Полный текст (633 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وينظر أيضاً إلى قول امرئ القيس قبله:
كأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة:
تقلب للإصغاء رأساً كأنها ... يتيمة جوز أغبرتها المكاسر
وفي الشعر من هذا صدر جيد، وفي القرآن تشبيه كثير كقوله تعالى: " والقمر قدرناها منازل حتى عاد كالعرجون القديم " وقوله تعالى: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً " وقوله: " إذا غشيهم موج كالظلل " وقوله: " كأنهم جراد منتشر " ومن كلام النبي ﷺ : " الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية " وقال: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " وكثير من هذا يطول تقصيه.
وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعاً لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس:
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله:
خراعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مراراً وتظهر
فهي كأحسن البنان: ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أن نفس الحضري المولد إذا سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس:
стр. 282
تعاطيكها كف كأن بنانها إذا اعترضتها العين صف مداري
أو قول علي بن العباس الرومي:
سقى الله قصراً بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي
أشار بقضبان من الدر قمعت ... يواقيت حمراً فاستباح عفافي
وقول عبد الله بن المعتز:
أشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق
كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان تشبيهه أشد إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا
وقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو:
وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب
إذ كانا جميعاً من خشاش الأرض. فأما قول امرئ القيس أو مساويك إسحل فجار مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعنم والأقلام وما أشبه ذلك، والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا أن الأول على كراهته أشبه بها، والإسحل: شجر المخيطا.
وقد استبشع قوم قول الآخر يصف روضاً
كان شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء
فهذا وإن كان تشبيهاً مصيباً فإن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر مثلاً أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.
وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع وما جرى هذا المجرى من التشبيه،
стр. 283
فإنه وإن كان مصيباً لعين الشبه فإنه غير طيب في النفس، ولا مستقر على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:
تلاعبها كف المزاج محبة ... لها، وليجري ذات بينهما الأنس
فتزبد من تيه عليها كأنها ... غريرة خدر قد تخبطها المس
فلو أن في هذا كل بديع لكان مقيتاً بشعاً، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئاً يشبه بزبد المصروع وقد تخبطه الشيطان من المس؟! وكأني أرى بعض من لا يحسن إلا الاعتراض بلا حجة قد نعى على هذا المذهب، وقال: رد على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله. وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
على أنه تشبيه لا يلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني على أنه لم يقع لأحد مثله، وهو:
فلطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع
فهذا تشبيه مصيب جداً، إلا أنهم عابوه بما بينت، وإنما أشار إلى قول النابغة:
стр. 284
ويخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد
ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة:
وترفع الصوت أحياناً وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الغرد
فأي قينة تحب أن تشبه بالذباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقلبه فأفسده.
باب الإشارة
والأشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملاً ومعناه بعيد من ظاهر لفظه؛ فمن ذلك قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء
فقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه، هذا عند قدامة أفضل بيت في الإشارة.. وقول الآخر:
جعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
وهذا النوع من الشعر هو الوحي عندهم.. وأنشد الحاتمي عن علي بن هارون عن أبيه، عن حماد، عن أبيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
جعلنا السيف بين الخد منه ... وبين سواد لمته عذارا
стр. 285
فأشار إلى هيئة الضربة التي أصابه بها دون ذكرها إشارة لطيفة دلت على كيفيتها، وإنما وصف أنهم ضربوا عنقه، ويروي بين الجيد ومثله قول الآخر:
ويوم يبيل النساء الدماء ... جعلت رداءك فيه خمارا
يريد بالرداء الحسام كما قال متمم بن نويرة:
لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
وقوله إنه جعله خماراً أي قنعت به الفرسان، وأشار بقوله يبيل النساء الدماء إلى وضع الحوامل من شدة الفزع.
ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لبناً ممذوقاً وجاء بمذق هل رأيت الذئب قط فإنما أشار إلى تشبيه لونه؛ لأن الماء غلب عليه فصار كلون الذئب.
ومن أنواع الإشارة التفخيم فكقول الله تعالى: " القارعة ما القارعة " وقد قال كعب بن سعد الغنوي:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
وأما الإيماء فكقول الله : " فغشيهم من اليم ما غشيهم " فأومأ إليه وترك التفسير معه.. وقال كثير:
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقوله وخلفت ما خلفت إيماء مليح.. ومثله قول ابن ذريح:
أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... بها زفرة تعتادني هي ما هيا
ومن أنواع التعريض: كقول كعب بن زهير لرسول الله ﷺ :
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا
فعرض بعمر بن الخطاب وقيل: بأبي بكر ﵄، وقيل: برسول الله ﷺ تعريض مدح، ثم قال:
стр. 286
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
فقيل: إنه عرض في هذا البيت بالأنصار، فغضبت الأنصار، وقال المهاجرون: لم تمدحنا إذ ذممتهم، حتى صرح بمدحهم في أبيات يقول فيها:
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار
ومن مليح التعريض قول أيمن بن خريم الأسدي لبشر بن مروان يمدحه ويعرض بكلف كان بوجه أخيه عبد العزيز حين نفاه من مصر على يدي نصيب الشاعر مولاه:
كأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لأعظم الأعياد عيداً
يصافح خد بشر حين يمسي ... إذا الظلماء باشرت الخدودا
فهذا من خفي التعريض؛ لأنه أوهم السامع أنه إنما أراد المبالغة بذكر الظلماء لا سيما وقد قال حين يمسي وإنما أراد الكلف، هكذا حكت الرواة.
ومن أفضل التعريض مما يجل عن جميع الكلام قول الله : " ذق إنك أنت العزيز الكريم " أي: الذي كان يقال له هذا أو يقوله، وهو أبو جهل؛ لأنه قال: ما بين جبليها يعني مكة أعز مني ولا أكرم، وقيل: بل ذلك على معنى الاستهزاء به.
ومن أنواعها التلويح، كقول المجنون قيس بن معاذ العامري:
لقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا
فلوح بالصحة والكتمان ثم بالسقم والاشتهار تلويحاً عجيباً، وإياه قصد أبو الطيب بعد أن قلبه ظهراً لبطن فقال:
كتمت حبك حتى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني
стр. 287
لأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني
إلا أنه أخفاه وعقده كما ترى، حتى صار أحجية يتلاقاها الناس.
ومن أجود ما وقع في هذا النوع قول النابغة يصف طول الليل:
تقاعس حتى قلت: ليس بمنقضً ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
" الذي يرعى النجوم " يريد به الصبح، أقامه مقام الراعي الذي يغدو فيذهب بالإبل والماشية؛ فيكون حينئذ تلويحه هذا عجباً في الجودة، وأما من قال: إن الذي يرعى النجوم إنما هو الشاعر الذي شكا السهر وطول الليل؛ فليس على شيء. وزعم قوم أم الآيب لا يكون إلا بالليل خاصة، ذكره عبد الكريم.
ومن أنواع الإشارات الكناية والتمثيل، كما قال ابن مقبل وكان جافياً في الدين: يبكي أهل الجاهلية وهو مسلم، فقيل له مرة في ذلك فقال:
وما لي لا أبكي الديار وأهلها ... وقد رادها رواد عك وحميرا
وجاء قطا الأحباب من كل جانب ... فوقع في أعطاننا ثم طيرا
فكنى عما أحدثه الإسلام ومثل كما ترى.
ومن أنواعها الرمز: كقول أحد القدماء يصف امرأة قتل زوجها وسبيت:
عقلت لها من زوجها عدد الحصى ... مع الصبح أو مع جنح كل أصيل
يريد أني لم أعطها عقلاً ولا قوداً بزوجها، إلا الهم الذي يدعوها إلى عد الحصى، وأصله من قول امرئ القيس:
ظللت ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
стр. 288
ومن مليح الرمز قول أبي نواس يصف كؤوساً ممزوجة فيها صور منقوشة:
قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس
فللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
يقول: إن خد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور، وزبد الماء فيها مزاجاً، فانتهى الشراب إلى فوق رءوسها، ويجوز أن يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزبدت، والأول أملح، وفائدته معرفة حدها صرفاً من معرفة حدها ممزوجة، وهذا عندهم مما سبق إليه أبو نواس، وأرى والله أعلم إنما تحلق على المعنى من قول امرئ القيس:
فلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... ووافى بماء غير طرقٍ ولا كدر
ويروي " ووافوا وإياه أردت، ويروى " استظلوا " من الظل مكان " استطابوا " جعل الماء والشراب قسمين لقوة الشراب، فتسلق الحسن عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكر الصورة المنقوشة في الكؤوس، إلا أنها سرقة ظريفة مليحة، ولم يكن أبو نواس يرضى أن يتعلق بمن دون امرئ القيس وأصحابه.
وأصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم، ثم استعمل حتى صار الإشارة وقال الفراء: الرمز بالشفتين خاصة.
ومن الإشارات اللمحة، كقول أبي نواس يصف يوماً مطيراً:
стр. 289
وشمسه حرة مخدرة ... ليس لها في سمائها نور
فقوله " حرة " يدل على ما أراد في باقي البيت؛ إذ كان من شأن الحرة الخفر والحياء، ولذلك جعلها مخدرة، وشأن القيان والمملوكات التبذل والتبرج، وأما زعم من زعم أن قوله " حرة " إنما يريد خلوصها كما تقول: هذا العلق من حر المتاع؛ فخطأ؛ لأن الشاعر قد قال: " ليس لها في سمائها نور " فأي خلوص هناك؟ وكذلك قول حسان ويكون أيضاً تتبيعاً:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يريد أنهم ملوك ذوو حاضرة ومستقر عز، ليسوا أصحاب رحلة وانتجاع.
ومن أخفى الإشارات وأبعدها اللغز، وهو: أن يكون للكلام ظاهر عجب لا يمكن، وباطن ممكن غير عجب، كقول ذي الرمة يصف عين الإنسان:
وأصغر من قعب الوليد ترى به ... بيوتاً مبناة وأودية قفرا
فالباء في به للإلصاق كما تقول " لمسته بيدي " أي: ألصقتها به وجعلتها آلة اللمس، والسامع يتوهمها بمعنى في، وذلك ممتنع لا يكون، والأول حسن غير ممتنع ومثله قول أبي المقدام:
وغلام رأيته صار كلباً ... ثم من بعد ذاك صار غزالا
فقوله صار إنما هو بمعنى عطف وما أشبهه من قول الله : " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك "، ومستقبله يصور، وقد قيل " يصير " وهي لغة قليلة، وليس صار التي هي من أخوات كان مستقبلها يصير فقط ومعناها استقر بعد تحول.
واشتقاق اللغز من ألغز اليربوع ولغز، إذا حفر لنفسه مستقيماً ثم أخذ يمنة ويسرة، يوري بذلك ويعمى على طالبه.
ومن الإشارات اللحن، وهو كلام يعرفه المخاطب بفحواه، وإن كان على
стр. 290
غير وجهه، قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " وإلى هذا ذهب الحذاق في تفسير قول الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً، وخير الحديث ما كان لحنا
ويسميه الناس في وقتنا هذا المحاجاة لدلالة الحجا عليه. وذلك نحو قول الشاعر يحذر قومه:
خلوا على الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا
أراد " بالناقة الحمراء " الدهناء، و " بالجمل الأصهب " الصمان، " وبالذئاب " الأعداء، يقول: قد اخضرت أقدامهم من المشي في الكلأ والخصب، والناس كلهم إذا شبعوا طلبوا الغزو فصاروا عدواً لكم كما أن بكر بن وائل عدوكم..
ومثل ذلك قول مهلهل لما غدره عبداه وقد كبرت سنه وشق عليهما ما يكلفهما من الغارات وطلب الثارات، فأراد قتله، فقال:
أوصيكما أن ترويا عني بيت شعر، قالا: وما هو؟ قال:
من مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما
فلما زعما أنه مات قيل لهما: هل أوصى بشيء؟ قالا: نعم، وأنشدا البيت المتقدم، فقالت ابنته: عليكم بالعبدين فإنما قال أبي:
من مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... أمسى قتيلاً بالفلاة مجندلا
لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا
فاستقروا العبدين أنهما قتلاه، ورويت هذه الحكاية لمرقش.
وسبيل المحاجاة أن تكون كالتعريض والكناية، وكل لغز داخل في الأحاجي، وقد حاجى شيخنا أبو عبد الله بعض تلاميذه فقال له:
أحاجيك عباد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من حميم وصاحب
стр. 291
فأجابه التلميذ بأن قال:
سأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل من دموع سواكب
فكان معكوس قول أبي عبد الله " عباد كزينب " سرك ذائع، فقال الآخر " سأكتم " فأجابه على الظاهر إجابة حسنة، ومعكوس سأكتم " منك أتيت " فكأنه قابل به قول الشيخ " ولم تؤت إلا من صديق وصاحب " وهذا كله مليح.
ومنها التعمية، وهذا مثل للطير وما شاكله، كقول أبي نواس: واسم عليه خبن للصفا وما أشبهه، وهو معنى مشهور.
ومن الإشارات مصحوبة، وهي عند أكثرهم معيبة كأنها حشو واستعانة على الكلام، نحو قول أبي نواس:
قال إبراهيم بالما ... ل كذا غرباً وشرقا
ولم يأت بها أبو نواس حشواً، ولكن شطارة وعبثاً بالكلام، وإن شئت قلت بياناً وتثقيفاً، كما قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: " وكيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، وقد مرجت عهودهم وأمانتهم، واختلفوا فكانوا هكذا؟ وشبك بين أصابع يديه "، ولا أحد أفصح من رسول الله ﷺ ، ولا أبعد كلاماً منه من الحشو والتكلف.
وقالوا: مبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت، فهذا باب تتقدم الإشارة فيه الصوت، وقيل: حسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، جاء بذلك الرماني نصاً، وقاله الجاحظ من قبل، وأخذ على بعض الشعراء في قوله:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
стр. 292
فأيقنت أن الطرف قال: مرحباً ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم
إذ كان هذا كله مما لا تحمله إشارة خائف مذعور.
ولما أقام معاوية الخطباء لبيعة يزيد قام رجل من ذي الكلاع فقال: هذا أمير المؤمنين، وأشار بيده إلى معاوية، فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى السيف، ثم قال:
معاوية الخليفة لا تمارى ... فإن يهلك فسائسنا يزيد
فمن غلب الشقاء عليه جهلاً ... تحكم في مفارقه الحديد
وقد جاء أبو نواس بإشارات أخر لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين بن زبيدة قال له مرة: هل تصنع شعراً لا قافية له؟ قال: نعم، وصنع من فوره ارتجالاً:
ولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك: " إشارة قبلة "
فأشارت بمعصم ثم قالت ... من بعيد خلاف قولي: " " لا لا "
فتنفست ساعة ثم إني ... قلت للبغل عند ذلك: " " امش "
فتعجب جميع من حضر المجلس من اهتدائه وحسن تأتيه، وأعطاه الأمين صلة شريفة.
ومن إشارات الحذف، نحو قول نعيم بن أوس يخاطب امرأته:
إن شئت أشرفنا جميعاً فدعا ... الله كل جهده فأسمعا
بالخير خيراً وإن شرا فاا ... ولا أريد الشر إلا أن تاا
كذا رواه أبو زيد الأنصاري، وساعده من المتأخرين علي بن سليمان الأخفش، وقال: لأن الرجز يدل عليه، إلا أن رواية النحويين " وإن شراً فا " و " إلا أن تا " قالوا: يريد إن شراً فشر، وإلا أن تشائي.. وأنشدوا:
стр. 293
ثم تنادوا بعد تلك الضوضا ... منهم بهات وهل ويا يا
نادى منادٍ منهم ألاتا ... قالوا جميعاً كلهم بلى فا
وأنشد الفراء: قلت لها قومي فقالت: قا ف يريد قد قمت.
ومن أنواعها التورية كقول علية بنت المهدي في طل الخادم:
أيا سرحة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل إليك سبيل
متى يشتفى من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن يهوى إليه دخول؟
فورت بظل عن طل، وقد كانت تجد به، فمنعه الرشيد من دخول القصر، ونهاها عن ذكره، فسمعها مرة تقرأ: " فإن لم يصبها وابل " فما نهى عنه أمير المؤمنين، أي فطل فقال: ولا كل هذا.
وأما التورية في أشعار العرب فإنما هي كناية: بشجرة، أو شاة، أو بيضة، أو ناقة، أو مهرة، أو ما شاكل ذلك كقول المسيب بن علس:
دعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السدر والأثأب
فكنى بالشجر عن الناس، وهم يقولون في لكلام المنثور: جاء فلان بالشوك والشجر، إذا جاء بجيش عظيم.
وكان عمر ﵁ أو غيره من الخلفاء قد حظر على الشعراء ذكر النساء، فقال حميد بن ثور الهلالي:
تجرم أهلوها لأن كنت مشعراً ... جنوناً بها، يا طول هذا التجرم
وما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي
بلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلم
وقال أيضاً في مثل ذلك:
أبى الله إلا أن سرحة مالكٍ ... على كل أفنان العضاة تروق
стр. 294
فيا طيب رياها، ويا برد ظلها ... إذا حان من شمس النهار شروق
فهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود علي طريق؟
حمى ظلها شكس الخليقة خائف ... عليها غرام الطائفين شفيق
يريد بذلك بعلها أو ذا محرمها
فلا الظل من برد الضحى مستطيعه ... ولا الفيء منها في العشي نذوق
وقال عنترة العبسي:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
وإنما ذكر امرأة أبيه، وكان يهواها، وقيل: بل كانت جاريته؛ فلذلك حرمها على نفسه، وكذلك قوله: والشاة ممكنة لمن هو مرتمي والعرب تجعل المهاة شاة؛ لأنها عندهم ضائنة الظباء، ولذلك يسمونها نعجة، وعلى هذا المتعارف في الكناية جاء قول الله في إخباره عن خصم داود ﵇: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " كناية بالنعجة عن المرأة، وقال امرؤ القيس:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهوٍ بها غير معجل
كناية بالبيضة عن المرأة.. وروى ابن قتيبة أن رجلاً كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁:
ألا أبلغ أبا حفصٍ رسولاً ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
قلائصنا هداك الله، إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار
فما قلص وجدن معقلاتٍ ... قفا سلعٍ بمختلف النجار
стр. 295
يعقلهن جعد شيظمي ... وبئس معقل الذود الظؤار
وإنما كنى بالقلص وهي النوق الشواب عن النساء، وعرض برجل يقال له جعدة كان يخالف إلى المغيبات من النساء، ففهم عمر ما أراد، وجلد جعدة ونفاه.
ومن الكناية اشتقاق الكنية؛ لأنك تكني عن الرجل بالأبوة، فتقول: أبو فلان، باسم ابنه، أو ما تعورف في مثله، أو ما اختار لنفسه؛ تعظيماً له وتفخيماً، وتقول ذلك للصبي على جهة التفاؤل بأن يعيش ويكون له ولد.
قال المبرد وغيره: الكناية على ثلاثة أوجه: هذا الذي ذكرته آنفاً أحدها، والثاني: التعمية والتغطية التي تقدم شرحها، والثالث: الرغبة عن اللفظ الخسيس كقول الله : " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا " فإنها فيما ذكر كناية عن الفروج. ومثله في القرآن وفي كلام الفصحاء كثير.
باب التتبيع
ومن أنواع الإشارة التتبيع، وقوم يسمونه التجاوز، وهو: أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه، وأول من أشار إلى ذلك امرؤ القيس يصف امرأة:
ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
فقوله " ويضحى فتيت المسك " تتبيع، وقوله " نؤوم الضحى " تتبيع ثان، وقوله " لم تنتطق عن تفضل " تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترفه، والنعمة،
стр. 296
وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكفية المؤونة، فجاء بما يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة.. ونظيره قول الأخطل يصف نساء:
لا يصطلين دخان النار شاتيةً ... إلا بعود يلنجوجٍ على فحم
فذكر أنهن ذوات تملك وشرف حال. وأين من هذا القول النابغة في معناه وقصده:
ليست من السود أعقاباً إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما
كأنها إن لم تكن سوداء العقبين بياعة للبرم كانت في نهاية الحسن والشرف والدعة.
وقال النابغة وأراد أن يصف طول العنق وتمام الخلقة فيها فذكر القرط؛ إذ كان مما يتبع وصف العنق، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من الشعراء:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق
فجعل رعاثها يخاف ويفرق، وعذره ببعد مسقطه، فتناول هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة فأوضحه بقوله:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم
وتبعه ذو الرمة فزاد المعنى وضوحاً بقوله:
стр. 297
والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب
وقال طفيل الغنوي يصف فرساً، ويروى لغيره:
هريت قصير عذير اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن
فلو ترك الهرت والأسالة لكان من هذا الباب، ولكنه الآن لم يقصد التتبيع، وإنما جاء به كالتوكيد لما قبله، هذه رواية ابن قتيبة، وأما رواية النحاس عن شيوخه عن الأصمعي فإنها:
وأحوى قصير عذار اللجام ... وهو طويل عذار الرسن
وهذا تتبيع لا شك فيه. وأما قول الأخطل:
أسيلة مجرى الدمع، أما وشاحها ... فجار، وأما الحجل منها فما يجري
ففيه التتبيع في ثلاثة مواضع، وهي صفة الخد بالسهولة، وصفة الخصر بالرقة، والساق بالغلط. ومثله قول الأعشى:
صفر الوشاح، وملء الدرع، خرعبة ... إذا تأتي يكاد الخصر ينخزل
فقوله " صفر الوشاح " دال على رقة الخصر، " وملء الدرع " دال على تمام الخلق من طول وسمن وامتلاء صدر وعجيزة، وكل ما وقع من قولهم: طويل
стр. 298
النجاد، وكثير الرماد، وما يشاكلهما فهو من هذا الباب. وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيماً
أرادت أنه يجذب ويتعلق به للحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله، وقيل: إنما ذلك لعظم مناكبه، وهم يحمدون ذلك.
ومن عجيب ما وقع في هذا الباب من التجاوز قول أوس بن حجر:
حتى يلف نخيلهم وبيوتهم ... لهب كناصية الحصان الأشقر
أراد الحرب التي هي المقصود بالصفة، هكذا الرواية الصحيحة، وبهذا التفسير فسره جلة العلماء وهم الأكثر، وقال آخرون: بل إنما أغراه بإحراق النخل والبيوت ففعل، ولا يكون على هذا الرأي الآخر من هذا الباب.
ومن التجاوز قول رؤبة بن العجاج يصف حوافر الخيل: سوى مساجيهن تقطيط الحقق أراد أن يشبهها بالمساحي فجعلها أنفسها مساحي، يريد العظم.
ومثله قول ابن دريد:
يدير إعليطين في ملمومة ... إلى لموحين بألحاظ اللأى
أراد أن يشبه أذن الفرس بالإعليط وهو وعاء ثمر المرخ فجعل الأذن نفسها إعليطاً، كما فعل رؤبة في المساحي، ومثله كثير.
ومما يدخل في باب التجاوز قول النابغة:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
стр. 299
وإنما أراد السلوقي مع ما فيه من الجسد وما تحت لابسه زعموا من السرج والفرس، فعدا عن الجميع، وجاء بما يتبعه، ويستغني به عن ذكره، إذ كانت لا تقد السلوقي إلا أن تقد ما فيه، ولا تنتهي إلى الصفاح على ما فسروا من أنه يريد الفارس بأداته إلا بعد أن تأتي على السرج والفرس، على أن من الناس من رد يوقدن على الخيل.. وإلى مثل هذا الإفراط ذهب النمر بن تولب في صفة السيف الذي شبه به نفسه فقال:
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي
وروى الحذاق " القينين والهادي " وهو واضح في المعنى.
ومن التتبيع قول زهير:
وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله
فأشار إلى طول عنقه وقوائمه بذكر تطاول الملجم إشارة عجيبة، وتبعه ابن مقبل فقال:
تمطيت أخليه اللجام فبذني ... وشخصي يسامي شخصه وهو طائله
стр. 300
وإنما تناول زهير هذا المعنى من أبي دؤاد الإيادي، ويروي بن ثعلبة الأسدي حيث يقول:
لا يكاد الطويل يبلغ منه ... حيث يثني على المقص العذار
وأنا أقول:
إن بيت الذبياني في الرعاث مأخوذ من قول عبيد بن الأبرص:
ماطوا الرعاث بنهد لو يزل به ... لاندق دون تلاقي اللبة القرط
وقال ابن دريد وأتى ببديع مليح:
قريب ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصلا
فدل هذا على قصر الظهر وطول العنق..
وقال بعض الشعراء فملح وظرف:
فما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
أشار إلى كثرة غشيان الضيوف، حتى إن الكلب مما أنس جبن أن ينبح فضلاً عما سوى ذلك، وهزال فصيله دال على أن الألبان مبذولة للضيفان، فقل ما بقي له منها.
وقد قال امرؤ القيس: سمان الكلاب عجاف الفصال فعجف الفصال للعسلة التي قدمت، وسمن الكلاب لكثرة ما ينحرون ويذبحون.
ومن أعجب التتبيع قوله:
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
يقول: أنزلوا نجداً الذي من نباته المرخ أم الغور الذي من نباته العشر؟
стр. 301
وإن الأعراب يعملون خيامهم من نبات الأرض التي ينزلونها، فإذا رحلوا تركوه واستأنفوا غيره من شجر البلد الذي ينزلون به، هكذا شرح العلماء هذا البيت المتقدم، ولا أرى الأعراب تذكر ذلك كثيراً في أشعارها، وإنما يتعاورون ذكر الوتد، اللهم إلا أن تكون الأعمدة وما شاكلها تنتخب وتحمل وإنما المطرح ما جعل فوقها وسد به خصاصها فدفع الحر والبرد فنعم، ولا شك أن هذا هو الصحيح، ويدل عليه قول جرير يذكر منزلاً:
فلا عهد إلا أن تذكر أو ترى ... ثماماً حوالي منصب الخيم باليا
فذكر الثمام مطرحاً، وقال أبو دواد:
عهدت لها منزلاً دائراً ... وآلا على الماء يحملن آلا
فالآل الأول: أعمدة الأخبية، والآل الثاني: الشخص الذي يرتفع عند اشتداد الحر، هكذا فسروه، منهم قدامة، والذي قال الحذاق: يعني أعمدة تحمل أعمدة مثلها ذكره أبو حنيفة، وقوله " على الماء " يعني الماء العد الذي هو المحضر يرجعون إليه بعد تبديهم وانقطاع ماء السماء، وقد أخبرك الشاعر على القول الأول أنهم يحملون أعمدة الأخبية والبيوت.
ومن أحسن ما وقع في هذا الباب من التتبيع قول حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
فقوله " حول قبر أبيهم " تتبيع مليح، أشار به إلى أنهم ملوك مقيمون لا يخافون فينتقلون من مكان إلى مكان، وأنهم في مستقر عز وأرض خصب
стр. 302
لا تجدب، أراد الشام، وأن ذلك دأبهم من القدم، فهو حول قبر أبيهم، وهذا كما قال ابن مقبل:
نحن المقيمون لم تبرح ظعائننا ... لا نستجير، ومن يخلل بنا يجر
ومن هذا الباب أيضاً قول عنترة بن شداد العبسي:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذي نعال السبت ليس بتوأم
أراد أنه ملك؛ لأن نعال السبت لا يحتذيها عندهم إلا كل شريف، يدلك على ذلك قول عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة يذكر آل رسول الله ﷺ في قصيدة لام فيها عبد الله بن عباس وشكر الحسن بن علي ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵄:
إلى نفر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يخصر
ومن التتبيع قول الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع
وذلك أن الفحل إذا منع الخطام نزعوا من قردانه شيئاً فلذ ذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه حتى يلقى الخطام في رأسه، فزعم الحطيئة أن هؤلاء لا يخدعون عن عزهم وإبائهم فيقدر عليهم.
وأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث:
يا عمرو، إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
فيجوز أن يكون أراد أضربك على الرأس الذي تصيح منه الهامة اسقوني على زعم الأعراب، فيكون من هذا الباب، ويجوز أن يكون مراده أضربك فلا يؤخذ بثأرك وتكون حيث ههنا مثلها في قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم فيخرج عن هذا الباب.. وإلى نحو التأويل الأول قصد أبو الطيب بقوله:
стр. 303
فيا بن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا
أراد الصدر، أو النحر..
وبيت البحتري في صفة الذئب، ويروى لعمارة بن عقيل:
فأوجرته أخرى فأظللت ريشها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد
خير من بيت أبي الطيب وأجمع للصفة، وقوله " أظللت " بمعنى صبرت ويروى بالضاد.
باب التجنيس
التجنيس ضروب كثيرة: منها المماثلة، وهي: أن تكون اللفظة واحدة باختلاف المعنى، نحو قول زياد الأعجم، وقيل: الصلتان العبدي يرثي المغيرة ابن المهلب:
فانع المغيرة للمغيرة إذ بدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح
فالمغيرة الأولى: رجلن والمغيرة الثانية: الفرس، وهو ثانية الخيل التي تغير.
وقال صاحب الكتاب: قال الله تعالى: " وأسلمت مع سليمان " وقال تعالى: " ثم انصرفوا صرف الله قلوبكم " وفي كلام النبي ﷺ " سليم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله " وإن كان من غير هذا الباب.. وأنشد سيبويه:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها
стр. 304
البلدة الأولى: صدر الناقة، والثانية: المكان من الأرض.
ومثله ما أنشده ثعلب:
وثنية جاوزتها بثينة ... حرف يعارضها ثني أدهم
فالثنية الأولى: عقبة، والثانية: ناقة، والثني الأدهم: الظل، استعار له هذا الاسم.. ويروى " حبيب أدهم ".
ومثله أنشده أبو عمرو بن العلاء: عود على عود على عود خلق وقال: الأول الشيخ، والثاني: الجمل المسن، والثالث: الطريق القويم قد ذلل بكثرة الوطء عليه.
ويجري هذا المجرى قول الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عيطموس
أنشده قدامة على أنه طباق، وسائر الناس يخالفونه في هذا المذهب، وقد جاء رد الأخفش علي بن سليمان عليه في ذلك وإنكاره على رأي الخليل والأصمعي في كتاب حلية المحاضرة للحاتمي.
وعلى القول الأول قال أبو نواس في ابن الربيع:
عباس عباس إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد
فالعهد الأول المسقي: هو الوقت، والعهد الثاني: هو الحفاظ، من قولهم " فلان ماله عهد " والعهد الثالث: الوصية من قولهم " عهد فلان إلى فلان، وعهدت
стр. 305
إليه " أي: وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر، وجمعه عهاد، وقيل: أراد مطراً بعد مطر بعد مطر، وفسر ذلك بقوله:
سحاب متى يسحب على النبت ذيله ... فلا رجل ينبو عليه ولا جعد
واستثقل قوم هذا التجنيس، وحق لهم.
ومن مليح هذا النوع قول ابن الرومي:
للسود في السود آثار تركن بها ... لمعاً من البيض تثني أعين البيض
فالسود الأول: الليالي، والسود الآخر: شعرات الرأس واللحية، " و " والبيض الأول: الشيبات، والبيض الآخر: النساء..
وزعم الحاتمي أن أفضل تجنيس وقع لمحدث قول عبد الله بن طاهر:
وإني للثغر المخيف لكاليء ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف
فهذا وما شاكله التجنيس المحقق، والجرجاني يسميه المستوفي.
ويقرب منه وليس محضاً قول ابن الرومي:
له نائل ما زال طالب طالب ... ومرتاد مرتاد وخاطب خاطب
أدخل الترديد، والترديد: نوع من المجانسة يفرد له باب إن شاء الله تعالى.
والتجنيس المحقق: ما اتفقت فيه الحروف دون الوزن، رجع إلى الاشتقاق أو لم يرجع، نحو قول أحد بني عبس:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفسكم لا يعرف الأنفا
فاتفقت الأنف مع الأنف في جميع حرفها دون البناء، ورجعا إلى أصل
стр. 306
واحد، هذا عند قدامة أفضل تجنيس وقع، ومثله في الاشتقاق قول جرير والجرجاني يسميه التجنيس المطلق، قال: وهو أشهر أوصافه:
وما زال معقولاً عقال من الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس
وقال جرير أيضاً، وفيه المضارعة والمماثلة والاشتقاق، وأنشده ابن المعتز:
تقاعس حتى فاته المجد فقعس ... وأعيا بنو أعيا وضل المضلل
وقال خلف بن خليفة الأقطع:
فإن يشغلونا عن أذان فاننا ... شغلنا وليداً عن غناء الولائد
يعني الوليد بن زياد بن عبد الملك. وقال أبو تمام فأحكم المجانسة بالاشتقاق:
بحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق
فجنس بثلاث لفظات. ومثله قول البحتري:
صدق الغراب، لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب
ويقرب من هذا النوع قول ذي الرمة واسترجعت هامها الهيم الشعاميم فالهيم والهام قريبان في اللفظ بعيدان في الاشتقاق، وربما جعلهما بعض الناس من أصل واحد، وكذلك قوله:
كأن البرى والعاج عيجت متونها ... على عشر نهى به السيل أبطح
قال ابن المعتز " نهى به السيل " أي: بلغ به إليه فهو أنعم له وأكثر لدونةً.
стр. 307
وأنا أقول: معناه ترك به السيل نهياً، وهو الغدير، وذلك أتم لما أراد ابن المعتز، اللهم إلا أن يكون معناه جعل نهايته هناك فإنه أتم وأجود، أي: لم يجد منصرفاً فأقام. وقال البحتري:
وذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه منك بينه الشكول
نسيم الروض في ريح شمالٍ ... وصوب المزن في راح شمول
وقال أبو تمام:
مليتك الأحساب، أي حياة ... وحيا أزمةٍ وحية واد
ويقرب من هذا النوع نوع يسمونه المضارعة، وهو على ضروب كثيرة: منها أن تزيد الحروف وتنقص، نحو قول أبي تمام والجرجاني يسميه التجنيس الناقص: يمدون من أيدٍ عواص عواصم وهما سواء لولا الميم الزائدة. وكذلك قوله قواض قواضب سواء لولا الباء، ومع ذلك فإن الباء والميم أختان. ومثله قول البحتري:
فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح
ومنها أن تتقدم الحروف وتتأخر، كقول الطائي:
بيض الصفائح لا سود الصحائف، في ... متونهن جلاء الشك والريب
فقوله " الصفائح، لا سود الصحائف " هو الذي أردت. وقال البحتري:
شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحامٍ ملوم قطوعها
стр. 308
ومثله قول أبي الطيب:
ممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا
وحكى ابن دريد أن أعرابياً شتم رجلاً فقال: لمج أمه، فقدم إلى السلطان فقال: إنما قلت: ملج أمه، فدرأ عنه..
قال أبو بكر: لمجها: أتاها، وملجها: رضعها.
وأصل المضارعة أن تتقارب مخارج الحروف، وفي كلام العرب منه كثير غير متكلف، والمحدثون إنما تكلفوه؛ فمن المعجز قول الله : " وهم ينهون عنه وينأون عنه " وقال النبي ﷺ لرجل سمعه وهو ينشد على سبيل الافتخار وقيل: بل سأله عن نسبه فقال:
إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر
فقال له النبي ﷺ : " ذلك والله ألأم لجدك، وأضرع لخدك، وأفل لحدك، وأقل لعدك، وأبعد لك عن الله ورسوله " وقوله ﵊: " نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقزم " الأيمة: الخلو من النساء، والعيمة: شهوة اللبن، والغيمة: العطش، والكزم: قصر اللبان خلقة أو من بخل، ويقال: الكزم شدة الأكل، والقزم: شهوة اللحم.
وهذا النوع يسميه الرماني المشاكلة، وهي عنده ضروب: هذا أحدها، وهي المشاكلة في اللفظ خاصة، وأما المشاكلة في المعنى فننبه عليها في أماكنها إن شاء الله تعالى..
وقال ابن هرمة:
وأطعن للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
وقال أبو تمام:
رب خفضٍ تحت الثرى وغناء ... من عناء ونضرةٍ من شحوب
وأبعد من هذا قليلاً قول ساعدة بن جؤية الهذلي:
стр. 309
رأى شخص مسعود بن بشر بكفه ... حديد حديث بالوقيعة معتد
ومن المضارعة بالتصحيف ونقص الحروف قول بعضهم:
فإن حلوا فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر
وقال البحتري يمدح المعتز بالله:
ولم يكن المعتز بالله إن سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه
فجاء بتصحيف مستوف. وقال:
ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور
وقال غيره وأظنه قابوس بن وشمكير:
إن المكارم في المكا ... ره والغنائم في المغارم
وقال بعض العلماء: ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر. وقال آخر: خلف الوعد خلق الوغد. وقال ابن المعتز:
لئن نزهت سمعك عن كلامي ... لقد نزهت في خديك طرفي
له وجه به يصبى ويضني ... ومبتسم به يشقي ويشفي
وقال آخر أيضاً في مثل ذلك، وفيه تغيير كثير بتصحيف:
فمن داع ومن راعٍ ... ومن مطرٍ ومن مطرق
وكل خاشع الطرف ... لديه خاضع المنطق
أعني بالتغيير ضاد " خاضع " ليست مناسبة لشين خاشع فيكون تصحيفاً، وإنما التصحيف فيما تناسب من الخط، ومن هذا قوله " داع "
стр. 310
و " راع " لبعد ما بينهما في اللفظ والهجاء.
ومن الإسقاط الذي لا يظهر إلا في الخط قول شمس المعالي قابوس بن وشمكير:
ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد نسري فوق جمجمة النسر
ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنا من العلياء نجري على نجر
فياء الوصل في النسر جانست به نسري وصار لقاء النون كسرة الهاء من جمجمة كالتنوين في الهاء، وكذلك صلة نجر جانست به نجري فإذا صرت إلى الخط زالت المجانسة.
وقد أحدث المولدون تجانساً منفصلاً يظهر أيضاً في الخط كقول أبي تمام:
رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كاللاب
الكاف للتشبيه، واللاب: جمع لابة، وهي الحرة ذات الحجارة السود.. هذا أصح الروايتين، وأما قوله بجحفل كلاب أي كأن به كلباً فليس بشيء، وإنما القول ما قدمناه، وليس بتجانس صحيح على ما شرطه المتقدمون، ولكنه استظرف فأدخل في هذا الباب تملحاً.. وأكثر من يستعمله: الميكالي، وقابوس، وأبو الفتح البستي، وأصحابهم؛ فمن ذلك قوله:
عارضاه بما جنى عارضاه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
فقوله " أو دعاني " إنما هي أو التي للعطف، نسق بها " دعاني " وهو أمر الاثنين من دع على قوله " عارضاه " الذي في أول البيت، وقوله " أودعاني " الذي في القافية فعل ماض من اثنين، تقول في الواحد " أودع يودع " من الوديعة. وقال أيضاً:
стр. 311
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
وربما صنعوا مثل هذا في القوافي فتأتي كالإيطاء وليس بإبطاء إلا في اللفظ مجازاً، ولا بتجنيس إلا كذلك.. قال عمر بن علي المطوعي:
أمير كله كرم سعدنا ... بأخذ المجد منه واقتباسه
يحاكي النيل حين يسأم نيلاً ... ويحكي باسلاً في وقت باسه
أراد أن يناسب فجاء القافيتان كما نرى في اللفظ، وليس بينهما في الخط إلا مجاورة الحروف، وهذا أسهل معنى لمن حاوله، وأقرب شيء ممن تناوله، من أبواب الفراغ وقلة الفائدة، وهو مما لا شك في تكلفه، وقد أكثر منه هؤلاء الساقة المتعقبون في نثرهم ونظمهم حتى بردوا، بل تدركوا، فأين هذا العمل من قول القائل، وهو أبو فراس:
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
وما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول زهتني بل شمائله
ألوي بصبري أصداغ لوين له ... وغل صدري ما تحوي غلائله
فما كان من التجنيس هكذا فهو الجيد المستحسن، وما ظهرت فيه الكلفة فلا فائدة فيه.
وقد يجيئ التجنيس على غير قصد كقول أبي الحسن في مقطعاته التي ترد فيما بعد:
ما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل
فبهذا التجنيس تم المعنى وظهر حسنه؛ إذ كان برج الحمل بيت المريخ وموضع شرف الشمس، فصار بعض الكلام مرتبطاً ببعضه، ومظهراً لخفي محاسنه، وحصل التجنيس فضلة على المعنى؛ لأنه لو قال في موضع الحمل " النطح "
стр. 312
أو الكبش " لكان كلاماً مستقيماً؛ فهذا التجنيس كما ترى من غير تكلف ولا قصد، ولكن الأكثر أن يكون التجنيس مقصوداً إليه، مأخوذاً منه ما سامحت فيه القريحة، وأعان عليه الطبع..
وقد يعد قوم من المضارعة ما ناسب اللفظ في الخط فقط، كقوله تعالى: " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً " وهي مضارعة بعيدة لا يجب أن يعد مثلها.. واختلف الناس في قول الأعشى:
إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
فقال الجرجاني علي بن عبد العزيز القاضي: هو مجانسة؛ لأن أحدهما رجل، والآخر قبيلة، وقال غيره: بل معناهما واحد، وأنا على خلاف رأي الجرجاني لأن الشاعر قال بني عامر وأضاف بني إليه، ولو قال ساد عامراً يعني القبيلة لكان تجنيساً غير مدفوع. قال الجرجاني: وأراه يعني بيت الأعشى يخالف قول الآخر:
قتلنا به خير الضبيعات كلها ... ضبيعة قيس لا ضبيعة أضحما
لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنه جمع بين رجلين متفقي الاسم، انتهى كلامه، وهو يشهد بما قلته في بيت الأعشى إذا حققه من له ميز وتدبير..
وقد ذكروا تجنيساً مضافاً، أنشده جماعة من المتعقبين منهم الجرجاني:
أيا قمر التمام أعنت ظلماً ... علي تطول الليل التمام
فهذا عندهم وما جرى مجراه إذا اتصل كان تجنيساً، وإذا انفصل لم يكن تجنيساً، وإنما كان يتمكن ما أراد لو أن الشاعر ذكر الليل وأضافه فقال " ليل التمام " كما قال " قمر التمام " والرماني سمى هذا النوع مزواجاً، ومثله عنده قول الآخر:
حمتني مياه الوفر منها مواردي ... فلا تحمياني ورد ماء العناقد
стр. 313
ومن المزاوجة عندهم قول الله تعالى: " يخادعون الله وهو خادعهم " وقوله: " من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله: " إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم " وكل هذه استعارات ومجاز؛ لأن المراد المجازاة فزاوج بين اللفظين.
وكان الأصمعي يدفع قول العامة " هذا مجانس لهذا " إذا كان من شكله، يقول: ليس بعربي خالص، حكى ذلك ابن جني.. فأما ابن المعتز فقال وهو أول من نحا هذا النحو وجمعه والمجانسة: أن تشبه اللفظة اللفظة في تأليف حروفها على السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها، قال: والجنس أصل لكل شبء: تتفرع منه أنواعه، وتعود كلها إليه، وكالإنسان وهو جنس وأنواعه عربي ورومي وزنجي، وأشباه ذلك، ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب أعني التجنيس يدلك على ذلك ما حكى عن رؤبة بن العجاج وأبيه، وذلك أنه قال له يوماً: أنا أشعر منك، قال: وكيف تكون أشعر مني وأنا علمتك عطف الرجز؟ قال: وما عطف الرجز؟ قال عاصم يا عاصم لو اعتصم قال: يا أبت، أنا شاعر ابن شاعر، وأنت شاعر ابن معجم، فغلبه، فأنت ترى كيف سماه عطفاً، ولم يسمه تجانساً، اللهم إلا أن يذهب بالعطف إلى معنى الالتفات فنعم.
ومن أناشيد هذا الباب قول الشنفرى واسمه عامر بن عمرو الأزدي:
وبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وظلت
وقال علي بن محمد بن نصر بن بسام:
فاشرب على الورد من وردية عتقت ... كأنها خد ريم ريم فامتنعا
وقال الفرزدق:
стр. 314
ألم يأته أني تخلل ناقتي ... بنعمان أطراف الأراك النواعم
وحقيقة المجانسة عند الرماني المناسبة بمعنى الأصل، نحو قول أبي تمام: في حده الحد بين الجد واللعب قال: لأن معناهما جميعاً أبلغ، وأما قولك قرب واقترب، والطلوع والمطلع، وما شاكل هذا؛ فهو عنده من تصرف اللفظ، ولا يعده تجنيساً، ومن تصرف المعنى عنده قولك: عين الميزان، وعين الإنسان، وعين الماء، ونحو ذلك.. ومن التصرف في اللفظ والمعنى جميعاً قولك: الضرب والمضاربة والاستضراب، وما أشبه ذلك، كل هذه الأنواع عنده من باب التصرف.
وما أكثر ما يستعمل هذا النوع بعض شعراء وقتنا المذكورين، ويظن أنه قد أتى بشيء من غرائب التجنيس.
وأما قول دعبل في امرأته سلمى:
أحبك حباً لو تضمنه سلمى ... سميك ذاك الشاهق الرأس
فقد جنس من غير جنس؛ لأن قوله سميك دال على مراده.
ومثله قول آخر:
ضيعتي مثل اسمها العا ... م وداري مسترمه
أنشده الرماني.. وقال الآخر، وهو أبو تمام:
إذ لا صدوق ولا كنود اسماهما ... كالمعنيين ولا النوار نوارا
المراد صدر البيت لا عجزه.
وإذا دخل التجنيس نفي عد طباقاً، وكذلك الطباق يصير بالنفي تجنيساً، وسأفرد لهما باباً إن شاء الله تعالى فيما بعد
стр. 315
باب الترديد .
باب الترديد
وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً
فعلق يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة. وكذلك قوله أيضاً:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
فردد أسباب على ما بينت. ولبعض الحجازيين:
ومن لامني فيهم حبيب وصاحب ... فرد بغيظٍ صاحب وحميم
وقال مجنون بني عامر:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وقال أبو تمام:
خفت دموعك في إثر القطين لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلت الكثيب ترديداً لجاز.. وقال ابن المعتز:
لو شئت لا شئت خليت السلو له ... وكان لا كان منكم في معافاتي
وقال أيضاً في مثل ذلك:
أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى ... ويوسف أضناني ويوسف يوسف
ولبعضهم وأظنه الصنوبري:
أنت عذري إذا رأوك، ولكن ... كيف عذري إذا رأوك تخون
الترديد في قوله " إذا رأوك ".. وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
стр. 316
الترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار القدماء جداً.
والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.
ويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك الخليع:
لقد ملأت عيني بغير محاسن ... ملأن فؤادي لوعةً وهموما
لقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي:
راح إذا ما الراح كان مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس بن مرداس:
تعرض للسيوف بكل ثغر ... وجوهاً لا تعرض للطسام
стр. 317
وحمل قوم قول امرئ القيس فثوباً لبست وثوباً أجر على أنه تكرار لا ترديد فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني غير إفادة الأول حسب ما شرطوا.
ومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد:
جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم
ومن أملح ما سمعته قول ابن العميد:
فإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتب ... وإن كان مرضياً فقل شعر كاتب
وهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس الشعر من صناعته كما حكى ابن النحاس أنهم يقولون " نحو كتابي " إذا لم يكن مجوداً، وقوله عند الرضا شعر كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان اللفظ تجنيساً مردداً.
وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله:
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيشٍ كلهن قلاقل
فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله:
أسد فرائسها الأسود، يقودها ... أسد، تكون له الأسود ثعالبا
فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسوداً؟ ولا أقول إنه بيت شعر، وأين يقع هذا من قول غيره:
فصبح الوصال وليل الشباب ... وصبح المشيب وليل الصدود
стр. 318
تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله " ٤٥
باب التصدير " أعان الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله.
стр. 319
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب التصدير
وهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائية وطلاوة.
وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر:
يلفي إذا ما الجيش كان عرمرماً ... في جيش رأي لا يفل عرمرم
الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله:
سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر:
عزيز بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام
والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم.
ومن أبيات التصدير قول زهير:
كذلك خيمهم، ولكل قومٍ ... إذا مستهم الضراء خيم
وقال أيضاً في ذلك:
له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم
стр. 320
وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي:
وما كل ذي لب بموتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها.
ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي:
محارمك أمنعها من القوم؛ إنني ... أرى جفنة قد ضاع فيها المحارم
وقال جرير وهم يستحسنوه جداً:
سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقال عمرو بن الأحمر:
تغمرت منها بعد ما نفد الصبا ... ولم يروا من ذي حاجة من تغمرا
تغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جداً، ضربه مثلاً، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد.
ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق:
أصدر همومك لا يغلبك واردها ... فكل واردة يوماً لها صدر
وأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديراً كما جعله أولاً طباقاً كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة.
ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي:
ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب
والكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس.
ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب:
يا بياضاً أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضاً
следующие страницы →