وكان فَهِمًا يَقِظًا، فيه تواضع ودين، إلا أنه كان شديد الحرْص.
صَرَفَه السلطان من نِيابة المملكة وجعله نائبًا بحلب، فأقام مدةً، وأوصل بهِمَّته نهرَ الساجور إلى البلد.
عَرَضَ له ألمٌ عظيم قضى عليه في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله بِضْع وأربعون سنة، وكان تركيًّا فصيحًا مليحَ الشَّكل، دُفن بتُربةٍ اشتُريَت له.
٨٣٣ - وَجِيهيّة *
زَيْن الدار بنت المؤدِّب علي بن يحيى بن علي بن سلطان الأنصاري البُوصِيري ثم الإسكندري.
معمَّرة مُسنِدة، لها إجازة مؤرَّخة بسنة إحدى وأربعين وست مئة، أجاز لها يوسفُ الساوِيّ، وابنُ وَثِيق المقرئ، ومقرَّب بن عبد الرحمن، والأمير يعقوب الهَذَباني، وعدة، سَمِعَت من أبويها، والنور أحمد بن عبد المحسن الغرَّافي، وأحمد ابن النَّحّاس، وهِبة الله بن زُوَين الأزدي، وغيرهم.
وخرَّج لها "مشيخةً كبرى" الفقيهُ المدرِّس تقي الدين محمد بن أحمد ابن أبي بكر بن عَرّام الرَّبَعي الإسكندري.
سمع منها: ابنُ رافع، وحسن ابن النابُلُسي، وجمال الدين ابن الغانِمي، وعدّة.
وبلغت التسعين، تُوفِّيت في شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وممَّن أجاز لها أبو عمرو ابن الحاجب.
стр. 807
٨٣٤ - بَكْتمر *
الأمير الكبير، مقدَّم الجيوش، سيف الدين بكتمر الساقي التُّركي. أكبرُ الدولة، ومن يُضرَب بحِشْمته المثل، تقدَّم في دولة مولاه السلطان حتى تفرَّد، وكان قد ظنَّنت في أُذنه أمور، وحجَّ مع السلطان فأسرفَ في التجمُّل، وحجَّ ورجع فمات فجأةً في الطريق في المحرَّم سنة ثلاث وثلاثين في الكُهولة، ومات قبله بثلاثة أيام فجأةً ولدُه الأمير الكبير أحمد، فتوفِّي الأبُ بعيون القَصَب، وترك من صنوف المال ما لا يُعبَّر عنه، وحُمِلا إلى تُربتهما إلى القَرَافة. فقيل: كان في داره مئة خادم، وكان يَرجِع إلى دين وسُؤدَد، وخِبْرة بالأمور.
٨٣٥ - الحُتَنيّ **
الشيخ العَدْل المُعمَّر، بدر الدين يوسف بن عمر بن الحُسين، الخُتَني ثم المِصري.
وُلد في سنة خمس وأربعين.
وحضر في الرابعة على ابن رَوَاج، وتفرَّد به. وسمع من: صالح المُدْلِجي، والمُرْسي، والبَكْري، وابن اللّمْط، وتفرَّد بأشياء.
وله "مشيخة" بانتقاءِ ابن أَيبَك، روى فيها عن نيِّف وستين نفسًا، وأكثر عنه الطَّلبةُ.
تُوفِّي في صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
стр. 808
وفيها مات قاضي الحنابلة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة سليمان ابن حمزة، ونائب حلب سيف الدين أرغون الناصري الحنفي، والمحدِّث جمال الدين أحمد بن يعقوب ابن الصابُوني، ومُسنِد حلب العزُّ إبراهيم ابن العَجَمي، والمحدِّث مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الشارِعي شابًّا، والعَدْل نجم الدين محمد بن عبد الغني بن محمد الصَّعْبي عن خمس وثمانين سنة، والإمام الرئيس جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد ابن القَلَانسي عن اثنتين وستين سنة، وشيخ الحنفية فخر الدين التُّركُماني.
٨٣٦ - التُّرْكُماني *
مفتي الحنفية، فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارِدِيني التُّركُماني، نَزيل مصر.
شرح "الجامع الكبير" في مجلَّدات، وألقاه بالمنصورية دروسًا، وكان إمامًا فصيحًا، عَذْب العِبارة، رضيّ الأخلاق.
وتفقَّه به ولداه علاءُ الدين وتاجُ الدين، وروى عن الأَبَرْقُوهي.
مات في رجب سنة إحدى وثلاثين وله إحدى وسبعون سنة، ﵀.
٨٣٧ - الجَعْبرَي **
العلّامة ذو الفنون، شيخ القرّاء، برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم، الرَّبَعي الجَعْبري الشافعي، ابنُ مؤذِّن جَعبَر.
وُلد في حدود الأربعين.
стр. 809
وسمع في حياة ابنِ خليل الحافظ "جزءَ ابن عَرَفة" من قاضيهم، وأجاز له ابنُ خليل، وتلا بالسَّبع ببغداد على أبي الحسن الوُجُوهي صاحب الفخر المَوصِلي، وتلا بالعَشْر على المُنتجَب صاحب ابن كدي، وأَسند القراءات بالإجازة عن الشريف أبي البدر الداعي، وقرأ "التعجيز" حفظًا على مؤلِّفه التاج ابن يونس، وسمع من جماعةٍ.
ثم قَدِمَ دمشقَ بفضائل فنزل بالسُّمَيساطيّة، وأعاد بالغَزّالية، وباحَثَ وناظرَ، ثم وليَ مشيخةَ بلد الخليل ﵇، فأقام به بِضعًا وأربعين سنةً، وصنَّف التصانيف، واشتَهَر ذِكرُه.
قرأتُ عليه "نزهة البَرَرة في العشرة"، وألَّف شرحًا لـ"الشاطبيّة" كبيرًا، وشرحًا لـ"الرَّائية"، ونَظَمَ في الرَّسْم "روضة الطرائف"، واختصر "الأصول" لابن الحاجب، ومقدِّمتيه، وشرحًا لـ"التعجيز"، وتواليف كثيرة نحو المئة مختصَرات.
تلا عليه شمسُ الدين المطرِّز، وسيف الدين ابن أيدغدي والشيخ علي الدّيواني، وجماعة لا أعرفهم.
وكان ساكنًا وَقُوراً ذكيًّا، له النَّظْم والنَّثْر، وسَعَة العلم.
تُوفِّي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وله نيِّف وتسعون سنة.
٨٣٨ - ابن الحافظ *
الشيخ الإمام المحدِّث اللُّغوي، المُفتي الصالح الخيِّر، قاضي القضاة،
стр. 810
شرف الدين أبو محمد عبد الله ابن العلّامة شرف الدين حسن ابن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله ابن الحافظ الكبير تقي الدين عبد الغني ابن عبد الواحد بن علي بن سُرور، المَقدِسي ثم الدِّمشقي الصالحي، الحنبلي.
وُلد سنة ست وأربعين وست مئة.
وسمع حُضورًا في سنة ثمان وأربعين، وحدَّث عن مكِّي بن عَلّان، والغرّافي، والكَفَرْطابي، ومحمد بن سعد، سمع منه "صحيفة همّام"، والعماد ابن عبد الهادي، ومحمد بن عبد الهادي، واليَلْداني، وخطيب مَرْدا، وعلي بن يوسف الصُّوري، وإبراهيم بن خليل، وأبي المظفَّر سِبْط ابن الجوزي، وطائفة.
وحدَّث بـ"صحيح مسلم" عن ابن عبد الهادي، وقد طَلَب قليلًا بنفسه، وقرأ على ابن عبد الدائم، والشيخ شمس الدين، وتفقَّه وبَرَع في المذهب، وأفتى ودرَّس.
وكان خيِّرًا وَفُورًا ساكنًا، ليِّن الجانب، حسن السَّمْت، ناب في الحُكْم عن أخيه القاضي شهاب الدين، ثم عن ابن مُسلَّم، ثم وليَ القضاءَ بعد القاضي عز الدين المقدسي فما غيَّر زيَّه ولا حَضَرَ المواكب، ولا اتَّخذ بغلةً بل كان يأتي على حمار، وكان مديدَ القامة رقيقًا، دقيق الصوت، مليح الذِّهن، حسن المناظَرة، ولم يكن بالمُتحَذلِق في أموره بل كان سليم الباطن.
روى الكثيرَ، وتفرَّد، وكان يَمَلُّ ولا يَحتمِل تطويل المحدِّثين، وكان ديِّنًا صيِّنًا، عديم الشرِّ، زكيَّ النفس.
стр. 811
حَكَمَ بالبلد إلى العصر وطَلَع، ففاجأَه الموتُ بَغْتَةً وهو يتوضَّأ للمغرب في مستهلِّ جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فكانت ولايتُه سنة وشهرين.
٨٣٩ - ابن جَمَاعة *
الشيخ الإمام العالم العلّامة المفتي ذو الفنون، قاضي القضاة، بقيّة الأعلام، بدر الدين أبو عبد الله، محمد ابن القُدْوة البَرَكة إبراهيم بن سعد الله بن جَمَاعة بن علي بن جَمَاعة بن حازم بن صخر، الكِنَاني الحَمَوي الشافعي، صاحب التصانيف.
وُلد بحَمَاة سنة تسع وثلاثين وست مئة.
وسمع سنة خمسين من: شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضيِّ ابن البُرهان، والرَّشيد العطّار، وإسماعيل بن عَزُّون، وعدة، وبدمشق من ابن أبي اليُسْر، وابن عبدٍ، وطائفة، وأجاز له عمر ابن البَراذِعي، والرَّشيد ابن مسلمة، وطائفة.
وحدث بـ"الشاطِبيّة" عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبيّ، وحدَّث بالكثير، وتَفرَّد في وقته.
وكان قويَّ المشارَكة في فنون الحديث، عارفًا بالفقه وأصوله، ذكيًّا يَقِظًا، مناظرًا، متفنِّنًا مفسِّرًا، خطيبًا مفوَّهًا، وَرِعًا صَيِّنًا، تامَّ الشَّكل، وافر العقل، حسن الهَدْي، متين الدِّيانة، ذا تعبُّد وأوراد، وحجٍّ واعتمار، وله تصانيفُ سائرة، و"أربعون تُساعيّة".
стр. 812
درَّس وأفتى وأَشغَل، ثم نُقِل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن السَّلْعوس فولَّاه قضاءَ مصر، وارتفع شأنُه، ثم بُعِثَ على قضاءِ الشام، ثم وليَ خطابةَ دمشق، وروى الكثير، ثم طُلِبَ لقضاءِ مصر بعد ابن دَقِيق العيد.
وامتدَّت أيامُه، وحُمِدَت أحكامه، وكَثُرَت أمواله، فتَرَك الأخذَ على القضاء عِفّةً، وكان يَخطُب من إنشائه، ولي مناصِبَ كِبارًا، وكان السلطان لما رجع من الكَرَك ومهَّد الأمور صَرَفَ من القضاء القاضي بدر الدين بالقاضي جمال الدين الزُّرَعي، فاستمرَّ الزُّرَعي نحوَ السنة، ثم رضِي السلطانُ وأعاد ابنَ جماعة إلى المنصب، وامتدَّت أيامُه وشاخ، وثَقُلَ سمعُه، ثم أَضَرَّ فَعَزَل نفسه وأقبل على شأنِه.
وعَلَا إسنادُه وتفرَّد، وصنَّف في علوم الحديث وفي الأحكام وغير ذلك، وكان روضةَ معارف، يَضرِبُ في كل فنٍّ بسَهْم، ويَنطَوي على دين وتألُّه وتصوُّن، وله وَقْعٌ في القلوب وجلالة في الصدور.
وكان والده من كبار الصالحين، تُوفِّي ببيت المَقدِس سنة خمس وسبعين وست مئة، وتوفِّي هو في العشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وله أربع وتسعون سنة وشهر، وكان مليحَ الهيئة، أبيض، مُسمتًا، مستدير اللحية كثَّها، نقيَّ الشَّيبة، دقيق الصوت، جميل البِزّة، يعلوه وَقارٌ وسَكِينة، ﵀، وعاش أبوه ثمانين سنة، ومات جدُّه في العام الذي وُلِدَ فيه أبوه سنة ست وتسعين وخمس مئة بحَمَاة، فتفقَّه والدُه بدمشق على الشيخ فخر الدين ابن عساكر، وحفظ نصف "المهذَّب" ثم أقبل على الحديث، وقرأ "الوسيط" دروسًا، ودرَّس بالبَشيرية
стр. 813
وبالبارِزِيّة، ثم في أواخر أمره تَرَكَهما وأقام بدار الحديث الخَطِيبية.
وكان ذا حظٍّ من صلاة وصيام، وتألُّه وإنابة، وكتب بخطِّه "جامع الأصول" مراتٍ، وهو سماعه من ابن أبي الدَّم بسماعه من المصنِّف، وكان شيخَ البيانيّة بحماة، وله أصحاب ومُرِيدون، وكان حسنَ الموعظة بليغ التذكير، يَحضُر مِيعادَه عدد كثير، وينتفعون به ويَتغالَوْن فيه، ولكلامه أثرٌ عظيم في القلوب، ﵀.
٨٤٠ - ابن مُزَيْز *
الشيخ العالم الفاضل، الرئيس المُعمَّر، رُحْلة الوقت، تاج الدين أبو العباس، أحمد ابن المحدِّث الإمام تقي الدين إدريس بن محمد بن مفرّج ابن مُزَيز، الحَمَوي الشافعي، الكاتب.
وُلد سنة ثلاث وأربعين وست مئة.
وسمَّعه أبوه حُضورًا في سنة ستٍّ من صفية بنت عبد الوهاب القُرشية، وارتَحَل به فسمَّعه من السَّديد مكِّي بن علّان، ومحمد بن عبد الهادي، واليَلْداني، والشَّرف الإربِلِي، والبَكْري، واليُونِيني، وسَمِع ببلده أيضًا من شيخ الشيوخ، وبمصر من أصحاب البُوصِيري، وأجاز له من بغداد إبراهيم ابن الخيِّر، وأعزّ ابن العُلَّيق، ويحيى ابن القُمَيرة، وأخوه أحمد، وعدّة.
وقد قرأَ عليه شيخُنا ابن تَيميَّة وعلى أبيه جزءًا في سنة ثمانين وست مئة، وعاشَ إلى هذا الوقت وحدَّث بأشياء، وتفرَّد ورُحِلَ إليه، وكان ديِّنًا
стр. 814
متصوِّنًا، رئيسًا وَقُورًا، ذُكِرَ مرةً لوزارة حَمَاة.
أخذتُ عنه بدمشق، وقد أجاز مرويَّاته لحفيدي محمد.
توفِّي بحَمَاة في تاسع رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وقد نيَّف على التسعين، ﵀.
٨٤١ - بنت صَصْرَى *
المعمَّرة المُسندِة الجليلة الأَصيلة، أمُّ محمّد أسماء بنت الصَّدر عِماد الدين محمد بن سالم ابن الحافظ أبي المَوَاهب ابنِ صَصْرَى، التَّغْلِبيّة، الدمشقية، زوجةُ ابن عمِّها الصاحب جمال الدين، وأختُ قاضي القضاة نجم الدين.
وُلِدت في سنة ثمان وثلاثين في أواخر العام.
وسَمِعت خمسةَ أجزاء من مكيّ بن علّان، وتفرّدت وحدَّثَت أزيدَ من خمسين سنةً.
وحجَّت مراتٍ، ولها بِرٌّ ومعروف، وكانت تقرأُ في المُصحَف، وربما كَتَبَت في الإجازات، سمع منها الأولادُ والأجداد، وعُمِّرَت دَهرًا.
ماتت في ذي الحِجَّة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وفيها مات أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي المَعَالي الكَلْبي الزَّبَداني صاحب خطيب مَرْدا، ومحدِّث بغداد تقي الدين محمود بن علي الدَّقُوقي عن سبعين سنة، والمحدِّث مجد الدين عبد الحق بن محمد السَّعْدي
стр. 815
بمصر عن أزيدَ من ثمانين سنة، وقاضي القضاة ابن جَمَاعة، والمفتي شهاب الدين أحمد بن يحيى بن جَهْبل مدرِّس (١) البادرائية، والقُدْوة تاج الدين محمود بن عبد الكريم الفارِقي صاحب الشيخ إبراهيم الرَّقّي، وحَبيبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر زوجة ابن التاج، ومُسنِد حماة تاج الدين أحمد بن إدريس بن مُزَيْز، والمحدِّث شمس الدين محمد بن إبراهيم ابن المُهندِس الشُّروطي، وزَيْن العُبّاد الشيخ علي بن الحسن الواسطي ببَدْرٍ مُحرِمًا.
٨٤٢ - المُؤيَّد *
صاحب حَمَاة، الإمام العالم، السلطان المَلِك المؤيَّد، عماد الدين إسماعيل ابن الأفضل علي ابن الملك المُظفَّر ابن المنصور ابن صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهِنشاه بن أيوب بن شادي، الأيُّوبي.
مات بحَمَاة في الكُهولة في المحرَّم سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وتملَّك بعده ولدُه الملك الأفضلُ علي.
ولعماد الدين بصرٌ بالفقه وبالهَيْئة، ويدٌ في النَّظْم والنَّثْر، نَظَمَ "الحاوي" فأجاده، وصنَّف "تقويم البلدان" فهذَّبه، وكان مُحبًّا للفضيلة وأهلِها، له محاسنُ كثيرة، وله "تاريخ" لم أره بعدُ، ثم طالعتُه وعلَّقتُ منه أشياءَ، وعاش ستين سنةً.
стр. 816
٨٤٣ - السَّعْدي *
القاضي المُفتي العالِم، المحدِّث المتقِن المفيد، تاج الدين عبد الغفار ابن محمد بن عبد الكافي بن عِوَض، السَّعْدي المِصري الشافعي.
روى عن: إسماعيل بن عزُّون، والنَّجيب، وابن علّاق، وعِدّة.
وجَمَعَ وصنَّف وعَمِل "المعجم" و"التُّساعيات"، ونسخ الكثير وجوَّد، وخرَّج المسلسَلات، وكان موصوفًا بالإتقان والفقه، وليَ مشيخة الحديث الصاحبيّة بمصر، يكنى أبا العباس.
أخذ عنه ابنُ أَيبَك، وابن رافع، والوانيّ، وابنُه، والسَّرُوجي.
وعاش ثنتين وثمانين سنة، تُوفِّي في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، رحمه الله تعالى.
٨٤٤ - أخوه **
الشيخ الإمام المحدِّث، مجد الدين أبو محمد عبد الحقّ بن محمد.
سَمِعَ الكثيرَ كأَخيه من أصحاب ابن كُلَيب والبُوصِيري، وحدَّث.
ومات سنة ثلاث وثلاثين، وله ثمانون سنة ونيِّف.
٨٤٥ - ابن الإخْنائي ***
الإمام، قاضي القضاة، عَلَمُ الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن
стр. 817
بَدْران السَّعْدي المِصري، الشافعي.
وُلد في رجب سنة أربع وستين.
وحدَّث عن أبي بكر ابن الأنماطي، والأَبَرقُوهي، وابن دَقِيق العيد.
وتفقَّه وشاركَ في الفضائل، وكان من عُدول الخِزانة، ثم نُدِب إلى قضاء الإسكندريّة، ثم نُقِل إلى قضاء الشام بعد القُونَوِي.
وكان عالمًا ذكيًّا، صَيِّنًا نَزِهًا، وافرَ الجلالة، حميد السِّيرة، متوسِّطًا في العِلم، لازَمَ الدِّمياطيَّ مدة، وكان محبًّا للرِّواية سَلَفيَّ الطريقة.
توفِّي في ذي القَعْدة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ودفن بسَفْح قاسيون.
٨٤٦ - صاحب الغَرْب *
السلطان، أبو سعيد عثمان ابن السلطان يعقوب بن عبد الحق، المَرِيني المَغرِبي، صاحب فاس ومَرَّاكُش وغير ذلك.
تملَّك بعد أخيه أبي يعقوب يوسف، وامتدَّت أيامُه واتَّسَعَت ممالكه، فكانت دولته اثنتين وعشرين سنة.
توفِّي في ذي القَعدة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله بضع وستون سنة.
وتملَّك أخوه يوسفُ قبله خمسًا وعشرين سنة، لكن بينهما المَلِكان عامر وسليمان، كما مرَّ في ترجمة أبي يعقوب يوسف.
وكان عثمانُ هذا ذا حِلْم وسُكون، وإهمالٍ للجهاد، بل نَظَرَ في العِلم، ولم تكن أيامه تُحمَد، حصل فيها غلاءٌ وفتن، وخالف عليه ابنُه عمر
стр. 818
وتملَّك بسِجِلْماسة، وجَرَتْ أمور طويلة.
وتملَّك بعد أبي سعيد ولدُه الفقيه العالم السلطان العادل، الفَحْل الضِّرغام أبو الحسن علي، وأمُّه أَمَة نُوبيَّة، فعَظُمَ شأنُه، وهابَتْه الملوك لكمال سُؤدَده، وشدة هَيْبته، وكَثُرت جيوشه، وتَبلُغنا عنه هِمّة عالية في الجهاد ونشر العدل في الجُملة، أبطَلَ مُكُوسًا وخمورًا، وقرَّر أرزاقًا جيدة؛ للفارس عشرةَ مثاقيل في الشهر، ودون ذلك، يقال: عسكره أزيدُ من مئة ألف فارس، فيهم تُرْك وتَتَر نحو أربعة آلاف، وأكثرهم عرب، وزيُّه هو زيٌّ العرب، وهو كَهْل شديد الأُدْمة، تملَّك تِلِمْسان سنة سبع وثلاثين، وممالكُه الأندلس وفاس، ومن البحر الأعظم إلى بَرْقة.
٨٤٧ - صاحب الأندلس *
أبو عبد الله محمد بن [أبي] الوليد ابن الأحمر.
تملَّك بعد والده، وكان لا نظيرَ له في الشجاعة، وله في ذلك حكايات، وكان ذكيًّا يقظًا، جوادًا ممدَّحًا، وافر الهَيْبة.
قُتل في ذي الحِجّة عام ثلاثة وثلاثين وسبع مئة، قام عليه أمراءُ من المَرِينيّة، وشَدَّ عليه طائفةٌ منهم إبراهيم بن عثمان بن أبي العلاء، وكان ليس له معه سيفٌ ولهذا جَسَروا عليه، وكانت دولتُه ثمانية أعوام، وعاش عشرين سنة، وكانت أمُّه أَمَةً روميّة، وملَّكوا أخاه أبا الحجّاج يوسف وله حينئذٍ سبع عشرة سنة تقريبًا، وهو ديِّن عاقل عالِم خيِّر.
وأما فَرْطُ شجاعة محمدٍ وإقدامه على المهالك فأمرٌ عجيب، بحيث
стр. 819
إنه هَجَمَ مدينةً للفِرَنج في أربعين فارسًا، وبَعَثَ إلى ملكهم: أن ابرُزْ، فقد حَصَلتُ في قبضتك؛ فما قَحَمَ عليه، بل أضافه وخَدَمه.
٨٤٨ - المحروق *
وزيرُ الأندلس، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الغَرْناطي.
ذَكَر لي أبو إسحاق النُّميري الكاتب: أن هذا كان شاهدًا، ثم ترقَّى إلى أن صار مُنشِئًا، ثم صار وكيلَ السلطان أبي الجُيوش ابن الأحمر، ثم لولده السلطان أبي الوليد، فلما مات الوزيرُ أبو الحسن بن مسعود مِن الجِراحات التي نالته يومَ مَصرَع أبي الوليد ابن الأحمر، وليَ الوزارةَ هذا، وتَمكَّن من الأمور في دولة محمد بن [أبي] الوليد، وأَخَذَ في إبعاد كبار القُوّاد إلى الحصون، بحيث إنه عَمَدَ إلى قائد الجيوش عثمان بن أبي العلاء فعَمِلَ عليه حتى أخرجه من غَرناطة، فسار ابنُ أبي العلاء في جنده فنَزَل بظاهر المَرِيّة وغَلَبَ على أندرش برغبةٍ من أهلها فيه، وكَثُر عسكرُه، ثم لاطَفَه المحروقُ فتحوَّل إلى رَبَضِ وادي آش، وسَكَنَت النائرةُ، واشتغل المحروقُ بأعباءِ الأمور عمّالًا على الملك.
وهو الذي أعطى رُنْدة والجزيرة الخضراء ومَربَلُّهْ لصاحب المغرب أبي سعيد، فضاقَ منه السلطانُ محمد، فلما كان في أول سنة تسع وعشرين وسبع مئة تَنمَّر منه محمدٌ وهيَّأ له اثنين من الشُّجعان، وهما: غالب ومقاتل، فلما جاء الوزيرُ في أعوانه قالا للأعوان: ميلوا حتى تخرج والدةُ السلطان، فخرجوا، فأغلقا البابَ دونَهم، ثم شَدَّا عليه فقتلاه، ورَدَّ ابنُ
стр. 820
أبي العلاء إلى غَرْناطة وتَمكَّن، وقَهَرَ ضدَّه الأمير يحيى بن راجوا، فسار يحيى إلى وادي آش، ثم مات ابنُ أبي العلاء بعد سنة ثلاثين بقليل وله نيِّفٌ وثمانون سنة.
٨٤٩ - ابن أبي العلاء *
البطل الضِّرْغام، فارس الإسلام، مقدَّم الجيوش، أبو سعيد عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله ابن السلطان عبد الحق بن محيو المَرِينيُّ، قائد جيش غَرْناطة.
وهو الذي أبلى يومَ الكائنة العُظْمى سنة تسع عشرة، ونَصَرَ اللهُ تعالى الإسلام وأبادَ ملوك العدو. وبَلَغَنا أنه شَهِدَ مئتي غزوة وأربعًا وثلاثين غزوةً.
وكان ذا عقل ودِيانة، وشرف وسُؤدَد.
من أبناء الثَّمانين امتدَّت أيامه وأهلَكَ الله تعالى ضدَّه الوزيرَ المحروق، الذي أبعده من الحَضْرة، لأن ولده إبراهيم بن عثمان كان قد شارَكَ يحيى ابن عمر بن راجوا في قِتلة السلطان أبي الوليد.
ثم عاد ابنُ أبي العلاء في سنة تسع وعشرين إلى منصبه وعَظُمَ شأنُه، ثم تُوفِّي سنة ثلاثين وسبع مئة مُرابطًا ﵀.
وبَلَغني عن يوم المَلحَمة العُظمى سنة تسع عشرة وسبع مئة: أنه نَزَلَ إلى الأرض وسجد وتضرَّع إلى مولاه، ثم رَكِبَ وقال لجيشه: احمِلوا، وكانوا دون الألفين، فحَمَلوا على القَلْب وفيه دُونْ بتروا وحولَه بضعة
стр. 821
عشر ملكًا من الفِرَنج، فقُتلوا كلُّهم لم يَفلَت منهم أحد، وداوَمَ القتالَ إلى الليل، فأقلُّ ما قُتِل من العدو ستون ألفًا، وقيل: بل قتل منهم ثمانون ألفًا، ولم يُقتَل من أجناد المسلمين سوى ثلاثة عشرة فارسًا، وغَنِمَ المسلمون غَنيمةً ما سُمِعَ قطُّ بمثلها، وذَلَّت الفرنجُ وطلبوا الصُّلح، وسُلِخَ ملكُهم الأكبر وحُشىَ قطنًا، وعُلِّق على باب غَرناطة، فبَذَلَت فيه الفرنجُ قناطيرَ من الذهب، فأَبى ذلك ابنُ الأحمر، وما النصرُ إلا من عند الله العزيز الحكيم، وقد قدَّمْنا كثيرًا من هذا.
٨٥٠ - قاضي تُونُس *
العلَّامة المُعمَّر، أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن علي بن عبد الرَّفيع، الرَّبَعي المالكي، الحاكمُ بتونس.
وُلِد سنة ست وثلاثين وست مئة.
وألَّف أربعين حديثًا استفدتُ منها، واختصر "التفريع" لابن الجلّاب سمّاه "السهل البديع".
وعُمِّر دهرًا، فذَكَر أنه سمع من محمد بن عبد الجبار الرُّعَيني في سنة خمس وخمسين "كتاب البخاري" عن أبي محمد بن حَوْط الله، عن ابن بَشكُوَال، عن ابن مُغِيث، عن أبي عمر ابن الحذَّاء، عن أبي محمد بن أسد، عن ابن السَّكَن، وذَكَر أنه سمع منه "الموطأ" كلَّه عن ابن حَوْط الله عن أبي عبد الله بن زَرْقُون، وأنه توفِّي سنة اثنتين وستين وست مئة، ثم قال: وسمعتُ "الموطأ" على الإمام أبي القاسم بن محمد الرَّبَعي ابن
стр. 822
المريش عن أبي القاسم الأزدي نازلًا، وسمعتُ "أربعين" السِّلَفي بقراءتي في سنة ثمان وخمسين على الفقيه عثمان بن سفيان التَّميمي عن الحافظ ابن المفضل عنه، وسمعت "مقامات الحَريري" عليه: أخبرنا ابن جُبير عن الخُشوعي عنه، وسمعتُ من أبي محمد ابن بُرْطُلة "الملخَّص" و"شهاب القُضاعي"، وقرأت "البخاريَّ" كلَّه على الزاهد عبد الله بن محمد اللَّخْمي ابن الحجّام، وحدَّثني به عن ابن اللَّتِّي عن أبي الوَقْت، وقرأتُ عليه "مسلم" عن ابن الصَّلَاح عن المؤيَّد، وسمعتُ منه "علوم الحديث"، ومات عام ثمانيةٍ وسبعين وله اثنتان وثمانون سنة، وسمعتُ "التيسير" من ابن الغَمّاز، وقرأتُ عليه "البخاريَّ" عن أبي الرَّبيع بن سالم عن (١) ابن حُبَيش، وسمعتُ منه "مسلم" و"النَّسائي" سوى مجلسٍ، و"السِّيرةَ" عن ابن سالم، وأشياءَ.
قرأتُ وفاة ابن عبد الرَّفيع بخطِّ ابن المَطَري سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وذكر أنه كَتَبَ إليه بالإجازة، وخَلَفَه في العلم والقضاء العلّامةُ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام صاحب شرح "المختصَر" في الفقه المالكي لابن الحاجب، ﵀.
٨٥١ - الزُّرَعيّ *
قاضي القضاة، الإمام المُعمَّر، جمال الدين أبو الرَّبيع، سليمان ابن
стр. 823
خطيب أذْرِعات الفقيه أبي حفص عمر بن سالم الأَذرَعي، الشافعي، شُهِرَ بالزُّرَعي لكونه حَكَمَ بزُرَع مدةً.
وُلد بأذرِعات في سنة خمس وأربعين.
وقَدِمَ دمشقَ وهو أمردُ فتفقَّه وحفظ "التنبيه"، وسمع من: ابن عبد الدائم، والكمال أحمد بن نِعمة، والجَمَال ابن الصَّيرَفي، وجماعة، وخرَّج له عنهم البِرزاليُّ.
ثم وليَ قضاءَ شَيزَر مدةً ثم قضاءَ زُرَع، ثم نابَ بدمشق لابن جَمَاعة سنة خمس وتسعين، ونَظَر الأيتام، ثم انجَفَل واستوطنَ مصر ونابَ أيضًا بها، ثم وليَ قضاءَ الديار المصرية وصُرِفَ ابنُ جماعة لأنه يومَ سلطنةِ بَيبَرس الشاشنكير قال: ما ثَبَتَ عندي أن السلطان عَزَل نفسه، ولقد صدق في ذلك، فارتفع شأنُه بها، ثم صُرِفَ بابن جَمَاعة، وفُوِّض إليه قضاءُ العسكر المنصور وتداريس، وكان الدرسُ يُقرَأ بين يديه من كتابٍ، فيتكلَّم بالفَقِيري، ولكنه ماهرٌ في الأحكام، مَلِيح الشَّكل، موطَّأ الأكناف، ثم وليَ قضاءَ الشام بعد وفاة ابن صَصْرَى، فحَكَمَ سنةً وصُرِف، فبقي على تدريس الأتابكيّة ومَشيَخة الشيوخ، وكان ذا عِفَّة وتُؤَدة وثروة.
ثم تحوَّل في أواخر سنة ست وعشرين وسبع مئة إلى مصر، فأُكرِمَ ووليَ مدارس، حدَّث بدمشق وبالقاهرة.
وكان له ولدٌ رئيسٌ كان موته بقُرب موته، تُوفِّي الزُّرَعي سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وقد قارَبَ التسعين.
قرأتُ عليه "مَشيَخته".
стр. 824
٨٥٢ - ابن قُريش *
العَدْل العالم، المُسنِد، نور الدين أبو الحسن، علي ابن المحدِّث تاج الدين إسماعيل بن إبراهيم بن قُريش، المخزومي المِصري.
مولدُه سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
سمع: الحافظَين المُنذِري والعطّار، وشيخَ الشيوخ الحَمَوي، ومحمد ابن أنجَب النِّعَالي، والكمال، الضرير وابن البُرهان، وابن عبد السلام، وسمع حُضورًا من عبد المحسن بن مُرتفع.
وتفرَّد بأشياءَ، وكان صالحًا خيِّرًا من الشُّهود.
أَخذ عنه: الدِّمْياطي، وابن رافع، والسَّرُوجي، والجماعة.
توفِّي في رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة بحارة الدَّيلَم.
٨٥٣ - حمزة **
التُّركُماني الأمير.
دَخَلَ على ملِك الأمراء بأسمارٍ يُورِدُها، وكان حسن الشَّكل، خبيرًا بالأُمور، جَسُورًا فعَظُم وتمكَّن من النائب، فعَقَرَ الدّويدارَ وحاجبَ العرب ابن مُقلِّد المقتول وكاتبَ السِّر ابنَ الشهاب محمود وقاضي القضاة ابن جُمْلة وغيرَهم، وعَتَا وتمرَّد وظلم، وفَعَلَ كلَّ قبيح، وأنشأَ حمّامًا كبيرًا عند القَنَوات وزَخرَفَه، فكَثُرَت الشَّكاوى منه، فتَنمَّر له النائبُ وسجنِه وعذَّبه، وتمَّ عليه أمرٌ شديد، وأُخذت أمواله، ورُميَ بالبُندُق في جسده حتى
стр. 825
تورَّم، وما رَقَّ له أحد، ونُقِل إلى القلعة ثم حُبِس بحبس باب الصغير، ثم بُعِث به إلى ناحية البِقاع فقُطِع لسانُه من أصله فهَلَكَ.
وله حكاياتٌ في الظُّلم والفَرعَنة.
مات في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة في أوائل الكُهولة.
٨٥٤ - غبريال *
الصاحب الكبير، شمس الدين عبد الله بن الصَّنيعة، المصري والقِبْطي.
كان اسمه قبل أن يُسلِم غبريال، فأسلم هو وأمينُ المُلك الذي وَزَرَ بعده بدمشق، وذلك بالقاهرة سنة إحدى وسبع مئة.
وكان كاتبًا حاسبًا متصرِّفًا ذا هَيْئة، عمل نظرَ الجامع، ثم نُقِل إلى الوزارة وتمكَّن، وشُهِرَ بالأمانة، ثم أَكَل وجَمَع المال، ثم طُلِبَ إلى مصر فغاب مدةً، ثم جاء على منصبه.
وعمل هو والدُّوَيدار عَمْلةً بموافقة ناظر الصاغة، وسَلَكوا الغشَّ فِي الذهب، فحملوا المِثقالَ نحو أربعة قراريط، واستمرَّ هذا البلاءُ سنوات والرعيَّةُ بل والدولةُ في غفلة، إلى أن تُفطِّنَ لذلك وقد امتلأَت الأيدي من الذهب البخشوري المنسوب إلى ابن البَخشُور الصَّيرَفي القابض، فذهب للناس بذلك ما لا يُحصَى، ثم أُخِذ الناظر وابن البخشور وحُبسا، وأُطلق الناظر فبَرطَلَ بمبلغ وتَسحَّب إلى الشرق وبقي ابن البخشور بضع سنين في الحبس وتعثَّر، ودافَعَ عنه غبريال والدُّويدار واندَمَشت الكائنةُ، والله المستعان، فكان الدينار والمصاغُ بعدُ يُبَاع أنقصَ من الخالص بثلاثة
стр. 826
دراهم ونصف، وكان على ذلك الذهب كَشْفة بيِّنة، ثم لم يَلبَث الدُّوَيدار وغبريال أن نُكِبا وضُربا، ووُزِن الدّويدار نحو ألف ألف درهم، وصُودِر غبريال بدمشق ثم بمصر ثم بعد موته، فأُخذ منه نحو ألفي ألف، ولولا اللُّطفُ لسُمِّرا.
وأحبَّ هذا الصاحبُ الإسلام ولقَّنه ابن رُزَيْز مدةً، وبقى يسمع في "البخاري" لياليَ رمضان، وفيه مداراة ورِفْق وخُبْث.
ومات في النَّكبة بمصر في شوّال سنة أربع وثلاثين وسبع مئة في عَشْر الثمانين.
أنشأَ جامعًا عند دير القعاطلة على باب شرقي، وكان له الْتِفات إلى مودَّة النصارى، وبعضُ بناته لم يُسلِمن.
وعند موته عُمِل مَحضَر بأنه خان في بيت المال واشترى أملاكًا ووَقَفَها وليس له ذلك، فشَهِدَ بهذا كمالُ الدين مدرِّس الناصرية وابنُ أخيه عماد الدين ناظرُ الجامع وعلاءُ الدين ابن القَلَانسي مدرِّس الأَمينية وعز الدين ابن المنجَّا وتقي الدين ابن مَرَاجل وآخرون، ونفذ ذلك وثبت، وامتنع عز الدين ابنُ القَلَانسي من الشهادة فأُوذِي وعُزِل من الحِسْبة.
٨٥٥ - الدَّقُوقي *
الإمام العالِم المتقِن، محدِّث بغداد وشيخ المستنصريّة، الشيخ تقي الدين محمود بن علي بن محمود بن مُقبِل، العِراقي الدَّقُوقي، الحنبلي.
стр. 827
وُلد سنة ثلاث وستين وست مئة.
وأسمعه أبوه من المؤرِّخ علي بن أَنجَب، وعبد الصمد بن أبي الجيش، وابن أبي الدِّينة، وطلب هو بنفسه يسيرًا.
وكان يحدِّث الناس على كرسيٍّ ببغداد بحَضْرة خلق عظيم، ويأتي بكل نَفيسة، له النَّظْم والنَّثر والبلاغة ومعرفة النحو واللغة، وكان يَعِظُ في الأعزِيَة، وكان متقِنًا متحرِّيًا لُغويًّا، جَهْوري الصوت، محبوبًا إلى الرعيّة لفضله وعلمه، وليَ مشيخةَ المستنصريّة بعد شيخنا ابن الدَّوَاليبي.
حُمِل نعشُه على الرؤوس، وما خلَّف درهمًا.
سمع منه الدِّهْليُّ (١) "جزءَ الأنصاري" بسماعه من ابن وَرْخز: أخبرنا ابن الأخضر.
توفِّي سنة ثلاث وثلاثين في المحرَّم.
٨٥٦ - ابن المُنيِّر (*)
العلّامة، عزُّ القُضاة، فخر الدين عبد الواحد بن منصور بن محمد بن المُنيِّر، الجُذَامي، الإسكندراني، صاحب "التفسير".
سمع من: السِّراج ابن فارس، وتفقَّه بعمِّه ناصر الدين.
وله النَّظم والنَّثر، عمل أُرجوزةً في السَّبْع.
تُوفِّي في جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وله اثنتان
стр. 828
وثمانون سنة.
٨٥٧ - ابن أبي التائب *
الشيخ المُسنِد المُعمَّر، الشاهد، بدر الدين أبو محمد، عبد الله ابن النَّجم حُسين بن أبي التائب بن أبي العَيش، الأنصاري الدمشقي، أحد الضُّعفاء.
وُلد سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وست مئة.
وسمع مع أخيه إسماعيل كثيرًا من: مكِّي بن علّان، والرَّشيد العِراقي، وابن النُّور البَلْخي، وعثمان ابن خطيب القَرَافة، وإبراهيم بن خليل، وعبد الله ابن الخُشوعي.
فأمّا المَجْد إسماعيل (١) فكان له هِمّة وتحصيل وأثبات، وخَدَم كاتبًا، وكان أسنَّهما، مولدُه في سنة اثنتين وأربعين وست مئة.
طَلَبَ بنفسه وكتب الطِّباق، وقرأ عربيّةً على ابن مالك، ثم بَطَّل من الكتابة وجلس يَشهَد، وضَعُفَ وجَفَاه الأولاد، سَمِعْنا منه.
مات في جمادى الأول سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ثم اشتَهَر أخوه البدرُ، وروى الكثيرَ وتفرَّد وعُمِّرَ دهرًا.
سمع من ابن علّان "نسخة أبي مُسهِر" والأول من "بُغية المستفيد" و"جزء ابن ملَّاس"، ومن العراقي الأول من "أمالي الدَّيرعاقُولي" و"شرط
стр. 829
القراءة" للسِّلفي و"جزء حَنبَل" و"جزئي العِيسَوي" و"مجالس ابن البَختَري" وأشياء، ومن ابن خطيب القَرَافة "جزء ابن رِزقَوَيه" و"جزء الذُّهلي" و"جزء سفيان بن عُيَينة"، ومن ابن الخُشوعي "نسخة نَبِيط"، ومن البَلْخي "جزء الصَّفّار" و"جزء الجمّال"، ومن ابن خليل "معجم الطَّبَراني الصغير"، ومن علي ابن النُّشْبي "أربعين" البهاء ابن عَسَاكر المخرَّجة على "أربَعي السِّلَفي"، ومن ابن عبد الدائم "صحيح مسلم".
وكان لا يَصدُق في مولده في آخر عمره ويَزعُم أنه تجاوز المئةَ، وألحَقَ مرةً بخطِّه الوحش اسمَه مع أخيه فيما لم يسمعه، فما رَوَى من ذلك كلمة، وشَرَعَ يَطلُب على الرواية، وتهاونتُ به وفات الأمرُ وسمعتُ منه قديمًا.
توفِّي في صفر سنة خمس وثلاثين كهلًا.
وفيها مات المفتي بدر الدين محمد بن يحيى ابن الفُوَيرِه الحنفي كهلًا وابنُه شابًّا أمردَ قد حفظ "النافع"، والمحدِّث أمين الدين محمد ابن رئيس المؤذِّنين البُرهان إبراهيم بن محمد الوانيّ كهلًا بعد أبيه بأيام، والزاهد فضل ابن قِنديل الحنبلي العابر والتقي محمد ابن خطيب الزَّنجِيلِية جلالِ الدين محمد البُخاري الحنفي، والمحدِّث المسنِد العالم شمس الدين محمد بن أبي بكر بن طرخان الصالحي، وصاحب التجويد بهاء الدين محمود ابن خطيب بَعلبَكّ محيي الدين السُّلمي.
٨٥٨ - القُطْب عبد الكريم *
الشيخ الإمام العالم، الحافظ الناقد الصادق، مُفِيد الديار المِصريةِ،
стр. 830
قُطب الدين أبو علي عبد الكريم بن عبد النُّور بن مُنِير، الحلبي ثم المِصري، الحَنَفي، صاحب التصانيف.
مولدُه في رجب سنة أربع وستين وست مئة.
وحفظ كتابَ الله تعالى، وتلا بالسَّبع على أبي الطاهر إسماعيل ابن المَلِيجي صاحب أبي الجُود، وتلا على خاله الزاهد نصر المَنبِجي وانتفع بصُحْبته.
وسمع من: العزِّ الحرَّاني، وغازي، وابن خطيب المِزّة، والقاضي شمس الدين ابن العِماد، وطبقتهم ومَن بَعدَهم بمصر، وابن الفُرات وابن طَرخان، وابن فارس بالثَّغْر، والفَخْر علي، وزينب بنت مكِّي، وابن شَيْبان، وطبقتهم بدمشق، وبالحَرَمين من طائفة.
وكتب العاليَ والنازلَ، وجَمَع وخرَّج، وألَّف تواليف مفيدة منها شرح شَطْر "صحيح البخاري" و"تاريخ مصر" في عدّة مجلَّدات بَيَّض أوائله، وغير ذلك.
وقد حجَّ مراتٍ، وروى الكثير لكنه قليلٌ في سَعَة ما سمع.
علَّق عني في "تاريخه"، وسمعتُ منه بمِنى، وكنتُ أحبُّه في الله تعالى لسَمْته وتواضعه ودِينه، وحُسْن سِيرته وكَثْرة محاسنه، ومداومته على المطالَعة والإفادة، وكان متودِّدًا كيِّسًا محبَّبًا إلى الطَّلبة، غزيرَ المعرفة، متقنًا لما يَنقُله، ولعلَّ شيوخه يبلغون ألفًا، خرَّج لنفسه "أربعين تُساعيّات".
أخذ عنه المحدِّثون: الوانيُّ، وابن السُّبْكي، وابن جَمَاعة، وابن أَيبَك، وابن رافع، وعمر ابن العَجَمي، وعلاء الدين مُغَلطيه، وابن السَّرُوجي،
стр. 831
وعدد كثير.
وانتقل إلى الله حميدًا فقيرًا في سَلْخ رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ودُفِن من الغد، وصلَّينا عليه صلاة الغائب بجامع دمشق، ﵀.
٨٥٩ - الواسطي *
الإمام القُدْوة الرَّبّاني، الزاهد العابد عَلَم الأولياء، الشيخ أبو الحسن علي بن الحسن بن أحمد، الواسطي الشافعي.
قال لي: كنتُ أيام هولاكو رضيعًا. صَحِبَ الشيخ عز الدين الفارُوثي، وسمع من أَمين الدين ابن عَسَاكر وغيره، وقرأ القرآن والفقه، وأكثرَ من مطالعة العِلْم، وحجَّ وهو شابٌّ ولازم الحجَّ ستين عامًا، وجاوَرَ في بعض ذلك.
وكان كبيرَ الشأن، منقطع القَرين، مُنجمِعًا عن الناس، ذا حظٍّ من تهجُّد وتلاوة وصيام، وله كَشْف وحال، وهو كلمةُ وِفَاق.
تُوفِّي مُحرِمًا ببَدْر في ذي القَعْدة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وكان لا يَقبَل من كل أحدٍ، حدَّثني: أنه جاوَرَ في عام أولَ بمكة خمسة أشهر، فكان يتلو في كل ليلة ختمةً كاملة طائفًا بالبيت، فيَختِم وقتَ الصبح.
وله محبُّون يَتغالَوْن في تعظيمه، ﵁، وكان على عقيدة السَّلَف، يسكت ولا يرى التأويل.
стр. 832
٨٦٠ - الحارِثيّ *
العلّامة، شيخ الحنابلة، شمس الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة سعد الدين مسعود بن أحمد، الحارِثيّ ثم المِصري، الحنبلي.
وُلد في صفر سنة إحدى وسبعين.
وسمع من: العزِّ الحَرَّاني، وغازي، وبدمشق من الفَخْر علي، وجماعة.
وبَرَعَ في المذهب، وأخذ النحو عن النَّحّاس، والأصول عن ابن دَقِيق العيد، ودرَّس وأفتى وناظرَ، وتَصدَّر للإفادة مع الدِّين والصِّيانة، والوقار والسَّمْت الصالح، والقوة في الصِّدق، وكان معه مدارسُ كِبار، وحجَّ غير مرة.
توفِّي بالقاهرة في ذي الحِجّة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ﵀.
٨٦١ - ابن حمَّاد **
مفتي حَمَاة وخطيبُها بالجامع الكبير، جمال الدين يوسف بن محمد ابن مُظفَّر بن حمَّاد، الحَمَوي الشافعي.
تُوفِّي في ذي الحِجّة سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة.
وحدَّث بـ"جزء الأنصاري" عن مؤمَّل البالِسي، والمِقداد القَيْسي.
وكان على قَدَم مَتين من العلم والعمل والتعبُّد ونَشْر العلم، لقد تأسَّفوا لفَقْده، ﵀.
стр. 833
٨٦٢ - ابن جَهْبَل *
العلّامة مفتى المسلمين، شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن يحيى ابن الشيخ الإمام تاج الدين إسماعيل بن طاهر بن نَصْر الله بن جَهبَل، الحلبي ثم الدِّمشقي، الشافعي.
مولده في أول سنة سبعين.
وسمع من: الفَخْر علي، وابن الزَّيْن، والفارُوثي، واشتَغَل على ابن المَقدِسي، وابن الوكيل، وابن النَّقيب.
ووليَ تدريس الصَّلَاحيّة ببيت المقدس مدةً، وأفتى واشتَغَل، ثم تركها وسكن دمشقَ، وحجَّ غيرَ مرة، ثم وليَ مشيخة الظاهريّة، ثم نُقِلَ إلى تدريس البادَرائية.
وله محاسنُ وفضائل وبَسْطة في الفروع، وفيه خير وتعبُّد.
تُوفِّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وشيَّعه الخلق، والله تعالى يرحمه.
٨٦٣ - ابن المُهندِس **
الشيخ، الإمام المحدِّث، المُفيد العَدْل، شمس الدين محمد بن إبراهيم ابن غَنائم، الصالحي، الحنفي الشُّروطي.
سمع من: ابن أبي عمر، وابن شَيبان، والفَخْر، وطبقتهم.
стр. 834
وكتب العاليَ والنازل، ورَحَلَ إلى مصر بابنِه، ونسخ الكثيرَ وحصَّل الأصول، وخرَّج وأفادَ مع التصوُّن والتواضع، وطيب الخُلُق، وصِحَّة النقل، كَتَبْنا عنه.
تُوفِّي في شوّال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وله ثمان وستون سنة.
وخلَّف أولادًا ومِلكًا، وكان يهزُّ رأسه دائمًا، وأوصى بوَقْف أجزائه.
٨٦٤ - المَقْرِيزي *
الفقيه، المحدِّث العالم، محيي الدين عبد القادر بن محمد بن تَميم، المَقرِيزي البعلَبَكيّ، الحنبلي.
اشتَغَل وتفقَّه، وسمع ببلده من زينب بنت كِنْدي، وبدمشق من ابن عساكر، وابن القوَّاس وبمصر من البهاء ابن القيِّم، وسِبْطِ زيادة، وبحلب والحَرَمين.
ونسخ كثيرًا وحصَّل، وصار شيخَ [دار] الحديث للبهاء ابن عساكر.
توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة عن خمس وخمسين سنة أو نحوها.
٨٦٥ - ابن الفَخْر **
الفقيه المحدِّث المفيد فخر الدين، عَيْن الطَّلَبة، أبو محمد عبد الرحمن
стр. 835
ابن محمد ابن الشيخ فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف، البَعلَبكِّي ثم الدمشقي، الحنبلي، قارئ الكَرَاسيِّ.
وُلد سنة خمس وثمانين وست مئة.
وسَمِعَ من: الفَخْر في الخامسة، ومن ابن الواسطي، وابن القوَّاس.
ثم طَلَب بنفسه سنة خمس وسبع مئة، ورَحَلَ وتَعِب، وكتب وخرج وتميَّز، ودرَّس الفقه وغيرَ ذلك، وحجَّ مرات، وكان فيه دين وخير ونفعٌ للعامَّة.
مات في ذي القَعْدة سنة اثنتين وثلاثين. سمعتُ منه.
٨٦٦ - الوانِيُّ *
الفقيه المحدِّث المفيد، الرَّحّال، شرف المحدّثين، أَمين الدين محمد ابن إبراهيم بن محمد بن أحمد الوانيُّ ثم الدمشقي، الحنفي، رئيس المؤذِّنين، وابنُ الشيخ برهان الدين رئيس المؤذِّنين.
كَتَب وتَعِب وحصَّل الأصول، وانتقيتُ له جزءًا.
حدَّث بمصر ومكة ودمشق عن: أبي الفضل ابن عَسَاكر، والتقي ابن مُؤْمن، وجماعة.
توفِّي في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بعد أبيه بشهر، ودُفِن إلى جانبه، وعاش إحدى وخمسين سنةً، وكان من أَنبَه الطلبة وأجوَدهم نقلًا، ﵀، وهو والدُ الفقيه شرف الدين صاحبِنا.
стр. 836
٨٦٧ - ابن سيِّد الناس *
هو الحافظ الأوحد الأبرع، ذو الفُنون والذِّهن الوقَّاد، فتح الدين أبو الفتح، محمد ابن المحدِّث الإمام النَّحْوي اللُّغَوي أبي عمرو محمد ابن الحافظ الخطيب العلّامة أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن سيِّد الناس بن أبي الوليد بن منذر بن عبد الجبّار بن سليمان بن عبد العزيز بن حَرْب بن محمد بن حسّان بن سعيد بن عبد الرحيم بن خالد بن يَعمَر بن مالك بن بُهْثة (١) بن حَرْب بن وهب بن جُلَيِّ بن أَحمَس ابن ضُبَيعة بن رَبيعة بن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان.
قال أبو الفتح: رأيت من هذا النَّسب بخطّ جدِّي أبي بكر من أوله إلى حرب، وباقيه أخذتُه من كتاب "الاستيعاب" لابن حزم في أسماء القبائل الداخلين إلى الأندلس.
قلت: نقلتُه من خطِّ أبي الفتح في أجوبة لأبي العباس الحُسَامي الحافظ.
ثم قال: أخبرني والدي أبو عمرو، وعدَّهنّ في يدي، قال: أخبرنا والدي أبو بكر، وعدَّهنّ في يدي، قال أخبرنا والدي أحمد، وعدَّهنّ في يدي، قال: أخبرنا أبو محمد ابن حَوْط الله، وعدَّهنّ في يدي، قال: أخبرنا ابن بَشكُوال، وعدَّهنّ في يدي، قال: أخبرنا ابن العَرَبي، وعدَّهنّ في يدي، قال: أخبرنا المُبارَكَ الصَّيرَفي - قلت: فذكر حديثًا في الصلاة على النبي ﷺ
стр. 837
موضوعًا (١) - قال جدِّي: وأخبرنا أَبي أحمدُ بنُ عبد الله بلا تَسلسُل، حدثنا أبو القاسم ابن بَشكُوال عاليًا.
وُلد أبو الفتح في سنة إحدى وسبعين.
وأجاز له النَّجيب الحرّاني، وكنَّاه هو إذ ذاك. وسمع من: أبيه، والإمام شمس الدين محمد ابن العِماد، والعزّ الحرّاني، وابن الأنماطي، وغازي الحَلَاوي، وابن خطيب المِزّة، ونجم الدين ابن حَمْدان، والشِّهاب الأَبَرقُوهي، وقُطب الدين ابن القَسطلَّاني.
وارتَحَل فقَدِمَ دمشق بعد موت ابن البُخاري بليلةٍ فتألَّم، وسمع من: محمد بن مُؤمن، ويوسف ابن المُجاوِر، وأبي إسحاق ابن الواسطي، والموجودين.
وسمع بالثَّغْر والحَرَمين، وكتب العاليَ والنازل، وبَرَع في فنِّ الحديث متنًا ورجالًا، ومَهَرَ في معرفة الأيام النبوية، وكتب المنسوب.
وتقدَّم في الأدب والبلاغة، وأجاد في النَّظْم والنَّثر، وتفقَّه وجوَّد
стр. 838
العربية، واقتنى الكتب النَّفيسة، وجمع وألَّف، وبَهَرَت معارفُه، وطار صِيتُه.
وشرح كثيرًا من "الترمذي"، ولو كَمُلَ ذلك كان من أنفس الأمَّهات، وعمل "سيرةً نبوية" في سِفرَين، ونَظَمَ كثيرًا من المدائح النبوية.
وكان لا تُمَلُّ مجالستُه لكثرة فوائده، وحُسْن نوادره، وكثرة اطِّلاعه، وصحّة ذِهنه، ولو أَكبَّ على العلم كما ينبغي لشُدَّت إليه الرِّحال.
درَّس وخطب بظاهر القاهرة زمانًا، ووليَ مشيخة الظاهرية بعد ابن الدِّمياطي، وكان بسّامًا كيِّسًا مُعاشِرًا لا يَحمِل همًّا، والله تعالى يغفر لنا وله المِسكينُ.
أَخذ عنه جماعة، وسمعتُ بقراءته وجالستُه مرات وحفظتُ عنه، وأجاز لي.
وممّا قرأتُ بخطِّه، قال: لا يلزمُ من الحُكم بصحَّة سنده؛ يعني خبر عائشة ﵂: صمتُ وأفطرتَ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: "أحسنتِ" (١)، قال: لا يلزمُ بصِحَّة سنده وثِقَة رواته، الحكمُ بصحَّته في نفسه، لما قد يَعرِضُ للمتن من الشُّذوذ والنَّكارة ومخالفة الأصول الصحيحة، فكلُّ محكوم بصحَّته تتوقَّفُ صحتُه على صحّة سنده، ولا ينعكس.
قال: وأمّا السؤال عمّا في "الصحيحين": هل هو مقطوعٌ به، أو يفيد الظنَّ؟ فمن المعلوم أن أخبار الآحاد لا تفيدُ إلا الظنَّ، وأن التَّواتُر هو
стр. 839
الذي يفيد القَطْع في باب الأخبار، وليست الأخبارُ المسؤول عنها متواترة، وإنما هي آحادٌ، إلا أنَّ قومًا رجَّحوا العملَ بالمستفيض منها على ما ليس بمستفيضٍ، بناءً على تفاوت مراتب الظنِّ، لكن العمل به قَطعيٌّ، وإن كان الظنُّ واقعًا في طريقه، وقولُ ابن الصَّلاح: إن ما روياه أو أحدهما، فمقطوعٌ بصحَّته، والعِلمُ اليَقيني القَطْعي حاصلٌ فيه، قولٌ خالفه فيه المحقِّقون فقالوا: لا يفيد إلا الظنَّ ما لم يتواتر.
قلت: نفيُ التواتر ما هو؟ وما حدُّه؟ فالتواترُ: ما حصَّل العلم، فرُبَّ إخبارِ واحدٍ يُحصِّل لك علمًا لا يندفعُ أبدًا، ورُبَّ خبرِ جماعةٍ لا يفيدُكِ غيرَ الظنِّ، ولا يلزمُ من خبر ذلك الواحد الذي جَزَمتَ به أن يفيدَ العلمَ لغيرك، والناسُ في سماع الأخبار متفاوتون تفاوتًا كثيرًا، وكلٌّ منهم معذورٌ، والله أعلم.
كنتُ قد ذكرتُ لفتح الدين ترجمةً مع جدِّه (١).
ومات فجأةً في حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودُفِن بالقَرَافة، وشيَّعه الخلقُ، وكان عَديمَ النَّظير في مجموعه، رأسًا في الأدب، ﵀.
وفيها مات قاضي القدس وخطيبه عماد الدين عمر بن عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم الزُّهْري الشافعي، وقاضي القضاة جمال الدين سليمان ابن عمر الأَذرَعي الشافعي عُرِف بالزُّرَعي عن تسع وثمانين سنة، والمفتي زَين الدين عبد الرحمن بن عبيدان ببعلبكَّ، وقاضي حَمَاة نجم الدين عمر
стр. 840
ابن محمد ابن الصاحب ابنِ العَدِيم الحنفي عن خمس وأربعين سنة، وعيسى بن عمر المحدِّث المؤذِّن، والإمام سِراج الدين ابن كُوَيك بأرض التَّكرُور كهلًا، وقاضي تونس أبو إسحاق ابن عبد الرَّفيع.
٨٦٨ - ابن المُرتَضَى *
العلّامة، ناصر الدين عبد المطَّلِب ابن المُرتضَى، الشريف الحُسَيني الحَريري، النَّحْوي الشافعي، مدرِّس النُّوريّة بالمَوصِل.
قرأَ فُنونًا، وسمع "ألفيّة ابن مُعْط" من القاضي تقي الدين يوسف بن نظير الحَريري بسماعه من مؤلِّفها، وأقرأ في "الحاوي" وغيره، وعمل شرحًا فائقًا لـ "الألفية" في مجلّد ضخم، وتخرَّج به فضلاءُ بالموصل.
روى عنه صاحبُنا أحمد بن يوسف الآمدي "الألفيةَ"، وأثنى على فضائله، وقال: تُوفِّي في المحرَّم سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقارب الثمانين، ﵀.
٨٦٩ - مُهنّا **
مَلِك العَرَب، الأمير الصالح المعمَّر، حُسام الدين مهنَّا ابن الأمير عيسى ابن الأمير مهنَّا بن الأمير الكبير مانع بن حديثة ابن الأمير فضل بن رَبيعة، الطائيّ الشامي التَّدمُري.
وكان أميرَ عرب الشام في دولة طُغتكين صاحب دمشق هو الأمير مُرِّي بن ربيعة أخو فضل، فسار إليه الأمير دُبَيس الأَسَدي صاحب الحِلّة
стр. 841
يستنجد به.
توفِّي مهنَّا بقرب سَلَمْية وأقاموا عليه المآتم ولبسوا السوادَ أيامًا، وعاش نيِّفًا وثمانين سنة.
وكان وَقُورًا ديِّنًا حليمًا، ذا مُروءة وسُؤدَد، تذمَّم به الأمراءُ قَراسُنقُر والأفرم والزّردكاش، فأجارهم وأضافهم، وذهبوا من عنده إلى بلاد التتار، فغضب منه السلطان وعَزَلَه، وأمَّر أخاه محمدًا وحرّض السلطان على أخذه فما تهيَّأَ ولا أسلَمَه بنوه وهم عِدَّة: موسى الأمير وسليمان وأحمد وحيار وفيّاض وقارا وشعيبة وآخرون.
ثم في أواخر عمره تجسَّر وسار إلى مصرَ فأكرم السلطانُ مورِدَه وأنزله عنده واحترمه، ورجع إلى البَرِّية.
وكان وَقُورًا متواضعًا لا يحتفل بمَلبَس.
مات في ذي القَعْدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
وتَملَّك بعده ولدُه موسى، وكان إمرةُ العرب إلى والده عيسى الذي توفي سنة نيِّف وثمانين، ومن قبل عيسى كانت إلى أبيه مهنَّا بن مانع، ويُعرَفون بآل فَضْل، وهم عددٌ كثير، ولا يَنتَمون إلى طيِّئ ويقولون: إنهم من ذرّية جعفر بن يحيى البَرمَكي، ويذكرون في ذلك حكايةً الله أعلمُ بصحّتها.
٨٧٠ - القرامزي *
الشيخ الكبير، المُقرئ الصالح، عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد
стр. 842
ابن سلطان، الدِّمشقي الحنبلي، المعروف بالقرامزي.
شيخ مشهور كثيرُ العبادة، يتردَّد إليه الكِبار، عُمِّر وأسنَّ، وطلب العلمَ. وسمع من: المَجْد ابن عساكر، وابن أبي اليُسْر، وابن النُّشْبي، والجَمَال البُغيدادي، وتلا بالسَّبْع على الشيخ حسن الصِّقِلّي.
وحدَّث بدمشق وبمصر لمّا سَعَى في مرتَّب، فقُرِّرَ له مبلغ كبير. توفِّي ببستانه بجَوْبَر وصُلِّي عليه عند جامع جرّاح، ودُفن بتُرْبة له ببابِ الصغير في أول يوم من سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وله ثمان وثمانون سنة، وكان ممتَّعًا بحواسِّه، قليل الشَّيب، لا يقومُ لأحد.
٨٧١ - البَرِزْبيّ *
الإمام ذو الفنون، شمس الدين أبو عبد الله، محمد ابن الإمام أبي الفضل محمد بن محمود بن قاسم، العِراقي الحنبلي، مدرِّس المستنصريَّة بعد الزَّرِيراني.
وُلد في شوّال سنة إحدى وثمانين.
شيخٌ علّامة ذكيّ، قوي المشارَكة، بصيرٌ بالمذهب والعربيّة، رأسٌ في الطبِّ، سافر إلى الهند ورجع وصنَّف في الطبِّ ما يستعملُه الإنسانُ، وله نَظْم جيّد، وكان ذا سَطْوة وشَهامة.
وقد سمع من: ابن أبي القاسم، والعِماد ابن الطَّبّال. وكَتَب في الإجازات وسادَ وتقدَّم.
стр. 843
توفِّي في شوّال سنة أربع وثلاثين، ودُفن بجنب والده بمقبرة الإمام أحمد، رحمة الله عليهم.
٨٧٢ - القِبَابي *
الفقيه الإمام، القُدْوة الربَّاني، بَرَكة المسلمين، نجم الدين عبد الرحمن ابن حَسَن، اللَّخْمي، المِصري القِبابي.
والقِباب: قريةٌ من ناحية دِمياط.
تفقَّه لأحمد، وكان زكيَّ النفس ثَخِين الوَرَع، ذا حظٍّ من صِدق وعَزْمِ، وتألُّه وقُنوع، حدَّث بشئ يسير عن عيسى المُطعِّم.
وتحوَّل من مصر بأهله وتَرَك المدارس، ثم انزَوَى بحِمص، ثم فتح له فاخوريّا أيامًا، فكان يُنبِّه المشتري على عيوب الشَّرْبة، ثم تحوَّل إلى حَمَاة فعَرَف به ملكُها فأَقبل عليه، واشتَهَر أمرُه وقُصِد بالزِّيارة.
مولده سنة ثمان وستين وست مئة، وتُوفي في رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وحُمِلَ على الرُّؤوس، وتأسَّف الخلقُ عليه، وقبره بحَمَاة يُزار، رحمه الله تعالى.
وكان قد فتح له في القِماش الخليع بحماة، فجاءه إنسان يَسُوم فُوطةً، فقال: مُشتَراها ست وثلاثون، فقال له: ولك درهم، ثم سأله: أرخيصة هي؟ قال: لا، بل قيمتها ثلاثون درهمًا، فتركها وذهب.
стр. 844
وخلَّف ولدَه الإمام التقي زين الدين عمر.
٨٧٣ - البَندَنِيجيّ *
الشيخ المُعمَّر المُسنِد، أبو الحسن علي بن محمد بن ممدود بن جامع، البَندَنِيجي ثم البغدادي الصوفي من أهل الخانقاه السُّمَيساطية.
سمعنا منه، حدَّث غير مرة بـ"صحيح مسلم" عن أحمد بن عمر الباذَبِيني، وبـ"جامع أبي عيسى" عن ابن الهَنِيّ، وقد كتبوا له سماعًا في سنة تسع وأربعين وست مئة، وأجاز له جماعةٌ منهم عبد الخالق النِّشَتبْري.
وكان يتعاسر على الطَّلبة ويَطلُب على الرواية.
تُوفِّي في سابع المحرَّم سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وله ثلاث وتسعون سنة.
سألته: كيف نجوتَ من أَسْر التتار؟ قال: كنت مريضًا فتركوني، وكنت ابنَ اثنتي عشرة سنة.
بقي مدةً بوّابَ دار الوكالة ببغداد، ثم كَبِرَ وتحوَّل إلى الشام.
وقد سمع "مسندَ ابن راهَوَيهِ" من العزِّ أحمد بن يوسف ابن الأَكَاف بإجازته من أبي الخَيْر الطَّالْقاني، وقيل: سمع من ابن الخيِّر أيضًا ومن أبي محمد بن عبد الله بن علي بن ثابت النَّعّال، وكان أبوه المُحِبُّ عَدْلًا محدِّثًا، كان شيخًا تامَّ الشكل، أبيضَ اللحية، كان له أثباتٌ عُدِمت.
стр. 845
٨٧٤ - الصَّرخَدي *
المُسنِد المعمَّر، شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم، الهَكَّاري الصَّرخَدي ثم الصالحي، القوَّاس.
سمع من: خطيب مَرْدا وغيره.
وكان خيِّرًا ديِّنًا، عاش تسعين سنة.
تُوفِّي في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
٨٧٥ - أبو سعيد **
ملك التَّتار، صاحب العراق وخُراسان وأذْرَبيجان والرُّوم والجزيرة، أبو سعيد ابن القان خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو المَغُلي.
توفِّي بأذربيجان بالأردو في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وله نَيِّفِ وثلاثون سنة، وكانت دولته عشرين سنة، وكان أنشأَ له تُربةً بالسُّلطانية فنُقِل إليها.
وكان مُسلِمًا، قليل الشرِّ وادعًا، يكره الظُّلم ويُؤْثر العدل، وينقاد للشَّرع، وكان يكتب خطًّا قويًّا منسوبًا.
تمكَّن وقتل جماعةً، وكان يُجِيد ضربَ العُود، أبطَلَ بواسطة وزيره محمد ابن الرَّشيد مُكُوسًا كثيرة وفواحش وخمورًا، وهَدَمَ كنائسَ بغداد وخَلَعَ على من أسلم من الذِّمّة وهادَى سلطانَ الإسلام وهادَنَه، وعَمَرَت