، ثم وليَ مشيخةَ بلد الخليل ﵇، فأقام به بِضعًا وأربعين سنةً، وصنَّف التصانيف، واشتَهَر ذِكرُه. قرأتُ عليه "نزهة البَرَرة في العشرة"، وألَّف شرحًا لـ"الشاطبيّة" كبيرًا، وشرحًا لـ"الرَّائية"، ونَظَمَ في الرَّسْم "روضة الطرائف"، واختصر "الأصول" لابن الحاجب، ومقدِّمتيه، وشرحًا لـ"التعجيز"، وتواليف كثيرة نحو المئة مختصَرات. تلا عليه شمسُ الدين المطرِّز، وسيف الدين ابن أيدغدي والشيخ علي الدّيواني، وجماعة لا أعرفهم. وكان ساكنًا وَقُوراً ذكيًّا، له النَّظْم والنَّثْر، وسَعَة العلم. تُوفِّي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وله نيِّف وتسعون سنة. ٨٣٨ - ابن الحافظ * الشيخ الإمام المحدِّث اللُّغوي، المُفتي الصالح الخيِّر، قاضي القضاة،

стр. 810

شرف الدين أبو محمد عبد الله ابن العلّامة شرف الدين حسن ابن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله ابن الحافظ الكبير تقي الدين عبد الغني ابن عبد الواحد بن علي بن سُرور، المَقدِسي ثم الدِّمشقي الصالحي، الحنبلي. وُلد سنة ست وأربعين وست مئة. وسمع حُضورًا في سنة ثمان وأربعين، وحدَّث عن مكِّي بن عَلّان، والغرّافي، والكَفَرْطابي، ومحمد بن سعد، سمع منه "صحيفة همّام"، والعماد ابن عبد الهادي، ومحمد بن عبد الهادي، واليَلْداني، وخطيب مَرْدا، وعلي بن يوسف الصُّوري، وإبراهيم بن خليل، وأبي المظفَّر سِبْط ابن الجوزي، وطائفة. وحدَّث بـ"صحيح مسلم" عن ابن عبد الهادي، وقد طَلَب قليلًا بنفسه، وقرأ على ابن عبد الدائم، والشيخ شمس الدين، وتفقَّه وبَرَع في المذهب، وأفتى ودرَّس. وكان خيِّرًا وَفُورًا ساكنًا، ليِّن الجانب، حسن السَّمْت، ناب في الحُكْم عن أخيه القاضي شهاب الدين، ثم عن ابن مُسلَّم، ثم وليَ القضاءَ بعد القاضي عز الدين المقدسي فما غيَّر زيَّه ولا حَضَرَ المواكب، ولا اتَّخذ بغلةً بل كان يأتي على حمار، وكان مديدَ القامة رقيقًا، دقيق الصوت، مليح الذِّهن، حسن المناظَرة، ولم يكن بالمُتحَذلِق في أموره بل كان سليم الباطن. روى الكثيرَ، وتفرَّد، وكان يَمَلُّ ولا يَحتمِل تطويل المحدِّثين، وكان ديِّنًا صيِّنًا، عديم الشرِّ، زكيَّ النفس.
следующие страницы →