Полный текст (633 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وإنما أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول أبي صفوان الأسدي يذكر بازياً:
ترى الطير والوحش من خوفه ... حواجر منه إذا ما أغتدي
فقوله منه بعد قول من خوفه حشو لا فائدة فيه، ولا معنى له، وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود حالك الجلباب
فقوله الدجى حشو؛ لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأثره فضلة.
وقال أبو الطيب في نحو من ذلك:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض
فقوله والبأس حشو؛ لأن قوله ومن فوقها دال على الإنس والجن جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، اللهم إلا أن يحمله على تأويلهم في قول الله تعالى: " فيهما فاكهة ونخل ورمان " فأعاد ذكرهما وهما من الفاكهة لفضلهما، وقوله تعالى: " ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " فإن هذا سائغ وليس بحشو حينئذ.
ومن الحشو قول الكلحبة اليربوعي:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا
فقوله بالفتى حشو، وكان الواجب أن يقول به لأن ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد في قوله بالفتى الزراية والأطنوزة فإنه يحتمل.
قال زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير:
стр. 387
يقول:
أرى زيداً وقد كان معدماً ... أراه لعمري قد تمول واقتنى
فقوله أراه لعمري حشو واستراحة يستغنى عنها بقوله أرى زيداً ومما يكثر به حشو الكلام أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوماً، وأشباهها، وكان أبو تمام كثيراً ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي وكان أبو الطيب مولعاً بها، مكثراً منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وكذلك يكره للشاعر قوله في شعره " حقاً " إلا أن تقع له موقعها في قول الأخطل:
فأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
فإن قوله ههنا حقاً زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً.
ولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز:
ولو قبلت في حادث الدهر فدية ... لقلنا على التحقيق نحن فداؤه
فقوله " على التحقيق " حشو مليح فيه زيادة فائدة.
ومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام ارتفاداً، وأنشد بعض العلماء قول قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف
والاتكاء عنده والإرتفاد هو قول الشاعر " صورها الخالق " لأن اسم الله تعالى قد تقدم.
ووجدت الحذاق يعيبون قول ابن الحدادية وهي أمه، واسمه قيس بن منقذ:
إن الفؤاد قد أمسى هائماً كلفاً ... قد شفه ذكر سلمى اليوم فانتكسا
لحشوه ب " قد " في موضعين من البيت ثم ب " أمسى " وب " اليوم " على تناقضهما.
وعاب الحاتمي على الأعشى قوله:
стр. 388
فرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها
لأن تكرير القلب عنده حشو لا فائدة فيه، وهذا تعسف من الحاتمي لأن قلبه غير قلبها، فإنما كرر اللفظ دون المعنى، ورأيت روايته في أكثر النسخ " حبة قلبه وطحالها " وهو غلط، ومن ههنا عابه فيما أظن، ومن الناس من روى " فرميت غفلة عينه عن شاته " وهي رواية مشهورة صحيحة.
ونعوا على أبي العيال الهذلي قوله:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
لأن صداع الرأس من أدواء الرأس خاصة، فليس الذكر الرأس معه معنى، وعلى جميل قوله:
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف
فتكرير النفس لبس له وجه ههنا، وللتكرير موضع يحسن فيه، وسيرد إن شاء الله في بابه.
ومن الحشو نوع سماه قدامة التفضيل بالفاء وزعم قوم أنه بالعين كأنهم يجعلونه اعوجاجاً من قولهم: ناب أعصل، وجعله آخرون بالعين وضاد معجمة، كأن عندهم من: تعضل الولد، إذا عسر خروجه واعترض في الرحم، وظاهر البيت الذي أنشده قدامة يدل على أنه التفصيل بالفاء وهو قول دريد بن الصمة:
وبلغ نميراً إن عرضت ابن عامر ... وأي أخ في النائبات وطالب
ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب، بل هو اقبح منه:
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سقي الرياض السحائب
لأن التفرقة بين النعت والمنعوت أسهل من التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، وهما بمنزلة اسم واحد، فإذا شئت أن تجعل بيت ابن الخطيم " حين صورها الخالق " من هذا النوع جاز لك؛ فيكون التقدير قضى لها الله الخالق حين صورها.
стр. 389
باب الاستدعاء
وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة:
ووقيت الحتوف من وارث وا ... لٍ، وأبقاك صالحاً رب هود
فإنه لم يأت لهود النبي ﵇ ههنا معنى إلا كونه قافية.
وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر ... والشفع والوتر ورب لقمان
في منزل محكم ناطق ... بنور آيات وبرهان
فالفجر فجر الصبح والعشر عش ... ر النحر والشفع نجيان
محمد وابن أبي طالب ... والوتر رب العزة الباني
باني سموات بناها بلا ... تقدير إنس ولا جان
فانظر إلى قوله " رب لقمان " ما اكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله " الباني " فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه.
ومن أناشيد قدامة قول علي بن محمد صاحب البصرة:
وسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط
فلا أدري معنى هذا الشاعر في تخطيط النجاد، وهذا أقل ما في تكلف القوافي الشاردة إذا ركبها غير فارسها، وراضها غير سائسها.
باب التكرار
وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر
стр. 390
اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب:
ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامي أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى إذ تريك منضداً ... وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال
وكقول قيس بن ذريح:
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
أو على سبيل التنويه به، والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح كقول أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟!
كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
فتكر يراسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.
وكذلك قول الخنساء:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
стр. 391
أو على سبيل التقرير والتوبيخ. كقول بعضهم:
إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمي
فأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير:
كم وكم كم كم وكم كم كم وكم ... قال لي: أنجز حر ما وعد
فقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد.
ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب:
عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت، وهو العظم عظماً عن العظم
قال: ما أكثر عظام هذا البيت مع أنه من قول الطائي:
تعظمت عن ذاك التعظيم فيهم ... وأوصاك عظم القدر أن تتنبلا
ومن المعجز في هذا النوع قول الله تعالى في سورة الرحمن: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " كلما عدد منة أو ذكر بنعمة كرر هذا. وقد كرر أبو كبير الهذلي قوله:
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
على بعض الروايات في سبعة مواضع من قصيدته التي أولها:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول؟؟
كلما وصف فصلاً وأتمه كرر هذا البيت.
أو على سبيل التعظيم للمحكي عنه، وأنشد سيبويه:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
أو على جهة الوعيد والتهديد إن كان عتاب موجع، كقول الأعشى ليزيد بن مسهر الشيباني:
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت أقصر وعرضك سالم
وذرنا وقوماً إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!!
стр. 392
أو على وجه التوجع إن كان رثاء وتأبيناً، نحو قول متمم بن نويرة:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟؟
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك
وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التمس من الشعر وجد.
أو على سبيل الاستغاثة وهي في باب المديح، نحو قول العديل بن الفرخ:
بني مسمع لولا الإله وأنتم ... بني مسمع لم ينكر الناس منكرا
ويقع التكرار في الهجاء على سبيل الشهرة، وشدة التوضيع بالمهجو، كقول ذي الرمة يهجو المرئي:
تسمى امرأ القيس بن سعد إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والأنف الحمر
ولكنا أصل امرئ القيس معشر ... يحل لهم لحم الخنازير والخمر
نصاب امرئ القيس العبيد وأرضهم ... ممر المساحي لا فلاة ولا مصر
تخطى إلى الفقر امرؤ القيس؛ إنه ... سواء على الضيف امرؤ القيس والفقر
تحب امرؤ القيس القرى أن تناله ... وتأبى مقاريها إذا طلع الفجر
هل الناس إلا يا امرأ القيس غادر ... ووافٍ وما فيكم وفاء ولا غدر؟
وكذلك صنع جرير في قصيدته الدماغة التي هجا بها راعي الإبل؛ فإنه كرر " بني نمير " في كثير من أبياتها.
ويقع أيضاً على سبيل الازدراء والتهكم والتنقيص، كقول حماد عجرد لابن نوح، وكان يتعرب:
стр. 393
يا بن نوح يا أخا ال ... حلس ويا ابن القتب
ومن نشا والده ... بين الربا والكثب
يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي
ومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي؟ ... فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب؟!!
سأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي؟!!
فملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت، وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:
إلى الأمير الحسن استجدتها ... أي مزار ومناخ ومحل
أي مزار ومناخ ومحل ... لخائف ومستريش ذي أمل
وهذا كقول امرئ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عشية جاوزنا حماة وشيزرا ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس، وما رأيت أحداً نبه عليه:
стр. 394
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن بذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله " شدت بكل مغار الفتل " ومثل قوله " علقت بأمراس كتان " ويقرب من ذلك وليس به قول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت
إلا أن كثيراً تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس فاضمحلت وتركته ضاحياً، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء فأمطرت بعد ما جاوزته.
ومن مليح هذا االباب ما أنشدنيه شيخنا أبو عبد الله محمد بن جعفر لابن المعتز، وهو قوله:
لساني لسري كتوم كتوم ... ودمعي بحبي نموم نموم
ولي مالك شفني حبه ... بديع الجمال وسيم وسيم
له مقلتا شادنٍ أحورٍ ... ولفظ سحور رخيم رخيم
فدمعي عليه سجوج سجوم ... وجسمي عليه سقيم سقيم
باب منه
ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي.
قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
стр. 395
قال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد الفرزدق:
لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها
وأنشد لآخر، ولا أظنه إلا إبراهيم بن العباس:
وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي
فاعلم مالي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن علمي
وعاب على أبي تمام قوله:
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
وحكى أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك.
وأنشد ابن المعتز لنفسه:
أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني
كتمت حبك حتى ... كتمته كتماني
فلم يكن لي بد ... من ذكره بلساني
وهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه.
ومن هذا الباب نوع آخر هو أولى بهذه التسمية من كثير مما ذكره المؤلفون، نحو قول إبراهيم بن المهدي يعتذر إلى المأمون من وثوبه على الخلافة:
البر منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت، فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم
وكذلك قول أبي عبد الرحمن العطوي:
стр. 396
فو حق البيان يعضده البر ... هان في مأقط ألد الخصام
ما رأينا سوى الحبيبة شيئاً ... جمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الإصابة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام
وقد نقلت هذا الباب نقلاً من كتاب عبد الله بن المعتز، إلا ما لا خفاء به عن أحد من أهل التمييز، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه، إلا ما ناسب قول أبي نواس:
سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار
فهذا مذهب كلامي فلسفي.. وقوله أيضاً:
فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل
وأشباه ذلك مما في هذا غنى عنه ودلالة عليه.
باب نفي الشيء بإيجابه
وهذا الباب من المبالغة، وليس بها مختصاً، إلا أنه من محاسن الكلام، فإذا تأملته وجدت باطنه نفياً، وظاهره إيجاباً.. قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
فقوله " لا يهتدى بمناره " لم يرد أن له مناراً لا يهتدى به، ولكن أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار.
وكذلك قول زهير:
стр. 397
بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... علي، ومعروفي بها غير منكر
فأثبت لها في اللفظ وصيداً، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد علي.
ويتصل بهذا قول الزبير بن عبد المطلب يذكر عميلة بن السباق بن عبد الدار، وكان نديماً له وصاحباً:
صبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره
ضعيفاً بحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره
فظاهر كلامه أنه يخمش وجه النديم، إلا أن أظافره كليلة، وإنما أراد في الحقيقة أنه لا يظفر وجه النديم ولا يفعل شيئاً من ذلك، وكذلك قوله " لم تحتضره مفاقره " أي: ليس له مفاقر فتحتضره.
وقال أبو كبير الهذلي يصف هضبة:
وعلوت مرتقباً على مرهوبة ... حصاء ليس رقيبها في مثمل
عيطاء معنقة يكون أنيسها ... ورق الحمام جميعها لم يؤكل
يريد أنه ليس بها جميم فيؤكل، يدل على ذلك قوله في البيت الأول " حصاء " وهي التي لا نبت فيها.
وقال أبو ذؤيب يصف فرساً:
متفلق أنساؤها عن قانئ ... كالقرط صار وغبره لا يرضع
فلم يرد أن هناك بقية لبن لا يرضع، لكن أراد أنها لا لبن لها فيرضع.
والشاهد على جميع ما قلته في شرح هذه الأشياء ما جاء في تفسير قول الله :
стр. 398
" لا يسألون الناس إلحافاً " قالوا: ليس يقع منهم سؤال فيقع إلحافاً: أي هم لا يسألون البتة.
والمعيب من هذا الباب قول كثير يرثي عزة صاحبته:
فهلا وقاك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوأ منك دلاً وأقبح؟
لأنه قد أوهم السامع أن لها دلاً سيئاً، ولكن غيره أسوأ منه وأقبح، فكيف إن كان القبح راجعاً عليها لا على دلها، وليس هذا في شيء من قوله تعالى: " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا " لأن هذا إشكال فيه.
باب الاطراد
ومن حسن الصنعة أن تطرد الأسماء من غير كلفة، ولا حشو فارغ؛ فإنها إذا أطردت دلت على قوة طبع الشاعر، وقلة كلفته ومبالاته بالشعر.
وذلك نحو قول الأعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
فأتى كالماء الجاري اطراداً وقلة كلفة، وبين النسب حتى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة..
ولما سمع عبد الملك بن مروان قول دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤابة بن أسماء بن زيد بن قارب
قال كالمتعجب: لولا القافية لبلغ به آدم، ورواه قوم " أبأت بعبد الله ".
وقال أبو تمام:
عبد المليك بن صالح بن عل ... ي بن قسيم النبي في نسبه
فهذا سهل العنان، خفيف على اللسان، وإن كانت الياء في " المليك " ضرورة وتكلفاً.
وقال الحارث بن دوس الإيادي:
стр. 399
وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد
فأطردت ثلاثة أسماء لا كلفة فيها.
وقال أبو تمام في قالب بيت الأعشى، وإن نقص عنه اسماً واحداً:
بنصر بن منصور بن بسام انفرى ... لما شظف الأيام عن عيشة رغد
فأما من أتى بأكثر من هذا ومن الأول فقد قال بعضهم:
من يكن رام حاجة بعدت عن ... هـ وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرجى بن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء
فجاء كلامه نسقاً واحداً، إلا أنه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله " المرجى " غير أن مجانسة رجاء هونت خطيئته وغفرت ذنبه.
وقال الطائي:
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عت ... اب بن سهم سهمكم لا يسهم
فخاطب بذلك بني عمرو بن غنم التغلبيين، وهم بنو عم مالك بن طوق، فانتظم له ما أراد من الأسماء، إلا أنه ظاهر التكلف، وقال فأتى بستة:
مناسب تحسب من ضوئها ... منازل للقمر الطالع
كالدلو والحوت وأشراطه ... والبطن والنجم إلى البالع
نوح بن عمرو بن حوى بن عم ... رو بن حوى بن الفتى مانع
فأحكم التصنيع وقابل ستة بستة؛ لأن الأشراط منزلة، وإن جمعها، إلا أن " الفتى " ههنا غضة مع برد لفظ وركاكة، ما أحسن أبا هؤلاء كلهم يقال له الفتى وإن كنا نعلم أنه لم يرد فتاء السن، ولكن الفتوة.
وجاء أبو الطيب فجاءك بالتعسف في قوله لسيف الدولة:
فأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
стр. 400
ففي هذا المعنى من التقصير أنه جاء به في صفين وأنه جعله أنياب الخلافة بقوله:
أولئك أنياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد
وهم سبعة بالممدوح، والأنياب في المتعارف أربعة، إلا أن تكون الخلافة تمساح نيل أو كلب بحر؛ فإن أنياب كل واحد منهما ثمانية، اللهم إلا أن يريد أن كل واحد منهم ناب الخلافة في زمانه خاصة؛ فإنه يصح، وفيه من الزيادة على ما قبله أنه زاد واحداً في العدد، فإنه جعل كل ابن هو أبوه في الخلافة إلى أن بلغ راشداً، ولم يقصد إلى ذلك أحد من أصحابه، وإنما مقت شعره هذا تكريره كل اسم مرتين في بيت واحد، وهي أربعة أسماء.
باب التضمين والإجازة
وهذا باب يختلط على كثير من الشعراء ممن ليس له ثقوب في العلم ولا حذق بالصناعة، كجماعة ممن وسم في بلدنا بالمعرفة، وينسب إليها مكذوباً عليه فيها، كاذباً فيما ادعاه منها، ولتعرفنهم في لحن القول.
فأما التضمين فهو قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في أواخر شعرك أو في وسطه كالمتمثل، نحو قول محمود بن الحسين كشاجم الكاتب:
يا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصنوع
أذكرتني قول ذي لب وتجربة ... في مثله لك تأديب وتقريع
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع
فهذا جيد في بابه، وأجود منه أن لو يكن بين البيت الأول والآخر واسطة؛ لأن الشاعر قد دل بذلك على أنه متهم بالسرق، أو على أن هذا البيت غير مشهور، وليس كذلك، بل هو كالشمس اشتهاراً، ولو أسقط البيت الأوسط
стр. 401
لكان تضميناً عجيباً، لأن ذكر الثوب قد أخرج الثاني من باب الأول إلا في المعنى، وهذا عند الحذاق أفضل التضمين، فإنما احتذى كشاجم قول ابن المعتز في أبيات له:
لا ذنب لي إن ساء ظنك بعدما ... وفيت لكم، ربي بذلك عالم
وها أنا ذا مستعتب متنصل ... كما قال عباس وأنفي راغم
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
وأبيات العباس بن الأحنف التي منها البيت المضمن هي قوله:
وصب أصاب الحب سوداء قلبه ... فأنحله، والحب داء ملازم
فقلت له إذ مات وجداً بحبه ... مقالة نصح جانبتها المآثم:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
فإنك إن لم تحمل الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم
غير أن شيخنا أبا عبد الله روى هذه الأبيات أيضاً لابن المعتز.
فهذا النوع من التضمين جيد، وهو الذي أردنا من قبل؛ وأجود منه أن يصرف الشاعر المضمن وجه البيت المضمن عن معنى قائله إلى معناه، نحو قول بعض المحدثين، ونسبه قوم إلى ابن الرومي:
يا سائلي عن خالد، عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
هكذا أعرفه، وروى " عن جعفر " فصرف الشاعر قول النابغة في صفة الثغر:
стр. 402
تجلوا بقادمتي حمامة أيكةٍ ... برداً أسف لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
إلى معناه الذي أراد.
ومن هذا المعنى أيضاً قول ابن الرومي بلا محالة:
وسائلة عن الحسن بن وهبٍ ... وعما فيه من كرم وخير
فقلت: هو المهذب غير أني ... أراه كثير إرخاء الستور
وأكثر ما يغنيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسرير
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
فالبيت الأخير لمهلهل، فجاء قرع البيض بالذكور ههنا عجيباً، وإن كانت اللفظتان في المعنى غير اللفظتين.
ومن الشعراء من يضمن قسيماً نحو قول بعضهم، أظنه الصولي:
خلقت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
إذا جئت أشكو طول ضيق وفاقة ... يقولون: لا تهلك أسى وتحمل
ففاضت دموع العين من سوء درهم ... على النحر حتى بل دمعي محملي
لقد طال تردادي وقصدي إليكم ... فهل عند رسم دارس من معول
ومنهم من يقلب البيت فيضمنه معكوساً، نحو قول العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك:
لقد أنكرتني إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وذحلي
كقول المرء عمرو في القوافي ... لقيسٍ حين خالف كل عذل
عذيرك من خليلك من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي
والبيت المضمن لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يقوله لابن أخته قيس بن زهير بن هبيرة بن مكشوح المرادي، وكان بينهما بعد شديد وعداوة عظيمة، وحقيقته في شعر عمرو:
стр. 403
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا رأى ابن ملجم تمثل بهذا البيت.
ومن التضمين ما يجمع فيه الشاعر قسمين من وزنين كقول علي بن الجهم يعرض بفضل الشاعرة جارية المتوكل وبنان المغني وكانا يتعاشقان فإذا غنى بنان:
اسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا
غنت هي كالمجاوبة له عما يقول:
ألا حييت عنا ما مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا
فقال علي منبهاً عليهما في ذلك:
كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا
أنشدت فضل ألا حي ... يت عنا يا مدينا
عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلونا
أحسنت إذ لم تجاوب ... هم ديار الظاعنينا
لو أجابتهم لصرنا ... آية للسائلينا
واستعاد الصوت مولا ... ها وحث الشاربينا
قلت للمولى وقد دا ... رت حميا الكأس فينا
رب صوت حسن ين ... بت في الرأس قرونا
وأنشد ابن المعتز في باب التضمين للأخطل:
ولقد سما للخرمي فلم يقل ... يوم الوغى لكن تضايق مقدمي
إشارة إلى قول عنترة العبسي:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
стр. 404
وهذا تضمين أنت ترى كيف هو، وأنشد لآخر:
عوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين
فبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصاريني
ومن التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير به إشارة، فيأتي به كأنه نظم الأخبار أو شبيه به، وذلك نحو قول بعضهم في معنى قول ابن المعتز كما قال عباس وأنفي راغم إنه لم يرد الأبيات المقدم ذكرها، وإنما أراد قوله للرشيد حين هجرته ماردة:
لا بد للعاشق من وقفةٍ ... تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
فهذا النوع أبعد التضمينات كلها، وأقلها وجوداً، وذلك نحو قول أبي تمام:
لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحمى منك في ساعة الكرب
أراد البيت المضروب به المثل:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقد صنعت أنا معنى الهجاء:
عرسه من غير ضيرٍ ... عرس زيد بن عمير
أبداً تزني فإن حاض ... ت تقد حباً لأير
ولها رجلان من نا ... قة كعب بن زهير
هكذا تبنى المعالي ... ليس إلا كل خير
" زيد بن عمير " هو الذي يقول في زوجته:
تقود إذا حاضت، وإن طهرت زنت ... فهي أبداً يزنى بها وتقود
و" كعب بن زهير " يقول في وصف ناقته:
تهوى على يسرات وهي لاهية ... ذوابل وقعهن الأرض تحليل
فكانت هذه المرأة في حاليها لا تقع رجلاها بالأرض: إما لكثرة مباضعة أو شدة مشي في فساد.
стр. 405
ومن أنواع التضمين تعليق القافية بأول البيت الذي بعدها، وقد تقدم ذكره.
وأما الإجازة فإنها بناء الشاعر بيتاً أو قسيماً يزيده على ما قبله، وربما أجاز بيتاً أو قسيماً بأبيات كثيرة، فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لأبي العتاهية: أجز برد الماء وطابا فقال: حبذا الماء شرابا وأما ما أجيز فيه بيت ببيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال:
متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها
وأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، لا أجيز عنك، فقال: أوعندك ذاك؟ قالت: بلى، قال: فافعلي، فقالت:
مقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها
قال: فحمي الشيخ عند ذاك، فقال:
وقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها
فقالت ابنته:
يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
وذكر أن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء فقال: أجيزي عني هذا البيت:
أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت غير مفكرة:
стр. 406
خاف التلون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فحلف لها بكل الأيمان، وكانت تعزه، لئن ظهر البيت إن دخلت منزلكم أبداً، وأضافه إلى بيته.
وأما ما أجيز فيه قسيم بيت ببيت ونصف فقول الرشيد للشعراء: أجيزوا: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده
وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده
واستجاز سيف الدولة أبا الطيب قول عباس بن الأحنف:
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر؟
فصنع القصيدة المشهورة:
هواك هواي الذي أضمر ... وسرك سري فما أظهر
إلا أنه خرج فيها عن المقصد.
والإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً، إذا سقى له أو سقاه، الشك مني، وأما اللفظة فصحيحة فصيحة.
وقال ابن السكيت: يقال للذي يرد على أهل الماء فيستقى: مستجيز: قال القطامي:
وقالوا فقيم الماء فاستجز ... عبادة؛ إن المستجيز على قتر
стр. 407
ويجوز أن يكون من " أجزت عن فلان الكأس " إذا تركته وسقيت غيره، فجازت عنه دون أن يشربها، فقال أبو نواس:
وقلت لساقينا أجزنا فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوزها عني عقاراً ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا
وقد تقدم ذكره الإجازة التي فيها عيوب القوافي، وذكرت اشتقاقها.
ومن هذا الباب نوع يسمى التمليط، وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأم اليشكري: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقاً هب وهناً فقال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا ف قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا ولا يزالان هكذا، يصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً إلى آخر الأبيات.
وقد تقدم إنشادها في باب أدب الشاعر من هذا الكتاب.
وربما ملط الأبيات شعراء جماعة، كما يحكى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف والحسين بن الضحاك الخليع ومسلم بن الوليد الصريع خرجوا في متنزه لهم ومعهم يحيى بن المعلى، فقام يصلي بهم، فنسي الحمد وقرأ " قل هو الله أحد " فأرتج عليه في نصفها، فقال أبو نواس: أجيزوا:
أكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد
стр. 408
فقال عباس:
قام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد
فقال مسلم بن الوليد:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
فقال الخليع:
كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد
وأنشدني بعض أصحابنا هذه الأبيات على طريق الاستملاح لها والاستظراف بها، وقال: هذا الذي يعجز الناس عنه، فقلت: فما بال عباس وأبي نواس لم يقولا بعد البيت الأول:
ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد
ولا سيما وقد كان ذلك حقيقة، وكذلك جرت الحكاية، فقال: ولمن البيت؟ فقلت: لابن وقته.
واشتاق التمليط من أحد شيئين: أولهما أن يكون من الملاطين، وهما جانباً السنام في مرد الكتفين، قال جرير:
ظللن حوالي خدر أسماء، وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
فكأن كل قسيم ملاط، أي: جانب من البيت، وهما عند ابن السكيت العضدان. والآخر وهو الأجود أن يكون اشتقاقه من الملاط وهو الطين يدخل في البناء يملط به الحائط ملطاً، أي: يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً. وأما الملط وهو الذي لا يبالي ما صنع والأملط الذي لا شعر عليه في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.
стр. 409
باب الاتساع
وذلك أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى.
من ذلك قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فإنما أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلاً مدبراً، ثم قال " معاً " أي: جميع ذلك فيه، وشبهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل؛ فإذا انحط من عال كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه؟؟ وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله كجلمود صخر حطه السيل من عل إنما هو الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب.
وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلاً ومدبراً في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج بما يوجد عياناً؛ فمثله باللجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا روعه.
ومثله قول أبي نواس: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر فزعم من فسره أنه إنما قال " وقل لي هي الخمر " ليلتذ السمع بذكرها كما التذت العين برؤيتها، والأنف بشمها، واليد بلمسها، والفم بذوقها، وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا المذهب، ولا سلك هذا الشعب، ولا أراه
стр. 410
أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة، ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت: ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر ويروى " فقد أمكن الجهر " فذهب إلى المجاهرة، وقلة المبالاة بالناس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها التي لا اختلاف بين المسلمين فيها.
وقد ثبت أن المأمون ذم أخاه الأمين على المنابر، وذكر في مذامه أنه صحب شاعراً من أمره ومن قصته أنه يجاهر بالمعاصي، ويقول في قصيدة أولها كذا وأنشد البيت:
فبتنا يرانا الله شر عصابة ... نجر بأذيال الفسوق ولا فخر
ومثل ذلك قول المفضل الضبي بين يدي الرشيد والكسائي حاضر في معنى قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
وقد سأل الأمين والمأمون: ما معناه؟ فقالا: معناه في قوله " قمراها " تغليب المستعمل عندهم؛ لأن القمر أكثر استعمالاً عند العرب من الشمس، وكذلك قولهم " العمران " لما كان عمر أطول أياماً وأكثر تأثيراً، فقال الرشيد: هكذا أخبرنا هذا الشيخ، وأشار إلى الكسائي، فقال المفضل: بل مراده بالقمرين جداك إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآباؤك الطيبون، فأعجب الرشيد بذلك ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ولا أراده، ولا علم أن الرشيد بعده يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد أن كل مشهور فاضل فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف
стр. 411
بيتاً، وأظهر فضلاً، وأبعد صوتاً، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا.
ويتعلق بهذا قول أبي الطيب يذكر الروم:
وقد بردت فوق اللقان دمائهم ... ونحن أناس نتبع البارد السخنا
أراد أنا نتبع البارد من الدماء سخنا، كأنه يتوعدهم بقتل آخر، فيكون قد أخذه من قول سويد بن كراع وهي أمه يصف كلاباً وثوراً:
فهز عليه الموت والموت دونه ... على روقه منه مذاب وجامد
وقال الأصمعي: يعني بالمذاب الحار، وبالجامد والبارد، ويجوز أن يكون أبو الطيب أراد: ونحن أناس نتبع البارد من الطعام سخنا، وكذلك أيضاً عادتنا في الدماء؛ فيكون قد فرع.
وزعم قوم في قوله يشفع لبني كلاب إلى سيف الدولة:
وتملك انفس الثقلين طراً ... فكيف تحوز أنفسها كلاب
أنه لم يرد القبيلة، وإنما أراد أن يجعلهم كلاباً على باب التحقير لقدرهم، والتلطف لهم، كما جعلهم في البيت الأول ذئاباً سراقاً، ولا أظن ذلك، بل لا أحققه؛ لأن في القصيدة:
ولو غير الأمير غزا كلاباً ... ثناه عن شموسهم ضباب
стр. 412
ولاقي دون ثأيهم طعاناً ... يلاقي عندها الذئب الغراب
إلا أن يحملوا على الشاعر التناقض، وينسبوه إلى قلة التحصيل؛ فذلك إليهم، على أن هذه القصيدة قليلة النظير في شعره: تناسباً، وطبعاً، وصنعة، ومثلها الرائية في وزنها وذكر القصة بعينها.
باب الاشتراك
وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان راجعين إلى حد واحد ومأخوذين من حد واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو التجنيس، وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
فقوله " حي " يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحي، وهذا الاشتراك مذموم قبيح، والمليح الذي يحفظ لكثير في قوله يشبب:
لعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر
стр. 413
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا؛ شر النساء البحاتر
فأنت ترى فطنته لما أحس باشتراك كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه.
ومن نوع قول الفرزدق قول كشاجم يذكر الميدان:
عمرته بفتية صباح ... سمح، بأعراضهم شحاح
فنحن نعلم أنه أراد سمح شحاج بأعراضهم، ولكن فيه من اللبس ما هو أولى من التأويل.
والنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، لا يسمى تناولها سرقة، ولا تداولها اتباعاً؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أن تدخلها استعارة، أو تصحبها قرينة تحدث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غيرت اللفظة وأتى بما يقوم مقامها كقول ابن أحمر:
بمقلص درك الطريدة، متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبد
فقوله " درك الطريدة " وقول الأسود بن يعفر:
بمقلص عتد جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد
стр. 414
جميعاً كقول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وكذلك قول أبي الطيب: أجل الظليم وربقة السرحان فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه، وإن عظم الأجر
وقول أبي نواس في صفة الخمر:
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها
فهو من المشترك الذي لا يعد سرقة.
وقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل.
وأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل
وقول غيلان ذي الرمة:
نجلاء في برج صفراء في نعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب
فوصفا جميعاً لوناً بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني بلون
стр. 415
الفضة قد خالطها الذهب يسيراً ولذلك قال " قد مسها ذهب " ونحو قول عبدة بن الطبيب يصف ثوراً وحشياً:
مجتاب نصع جديد فوق نقبته ... وفي القوائم من خال سراويل
وقال الطرماح يصف ظليماً:
مجتاب شملة برجد لسراته ... قدراً فأسلم ما سواه البرجد
فوصف الأول بياض الثور وسواد قوائمه وتخطيطها فشبه ظهره كأن عليه نصعاً جديداً، وهو الثوب الأبيض، وشبه ما في قوائمه من السواد والتخطيط بسراويل من الخال، وهو ضرب من الوشي.
وقال الثاني: إنه مجتاب شملة برجد، يريد ما على الظليم من قرونه، والبرجد: كساء أسود مخمل، وجعل الشملة قدراً لسراته دون رجليه وعنقه؛ فدل على بياضهن.
وقال عنترة:
صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
стр. 416
فشبهه بعبد طويل عليه فرو أصلم، أي: قصير الذيول، وإنما خص الفرو لأنهم كانوا يلبسونه مقلوباً، وجعله عبداً لبياض ساقيه وعنقه وإشرابهما الحمرة يعني صفات الروم، ولم تكن العبيد في ذلك الوقت إلا بيضاً؛ فهذا اشتراك في وصف الظهر والقوائم واختلاف في اللفظ والعبارة.
والنوع الثاني على ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخي بالغيث والبحر، والعزيمة بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم فيه سواء؛ لأنا نجده مركبا في الخليقة أولاً.
ولآخر ضرب كان مخترعاً، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء آخراً عن أول، نحو قولهم في صفة الخد " كالورد " وفي القد " كالغصن " وفي العين " كعين المهاة من الوحش " وفي العنق كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو الذهب فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعاً، ثم تساوى الناس فيه، إلا أن يولد أحد منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ومثل ذلك تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشواظ النار، وسيرد عليك من قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى.
باب التغاير
وهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعاً، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوماً بأنهم لا يأخذون إلا القود دون الدية:
لا يشربون دمائهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال
стр. 417
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى لامرأة حارثية:
فيقتل خير بامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم
ويروى " في فتى لم يكن له وفاء " فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبناً، لكن آخذ دماً بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيساً مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بلونا أبا سعيد حديثاً ... وبلونا أبا سعيد قديماً
ووردناه سائحاً وقليباً ... ورعيناه بأرضاًً وجميماً
فعلمنا أن ليس إلا بشق الن ... فس صار الكريم يدعى كريماً
وقال أبو الطيب في خلافه:
لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... تكرمة عندهم ولا جاها
وإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله:
جبر الكسير إذا يهاض جناحه ... لجأ المطرد مستغاث المملق
стр. 418
جمع الفضائل والمحامد والعلا ... خلق لعمر أبيك غير تخلق
وأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء وللخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
وقال البحتري في نحو ذلك:
لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر؟!
وكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيراً ما يخالف الشعراء ويغاير مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في قصيدة:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
وهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه وذهب مذهباً آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بذا أبداً قبل الكتاب بها ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر:
ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر
стр. 419
فجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له:
ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضموراً على جراتها ما تجيزها
فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفاً من النحر، وهذا المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي ﷺ ، وهما:
وأبيك حقاً إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال
يقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح لذلك، وقوله وإذا رأين لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول الله ﷺ .
ومن مليح التغاير قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هوام لذيذة ... حباً لذكرك؛ فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب في عكس هذا:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه
وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: وأصله من قول أبي نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذل ... فممزوجاً بتسمية الحبيب
ولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام:
стр. 420
لم يبق غير العذل من أسبابهم ... فأحب من يدنو إلي عذول
يغدو فر مستخبر عن حالهم ... غيري، ولا مستخبر مسئول
باب التصرف ونقد الشعر
يجب للشاعر أن يكون متصرفاً في أنواع الشعر: من جد وهزل، وحلو وجزل، وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، ولا في الافتخار أبلغ منه في الاعتذار، ولا في واحد مما ذكرت أبعد منه صوتاً في سائرها؛ فإنه متى كان كذلك حكم له بالتقدم، وحاز قصب السبق، كما حازها بشار بن برد، وأبو نواس بعده.
حكى الصاحب بن عبادة في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، قال: حدثني محمد بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عبادة، أمسلم أشعر أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس؛ لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب: إن شاء جد، وإن شاء هزل، ومسلم، ومسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه، ولا يتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير، ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه، فقال: وريت بك زنادي يا أبا عبادة، إن حكمك في عميك أبي نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق؛ فإنه سئل عنهما ففضل جريراً، فقيل: إن أبا عبادة لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر، وقد خالف البحتري أبا نواس في الحكم بين جرير والفرزدق، فقدم الفرزدق، قيل له: كيف تقدمه وجرير أشبه طبعاً بك منه؟ فقال: إنما يزعم هذا من لا علم له بالشعر، جرير
стр. 421
لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر القين وجعثن وقتل الزبير، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة، حكى ذلك غير واحد من المؤلفين.
فإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف، وبهذا أقول أنا، وإياه أعتقد فيهما، وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطاً واحداً لم يمله السامع، حتى إن حبيباً ادعى ذلك لنفسه في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف، والأشجان والطرب
وقد كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:
لا يصلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التصرف من حال إلى حال
وأنشد الصاحب لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم في نقد الشعر:
رب شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني ... هـ وألفاظه معاً أبكارا
لو تأتى لقالة الشعر ما أس ... قط منه الحلو به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير النا ... س منه ولم يكن مستعارا
وقال الجاحظ:
طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات.
قال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، واستخرج أرق من السحر.
стр. 422
وسأذكر بعد هذا الباب قطعة من أشعار الكتاب يظهر فيها مرماهم، ويستدل به على مغزاهم، ويعرف حسن اختيار الجاحظ فيما ذهب إليه من تفضيلهم، ويشهد لي بجودة الميز، وفرط التثبت والإنصاف، إن شاء الله تعالى.
باب في أشعار الكتاب
والكتاب أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، وأحلاهم ألفاظاً، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف.
وقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالاً:
صد عني وصدق عني الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
ونائلها للغنى ... وسطوتها للأجل
أليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله هذا المعنى حين قال:
مفبل ظهر الكف، وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم
стр. 423
فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم
إلا أن الأول أخف وزناً، وأرشق لفظاً ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط..
ومن تغزل إبراهيم قوله:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون
فهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان.
وما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله:
ابتداء بالتجني ... واقتضاء بالتظني
واشتفاء بتجني ... ك لأعدائك مني
بأبي قل لي لكي أع ... لم لم أعرضت عني
قد تمنى ذاك أعدا ... ئي، فقد نالوا التمني
وأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك الزيات:
فكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأرعد يميناً وأبرق شمالاً
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
ومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ابن أبي دؤاد يشتغل بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفةً من القيام إليه في دار السلطان، وامتثالاً للأمر، فصنع ابن الزيات:
صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مشئومة ... تركتك تقعد تارةً وتقوم
ومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة:
стр. 424
قام بقلبي وقعد ... لما نفى عني الجلد
يا صاحب القصر الذي ... أسهر عيني ورقد
واعطشي إلى فمٍ ... يمج خمراً من برد
إن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد
وقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر:
يقول لي الخلان: لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر
وقال أيضاً وأحسن ما شاء:
مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد
ما أعجب شيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
ومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا.
وأما الحسن بن وهب فمن قوله:
لم تنم مقلتي لطول بكاها ... ولما جال فوقها من قذاها
فالقذى كحلها إلى أن ترى وج ... هـ سليمى، وكيف لي أن تراها؟!
أسعدت مقلتي بإدمانها الدم ... ع وهجرانها الكرى مقلتاها
فلعيني في كل حين دموع ... إنما تستدرها عيناها
وقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع:
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك بالتماع شعاعها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بأراكها وسيالها وعرادها
شركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
ومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر:
هطلتنا السماء هطلا دراكا ... جاوز المزربان فيه السماكا
стр. 425
قلت للبرق إذ تألق فيه: ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيباً أحببته فجفاكا؟ ... فعسى ذاك أن يعود كذاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده؟ فلست هناكا
وهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة.
ومن قوله يرثى حبيباً الطائي، وكان صديقاً له جداً:
سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن به نحيبا
إذا أظللنه أطلقن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدوداً ... وشققت الرعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا
وهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضاً.
ومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل:
يا ليل، بل يا أبد ... أنائم عنك غد؟
يا ليل، لو تلقى الذي ... ألقى بها أو أجد
قصر من طولك أو ... أضعف منك الجلد
ورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو الطيب قوله:
ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول
وليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على
следующие страницы →