Полный текст (633 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
باب التفسير
وهو: أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملا، وقل ما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة:
لقد جئت قوماً لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملاً ثقل مغرم
لألفيت منهم معطياً ومطاعناً ... وراء شزراً بالوشيج المقوم
هذا جيد في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسر الآخر أولاً والأول آخراً؛ فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب والأبعد على الأبعد أصح في الكلام.
وأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه بعينه ما لم يكن في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه:
خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس
لأن هذا كالبيت المصرع فهو بيتان من مشطور الرجز ومن التفسير الجيد قول حاتم الطائي، ويروي لعتيبة بن مرداس:
стр. 352
متى ما يجئ يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرساً مثل العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر
وأسمر خطياً كأن كعوبة ... نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر
فهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يعلق كلامه بلو كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كلياً؛ فلهذا حسن عندي..
ومثله قول عروة بن الورد:
وإن امرأ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له منه غداً لقليل
ومالي مال غير درع ومغفر ... وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأشمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل
هكذا أنشدوه بالإقواء، ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار، كأنه قال: هو صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد، يعني سيفه.
وقال ذو الرمة في التفسير:
وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
أحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ماجد
ففسر الأربعة ما هي، ورفع على شرط ما قدمت من الإضماز، كأنه قيل له: ما الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال: كذا وكذا وكذا..
ومن التفسير ما يفسر الأكثر فيه بالأقل، وهو من باب الإيجاز والاختصار:
стр. 353
وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح، نحو قول أبي الطبيب:
من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا
ومللت بحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكاً متبدياً متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
فقوله نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً وأتى فذلك إذ أتيت تفسير مليح قليل النظير في أشعار الناس..
وتعلقت به في بعض مدح السيد أبي الحسن فقلت:
أتى بعد أهل العلى ... كجملة شيء شرح
وقد أتى به أبو الطيب في بيت واحد فقال:
إذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام
فهذا الذي كنا نرغب فيه لكون المفسر والمفسر به في بيت واحد.
ونظيره قوله أيضاً:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد
فجاء به أيضاً في بيت واحد.
وكذلك قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ومن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
فأرسلنا ربيئتنا فأوفى ... فقال: ألا أولى خمس رتوع
رباعية وقارحها وجحش ... وثالثة وهادية زموع
ففسر ما هي، وأنثها لغلبة التأنيث على اسم الدواب..
وقال مالك بن خريم، وقيل: حزيم:
стр. 354
فإن يك شاب الرأس منى فأنني ... أبيت على نفسي مناقب أربعا
فواحدة أن لا أبيت بغرة ... إذا ما سوام الحي حولي تضوعا
وثانية أن لا تفزع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزعا
وثالثة أن لا أصمت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصاً لنودعا
ورابعة أن لا أحجل قدرنا ... على لحمها حين الشتاء لنشبعاً
" أجحل " أستر، أجعلها في حجلة لتخفى عن الجار رغبة أن نشبع، ولكن أبرزها وكتب أحمد بن يوسف وفي رواية النحاس: عمرو بن مسعدة عن المأمون " أما بعد فقد أمر أمير المؤمنين من الإستكثار من المصابيح في شهر رمضان؛ فإن في ذلك أنساً للسابلة، وضياء للمجتهدين، ونفياً لمكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عن وحشة الظلم ".
ومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب:
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
فإنه قد أحكمه أشد إحكام، وجاء به أحسن مجيء، حتى أربى على البحتري إذ يقول:
بأروع من طيٍ كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم
سماحاً وبأساً كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم
وقد رد الكلام جميعاً آخره على أوله..
وأصل هذا المعجز قول الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ".
وقال أبو الطيب أيضاً في التفسير المستحسن:
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
ففسر وقابل كل نوع بما يليق به، من غير تقديم ولا تأخير، كالذي وقع أولاً في بيتي الفرزدق..
ومن التفسير قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين:
стр. 355
في فمها مسك، ومشمولة ... صرف، ومنظوم من الدر
فالمسك للنكهة والخمر للري ... قة واللؤلؤ للثغر
وهذا من مليح ما وقع للمحدثين.
وقال لقمان لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقاً، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
باب الاستطراد
وهو: أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي الجميع استطراداً، والصواب ما بينته..
وأوضح الاستطراد قول السموأل وهو أول من نطق به حيث يقول:
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
واتبعه الناس، فقال الفرزدق وأجاد:
كأن فقاح الأسد حول ابن مسمع ... إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل
ثن أتى جرير فأربى وزاد بقوله:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
فهجا واحداً واستطرد باثنين..
وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى:
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوب
فوفد ابن قيس هذا على النعمان بن المنذر فقال: كيف المخارق بن شهاب
стр. 356
فيكم؟ فقال: سيد شريف حسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه.
ومن جيد الاستطراد قول دعبل بن علي الخزاعي، ويروي لبشار بن برد وهو أصح:
خليلي من كلب أعينا أخاكما ... على دهره، إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته في الفرط أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
ويروى في حاجة سد بابه وأنشد البحتري أبو تمام لنفسه في صفة فرس واستطرد يهجو عثمان بن إدريس الشامي:
وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان
أظمى الفصوص وما تظمى قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان
فلو تراه مشيحاً والحصى زيم ... تحت السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
فقال له: أتدري ما هذا من الشعر؟ قال: لا أدري، قال: هذا الاستطراد، أو قال: المستطرد.
قال الحاتمي: وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير:
إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم
فسمى الخروج استطراداً كما تراه اتساعاً، وأنشد في الخروج بالاستطراد من مدح إلى ذم قول بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق:
عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى، فقالت: قم فجئني بكوكب
فقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
سلي كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تسألي يا در في كل مذهب
فأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيى بما رمت مطلبي
стр. 357
فتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
فهذا مليح: أوله خروجه، وآخره استطراد، وملاحته أن مالكاً من بني تغلب فصار الاستطراد زيادة في مدحه، وزعم قوم أنه يمدح مالك بن علي الخزاعي، ومما استطرد أبو الطيب في هجاء كافور:
يموت به غيظاً على الدهر أهله ... كما مات غيظاً فاتك وشبيب
على أن هذا البيت قد يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب؛ إذ ليس القصد فيه مدحاً ولا هجاء للرجلين المذكورين، ولكن التشبيه والحكاية لا غير.
وقيل: أصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر ليكر، وكذلك الشاعر يريد أنه في شيء لم يقصد إليه فذكره ولم يقصد قصده حقيقة إلا إليه.
ومن الاستطراد نوع يسمى الاندماج، وذلك نحو قول عبيد الله بن طاهر لعبد الله بن سليمان بن وهب حين وزر المعتضد:
أبي الدهر من إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهم المقدم
وحكى أحمد بن يوسف الكاتب أنه دخل على المأمون وفي يده كتاب من عمرو بن مسعدة يردد فيه النظر، فقال: لعلك فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده " كتبت كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله ومن قبلي من قواده وأجناده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم " ألا ترى يا أحمد إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من
стр. 358
الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر، وهذا النوع أقل في الكلام من الاستطراد المتطرف وأغرب.
باب التفريع
وهو من الاستطراد كالتدريج من التقسيم، وذلك أن يقصد الشاعر وصفاً ما ثم يفرع منه وصفاً آخر يزيد الموصوف توكيداً، نحو قول الكميت:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب
فوصف شيئاً ثم فرع شيئاً آخر لتشبيه شفاء هذا بشفاء هذا. وقال ابن المعتز:
كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه
فبينا هو يصف خدع كلامه فرع منه خدع لحظه، ويصف كذب وعده فرع كذب طيفه وقال أيضاً يصف ساقي كأس:
فكأن حمرة لونها من خده ... وكأن طيب نسيمها من نشره
حتى إذا صب المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره
ما زال ينجزني مواعد عينه ... فمه، وأحسب ريقه من خمره
البيتان الأولان من هذه الثلاثة تفريع، والبيت الآخر ليس بتفريع جيد؛ لأن الخمرة نازلة عن رتبة الريق عند العاشق، وحق التفريع أن يكون الآخر من الموصوفين زائداً على الأول درجة: في الحسن إن قصد المدح، وفي القبح إن قصد الذم، وهو نوع خفي إلا على الحاذق البصير بالصنعة.
ومثل بيت ابن المعتز قول البحتري:
стр. 359
وإذا تألق في الندي كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه
لأن حق العضب في باب المدح أن اللسان أمضى منه..
ومن التفريع الجيد قول الصنوبري:
ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئاً، ولا ألفاته من قده
وكأنما أنفاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده
فانظر إليه كيف يزيده رتبة في الجودة كلما فرع.
ووصف ابن شيرزاد جارية كاتبة: فقال كأن خطها أشكال صورتها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قامتها بعض أناملها، وكأن مقطها قلب عاشقها.
وشتان ما بين هذا الوصف وقول الآخر يهجو كاتباً أنشده الصولي في أبيات:
كأن دواته من ريق فيه ... تلاق فنشرها أبداً كريه
وقال كشاجم:
شيخ لنا من مشايخ الكوفه ... نسبته للعليل موصوفه
لو بدل الله قمله غنما ... ما طمع الناس منه في صوفه
ومن لطيف التفريع قول أبي الطيب يصف ليلا:
أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا
بينا هو يصف كثرة سهره وإدارة لحظه شبهها بكثرة ذنوب الدهر عنده.. وقال فبرد:
ولو نقصت كما قد زدت من شرف ... على الورى لرأوني مثل شانيكا
стр. 360
هذا التفريع الملعون.. وقال محمد بن وهب:
طللان طال عليهما الأمد ... دثراً فلا علم ولا نضد
لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة بعض ما أجد
ومن المستحسن قول الخوارزمي أبي بكر محمد بن العباس:
سمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله
وكأنما عرماته وسيوفه ... من حدهن خلقن من إقباله
متبسم في الخطب تحسب أنه ... تحت العجاج ملثم بفعاله
وأخبث ما سمعته في هذا الباب قول ابن الرومي يهجو رجلاً:
له سائس ماهر ... يجول على متنه
ويطعن في دبره ... أفانين من طعنه
بأطول من قرنه ... وأغلظ من ذهنه
ومن التفريع أيضاً قول أبي الطيب على غير هذا النظام:
أسير إلى أقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه
وما مطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدي هاطلات غمامه
فهذا تفريع تناوله من قول أبي تمام:
فقالوا: فما أولاك؟ صف بعض نيله ... فقلت لهم: من عنده كل ما عندي
وأصله من قول أبي نواس: فكل خير عندهم من عنده يصف كلب صيد.
стр. 361
باب الالتفات
وهو الاعتراض عند قوم، وسماه آخرون الاستدراك، حكاه قدامه، وسبيله أن يكون الشاعر آخذاً في معنى ثم يعرض له غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي به، ثم يعود إلى الأول من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول، كقول كثير:
لو ان الباخلين، وأنت منهم، ... رأوك تعلموا منك المطالا
فقوله وأنت منهم اعتراض كلام في كلام، قال ذلك ابن المعتز، وجعله باباً على حدته بعد باب الالتفات، وسائر الناس يجمع بينهما.
قال النابغة الذبياني:
ألا زعمت بنو عبس بأني ... ألا كذبوا كبير السن فاني
فقوله ألا كذبوا اعتراض، ورواه آخرون للجعدي ألا زعمت بنو كعب وهو أشبه بالجعدي؛ لأنه أعلى سنا منه؛ فقوله ألا كذبوا اعتراض، وكذلك ما يجري مجراه.
وأنشدوا في الالتفات لبعض العرب:
فظلوا بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروي ولما يصرد
فقولك دع أخاك بمثله التفات مليح.
وقال جرير يرثي امرأته أم حزرة:
نعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعف بلية الأحجار
فقوله وكنت علق مضنة هو الالتفات.
وقال عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فقوله بلغتها التفات، وقد عده جماعة من الناس تتميماً، والالتفات
стр. 362
أشكل وأولى بمعناه، ومنزلة الالتفات في وسط البيت كمنزلة الاستطراد في آخر البيت، وإن كان ضده في التحصيل؛ لأن الالتفات تأتي به عفواً وانتهازاً، ولم يكن لك في خلد فتقطع له كلامك، ثم تصله بعد إن شئت، والاستطراد تقصده في نفسك، وأنت تحيد عنه في لفظك حتى تصل به كلامك عند انقطاع آخره، أو تلقيه إلقاء وتعود إلى ما كنت فيه.
وقد جاء الالتفات في آخر البيت نحو قول امرئ القيس:
أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان
مجاورةً بني شمجي بن جرم ... هواناً ما أتيح من الهوان
ويمنحها بنو شمجي بن جرمٍ ... معيزهم، حنانك ذا الحنان
فقوله ما أتيح من الهوان وقوله حنانك ذا الحنان الالتفات وحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة، سقي البشام!
ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعا له، وأنشد له عبد الله المعتز:
متى كان الخيام بذي طلوحٍ ... سقيت الغيث أيتها الخيام.
وأنشد له أيضاً ابن المعتز:
طرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في غللٍ وأيك ناضر
لم يعد ابن المعتز إلا ما كان من هذا النوع، وإلا فهو اعتراض كلام في كلام وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات بقوله " هو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار " وتلا قوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ".
وأنشد غيره لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:
стр. 363
وإنك لا تبعد على متعهدٍ ... بلى كل ما تحت التراب بعيد
وهذا هو الاستدراك، ومثله قول زهير:
حي الديار التي لم يبلها القدم ... بلى، وغيرها الأرواح والديم
وكذلك قول جرير:
غداً باجتماع الحي نقضي لبانة ... فأقسم لا تقضى لبانتنا غداً
وأنشد ابن المعتز في هذا النوع، وهو لبشار:
نبئت فاضح قومه يغتابني ... عند الأمير، وهل علي أمير؟
ومن مليح ما سمعته قول نصيب:
وددت ولم أخلق من الطير أنني ... أعار جناحي طائر فأطير
فقوله ولم أخلق من الطير عجب، ولما سمعت التي قيل فيها هذا البيت تنفست تنفساً شديداً، فصاح ابن أبي عتيق: أوه قد والله أجبته بأحسن من شعره، والله لو سمعك لنعق وطار، فجعله غراباً لسواده.
وأنشد الصولي للعباس بن الأحنف:
وقد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب
إن تم ذا الهجر يا ظلوم، فلا ... تم، فما في العيش من أرب
وقال: سمعت ثعلباً يقول: ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا الشعر.
ومن المليح أيضاً قول القحيف بن سليمان العقيلي:
أمنكم يا حنيف نعم لعمري ... لحى مخضوبة ودم سجال
يخاطب ابنه.. وقال عدي بن زيد العبادي وهو في حبس النعمان يخاطب ابنه زيداً ويحرضه:
فلو كنت الأسير، ولا تكنه، ... إذاً علمت معد ما أقول
стр. 364
باب الاستثناء
وابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك نحو قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فجعل فلول السيف عيباً، وهو أوكد في المدح..
وقال النابغة الجعدي:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
فاستثنى جوده الذي يستأصل ماله، بعد أن وصفه بالكمال. وبهذا الاستثناء ثم وزاد كمالاً وتأكد حسنه..
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
فكأنه لما كان فيه ما يسوء أعاديه لم يطلق عليه أنسه يسر فقط، وذلك زيادة في مدحه، وليس هذا الاستثناء على ما رابه النحويون فتطلبه بحروف الاستثناء المعروفة، وإنما سمي اصطلاحاً وتقريباً، سماه هؤلاء المحدثون نحو الحاتمي وأصحابه ولم يسم حقيقة..
ومن مليح هذا النوع قول أبي هفان وقد تقدم به وجود غاية التجويد:
ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا، والبأس من كل جانب
فأفنى الردى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب
فقوله إن السماح ولبأس أضر بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكن توكيد مدح، والمليح كل المليح قوله " وغير عائب " فهذا الثاني أعجب من الأول وألطف موقعاً.. وقال آخر:
стр. 365
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام، وأنا لا نخط على النمل
فقصر من جهة قوله غير عرق لمعشر كرام لأن سبيل هذا الباب أن يؤثر فيه بما يظن أنه عيب أو تقصير، وإن كان على التحصيل فخراً وفضلاً، كالفلول في سيوف النابغة الذبياني، وإتلاف المال في شعر الجعدي، وترك الخط على النمل في شعر لآخر وأنهم لا يشفون صاحبها، وهي داء واحدتها النملة، وأما ذكر الكلام فلا وجه له ههنا.
ومن هذا الباب قول ابن الرومي:
ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه
فجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيباً؛ فهو يزيد توكيد حسنه.
وقال حاتم الطائي:
وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
стр. 366
سيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها
لما كان في ترك الزيارة إشكال بين مراده.
ومن أصحاب التآليف من يعد في هذا الباب ما ناسب قول الشاعر:
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد
وقال الربيع بن ضبيع الفزاري:
فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فاني
وليس من هذا الباب عندي، وإنما هو من باب الاحتراس والاحتياط؛ فلو أدخلنا في هذا الباب كل ما وقع فيه استثناء لطال، ولخرجنا فيه عن قصده وغرضه ولكل نوع موضع.
باب التتميم
وهو التمتم أيضاً، وبعضهم يسمي ضرباً منه احتراساً واحتياطاً.
ومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلا يدع شيئاً يتم به حسنه إلا أورده وأتى به: إما مبالغة، وإما احتياطاً واحتراساً من التقصير، وينشدون بيت طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
لأن قوله غير مفسدها تتميم للمعنة، واحتراس للديار من الفساد بكثرة المطر. ومثله قول جرير:
стр. 367
فسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمة لا تقلع
فقوله غير فقيدة تتميم لما أراد من دنوها وسقياها غير راحلة ولا ميتة إذ كانت العادة أن يدعى للغائب الميت بالسقي؛ فاحترس من ذلك.
وقد عاب قدامة على ذي الرمة قوله:
ألا يا سلمي يا دار مي على البلا ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
فإنه لم يحترس كما احترس طرفة، فرد ذلك عليه بأن الشاعر قدم الدعاء بالسلامة للدار في أول البيت، وهذا هو الصواب.. وقال زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقا
قوله على علاته مبالغة وتتميم عجيب.
والأصل في هذا قول الله : " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " فقوله " على حبه " هو التتميم والمبالغة في قول من قال إن الهاء ضمير الطعام، وإن كان كناية عن الله تعالى خرج المعنى عن هذا الباب، وقال الله جل اسمه: " من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة " فتمم بقوله وهو مؤمن " ومن أناشيد قدامة والحاتمي وغيرهما قول نافع بن خليفة الغنوي:
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب
قال الحاتمي: فإن المعنى تم بقوله " ويعطوه " وإلا كان ناقصاً.
ويجري مجراه عندي قول عنترة العبسي:
أثني علي كما علمت فإنني ... سهل مخالفتي إذا لم أظلم
فقوله إذا لم أظلم تتميم حسن.
وقال آخر:
فلا تبعدن إلا من السوء؛ إنني ... إليك وإن شطت بك الدار نازع
стр. 368
فاستثناؤه " السوء " تتميم واحتراس جيد.
وقال أبو الطيب بن الوشاء:
لئن كان باقي عيشنا مثل ما مضى ... فللموت إن لم ندخل النار أروح
وقال سراقة البارقي يهجو رهط جرير:
صغار مقاريهم عظام جعورهم ... بطاء عن الداعي، إذا لم يكن أكلا
كأنه قال إذا لم يكن المدعو إليه أكلا.
وقال مريع بن وعوعة الكلابي وقد قتل رجلاً نهشلياً:
وقلت لأصحابي: النجاء؛ فإنما ... مع الصبح إن لم تسبقوا جمع نهشل
ويجري على هذه الأناشيد قول ابن محكان السعدي حين قدم للقتل:
ولست وإن كانت إلي حبيبة ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت
فاستثنى وإن كانت إلي حبيبة استثناء مليحاً، ونوى التقديم والتأخير؛ فلذلك جاز له أن يأتي بالضمير مقدماً على مظهره، هكذا قال فيه أبو العباس المبرد، ومن التتميم الحسن قول امرئ القيس:
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفا نين جري غير كز ولا واني
فقوله قبل سؤاله تتميم حسن لقوله " أفانين حرى " وقول أعشى باهلة: وكل أمر سوى الفحشاء فإنه لا يدبرها.
стр. 369
باب المبالغة
وهي ضروب كثيرة. والناس فيها مختلفون: منهم من يؤثرها، ويقول بتفضيلها، ويراها الغاية القصوى في الجودة، وذلك مشهور من مذهب نابغة بني ذبيان، وهو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه، هكذا أعرفه، ورأيت بخط جماعة منهم عبد الكريم والباغي من استجيد جيده ومطابقه وضحك من رديئه. وروى قوم من حديث النابغة ومطالبته حسان ابن ثابت بالمبالغة ونسبته إياه إلى التقصير في قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ما هو مشهور عندهم مشهور في كتبهم، ومنهم من يعيبها وينكرها، ويراها عيباً وهجنة في الكلام، قال بعض الحذاق بنقد الشعر: المبالغة ربما أحالت المعنى، ولبسته على السامع؛ فليست لذلك من أحسن الكلام ولا أفخره، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضاً الإبانة والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع؛ فإن العرب إنما فضلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة، تكسبه بياناً وتصوره في القلوب تصويراً، ولو كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمحدثون أشعر من القدماء، وقد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قربوه من فهم السامع بالاستعارات والمجازات التي استعملوها، وبالتشكك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أنت أم أم سالم
стр. 370
فلو أنه قال أنت أم سالم على نفي الشك بل لو قال " أنت أحسن من الظبية " لما حل من القلوب محل التشكك. وكما قال جرير:
فإنك لو رأيت عبيد نسيمٍ ... وتيماً قلت: أيهم العبيد
فلو قال " عبيدهم " أو " خير منهم " لما ظن به الصدق، فاحتال في تقريب المشابهة؛ لأن في قربها لطافة تقع في القلوب وتدعو إلى التصديق.
وكذلك قول أبي النجم يصف عرق الخيل:
كأنه من عرقٍ يسربله ... ككرسف النداف لولا بلله
فإنه لو قال " إنه الكرسف " لم يكن في حسن هذا؛ لأنه يشهد بتقارب الشبهين إلى أن وقع في الشك.. والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذا أعياه إيراد معنى حسن بالغ فيشغل الأسماع بما هو محال، ويهول مع ذلك على السامعين، وإنما يقصدها من ليس بمتمكن من محاسن الكلام أن تمكنه، ولا يتعذر عليه، وتنجذب كلما أرادها إليه، انقضى كلامه.
وفيه كفاية وبلاغ، إلا أنه فيما يظهر من فحواه لم يرد إلا ما كان فيه بعد، وليس كل مبالغة كذلك، ألا ترى أن التتميم إذا طلبت حقيقته كان ضرباً من المبالغة وإن ظهر أنه من أنواع الحشو المستحسن، وقد مر ذكره. وكذلك ما ناسب قول ابن المعتز يصف خيلاً:
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... وطارت بها أيدٍ سراع وأرجل
وهذا عند جميع الناس من باب الحشو، وهو عندي مبالغة، وكذلك الإيغال، وسيرد في بابه إن شاء الله.
стр. 371
فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذاق: التقصي، وهو بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن من وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا
فتقصى بما يمكن أن يقدر عليه فتعاطاه ووصف به قومه.
ومن أغربها أيضاً ترادف الصفات، وفي ذلك تهويل مع صحة لفظ لا تحيل معنى، كقول الله تعالى: " أو كظلمات في بحر لجىً يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعضٍ ".
فأما الغلو فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها، ويقع فيه الاختلاف لا ما سواه مما بينت، ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام: فمن أبيات المبالغة قول امرئ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر
فوصف فاها بهذه الصفة سحراً عند تغيير الأفواه بعد النوم، فكيف تظنها في أول الليل؟! ومثل ذلك قوله يصف ناراً وإن كان فيه إغراق:
نظرت إليها، والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان، تشب لقفال
يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان، وقد قال:
стр. 372
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
وبين المكانين بعد أيام، وإنما يرجع القفال إلى الغزو والغارات وجه الصباح؛ فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟!! وشبه النجوم بمصابيح الرهبان؛ لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان؛ لأنهم يكلون من سهر الليل فربما نعسوا ذلك الوقت، وهذا مما أورده شيخنا أبو عبد الله.
وقال أمرؤ القيس يصف فرساً:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
أراد طوله؛ لأن العروس تجر ذيلها إما من الحياء وإما من الخيلاء.
وزعم الجاحظ أن قول غيلان ذي الرمة:
وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد
أراد به سبوغه لا لونه، وأكثر الناس على خلاف قوله، وأنا أرى أن هذا كقول عوف بن عطية بن الخرع التيمي من تيم الرباب يصف خيلاً:
وجللن دمخاً قناع العرو ... س تدني على حاجبيها الخمار
دمخ جبل بعينه، فأراد أن الخيل كسونه قناعاً من الغبار هذه صفته.
ومن معجز المبالغة قول الله : " سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " فجعل من يسر القول كمن يجهر به، والمستخفي بالليل كالسارب بالنهار، وكل واحد منهما أشد مبالغة في معناه وأتم صفة.
стр. 373
باب الإيغال
وهو ضرب من المبالغة كما قدمت، إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته، ويدل على ما رتبته.
وحكى الحاتمي عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى إذ يقول:
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال " الوعل " قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:
قف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المسلسل " فزاد شيئاً، وقوله:
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل
فتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال " المفلل " فزاد شيئاً أيضاً.
وليس بين الناس اختلاف أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس:
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب
فبالغ في صفته، وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين ويبتل عطفه
стр. 374
بالعرق، ثم زاد إيغالاً في صفته بذكر الأثأب، وهو شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف عظيم وشدة صوت، ومثل ذلك قوله:
كأن عيون الطير حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
فقوله " لم يثقب " إيغال في التشبيه، وأتبعه زهير فقال:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم
فأوغل في التشبيه إيغالاً بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض البتة، وكان خالص الحمرة، وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة:
غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
فأوغل بقوله " الوحل " بعد أن قال " الوجى " وكذلك قوله " الوعل " وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت به مشى المقيد في الوحل
ويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل، وأنا اقول: إنه بيت الأعشى بعينه.
ومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:
لا يكتم الربو إلا ريث يخرجه ... من منخر كوجار الثعلب الخرب
فكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.
ومن الإيغال الحسن قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالاً شديداً بقولها " في رأسه نار " بعد أن جعلته علماً، وهو الجبل العظيم.
وأنشد الجاحظ:
ألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتشرق
стр. 375
فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.
وكذلك قول جرير:
بات الفرزدق عائراً وكأنه ... قعو تعاوره السقاة معار
وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.
وقال النجاشي يذكر عبد الرحمن بن حسان:
لما أتاني ما يقول ودونه ... مسيرة شهر للمطى المفرد
فأوغل بقوله " المفرد " إيغالاً عجيباً؛ لأنه أسير من المحمل.
وقال جميل:
إني لأكتم حبها إذ بعضهم ... فيمن يحب كناشد الأغفال
" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.
ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.
وكذلك قول بشار بن برد:
وغيران من دون النساء كأنه ... أسامة ذو الشبلين حين يجوع
فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.
وقال ابن المعتز:
وداع دعا والليل بيني وبينه ... فكنت مكان الظن منه وأعجلا
فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.
وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال
" فالزف ": أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.
стр. 376
ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:
فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم
فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي ﵊ أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.
وليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، وذلك في حشو البيت.
واشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد، فيما حكاه ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في شرح قول ذي الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
الإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، فعلى القول الأول كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية.
وكلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره على الأشياء الزائعة. ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك المعاني والألفاظ.
باب الغلو
ومن أسمائه أيضاً الإغراق، والإفراط، ومن الناس من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا أرى ذلك إلا محال؛ لمخالفته الحقيقة، وخروجه عن الواجب والمتعارف.. وقد قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:
стр. 377
فلو أن ما أبقين مني معلق ... بعود تمام ما تأود عودها
فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه، انقضى كلامه.
وأصح الكلام عندي ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله تعالى، ونحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق؛ فقال جل من قائل: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ".
والغلو عند قدامة: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه، كقول النمر بن تولب في صفة سيف شبه به نفسه:
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي
إذ ليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في الأرض، ولأن مخارج الغلو عنده على " تكاد " وعلى هذا تأول أصحاب التفسير قول الله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت.
وقال الجرجاني في كتاب الوساطة: والإفراط مذهب عام في المحدثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وله رسوم متى وقف الشاعر عندها ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت له الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.
وقال الحاتمي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن
стр. 378
الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديثه، وقد طعن قوم على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة، انقضى كلامه.
ومن أبيات الغلو للقدماء قول مهلهل:
فلولا الريح اسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وقد قيل: إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين حجر وهي قصبة اليمامة وبين مكان الوقعة عشرة أيام، وهذا اشد غلواً من قول امرئ القيس في النار؛ لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكاً..
ومنها قول النابغة في صفة السيوف:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب
وهو دون بيت امرئ القيس في تنر صاحبة النار إفراطاً، ودون بيت النابغة قول النمر بن تولب في صفة السيف أيضاً، وقد أنشدته فيما مضى من هذا الباب واختار قوم على بيتي النابغة والنمر قول أبي تمام:
ويهتز مثل السيف لو لم تسله ... يدان لسلته ظباه من الغمد
ومن الغلو قول جرير:
فلو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
لأنه شيء لا يذوب أبداً، وقد نعي على أبي نواس قوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
стр. 379
إذ جعل ما لم يخلق يخافه.. وكذلك قوله:
حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
وزعم بعض المتعقبين أن الذي كثر هذا الباب أبو تمام، وتبعه الناس بعد، وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب صرت إلى أكثر الناس غلواً، وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلي منه بيتاً واحداً، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غنى، واه في غيره مندوحة، كقوله:
يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
وإن كان له في هذا تأويل ومخرج يجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة بفيه.
وقوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى
أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى
فما دعاه إلى هذا وفي الكلام عوض من بلا تعلق عليه؟ فكيف إذا قال:
كأني دحوت الأرض من خبرتي به ... كأني بني الإسكندر السد من عزمي
فشبه نفسه بالخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ثم انحط إلى الإسكندر، وربما أفسد أبو الطيب إغراقه هكذا ونقص منه بما يظنه إصلاحاً له وزيادة فيه، نحو قوله يصف شعره:
إذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب
فما وجه الخباء المطنب بعد الجدار المنيف؟ بينا هو في الثريا صار في الثرى! وإنما أراد الحاضرة والبادية، وكذلك قوله:
تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... ويفزع منها الطير أن يلقط الحبا
стр. 380
فكم بين خوف الرياح الهوج وصدودها، وبين فزع الطير أن تلقط الحب؟ ولا سيما وأفزع الطير بهائمه التي تلقط الحب لضعفها وعدمها السلاح، وأقل خيال أو تمثال يحمي مزروعات جمة
وقد رجح صاحب الوساطة هذا البيت على قول أبي تمام:
فقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه
فاعتبروا يا أولي البصار.
ومما يشاكل قول أبي الطيب في ألفاظه قول نصر الخابز أرزي:
ذبت من الشوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
وكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به
فبين الإغراق والإغراق بون بعيد واختلاف شديد.
وإذا لم يجد الشاعر بداً من الإغراق لحبه ذلك، ونزوع طبعه إليه فليكن ذلك منه في الندرة، وبيتاً قي القصيدة إن أفرط، ولا يجعل هجيراه كما يفعل أبو الطيب. وأحسن الإغراق ما نطق فيه الشاعر أو المتكلم بكاد أو ما شاكلها، نحو كأن ولو ولولا، وما أشبه ذلك مما لم يناسب أبيات أبي الطيب المتقدم ذكرها في البشاعة، ألا ترى ما أعجب قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا
فبلغ ما أراد من الإفراط، وبنى كلامه على صحة.
ومما استحسنه الرواة ونص عليه العلماء قول امرئ القيس يصف سناناً:
حملت ردينيا كأن شباته ... سنا لهب لم يتصل بدخان
стр. 381
وإذا نظرت إلى قول أبي صخر:
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النضر
وقول أبي الطيب:
عجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق
لم يخف عنك وجه الحكم فيهما، على أن في قول أبي الطيب بعض الملاحة والمخالطة لطبعه في حب الإفراط وقلة المبادرة فيه؛ إذ كان ممكناً أن يقول: إن الصخور أورقت، ولغة القرآن أفصح اللغات، وأنت تسمع قول الله تعالى: " يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقوله: " إذا أخرج يده لم يكد يراها " وقوله: " يكاد زينتها يضيء ولو لم تمسسه نار ".
واشتقاق الغلو من المبالغة، ومن غلوة السهم، وهي مدى رميته، يقال: غاليت فلاناً مغالاة وغلاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم، ومنه قول النبي عليه الصلاة السلام: " جرى المذكيات غلاء " وقد جاء في حديث داحس " غلاء " و " غلاب " بالياء ايضاً، وإذا قلت: غلا السعر غلاء، فإنما تريد أنه ارتفع وزاد على ما كان، وكذلك غلت القدر غلياً أو غلياناً، إنما هو أن يجيش ماؤها ويرتفع، والإغراق أيضاً أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوت إليه وأشرت نحوه.
стр. 382
باب التشكك
وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغو والإغريق.
وفائدته الدالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من الآخر، وذلك نحو قول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبئآت ... فحق لكل محصنة هداء
فقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه كما تقدم القول في بيت ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقاآ أنت أم أم سالم
وبيت جرير فإنك لو رأيت عبيد تيم وبيت أبي النجم في صفة عرق الخيل. وقال العرجي:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
стр. 383
وإنما سلك طريق ذي الرمة.
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غني اللون عن أثر الورس
فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما ها هنا مطلع الشمس
فأنت ترى كيف موقع هذا الشك من اليقين؟ وكيف حلاوته في الصدر وقبوله؟؟ فإنه لو كان يقيناً ما بلغ هذا المبلغ.
وتناول هذا المعنى أبو زيد الوضاح بن محمد الثقفي فقال يمدح المستعين بالله:
وقائلة والليل قد نشر الدجى ... فغطى بها ما بين سهل وقردد
أرى بارقاً يبدو من الجوسق الذي ... به حل ميراث النبي محمد
فظل عذارى الحي ينظمن تحته ... ظفارية الجزع لم يسرد
أضاءت به الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى الغد
فقلت: هو البدر الذي تعرفينه ... وإلا يكن فالنور من وجه أحمد
وأما قول أبي تمام حين قصد عبد الله بن طاهر إلى خراسان يذكر شك رفقائه واستبعادهم الطريق:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القرد:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود
فقد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك إلى غيره، وهو بعيد من قول سلم، وليس ذكرهما جميعاً مطلع الشمس قدوة، ولا عليه معول.. وقال ابن ميادة:
وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى ... إذاجد جد البين أم أنا غالبه؟!
فقوله في البيت الأول " أظن " مليح جداً، وكذلك قوله في البيت الثاني
стр. 384
" ما أدري أيغلبني الهوى أم أنا غالبه ".
وأخذ هذا المعنى ابن أبي مية وزاده ملاحة فقال:
فديتك لم تشبع ولم ترو من هجري ... أيستحسن الهجران أكثر من شهر
أراني سأسلو عنك إن دام ما أرى ... بلا ثقة، لكن أظن ولا أدري
وقد أحسن أبو الطيب في قوله:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟؟ ... بفي برود وهو في كبدي جمر
لولا أنه كدر صفوه ومرر حلوه بما أضاف إليه من قوله:
أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وهذا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
ولله در أبي نواس إذ يقول:
ألا لا أرى مثل امترى اليوم في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم
ويروي وجهلي كلا جهل.
وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس:
لمن طلل دارس آيه ... أضر به سالف الأحرس
تنكره العين من جانب ... ويعرفه شغف الأنفس
وقال أعرابي في معنى أبيات الوضاح بن محمد:
أقول والنجم قد مالت مياسره ... إلى الغروب: تأمل نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... ووجه نعم بدا لي أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار
стр. 385
باب الحشو وفضول الكلام
وسماه قوم الاتكاء، وذلك أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظ لا يفيد معنى، وإنما أدخله الشاعر لإقامة الوزن، فإن كان ذاك في القافية فهو استدعاء، وقد يأتي في حشو البيت ما هو زيادة في حسنه وتقوية لمعناه: كالذي تقدم من التتميم، والالتفات، والاستثناء، وغير ذلك، مما ذكرته آنفاً.
من ذلك قول عبد الله بن المعتز يصف خيلاً:
صببنا عليها ظالمين ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
وقد مر ذكره في باب المبالغة، فقوله ظالمين حشو أقام بها وزن، وبالغ في المعنى أشد مبالغة من جهته، حتى علمنا ضرورة أن إتيانه بهذه اللفظة التي هي حشو في ظاهر الأمر أفضل من تركها، وهذا شبيه بالتتميم..
وقال الفرزدق:
ستأتيك مني إن بقيت قصائد ... يقتصر عن تحبيرها كل قائل
فقوله إن بقيت حشو في ظاهر لفظه، وقد أفاد به معنى زائداً، وهو شبيه بالالتفات من جهة، وبالاحتراس من جهة أخرى، فما كان هكذا فهو الجيد، وليس بحشو إلا على المجاز، أو بعد أن ينعت بالجودة والحسن، أو يضافا إليه، وإنما يطلق اسم الحشو على ما قدمت ذكره مما لا فائدة فيه.
وقد أتى العتابي بما فيه كفاية حيث يقول:
إن حشو الكلام من لكنه المر ... ء وإيجازه من التقويم
فجعل الحشو لكنة، وليس كل ما يحشى بن الكلام لزيادة فائدة لكنة،
стр. 386
وإنما أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول أبي صفوان الأسدي يذكر بازياً:
ترى الطير والوحش من خوفه ... حواجر منه إذا ما أغتدي
فقوله منه بعد قول من خوفه حشو لا فائدة فيه، ولا معنى له، وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود حالك الجلباب
فقوله الدجى حشو؛ لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأثره فضلة.
وقال أبو الطيب في نحو من ذلك:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض
فقوله والبأس حشو؛ لأن قوله ومن فوقها دال على الإنس والجن جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، اللهم إلا أن يحمله على تأويلهم في قول الله تعالى: " فيهما فاكهة ونخل ورمان " فأعاد ذكرهما وهما من الفاكهة لفضلهما، وقوله تعالى: " ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " فإن هذا سائغ وليس بحشو حينئذ.
ومن الحشو قول الكلحبة اليربوعي:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا
فقوله بالفتى حشو، وكان الواجب أن يقول به لأن ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد في قوله بالفتى الزراية والأطنوزة فإنه يحتمل.
قال زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير:
стр. 387
يقول:
أرى زيداً وقد كان معدماً ... أراه لعمري قد تمول واقتنى
فقوله أراه لعمري حشو واستراحة يستغنى عنها بقوله أرى زيداً ومما يكثر به حشو الكلام أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوماً، وأشباهها، وكان أبو تمام كثيراً ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي وكان أبو الطيب مولعاً بها، مكثراً منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وكذلك يكره للشاعر قوله في شعره " حقاً " إلا أن تقع له موقعها في قول الأخطل:
فأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
فإن قوله ههنا حقاً زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً.
ولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز:
ولو قبلت في حادث الدهر فدية ... لقلنا على التحقيق نحن فداؤه
فقوله " على التحقيق " حشو مليح فيه زيادة فائدة.
ومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام ارتفاداً، وأنشد بعض العلماء قول قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف
والاتكاء عنده والإرتفاد هو قول الشاعر " صورها الخالق " لأن اسم الله تعالى قد تقدم.
ووجدت الحذاق يعيبون قول ابن الحدادية وهي أمه، واسمه قيس بن منقذ:
إن الفؤاد قد أمسى هائماً كلفاً ... قد شفه ذكر سلمى اليوم فانتكسا
لحشوه ب " قد " في موضعين من البيت ثم ب " أمسى " وب " اليوم " على تناقضهما.
وعاب الحاتمي على الأعشى قوله:
стр. 388
فرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها
لأن تكرير القلب عنده حشو لا فائدة فيه، وهذا تعسف من الحاتمي لأن قلبه غير قلبها، فإنما كرر اللفظ دون المعنى، ورأيت روايته في أكثر النسخ " حبة قلبه وطحالها " وهو غلط، ومن ههنا عابه فيما أظن، ومن الناس من روى " فرميت غفلة عينه عن شاته " وهي رواية مشهورة صحيحة.
ونعوا على أبي العيال الهذلي قوله:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
لأن صداع الرأس من أدواء الرأس خاصة، فليس الذكر الرأس معه معنى، وعلى جميل قوله:
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف
فتكرير النفس لبس له وجه ههنا، وللتكرير موضع يحسن فيه، وسيرد إن شاء الله في بابه.
ومن الحشو نوع سماه قدامة التفضيل بالفاء وزعم قوم أنه بالعين كأنهم يجعلونه اعوجاجاً من قولهم: ناب أعصل، وجعله آخرون بالعين وضاد معجمة، كأن عندهم من: تعضل الولد، إذا عسر خروجه واعترض في الرحم، وظاهر البيت الذي أنشده قدامة يدل على أنه التفصيل بالفاء وهو قول دريد بن الصمة:
وبلغ نميراً إن عرضت ابن عامر ... وأي أخ في النائبات وطالب
ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب، بل هو اقبح منه:
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سقي الرياض السحائب
لأن التفرقة بين النعت والمنعوت أسهل من التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، وهما بمنزلة اسم واحد، فإذا شئت أن تجعل بيت ابن الخطيم " حين صورها الخالق " من هذا النوع جاز لك؛ فيكون التقدير قضى لها الله الخالق حين صورها.
стр. 389
باب الاستدعاء
وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة:
ووقيت الحتوف من وارث وا ... لٍ، وأبقاك صالحاً رب هود
فإنه لم يأت لهود النبي ﵇ ههنا معنى إلا كونه قافية.
وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر ... والشفع والوتر ورب لقمان
في منزل محكم ناطق ... بنور آيات وبرهان
فالفجر فجر الصبح والعشر عش ... ر النحر والشفع نجيان
محمد وابن أبي طالب ... والوتر رب العزة الباني
باني سموات بناها بلا ... تقدير إنس ولا جان
فانظر إلى قوله " رب لقمان " ما اكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله " الباني " فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه.
ومن أناشيد قدامة قول علي بن محمد صاحب البصرة:
وسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط
فلا أدري معنى هذا الشاعر في تخطيط النجاد، وهذا أقل ما في تكلف القوافي الشاردة إذا ركبها غير فارسها، وراضها غير سائسها.
باب التكرار
وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر
стр. 390
اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب:
ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامي أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى إذ تريك منضداً ... وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال
وكقول قيس بن ذريح:
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
أو على سبيل التنويه به، والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح كقول أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟!
كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
فتكر يراسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.
وكذلك قول الخنساء:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
следующие страницы →