Полный текст (633 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر القين وجعثن وقتل الزبير، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة، حكى ذلك غير واحد من المؤلفين.
فإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف، وبهذا أقول أنا، وإياه أعتقد فيهما، وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطاً واحداً لم يمله السامع، حتى إن حبيباً ادعى ذلك لنفسه في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف، والأشجان والطرب
وقد كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:
لا يصلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التصرف من حال إلى حال
وأنشد الصاحب لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم في نقد الشعر:
رب شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني ... هـ وألفاظه معاً أبكارا
لو تأتى لقالة الشعر ما أس ... قط منه الحلو به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير النا ... س منه ولم يكن مستعارا
وقال الجاحظ:
طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات.
قال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، واستخرج أرق من السحر.
стр. 422
وسأذكر بعد هذا الباب قطعة من أشعار الكتاب يظهر فيها مرماهم، ويستدل به على مغزاهم، ويعرف حسن اختيار الجاحظ فيما ذهب إليه من تفضيلهم، ويشهد لي بجودة الميز، وفرط التثبت والإنصاف، إن شاء الله تعالى.
باب في أشعار الكتاب
والكتاب أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، وأحلاهم ألفاظاً، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف.
وقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالاً:
صد عني وصدق عني الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
ونائلها للغنى ... وسطوتها للأجل
أليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله هذا المعنى حين قال:
مفبل ظهر الكف، وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم
стр. 423
فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم
إلا أن الأول أخف وزناً، وأرشق لفظاً ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط..
ومن تغزل إبراهيم قوله:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون
فهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان.
وما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله:
ابتداء بالتجني ... واقتضاء بالتظني
واشتفاء بتجني ... ك لأعدائك مني
بأبي قل لي لكي أع ... لم لم أعرضت عني
قد تمنى ذاك أعدا ... ئي، فقد نالوا التمني
وأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك الزيات:
فكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأرعد يميناً وأبرق شمالاً
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
ومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ابن أبي دؤاد يشتغل بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفةً من القيام إليه في دار السلطان، وامتثالاً للأمر، فصنع ابن الزيات:
صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مشئومة ... تركتك تقعد تارةً وتقوم
ومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة:
стр. 424
قام بقلبي وقعد ... لما نفى عني الجلد
يا صاحب القصر الذي ... أسهر عيني ورقد
واعطشي إلى فمٍ ... يمج خمراً من برد
إن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد
وقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر:
يقول لي الخلان: لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر
وقال أيضاً وأحسن ما شاء:
مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد
ما أعجب شيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
ومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا.
وأما الحسن بن وهب فمن قوله:
لم تنم مقلتي لطول بكاها ... ولما جال فوقها من قذاها
فالقذى كحلها إلى أن ترى وج ... هـ سليمى، وكيف لي أن تراها؟!
أسعدت مقلتي بإدمانها الدم ... ع وهجرانها الكرى مقلتاها
فلعيني في كل حين دموع ... إنما تستدرها عيناها
وقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع:
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك بالتماع شعاعها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بأراكها وسيالها وعرادها
شركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
ومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر:
هطلتنا السماء هطلا دراكا ... جاوز المزربان فيه السماكا
стр. 425
قلت للبرق إذ تألق فيه: ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيباً أحببته فجفاكا؟ ... فعسى ذاك أن يعود كذاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده؟ فلست هناكا
وهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة.
ومن قوله يرثى حبيباً الطائي، وكان صديقاً له جداً:
سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن به نحيبا
إذا أظللنه أطلقن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدوداً ... وشققت الرعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا
وهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضاً.
ومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل:
يا ليل، بل يا أبد ... أنائم عنك غد؟
يا ليل، لو تلقى الذي ... ألقى بها أو أجد
قصر من طولك أو ... أضعف منك الجلد
ورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو الطيب قوله:
ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول
وليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على
стр. 426
النفس منها؛ وأيضاً فإن أكثر أشعارهم إنما يأتي تظرفاً، لا عن رغبة ولا رهبة، فهم مطلقون مخلون في شهواتهم، مسامحون في مذاهبهم؛ إذ كانوا إنما يصنعون الشعر تخيراً واستظرافاً، كما قال كشاجم الكاتب:
ولئن شعرت فما تع ... مدت الهجاء ولا المديحه
لكن رأيت الشعر لل ... آداب ترجمة فصيحه
وعلى هذا النمط يجري الحكم في أشعار الخلفاء، والأمراء، والمترفين من أهل الأقدار: لا يحاسبون فيها محاسبة الشاعر المبرز الذي الشعر صناعته، والمديح بضاعته.
وقد أعرب أبو الفتح بن العميد وأغرب في قوله:
فإن كان مرضياً فقل: شعر كاتب ... وإن كان مسخوطاً فقل: شعر كاتب
ولو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب سوى من ذكرت لبعد الأمد، وطالت الشقة، واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديواناً مفرداً؛ لكني عولت على ابن الزيات، وابن وهب؛ لإحالة الجاحظ في الفضل عليهما، وآنستهما باثنين ليسا بدونهما، ولو لم آت بهذا الباب إلا بما بنيته عليه من ذكر أشعار السيد الرئيس أبي الحسن أيده الله لكان ذلك فوق الرضا والكفاية.
فمن ذلك قوله:
باكر الراح ودع عنك العدل ... واسع في الصحة من قبل العلل
واغتنم لذة يوم زائل ... فالمنايا ضاحكات بالأمل
ما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل
مائساً كالغصن في دعص نقاً ... فاتن المقلة زينت بالكحل
стр. 427
وقوله أيضاً يتغزل:
مر بنا يهتز في مشيه ... مثل اهتزاز الغصن الرطب
فمقلتي ترتع في حسنه ... ومقلتاه أحرقت قلبي
قوله " أحرقت " وهما مقلتان كقول بعضهم، وأنشده أبو الجراح في طبقات الشعراء:
أشركت عيناه ظالمة ... في دمي يا عظم ما جنت
فقال " ظالمة " وقال " جنت " لأن التثنية جمع في الحقيقة، والجماعة تخبر عنها كما تخبر عن الواحد: لمكان التأنيث، والشاهد من قول القدماء قول أحدهم:
لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل
فقال " تنهل " وكان حقه أن يقول " تنهلان " لكن العلة ما قدمت.
ومن الموعظة الحسنة البالغة قوله:
أمن الزمان زمانة العقل ... فاخش الإله وحل عن الجهل
واعلم بأنك في الحساب غداً ... تجزى بما قدمت من فعل
ومن تشكي أحوال الناس وقلة ثقتهم وإنصافهم قوله:
أيا رب، إن الناس لا ينصفونني ... ولم يحسنوا قرضي على حسناتي
إذا ما رأوني في رخاء ترددوا ... إلي، وأعدائي لدى الأزمات
ومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدة جذلات
ثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... وإن عنهم أخرتها فعداتي
سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأصرف عنهم قالياً لحظاتي
وألزم نفسي الصبر دأبا لعلني ... أعاين ما أملت قبل مماتي
ألا إنما الدنيا كفاف وصحة ... وأمن، ثلاث هن طيب حياتي
قوله " ثلاث " يعني ثلاث خصال أو ثلاث أحوال، كما قال طرفة:
стр. 428
فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ثم فسرهن فقال: فمنهن سبق العاذلات بشربة وكرى إذا نادى المضاف مجنباً وتقصير يوم الدجن والسبق والتقصير والكر كلها مذكرة، لكن أراد ما قدمت.
ومن أحسن الأشعار قوله:
خليلي، إن لم تسعداني فأقصرا ... فليس يداوي بالعتاب المتيم
تريدان مني النسك في غير حينه ... وغصني ريان ورأسي أسحم
وقوله في قصيدة طويلة:
غراء واضحة ينوس بقرطها ... جيد حكى جيد الغزال الأعنق
صدت فأغرت بالسجوم مدامعي ... والعين تذرف بالدموع السبق
تشكو البعاد إذا بعدت تصبراً ... وإن ارتجعت إلى الزيارة تفرق
ولقد يبيت أخو المودة لائمي ... في حبها لوم الشفيق المشفق
حتى إذا طلعت فأبصر شخصها ... أخزى جهالة لائمي المستحمق
كم قد قطعت بوصلها من ليلة ... وبشرب صافية كلون الزئبق
стр. 429
يسعى بها كالبدر ليلة تمه ... سحار ألحاظ رخيم المنطق
آليت أترك ذا وتلك وهذه ... حتى يفارقني سواد المفرق
فلله سلامة هذا الطبع واندفاعه، وقرب هذا اللفظ واتساعه، ولله رقة معانيه وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، ولطف مواقعها من القلوب، وسرعة تأثيرها في النفوس، وسيرد من شعره فيما بعد ما لاق بالمواضع التي يذكر فيها، إن شاء الله تعالى.
باب في أغراض الشعر وصنوفه
وهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه.
تكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب إليه أبو العباس الناشئ:
لعن الله صنعة الشعر، ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا؟
يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلاً للسامعين مبينا
ويرون المحال شيئاً صحيحا ... وخسيس المقال شيئاً ثميناً
يجهلون الصواب منه، ولا يد ... رون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامو ... ن، وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما تناسب في النظ ... م، وإن كان في الصفات فنونا
فأتى بعضه يشاكل بعضاً ... قد أقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أن يكونا
فتناهى عن البيان إلى أن ... كاد حسناً يبين للناظرينا
فكان الألفاظ فيه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا
стр. 430
فائتاً في المرام حسب الأماني ... فيجلي بحسنه المنشدينا
فإذا ما مدحت بالشعر حرا ... رمت فيه مذاهب المسهبينا
فجعلت النسيب سهلاً قريباً ... وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما تهجن في السم ... ع، وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاء ... عفت فيه مذاهب المرفثينا
فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكت فيه على الغا ... دين يوماً للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا شبت في الوع ... د وعيدا وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليه ... حذراً آمنا، عزيزاً مهينا
وأصح القريض ما فات في النظ ... م، وإن كان واضحا مستبينا
وإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا
قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن
стр. 431
كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى.
قال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب.
ومن قول الناشئ في معنى شعره الأول:
الشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه
وإذا مدحت به جواداً ماجداً ... وفيته بالشكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه ... وخصصته بخطيره وثمينه
فيكون جزلاً في اتساق صنوفه ... ويكون سهلاً في اتفاق فنونه
فإذا أردت كناية عن رتبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخٍ في زلةٍ ... أدمجت شدته له في لينه
فتركته مستأنساً بدماثة ... مستيئساً لوعوثه وحزونه
стр. 432
وإذا نبذت إلى التي علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شؤونه
تيمتها، بلطيفه ودقيقه ... وشغفتها بخبيه وكمينه
وإذا اعتذرت إلى أخ من زلة ... واشكت بين محيله ومبينه
وهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحداً فواحداً، إن شاء الله .
باب النسيب
حق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، لين الإيثار، رطب المكسر، شفاف الجوهر، يطرب الحزين، ويستخف الرصين.
وروى أبو علي إسماعيل بن القاسم، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام فطرب، وقال: أنشدني لأخي بني مليح يعني كثيراً فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله:
وأدنيتني حتى إذا ما سنيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
стр. 433
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره..
وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
والنسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلف النساء، والتخلق بما يوافقهن، وليس مما ذكرته في شيء؛ فمن جعله بمعنى التغزل فقد أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه نقد الشعر.
وقال الحاتمي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذم، متصلاً به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراساً يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان.
ومن مختار ما قيل في النسيب قول المرار العدوي.
стр. 434
وهي هيفاء هضيم كشحها ... فخمة حيث يشد المؤتزر
صلتة الخد طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر
لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوب منعفر
تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر
ثم تنهد على أنماطها ... مثل ما مال كثيب منقعر
عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر
أملح الناس إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسور
قال عبد الكريم: هذه أملح وأشرف ما وقع في الوصف، وهي أشبه بنساء الملوك.
وأنشد لغيره:
قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
أرادت لتنتاش الرواق فلم أقم ... إليه، ولكن طأطأته الولائد
تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد
وأنواع النسيب كثيرة، وهذا الذي أنشدته أفضلها في مذاهب المتقدمين، وللمحدثين طريق غير هذه كثيرة الأنواع أيضاً: فما أختار من ذلك ما ناسب قول أبي نواس:
حلت سعاد وأهلها سرفاً ... قوماً عدى ومحلة قذفا
وكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا
رشا تواصين القيان به ... حتى عقدن بأذنه شنفا
стр. 435
فإن هذا في غاية الجودة ونهاية الإحسان، وما ناسب قول مسلم بن الوليد:
أحب التي صدت وقالت لتربها: ... دعيه، الثريا منه أقرب من وصلي
أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل
وما نلت منها نائلاً غير أنني ... بشجو المحبين الألى سلفوا قبلي
بلى، وربما وكلت عيسى بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلاً على خبل
ومن الجيد قول الوليد بن عبيد البحتري:
رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافاً
إذا نضين شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافاً
والبحتري أرق الناس نسيباً، وأملحهم طريقة، ألا تسمع قوله:
إني وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلي ... ويروقني ورد الخدود الأحمر
وشعره من هذا النمط، لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به، ولم يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له من ذلك التافه اليسير في خلال القصائد، مثل قوله:
بت أرعى الخدود حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما
وقوله أول قصيدة:
أرامة، كنت ما لف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم
أدار البؤس، حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم
ومما ضرم البرجاء أني ... شكوت فما شكوت إلى رحيم
وأما أبو الطيب فمن مليح ما سمعت له قوله:
كئيباً توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه
стр. 436
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية، والمتلف الشيء غارمه
سقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
فقد جاء بأملح شيء وأوفاه من الظرافة والغرابة.
وقوله يذكر ربع أحبابه:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا
وقال في ذكر الديار أيضاً:
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم
ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم
ورد جماعة من الكتاب على العتابي، وهو بحلب، وفي يده رقعة، وقد أطال فيها النظر والتأمل، فقال: أرأيتم الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم، قال: لقد سلك صاحبها وادياً ما سلكه غيره، فلله دره، وكان في الرقعة قول أبي نواس:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل
يا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل
روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:
فتضاحكن وقد قلن لها: ... حسن في كل عين من تود
وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
стр. 437
وحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد
وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.
وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:
إذا قلت أني مشتف بلقائها ... وحم التلاقي بيننا زادني سقما
وقال غيره: بل جميل بقوله:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر: بل جرير بقوله:
فلما التقى الحيان ألقيت العصي ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقماً إذا التقى المحبوب.
وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:
فيا حبذا زدني جوى كل ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وقال أبو عبيدة: ما حفظت شعراً لمحدث، إلا قول أبي نواس:
كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا
يزيدك وجهه حسناً ... إذا ما زدته نظرا
بعين خالط التفت ... ير من أجفانها الحورا
وخد سابري لو ... تصوب ماؤه قطرا
وللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم وتحلو أفواههم، فهم كثيراً ما يأتون
стр. 438
بها زوراً نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن.
ولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي:
ما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها
وأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنهما حرما على الشعراء..
وربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية للنسيب، كما قال جرير:
أجد رواح القوم؟ بل لات روحوا ... نعم كل من يعنى بجمل مبرح
ثم قال بعد بيت واحد:
إذا سايرت أسماء يوماً ظعائناً ... فأسماء من تلك الظعائن أملح
ظللن حوالي خدر أسماء فانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
صحا القلب عن أسما وقد برحت به ... وما كان يلقى من تماضر أبرح
وأما قول السيد الحميري:
ولقد تكون بها أوانس كالدمى ... هند وعبدة والرباب وبوزع
فإنه ثقيل من أجل بوزع.
وأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ما لم يجد في الكنية مندوحة..
وقال يزيد بن أم الحكم:
стр. 439
أمسى بأسماء هذا القلب معموداً ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كان أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لعائشة العينين والجيدا
على أن بعضهم رواه " أهدى لها شبه العينين " وهو أجود لا محالة، ومثل هذا كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صواباً، ولا علمته وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفاً، وقول أبي تمام الطائي:
وإن رحلت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانب من أحبابنا وعواتك
ومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيباً وعشرة أبيات مديحاً، فقال له نصر: والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده:
هل تعرف الدار لأم عمرو؟ ... دع ذا وحبر مدحة في نصر
فقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين.
فأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيباً اتبعه فيه، ولكن ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
ثم خرج إلى المدح في البيت الثاني.
ويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله:
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله:
стр. 440
يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي
اللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازاً كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك لا بأس به، ولا مكروه فيه.
وسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:
بينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟
فقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه.
وكذلك قال له كثير لما سمع قوله:
قالت لها أختها تعاتبها ... لا تفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له لأبصره ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
أهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.
قال بعضهم أظنه عبد الكريم: العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم.
وعاب كثير على نصيب قوله:
أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي
حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى..
ومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو
стр. 441
محبوس فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني لقولي:
ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي
فما كان إلا عن قليل وأشغفت ... بحب غزال أدعج الطرف أكحل
وعذبها حتى أذاب فؤادها ... وذوقها طعم الهوى والتذلل
فقلت لها: هذا بهذا، فأطرقت ... حياء، وقالت: كل من عايب ابتلي
فقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة:
ربما سرني صدودك عني ... وطلابيك وامتناعك مني
حذراً أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني
ويعاب ما ناسب قول الآخر، وهو جميل:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
لأن الصواب قول عباس، أو مسلم:
أبكي وقد ذهب الفؤاد، وإنما ... أبكي لفقدك لا لفقد الذاهب
فأما طرد الخيال والمجاورة في المحبة فهو مذهب مشهور، وقد ركبه جلة الشعراء، ورواه رواة: منهم طرفة، ولبيد، ثم جرير، ثم جميل، فقال طرفة، وهو أول من طرقه:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل
وقال لبيد في مثل ذلك:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
يقول: اقطع المزار ممن تعرض وصله للقطيعة ويقال: تعرض الشيء، إذا فسد، حكاه الخليل فإن شر من وصلك من قطعك بلا ذنب، يريد
стр. 442
الذي تعرض وصله، ومن الناس من رواه ولخير واصل خلة صرامها يقول: إن خير من وصل الخلة من قطعها باستحقاق، يعني نفسه..
وقال جرير:
طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام
على أن قوماً زعموا أنه كان محرماً، فلذلك طرد الخيال، كأنه تحرج وليس طرد عتب.
وقال جميل:
ولست وإن عزت علي بقائل ... لها بعد صرم: يا بثين صليني
وجرى على سنن هؤلاء جماعة من المولدين، واعتقدوا هذا المبدأ قولا وفعلاً، حتى تعداه بعضهم إلى القتل، مثل عبد السلام بن رغبان، ونصر الخابز أرز ومن شاكلهما من الشطار، إلا أن أصل هذا المذهب عند قدامة فاسد، وعاب عن نابغة بني تغلب واسمه الحارث بن عدوان، أحد بني زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب قوله:
بخلنا لبخلك لو تعلمين ... وكيف يعيب بخيل بخيلاً؟
لأن الواجب عنده في التغزل أن يكون على خلاف هذا، وكل ما لا يليق بالمحبوب فهو مكروه في باب النسيب.
قالت عزة لكثير يوماً ويقال بثينة ما أردت بنا حين قلت:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... وأني هجان مصعب ثم نهرب
كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
стр. 443
إذا ما وردنا منهلاً صاح أهله ... علينا، فلا ننفك نرمى ونضرب
لقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلاً وإنما اقتدى بالفرزدق حيث يقول، وهذا من سوء الأتباع:
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف
كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي الأشاعر أخشف
بأرض خلاء وحدنا وثيابنا ... من الريط والديباج درع وملحف
ولا زاد إلا فضلتان: سلافة ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف
وأشلاء لحم من حباري يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحب متألف
لنا ما تمنينا من العيش مادعا ... هديلا بنعمان حمائم هتف
وإذا كان بعيراً فما هذه الأمنية التي كلها للحيوان الناطق؟ لولا أنه ردها إلى نفسه حقيقة، وإلا فما أملح الجمل نشوان يصيد الحباري بالبازي.
ومعايب هذا الباب كثيرة، وفما قدمت منها دليل على باقيها.
واشتقاق التشبيب يجوز أن يكون من ذكر الشبيبة، وأصله الإرتفاع، كأن الشباب ارتفع عن حال الطفولية، أو رفع صاحبه، ويقال: شب الفرس، إذا رفع يديه وقام على رجليه.
قال الجاحظ: يقال شبت شبوبا، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبيباً، ويقال: مالك عضاض ولا شباب، انقضى كلامه.
ويجوز أن يكون من الجلاء، يقال: شب الحمار وجه الجارية، إذا جلاه ووصف ما تحته من محاسنه؛ فكأن هذا الشاعر قد أبرز هذه الجارية في صفته إياها وجلاها للعيون، ومنه الشب الذي يجتلي به وجوه الدنانير، ويستخرج غشها، ومنها: شببت النار، إذا رفعت سناها وزدتها ضياء.
стр. 444
وأنشد الأصمعي لعكاشة بن أبي مسعدة: يدفع عنها كل مشبوب أغر قال: المشبوب الذي إذا رأيته فزعت لحسنه.. قال ابن دريد: شببت في الشعر شبيباً، مثل نسبت نسيباً، والنسيب أكثر ما يستعمل في الشعر.
باب في المديح
وسبيل الشاعر إذا مدح ملكاً أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجراً، ربما عاب من أجلها ما لا يعاب، وحرم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري إذا مدح الخليفة كيف يقل الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكتاب عمل طاقته، وبلغ مراده.
وقد حكى عن عمارة أن جده جريراً قال: يا بني، إذا مدحتهم فلا تطيلوا الممادحة؛ فإنه ينسى أولها، ولا يحفظ آخرها، وإذا هجوتم فخالفوا.
قال عبد الكريم: وهذا ضد قول عقيل بن علفة المرادي، وحكى غيره قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي ليس يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقال: قل في بيتين يعلقان بالرواة، وأنا أعطيك عطية لم يعطكها أحد قط قبلي، فغدا عليه وهو يقول:
وأنت ابن بطحاوي قريشٍ، وإن تشأ ... تكن من ثقيف سيل ذي خدر غمر
стр. 445
وأنت ابن سوار اليدين إلى العلى ... تكفت بك الشمس المضيئة للبدر
فقال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وإذا كان الممدوح ملكاً لم يبال الشاعر كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خطته؛ فإنه متى تجاوز به خطته؛ كان كمن نقصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيراً ما يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على الصواب الرأي فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان فضيلة.
وذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا الت ... عنيف عن كرم يصده
فإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: من ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ هذا بالهجاء أولى منه بالمدح.
وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب
وقالوا: لو مدح بها حرسياًً لعبد الملك لكان قد قصر به.
قلت أنا: وإن كان فلا بد من ذكر الضيافة والقرى، كقول ابن قيس الرقيات لمصعب بن الزبير:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
لأن هذا وإن لم يعد به ممادحة العرب في سقي اللبن فقد زاده رتبة عرف بها أنه ملك. وأجود منه في معناه قول حسان في آل جفنة:
стр. 446
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ويروي " مسكا ".
وعابوا على الأحوص قوله للملك:
وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقالوا: إن الملوك لا تمدح بما يلزمها فعله كما تمدح العامة، وإنما تمدح بالإغراق والتفضيل بما لا يتسع غيرهم لبذله.
ومن هذا النوع قول كثير:
رأيت ابن ليلى يعتري صلب ماله ... مسائل شتى من غني ومصرم
مسائل إن توجد لديك تجد بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلم
لأن هذا إنما يقع لمن دون الخليفة والملك، وإنما أخذه من قول زهير في هرم ابن سنان، وليس بملك، ولذلك حسن قوله:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً، ويظلم أحياناً فيظلم
يريد أنه يسأل ما ليس قبله فيحتمله، هذا، وقد قال الصولي في شرح قول حبيب:
لو يفاجى ركن المديح كثيراً ... بمعانيه خالهن نسيباً
طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشييبا
سألت عون بن محمد الكندي: لم خص كثيراً؟ فقال: سمعته يقول: أمدح الناس زهير والأعشى، ثم الأخطل وكثير.
стр. 447
وحكى غير الصولي أن مروان بن أبي حفصة كان يقدم كثيراً في المدح على جرير والفرزدق.
ومما قدم به زهير قوله:
لو كان يقعد النجم من كرمٍ ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا، ... مرزأون بها ليل إذا جهدوا
محسدون على ما كان من نعمٍ ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
ويروي غر بها ليل في أعناقهم صيد وقدمه قدامة بن جعفر الكاتب فقال في كتابه نقد الشعر: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوانات، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك؛ إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيباً، وبما سواها مخطئاً.
فقال زهير:
أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
لأنه قد وصفه بالعفة لقلة في اللذات وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العقل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أراد أن فرحة بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه: بأن يهش، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله..
ثم قال:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يجادله
стр. 448
فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوفى ضروب المدح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزادها ما هو وإن كان داخلاً في الأربعة فكثير من الناس من لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا، وقد تفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقامها وكل داخل في جملتها مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهي من أقسام العقل؛ وكذكرهم القناعة، وقلة الشهوة، وطهارة الإزار، وغير ذلك وهي من أقسام العفة؛ وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثأر، والدفع عن الجار، والنكاية في العدو، وقتل الأقران، والمهابة، والسير في المهامه والقفار الموحشة، وما شاكل هذا وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع بالنائل، والإجابة للسائل، وقرى الأضياف، وما جانس هذه الأشياء، وهي من أقسام العدل.
وأما تركيب بعضها من بعض فيحدث منها سته أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد؛ وعن تركيب العقل مع السخاء البر، وإنجاز الوعد وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب العقل مع العفة التنزه، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف، والإخلاف وما جانس ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم؛ وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالوقت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك.
قال: وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع المتقدم ذكرها وسط بين طرفين مذمومين.
стр. 449
مدح أبو العتاهية عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفاً وخلع عليه حتى لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم ثم قال: عجباً لكم معشر الشعراء ما أشد حسد بعضكم لبعض، إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فينسب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتنا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية فنسب في أبيات يسيرة. ثم قال:
إني أمنت الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالاَ
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الخدود نعالاً
إن المطايا تشتكيك؛ لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذ صدرن بنا صدرن ثقالاً
ومن مليح ما لأبي العتاهية في المدح قوله:
فتى ما استفاد الما إلا أفاده ... سواه كأن الملك في كفه حلم
إذا ابتسم المهدي نادت يمينه ... ألا من أتانا زائرا فله الحكم
وله أيضاً في معنى بيتي الفرزدق اللذين صنعهما لعبد الرحمن بن أم الحكم:
стр. 450
فما مثل بيتيه في العالمين ... أعز بناء ولا أرفع
فبيت بناه له هاشم ... وبيت بناه له تبع
ولو حاول الدهر ما في يديه ... لعاد وعرنينه أجدع
ومن المديح المنصوص عليه قول زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه أباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وكذلك أيضاً قوله:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا
هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وينبغي أن يكون قصد الشاعر في مدح الكاتب والوزير ما اختاره قدامة وغيره، وكذلك ما ناسب حسن الروية، وسرعة الخاطر بالصواب، وشدة الحزم، وقلة الغفلة، وجود النظر للخليفة، والنيابة عنه في المعضلات بالرأي أو الذات، كما قال أبو نواس:
إذا نابه أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفى تشير
стр. 451
وبأنه محمود السير، حسن السياسة، لطيف الحس، فإن أضاف ذلك إلى البلاغة، والخط، والتفنن في العلم؛ كان غاية.
وأفضل ما مدح به القائد: الجود، والشجاعة، وما تفرغ منهما، نحو التخرق في الهيئات، والإفراط في النجدة، وسرعة البطش، وما شاكل ذلك.
ويمدح القاضي بما ناسب العدل والإنصاف، وتقريب البعيد في الحق، وتبعيد القريب، والأخذ للضعيف من القوي، والمساواة بين الفقير والغني، وانبساط الوجه، ولين الجانب، وقلة المبالاة في إقامة الحدود واستخراج الحقوق، فإن زاد إلى ذلك ذكر الورع، والتحرج، وما شاكلهما، فقد بلغ النهاية.
وصفات القاضي كلها لائقة بصاحب المظالم، ومن دون هذه الثلاث الطبقات سوى طبقة الملك فلا أرى لمدحه وجهاً، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مدح كل إنسان بالفضل في صناعته، والمعرفة بطريقته التي هو فيها، وأكثر ما يعول عن الفضائل النفسية التي ذكرها قدامة، فإن أضيف إليها فضائل عرضية أو جسمية: كالجمال، والأبهة، وبسطة الخلق، وسعة الدنيا، وكثرة العشيرة؛ كان ذلك جيداً، إلا أن قدامة قد أبى منه، وأنكره جملة، وليس ذلك صواباً، وإنما الواجب عليه أن يقول: إن المدح بالفضائل النفيسة أشرف وأصح، فأما إنكار ما سواها كرة واحدة فما أظن أحداً يساعده فيه، ولا يوافقه عليه.
وقد كره الحذاق أن تمدح الملوك بما ناسب قول موسى شهوات وروى لغيره:
стр. 452
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
وذكر عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج من الحمام، وهو الخليفة، يريد الصلاة، ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه، فقال: أنا الملك الشاب، ويروى " الفتى " فتلقته إحدى حظاياه، فقال لها: كيف ترينني؟ فتمثلت في البيتين المتقدم ذكرهما، فتطير بهما ورجع، فحم فما بات إلا ميتاً تلك الليلة وروى عن بعض الملوك أنه قال: ما لهؤلاء الشعراء قاتلهم الله، ربما ذكرونا شيئاً نحن أكثر ذكراً له منهم فينغصون به علينا أوقات لذتنا!!؟ يعني بذلك الموت.
ومن أشنع ما في ذلك قول أبي تمام:
فليطل عمره فلو مات في طو ... س مقيماً لمات فيها غريبا
فما الذي دعاه إلى ذكر الموت ههنا إلا النكد والنغاصة؟.
أجمع الناس على تقديم قول كعب بن زهير يمدح رسول الله ﷺ :
تحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفي عطافيه أو أثناء ريطته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم
والجهال يروون البيت الأول لأبي دهبل الجمحي، ويناسبه قول العجاج:
يحملن كل سؤدد وفخر ... يحملن ما ندري وما لا ندري
قال الأصمعي: وأصله قول الحارث بن حلزة:
стр. 453
وفعلنا بهم كما علم الل ... هـ وما إن للحائنين دماء
قال: ولم يقل قط شاعر " كما يعلم " أحسن من هذه الثلاثة المعاني قال أبو العباس المبرد: من الشعراء من يحمل المدح، فيكون ذلك وجهاً حسناً؛ لبلوغه الإرادة مع خلوة من الإطالة، وبعده من الإكثار، ودخوله في الاختصار.
وذلك نحو قول الحطيئة:
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ويعلم أن المرأ غير مخلد
يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد
ورواه غيره أن المال غير مخلد.
كسوب متلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... نجد خير نار عندها خير موقد
стр. 454
تصرف في أبياته هذه في أصناف المديح، واتى بجماع الوصف وجملة المدح على سبيل الاقتصار في البيت الأخير.
ومثله قول الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
انتهى كلامه.
ومن أفضل ما مدح به ملوك وأكثره إصابة للغرض ما ناسب قول أبن هرمة المنصور:
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي أوعدت بالثكل ثاكل
وقول أبي العتاهية في مدح الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكرا
وكذلك قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه بمصر، ويروي للفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وقيل: بل قالها فيه اللعين المنقري، وقيل: بل الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل منصور النميري في أمير المؤمنين الرشيد:
стр. 455
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت أمراً فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس بنتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيراً منه، وأنشد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله في كل نائلة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال ثعلب: بل قول الأعشى:
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المفالدا
أمدح منه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
أسير ما قيل في المدح وأسهله.
وقال غيره: بل قول الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وقال دعبل: بل قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم العقد ثاقبه
стр. 456
قال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وبيت أبي الطمحان أشعرها.
قال الحاتمي: بل بيت زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وحكى علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ما للمولدين في المدح، وهما قوله:
أنت الذي تأخذ الأيدي بحجزته ... إذا الزمان على أبنائه كلحا
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا
روى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس:
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأحداث عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
قال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو نواس ذهب مذهباً لطيفاً يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
ولو أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
стр. 457
وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر
وقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقاً كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً، وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن منه عن كريم مرزإ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
وقال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوة منا لملت
وقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً، فلم أقم
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لا أي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجباً سرداقه ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حل أعطني سلمي
وسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال:
أغر أبلج تأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
هكذا روايته فيه.
قال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ
стр. 458
أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا حج فيمدحه، فأنشده شعراً أنكر يحيى منه بيتاً فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
فقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من جليل الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي حفصة في أبيك، فأنشدته:
نعم المناخ لراغب ولراهب ... ممن تصيب جوائح الأزمان
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام اللقاء فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
يكسو الأسرة والمنابر بهجة ... ويزينها بجهارة وبيان
تمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الحرب عند تغير الألوان
نفسي فداك أبا الوليد إذا بدا ... رهج السنابك والرماح دواني
فقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله:
تشابه يوماه علينا فأشكلاً ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟ ... وما منهما إلا أغر محجل
стр. 459
ومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي ﷺ :
فاعتتب القول من فؤادي والش ... عر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا
وقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت ال ... أرض ولو عاب قولي العيب
لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج والصخب
قالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي ﷺ أفرطت، أو يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي ﷺ ، وإنما أراد علياً ﵁، فورى عنه بذكر النبي ﷺ خوفاً من بني أمية.
ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: " هن بنياتي أنكحهن من شئت " فهو معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة.
باب الافتخار
والإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:
стр. 460
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
ما ينكر الناس منا حين نملكهم ... كانوا عبيداً وكنا نحن أربابا؟
وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا، محمد
وقال الحاتمي: قول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
قال: ويتلوه قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وقال آخرون: بل بيت الفرزدق:
ونحن إذا عدت معد قديمها ... مكان النواصي من وجوه السوابق
وقال غيرهم: بل قوله لجرير:
وإذا نظرت رأيت فوقك دارماً ... والشمس حيث تقطع الأبصارا
وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد:
ولو أن قيساً قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها
وأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما
ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما
следующие страницы →