يستنجد به.
توفِّي مهنَّا بقرب سَلَمْية وأقاموا عليه المآتم ولبسوا السوادَ أيامًا، وعاش نيِّفًا وثمانين سنة.
وكان وَقُورًا ديِّنًا حليمًا، ذا مُروءة وسُؤدَد، تذمَّم به الأمراءُ قَراسُنقُر والأفرم والزّردكاش، فأجارهم وأضافهم، وذهبوا من عنده إلى بلاد التتار، فغضب منه السلطان وعَزَلَه، وأمَّر أخاه محمدًا وحرّض السلطان على أخذه فما تهيَّأَ ولا أسلَمَه بنوه وهم عِدَّة: موسى الأمير وسليمان وأحمد وحيار وفيّاض وقارا وشعيبة وآخرون.
ثم في أواخر عمره تجسَّر وسار إلى مصرَ فأكرم السلطانُ مورِدَه وأنزله عنده واحترمه، ورجع إلى البَرِّية.
وكان وَقُورًا متواضعًا لا يحتفل بمَلبَس.
مات في ذي القَعْدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
وتَملَّك بعده ولدُه موسى، وكان إمرةُ العرب إلى والده عيسى الذي توفي سنة نيِّف وثمانين، ومن قبل عيسى كانت إلى أبيه مهنَّا بن مانع، ويُعرَفون بآل فَضْل، وهم عددٌ كثير، ولا يَنتَمون إلى طيِّئ ويقولون: إنهم من ذرّية جعفر بن يحيى البَرمَكي، ويذكرون في ذلك حكايةً الله أعلمُ بصحّتها.
٨٧٠ - القرامزي *
الشيخ الكبير، المُقرئ الصالح، عبد الرحمن بن أبي محمد بن محمد
стр. 842
ابن سلطان، الدِّمشقي الحنبلي، المعروف بالقرامزي.
شيخ مشهور كثيرُ العبادة، يتردَّد إليه الكِبار، عُمِّر وأسنَّ، وطلب العلمَ. وسمع من: المَجْد ابن عساكر، وابن أبي اليُسْر، وابن النُّشْبي، والجَمَال البُغيدادي، وتلا بالسَّبْع على الشيخ حسن الصِّقِلّي.
وحدَّث بدمشق وبمصر لمّا سَعَى في مرتَّب، فقُرِّرَ له مبلغ كبير. توفِّي ببستانه بجَوْبَر وصُلِّي عليه عند جامع جرّاح، ودُفن بتُرْبة له ببابِ الصغير في أول يوم من سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، وله ثمان وثمانون سنة، وكان ممتَّعًا بحواسِّه، قليل الشَّيب، لا يقومُ لأحد.
٨٧١ - البَرِزْبيّ *
الإمام ذو الفنون، شمس الدين أبو عبد الله، محمد ابن الإمام أبي الفضل محمد بن محمود بن قاسم، العِراقي الحنبلي، مدرِّس المستنصريَّة بعد الزَّرِيراني.
وُلد في شوّال سنة إحدى وثمانين.
شيخٌ علّامة ذكيّ، قوي المشارَكة، بصيرٌ بالمذهب والعربيّة، رأسٌ في الطبِّ، سافر إلى الهند ورجع وصنَّف في الطبِّ ما يستعملُه الإنسانُ، وله نَظْم جيّد، وكان ذا سَطْوة وشَهامة.
وقد سمع من: ابن أبي القاسم، والعِماد ابن الطَّبّال. وكَتَب في الإجازات وسادَ وتقدَّم.
стр. 843
توفِّي في شوّال سنة أربع وثلاثين، ودُفن بجنب والده بمقبرة الإمام أحمد، رحمة الله عليهم.
٨٧٢ - القِبَابي *
الفقيه الإمام، القُدْوة الربَّاني، بَرَكة المسلمين، نجم الدين عبد الرحمن ابن حَسَن، اللَّخْمي، المِصري القِبابي.
والقِباب: قريةٌ من ناحية دِمياط.
تفقَّه لأحمد، وكان زكيَّ النفس ثَخِين الوَرَع، ذا حظٍّ من صِدق وعَزْمِ، وتألُّه وقُنوع، حدَّث بشئ يسير عن عيسى المُطعِّم.
وتحوَّل من مصر بأهله وتَرَك المدارس، ثم انزَوَى بحِمص، ثم فتح له فاخوريّا أيامًا، فكان يُنبِّه المشتري على عيوب الشَّرْبة، ثم تحوَّل إلى حَمَاة فعَرَف به ملكُها فأَقبل عليه، واشتَهَر أمرُه وقُصِد بالزِّيارة.
مولده سنة ثمان وستين وست مئة، وتُوفي في رجب سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وحُمِلَ على الرُّؤوس، وتأسَّف الخلقُ عليه، وقبره بحَمَاة يُزار، رحمه الله تعالى.
وكان قد فتح له في القِماش الخليع بحماة، فجاءه إنسان يَسُوم فُوطةً، فقال: مُشتَراها ست وثلاثون، فقال له: ولك درهم، ثم سأله: أرخيصة هي؟ قال: لا، بل قيمتها ثلاثون درهمًا، فتركها وذهب.
стр. 844
وخلَّف ولدَه الإمام التقي زين الدين عمر.
٨٧٣ - البَندَنِيجيّ *
الشيخ المُعمَّر المُسنِد، أبو الحسن علي بن محمد بن ممدود بن جامع، البَندَنِيجي ثم البغدادي الصوفي من أهل الخانقاه السُّمَيساطية.
سمعنا منه، حدَّث غير مرة بـ"صحيح مسلم" عن أحمد بن عمر الباذَبِيني، وبـ"جامع أبي عيسى" عن ابن الهَنِيّ، وقد كتبوا له سماعًا في سنة تسع وأربعين وست مئة، وأجاز له جماعةٌ منهم عبد الخالق النِّشَتبْري.
وكان يتعاسر على الطَّلبة ويَطلُب على الرواية.
تُوفِّي في سابع المحرَّم سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وله ثلاث وتسعون سنة.
سألته: كيف نجوتَ من أَسْر التتار؟ قال: كنت مريضًا فتركوني، وكنت ابنَ اثنتي عشرة سنة.
بقي مدةً بوّابَ دار الوكالة ببغداد، ثم كَبِرَ وتحوَّل إلى الشام.
وقد سمع "مسندَ ابن راهَوَيهِ" من العزِّ أحمد بن يوسف ابن الأَكَاف بإجازته من أبي الخَيْر الطَّالْقاني، وقيل: سمع من ابن الخيِّر أيضًا ومن أبي محمد بن عبد الله بن علي بن ثابت النَّعّال، وكان أبوه المُحِبُّ عَدْلًا محدِّثًا، كان شيخًا تامَّ الشكل، أبيضَ اللحية، كان له أثباتٌ عُدِمت.
стр. 845
٨٧٤ - الصَّرخَدي *
المُسنِد المعمَّر، شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم، الهَكَّاري الصَّرخَدي ثم الصالحي، القوَّاس.
سمع من: خطيب مَرْدا وغيره.
وكان خيِّرًا ديِّنًا، عاش تسعين سنة.
تُوفِّي في ربيع الأول سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
٨٧٥ - أبو سعيد **
ملك التَّتار، صاحب العراق وخُراسان وأذْرَبيجان والرُّوم والجزيرة، أبو سعيد ابن القان خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو المَغُلي.
توفِّي بأذربيجان بالأردو في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وله نَيِّفِ وثلاثون سنة، وكانت دولته عشرين سنة، وكان أنشأَ له تُربةً بالسُّلطانية فنُقِل إليها.
وكان مُسلِمًا، قليل الشرِّ وادعًا، يكره الظُّلم ويُؤْثر العدل، وينقاد للشَّرع، وكان يكتب خطًّا قويًّا منسوبًا.
تمكَّن وقتل جماعةً، وكان يُجِيد ضربَ العُود، أبطَلَ بواسطة وزيره محمد ابن الرَّشيد مُكُوسًا كثيرة وفواحش وخمورًا، وهَدَمَ كنائسَ بغداد وخَلَعَ على من أسلم من الذِّمّة وهادَى سلطانَ الإسلام وهادَنَه، وعَمَرَت
стр. 846
البلادُ، وجَرَت أمور يطول شرحُها بعد موته، وسُفِكَت الدماء، وانقَرَض بيتُ هولاكو بموته.
وفيها قُتِل بعد شهور الذي تملَّك بعده من أقاربه، وقُتِل الوزير محمد ابن الرشيد، والمعمَّر الشيخ علي بن محمد البَندَنِيجي بدمشق، وعلاء الدين علي ابن المجد يوسف ابن المهتار الضرير مدرِّس الناصرية، والقاضي كمال الدين أحمد بن محمد بن محمد ابن الشِّيرازي الشافعي، وقاضي القضاة ببغداد أخوين (١)، والقاضي علاء الدين علي ابن شرف الدين محمد ابن القَلَانسي مدرِّس الأَمِينية وغيرها، وناظر الخِزانة عز الدين محمد بن أحمد العُقيلي ابن القَلَانسي المحتسِب، والشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصَّرخَدي، والشيخ أحمد بن أبي بكر بن طَرخان، ووالي دمشق شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن بَرق، وشيخ الشيعة الزَّين جعفر بن أبي الغيث البَعْلي، والمعمَّرة عائشة أخت محاسن الحرَّاني، والرئيس عماد الدين إسماعيل بن محمد ابن القَيسَراني الموقِّع، وشمس الدين النَّجّار خطيب جامع القابُون، والعَدْل عز الدين عبد العزيز ابن تَيميَّة، والشيخ شهاب الدين محمد بن علي ابن العُدَيسة قارئ الحديث.
٨٧٦ - ابن الرَّشِيد *
وزير الممالك المَشْرقيّة، خواجا غِياث الدين محمد ابن الوزير المُشِير رَشيد الدين فضل الله بن أبي الخير بن غالي، الهَمَذاني.
стр. 847
وُلد هذا في الإسلام، ولمّا نُكِب والده وقُتِل سَلِمَ هذا، واشتَغل مدةً وصحب أهلَ الخير، فلما تُوفِّي على شاه الوزير طَلَبَ أبو سعيد هذا وفوَّض إليه الوزارةَ ومكَّنه، وردَّ إليه مقاليدَ سائر الأمور، وحَصَلَ له من الارتقاء والمُلْك ما لم يَبلُغه وزيرٌ في هذه الأزمان، فكانت رُتْبته من نوع رُتْبة نِظام الملك في وقته، وكان من أجمل الناس صورةً، وأمُّه تركيّة، وله عقل ودهاءٌ وغَوْر مع دِيانةٍ وحُسْن إسلام، وكرم وسُؤدَد وخِبْرة بالأمور، كان خيرًا من أبيه بكثير، له آثارٌ جميلة، خرَّب كنائسَ بغداد، ورَدَّ أمرَ المواريث إلى مذهب أبي حنيفة وغيرِه.
وفي الجُمْلة له ذُنوب، ومع هذا فهو خيرُ وزراء وقتِنا، وكان إليه توليِةُ نوَّاب الممالك وعَزْلهم، ولا يخالفُه القانُ في شيء أبدًا، فلما احتُضِر القان أبو سعيد نَهَضَ الوزير غياثُ الدين محمد وعَمَدَ إلى شابٍّ من بقايا النَّسل الطاهر (١) يقال له: أرباخان، فسَلطَنَه وأخذَ له البَيْعةَ على الأمراء واستَوسَق أمرُه، فخرج عليهم علي باشه وابنُ بَيدرا فانفلَّ الجمعُ وقُتِل ارباخان والوزير غياث الدين في رمضان سنة ست وثلاثين.
٨٧٧ - السِّمْناني *
العلّامة الزاهد، رُكْن الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، الملقَّب بعلاء الدولة البَيابانكي.
مولده في ذي الحِجّة سنة تسع وخمسين وست مئة بسِمْنان.
стр. 848
تفقَّه وشارَكَ في الفضائل، وبَرَعَ في العلم وداخَلَ التتارَ، واتَّصل بالقان أرغون بن أبغا، ثم أنابَ وأقبلَ على شأنه، ومرض زمانًا بتِبْريز، فلمّا عُوفِي تعبَّدَ وتألَّه وعمل الخَلْوة، ثم قَدِمَ بغداد وصحب الشيخَ عبد الرحمن وحجَّ، ثم رَدَّ إلى الوطن بِرًّا بأمِّه، وخرج عن بعض ماله وأسبابه، ثم حجَّ ثلاث مرات، وتردَّد كثيرًا إلى بغداد.
وسمع من: عز الدين الفارُوثي، والرَّشيد بن أبي القاسم، ولبس منه عن السُّهرَوَرْدي
أَخذ عنه: شيخنا صدر الدين إبراهيم ابن حَمَّويه، ونور الدين، وطائفة، وروى عنه سراجُ الدين القزويني المحدِّث، وإمام الدين علي بن المبارِك البَكْري صاحبُنا.
وحدَّث بـ"صحيح مسلم" وبـ"شَرْح السُّنة" للبَغَوي، وبعدَّة كتب ألَّفها وهي كثيرة، قال البكري: لعلها تبلغ ثلاث مئة مصنَّف، منها كتاب "الفلاح" في ثلاث مجلدات و"مصابيح الجِنان" و"مَدارج المَعارج".
وكان إمامًا ربّانيًّا خاشعًا، كثير التلاوة، له وَقْع في النفوس، وكان يَحُطُّ على محيي الدين الطائي وعلى كُتُبه، ويكفِّر ويغضب الله تعالى، وكان مليحَ الشَّكل، حسن الخُلُق، غزير الفُتوَّة، كثير البِرِّ، يحصل له من أملاكه في العام نحوٌ من تسعين ألفًا فينفقها في القُرَب. زاره السلطان أبو سعيد.
تُوفِّي بعد أن أوتر ليلة الجُمُعة في رجب سنة ست وثلاثين بقرية بيابانك، فدُفِن بها.
بَنَى خانقاه للصُّوفية ووَقَفَ عليها، وكان أبوه وعمه من الوزراء.
стр. 849
٨٧٨ - بنت ابن عبد السلام *
الشيخة المُعمَّرة، أم عمر زينب بنت الخطيب يحيى ابن العلّامة الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السُّلَمي الدمشقي.
وُلدت في نحو سنة ثمان وأربعين.
وأجاز لها في سنة خمسين سِبطُ السِّلَفي، وسمعت في الخامسة من: اليَلْداني، وعثمان ابن خطيب القَرَافة، وإبراهيم بن خليل، والزَّيْن خالد، ومحمد بن سليمان الصِّقِلّي، وطائفة.
وتفرَّدَت برواية "المعجم الصغير" للطَّبَراني وغيرِ ذلك، وكان فيها خير وعِبادة وحبٌّ للرِّواية، بحيث إنها رَوَتْ أجزاءً يوم موتها.
توفِّيت في ذي القَعْدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ودُفِنت بمقبرة باب الصغير.
٨٧٩ - ابن القَلَانِسي **
المولى، الإمام القاضي، علاء الدين علي ابن الصَّدر شرف الدين محمد ابن محمد، ابن القَلَانِسي، الدمشقي الشافعي المُنشِئ، أخو القاضي جمال الدين أحمد.
وُلِد سنة ثلاث وسبعين.
وتفقَّه وتأدَّب ورَأَس وتقدَّم، وكان كيِّسًا متواضعًا، حسن المشارَكة في
стр. 850
الفضائل، خدم موقِّعًا مدةً.
وأُخذ نَوْبةَ قازان هو وابنُ فضل الله وابن شُقَير وابن الأثير رهينةً إلى بلاد أذربيجان، وبقى معتقَلًا مدةً، ثم خلصوا، فحكى لي بعد غَيْبته أرجح من عامين: أنه تَنكَّر واحتال وهرب فنُودِي عليه فاختفى بتِبْريز نحو شهرين، ثم سمَّى نفسه يوسف وغيَّر لهجتَه، وتوصَّل في زيّ فقير وقَدِم فأكرَمَه نائب حلب وبعثه على البَريد وسُرَّ به أهله، ووصل في جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مئة.
ووليَ بعد أخيه الوكالةَ وتدريس الأَمِينيّة والظاهريّة وقضاءَ العسكر ونظرَ ديوان ملك الأمراء، وذُكِر لقضاء القضاة، ثم تغيَّر عليه النائبُ وصادَرَه وقاسى شدةً، وأخذ منه الوكالة وقضاء العسكر ونظر المارستان، وبقي على التدريس، ثم جاءه الموتُ بغتةً بعد أن تعشَّى فمات، وشكُّوا في موته ساعاتٍ وكابَرُوا وما نَفَع.
توفِّي في صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وحدَّث عن الفَخْر. وهو كَتَب تقليدين بأمِّ الصالح.
٨٨٠ - ابن الشِّيرَازي *
الشيخ الإمام المفتي، جمال الأكابر، كمال الدين أبو القاسم، أحمد ابن الصَّدر الكبير عماد الدين محمد ابن القاضي الكبير شمس الدين أبي نصر محمد بن هِبَة الله ابنُ الشِّيرازي، الدِّمشقي الشافعي.
وُلد سنة سبعين وست مئة.
стр. 851
وتفقَّه بالشيخ تاج الدين الفَزَاري والشيخ زين الدين الفارِقي، وأخذ الأصول عن صفيِّ الدين الهِندي، وسمع الحديثَ من الفَخْر علي ووالده وغيرهما.
وحَفِظَ كتاب "المُزَني"، وتميّز، وبَرَع، ودرَّس بالبادَرائيّة في وقتٍ، وفي الشاميّة الكبرى، ثم استمرَّ يدرِّس بالناصرية مدةً، وذُكِر لقضاءِ الشام.
وكان خيِّرًا متواضعًا، حميد النشأة خبيرًا بالأمور اثنى عليه ابن جَمَاعة وابنُ الحَريري وقالا: يَصلُح للقضاء.
وكان بديع الخطِّ، وفيه سكونٌ وحياء، حاقَقَه ابن جُمْلة بحضرة النائب مرةً وأراد مناظرتَه، فتألَّم من ذلك وترك السَّعيَ في الشامية.
توفي في صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة ببُستانِه، ودفن بسَفْح قاسيون، رحمه الله تعالى.
٨٨١ - أخَوين *
العلّامة، قاضي القضاة، قُطْب الدين محمد بن عمر بن الفضل، التِّبْريزي الشافعي، يُلقَّب بالأخَوين.
وُلد سنة ثمان وستين.
وتفقَّه وسمع "شرحَ السنة" من القاضي محيي الدين، وكان صاحب مشاركة وفنون، وتُؤَدَة وسكون، ومُروءة وحِلْم، يُتقِن فنَّ المعاني والبيان، ونسخ كتبًا كثيرة، ولم يكن من قضاة العَدْل.
توفِّي ببغداد في المحرَّم سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وكان قاضيَها.
стр. 852
٨٨٢ - العَشّاب *
الفقيه الأديب المحدِّث، أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن يوسف، المُرادي القُرطُبي، الشهير بالعَشَّاب.
قال بعض مَن أخذ عنه: إنه وُلد في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وست مئة.
روى مسلسل "الراحمون" عن أبي محمد بن بُرْطلة، وكان صاحبًا للبطرني يَسمَعان معًا، وسمع "الموطَّأَ" من ابن هارون، وروى عن أبي القاسم بن البراء التَّنُوخي، وأبي محمد ابن الشقر، وسمع "الشفاءَ" من أبي إسحاق بن عياش التُّجِيبي بسماعه من الشَّقُوري عن مؤلِّفه إجازةً.
وسمع من عثمان بن سفيان التميمي ابن الشقر في سنة خمس وستين وست مئة، وفيها ماتَ، فسَمِعَ منه هو والبطرني "الأربعين السُّباعية" للمقدسي و "الرِّحلة" لأبي الحسين بن جُبير الكناني بسماعه منهما، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة.
وسمع من: الواعظ عبد الله بن محمد اللَّخْمي ابن الحجّام الذي ارتَحَل، وسمع من مُكرم والسَّخَاوي، وسمع من خطيب تونس أبي علي حسن بن حسين بن عونيل بسماعه من أبي الخطّاب ابن واجب، وأخذ عن المحدِّث أمين الدين عبد الله بن إبراهيم الخزرجي صاحب ابن رَوَاج وأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن علي القَيرَواني المحدث عُرِف بالدَّبّاغ وأبي العباس ابن الغمّاز، وجماعةٍ أخذ عنهم، وله "بَرْنامِج" جمع
стр. 853
فيه شيوخه.
توفّي بالإسكندرية سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
قلت: وقد وَزَرَ ولدُه الرئيس أبو بكر يحيى للأمير أبي يحيى اللِّحْياني صاحب تونس.
واشتغل في النحو، سمع منه "التيسيرَ" ابن عَرَّام والشيخ حسن البغدادي بقراءته له وتلاوتِه به على أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الأعلى الشَّبّار عن أبي جعفر الحصّار تلاوةً، وسماعًا بسنده، حدَّثَني إبراهيم بن عُلْوان أنه سمع "التيسير" من العشَّاب، والْتَمس منه أن يقرئه بالسَّبع، فاعتَلَّ بأنه تاركٌ.
٨٨٣ - المقدسي *
الشيخ المُعمَّر المُسنِد، شرف الدين أبو زكريا، يحيى بن يوسف بن أبي محمد بن أبي الفُتوح، المقدسي ثم المِصري، الكاتب.
روى شيئًا كثيرًا بالإجازة من: ابن رَوَاج، وابن الجُمَّيزي، والمُرْسي، والمُنذِري، وغيرهم.
أكثَرَ عنه ابنُ أيبَك، وأبو الفتح السُّبْكي وأقاربه، والسَّرُوجي.
وكانت الإجازةُ قد أخذها له أخوه محيي الدين محمدٌ النَّحوي.
وكان شيخًا حَسَنًا، لا بأس به، كان يَتعاسَر.
مات بمصر في سابع جُمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، عن تسعين سنةً ونيِّفٍ.
стр. 854
٨٨٤ - أخت مَحاسِن *
الشيخة المُعمَّرة، أمُّ عبد الله عائشة بنت محمد بن مسلم، الحرَّانيّة ثم الصالحيّة، أخت المحدِّث محاسن.
وُلِدت سنة تسع وأربعين.
وسمَّعَها أخوها في الخامسة، وبعد ذلك من الرَّشيد العراقي، ومحمد بن عبد الهادي، واليَلْداني، وابن خليل، وفَرَج القُرطبي، والبَلْخي، وابن عبد الدائم، والعِماد عبد الحميد.
وتفرَّدَت ورَوَت جملة صالحة، وكانت خيِّرةً، قانعةً فقيرة، تعمل في الحِياكة.
سمع منها: ابني أبو هريرة، وأولاد المُحِب، والطَّلبة.
وقارَبَت التسعين، تُوفِّيت بناحية مسجد القَصَب في شوَّال سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
روت "فضائل الأوقات" للبَيهَقي عن ابن خليل، وخرَّج لها ابن سعد، وأولُ حضورها في الرابعة سنةَ خمسين في شعبان.
٨٨٥ - أَرْبَكون **
وقيل: أرباخان، الملك صاحب أذْرَبِيجان والرُّوم. أربكون من ذرِّية جنكزخان.
стр. 855
نشأَ في غِمَار الناس جنديًّا، وكان أبوه قد قُتِل، فلما مات القانُ أبو سعيد نهض الوزيرُ محمد بن الرَّشيد وشاوَرَ مقدَّمي التتار وقال: هذا الرجل من العَظْم، فبايَعَه فبايَعُوه، وجلس على التَّخْت، وقَتَل الخاتون بغدادَ بنت جوبان زوجة أبي سعيد، وكان بالجزيرة النَّوِين علي باشه، فلم يَدخُل في الطاعة، وسار فأَخذ بغدادَ وتصرَّف وجَبَى أموالَ الدولة، وأَحضَر موسى بن علي ابن الملك بايْدوا بن نغاي تمر بن هولاكو من قرية دَقُوقا من السَّوَاد فسَلطَنه، وانضمَّ إليه نحو عشرين ألف راكب، وجَرَتْ أمور يَطُول شرحُها، ثم عُمِل بين الفريقين مَصَافٌّ واستَظهَر علي باشه، وقُتِل ابن الرشيد صبرًا في ثامن عشر رمضان سنة ستٍّ (١)، وكان من أجوَد الوزراء، بَلَغَ من الرُّتبة ما لم يُسمَع بمثله قطُّ، وقُتِل الملك القان أربكون صبرًا يوم عيد الفِطْر، فكانت دولته خمسة أشهر وأيامًا بعد أن صام شهرَ رمضان، ولم يُفطِر يومَ عِيده، وقال لقاتله: يا شاطر اضرب ضربةً قوية. واستَولى السلطانُ موسى على تُوريز والسَّلطنة والممالك نحوًا من ثلاثة أشهر.
٨٨٦ - ابن غانم *
الشيخ الإمام، الصَّدْر، المُنشِئ الأديب، بقيّة الأعيان، علاء الدين علي ابن الإمام شمس الدين محمد بن سلمان بن حَمَائل، الجَعفَري الشافعي، ابن بنت القُدْوة الشيخ غانم الزاهد.
توفِّي بتَبُوكَ في المحرَّم سنة سبع وثلاثين، وله ست وثمانون سنة.
стр. 856
مات على خير وبِرٍّ وبَرَكة، وكَثْرة تلاوة، وكان له يدٌ طُولَى في النَّظم والنَّثر، وفيه تواضعٌ وتركُ تكلُّف.
وكان ذكيًّا وَقُورًا، مليحَ الهَيئة، منوَّر الشَّيبة، ملازمًا للجماعات، ذا مُروءة وفُتوَّة وقضاءٍ لأشغال الناس ولا سيَّما في أيام الأفرَم.
حدَّثَ عن: ابن عبد الدائم، والزَّيْن خالد، وابن النُّشْبي، وجماعة.
وخلَّفَ أولادًا نُجباءَ ﵀، وحدَّث ب "صحيح مسلم" بفَوْت عن ابن عبد الدائم.
قرأتُ عليه عدةَ أجزاء، وأنشَدَني من شِعره …
وسَمِع من: علي ابن الأوحَد، وابن أبي اليُسْر.
٨٨٧ - أخوه *
الأديب البارع البليغ شهاب الدين أحمد بن محمد.
وُلد قبل علاء الدين بأشهُر، ومات بعده بأشهُر، وقد أصابه فالِجٌ وتغيَّر.
وسَمِع كأخيه من: ابن عبد الدائم، وجماعة، وأخذ النحوَ عن ابن مالك.
وله نظمٌ وفضائل، دخل اليمنَ ومَدَحَ صاحبَها المؤيَّد.
أنشَدَني لغيره.
توفِّي في رمضان سنة سبع بدمشق، وقد سمعتُ من والده.
وخرَّج له البِرزاليُّ "مشيخةً" منهم ابن أبي اليُسْر وأيوب الحمّامي والزَّين خالد وعبد الله بن يحيى بن البانْياسي ومحمد بن النُّشْبي ويحيى
стр. 857
ابن الناصح والشَّرَف ابن النابُلُسي.
وكان فاضلًا نَديمًا، أخباريًّا فَصيحًا، وله أولاد أدباء، عاش سبعًا وثمانين سنة، ﵀.
٨٨٨ - المُحِب *
الشيخ الإمام المحدِّث، الصالح القُدْوة، مُفِيد الطلبة، مُحِبُّ الدين أبو محمد، عبد الله ابن الشيخ أحمد ابن المحدِّث المحب عبد الله بن أحمد بن محمد، السَّعْدي المَقدسي الجمَّاعِيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي.
مولده في سنة اثنتين وثمانين.
وسمَّعه والده وحفَّظه القرآن، وطلب بنفسه في سنة سبع وتسعين، ولَحِقَ ابنَ القوَّاس، والشَّرف ابن عساكر، والغَسُولي، والناس بعدهم، وعنده العَوَالي عن ابن البُخاري وبنت مكِّي وعدّة، انتَقيتُ له جزءًا، وسَمِعَ منِّي.
وكان خيِّرًا متصوِّنًا، مليحَ الشَّكل، طيِّب الصوت بالتلاوة، سريع السَّرْد، نفَّاعًا في مَواعِيد العامَّة، له زَبُونٌ ومُحبُّون، وقرأَ ما لا يُعبَّر عنه كثرةً، وانتَقَى لبعض مشايخه، ونَسَخ عدةَ أجزاء، رحمة الله تعالى عليه.
توفِّي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازتُه مشهودةً، وطابَ الثناء عليه إلى الغاية، وخلَّف عدة أولاد.
وتوفي أبوه الإمام الصالح العابد شيخ الضِّيائية في آخر سنة ثلاثين عن
стр. 858
ثمان وسبعين سنة، وتوفي جدُّه كَهلًا في سنة ثمان وخمسين وست مئة.
ومات بعدَه بأيامٍ بحماةَ المحدِّث الفاضل المخرَّج مُفِيد الطلبة ناصر الدين محمد بن طُغْريل الصَّيرَفي الدمشقي غريبًا، روى عن أبي بكر بن عبد الدائم والمُطعِّم، وقرأ الكثير، ولم يتكهَّل أو بلغ الأربعين، اللهُ تعالى يسامحه وإيّانا.
وفيها مات علاء الدين بن غانم الموقِّع، وأخوه شهاب الدين، وشرف الدين حسين بن علي بن بِشارة الشِّبْلي الحنفي، والشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم بن مِعضاد بمصر، وشيخ بعلبكَّ تقي الدين محمد بن أبي الحسين بن اليُونيني، والشيخ داود بن أبي الفرج الطبيب، وشيخ نابلس شمس الدين عبد الله بن العفيف محمد، والشيخ علي بن أبي المَعَالي المَعَرّي، والشيخ محمد بن أبي الزهر الصالحي، والقُدْوة أبو عبد الله محمد بن محمد العَبدَري الفاسِيّ ثم المصري المالكي ابن الحاجِّ مؤلف كتاب "البدَع" عن بضع وثمانين سنة، ويعقوب بن إبراهيم العامِلي الكُفْتي، والمعمَّر شرف الدين يحيى بن يوسف بن المِصْري المَقدِسي الكاتب بمصر له إجازة ابن رَوَاج، ونقيب الشاميّة شمس الدين محمد بن أيوب الشافعي بن الطَّحّان عن ست وثمانين سنة، والمعمَّر بدر الدين محمد بن عثمان بن أبي طالب ابن السُّوسِي الشاغُوري العَدْل، والمقرئ أحمد بن محمد بن حازم المَقدِسي، والشيخ محمد المُرشِدي بقريته، والملك أسد الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن المعظَّم، وشيخ القدس أحمد بن يوسف الغَرَّافي، ونائب حماة صارم الدين، والملك موسى بن علي بن بَيْدوا أُسر وقُتل.
стр. 859
٨٨٩ - ترمشيرين *
ابن دوا .... (١) بن جنكزخان المَغُلي، سلطان بَلْخ وسَمَرقَند وبُخارا ومَرْو.
وكانت دولته ستَّ ستين، واستُشهِد إلى رضوان الله تعالى سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
كان ذا تقوى وإسلام وعَدْل وخير، بَطَّل أكثرَ المُكُوس، وعمَّر البلاد، وألزَمَ جندَه بالكفِّ عن الأذى وأن يَزرَعوا الأراضي وتتبلَّغَ التتار من المزارَعة. وأكرم أمراءَ المسلمين وقرَّبهم، وجَفَا الكَفَرة منهم وأبعدهم، ولازمَ الصلوات الخمس في جماعةٍ، وأَمَر بالشَّرع وتَرْك الياساق.
واستعمل أخاه على مدينةٍ فقَتَلَ رجلًا ظُلمًا، فسار أهلُه إلى ترمشيرين واشتَكَوْا إليه، فبَذَلَ لهم أموالًا ليَعفُوا، فقالوا: نطلب حكمَ الشَّرع، فسلَّمه إليهم فقتلوه، ودَعَا الناسُ له.
ثم قَوِيَ به الدِّينُ والتألُّه، وعَزَمَ على ترك المُلك والتبتُّل برأس جبل، وسافر مُعرِضًا عن السَّلطنة، فظَفِرَ به أميرٌ كان يُبغِضه فَأَسَرَه، ثم كاتب بزان الذي تَملَّك بعده فبعث إليه فأَمره بقتله، فقُتِل صَبرًا، وكان من أبناء الأربعين أو نحوها رحمه الله تعالى.
وقيل: بل هرب من عدوٍّ له، ثم أُسر، ثم لم تَطُلْ مدّةُ القائم بعده.
стр. 860
٨٩٠ - صاحب تِلِمْسان *
وهو المَلِك أبو تاشفين عبد الرحمن ابن الملك أبي حَمُّو موسى ابن الملك أبي عمرو عثمان ابن السلطان يغمراسن بن عبد الوادِّ الزَّناتِي البَربَري المَغرِبي، صاحب تِلِمسان.
كان سيِّئ السِّيرة، يُذكَر عنه قبائح، وفيه شجاعة وحَزْمٍ وجَبَروت، نَظَرَ في العِلم، وتفقَّه على ابنَي الإمام، وقَتَل أباه، وكانت دولته نيِّفًا وعشرين سنة.
قَصَدَه سلطانُ المغرب أبو الحسن المَرِيني فحاصره مدةً طويلة، وأنشأ في المَنزِلة مدينةً كبيرة، وطال الأمرُ إلى شهر رمضان، فبَرَزَ أبو تاشفين في أبطاله لكَبْسه ومكيدة انعَكَست عليه، ورَكِبَ جيش أبي الحسن وحَمَلوا حتى دخلوا من باب تِلمسان، وقُتِل صاحبها على ظهر جواده في رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ولم تَبلُغني تفاصيلُ الأمور.
وكان الحصارُ نحو سنتين أو أكثر، وقد كان جدُّ السلطان أبي الحسن نازَلَ تلمسانَ أيضًا سنوات، وحاصَرَها سنة بضع وسبع مئة فمات وهو يحاصرُها، وتملَّك ابنُه وتَرحَّل عنها.
بلغني أن أبا تاشفين طِيفَ برأسه بالمغرب، ثم رُدَّ فدُفِن مع بدنه عند آبائه بتِلِمسان.
٨٩١ - موسى بن عليّ **
ابن بَيْدوا بن طرغية بن هُولاكو.
стр. 861
نشأ بسَوَاد العراق بدَقُوقا، فيقال: كان نسّاجًا، فلما مات أبو سعيد تَوثَّب علي باشا على العراق، فطَلَبَ موسى فسَلطَنه وسار به إلى أذْرَبِيجان، فعملوا مَصافًّا مع أربكون وابن الرَّشيد، فانتصر موسى وتملَّك تُوريز وقتل أربكون وابن الرشيد صبرًا في رمضان سنة ستٍّ، فكانت دولتُهم نحو ثلاثة أشهر.
ثم تَناخَت المغول مع الشيخ حسن وعملوا مصافًّا تفلَّل فيه جمعُ موسى وقُتل علي باشا، وتَقهقَر موسى فبقي في جبال الأكراد نحو أربعة أشهر ومعه محمد بيك والأمير حافظ والأمير محمد بن شروان، ثم قصدوا بغداد فدخلوها، وقتلوا طوغان من كبار الظَّلمة المقدَّمين، كان له سَطْوة وشجاعة فاستَخفَّ بهم وبَرَزَ للقتال فقُتِل وجماعةٌ، وطِيفَ برأسه وبرأس الأمير نصرة باشا معًا، ثم حَشَدَ موسى وقصد أذْرَبيجان فتصابَرَ الفريقان أيامًا ولياليَ، ثم كَبَسَ أصحابُ حسن بإعانة خلقٍ من الأكراد عسكرَ موسى فهزموهم وتمزَّقوا، ونَجَا محمد بيك وحافظ في عدد قليل، واستجار موسى بأمير من الأكراد كان قد أحسَنَ إليه، فأجاره ثم غَدَرَ به وحَمَله إلى حسن، فهَمَّ باستبقائه، فقام عليه أمراءُ ورأَوا قتلَه فقتلوه بأن قَصَفوا ظهرَه فمات، وقيل: بل قطعوا أنفه أولًا ثم ذبحوه، وقُتِلَ الذي غَدَرَ به.
وكان موسى حسنَ الشَّكل، مليحَ الوجه، جيِّد العقل، صحيح الإسلام، ﵀.
قُتل يوم عيد الأضحى بالأُردو من سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، وطِيفَ برأسه بتُوريز ومَرَاغة وهَمَذان، وكان من أبناء الأربعين أو دونها، نشأ عند نصرانيٍّ بدَقُوق فتعلَّم الحياكة، وبقي في خُمولٍ إلى أن أقامه علي
стр. 862
باشا. رأيتُ القاضي حسام الدين الغُوريّ يُثْني على عقله ودينه.
٨٩٢ - ابن الرَّضِيّ *
الشيخ الصالح المقرئ، مُسنِد الوقت، أبو بكر بن محمد بن الرَّضِي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار، المقدسي الجَمَّاعيلي ثم الصالحي، القَطَّان.
وُلد سنة تسع وأربعين أو خمسين وست مئة.
وأجاز له عيسى الخيّاط، وسِبْط السِّلَفي، ويوسف بن الجَوْزي، ومجد الدين بن تَيْمِيَّة، وخلقٌ، وحَضَرَ خطيبَ مَرْدا، والعمادَ بنَ عبد الحميد بن عبد الهادي، ثم سمع منه في سنة سبع ومن إبراهيم بن خليل وعبد الله بن الخُشوعي، سمع منه الأولَ من "حديث الشَّعْراني"، ومن ابن عبد الدائم، والرَّضي ابن البُرهان "صحيح مسلم" سوى فَوْتٍ مجهول يسير، وحَضَر أيضًا محمدَ بن عبد الهادي. وتفرَّد بأجزاءٍ وعواليَ، ورَوَى الكثير.
أكثَرَ عنه: المحبُّ وأولاده، وأخوه، والسَّرُوجي، والدِّهْلي، وابنا السَّفاقُسي، وخلق.
وكان شيخًا مبارَكًا خيِّرًا، كثير التلاوة، حسنَ الصُّحبة، حميد الطريقة، حدَّث بأماكن، وكان يعيش من الصَّنعة، وفيه مروءة وفُتوَّة، ﵀.
حدَّث أزيدَ من أربعين سنة.
وتوفِّي في عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
стр. 863
ومات قبله بشهر المعمَّر أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عنتر الدمشقي عن ثلاث وتسعين سنة، وقد روى الكثيرَ بإجازة السِّبط.
ومات فيها صاحب ديوان الرسالة محيي الدين يحيى بن فضل الله، وعالم وقته القاضي شرف الدين هِبة الله بن البارِزِي، والقاضي جمال الدين يوسف ابن جُمْلة الشافعي، والفقيه العابد موسى بن بِشْر، والفقيه العابد محمد بن البيلون البَعْليّان، والشيخ محمد بن يوسف الحرَّاني بحلب، والشمس بن غَدير الواسطي المقرئ بالقاهرة، وشيخ الشافعية زَيْن الدين عمر بن أبي الحَرَم بن الكتّاني الدمشقي نَزِيل مصر عن خمس وثمانين سنة، ومدرِّس الشاميّة زين الدين محمد بن المُرحِّل، وقاضي القضاة شهاب الدين محمد بن المَجْد عبد الله الإربِلِي.
٨٩٣ - ابن فَضْل الله *
القاضي، مُحيي الدين أبو الفضل، يحيى بن فضل الله بن مُجلِّي، العَدَوي، الكَرَكيُّ المولدِ الدمشقيُّ، الكاتب صاحب ديوان الإنشاء بدمشق ثم بالدِّيار المِصرية، وكاتب السِّر الشريف.
مولده في شوَّال سنة خمس وأربعين وست مئة.
وأجاز له الرَّشيد بن مسلمة، وسمع في سنة تسع وخمسين بمصر من النَّجيب الحرَّاني، وبدمشق من ابن عبد الدائم وغيره.
وحدَّث بالكثير وتفرَّد. وسَمِعنا منه.
وكان صدرًا معظَّمًا وَقُورًا كامل العقل، حسنَ الصِّيانة، تاركًا لمعاشرة
стр. 864
الناس، خبيرًا بوظيفته، بديعَ الكتابة، جَزْل العِبارة، كثير الأموال والعَقَار، نشأَ له ابنان فاضلان في الأدب والترسُّل وبَرَاعة الخط: شهاب الدين والقاضي علاء الدين، فوليَ بعده الصغيرُ منهما.
وكان قد استَعفَى من المنصب وعَزَمَ على التحوُّل ليموت بالشام، فأَذِنَ له السلطانُ أيَّده الله تعالى إذنَ عزٍّ وإكرام، فتمرَّض وتُوفِّي في تاسع رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وله ثلاث وتسعون سنةً في نحو سنِّ أخيه القاضي شرف الدين عبد الوهّاب رحمهما الله تعالى، ثم وصلوا به في تابوت من مصر، فدُفِن بسَفْح قاسيون في صفر سنة تسع.
خرَّج له الحافظ ابن أَيبَك "معجمًا" بالسَّماع والإجازة، وكان لا يكادُ يتكلَّم إلا جوابًا، وله نظمٌ جيِّد، سمعتُ منه.
قِلاعُ سِيس
في سنة سبع وثلاثين في ذي القَعْدة سَلَّم صاحبُ سِيس سبعةَ قلاع إلى المسلمين، وذلَّ وجاء وقبَّل الأرض وقال: أنا مملوك السلطان، وتَضرَّر من الغارات، فقُرئ كتاب السلطان بأمانه، ووقع عَقْد الصُّلح على تسليم القلاع، ونقَّص عنه من قطيعة الحمل، وقرَّر عليه في العام ست مئة ألف درهم، وبقي الجيشُ ببلاد سِيس أربعة أيام، والقِلاع هي: إياس، كوارة، نجيمة، سوكندار، الهارونية، قلعة البحر، ميناء إياس، فبعض ذلك أُخرِبَ، وبعض ذلك سَكَنَه المسلمون.
وكان فيما مضى في أواخر سنة خمس قد هَجَمَ جندُ حلب مدينةَ أَذَنة وطَرَسُوس، وأَحرقوا ونهبوا وأَسَروا مئتين وأربعين، فلمّا عَلِمَ نصارى إياس بذلك أحاطوا بمن عندهم من المسلمين من تاجرٍ وغيره وجَمَعوهم
стр. 865
في خان ثم أحرقوهم، فقيل: كانوا ألفي مسلم، يومَ عيد الفِطْر، فالأمرُ لله.
وبَلَغَنا حريقٌ عظيم إلى الغاية بأنطاكِيَة، وذهب ما لا يُعبَّر عنه، أَخبر بذلك الحسين بن حَبيب.
الحريق بحَمَاة
وَرَدَ كتابُ المحدِّث ابن طُغريل: أن في وسط شوَّال سنة خمس وثلاثين وقع حريقٌ بحماة وقتَ الفجر، فذهب بسوق الكتّاتيّين وبالعطّارين والحريريّين، وسوق التجار الذي للنساء، وبعض سوق الغَزْل، فعِدّة ذلك مئتان وخمسة وثلاثون دكّانًا، ونُهِبت الأموال وافتقد عددٌ كثير، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولاحَ لنا أن هذا من كَيْد النصارى كما فعلوا في القاهرة سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، وكما فعلوا في دمشق عام أربعين، وذهبت الأموال.
٨٩٤ - الأُشْتُهيّ *
المُسنِد الصالح، تقي الدين صالح بن مُختار بن صالح بن أبي الفَوَارس، الأُشْنُهي، العَزَازِيُّ المولدِ.
وُلد سنة اثنتين وأربعين بعَزَاز.
وطَلَبَ، فسمع من: ابن عبد الدائم "جزء ابن عرفة" و "الترغيب" وغير ذلك، وسمع من الفَخْر علي، وبمصر من إسحاق بن أسد العامري، وله إجازة محمد بن عبد الهادي، وأخيه عبد الحميد، وعبد الله بن الخُشُوعي، ومكِّي بن عبد الرزاق، وجماعة.
стр. 866
انتَقَى عليه ابن الدِّمياطي جزءًا، وأخذ عنه: هو، وابن رافع، والسَّرُوجي، والطَّلبةُ.
وكان صالحًا مباركًا، أقام بالقَرَافة، تفقَّه للشافعي زمانًا.
وتوفِّي في نصف جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقد قاربَ المئة.
٨٩٥ - ابن الخِيمَي *
العَدْل المُعمَّر، مجد الدين أبو الفتح، إبراهيم ابن الأجَلّ أبي هاشم علي ابن الصَّدر الأديب المعمَّر أبي طالب محمد بن محمد بن محمد بن القامَغار، ابن الخِيَمي، الحلبي ثم المصري.
وُلد سنة تسع وأربعين وست مئة.
وسمع من والده بسماعه من بنت سعد الخير، وسمع من الرَّشيد العطّار "مجلس البِطاقة"، ومن ابن البُرهان "صحيح مسلم"، وأجاز له الحافظُ المُنذِري، ولاحقٌ الأَرْتاحي، والبهاءُ زهير، وأبو علي البَكْري، وخرَّج له التقيُّ عُبيد "مشيخةً" حدَّث بها قديمًا.
وطال عمرُه، وأخذ عنه المصريُّون.
وكان جدُّه من فضلاءِ زمانه، له النَّظمُ والنَّثر، روى عنه الحافظ عبد العظيم والحافظ ابن النَّجّار وشيخنا الدِّمياطي، نقلتُ ترجمته من خطِّ ابن أَيبَك، وقال: توفّي شيخنا مجد الدين في سادس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
стр. 867
٨٩٦ - المُرشِديّ *
الشيخ الكبير الشَّهير الصالح، محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم، المُرشِدي المصري.
صاحب الأحوال وكثرة الإطعام، ولخلقٍ كثيرٍ فيه اعتقادٌ عظيم، والله أعلمُ بسرِّه، اختلفت الأقاويل فيه، ويُحكَى عنه عجائبُ تحيِّر السامع من إحضاره الأطعمة الكثيرة للوارِدِين، وكان مُقيمًا بقرية مُنْية مُرشِد بقرب بلد فُوَّة، وكان يحفظ القرآن وقِطعةً من مذهب الشافعي، ويَخدم الواردين بنفسه، ولا يكادُ يَقبَل من أحد شيئًا، وحجَّ في هيئةٍ وتلامذة، بَلَغَنا - والله أعلم - أنه أنفَقَ في ليلة ما قيمتُه ألفان وخمس مئة درهم، وقيل: إنه أنفق في ثلاثة أيام ما يساوي ألفَ دينار، وهذا بعيد.
كان يأتيه الأمراء الكِبار، وكان يتكلَّم على الخواطر، وقيل: كان مخدومًا، وهو الذي يَظْهَرُ لي.
وهو من قرية دَهرُوط فقَدِمَ القاهرة، وقرأَ على شيخنا ضياء الدين بن عبد الرحيم، وتلا على الصائغ.
ويُحكَى أنه بات في عافية، فأرسل إلى القرى التي حوله ليَحضُروا إليه، فقد عَرَضَ أمرٌ مُهِمّ، فأَتَوه فدخل خلوة زاويته وأبطأَ، فطلبوه فوجدوه ميتًا. والحكايات في شأنه كثيرة، تزيد وتَنقُص، إلا أنه كان قليلَ الدعوى، عديم الشَّطح، حَسَن المعتقد.
توفي في ثامن شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مئة ﵀، لعله
стр. 868
قارَبَ ستين سنة.
وكان يُخرِج للواردين أطعمةً فاخرة كثيرة من داخل موضعه، ولا يَدخُل أحد إلى ذلك المكان سواه، وله هِمّة عظيمة، وجَلادة في خدمة الناس، وما أدرى ما أقول!
٨٩٧ - ابن القَدَّاح *
قاضي الجماعة بتُونُس، الإمام أبو علي، عمر بن علي، الهَوَّاري التُّونسي المالكي.
كان رأسًا في معرفة المذهب عديمَ النَّظير، له تصانيف وتلامذةٌ كِبار.
أخذ عنه الإمام برهان الدين السَّفَاقُسي، وبالغَ في تعظيمه وقال: تفقَّه بأبي محمد الزَّوَاوي، وعاش بِضعًا وثمانين سنة، مات يوم عَرَفة بعد أن نَزَل من عند السلطان أبي بكر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، قال: وكان ذا عبادة وتقشُّف وتزهُّد، ﵀.
٨٩٨ - الأَسَد **
الملِك أسد الدين أبو محمد، عبد القادر بن عبد العزيز ابن السلطان الملك المعظَّم عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شادي، الأيُّوبي.
مولده بالكَرَك في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين.
سمع من خطيب مَرْدا "السيرة النبوية"، وحدَّث بها بمصر وبدمشق،
стр. 869
وروى عنه عدة أجزاءٍ، منها "ثاني الطهارة" و "جزء ابن فِيل" و "الجمعة" و "البطاقة" و"مشيخة الرازي" و "أربعون الآجُرِّي". وأجاز له الكَفَرْطابي ومحمد بن عبد الهادي، وجماعة منهم الصَّدر البَكْري.
وكان مليحَ الشَّكل، صحيح البِنْية، حسن الأخلاق، قيل: إنه لم يتزوَّج ولا تَسرَّى، وله هِمّة وجَلَادة.
توفي في آخر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بالرَّمْلة، ونُقِل تابوته إلى القدس، وكان يتردَّد إلى دمشق، يرحمه الله.
٨٩٩ - ابن المَجْد *
العلّامة المتفنِّن، قاضي القضاة، شهاب الدين أبو الفَرَج وأبو عبد الله، محمد ابن الإمام مجد الدين عبد الله بن حسين بن علي بن عبد الله، الزَّرزاري الإربِلِي ثم الدمشقي الشافعي
وُلد سنة اثنتين وستين وست مئة.
وسمع من: ابن أبي اليُسْر، ومظفَّر بن عبد الصمد بن الصائغ، والفخر علي، وابن أبي عمر، وأبي بكر بن الأنماطي، وابن الصابوني، وعبد الواسع الأَبهَري، والنجم ابن المُجاوِر، وابن الواسطي، وابن الزَّين، وابن بَلَبان، وغيرهم.
وكتب الطِّباقَ وسمع كثيرًا، وأفتى ودرَّس وجوَّد العربيةَ وغيرَ ذلك، ووليَ الوكالةَ ثم القضاءَ بعد ابن جُمْلة، وعلا شأنُه، ولم يُحمَد في الحُكْم،
стр. 870
والله تعالى عفوٌّ عن عباده.
ثم تهمه نائبُ الشام والتمسَ من السلطان صَرْفَه فعُزِل، واتَّفَق ذلك عند موته، نَفَرَت به البغلةُ عند حمَّام الخضراء فرُضَّ دماغه، فحُمِل في مِحفّة إلى العادليَّة، ومات بعد أسبوع في آخر جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ولم يُعمَل له عزاء وأُوذي أصهاره.
وفي الجملة ففيه مكارمُ وله محاسنُ، وما أدري ما أقولُ، فإن سَلِمَ له توحيدُه، فإلى الجنة مصيرُه.
٩٠٠ - ابن البارِزِي *
شيخ الإسلام مفتي الشام، قاضي حَمَاة، شرف الدين أبو القاسم، هِبةُ الله ابن القاضي نجم الدين عبد الرحيم ابن القاضي الكبير شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن المُسلَّم، الجُهَنِي الحَمَوي الشافعي، ابن البارِزِي، صاحب التصانيف.
توفِّي جدُّه سنة تسع وستين عن ثمانين سنة، وتوفِّي والده بطريق الحج سنة ثلاث وثمانين، ومولده هو في سنة خمس وأربعين.
وسمع من: أبيه، وجدِّه، وابن هامل، والشيخ إبراهيم بن الأُرمَوي يسيرًا، وأجاز له نجم الدين البادَرائي، والكمال الضرير، والرَّشيد العطَّار، وعماد الدين بن الحَرَستاني، وعز الدين بن عبد السلام، وكمال الدين بن العَدِيم.
وبَرَع في الفقه وغيره، وشارك في الفضائل، وانتهت إليه الإمامةُ في
стр. 871
زمانه ورُحِلَ إليه، وكان من بحور العلم، قويّ الذكاء، مُكبًّا على الطلب، لا يَفتُر ولا يَمَلُّ، مع الصَّوْن والدِّيانة، والفضل والرَّزَانة، وكان خيِّرًا متواضعًا عَرِيًّا من الكِبْر، جَمَّ المحاسن، كثير الزِّيارة للصالحين والخضوع لهم، متين الدِّيانة، حسن المُعتقَد، اقتَنَى من الكتب شيئًا كثيرًا، وأَذِنَ لجماعة في الإفتاء، وحَكَم بحماة دهرًا بلا معلوم لغِناه عنه، ولا اتَّخذَ دِرّةً، ولا عَزَّر أحدًا، ولا رَكِبَ بمِهماز ولا مِقرعة، وعُيِّن مراتٍ لقضاء مصر فاستَعفَى، وكان له جلالةٌ عجيبة، وهَيْبة مع تواضع، ثم ترك الحكمَ وذهب بصرُه، وحجَّ مراتٍ.
وحدَّث بأماكنَ، وحَمَلَ عنه خلقٌ، وكان يَرَى الكفَّ عن الخوض في الصِّفات، ويُثْني على الطائفتين، فاللهُ تعالى يَأْجُره على حُسْن قصده.
تُوفِّي في ذي القَعْدة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وغُلِّقت حماةُ لمَشهَده.
وله تفسيران وكتاب "بديع القرآن" وكتاب "شرح الشاطبيّة" وكتاب "الشرعة في السَّبعة" و"متشابه القرآن" و "الناسخ والمنسوخ" وكتاب "مختصر جامع الأصول" مجلدان "والوفا في حديث المصطفى" و "الأحكام" على أبواب التنبيه و"غريب الحديث" كبير و "شرح الحاوي" أربع مجلدات و"مختصر التنبيه" و "الزُّبَد في الفقه" وكتاب "المناسك" وفي العَرُوض وأشياءُ، ووَقَفَ كتبَه وكانت تساوي نحو مئة ألف درهم، ﵀.
٩٠١ - ابن جُمْلة *
قاضي القضاة، جمال الدين أبو الفضل، يوسف بن إبراهيم بن جُمْلة
стр. 872
ابن مسلم، المَحَجِّي الحَوْراني ثم الصالحي، الشافعي.
وُلِد سنة ثنتين وثمانين.
وتفقَّه مدةً لأحمد، ثم تحوَّل شافعيًّا، وتميَّز وباحَثَ، وأخذ عن ابن الوكيل وابن النَّقيب وابن الزَّمْلَكاني، وقرأ في النحو، وصار من أعيان الفقهاء، درَّس بالدَّولَعيّة وأعاد مدةً، وخرَّج له الشيخ عَلَم الدين عن الفَخْر عليٍّ وجماعة.
فلما توفِّي ابن الإخنائي وليَ قضاءَ القضاة بإعانة ناصر الدين الدُّوَيدار، وأَتى من مصر بتقليده فحَكَم وحُمِد، وكان قد نابَ عن قاضي القضاة جلال الدين، وكان ذا هَيْبة وصَوْلة، وفيه هوًى وشِدّة وَطْأة على المُرِيب.
ثم تفرَّغ له كِبارٌ وحَرَّفوا النائبَ عنه، ونُكِب الدّويدار على يد الأمير حمزة فعَقَر ابن جُمْلة أيضًا وكاتب السِّر شرف الدين، ثم ظَلَمَ وتمرَّد، فعذَّبوه واستأصله الله تعالى، فأُحضِر ابن جُمْلة وعُقِدَ له مجلس لكونه عَزّر الظَّهير الرُّومي، وكان قد قال في حق ابن جُمْلة: إنه رَشَى الدّويدار بذَهَبٍ كثير حتى تحصَّل له المنصب، فزَبَروا وبالَغوا في الحطِّ على زَعارَّة ابن جُملة، فأَتى فما قاموا له، وادَّعى عليه أبو رياح عند المالكي وحَكَم بفِسقه، وحُبِس بالقلعة خمسة عشر شهرًا بل أكثر، وقاسى شدّةً، وولىَ بعده أحدُ من حطَّ عليه؛ القاضي شهابُ الدين بن المَجْد، ثم أُطلق ابن جُملة وقَعَدَ بلا مدرسة، فسَعَى في نفسه ألوانًا حتى شَفَعَ له ابن مُهنَّا، فأُعطيَ مدرسة الدَّولَعية، ثم تَمرَّض وخَلَت الشاميّة من ابن المُرحِّل فأُعطيَها، فشَدَّد وعقَّد على فقهائها فدرَّس بها أيامًا وعَجَزَ، ومات في ذي القَعدة بالمسروريّة سنة ثمان وثلاثين، ودُفن عند أهله بوادي العظام،
стр. 873
رحمه الله تعالى.
وكان كثيرَ الدَّعاوى، حتى إنه يوم المجلس قال: على كلّ حال أنا شيخُ الإسلام، وكان يبالغ في أذى ابن تَيميَّة وجماعة، ويتمقّت ويُعجَب بنفسه، ولكنه يحبُّ الله تعالى ورسولَه ويؤذي المبتدِعة، وفيه دِيانة وحُسْن مُعتقَد.
٩٠٢ - ابن الحاجِّ *
الإمام القُدْوة، أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد، العَبْدَري، الفاسيُّ ثم المِصري المالكي، المعروف بابن الحاجِّ.
من أصحاب الشيخ عبد الله بن أبي جَمْرة.
حدَّث بـ "الموطَّأ" عن التقيّ عُبيد الإسعَرْدي، وألَّف كتابًا في البِدَع والحوادث، وكان متزهِّدًا متعبِّدًا.
عُمِّر وعاش بِضعًا وثمانين سنة، تُوفِّي في جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
٩٠٣ - نَقيب السُّبْع **
الشيخ الفقيه، المُقرئ المُسنِد، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أيوب بن علي بن حازم، الدمشقي الشافعي، ابن الطَّحّان، نقيبُ السُّبْع والشاميّة.
стр. 874
وُلد سنة اثنتين وخمسين وست مئة في ربيع الأول.
وتفقَّه وقرأَ برواياتٍ، وأَّذن مدةً بتُرْبة أم الصالح، وكان فاضلًا مناظرًا حسنَ الخُلُق، فيه وَسوَسة في المياه.
سمع مع زوج خالته النَّجم ابن الشاطبيِّ من: عثمان ابن خطيب القَرَافة جزءًا، ومن الزَّين خالد، والكِرْماني، ويوسف بن يعقوب الإربِلِي.
شاخَ وعَجَزَ وانقطع بالشاميّة، سمع منه جماعةُ الطَّلبة، ورَوَيتُ عنه في "المعجم"، ﵀.
٩٠٤ - ابن السُّهرَوَرْديّ *
الصَّدر الصاحب، جمال الدين عبد الرحمن بن عبد المحمود بن أبي جعفر محمد ابن شيخ الإسلام شهاب الدين عمر بن محمد، القُرَشي التَّيْمي البَكْري السُّهرَوَرْدي ثم البغدادي، ناظر أوقاف العراق وزوج بنت الرَّشيد الوزير.
كان شابًّا مُحتشِمًا تيّاهًا، قليل التقوى متظاهرًا بالمعاصي والجَبَروت والعُتوِّ، بَلَغني عنه أمورٌ عِظام من انتهاك الحُرُمات، شَدَّ عليه ابن البَلَدي وأعوانُه فقتلوه ببغداد في ذي الحِجّة سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، ثم هاجر ابن البَلَدي مع الوزير ابن شروان فأعطاه السلطان إمرةً بدمشق.
٩٠٥ - وليُّ العَهد **
الأمير القائم بأمر الله أبو الفضل محمد ابن أمير المؤمين المُستَكفي
стр. 875
بالله أبي الرَّبيع سليمان ابن أمير المؤمنين الحاكم أبي العباس أحمد بن أبي علي العبّاسي، وليُّ عهدِ والده.
كان عاقلًا سَرِيًّا فَهِمًا أحوَذيًّا، حفظ القرآنَ والفقه، وكان ذا شجاعة ووَقَار، وشَكْل حسنٍ وجَمَال، وله وَقْع في النفوس، وكان يتعانَى الفروسيّة ويُجيد لعب الكُرَة.
قيل: هو كان سبب إنفاذ أبيه إلى بلد قُوص، لكونه صاحَبَ بعضَ الخاصكيّة شابًا وسيمًا يُدعى أبا شامة، زَعَمَ أنه شريف ومعه نسبُه، فأسَرَّ إلى وليِّ العهد بشَرَفه، فنُمَّ الحديثُ إلى السلطان، فجهَّز الخليفةَ وآله كلَّهم في الليل إلى قُوص. ويقال: إن وليَّ العهد سُقِيَ.
تُوفِّي عن مرض قتّال في ليالي من ذي الحِجّة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بقُوص، وله أربع وعشرون سنةً، ﵀.
وله ستة إخوة وثمان أخوات.
وللخليفة في العام ستة وتسعون ألفًا على الجِزْية وغيرها، ومن الغَلّة نحو من أربع مئة غِرارة، ولكن لمّا كان بالقاهرة كان له في السنة أزيدُ من مئتي ألف درهم.
وقيل: إن السلطان لما تَحوَّل إلى الكرك، جهَّزوا له فداويَّين، فكتب إليه الخليفةُ يحذِّره، فظَفِرَ بهما فوسّط أحدهما وطبخ الآخر.
ومات فيها ناصر الدين محمد بن الرّهاوي الكاتب، وشيخ خانقاه بكتمر الشيخ زاده شمس الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد الدوقاتي المولد الكُرْجي المَحتِد، وكان شيخ الشيوخ بديار الرُّوم وجيهًا عندهم، قَدِم الديارَ المصرية وأقام بها، ووَجَدَ مَن دونه متقدِّمًا بها، فأقام شيخًا بالخانقاه
стр. 876
البكتمرية إلى أن أدركه الأجل، وكان من دُهاة العالَم ورجال الدنيا، عفا الله عنا وعنه (١)، والفخر بن هشام الشافعي البياني، وأوحد المهندار الأمير، والمُنشِئ فخر الدين بن الأثير، والبَدْر محمد بن محمد ابن نِعمة المؤذِّن، والمَجْد نصر الله بن الكُرَيدي الكاتب والشهاب بن الزَّرّاد المُتطيلِس، ومدرِّس المقدَّميّة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين علي، وناظرُ وَقْف حلب البدر بن الدَّقّاق، والمفتي شهاب الدين ابن عبد الحق، ومفتي نابُلُس العِماد بن الفَخْر الحنبلي، والمُجِير بن البَقّال، وعبد الرحمن ابن الشيخ محمد البِجَّدي، والأمير محمد بن محمود بن الخِيَمي بمصر، والنجم أبو بكر بن محمد بن عَنتَر، والمُسنِد صالح الأُشْنُهِي، وإبراهيم بن علي بن الخِيَمي بمصر، والقاضي شهاب الدين محمد بن المَجْد الإربلي، وأبو بكر بن محمد بن الرَّضِي، والمفتي زين الدين بن المُرحِّل، وحاجب الشام عاقول، والشهاب أحمد بن منصور بن الجَوهَري، والشيخ محمد بن عبد الله بن رجاء الحَوْراني، ومحمد بن أحمد بن مُنِير الذَّهَبي، وكاتب السِّر محيي الدين بن فضل الله، وكبير الشافعية زَيْن الدين عمر ابن الكتّاني، والقُطْب إبراهيم بن إسحاق ابن صاحب المَوصِل، والقاضي جمال الدين يوسف ابن جُمْلة، وقاضي حَمَاة شرف الدين هِبة الله ابن البارِزِي، والفيلسوف الحكيم رُكن الدين محمد ابن القَوبَع.
٩٠٦ - الصَّفِيّ *
الإمام العلّامة ذو الفُنون، صفيُّ الدين أبو محمد، عبد المؤمن ابن
стр. 877
الخطيب عبد الحق بن شَمائل، البغدادي الحنبلي، مدرِّس البَشيريّة، وصاحب التصانيف.
تفقَّه على النُّور عبد الرحمن بن عمر البصري، وكان والده قد سمع من عبد الحميد بن بُنيمان عن جدِّه أبي العلاء، وعاش نيِّفًا وسبعين سنة ومات في سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
وصفي الدين تُوفِّي في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وله إحدى وثمانون سنة.
سمع من: عبد الصمد بن أبي الجيش، وابن الدَّبّاب، والكمال الفُوَيرِه، وعِدّة، وبدمشق من أبي الفضل ابن عَسَاكر وجماعة، وأجاز له طوائفُ.
وعُنِيَ بالرِّواية، وخرَّج لنفسه "معجمًا" عن نحو ثلاث مئة شيخ، وحدَّث به، وصنَّف في المَذهَب شرحًا لـ "المحرَّر" فأجادَ وأفاد، وألَّف في الفرائض وغير ذلك، وتخرَّج به الفضلاءُ وأَثنَوْا على دينه وفُتوَّته وكرمه، وله نَظْم رائق، ومحاسنُ غزيرة، ولم يتزوَّج بل كان على قَدَم التصرُّف.
سمع معي وكاتَبَني غيرَ مرة، ﵀، وتصانيفُه جَمَّة.
٩٠٧ - ابن خطيب جِبْرِين *
العلّامة ذو الفنون، فخر الدين عثمان بن الزَّين علي بن عثمان، الطائي الحلبي الشافعي المُقرئ، ابن خطيب جِبْرين.
كان أحد الأذكياء، له عمل جيِّد في القراءات وعِلَلها، وفي الفقه وأصوله،
стр. 878
وفي النحو وتصاريفه.
ألَّف شرحًا لـ "الشامل الصغير"، والشامل الصغير هذا لرجل من فُضلاء العجم، يقال له: كريم الدين القَزْويني (١)، في الفقه، وألَّف شرحًا لـ "مختصر ابن الحاجب" وشرحًا لـ "البديع" لابن الساعاتي في الأصول، وألَّف في الفرائض، وفي اللُّغة.
وأخذ القراءات عن التَّاذِفي وأقرأَها، وتخرَّج به علماء، ووليَ القضاء بحلب بعد ابن النَّقيب.
طَلَبه السلطانُ فأهانه، وجَرَت أمور، فمات بمصر هو وابنه الكمال محمد في المحرَّم سنة تسع وثلاثين، وله بِضعٌ وسبعون سنة، مولده في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وست مئة بالقاهرة، وقُدِّر له بالوفاة بها، وأُهِين بظُلْم وتلبيس، ﵀.
٩٠٨ - ابن الكَتَّانِي *
الشيخ، العلّامة كبير الشافعية، زَين الدين أبو حفص عمر بن أبي الحَرَم، الدمشقي، ابن الكَتّاني.
وُلد سنة ثلاث وخمسين.
وتفقَّه وناظر، ثم تحوَّل إلى مصر وبها رأيتُه، وكان تامَّ الشَّكل حسن الهَيْئة، جيِّد الذِّهن، كثير العلم عارفًا بالمَذهَب، مائلًا إلى الحُجّة، خطب ودرَّس، واشتَهَر اسمُه، وذُكِرَ للقضاء، لكن كان في خُلُقه زَعَارَّة، وعنده
стр. 879
قوّة نفس وقِلَّة إنصاف، وما علمتُه تأهَّل، وقد سمع "جزء الأنصاري" وامتنع من الرِّواية، وعاش خمسًا وثمانين سنة.
وكان يُوهِّن بعضَ المسائل لضعف دليلها، ويُلقي دروسًا مفيدة، ويَزبُر من يعارضه، وكان متصوِّنًا متدينًا، مَليح البِزّة، لا يَخضَعُ لقاض ولا أمير، ﵀، درَّس بالمنصوريّة، وغيرها، وروى في دروسه الحديثيّة عن ابن عبد الدائم بالإجازة حديثًا، وله أخبار في نفوره وزَعارَّته.
وتفقَّه على البُرهان المَرَاغي، فقرأ عليه "التحصيل" في الأصول وحَفِظه، وسمع من ابن أبي اليُسْر، وأسعد ابن القَلَانسي، وابن أبي عمر. وعمل قضاءَ دِمياط والمَحَلّة وبِلْبِيس فحُمِد ودرَّس بالفَخْرية وبالمنكوتمرية، وخَطَبَ بجامع الصالح.
٩٠٩ - ابن المُرحِّل *
الإمام العلّامة، زين الدين محمد بن عبد الله ابن خطيب دمشق زين الدين عمر بن مكّي بن المرحِّل، المصري ثم الدمشقي، الشافعي، مدرِّس الشاميّة الكبرى والعَذْراوية.
سمع من طائفةٍ ولم يحدِّث، وأفتى واشتغل وتميَّز، وذُكِر لقضاء الشام، وكان مليحَ الشكل، متصوِّنًا متواضعًا، ذكيًّا عالمًا مناظرًا، كثير المحاسن.
عاشٍ بضعًا وأربعين سنة، تُوفِّي في رجب سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
стр. 880
واشتَغل على عمِّه الشيخ صدر الدين بمصر وبدمشق، سمع معي من إسحاق النَّحَّاس، وقد درَّس بعد عمِّه بالمَشهَد، ونابَ في الحُكْم عن ابن الإخنائي، وسمع أيضًا من ابن مُشرَّف وابن دَقيق العيد.
زلزلة بطرابُلُس
عظيمة، قَتَلت ستين نفسًا، حدَّثني مُوقِّت طرابلس بها سنة أربعين: وَرَدَ كتاب نائب طرابلس طينال إلى ملك الأمراء والملوك، يُنهي: أن في رابع عشر صفر يوم السبت، اشتدَّت الريح بسَمُوم وحرٍّ شديد، وعَصَفَت على جبال عَكَّار، وسقط نجمٌ متّصِل نوره بالأرض كالعمود برَعْد شديد، فانتشرت منه نارٌ تَقسَّم شررُها في أراضي الجون، ثم انعكست النار إلى نواحي الشَّمال، فجاءت المطالَعات إلى طيها بمحاضر شرعية: أن النار سمائية أحرقت جملةً من أشجار الزيتون وبعض بَيَادر، وجفَّفت الثِّمار، وأحرقت بيوتًا، فأحرقت في قرية الظاهريّة بيوتَها، وأحرقت قريةً أخرى تُسمَّى الحرفوشيّة كلُّها أخصاصٌ وضِياع بصافيتا أصابتها النار، وما أحرقت آدمي.
حدَّثني أبو الفتح أحمد بن المُحِب المقدسي: أنه مرَّ بالفِيجة في ثامن عشر صفر سنة أربعين، فرأى قبّة خشب قد احترقت وبقى منها رسوم، واحترق بلِصْقها ثلاثة بيوت، قال: فذكر لي الحاجَّ محمد بن رافع أن الخشب كان لأخيه، فصدَّقه إمام أفرى، وقال: نزلت قطعةٌ من النار من الغيم إلى القبّة نهارًا يوم نصف صَفَر، قال إمام أفرى: وأحرقت النار منديلي، فرأيتُه على كتفه فيه قوّارتان، وكان ذلك آيةً.
نقلتُ من خطِّ الإمام صلاح الدين العَلَائي قال: نسخة كتابٍ وَرَدَ إلى