← Адаб

Адаб · id 10909

العمدة في محاسن الشعر وآدابه

ابن رشيق القيرواني

Полный текст (633 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار القدماء جداً. والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله: ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ. ويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك الخليع: لقد ملأت عيني بغير محاسن ... ملأن فؤادي لوعةً وهموما لقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي: راح إذا ما الراح كان مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء ردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس بن مرداس: تعرض للسيوف بكل ثغر ... وجوهاً لا تعرض للطسام

стр. 317

وحمل قوم قول امرئ القيس فثوباً لبست وثوباً أجر على أنه تكرار لا ترديد فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني غير إفادة الأول حسب ما شرطوا. ومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد: جهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم ومن أملح ما سمعته قول ابن العميد: فإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتب ... وإن كان مرضياً فقل شعر كاتب وهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس الشعر من صناعته كما حكى ابن النحاس أنهم يقولون " نحو كتابي " إذا لم يكن مجوداً، وقوله عند الرضا شعر كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان اللفظ تجنيساً مردداً. وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله: فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيشٍ كلهن قلاقل فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله: أسد فرائسها الأسود، يقودها ... أسد، تكون له الأسود ثعالبا فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسوداً؟ ولا أقول إنه بيت شعر، وأين يقع هذا من قول غيره: فصبح الوصال وليل الشباب ... وصبح المشيب وليل الصدود

стр. 318

تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله " ٤٥ باب التصدير " أعان الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله.

стр. 319

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب التصدير وهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائية وطلاوة. وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر: يلفي إذا ما الجيش كان عرمرماً ... في جيش رأي لا يفل عرمرم الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله: سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر: عزيز بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم. ومن أبيات التصدير قول زهير: كذلك خيمهم، ولكل قومٍ ... إذا مستهم الضراء خيم وقال أيضاً في ذلك: له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم

стр. 320

وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي: وما كل ذي لب بموتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها. ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي: محارمك أمنعها من القوم؛ إنني ... أرى جفنة قد ضاع فيها المحارم وقال جرير وهم يستحسنوه جداً: سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل وقال عمرو بن الأحمر: تغمرت منها بعد ما نفد الصبا ... ولم يروا من ذي حاجة من تغمرا تغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جداً، ضربه مثلاً، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد. ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق: أصدر همومك لا يغلبك واردها ... فكل واردة يوماً لها صدر وأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديراً كما جعله أولاً طباقاً كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة. ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي: ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب والكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس. ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب: يا بياضاً أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضاً

стр. 321

وأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها: دقت ورقت مذقة من مائها ... والعيش بين رقيقتين رقيق وأنشد لمسلم بن الوليد: تبسم عن مثل الأقاح تبسمت ... له مزنة صيفية فتبسما وهذا البيت أيضاً ترديد، وأنشد للطائي: ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع فالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلباً لها من القدماء، وهي في أشعارهم أوجد كما قدمت آنفاً. باب المطابقة المطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه المطابقة عند جميع الناس: جمعك بين الضدين في الكلام أو بيت الشعر، إلا قدامة ومن اتبعه؛ فإنهم يجعلون اجتماع المعنيين في لفظة واحدة مكررة طباقاً، وقد تقدم الكلام في باب التجانس، وسمى قدامة هذا النوع الذي هو المطابقة عندنا التكافؤ، وليس بطباق عنده إلا ما قدمت ذكره، ولم يسمه التكافؤ أحد غيره وغير النحاس من جميع من علمته.

стр. 322

قال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حذوٍ واحد وألصقتهما. وذكر الأصمعي للمطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد في مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بن الجعدة: وخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب يطأن الهراسة ثم قال: أحسن بيت قيل لزهير في ذلك: ليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا حكى ذلك ابن دريد عن أبي حاتم عنه. وأما علي بن سليمان الأخفش فاختار قول ابن الزبير الأسدي: رمي الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سموداً فرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سوداً وهذا من التبديل على مذاهب الكتاب، وأختار أيضاً قول طفيل الغنوي: بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مذبول حكاه الحاتمي عن أبي الفرج على ابن الحسن القرشي.. وقال الرماني: المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان.

стр. 323

قال صاحب الكتاب: هذا أحسن قول سمعته في المطابقة من غيره، وأجمعه لفائدة، وهو مشتمل على أقوال الفريقين وقدامة جميعاً، وأما قول الخليل إذا جمعت بينهما على حذو واحد ألصقتهما فهو مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان كما قال الرماني، يشهد بذلك قول لبيد: تعاورن الحديث وطبقنه ... كما طبقت بالنعل المثالا ومنه طبقت المفصل أي: أصبته فلم أزد في العضو شيئاً ولم أنقص منه.. وكذلك قول الأصمعي " أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع هو مساواة المقدار أيضاً؛ لأن من ذوات الأربع ما تجاوز رجله موضع يده، ومنها ما يطابق كما قال خلقة، وربما كان طباقها من ثقل تحكله أو شكيمة تمنعها أو شيئاً تتقيه على أنفسها، ولذلك شبه النابغة الجعدي مشي الخيل بوطء الكلاب الهراس، وهو حطام الشوك؛ فهي لا تضع أرجلها إلا حيث رفعت منه أيديها طلباً للسلامة. وأما قول قدامة في المطابق هو ما اشترك في لفظة واحدة بعينها فإنه أيضاً مساواة لفظٍ للفظ، وهي أعني المساواة على رأي الخليل والأصمعي مساواة معنى لمعنى، وقد يكون المراد أيضاً مطابقة الفظ للمعنى، أي: موافقته، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يطابق فلان على كذا إذا وافقه عليه وساعده فيه؛ فيكون مذهب قدامى أن اللفظ وافقت معنى، ثم وافقت بعينها معنى آخر، ويصح هذا أيضاً في قول الخليل في الطباق إنه جمعك بين الشيئين على حذو واحد فيكون الشيئان للمعنيين، والحذو الواحد: اللفظة. ومن مليح ما رأيته في المطابقة قول كثير بن عبد الرحمن يصف عيناً وعن نجلاء تدمع في بياض ... إذا دمعت، وتنظر في سواد

стр. 324

قال أيضاً: ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم، ولا أكثرت إلا أقلت وقال ابن المعتز، ويروى لابن المعذل: هواي هوا باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل ولبعض الأعراب: أمؤثرة الرجال علي ليلى ... ولم أوثر على ليلى النساء وقال إعرابي: الدراهم مياسم تسم حمداً أو ذماً، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له ونظم الشاعر هذا الكلام فقال: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك ومن الطباق الحسن قول إعرابي: خرجنا حفاة حين أنتعل كل شيء ظله، وما زادنا إلا التوكل وما مطايانا إلا الأرجل، حتى لحقنا بالقوم. وقال آخر لصاحبه: إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنياً فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم؛ وأعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.. ولربيعة بن مقروم الضبي: فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل ومن أفضل كلام البشر قول رسول الله ﷺ في بعض خطبه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات؛ فو الدي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار فهذا هو المعجز الذي لا تكلف فيه ولا مطمع في الإتيان بمثله. وقال الله عز من قائل: وما يستوي الأعمى والبصر، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات

стр. 325

وعد ابن المعتز من المطابقة قول الله : ولكم في القصاص حياة لأن معناه: القتل أنفة للقتل فصار القتل سبب الحياة، وهذا من أملح الطباق وأخفاه. ومما استغربه الجرجاني من الطباق واستلطفه قول الطائي: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل لمطابقته بهاتا وتلك، وإحداهما للحاضر وأخرى للغائب، فكانتا في المعنى نقيضتين وبمنزلة الضدين، هذا قوله، وليس عندي بمحقق؛ إنما إحداهما للقريب والأخرى للبعيد المشار إليه، ولكن الرجل أراد التخلص فزل في العبارة. ومثل هذا عندي في بابه قول أبي الطيب يذكر خيل العدو الزاحف للحرب: ضربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضربن بها عنا فقوله ضربن إلينا مجيء إقدام، وقوله ضربن بها عنا ذهاب فرار، وهما ضدان. ومن أنواع الطباق قول هدبة بن خشرم: فإن تقتلونا في الحديد فإننا ... قتلنا أخاكم مطلقاً لم يكبل فقوله في الحديد ضد قوله مطلقاً لم يكبل وإن لم يأتي على متعارف المضادة، وكذلك قوله: فإن يك أنفي زال عني جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدع كأنه قال: وإن يك أنفي أجدع فما حسبي بأجدع. قال الجرجاني: وقد يخلط من يقصر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه، كقول كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه: لقد كان أماً حلمه فمروج ... علينا، وأما جهله فعزيب لما رأى الحلم والجهل ووجد مروحاً وعزيباً جعلهما في هذه الجملة، ولو ألحقنا

стр. 326

ذلك بها لوجب أن يلحق أكثر أصناف التقسيم، ولا تسع الخرق فيه حتى يستغرق أكثر الكلام. قال صاحب الكتاب: معنى قوله فيما أنكر أن البيت إنما حقه أن يكون في باب المقابلة؛ لمقابلة الشاعر فيه كلمتين بكلمتين تقرباني من مضادتهما، وليستا بضدين على الحقيقة، ولو كانتا ضدين لم يكن ما زاد على لفظتين متضادتين أو مختلفتين إلا مقابلة، فإن لم يكن بين الألفاظ مناسبة البتة إلا الوزن سمى موازنة، وسأذكره في باب المقابلة إن شاء الله، هكذا جرت العادة في هذه التسمية. وأما قولنا إن الكلمتين غير متفاوتتين فظاهر؛ لأن الحلم ليس ضده في الحقيقة الجهل، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم والمعرفة وما شاكلهما، وكذلك المروح ليس ضده العزيب وإنما ضده المغدو به أو المبكر به، وما أشبههما ولما ثقل وزن المروح من هاتين اللفظتين وقل استعماله تسمحت فيهما، وأما العزيب فهو البعيد والغائب، ولا مضادة بينه وبين المروح إلا بعيدةً، كأنه يقول: إن هذا يأتي لوقته وذلك بعيد خفي لا يأتي ولا يعرف، على أنا نجد أبا تمام إمام الصنعة قد قال: ولقد سلوت لو أن داراً لم تلح ... وحلمت لو أن الهوا لم يجهل وقال زهير، وزعموا أنه لأوس بن الحجر: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل لما وجده خلافاً له طابق بينها كما يفعل بالضد، وإن كان الخلاف مقصراً عن رتبة الضد في المباعدة، والناس متفقون على أن جميع المخلوقات: مخالف، وموافق، ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو على معنى المسامحة وطرح الكلفة والمشقة، وأنشد غير واحد من العلماء لحسين بن مطير:

стр. 327

بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها ورواه ابن الأعرابي في نسق أبيات: بصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها وهذه الرواية أدخل في الصنعة، وقال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض هو ضد السواد على الحقيقة؛ إذ كان كل واحد منهما كلما قوي زاد بعداً من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوى زاد قرباً من السواد، فإن ضعف زاد قرباً من البياض، وأيضاً فلأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا منصبغ، وليس سائر الألوان كذلك؛ لأنها كلها تصبغ ولا تنصبغ، انقضى كلامهم، وهو بين ظاهر لا يخفى على أحد، وإنما أوردته إبطالا لزعم من زعم أن أفضل مطابقة وقعت قول عمرو بن كلثوم: بأنا نورد الرايات بيضاً ... ونصدرهن حمراً قد روينا ومن أخف الطباق روحاً، وأقله كلفة، وأرسخه في السمع، وأعقله في القلب؛ قول السيد أبي الحسن في قصيدة: ألا ليت أياماً مضى لي نعيمها ... تكر علينا بالوصال فننعم وصفراء تحكي الشمس من عهد قيصر ... يتوق إليها كل من يتكرم إذا مزجت في الكأس خلت لآلئا ... تنثر في حافاتها وتنظم جمعنا بها الأشتات من كل لذة ... على أنه لم يغش في ذاك محرم فطابق بين تنثر وتنظم وبين جمعنا والأشتات أسهل طباقاً وألطفه من غير تعمل ولا استكراه، وأتى في البيت الأول من قوله مضى وتكر بأخفى مطابقة، وأظرف صنعة على مذهب من انتحله.

стр. 328

ومما يغلط فيه الناس كثيراً في هذا الباب الجمال والقبح كقول بعض المحدثين. وجهه غاية الجمال، ولكن ... فعله غاية لكل قبيح وليس لضده، وإنما ضده الدمامة، والقبح ضده الحسن. وقال الصولي أبو بكر يصف قلماً: ناحل الجسم ليس يعرف مذكاً ... ن نعيما، وليس يعرف ضراً وليس بيهما مضادة. وإنما ضد النعيم البؤس، فأما قول أبي الطيب: فالسلم تكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء فإنه داخل في الطباق المحض؛ لأن المراد بالهيجاء الحرب وهي اسم من أسمائها، فكأنه قال الحرب، فأتى بضد السلم حقيقة. باب ما اختلط فيه التجنيس بالمطابقة من ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين: كقولهم جلل بمعنى صغير، وجلل بمعنى عظيم؛ فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيساً، وكذلك الجون الأبيض، والجون الأسود، وما أشبه ذلك وكذلك إن دخل النفي كما قدمت، قال البحتري: يقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم فهذا مجانس في ظاهره، وهو في باطنه مطابق؛ لأن قوله لا أعلم كقوله أجهل، ومثل ذلك قول الآخر: لعمري لئن طال الفضيل بن ديسم ... مع الظل ما إن رأيه بطويل كأنه قال: إن رأيه قصير، وقد جاء في القرآن: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " فأما قول الفرزدق:

стр. 329

لعمري لئن قل الحصى في عديدكم ... بني مهشل ما لؤمكم بقليل ظاهره تجنيس بالقلة، وباطنه تطبيق بالكثرة؛ إذ كان معنى قل الحصى في عديدكم أنكم كثير، ومعنى ما لؤمكم بقليل أنه كثير أيضاً، فخاف الأول، وقد قال جلهمة بن أد بن مالك وهو طيء لولده في وصية: " ولا تكونوا كالجراد أكل ما وجد وأكله ما وجده " فهذا مجانس الظاهر مطابق الباطن، ومما أنشده ثعلب: أبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقاً جديدا الجديد هنا: المجدود وهو المقطوع، مثل قتيل وهزيل بمعنى مقتول ومهزول، كأنه قال مجدوداً، أي: مقطوعاً، فليس بمطابق، وإن كان كذلك في الظاهر عند من لا يميز، فأما المميز فيعلم أنه لا يكون خلقاً جديداً في حال: وقال العتابي يعاتب المأمون وقد حجب عنه وكان به حفياً: تضرب الناس بالمهندة البي ... ض على غدرهم وتنسى الوفاء فأتى بالغدر والوفاء، جميعاً، وهما ضدان، فطابق بينهما في الظاهر وباطن كلامه مجانس لأن قوله وتنسى الوفاء كقوله تغدر. وقال جرير أيضاً: أتصحو أم فؤادك غير صاح. فقوله غير صاح نقيض أتصحو لولا استفهام لم تعلم حقيقة محصوله بعد، إلا على مذهب من جعل أم بمعنى بل فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض الصحو، ودخل كلامه في المطابقة.. وقال قيس بن الخطيم، ويروي لعدي:

стр. 330

وإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالاً وليس بمهتدي كأنه قال وهو ضال فجانس في الباطن، وإن كان قد طابق في الظاهر. ومن هذا الباب قولك فاعل ومفعول، نحو خالق ومخلوق وطالب ومطلوب هما ضدان في المعنى، وإن تجانسا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعل والمفعول مفعل نحو مكرم ومكرم ومعط ومعطى وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء، وأما قولك قضيت واقتضيت فظاهره تجنيس وباطنه طباق، إلا أنه غير محض، وكذلك قولك أخذت وأعطيت؛ لأن الأخذ ضده الترك، والإعطاء ضد المنع، فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقاً وليس كما ظن، ولكنه كثر جداً في الكلام، واستعمله الناس، كما تقدم من قولنا في الحلم والجهل والجمال والقبح. ومما ظاهره تجنيس وباطنه طباق الوعد والوعيد كما قال الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وأول ما يعتد به في هذا الباب قول امرئ القيس: فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد ويروى فإن تكتموا الداء لا نخفه وقوله لا نخفه أي: لنبده من

стр. 331

قوله تعالى: أكاد أخفيها فكأن الشاعر قال: إن تدفنوا الداء ندعه دفيناً أو قال: إن تكتموا الداء نكتمه، وكذلك قوله لا نقعد كأنه قال: إن تبعثوا الحرب نبعثها، ومن كلام السيد أبي الحسن: وأعلم أن المجد شيء مخلد ... وأن الفتي والمال غير مخلد والبيت من قصيدة شريفة أولها: صحا القلب عن سعدي وعن أم مسعد ... ولم يشجني نوح الحمام المغرد باب المقابلة المقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم، هذا حد ما اتضح عندي المقابلة: بين التقسيم والطباق، وهي تتصرف في أنواع كثيرة، وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولاً، وآخره ما يليق به آخراً، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه. وأكثر ما تجئ المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة مثال ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو: فيا عجباً كيف اتفقنا؛ فناصح ... وفي، ومطوي على الغل غادر؟ فقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة، لكن قدامة لم يبال بالتقديم والتأخير في هذا الباب، وأنشد للطرماح: أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم التربا

стр. 332

فما صبروا بلأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يدٍ ثوابا فقدم ذكر الإنعام على المأسورين، وأخر ذكر القتل في البيت الأول؛ وأتى في البيت الثاني بعكس الترتيب، وذلك أنه قدم ذكر الصبر عند بأس الحرب وأخر ذكر الثواب على حسن اليد، اللهم إلا أن يريد بقوله فما صبروا لبأس عند حرب القوم المأسورين إذ لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد؛ فإن المقابلة حينئذ تصح وتترتب على ما شرطنا، وهذه عندهم تسمى مقابلة الاستحقاق، ويقرب منها قول أبي الطيب: وفعله ما تريد الكف والقدم لأن الكف من اليد بمنزلة القدم من الرجل، فبينهما مناسبة وليست مضادة، ولو طلبت المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى، كما قال تعالى: " فيؤخذ بالنواصي والأقدام ". ومن أناشيد المقابلة قول النابغة الجعدي: فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعادية فقابل يسر بيسوء وصديقه بالأعادي، وهذا جيد؛ ولو كان كل مقابل على وزن مقابله في هذا البيت والبيت الذي أنشده قدامة أولاً لكان أجود.. وقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي: ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفنى قبل زاد القوم زادي فقال يبقى بعد ثم قال يفنى قبل فهذا كما أردنا. وقال الفرزدق: وأنا لنمضي بالأكف رماحنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق

стр. 333

سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو ذلك؟ قال: قول الشاعر: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل وقال يزيد بن محمد المهلبي، يقوله لسليمان بن وهب: فمن كان للآثام والذل أرضه ... فأرضكم للأجر والعز معقل وقال في التغزل: إن تغيبي عني فسقياً ورعياً ... أو تحلي فينا فأهلاً وسهلاً والمعجز قوله الله تعالى: " ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ولتبتغوا من فضله " فقابل الليل بالسكون، والنهار بابتغاء الفضل، وجعل بعض المفسرين الليل والنهار بمعنى الزمان، والأول أعجب إلى، وقال تعالى: " وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين ". ومن جيد المقابلة قول بكر بن النطاح الحنفي: أذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغى ونار زناد وكذلك قوله: لباسي حسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلق إلا أنه لو كان الإزار رداء كان أجود، لا سيما والسيف يسمى رداء، ولكنا هكذا رويناه. ومن خفي المقابلة والقسمة قول العباس بن الأحنف وأحسن ما شاء: اليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك، والساعة كالشهر وهذا مليح؛ لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر. وقال محمد بن أحمد العلوي: لا تؤخر عني الجواب فيومي ... مثل دهر، وساعتي مثل شهر

стр. 334

فلم يصنع شيئاً، وكان يمكنه أن يجعل مكان دهر حولا؛ فتكون قسمة مستوية، ولكنا هكذا رويناه. ومن جيد ما وقع في المنثور من المقابلة قول بعض الكتاب فإن أهل الرأي والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش، وليس من يجمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة ومن كلام إبراهيم بن هلال الصابي وأعد لمحسنهم جنة وثواباً، ولمسيئهم ناراً وعقاباً. وقال أبو الفتح محمود بن حسين كشاجم: تريك الحسن والإحسان وقفاً ... إذا برزت لنا وإذا تغيب ومما عابه الجرجاني على ابن المعتز: بياض في جوانبه احمرارٌ ... كما احمرت من الخجل الخدود لأن الخدود متوسطة وليست جوانب؛ فهذا من سوء المقابلة، وإن عده الجرجاني غلطاً في التشبيه، وإنما العلة في كونه غلطاً ما ذكرناه.. ومن المأخوذ المعيب عندي قول الكميت يخاطب قضاعة: رأيتكم من مالك وادعائه ... كرائمة الأولاد من عدم النسل فوقع تشبيهه على الادعاء والرثمان خاصة، لا على صحة المقابلة في الشبهين؛ لأن هؤلاء فيما زعم يدعون أبا، والرائمة تدعى ولداً، وهما ضدان. والصواب قول الآخر يهجو كاتباً، أنشده الجاحظ: حمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد وقال أبو نواس: أرى الفضل للدنيا وللدين جامعاً ... كما السهم فيه فوق والريش والنصل فزاد في المقابلة قسماً؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة. وكذلك قول أبي قيس ابن الأسلت: الحزم والقوة خير من ال ... إدهان والفكة والهاع

стр. 335

فقابل الحزم بالإدهان، والقوة بالفكة وهي الضعف ويروي الفهة وهي العي، وزاد الهاع، وهو الجبن والخفة. ومما سقط فيه عبد الكريم من جهة المقابلة وإن كان تمثيلاً وتشبيهاً قوله يمدح نزار بن معد صاحب مصر: إلى ملكٍ بين الملوك وبينه ... مسافة ما بين الكواكب والترب لأنه لما أتى بالملوك أولاً وبضمير الممدوح وهو الهاء التي في بينه بعد ذلك، ثم أتى بالكواكب وهي جماعة تقابل الملوك وبالترب وهو واحد يقابل الضمير باتحاده؛ أوجب له بهذا الترتيب أن يكون هو الترب، وتكون الملوك هم الكواكب، ولم يرد إلا أن يجعله موضع الكواكب، ويجعلهم موضع الترب، ولكن حكم عليه ما حكم على ابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه وسر صناعة الشعر.. ويدلك على صحة ما طلبته به قول امرئ القيس بن حجر: كأن القلوب الطير رطباً ويابساً ... لدي وكرها العناب والحشف البالي قابل الرطب أولا بالعناب مقدماً، وقابل اليابس ثانياً بالحشف تاليا. وكذلك قول الطرماح: يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد فقابل يبدو بيسل، وقابل تضمره البلاد بيغمد، على ترتيب، وكذلك كان يجب لهؤلاء أن يصنعوا، وإلا كانوا مخطئين أو مقصرين. ومن المقابلة ما ليس مخالفاً ولا موافقاً كما شرطوا إلا في الوزن والازدواج فقط، فيسمى حينئذ موازنة نحو قول النابغة: أخلاق مجد تجلت ما لها خطر ... في البأس والجود بين الحلم والخبر وعلى هذا الشعر حشا النعمان بن المنذر فم النابغة دراً. وينضاف إلى هذا النوع قول أبي الطيب:

стр. 336

نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال فوازن قوله في حياتك بقوله في منامك وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في الموازنة بين حبيب وخيال، وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض واحد. فأما قول أبي تمام: فكنت لناشيهم أباً، ولكهلهم ... أخاً، ولذي التقويس والكبرة ابنما فإنه من أحكم المقابلة وأعدل القسمة. وقد بنيت في أول هذا الباب أن المقابلة بين التقسيم والطباق؛ فكلما توفر حظها منهما كانت أفضل. ومن أملح ما رويناه في الموازنة وتعديل الأقسام مما يجب أن نختم به هذا الباب قول ذي الرمة: أستحدث الركب عن أشياعهم خبراً ... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟؟ لأن قوله أستحدث الركب موازن لقوله أم راجع القلب وقوله عن أشياعهم خبراً موازن لقوله من أطرابه طرب وكذلك الركب موازن للقلب وعن موازن لمن، وأشياعهم موازن أطرابه وخبراً موازن لطرب. وقال السيد أبو الحسن في هذا النوع: لكفاك أندى من غيوم سواجم ... وعزمك أمضى من حسام مهند فكل لفظة من القسيم الأول موازنة لأختها من القسيم الآخر موازنة عدلٍ وتحقيق. باب التقسيم اختلف الناس في التقسيم: فبعضهم يرى أنه استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به، كقول بشار يصف هزيمة: بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... ويدرك من نجى الفرار مثالبه

стр. 337

فراح فريق في الأساري، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه فالبيت الأول قسمان: إما الموت، وإما حياة تورث عاراً ومثلبة، والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب؛ فاستقضى جميع الأقسام، ولا يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر. ومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم إلا أنه أكثر إيجازاً: اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير فجمع الوجوه كلها في مصراع واحد. ومن التقسيم الجيد قول نصيب: فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري فلم يبق جواب سائل إلا أتى به؛ فاستوفى جميع الأقسام، وزعم قوم أنه أفضل بيت وقع فيه تقسيم. ومن أناشيد قدامة في هذا الباب قول الشماخ يصف حمار وحش: متى ما تقع أرساغه مطمئنةً ... على حجر يرفض أو يتدحرج فلم يبق الشماخ قسماً ثالثاً إلا أن يقول: يغوص في الأرض، وذلك لا يلزم؛ من جهة أن الحافر عند الجرى وسرعة المشي يقذف الحجر إلى وراء، إلا أنه لو أتى به لكان حسناً من أجل قوله مطمئنة. ومن أشرف المنثور في هذا الباب قول رسول الله ﷺ : " وهل لك يابن آدم بن مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " فلم يبق ﵊ قسماً رابعاً لو طلب يوجد.. وقال نافع بن خليفة: يا بني، اتقوا الله بطاعته، واتقوا السلطان بحقه، واتقوا الناس بالمعروف فقال رجل منهم: ما بقي شيء من أمر الدين والدنيا إلا وقد أمرتنا به.. وقال أعرابي إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه

стр. 338

ضاعت الأمور وكان ثابت البناني يقول: الحمد لله وأستغفر الله فسئل: لم خصهما؟ فقال: لأني بين نعمة وذنب؛ فاحمد الله على النعمة، وأستغفره من الذنوب.. ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك البدوي منكم أحداً إلا وقد سأله. ثم نعود إلى الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: وهبها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيبته المقسابر فلم يبق مما يعبر به عن إنسان مفقود قسماً إلا أتى به في هذا البيت. وقال آخر، وأحسبه أبا دهبل الجمحي أو طريحاً: لو قلت للسيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج لارتد، أوساخ، أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج ولا يدع السيل طريقه إلا بأحد هذه الأشياء. وقال أبو العتاهية: وعلى من كلفي بكم ... قيد وجامعة وغل فأتى على جميع ما يتخذ للمأسور أو المجنون ولم يبقى قسماً هذا وأمثاله مما قدمت هو الجيد من التقسيم؛ وأما ما كان في بيتين أو ثلاثة فغير عاجز عنه كثير من الناس. وزعم الحاتمي أن أصح تقسيم وقع لشاعر قول الأسعر الجعفي يصف فرساً: أما إذا استقبلته فكأنه ... بازٍ يكفكف أن يطير وقد رأى أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموس الوقع عارية النسا أما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول: هذا مثل سرحان الغضا واختاره أيضاً قدامة، وليس عندي بأفضل من قول امرئ القيس إلا بشرف الصفات:

стр. 339

إذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر ولو لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض، وانقطاع ذلك بعضه من بعض، وقد صنعت على ضعف متني وتأخر وقتي: إذا أقبلت أقعت، وإن أدبرت كبت ... وتعرض طولاً في العناني فتستوي وكلفت حاجاتي شبيهة طائر ... إذا انتشرت ظلت لها الأرض تنطوي ومن التقسيم نوع هو هذا الأول إلا أن فيه زيادة تدريجاً وترتيباً فصعب لذلك على متعاطيه وقل جداً.. فأحسنه قول زهير بن أبي سلمى: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا فأتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج، وزاد ممدوحه رتبة، وتقدم به خطوة على أقرانه، ولا أرى في التقسيم عديل هذا البيت، ويليه في باله قول عنتر: إن يلحق أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل ويروى وإن يقفوا ومما ينضاف إليهما قول طريح بن إسماعيل الثقفي:

стр. 340

إن يسمع الخير يخفوه، وإن سمعوا ... شراً أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا وقال الحصين بن الحمام: دفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالكف حتى كان رفع الأصابع فلما رأينا جهلكم غير منتهي ... وما قد مضى من حلمكم غير راجع مسنا من الآباء شيئاً، وكلنا ... إلا حسب في قومه غير واضح فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع كأنه يقول: نحن أكرم منكم أمهات، فهذا هو التدريج في الشعر. وبعضهم في التقسيم على خلاف ما قدمت: زعم أبو العيناء أن خير تقسيم قول ابن أبي ربيعة: تهيم إلى نعم؛ فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول، ولا أنت مقصر ولا قرب نعم إن دنت منك نافع، ... ولا نأيها يسلى، ولا أنت تصبر واختار قوم آخرون قول الحارثي: فلا كمدى يفنى، ولا لك رقة، ... ولا عنك إقصار، ولا فيك مطمع وزعم الفرزدق أن أكمل بيت قالته العرب أو قال: أجمع بيت قول امرئ القيس: له أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل وقال الأعشي يصف فرساً: سلس مقلده، أسي ... ل خده، مرع جنابه وقال عمرو بن شأس: مدمج سابغ الضلوع طويل الش ... خص عبل الشوي ممر الأعالي وقال أبو دؤاد الإيادي:

стр. 341

بعيد مدى الطرف حاظي البضيغ ... ممر المطا سمهري القصب هذا وما قبله يسمى جمع الأوصاف، وسماه بعض الحذاق من أهل الصناعة التعقيب العين قبل القاف وأما التقعيب فمكروه في الكلام. وكان محمد بن موسى المنجم يحب التقسيم في الشعر، وكان معجباً بقول العباس بن الأحنف: وصالكم صرم وحبكم قلي ... وعطفكم صد وسلمكم حرب ويقول: أحسن والله فيما قسمحين جعل كل شيء ضده، والله إن هذا التقسيم لأحسن من تقسيمات إقليدس، حكى ذلك الصولي.. ومن مليح التقسيم قول داود بن سلم: في باعه طول، وفي وجهه ... نور، وفي العرنين منه شمم فوصف بعض أحواله وقسمها كما فعل الأولون. ومن أنواع التقسيم التقطيع، أنشد الجرجاني للنابغة الذبياني: ولله عيناً من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى أو أكثر نافعاً وأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعاً

стр. 342

وسماه قوم منهم عبد الكريم التفصيل، وأنشد في ذلك: بيض مفارقنا، تغلي مراجلنا ... ناس بأموالنا آثار أيدينا وقال البحتري: قف مشوقاً، أو مسعداً، أو حزيناً ... أو معيناً، أو عاذراً أو عذولاً فقطع وفصل كما تراه. وقال أبو الطيب: فيا شوق ما أبقى، ويا لي من النوى، ... ويا دمع ما أجرى، ويا قلب ما أصى ففصل كما فعل أصحابه وجاء به على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت.. وقال أيضاً: للسبي ما نكح، والقتل وما ولد، ... والنهب ما جمع، والنار ما زرعوا وإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعاً أو شبيهاً بالمسجوع فذلك هو الترصيع عند قدامة، وقد فضله وأطنب في وصفه إطناباً عظيماً.. وأنشد أبيات أبي المثلم يرثى صخر الغي: لو كان للدهر مال عند متلده ... لكان للدهر صخر مال قنيان آبي الهضيمة، ناب بالعظيمة، مت ... لاف الكريمة لا سقط ولان وان حامي الحقيقة، نسال الوريقة، مع ... تاق الوسيقة، جلد غير ثنيان رباء مرقبة، مناع مغلبه ... ركاب سهبلة، قطاع أقران

стр. 343

هباط أودية، حمال ألوية ... شهاد أندية، سرحان فتيان يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان وللقدماء من هذا النوع، إلا أنهم لا يكثرون منه كراهة التكلف.. قال أبو دؤاد يصف فرساً، وقيل: بل رجل من الأنصار: فالعين قادحة، والرجل ضارحة ... واليد سابحة، واللون غربيب والشد منهمر، والماء منحدر، ... والقصب مضطمر، والمتن ملحوب وقال الكميت بن زيد في ذلك: كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذخائر

стр. 344

وإلى هذا ذهب أبو الطيب بقوله: الناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلائل غرائبا وقال توبة بن الحمير، وفيه التقسيم والترصيع: لطيفات أقدام، نبيلات أسوق ... لفيفات أفخاذ، دقاق خصورها وقال مسلم بن الوليد صريع الغواني: كأنه قمر، أو ضيغم هصر، ... أو حية ذكر، أو عارض هطل وقال أيضاً: يورى بزندك، أو يسعى بجندك، أو ... يفرى بحدك، كل غير محدود ومن كلام أبي تمام، وكان يجيد التصنيع: تجلى به رشدي، وأثرت به يدي، ... وفاض به ثمدي، وأروى به زندي وقال أيضاً وأحسن ما شاء: تدبير معتصم، بالله منتقم، ... لله مرتقب، في الله مرتغب وقال أيضاً في غير هذا النمط: عن ثامر ضاف، ونبت قرارة ... واف، ونور كالمراجل خافي المراجل: ثياب.. وقال كشاجم: هلال في إضاءته حياء في سماحته شهاب في اتقاده ومن جيد ما للمحدثين قول ديك الجن: حر الإهاب وسيمه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه فأكثر البيت ترصيع كيف ما أدرته.. وكان المذهب الأول وهو المحمود أن يؤتى ببيت من هذا أو بعض بيت، كما قال امرؤ القيس:

стр. 345

وأوتاده ماذية، وعماده ... ردينية، فيها أسنة قعضب وكما قال امرؤ القيس: كحلاء في برج، صفراء في نعج، ... كأنها فضة قد مسها ذهب وأما ما هو شبيه بالمسجوع فقول امرئ القيس: فتور القيام، تطوع الكلا ... م، تفتر عن ذي غروب أشر وقوله ألص الضروس، حنى الضلوع فجاء فتور في وزن قطوع، وكذلك الضروس والضلوع، وألص وحنى.

стр. 346

ثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء عدوها تقطيعاً وتقسيماً، وذلك نحو قول أبي العميثل الأعرابي: فاصدق وعف وجد وأنصف واحتمل ... واصفح ودار وكاف واحلم واشجع والطف ولن وتأن وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع وكقول ديك الجن: أحل وأمرر، وضر وانفع ولن واخ ... شن ورش وابر وانتدب للمعالي وقول أبي الطيب: أقل أنل اقطع احمل على سل أعد ... زد هش بش تفضل ادن سر صل ثم زاد في هذا وتباغض حتى صنع: عش ابق أمم سد قد جد مر انه رهفه أسر نل ... غظ ارم صب احم اغز اسب رع زغ دل ائن بل فهذه رقية العقرب كما قال ابن وكيع، ولا بد من شرحها.. قوله عش ابق دعاء له بالعيش والبقاء، واسم: من السمو، وسد: من السيادة: أي دم هكذا، وقد: من قود الخيل، وجد: من الجود والسماح، أو من الجود وهو المطر الغزير، مرانه: من الأمر والنهي، ره: من الورى تثبت الهاء فيه أظنه في الخط دون اللفظ، على أنه ليس موضع وقف، ولا يجب أن يكتب بلا هاء لئلا يخالف العادة وتقع كلمة على حرف واحد، والورى: داء في الجوف: أي اصنع ذلك بإعدائك وحسادك، فه: من الوفاء، واسر: من سرى الليل، يصفه بالعزم والغارات، ونل: من النيل والإدراك، أي: نل ما تحب، وروى نل أي أعط، من النول، ويقال: نلته إذا أعطيته، وغظ: من غيظ الحسود، ويروي عظ من الوعظ، وارم: من رمي العدو بالمكايد وغيرها، وصب: من صاب المطر والهم، واحم: من حميت المكان، واغز: من الغزو، واسب: من السبي وارع: من الروع، وزع: من وزعت، أي: كففت، ود: من الدية، ول: من الولاية للأمور وقد يكون من

стр. 347

المطر الولي، واثن: من الثنى أضداده إذا ردهم، وبل: من الوابل، وهذه غاية المقت والبغاضة وإن كان ولا بد فقوله أيضاً: دان بعيد، محب مبغض، بهج ... أغر، حلو ممر، لين شرس ندي أبي غر واف أخو ثقة ... جعد سرى نهٍ ندب رضاً ندس ند: من الندى، وغر: من غرى به، ونهٍ: من النهى، وأصل هذا كله من قول امرئ القيس: أفاد فجاد، وشاد فزاد ... وقاد فذاد، وعاد فأفضل باب التسهيم وقدامة يسميه التوشيح.. وقيل: إن الذي سماه تسهيماً علي بن هارون المنجم، وأما ابن وكيع فسماه المطمع، وهو أنواع: منه ما يشبه المقابلة، وهو الذي اختاره الحاتمي، نحو قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب: فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذاً نبها منك داء عضالا إذاً نبها ليث عريسةٍ ... مفيتاً مفيداً نفوساً ومالا خرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا

стр. 348

فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا أردت قولها مفتياً نفوساً ومفيداً مالاً فقابلت مفتياً بالنفوس ومفيداً بالمال، وكذلك قولها في البيت الأخير لما ذكرت النهار جعلته شمساً ولما ذكرت الليل جعلته هلالاً لمكان القافية، ولو كانت رائية لجعلته قمراً. وسر الصنعة في هذا الباب أن يكون معنى البيت مقتفياً قافيته، وشاهداً بها دالاً عليها كالذي اختاره قدامة للراعي، وهو قوله: وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزيناً فهذا النوع الثاني هو أجود من الأول للطف موقعه. والنوع الثالث شبيه بالتصدير، وهو دون صاحبيه، إلا أن قدامة لم يجعل بينهما فرقاً.. وأنشد للعباس بن مرداس: هم سودوا هجناً وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها وقال نصيب الأكبر مولى بني مروان: وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين وإن تأملت قوافي ما هذه سبيله لم تجد له من لطف الموقع ما لقافية الراعي وإنما أختير هذا النوع على ما ناسب المقابلة والتصدير لأن كل واحد منهما مدلول عليه من جهة اللفظ: إما بالترتيب، وإما باشتراك المجانسة، والقافية في بيت الراعي دالة على نفسها بالمعنى وحده، فصار استخراجها أعجب وأغرب، وتمكنها أشد وأوكد. وقد حكى أن ابن أبي ربيعة جلس إلى ابن عباس ﵁، فابتدأه ينشده: تشط غداً دار جيراننا فقال ابن العباس: وللدار بعد غد أبعد

стр. 349

فقال له عمر: هكذا صنعت، فأنت ترى كيف طبق المفصل، وأصاب شاكلة الروي، لما كان المعنى يقتضي زيادة البعد كلما طال العهد بأيام الموسم، وأجتنب " أشط " لأنه لا يتزن ولايستعمل، وعدا عن أن يقول " أبرح " وما شاكله رغبة في قرب المأخذ، وسلوكاً لطريق الفصاحة، وأتياناً بالمتعارف المعتاد المتعاهد. ويحكى عن عدي بن الرقاع أنه أنشد في صفه الظبية وولدها: تزجى أغن كأن ابنة روقه فغفل الممدوح عنه، فسكت، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال: يقول: قلم أصاب من الدواة مدادها وأقبل عليه الممدوح فأنشد كما قال جرير لم يغادر حرفاً.. وقالت الخنساء: ببيض الصفاح وسمر الرما ... ح بالبيض ضرباً وبالسمر وخزا وقالت أيضاً في نحو ذلك: ونلبس في الحرب نسج الحديد ... ونلبس في السلم خزاً وقزا وقال حريث بن محفض: فإن يك طعن بالرديني يطعنوا ... وان يك ضرب بالمهند يضربوا وقال ابن الدمينة واسمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر الخثعمي: وكوني عل الواشين لداء شغبة ... كما أنا بالواشي ألد شغوب

стр. 350

وكوني إذا مالوا عليك صليبة ... كما أنا إن مالوا علي صليب فالبيتان جميعاً مسهمان. وقال دعبل: وإذا عاندنا ذو نخوة ... غضب الروح عليه فعرج فعلى أيماننا يجري الندى ... وعلى أسيافنا تجري المهج ليس يجهل أحد بعد معرفة البيت الأول من هذين البيتين قافية الأخر منهما. ومن جيد التسهيم قول بعضهم: لو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كل من يعطي المنى بمسدد فقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين: ألا ابعدي وكذلك قول الآخر وهو مليح: حبيبي غداً لا شك فيه مودع ... فو الله ما أدري به كيف أصنع فيا يوم لا أدبرت هل لك محبسٍ ... ويا غد لا أقبلت هل لك مدفع إذ لم أشيعه تقطعت حسرة ... ووا كبدي إن كنت ممن يشيع أردت البيت الأخير.. وما أظن هذه التسمية إلا من تسهيم البرود، وهو أن ترى ترتيب الألوان فتعلم إذا أتى أحدها ما يكون بعده. وأما تسميته توشيحاً فمن تعطف أثناء الوشاح بعضها على بعض وجمع طرفيه، ويمكن أن يكون من وشاح اللؤلؤ والخرز، وله فواصل معروفة الأماكن، فلعلهم شبهوا هذا به، ولا شك أن الموشحات من ترسيل البديع وغيره إنما هي من هذا، وبعض الناس يقول: إن التوشيج بالجيم، فإن صح ذلك فإنما يجيء من " وشجت العروق " إذا اشتبكت، فكأن الشاعر شبك بعض الكلام ببعض.. فأما تسميته المطمع فذلك لما فيه من سهولة الظاهر وقلة التكلف، فإذا حوول امتنع وبعد مرامه.

стр. 351

باب التفسير وهو: أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملا، وقل ما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة: لقد جئت قوماً لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملاً ثقل مغرم لألفيت منهم معطياً ومطاعناً ... وراء شزراً بالوشيج المقوم هذا جيد في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسر الآخر أولاً والأول آخراً؛ فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب والأبعد على الأبعد أصح في الكلام. وأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه بعينه ما لم يكن في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه: خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس لأن هذا كالبيت المصرع فهو بيتان من مشطور الرجز ومن التفسير الجيد قول حاتم الطائي، ويروي لعتيبة بن مرداس:

стр. 352

متى ما يجئ يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر يجد فرساً مثل العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر وأسمر خطياً كأن كعوبة ... نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر فهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يعلق كلامه بلو كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كلياً؛ فلهذا حسن عندي.. ومثله قول عروة بن الورد: وإن امرأ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له منه غداً لقليل ومالي مال غير درع ومغفر ... وأبيض من ماء الحديد صقيل وأشمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل هكذا أنشدوه بالإقواء، ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار، كأنه قال: هو صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد، يعني سيفه. وقال ذو الرمة في التفسير: وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد أحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ماجد ففسر الأربعة ما هي، ورفع على شرط ما قدمت من الإضماز، كأنه قيل له: ما الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال: كذا وكذا وكذا.. ومن التفسير ما يفسر الأكثر فيه بالأقل، وهو من باب الإيجاز والاختصار:

стр. 353

وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح، نحو قول أبي الطبيب: من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا ومللت بحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكاً متبدياً متحضرا ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا فقوله نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً وأتى فذلك إذ أتيت تفسير مليح قليل النظير في أشعار الناس.. وتعلقت به في بعض مدح السيد أبي الحسن فقلت: أتى بعد أهل العلى ... كجملة شيء شرح وقد أتى به أبو الطيب في بيت واحد فقال: إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام فهذا الذي كنا نرغب فيه لكون المفسر والمفسر به في بيت واحد. ونظيره قوله أيضاً: مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد فجاء به أيضاً في بيت واحد. وكذلك قول امرئ القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ومن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: فأرسلنا ربيئتنا فأوفى ... فقال: ألا أولى خمس رتوع رباعية وقارحها وجحش ... وثالثة وهادية زموع ففسر ما هي، وأنثها لغلبة التأنيث على اسم الدواب.. وقال مالك بن خريم، وقيل: حزيم:

стр. 354

فإن يك شاب الرأس منى فأنني ... أبيت على نفسي مناقب أربعا فواحدة أن لا أبيت بغرة ... إذا ما سوام الحي حولي تضوعا وثانية أن لا تفزع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزعا وثالثة أن لا أصمت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصاً لنودعا ورابعة أن لا أحجل قدرنا ... على لحمها حين الشتاء لنشبعاً " أجحل " أستر، أجعلها في حجلة لتخفى عن الجار رغبة أن نشبع، ولكن أبرزها وكتب أحمد بن يوسف وفي رواية النحاس: عمرو بن مسعدة عن المأمون " أما بعد فقد أمر أمير المؤمنين من الإستكثار من المصابيح في شهر رمضان؛ فإن في ذلك أنساً للسابلة، وضياء للمجتهدين، ونفياً لمكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عن وحشة الظلم ". ومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب: فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق فإنه قد أحكمه أشد إحكام، وجاء به أحسن مجيء، حتى أربى على البحتري إذ يقول: بأروع من طيٍ كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم سماحاً وبأساً كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم وقد رد الكلام جميعاً آخره على أوله.. وأصل هذا المعجز قول الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ". وقال أبو الطيب أيضاً في التفسير المستحسن: إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا ففسر وقابل كل نوع بما يليق به، من غير تقديم ولا تأخير، كالذي وقع أولاً في بيتي الفرزدق.. ومن التفسير قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين:

стр. 355

في فمها مسك، ومشمولة ... صرف، ومنظوم من الدر فالمسك للنكهة والخمر للري ... قة واللؤلؤ للثغر وهذا من مليح ما وقع للمحدثين. وقال لقمان لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقاً، وإذا ضجرت لم تصبر على حق. باب الاستطراد وهو: أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي الجميع استطراداً، والصواب ما بينته.. وأوضح الاستطراد قول السموأل وهو أول من نطق به حيث يقول: ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول واتبعه الناس، فقال الفرزدق وأجاد: كأن فقاح الأسد حول ابن مسمع ... إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل ثن أتى جرير فأربى وزاد بقوله: لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل فهجا واحداً واستطرد باثنين.. وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى: ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوب فوفد ابن قيس هذا على النعمان بن المنذر فقال: كيف المخارق بن شهاب
следующие страницы →