Полный текст (682 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(١٨٣ فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم
(١٨٤) ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية
(١٨٥) ثم تقام الصلاة فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة
(١٨٧) فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٨٣: (فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم) ، لأن جابراً قال: «كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم عليهم» ، رواه ابن ماجه.
مسألة ١٨٤: (ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ثم يقوم الإمام فيخطب بهم، ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية) لأن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» رواه أبو داود، ولأن جابر بن سمرة قال: «إن رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب» ، رواه مسلم.
مسألة ١٨٥: (ثم تقام الصلاة فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة) إجماعاً نقل الخلف عن السلف.
١ -
مسألة ١٨٦ ويستحب أن يقرأ في الأولى بالحمد وسورة الجمعة، وفي الثانية بالمنافقين أو بسبح والغاشية، لما روى أبو هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بسورة الجمعة والمنافقين في الجمعة» ، وفي حديث النعمان: «كان يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية» ، رواهما مسلم.
مسألة ١٨٧: (فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة) لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» رواه الأثرم، ورواه ابن ماجه ولفظه " فليصل إليها أخرى ".
стр. 107
(١٨٨) وإلا أتمها ظهراً
(١٨٩) وكذلك إن نقص العدد
(١٩٠) أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً
(١٩١) ولا يجوز أن يصلي في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها
(١٩٢) ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة» .
مسألة ١٨٨: (وإن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهراً) قال الخرقي: إذا كان قد دخل بنية الظهر فظاهر هذا أنه لو نوى جمعة لزمه الاستئناف لأنهما صلاتان لا تتأدى إحداهما بنية الأخرى فلم يجز بناؤها عليها كالظهر والعصر، وقال أبو إسحاق بن شاقلا: ينوي جمعة لئلا تخالف نيته نية إمامه، ثم يبني عليها ظهراً لأنهما فرض وقت واحد ردت إحداهما من أربع إلى ركعتين فجاز أن يبني عليها الأربع كالتامة مع المقصورة.
مسألة ١٨٩: (وكذلك إن نقص العدد) يعني عن الأربعين وقد صلوا منها ركعة أتموها جمعة، لأنه شرط يختص بالجمعة فلم يعتبر في أكثر من ركعة كالجماعة، وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهراً كالمسبوق بركوع الثانية.
مسألة ١٩٠: (وإن خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة) لما سبق، (وإن خرج الوقت وقد صلوا أقل من ركعة أتموها ظهراً) لذلك، وقال ﷺ : «من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» رواه ابن ماجه، مفهومه أن من أدرك أقل لا يكون مدركاً لها.
مسألة ١٩١: (ولا يجوز أن يصلي في المصر أكثر من جمعة) ، لأن النبي ﷺ وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة (إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها) فيجوز، لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير فكان إجماعاً، ولأنها صلاة عيد فجاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها.
مسألة ١٩٢: (ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب) لما روى سلمان أن النبي ﷺ قال: "لا «يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم
стр. 108
ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها
(١٩٣) فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما
(١٩٤) ولا يجوز الكلام والإمام يخطب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري، وعنه الغسل واجب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «غسل الجمعة على كل محتلم، وسواك، وأن يمس طيباً» رواه مسلم، والمذهب الأول، لأن النبي ﷺ قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وإن اغتسل فالغسل أفضل» قال الترمذي: حديث حسن، والمراد بالخبر الأول تأكيد الاستحباب، وكذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين، (ويبكر إليها) لقول النبي ﷺ : «من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» رواه ابن ماجه والترمذي.
مسألة ١٩٣: (فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما) لما روى جابر قال: «دخل رجل والنبي ﷺ يخطب، فقال: "صليت يا فلان" قال: لا، قال: "فصل ركعتين» متفق عليه، زاد مسلم: ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليوجز فيهما» .
مسألة ١٩٤: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب) لقوله ﷺ : «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت» متفق عليه، وعنه لا يحرم، لما روى أنس قال:
стр. 109
(١٩٥) إلا الإمام أو من كلمه الإمام
باب صلاة العيدين وهي فرض على الكفاية إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم
(١٩٦) ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال
(١٩٧) والسنة فعلها في المصلى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
«بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله، هلك الكراع، هلك الشاء، فادع الله أن يسقينا» ، متفق عليه، ويحتمل أنه في مخاطبة الإمام خاصة لأنه لا يشتغل بتكليمه عن سماع خطبته.
مسألة ١٩٥: (إلا الإمام أو من كلمه الإمام) لأن النبي ﷺ قال للرجل: " صليت يا فلان " وقال هو على المنبر: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين» ولحديث أنس في الذي قال للنبي ﷺ : «هلك الكراع هلك الشاء» .
[باب صلاة العيدين]
(وهي فرض على الكفاية إذا قام بها أربعون من أهل المصر سقطت عن سائرهم) بدليل قوله سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] المشهور في التفسير أن المراد به صلاة العيد، وهو أمر والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يداومون عليها، ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فأشبهت الجهاد.
مسألة ١٩٦: (وأول وقتها من ارتفاع الشمس إلى الزوال) لأن النبي ﷺ كان يفعلها في هذا الوقت.
مسألة ١٩٧: (والسنة فعلها في المصلى) لأن النبي ﷺ والخلفاء بعده كانوا يفعلونها في الصحراء، فإن كان ثم عذر من مطر أو نحوه لم يكره فعلها في الجامع، لما روى أبو هريرة قال: «أصابنا مطر في يوم عيد، فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد» ، رواه أبو داود.
стр. 110
(١٩٨) وتعجيل الأضحى وتأخير الفطر
(١٩٩) والفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة
(٢٠٠) ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب
(٢٠١) فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرة القيام
(٢٠٢) ويرفع يديه مع كل تكبيرة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٩٨: (والسنة تعجيل الأضحى وتأخير الفطر) لأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة، ففي تأخيرها توسيع لوقتها، ولا يجوز التضحية إلا بعد الصلاة، ففي تعجيلها مبادرة إلى الأضحية.
مسألة ١٩٩: (ويسن الفطر في الفطر خاصة قبل الصلاة) ويمسك في الأضحى حتى يصلي، لما روى بريدة قال: «كان رسول الله لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي» ، رواه الترمذي.
مسألة ٢٠٠: (ويسن أن يغتسل ويتنظف ويتطيب) لما روي أن النبي ﷺ قال في يوم جمعة من الجمع: «إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين، فاغتسلوا» [رواه ابن ماجه] ولأنه يوم شرع فيه الاجتماع للصلاة فسن فيه ذلك كالجمعة.
مسألة ٢٠١: (فإذا حلت الصلاة تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة) ولا خلاف بينهم أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان (يكبر في الأولى) بعد الاستفتاح وقبل التعوذ (ستاً سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية) بعد القيام من السجود (خمساً) لما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام» رواه أبو داود.
مسألة ٢٠٢: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) لأن «النبي ﷺ كان يرفع يديه مع
стр. 111
(٢٠٣) ويحمد الله ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين
(٢٠٤) ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة)
(٢٠٥) فإذا سلم خطب بهم خطبتين
(٢٠٦) فإن كان فطراً حثهم على الصدقة وبين لهم حكمها، وإن كان أضحى بين لهم حكم الأضحية
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
التكبير» ، وروى الأثرم عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة والعيد، ولا يعرف له مخالف.
مسألة ٢٠٣: (ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين) لما روى الأثرم في سننه عن علقمة أن علقمة وعبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوماً فقال: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله: تبدأ تكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، إلى أن قال: وتركع ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي ﷺ ثم تدعو ثم تكبر، وتفعل مثل ذلك، وذكر في الحديث: فقال أبو موسى وحذيفة: صدق.
مسألة ٢٠٤: (ثم يقرأ الفاتحة وسورة يجهر فيهما بالقراءة) ، لما روى النعمان بن بشير قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما» [رواه أحمد] ، وقال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي إخبار من أخبر بقراءة النبي ﷺ دليل على أنه كان يجهر، ولأنها صلاة عيد أشبهت الجمعة.
مسألة ٢٠٥: (فإذا سلم خطب بهم خطبتين) يجلس بينهما، لما روى ابن ماجه عن أبي الزبير عن جابر قال: «خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب خطبة قائماً ثم قعد قعدة ثم قام» [رواه ابن ماجه] .
مسألة ٢٠٦: (فإن كان فطراً حثهم فيها على الصدقة وبين لهم ما يخرجون) فيذكر لهم قدرها ووجوبها ووقت إخراجها، (وإن كان أضحى رغبهم في الأضحية) ووقتها وأنها
стр. 112
والتكبيرات الزوائد والخطبتان سنة
(٢٠٧) ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها
(٢٠٨) ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها
(٢٠٩) ومن فاتته فلا قضاء عليه، فإن أحب صلاها تطوعاً، إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً، وإن شاء صلاها على صفتها
(٢١٠) ويستحب التكبير في ليلتي العيدين
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
سنة وما يجزئ منها والعيوب التي تمنع منها ليعملوا بذلك، (والتكبيرات الزوائد والذكر بينها سنة) وهي التي بين تكبيرات الصلاة وقد سبق ذكرها، بدليل حديث علقمة وابن مسعود، ولأن النبي ﷺ كان يقول ذلك.
مسألة ٢٠٧: (ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضعها) إماماً كان أو مأموماً، لما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» ، متفق عليه، ولا بأس بالصلاة بعد رجوعه لما روى أبو سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» ، رواه ابن ماجه.
مسألة ٢٠٨: (ومن أدرك الإمام قبل سلامه أتمها على صفتها) لأنه قضاء فكان على صفته كبقية الصلوات.
مسألة ٢٠٩: (وإن فاتته فلا قضاء عليه) لأنها ليست فرض عين فلا يلزمه قضاؤها كصلاة الجنازة (وإن أحب صلاها تطوعاً: إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعاً، وإن شاء صلاها على صفتها) لأنه تطوع نهار فكانت الخيرة إليه فيه كصلاة الضحى، يعني إن شاء ركعتين وإن شاء أربعا، وعن عبد الله بن مسعود: من فاته صلاة العيد فليصل أربعاً، وإن شاء صلاها على صفتها، لأن أنساً ﵁ كان يجمع أهله ويصلي بهم ركعتين يكبر فيهما، ولأنه قضاء فكان على صفته كبقية الصلوات.
مسألة ٢١٠: (ويستحب التكبير في ليلتي العيدين) لقوله سبحانه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وعن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال
стр. 113
ويكبر في الأضحى عقيب الفرائض في الجماعة من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق
(٢١١) وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أن يكبروا، هذا في الفطر، (وأما في الأضحى فالتكبير فيه) على ضربين: مطلق ومقيد، فالمطلق التكبير في جميع الأوقات من أول الشهر إلى آخر أيام التشريق، لقوله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قيل هي أيام التشريق، وقيل أيام النحر، وقيل العشر، والتكبير من أول العشر إلى آخر أيام التشريق يجمع الأقوال الثلاثة، وأما المقيد فهو التكبير (في أدبار الصلوات، من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق) ، قيل لأحمد ﵀: أي حديث تذهب إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع، علي وعمر وابن عباس وابن مسعود ﵃.
مسألة ٢١١: (وصفة التكبير شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) لأن ذلك يروى عن علي وابن مسعود ﵄، وفي حديث جابر أن النبي ﷺ كبر تكبيرتين، ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعاً كتكبير الأذان
стр. 114
كتاب الجنائز وإذا تيقن موته غمضت عيناه
(١) وشد لحياه
(٢) وجعل على بطنه مرآة أو غيرها
(٣) فإذا أخذ في غسله سترت عورته
(٤) ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً
(٥) ثم يلف على يده خرقة فينجيه بها
(٦) ثم يوضئه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الجنائز]
(وإذا تيقن موته غمضت عيناه) لما روى شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح» من المسند [رواه أحمد] [وفي الصحيح قريبا من لفظه] ولأنه إذا لم تغمض عيناه بقيتا مفتوحتين فيقبح منظره.
مسألة ١: (وشد لحياه) بعصابة عريضة تجمع لحييه، ثم يشدها إلى رأسه لئلا يفتح فاه فيقبح منظره ويدخل فيه ماء الغسل.
مسألة ٢: (ويجعل على بطنه مرآة أو غيرها) لئلا ينتفخ بطنه.
مسألة ٣: (فإذا أخذ في غسله ستر عورته) بثوب لأن «النبي ﷺ سجي ببرد حبرة» ، متفق عليه.
مسألة ٤: (ثم يعصر بطنه عصراً رفيقاً) ليخرج ما في جوفه من فضلة حتى لا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيفسد الكفن.
مسألة ٥: (ثم يلف على يده خرقة ثم ينجيه بها) ولا يحل مس عورته لأن رؤيتها محرم فمسها أولى.
مسألة ٦: (ثم يوضئه) وضوءه للصلاة، لما روت أم عطية أنها قالت: «لما غسلنا
стр. 115
(٧) ثم يغسل رأسه ولحيته بماء وسدر
(٨) ثم شقه الأيمن ثم الأيسر ثم يغسله كذلك مرة ثانية يمر في كل مرة يده
(٩) فإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر، ويعيد وضوءه، وإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع
(١٠) ثم ينشفه بثوب
(١١) ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده وإن طيبه كله كان حسناً
(١٢) ويجمر أكفانه، وإن كان شاربه أو أظفاره طويلة أخذ منه ولا يسرح شعره
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ابنة رسول الله ﷺ قال: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» متفق عليه ولأن الحي يتوضأ إذا أراد الغسل فكذلك الميت.
مسألة ٧: (ثم يغسل مقدم رأسه ولحيته بماء وسدر) لتذهب عنه الأوساخ والأدران.
مسألة ٨: (ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر) لقوله ﷺ : «ابدأن بميامنها» (ثم يغسله كذلك مرة ثانية وثالثة، يمر في كل مرة يده) على بطنه لقول النبي ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» متفق عليه.
مسألة ٩: (وإن خرج منه شيء غسله وسده بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر، ويعيد وضوءه) لأنه انتقض (فإن لم ينق بثلاث زاد إلى خمس أو إلى سبع) للخبر.
مسألة ١٠: (ثم ينشفه بثوب) وذلك مستحب لئلا تبل أكفانه، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي ﷺ قال: " فجففوه بثوب " ذكره القاضي.
مسألة ١١: (ويجعل الطيب في مغابنه ومواضع سجوده) لأن المغابن مواضع الأوساخ وأماكن السجود تطيب لشرفها، (وإن طيبه كله كان حسناً) لقوله ﷺ : «واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور» [رواه البخاري] .
مسألة ١٢: (ويجمر أكفانه) يعني يبخرها كما يفعل الحي، (وإن كان شاربه طويلاً أو أظفاره أخذ منه) لأن ذلك سنة في حياته، ويترك في أكفانه لأنه من أجزائه، وكذلك
стр. 116
(١٣) والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها
(١٤) ثم يكفن في ثلاث أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة
(١٥) يدرج فيها إدراجاً
(١٦) وإن كفن في قميص وإزار ولفافة فلا بأس
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كل ما يسقط منه (ولا يسرح شعره) لأن عائشة ﵂ قالت: علام غير ميتكم؟ يعني لا تسرحوا شعره بالمشط ولأنه يقطع الشعر وينتفه.
مسألة ١٣: (والمرأة يضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها) لما روت أم عطية قالت: «ضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها، تعني ابنة رسول الله ﷺ » [رواه مسلم] .
مسألة ١٤: (ثم يكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة) لقول عائشة ﵂: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة» ، متفق عليه، ولأن أكمل أحوال الحي حالة الإحرام وهو لا يلبس فيها قميصاً ولا عمامة فكذلك حال موته.
مسألة ١٥: (يدرج فيها إدراجاً) فيؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها فتبسط على بساط ليكون الظاهر للناس أحسنها لأن هذه عادة الحي، ثم تبسط الثانية فوقها ثم الثالثة فوقها، ثم يحمل فيوضع عليها مستلقياً ليكون أمكن لإدراجه فيها، ثم يثني طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوق طرف الآخر، وإنما استحب له ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن عند وضعه في القبر، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ذلك جمع طرف العمامة فيرده على وجهه ورجليه إلا أن يخاف انتشارها فيعقدها، فإذا وضع في القبر حلها.
مسألة ١٦: (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة فلا بأس) والأول أفضل، وقد روى البخاري «أن النبي ﷺ ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات» ، فيؤزر بالمئزر ويلبس القميص ثم يلف باللفافة بعد ذلك، قال أحمد ﵁: أحب إلي أن يكون مثل قميص الحي، له كمان وتحريستان وإزار.
стр. 117
(١٧) والمرأة تكفن في خمسة أثواب، في درع ومقنعة وإزار ولفافتين
(١٨) وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك
(١٩) ثم الأب ثم الجد ثم الأقرب فالأقرب من العصبات
(٢٠) وأولى الناس بغسل المرأة الأم ثم الجدة ثم الأقرب فالأقرب من نسائها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٧: (تكفن المرأة في خمسة أثواب: درع وإزار ومقنعة ولفافتين) لما روى أبو داود عن ليلى بنت قائف الثقفية قالت: «كنت في غسل أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في ثوب آخر» ، ولأن المرأة تزيد في حياتها على الرجل في السترة لزيادة عورتها على عورته فكذلك في موتها، وتلبس المخيط في إحرامها فلبسته في مماتها.
مسألة ١٨: (وأحق الناس بغسله والصلاة عليه ودفنه وصيه في ذلك) لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس فقدمت لذلك، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل، ولأنه حق للميت فقدم وصيه فيه على غيره كتفريق ثلثه، ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوصي في الصلاة مقدم على غيره، فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب وابنه حاضر، وأوصى ابن مسعود أن يصلي عليه الزبير، وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه أبو برزة، وأوصت عائشة ﵂ أن يصلي عليها أبو هريرة ولم يعرف لهم مخالف مع كثرته وشهرته فكان إجماعاً، ولأن الغرض من الصلاة الدعاء والشفاعة إلى الله فالظاهر أن الميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحاً في نفسه وأقرب إلى الله وسيلة ليشفع له.
مسألة ١٩: (ثم الأب) لمكان شفقته (ثم جده) كذلك ثم ابنه وإن نزل كذلك (ثم الأقرب فالأقرب من عصباته) ثم الرجل من ذوي أرحامه ثم الأجانب.
مسألة ٢٠: (وأولى الناس بغسل المرأة) الأقرب فالأقرب من نسائها (أمها ثم جدتها) ثم ابنتها (ثم الأقرب فالأقرب) ثم الأجنبيات كالرجل.
стр. 118
(٢١) إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده
(٢٢) والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة
(٢٣) ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ
(٢٤) ثم يكبر ويقول: اللهم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢١: (إلا أن الأمير يقدم في الصلاة على الأب ومن بعده) لقوله ﷺ : «لا يؤمن الرجل في سلطانه» [رواه مسلم] وروى الإمام أحمد أن عمارًا مولى بني هاشم قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي، فصلى عليها سعد بن العاص، وكان أمير المدينة، قال: وخلفه يومئذ ثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ منهم ابن عمر والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة، ولأنها صلاة شرع لها الاجتماع فأشبهت سائر الصلاة، وكان النبي ﷺ يصلي على الجنائز، مع حضور أقاربها، والخلفاء، ولم ينقل أنهم استأذنوا ولي الميت في التقدم.
مسألة ٢٢: (والصلاة عليه يكبر ويقرأ الفاتحة) لأن النبي ﷺ «كبر على النجاشي أربعًا» متفق عليه، ويقرأ الحمد في الأولى لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب» «وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بأم القرآن، وقال: لتعلموا أنها من السنة، أو قال: من تمام السنة» رواه البخاري.
مسألة ٢٣: (ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي ﷺ ) لما روى ابن سهل عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن «السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة [الأولى سرا في نفسه] ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه» رواه الشافعي في مسنده.
مسألة ٢٤: (ثم يكبر ويدعو) للميت في الثالثة؛ لقوله ﷺ : «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود، ولأنه المقصود فلا يجوز الإخلال به، ويدعو
стр. 119
اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وجوارًا خيرًا من جواره، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، وأفسح له في قبره ونور له فيه
(٢٥) ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بما روى أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا) » حديث صحيح [رواه الترمذي] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه، وزاد فيه: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» رواه أبو داود، وعن عوف بن مالك قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت» . رواه مسلم.
مسألة ٢٥: (ثم يكبر ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه) لقوله ﷺ : «تحليلها التسليم» [رواه أبو داود] .
стр. 120
(٢٦) ويرفع يديه مع كل تكبيرة
(٢٧) والواجب من ذلك التكبيرات، والقراءة، والصلاة على النبي ﷺ ، وأدنى دعاء الحي للميت، والسلام،
(٢٨) ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر
(٢٩) وإن كان الميت غائبًا عن البلد صلى عليه بالنية
(٣٠) ومن تعذر غسله لعدم الماء أو لخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق أو لكون المرأة بين رجال أو الرجل بين نساء فإنه ييمم،
(٣١) إلا أن لكل من الزوجين غسل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢٦: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) لأن عمر ﵁ كان يرفع يديه في تكبيرة الجنازة والعيد، ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود فسن لها الرفع كتكبيرة الإحرام.
مسألة ٢٧: (والواجب من ذلك: التكبيرات والقراءة والصلاة على النبي ﷺ وأدنى دعاء للميت والسلام) وقد سبق دليل ذلك.
مسألة ٢٨: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر) لما «روي عن ابن عباس أنه مر مع النبي ﷺ على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه» ، متفق عليه، ولا يصلى على القبر بعد شهر إلا بقليل، لأن أكثر ما نقل عن النبي ﷺ «أنه صلى على أم سعد بن عبادة بعدما دفنت بشهر» رواه الترمذي، ولأنه لم يعلم بقاؤه أكثر من شهر فيقيد به.
مسألة ٢٩: (وإن كان الميت غائبًا عن البلد صلى عليه بالنية) لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي ﵀ في اليوم الذي مات فيه فصف بهم في المصلى وكبر أربعًا» . متفق عليه.
مسألة ٣٠: (ومن تعذر غسله لعدم الماء أو للخوف عليه من التقطع كالمجدور أو المحترق أو لكون المرأة بين الرجال أو الرجل بين النساء فإنه ييمم) لأنها طهارة على البدن فيدخلها التيمم عند العجز من استعمال الماء كالجنابة.
مسألة ٣١: (إلا أن لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه) لأن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله زوجته أسماء فقامت بذلك، وقالت عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما
стр. 121
(صاحبه، وكذلك أم الولد مع سيدها،
(٣٢) والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصل عليه، وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمل في ثيابه (٣٣) وإن كفن بغيرها فلا بأس
(٣٥) والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطًا، ولا يقرب طيبًا، ولا يغطى رأسه،
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه [رواه ابن ماجه] «وقال النبي ﷺ لعائشة: " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك» رواه ابن ماجه، وقد غسل علي فاطمة ﵄، ولم ينكره منكر فكان إجماعًا، ولأنه أحد الزوجين فأشبه الآخر، (وكذلك للسيد مع أم ولده) لأنها محل استمتاعه فأشبهت الزوجة.
مسألة ٣٢: (والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل ولم يصل عليه) لما روى جابر: «أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أُحُد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم» رواه البخاري. (وينحى عنه الحديد والجلود ثم يزمل في ثيابه) لما روى ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» رواه أبو داود.
مسألة ٣٣: (وإن كفن في غيرها فلا بأس) لأن «صفية أرسلت إلى النبي ﷺ ثوبين ليكفن حمزة فيهما، فكفنه رسول الله ﷺ في أحدهما وكفن في الآخر رجلًا آخر» [رواه الترمذي] قال يعقوب بن شيبة: هو صالح الإسناد.
مسألة ٣٤: وعنه: يصلى على الميت وإن قتل في المعركة، لما روى عقبة بن عامر: «أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف» متفق عليه.
مسألة ٣٥: (والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يلبس مخيطًا، ولا يغطى رأسه، ولا يقرب طيبًا) لما روى ابن عباس قال: «بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فمات،
стр. 122
(٣٦) ولا يقطع شعره ولا ظفره
(٣٧) ويستحب دفن الميت في لحد، وينصب عليه اللبن نصبًا كما صنع برسول الله ﷺ
(٣٨) ولا يدخل القبر آجرًا ولا خشبًا ولا شيئًا مسته النار
(٣٩) ويستحب تعزية أهل الميت
(٤٠) والبكاء عليه غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فقال رسول الله ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليه.
مسألة ٣٦: (ولا يقطع شعره ولا ظفره) كحال حياته.
مسألة ٣٧: (ويستحب دفن الميت في لحد، وينصب عليه اللبن نصبًا) «لقول سعد بن مالك ﵁: ألحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ » [رواه النسائي] .
مسألة ٣٨: (ولا يدخل القبر آجرًا ولا خشبًا ولا شيئًا مسته النار) لما روي عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر، وكره ما مسته النار للتفاؤل بالنار.
مسألة ٣٩: (ويستحب تعزية أهل الميت) لما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «من عزى مصابًا فله مثل أجره» حديث غريب [رواه الترمذي] .
مسألة ٤٠: (والبكاء عليه غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة) لما روي «أن النبي ﷺ دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية فبكى وبكى معه أصحابه، فقال: "ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا" وأشار إلى لسانه» متفق عليه.
١ -
مسألة ٤١: (ولا يجوز الندب ولا النياحة، لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود:
стр. 123
(٤٢) ولا بأس بزيارة القبور للرجال
(٤٣) ويقول إذا مر بها أو زارها: سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم، نسأل الله لنا ولكم العافية،
(٤٤) وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
«ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه، وقال أحمد في قوله سبحانه: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] هو النوح فسماه معصية.
مسألة ٤٢: (ولا بأس بزيارة القبور للرجال) لأن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الموت» رواه مسلم.
مسألة ٤٣: (ويقول إذا مر بها أو زارها) ما رواه مسلم قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله العظيم لنا ولكم العافية) » .
مسألة ٤٤: (وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وروى أبو داود «أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : " إن أمي توفيت أفينفعها إن قضيت عنها؟ " قال: " نعم» ، «وقال ﷺ للمرأة التي قالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: " فدين الله أحق بالقضاء» [رواه مسلم] ، وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير، وقد صح الحديث: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله» [رواه البخاري] والله سبحانه أكرم من أن يوصل إليه العقوبة ويحجب عنه المثوبة.
стр. 124
كتاب الزكاة وهي واجبة على كل مسلم حر ملك نصابًا ملكًا تامًا
(١) ولا زكاة في مال حتى
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب الزكاة]
(وهي واجبة على كل مسلم حر ملك نصابًا ملكًا تامًا) لأنها أحد مباني الإسلام أشبهت الحج.
ولا تجب الزكاة إلا بشروط:
منها: الإسلام، فلا تجب على كافر لأنها من فروع الإسلام أشبهت الصيام.
الشرط الثاني: الحرية، فلا تجب على عبد لأن ما في يده لسيده، فإن ملكه سيده مالًا وقلنا لا يملك فزكاته على سيده لأنه مالكه، وإن قلنا يملك فلا زكاة فيه لأن سيده لا يملكه، وملك العبد ضعيف لا يحتمل المواساة.
ولا تجب على مكاتب كذلك.
مسألة ١: (ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) وهو الشرط الثالث (إلا في الخارج من الأرض) لما روى ابن ماجه عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» أخرجه الترمذي، وهو عام في كل مال زكاتي لأن المراد به المواشي والأثمان وعروض التجارة، وخرج منه الخارج من الأرض كالزرع والثمار والمعدن، والفرق بينهما أن ما اعتبر فيه الحول مرصد للنماء: فالماشية للدر والنسل، وعروض التجارة للربح، وكذا الأثمان، فاعتبر لها الحول لأنه مظنة النماء ليكون إخراج الزكاة من الربح فإنه أسهل وأيسر، ولم تعتبر حقيقة النماء لعدم ضبطه فاعتبرت مظنته وهو الحول ولم يلتفت إلى الحقيقة كالحكم مع سببه، وأما الخارج من
стр. 125
يحول عليه الحول إلا في الخارج من الأرض
(٢) ونماء النصاب من النتاج والربح، فإن حولهما حول أصلهما
(٣) ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة
(٤) ولا زكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ نصابًا
(٥) وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه إلا السائمة فلا شيء في أوقاصها
باب زكاة السائمة وهي الراعية وهي ثلاثة أنواع: أحدها: الإبل، ولا شيء فيها حتى تبلغ خمسًا فيجب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الأرض فإنه نماء في نفسه يتكمل دفعة واحدة فتؤخذ زكاته دفعة واحدة عند تكمل نمائه ثم لا شيء فيه بعد ذلك لعدم إرصاده للنماء، إلا أن الخارج من المعدن إذا كان ذهبًا أو فضة فإن الزكاة تؤخذ منه ثانيًا عند تمام كل حول لكونه مظنة النماء.
مسألة ٢: (ونماء النصاب من النتاج والربح، فإن حولهما حول أصلهما) لأنهما تبع لأصلهما ومتولدان منه.
مسألة ٣: (ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة) وسيأتي ذلك في موضعه، ولا تجب في غير ذلك لأن الأصل عدم الزكاة فيبقى على الأصل.
مسألة ٤: (ولا زكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ نصابًا) وذلك ثابت بالإجماع والأخبار الصحاح، أخبار صدقات المواشي: «في خمس من الإبل شاة، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ثلاثين من البقر تبيع، وفي أربعين من الغنم شاة» روى ذلك البخاري.
مسألة ٥: (وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه إلا في السائمة) على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[باب زكاة السائمة]
(هي الراعية) في أكثر الحول، لأنها لا تخلو من علف في بعضه، فاعتباره في الحول يمنع الوجوب بالكلية فاعتبر في معظمه، (وهي ثلاثة أنواع: أحدها الإبل ولا شيء فيها
стр. 126
فيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض وهي بنت سنة، فإن لم تكن عنده فابن لبون، وهو ابن سنتين، إلى ست وثلاثين فيجب فيها بنت لبون، إلى ست وأربعين فيجب فيها حقة لها ثلاث سنين، إلى إحدى وستين فيجب فيها جذعة لها أربع سنين، إلى ست وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون،
ثم
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
حتى تبلغ خمسًا فيجب فيها شاة) ، لما روى البخاري عن أنس «أن أبا بكر كتب له حين وجهه إلى البحرين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسول الله ﷺ : في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، (فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستًا وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل) فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة، وهذا مجمع عليه إلى أن تبلغ عشرين ومائة، قاله ابن المنذر (فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون) لأن في حديث الصدقات الذي كتبه النبي ﷺ وكان عند آل عمر " فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون» وهو حديث حسن [رواه ابن ماجه] وبنت المخاض التي لها سنة وقد حملت أمها فهي بنت مخاض يعني بنت حامل، وبنت اللبون التي لها سنتان سميت بذلك لأن أمها ولدت غيرها
стр. 127
(٦) في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، إلى مائتين فيجتمع فيها الفرضان: فإن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء خمس بنات لبون
(٧) ومن وجبت عليه سن فلم يجدها أخرج أدنى منها ومعها شاتان أو عشرون درهمًا، وإن شاء أخرج أعلى منها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) (النوع الثاني: البقر، ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، إلى أربعين ففيها مسنة لها سنتان، إلى ستين ففيها تبيعان، إلى سبعين ففيها تبيع ومسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
فهي ذات لبن، والحقة لها ثلاث سنين سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل، والجذعة لها أربع سنين.
مسألة ٦: (في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون إلى مائتين فيجتمع فيها الفرضان، فإن شاء أخرج أربع حقاق وإن شاء أخرج خمس بنات لبون) للخبر.
مسألة ٧: (ومن وجبت عليه سن فلم يجدها أخرج أدنى منها ومعها شاتان أو عشرون درهمًا، وإن شاء أخرج أعلى منها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) ، لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر قال: ومن «بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت اللبون ويعطي شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهمًا» والخيرة في ذلك كله لرب المال للخبر.
(النوع الثاني: البقر، ولا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيجب فيها تبيع أو تبيعة لها سنة، إلى أربعين ففيها مسنة لها سنتان، إلى ستين ففيها تبيعان، إلى سبعين ففيها تبيع ومسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة) لما روى الإمام أحمد بإسناده عن يحيى بن الحكم «أن معاذًا قال: بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن
стр. 128
(النوع الثالث: الغنم، ولا شيء فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة
(٨) ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا ذات عوار ولا هرمة
(٩) ولا الربى ولا الماخض ولا الأكولة
(١٠) ولا يؤخذ شرار المال ولا كرائمه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
العشر ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني ألا آخذ فيما بين ذلك إلا أن تبلغ مسنة أو جذعا» . (النوع الثالث: الغنم، ولا شيء فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة) لما روى أنس في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاث مائة ففي كل مائة شاة. فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» . وعن الإمام أحمد أن في ثلاث مائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة، اختارها أبو بكر؛ لأن النبي ﷺ جعل الثلاث مائة غاية فيجب تعيين الفرض بالزيادة عليها، والأول أصح، ولأن النبي ﷺ جعل حكمها إذا زادت على ثلاث مائة في كل مائة شاة، فإيجاب أربع فيما دون الأربع مائة يخالف الخبر، وإنما جعل الثلاث مائة حدًا لاستقرار الفرض.
مسألة ٨: (ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار وهي المعيبة) لقوله سبحانه: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وروى أنس في كتاب الصدقات: «ولا يجزئ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس» [رواه البخاري] .
مسألة ٩: (ولا تؤخذ الربى) وهي التي تربي ولدها لأجل ولدها، ولا الحامل التي حان ولادها وهي (الماخض، ولا الأكولة) وهي السمينة.
مسألة ١٠: (ولا يؤخذ شرار المال ولا كرائمه) لقوله ﷺ : «إن الله لم يسألكم خيره ولا يأمركم بشره» رواه أبو داود، «وقال ﷺ لمعاذ: " إياك وكرائم
стр. 129
(١١) إلا أن يتبرع به أرباب المال
(١٢) ولا يخرج إلا أنثى صحيحة إلا في الثلاثين من البقر وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها
(١٣) إلا أن تكون ماشية كلها ذكور أو مراض فيجزئ واحد منها
(١٤) ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز والسن المنصوص عليها
(١٥) إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أموالهم» متفق عليه، وقال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاة ثلاثًا، ثلثًا خيارًا وثلثًا شرارًا وثلثًا وسطًا، ويأخذ المصدق من الوسط.
مسألة ١١: (إلا أن يتبرعوا به) يعني أرباب المال إذا تبرعوا بالخيار جاز أخذه لأن المنع من أخذه لحقه فجاز برضاه كما لو دفع فرضين مكان فرض.
مسألة ١٢: (ولا يخرج إلا الأنثى الصحيحة إلا في ثلاثين من البقر وابن لبون مكان بنت مخاض إذا عدمها) لورود النص فيها فيما سبق ولفضيلة الأنثى بدرها ونسلها.
مسألة ١٣: (إلا أن تكون ماشية كلها ذكور فتجزئ واحدة منها) لأنها الزكاة وجبت مواساة، والمواساة إنما تكون بجنس المال.
مسألة ١٤: (ولا يخرج إلا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز) وهي التي لها سنة، وجذع الضأن له ستة أشهر، (والسن المنصوص عليها) قال سويد بن غفلة: «أتانا مصدق رسول الله ﷺ وقال: أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز» ولأن جذعة الضأن تجزئ من الأضحية بخلاف جذعة المعز بدليل قوله لأبي بردة في جذعة المعز: «تجزيك ولا تجزئ عن أحد بعدك» [رواه ابن ماجه] .
مسألة ١٥: (إلا أن يختار رب المال إخراج سن أعلى من الواجب) لما روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن رجلًا قدم على النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي فزعم أن مالي فيه بنت مخاض فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال له رسول الله ﷺ : " ذلك الذي وجبت عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه
стр. 130
(١٦) أو تكون كلها صغارًا فيخرج صغيرة،
(١٧) وإن كان فيها صحاح ومراض وذكور وإناث وصغار وكبار أخرج صحيحة كبيرة قيمتها على قيمة المالين
(١٨) فإن كان فيها بخاتي وعراب وبقر وجواميس ومعز وضأن وكرام ولئام وسمان ومهازيل أخذ من أحدهما بقدر قيمة المالين
(١٩) وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولًا كاملًا وكان مرعاهم وفحلهم ومبيتهم ومحلبهم ومشربهم واحدًا فحكم زكاتها حكم زكاة الواحد
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
منك " فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له بالبركة» [رواه أبو داود] .
مسألة ١٦: (أو تكون ماشيته كلها صغارًا فيخرج صغيرة) ، ويتصور ذلك إذا كان عنده نصاب كبار فأبدلها بصغار في أثناء الحول، أو تولدت الكبار ثم ماتت وحال الحول على الصغار، فيجوز إخراج الصغيرة، لقول أبي بكر ﵁: لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول ﷺ لقاتلتهم عليها [رواه البخاري] ولا تؤدى العناق إلا عن الصغار.
مسألة ١٧: (وإن كان فيها صحاح ومراض وذكور وإناث أخرج صحيحة كبيرة على قدر المالين) لأن الزكاة وجبت مواساة فيجب أن تكون من رأس المال.
مسألة ١٨: (وإن كان فيها بخاتي وعراب وبقر وجواميس ومعز وضأن وكرام ولئام وسمان ومهازيل أخذت الفريضة من أحدهما على قدر قيمة المالين) فإن كانت قيمة الفرض من أحدهما عشرة ومن الآخر عشرين أخذ من أيهما شاء ما قيمته خمسة عشر إلا أن يرضى رب المال بإخراج الأجود.
مسألة ١٩: (وإن اختلط جماعة في نصاب من السائمة حولًا كاملًا وكان مرعاهم وفحلهم ومبيتهم ومشربهم واحدًا فحكم زكاتهم حكم زكاة الواحد) سواء كانت خلطة أعيان بأن تكون مشاعًا بينهما أو خلطة أوصاف بأن يكون مال كل واحد منهما متميزًا فخلطاه واشتركا في المراح والمسرح والمحلب والمشرب والراعي والفحل، فإن اختل شرط منها أو ثبت لهما حكم الانفراد في بعض الحول زكيا زكاة المنفردين فيه، والأصل في الخلطة ما روى أنس في حديث الصدقات: «ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين
стр. 131
(٢١) وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم منه
(٢٢) ولا تؤثر الخلطة إلا في السائمة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ولأن المالين صارا كالمال الواحد في الكلف فكذلك في الصدقة.
١ -
مسألة ٢٠: ويعتبر للخلطة شروط أربعة:
الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتبًا أو ذميًا فلا أثر لخلطته لأنه لا زكاة في ماله فلم يكمل النصاب به.
الثاني: أن يختلطا في نصاب، فإن كان دونه مثل ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن لأن المجتمع دون النصاب.
الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة فلا تؤثر في غيرها لأن النص اختص بها.
الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها وهي: المسرح، والمشرب والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» ، والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي، نص على هذه الثلاثة فنبه على سائرها، ولأنه إذا تميز كل مال بشيء مما لهما حكم الانفراد في بعضه زكيا زكاة المنفردين فيه، لأن الخلطة معنى يتعلق به إيجاب الزكاة فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب.
مسألة ٢١: (وإذا أخرج الفرض من مال أحدهم رجع على خلطائه بحصصهم منه) لقوله ﷺ : «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» رواه أنس في حديث الصدقات [أخرجه البخاري] .
مسألة ٢٢: (ولا تؤثر الخلطة في غير السائمة) وعنه تؤثر في شركة الأعيان لعموم الخبر، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت فيه الخلطة كالسائمة، ودليل الأولى قوله ﷺ : «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» رواه الدارقطني، وهذا مفسر
стр. 132
باب زكاة الخارج من الأرض وهو نوعان: أحدهما: النبات، فتجب الزكاة منه في كل حب وثمر يكال ويدخر إذا خرج من أرضه وبلغ خمسة أوسق، لقول رسول الله ﷺ : «ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» . والوسق ستون صاعًا والصاع رطل بالدمشقي وأوقية وخمسة أسباع أوقية، فجميع النصاب ما قارب ثلاثمائة واثنين وأربعين رطلاً وستة أسباع رطل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
للخلطة شرعًا فيجب تقديمه، ولأن الخلطة في السائمة أثرت في الضرر كتأثيرها في النفع، وفي غيرها لا تؤثر في النفع لعدم الوقص فيها، وقوله ﷺ : «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» دليل على اختصاص ذلك بالسائمة التي تقل الصدقة بجمعها لأجل الأوقاص بخلاف غيرها.
[باب زكاة الخارج من الأرض]
(وهو نوعان: أحدهما: النبات، فتجب الزكاة فيه في كل حب وثمر يكال ويدخر) لقوله سبحانه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري.
مسألة ٢٣: ولا تجب إلا بخمسة شروط:
أحدها: أن يكون حبًا أو ثمرًا لقول النبي ﷺ : «لا زكاة في ثمر ولا حب حتى يبلغ خمسة أوسق» وهذا يدل على وجوبها في الحب والثمر وانتفائها من غيرهما.
الثاني: أن يكون مكيلا لتقديره بالأوسق وهي مكاييل فيدل ذلك على اعتبارها.
الثالث: أن يكون مما يدخر لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر، ولأن غير المدخر لم تكمل ماليته لعدم التمكن من الانتفاع به في المال.
стр. 133
(٢٤) ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح
(٢٥) وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة)
(٢٦) ولا يخرج الحب إلا مصفى ولا الثمر إلا يابسًا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الرابع: أن يبلغ نصابًا قدره بعد التصفية في الحبوب والجفاف في الثمار خمسة أوسق لقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» [رواه البخاري] ، والوسق ستون صاعًا حكاه ابن المنذر إجماعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث، والمجموع ثلاثمائة صاع وهي ألف وستمائة رطل بالعراقي، والرطل مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو بالرطل الدمشقي المقدر بستمائة درهم ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلا وستة أسباع رطل. والأوساق مكيلة ونقلت إلى الوزن لتحفظ وتنقل، قال الإمام أحمد: وزنته - يعني الصاع - فوجدته خمسة أرطال وثلثًا حنطة، وهذا يدل على أن قدره ذلك من الحبوب الثقيلة.
الشرط الخامس: أن يكون النصاب مملوكًا له وقت وجوب الزكاة لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] فلا تجب فيما يكتسبه باللقاط ولا ما يأخذه بحصاده ولا ما يجتنيه من المباح كالبطم والزعبل ونحوه.
مسألة ٢٤: (ويجب العشر فيما سقي من السماء والسيوح، ونصف العشر فيما سقي بكلفة) للخبر في أول الباب.
مسألة ٢٥: (وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة) لأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات فأشبه اليابس، وقبله لا يقصد لذلك فهو كالرطبة.
مسألة ٢٦: (ولا يخرج الحب إلا مصفى ولا الثمر إلا يابسًا) لما روى عتاب بن أسيد قال: «أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا» رواه أبو داود، ولأنه أوان الكمال وحال الادخار، فلو
стр. 134
(٢٧) ولا زكاة فيما يكتسبه من مباح الحب والثمر، ولا في اللقاط، ولا يأخذه أجرة لحصاده
(٢٨) ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب
(٢٩) فإن كان صنفًا واحدًا مختلف الأنواع كالتمور ففيها الزكاة
(٣٠) ويخرج من كل نوع زكاته وإن أخرج جيدًا عن الرديء جاز وله أجره النوع الثاني: المعدن، فمن استخرج من معدن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أخرج الزكاة قبل الجفاف لم يجزه ولزمه الإخراج بعد التجفيف، لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه كما لو أخرج الصغيرة من الماشية عن الكبار.
مسألة ٢٧: (ولا زكاة فيما يكسبه من مباح الحب والثمر، ولا في اللقاط، ولا فيما يأخذه أجرة لحصاده) لأن هذه الأشياء إنما تملك بحيازتها وأخذها، والزكاة إنما تجب في الحبوب والثمار إذا بدا صلاحها، وفي تلك الحال لم تكن ملكًا له فلا يتعلق به الوجوب ويصير كما لو وهب نصابًا بعد بدو صلاحه أو اشتراه أو ملكه بجهة من الجهات لم تجب زكاته اتفاقًا.
مسألة ٢٨: (ولا يضم صنف من الحب والثمر إلى غيره في تكميل النصاب) لأنهما جنسان مختلفان فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالماشية.
مسألة ٢٩: (فإن كان صنفًا واحدًا مختلف الأنواع كالتمور ففيه الزكاة) يعني أنها يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب كما تضم أنواع الحنطة وأنواع الذهب وأنواع الفضة لا نعلم في ذلك خلافًا.
مسألة ٣٠: (ويخرج من كل صنف على حدته) لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فيه، ولا يخرج الرديء عن الجيد لقوله سبحانه: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (وإن أخرج الجيد عن الرديء جاز وله أجره) ولا يلزمه ذلك لأن الزكاة على سبيل المواساة، ولا مشقة فيما ذكرناه لأنه لا يحتاج إلى تشقيص.
(النوع الثاني: المعدن، فمن استخرج من معدن نصابًا من الذهب أو الفضة أو ما قيمته نصابًا من الجواهر أو الكحل والصفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة) في الحال ربع العشر من قيمته لقول الله سبحانه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني «أن رسول الله ﷺ أخذ من معادن القبيلة الصدقة وقدرها ربع
стр. 135
نصابًا من الذهب أو الفضة أو ما قيمته نصابًا من الجواهر أو الكحل والصفر والحديد أو غيره فعليه الزكاة
(٣١) ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية
(٣٢) ولا شيء في اللؤلؤ والمرجان والعنبر والمسك
(٣٣) ولا شيء في صيد البر والبحر
(٣٤) وفي الركاز الخمس
(٣٥) أي نوع كان من المال قل أو كثر
(٣٦) ومصرفه مصرف الفيء
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
العشر» ولأنها زكاة في الأثمان فأشبهت زكاة سائر الأثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، ولا يعتبر لها حول لأنه يراد لتكامل النماء وبالوجود يصل إلى النماء فلم يعتبر له حول كالعشر.
مسألة ٣١: (ولا يخرج إلا بعد السبك والتصفية) كالحب والثمرة.
مسألة ٣٢: (ولا شيء في اللؤلؤ والمرجان والعنبر والسمك) ، لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ألقاه البحر، ولأنه كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه فلم تسبق فيه سنة، وعلى قياسه اللؤلؤ والمرجان، وعنه في العنبر الزكاة، لأنه معدن أشبه معدن البر، والسمك صيد أشبه صيد البر، وعنه فيه الزكاة قياسًا على العنبر.
مسألة ٣٣: (ولا شيء في صيد البر والبحر) ، لأنه صيد والصيد لا زكاة فيه لأنه من المباحات فأشبه اللقاط.
مسألة ٣٤: (وفي الركاز الخمس) لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «في الركاز الخمس» متفق عليه، ولأنه مال مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة.
مسألة ٣٥: (وتجب في قليله وكثيره من أي نوع كان) من غير حول لذلك. وتجب على كل واجد له من أهل الزكاة وغيرهم لذلك.
مسألة ٣٦: (ومصرفه مصرف الفيء) لذلك، ولأنه روي عن عمر ﵁ أنه رد بعض خمس الركاز على واجده ولا يجوز ذلك في الزكاة، وعنه أنه زكاة، فمصرفه مصرفها اختاره الخرقي لأن عليًا ﵁ أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين، ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض فأشبه صدقة المعدن.
стр. 136
(٣٧) وباقيه لواجده
باب زكاة الأثمان وهي نوعان: ذهب وفضة، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم، ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا فيجب فيها نصف مثقال
(٣٩) فإن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٧: (وباقيه لواجده) إن وجده في موات أو أرض لا يعلم مالكها، لأن قوله ﷺ : «في الركاز الخمس» دلالة على أن باقيه لواجده، وإنما اشترط ذلك لأنه إذا وجده في أرض غير موات أو أرض يعلم مالكها آدميًا معصومًا أو كانت منتقلة إليه ففيه روايتان: إحداهما: [أنه يملكه] أيضًا لأنه لا يملكه بملك الأرض؛ لأنه ليس من أجزائها إنما هو مودع فيها، فجرى مجرى الصيد والكلأ يملكه من ظفر به كالمباحات كلها.
١ -
مسألة ٣٨: وإذا ادعاه مالك الأرض فهو له مع يمينه لثبوت يده على محله. والرواية الأخرى: هو لمالك الأرض أو لمن انتقلت عنه إن اعترف به، فإن لم يعترف به فهو لأول مالك لأنه في ملكه فكان له كحيطانه.
[باب زكاة الأثمان]
(وهي نوعان: ذهب وفضة، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم، ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالًا فيجب فيها نصف مثقال) لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب ولا أقل من مائتي درهم صدقة» رواه أبو عبيد. والواجب ربع العشر لقوله ﷺ : «في الرقة ربع العشر» رواه البخاري وأبو داود، وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليس عليك في ذهبك شيء حتى يبلغ عشرين مثقالًا، فإذا بلغ عشرين مثقالًا ففيها نصف مثقال» [رواه أبو داود] . والرقة الدراهم المضروبة وهي دراهم الإسلام التي وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل بغير خلاف.
مسألة ٣٩: (فإن كان فيها غش فلا زكاة فيها، حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابًا)
стр. 137
كان فيهما غش فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابًا، فإن شك في ذلك خير بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم قدر ذلك
(٤٠) ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية ويباح للنساء كل ما جرت العادة بلبسه من الذهب والفضة، ويباح للرجال من الفضة الخاتم وحلية السيف والمنطقة ونحوها، فأما المعد للكراء أو الادخار، والمحرم ففيه الزكاة
باب حكم الدين من كان له دَين على مليء أو مال يمكن خلاصه كالمجحود الذي له به بينة،
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
للخبر (فإن شك في ذلك خير بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم قدر ذلك) أو يستظهره فيخرج ليسقط الفرض بيقين.
مسألة ٤٠: (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية) في ظاهر المذهب لما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» رواه الترمذي، ولأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح تجب فيه زكاة كثياب البدن، وحكى ابن أبي موسى عنه أن فيه الزكاة لعموم الأخبار.
مسألة ٤١: (ويباح للنساء كل ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة، ويباح للرجال من الفضة الخاتم وحلية السيف والمنطقة ونحوه، فأما المعد للكراء أو للادخار ففيه الزكاة) إذا بلغ نصابًا لأنه معد للنماء فهو كالمضروب.
مسألة ٤٢: وأما المحرم الذي يتخذه الرجل لنفسه من الطوق وخاتم الذهب ففيه الزكاة لأنه فعل محرم فلم يخرج به عن أصله.
[باب حكم الدين]
(ومن كان له دين على مليء أو مال يمكن خلاصه كالمجحود الذي له بينة والمغصوب الذي يتمكن من أخذه فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى) [كالدين ولو درهما] لأنه مال مملوك ملكًا تامًا بلغ نصابًا فوجبت فيه الزكاة كالذي في يده.
стр. 138
والمغصوب الذي يتمكن من أخذه، فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى
(٤٣) وإن كان متعذرًا كالدين على مفلس أو على جاحد ولا بينة به، والمغصوب والضال الذي لا يرجى وجوده فلا زكاة فيه
(٤٤) وحكم الصداق حكم الدين ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه فلا زكاة فيه
باب زكاة العروض ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة وهي نصاب حولًا ثم يقومها فإذا بلغت أقل نصابا من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها
(٤٦) وإن كان عنده ذهب أو فضة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤٣: (وإن كان متعذرًا كالدين على مفلس أو على جاحد لا بينة به، والمغصوب والضال الذي لا يرجى وجوده، فلا زكاة فيه) لأن ملكه فيه غير تام لأنه غير مقدور عليه.
مسألة ٤٤: (وحكم الصداق حكم الدين) كذلك (ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه فلا زكاة فيه) كذلك.
[باب زكاة العروض]
(ولا زكاة فيها حتى ينوي بها التجارة وهي نصاب حولًا ثم يقومها فإذا بلغت أقل نصابا من الذهب والفضة أخرج الزكاة من قيمتها) لما روى سمرة بن جندب قال: «إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» رواه أبو داود، وقال: إسناده مقارب، ولأنه مال تام فتعلقت به الزكاة كالسائمة، وإنما اعتبر أقل نصابا من الذهب أو الفضة لأن التقويم لحظ الفقراء فيعتبر ما لهم الحظ فيه.
١ -
مسألة ٤٥: وتؤخذ الزكاة من قيمتها لا من أعيانها، لأن نصابها معتبر بالقيمة لا بالعين، وما اعتبر النصاب فيه وجبت الزكاة فيه كسائر الأموال، وقدر زكاته ربع العشر لأنها تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة الأثمان.
مسألة ٤٦: (وإن كان عنده ذهب أو فضة ضمها إلى قيمة العروض في تكميل
стр. 139
ضمها إلى قيمة العروض في تكميل النصاب
(٤٧) وإذا نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها ثم إن نوى بها بعد ذلك التجارة استأنف له حولًا.
باب زكاة الفطر
وهي واجبة على كل مسلم إذا ملك فضلًا عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه
(٤٨) وقدر الفطرة صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو من التمر أو الزبيب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
النصاب) لأنه معد للنماء. والزكاة تجب في القيمة وهي إما ذهب وإما فضة فوجبت الزكاة في الجميع كما لو كان الكل للتجارة.
مسألة ٤٧: (وإذا نوى بعروض التجارة القنية فلا زكاة فيها) لأن القنية الأصل (ثم إن نوى بها بعد ذلك التجارة) ففيه روايتان: إحداهما: يصير للتجارة بمجرد النية اختارها أبو بكر للخبر، ولأنه يصير للقنية بمجرد النية فكذلك للتجارة. والثانية: لا يصير للتجارة حتى يتبعه بنية التجارة لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير لها بمجرد النية كالمعلوفة إذا نوى بها الإسامة، وفارق نية القنية لأنها الأصل فيكفي فيها مجرد النية كالإقامة مع السفر.
[باب زكاة الفطر]
(وهي واجبة على كل مسلم) تلزمه مؤنة نفسه (إذا فضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته) صاع، لما روى ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك من المسلمين صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد» متفق عليه.
مسألة ٤٨: (وقدر الفطرة صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو من التمر أو الزبيب) لما روى أبو سعيد قال: «كنا نعطيها في زمن رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: إن مدًا من هذا يعدل مدين. قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه» متفق عليه.
стр. 140
(٤٩) فإن لم يجده أخرج من قوته أي شيء كان صاعًا
(٥٠) ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته ليلة العيد إذا ملك ما يؤدى عنه
(٥٢) فإن كانت مؤنته تلزم جماعة كالعبد المشترك، أو المعسر القريب لجماعة، ففطرته عليهم على حسب مؤنته
(٥٣) وإن كان بعضه حرًا ففطرته عليه وعلى سيده
(٥٤) ويستحب إخراج الفطرة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤٩: (فإن لم يجده أخرج من قوته أي شيء كان صاعًا) سواء كان حبًا أو لحم حيتان أو أنعام، وهو اختيار ابن حامد، لأن مبناها على المواساة. وعند أبي بكر يخرج ما يقوم مقام المنصوص من كل مقتات من الحب والثمر كالذرة والدخن والأرز وأشباهه لأنه بدل عنه.
مسألة ٥٠: (وإن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته ليلة العيد إذا ملك ما يؤدى عنه) ، لأن الفطرة تابعة للنفقة، فهذا إذا فضل عن نفقته ونفقة عياله يوم العيد وليلته ما يخرج عن نفسه وعمن لزمته نفقته لزمه ذلك لقوله ﷺ : «أدوا عمن تمونون» ، وقدمت النفقة على الفطرة لأنها أهم لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك» رواه مسلم، وفي لفظ: «ابدأ بمن تعول» رواه الترمذي.
١ -
مسألة ٥١: ويشترط في وجوبها دخول وقت الوجوب، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر، «لقول ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان» وذلك يكون لغروب الشمس، فمن أسلم أو تزوج أو ولد أو ملك عبدًا أو أيسر بعد الغروب أو ماتوا قبل الغروب لم تلزمه فطرتهم، وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم لأنها تجب في الذمة فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار.
مسألة ٥٢: (فإن كانت مؤنته تلزم جماعة كالعبد المشترك فيه فعليهم صاع) لأن عليهم نفقته، فعلى كل واحد من فطرته بقدر ما يلزمه من نفقته؛ لأنها تابعة لها فتقدر بقدرها، وعنه على كل واحد فطرة كاملة لأنها طهرة فوجب تكميلها ككفارة القتل.
مسألة ٥٣: (وكذلك الحكم فيمن بعضه حر) على ما ذكرنا.
مسألة ٥٤: (ويستحب إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة) للخبر في أول الباب،
стр. 141
يوم العيد قبل الصلاة
(٥٥) ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد (٥٦) ويجوز تقديمها عليه بيوم أو يومين
(٥٧) ويجوز أن يعطي واحد ما يلزم الجماعة والجماعة ما يلزم الواحد
باب إخراج الزكاة (٥٨) لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها إذا أمكن إخراجها
(٥٩) فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة
(٦٠) وإن تلف قبله سقطت
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ولأن المقصود إغناؤهم عن الطلب في يوم العيد لقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» رواه أبو سعيد، وفي إخراجها قبل الصلاة إغناؤهم في اليوم كله.
مسألة ٥٥: (ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد) ، فإن فعل أثم لتأخيره الحق الواجب عن وقته، وعليه القضاء لأنه حق مال وجب فلا يسقط بفوات وقته كالدين.
مسألة ٥٦: (ويجوز تقديمها عليه بيومين) وثلاثة لأن ابن عمر كان يؤديها قبل ذلك باليوم واليومين، ولأن الظاهر أنها تبقى أو بعضها فيحصل الغنى بها فيه، وإن عجلها لأكثر لم يجز لأن الظاهر أنه ينفقها ولا يحصل بها الغنى المقصود يوم العيد.
مسألة ٥٧: (ويجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة) كما يجوز دفع زكاة مالهم إليه، (ويجوز أن يعطي الجماعة ما يلزم الواحد) ، كما يجوز تفرقة زكاة ماله عليهم.
[باب إخراج الزكاة]
مسألة ٥٨: (لا يجوز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها مع إمكانه) لأنها عبادة مؤقتة بوقت فلا يجوز تأخيرها عنه كالصلاة، ولأن الأمر بها مطلق، والأمر المطلق يدل على الفور، وقد اقترن به ما يدل عليه، فإنه لو جاز له التأخير لأخر بمقتضى طبعه ثقة منه بأنه لا يأثم حتى يموت فتسقط عنه عند من يسقطها أو يتلف ماله فيعجز عن الأداء فيتضرر الفقراء بذلك، ولأنها وجبت لدفع حاجة الفقراء وحاجتهم ناجزة فيكون الوجوب ناجزًا.
مسألة ٥٩: (فإن فعل فتلف المال لم تسقط عنه الزكاة) لأنها وجبت في ذمته فلا تسقط بتلف المال كدين الآدمي.
مسألة ٦٠: (وإن تلف قبله) يعني قبل الوجوب (سقطت) ، لأن المال تلف قبل أن تجب عليه فلم يكن في ذمته شيء أشبه ما لو لم يملك نصابًا.
стр. 142
(٦١) ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك
(٦٢) فإن عجلها إلى غير مستحقها لم يجزئه وإن صار عند الوجوب من أهلها
(٦٣) وإن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه، وإن تلف المال لم يرجع على الآخذ
(٦٤) ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة
(٦٥) إلا أن لا يجد من يأخذها في بلدها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٦١: (ويجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، ولا يجوز قبل ذلك) لأن النصاب سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف، ويجوز بعد كمال النصاب لما روي عن علي ﵁: «أن العباس سأل رسول ﷺ أن يرخص له في تعجيل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» ، رواه أبو داود، ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله كالدين ودية الخطأ.
مسألة ٦٢: (فإن عجل بها إلى غير مستحقها لم يجزئه وإن صار عند الوجوب من أهلها) لأنه لم يؤتها لمستحقها.
مسألة ٦٣: (وإن دفعها إلى مستحقها فمات أو استغنى أو ارتد أجزأت عنه) لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها كما لو تلفت عند آخذها أو استغنى بها. (وإن عجلها ثم هلك المال قبل الحول لم يرجع على المساكين) لأنه دفعها إلى مستحقها فلم يملك الرجوع بها كما لو لم يعلمه.
مسألة ٦٤: (ولا تنقل الصدقة إلى بلد تقصر إليه الصلاة) «لقول النبي ﷺ لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» [رواه البخاري] ولأن نقلها عنهم يفضي إلى ضياع فقرائهم.
مسألة ٦٥: (إلا أن لا يجد من يأخذها) لما روي أن معاذًا بعث إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس وترد في فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني، رواه أبو عبيد في الأموال.
стр. 143
باب من يجوز دفع الزكاة إليه (٦٦) وهم ثمانية: الأول: الفقراء، وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعًا من كفايتهم بكسب ولا غيره، الثاني: المساكين، وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية، الثالث: العاملون عليها، وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب من يجوز دفع الزكاة إليه]
مسألة ٦٦: (وهم ثمانية) أصناف التي سمى الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] ، ولا يجوز صرفها إلى غيرهم لأن الله سبحانه خصهم بها بقوله: (إنما) وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه. فأما (الفقراء والمساكين) فهم صنفان وكلاهما يأخذ لحاجته لمؤنة نفسه، والفقراء أشد حاجة لأن الله سبحانه بدأ بهم، والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم، ولأن الله سبحانه قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي ﷺ استعاذ من الفقر وقال: «اللهم أحيني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الترمذي، فدل على أن الفقر أشد، فالفقير من ليس له ما يقع موقعًا من كفايته من كسب ولا غيره، والمسكين الذي له ذلك، فيعطى كل واحد منهم ما تتم به كفايته.
(الثالث: العاملون عليها وهم الجباة والحافظون لها ومن يحتاج إليه فيها) وينبغي
стр. 144
(الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها. الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق
السادس: الغارمون، وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
للإمام إذا تولى القسمة أن يبدأ بالعامل فيعطيه عمالته لأنه يأخذ عوضًا، فكان حقه آكد ممن يأخذ مواساة.
(الرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة الإيمان منه أو إسلام نظيره أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها والدفع عن المسلمين) وهم ضربان: كفار، ومسلمون. فالكافر يعطى رجاء إسلامه أو خوف شره، لأن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيبًا له في الإسلام، «قال صفوان: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ» ، رواه مسلم. وأما المسلمون فقوم لهم شرف ويرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم، فيعطون لأن النبي ﷺ أعطى عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع إسلامهم وحسن نيتهم.
(الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون) يعطون ما يؤدونه في كتابتهم، ولا يقبل قوله: إنه مكاتب إلا ببينة، لأن الأصل عدمها.
مسألة ٦٧: ويجوز أن يفك منها أسيرًا مسلمًا كفك رقبة العبد من الرق، وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ على روايتين: إحداهما: يجوز لأنها من الرقاب، فعلى هذا يجوز أن يعين في ثمنها وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها. والأخرى: لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقتضي دفع الزكاة إلى الرقاب، كقوله سبحانه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] يريد الدفع إلى المجاهدين، والعبد لا يدفع إليه.
(السادس: الغارمون، وهم المدينون) وهم ضربان: ضرب غرم (لمصلحة نفسه) [في مباح] فيعطى من الصدقة ما يقضي غرمه، ولا يعطى مع الغنى؛ لأنه يأخذ لحاجة نفسه فلم يدفع إليه مع الغنى كالفقير. الثاني: غرم لإصلاح ذات البين، كمن يتحمل دية أو مالًا
стр. 145
(أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين. السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم. الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده. فهؤلاء هم أهل الزكاة، لا يجوز دفعها إلى غيرهم
(٦٨) ويجوز دفعها إلى واحد منهم لأنه ﷺ «أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر وقال لقبيصة أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها»
(٦٩) ويدفع إلى الفقير والمسكين ما تتم به كفايته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
لتسكين فتنة (وإصلاح بين طائفتين) فيدفع إليه من الصدقة ما يؤدي حمالته وإن كان غنيًا، لحديث «قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ أسأله فيها فقال: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» الحديث، أخرجه مسلم، ولأنه يأخذ لنفع المسلمين فجاز مع الغنى كالساعي.
(السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم) يعطون قدر ما يحتاجون إليه لغزوهم من نفقة طريقهم وإقامتهم وثمن السلاح والخيل إن كانوا فرسانًا، ويعطون مع الغنى لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين، ولا يعطى الراتب في الديوان لأنه يأخذ قدر كفايته من الفيء.
(الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به) دون المنشئ للسفر من بلده (وله اليسار في بلده) فيعطى من الصدقة ما يبلغه إليه لإيابه (فهؤلاء أهل الزكاة، لا يجوز دفعها إلى غيرهم) لما سبق.
مسألة ٦٨: (ويجوز دفعها إلى واحد منهم) لأن «النبي ﷺ قال لمعاذ: " أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» أمر بردها في صنف واحد، «وقال لقبيصة لما سأله في حمالته: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» وهو صنف واحد، وأمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر، وهو واحد، فتبين بهذا أن المراد من الآية بيان موضع الصرف دون التعميم. وكذلك لا يجب تعميم كل صنف، ولأن التعميم بصدقة الواحد إذا أخذها الساعي غير واجب بخلاف الخمس.
مسألة ٦٩: (ويدفع إلى الفقير والمسكين ما تتم به كفايته) لأن المقصود دفع
следующие страницы →