Полный текст (633 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وبيت أبي الطمحان أشعرها.
قال الحاتمي: بل بيت زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وحكى علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ما للمولدين في المدح، وهما قوله:
أنت الذي تأخذ الأيدي بحجزته ... إذا الزمان على أبنائه كلحا
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا
روى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس:
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأحداث عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
قال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو نواس ذهب مذهباً لطيفاً يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
ولو أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
стр. 457
وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر
وقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقاً كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً، وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن منه عن كريم مرزإ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
وقال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوة منا لملت
وقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً، فلم أقم
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لا أي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجباً سرداقه ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حل أعطني سلمي
وسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال:
أغر أبلج تأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
هكذا روايته فيه.
قال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ
стр. 458
أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا حج فيمدحه، فأنشده شعراً أنكر يحيى منه بيتاً فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
فقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من جليل الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي حفصة في أبيك، فأنشدته:
نعم المناخ لراغب ولراهب ... ممن تصيب جوائح الأزمان
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام اللقاء فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
يكسو الأسرة والمنابر بهجة ... ويزينها بجهارة وبيان
تمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الحرب عند تغير الألوان
نفسي فداك أبا الوليد إذا بدا ... رهج السنابك والرماح دواني
فقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله:
تشابه يوماه علينا فأشكلاً ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟ ... وما منهما إلا أغر محجل
стр. 459
ومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي ﷺ :
فاعتتب القول من فؤادي والش ... عر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا
وقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت ال ... أرض ولو عاب قولي العيب
لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج والصخب
قالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي ﷺ أفرطت، أو يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي ﷺ ، وإنما أراد علياً ﵁، فورى عنه بذكر النبي ﷺ خوفاً من بني أمية.
ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: " هن بنياتي أنكحهن من شئت " فهو معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة.
باب الافتخار
والإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:
стр. 460
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
ما ينكر الناس منا حين نملكهم ... كانوا عبيداً وكنا نحن أربابا؟
وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا، محمد
وقال الحاتمي: قول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
قال: ويتلوه قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وقال آخرون: بل بيت الفرزدق:
ونحن إذا عدت معد قديمها ... مكان النواصي من وجوه السوابق
وقال غيرهم: بل قوله لجرير:
وإذا نظرت رأيت فوقك دارماً ... والشمس حيث تقطع الأبصارا
وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد:
ولو أن قيساً قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها
وأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما
ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما
стр. 461
ومن جيد الافتخار قول بكر بن النطاح الحنفي:
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة ... ببأس شديد في الكتاب المنزل
وإنا لنلهو بالحروب كما لهت ... فتاة بعقد أو سخاب قرنفل
يعني قول الله : " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " فدعوا في خلافة أبي بكر إلى قتال أهل الردة من بني حنيفة، وبسبب هذا الشعر وأشباهه طلبه الرشيد طلبٍ، وقال:
كيف يفتخر على مضر ومنهم رسول الله ﷺ خير البشر؟ فهذا افتخار بالشجاعة خاصة.
وممن افتخر بالكثرة أوس بن مغراء قال:
ما تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا
وقد أنكر قدامة أن يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحاً بنفسه؛ لأن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حسن.
وأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
وإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
وما سودت عجلاً مآثر غيرهم ... ولكن بهم سادت على غيرهم عجل
قال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حسبه، ويحقر من شأن سلفه، وإنما طريفة المدح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفاً به؛ فجعل لكل واحد منهم حظاً في الفخر وفي المدح نصيباً، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل كان الكل خالصاً لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت
стр. 462
وازداد، وإن أهمل وضيع هلك وباد. وكذلك شرف الوالد يعم القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر.
قال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل الليثي:
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقول عامر بن الطفيل الجعفري:
فإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ومن أفخر ما قال المولدون قول إبراهيم الموصلي يفتخر بولائه من خزيمة بن حازم النهشلي:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بمجدي حازم وابن حازم
عطست بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثريا قاعداً غير قائم
ومن قول السيد أبي الحسن يفخر بقومه بني شيبان:
يا آل شيبان لا غارت نجومكم ... ولا خبت ناركم من بعد توقيد
لأنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت ... قبل الخيول لإبرام وتوكيد
المنعمون إذا ما أزمة أزمت ... والواهبون عتيقات المزاويد
سيوفكم أفقدت كسرى مرازبه ... في يوم ذي قار إذ جاؤا لموعود
وهذا هو الفخر الحلال غير المدعى فيه ولا المنتحل.
ومما عابه الأصمعي وغيره قول عامر بن معشر بن أسحم يصف أسيراً أسروه:
стр. 463
فظل يخالس المذقات فينا ... يقاد كأنه جمل ربيق
وذلك بأنه وصف أسيرهم بأنه جائع يخالس القليل الممذوق من اللبن، وإنما ذلك من الجهد.
ومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي فإنها جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة.
باب الرثاء
وليس بين الرثاء والمدح فرق؛ إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت مثل " كان " أو " عدمنا به كيت وكيت " وما يشاكل هذا وليعلم أنه ميت.
وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بين الحسرة، مخلوطاً بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، كما قال النابغة في حصن بن حذيفة بن بدر:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الموتى القبور، ولم تزل ... نجوم السماء، والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي الحي وهو ينوح
فهذا وما شاكله رثاء الملوك والرؤساء الجلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو العتاهية حين قال: مات الخليفة أيها الثقلان
стр. 464
فرفع الناس رؤوسهم، وفتحوا عيونهم، وقالوا: نعاه إلى الجن والإنس، ثم أدركه اللين والفترة فقال: فكأنني أفطرت في رمضان يريد: إني بمجاهرتي بهذا القول كأنما جاهرت بالإفطار في رمضان نهاراً وكل أحد ينكر ذلك علي، ويستعظمه من فعلي، وهذا معنى جيد غريب في لفظ رديء غير معرب عما في النفس.
ومن أفضل الرثاء قول حسين بن مطير يرثي معن بن زائدة، ويروي لابن أبي حفصة:
فيا قبر معن، كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن، كيف واريت جوده؟ ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعاً
وما قصر أبو تمام في رثائه محمد بن حميد بالقصيدة التي يقول فيها:
ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الثغر وانثغر الثغر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والنشر
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تخاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقد أجاد أيضاً في القصيدة التي رثى بها إدريس بن بدر السامي يقول فيها:
стр. 465
ولم أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقل ويظلع
وتكبيره خمساً عليه معالناً ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع
وليس في ابتداءات المرائي المولدة مثل قوله:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
يرثي بها محمد بن حميد، وجعل خاتمها:
فإن أترم عن عمر تدانى به المدى ... فخانك حتى لم تجد عنه منزعا
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
وأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء، ومثله عبد السلام بن رغبان ديك الجن، وهو أشهر في هذا من حبيب، وله فيه طريق انفرد بها، وذلك أنه قتل جاريته واتهم بها أخاه، ثم قال يرثيها:
يا مهجة جثم الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها التراب، وربما ... روى الهوى شفتي من شفتيها
حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
فوحق نعليها لما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن ... أخشى إذا سقط الغبار عليها
لكن بخلت على الأنام بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها
وقال أيضاً فيها على بعض الروايات:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره
فقتلته، وله علي كرامة ... ملء الحشا، وله الفؤاد بأسره
قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وزففته من خدره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والحزن ينحر دمعتي في نحره
стр. 466
الذي أعرف " ينحر مقلتي " وهو أصح استعارة.
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره
والرواية الأخرى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه قتله أيضاً، فصنع فيه هذه الأبيات، فصنعت فيه أخت الغلام:
يا ويح ديك الجن، بل تباً له ... ماذا تضمن صدره من غدره
قتل الذي يهوى وعمر بعده ... يا رب لا تمدد له في عمره
ويكون الرثاء مجملاً كالمدح المجمل فيقع حسناً لطيفاً: كقول ابن المعتز في المعتضد:
قضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إماماً إمام الخير بين يديه
وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه
وقال في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر: أين الرجال!
هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال
يا ناصر الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال
وذكر غير واحد أن أراتي بيت قيل:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر.
ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المرائي بالملوك الأعزة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبحمر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور، والعقبان، والحيات؛ لبأسها وطول أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد يخلو منه شعر.
стр. 467
قال أبو علي: فأما المحدثون فهم على غير هذه الطريقة أميل، ومذهبهم في الرثاء أمثل، في هذا وقبله، وربما جروا على سنن من قبلهم إقتداء بهم وأخذاً بسنتهم كالذي صنع أبو أيوب في رثائه أبا البيداء الأعرابي وخلف بن حيان الأحمر ومرائيه فيهما وقافية مشهورات: إحداهن قوله:
لا تئل العصم في الهضاب ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف
والثانية قوله: لو كان حي وائلا من التلف والثالثة قوله في أبي البيداء:
هل مخطئ يومه عفر بشاهقة ... ترعى بأخيافها شثاً وطباقا
وكما صنع ابن المعتز يرثي أباه بالقصيدة اللامية المقيدة في الرمل:
رب حتف بين أثناء الأمل ... وحياة المرء ظل منتقل
وهي أيضاً معروفة، ولولا اشتهار هذه القصائد، ووجودها، وخيفة التطويل بها؛ لأثبتها في هذا الموضع.
وليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي وكان علامة: لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة:
أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعافية وأخلفت كل موعد؟
وعن علي بن سليمان، عن أبي العباس الأحول، وأن القصيدة التي لأبي قحافة أعشى باهلة، إنما هي لابنة المنتشر، واسمها الدعجاء.
قال: وقال علي بن سليمان: حدثني أبي أن أولها.
هاج الفؤاد على عرفانه الذكر ... وذكر خودٍ على الأيام ما يذر
قد كنت أذكرها والدار جامعة ... والدهر فيه هلاك الناس والشجر
стр. 468
هكذا أنشده النحاس والذي أعرف " وذكر ميت " وأعرف أيضاً " والدهر فيه هلاك الناس والغير " كذلك أنشدنيه الموصلي في الأغاني، ثم عطف النحاس فقال: هذان البيتان لا يعرفان في أول هذه القصيدة؛ ومما يزيد الاسترابة بهما أن المتعارف عند أهل اللغة أنه ليس للعرب في الجاهلية مرثية أولها تشبيب إلا قصيدة دريد، وأنا أقول: إنه الواجب في الجاهلية والإسلام، وإلى وقتنا هذا، ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته. وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء " تركت كذا " أو " كبرت عن كذا " وهو في ذلك كله يتغزل ويصف أحوال النساء، وكان الكميت ركاباً لهذه الطريقة في أكثر شعره؛ فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيته أنه رثى عثمان بن عفان ﵁ بقصيدة حسنة أتى فيها على ما في النفس، ثم عطف وقال:
فدع ذا، ولكن علقت حبل عاشق ... لإحدى شعاب الحين والقتل أريب
ولم تنسني قتلى قريش ظعائناً ... تحملن حتى كادت الشمس تغرب
يطفن بغريد يعلل ذا الصبا ... إذا رام أركوب الغواية أركب
من الهيف مبدان ترى نطفاتها ... بمهلكة أخراصهن تذبذب
والنسيب في أول القصيدة على مذهب دريد خير مما ختم به هذا الجلف، على تقدمه في الصناعة، إلا أن تكون الرواية " ظعائن " بالرفع.
ومما عيب على الكميت في الرثاء قوله في ذكر رسول الله ﷺ :
وبورك قبر أنت فيه، وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا براً وحزماً ونائلاً ... عشية واراه الضريح المنصب
стр. 469
حكاه الجاحظ وغيره، وأظن أن المراد بما عيب الثاني من هذين البيتين، فأما الأول فجيد.
ومن العجب أن يقول عبدة بن الطيب في تأبين قيس بن عاصم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
ويقول الكميت في تأبين رسول الله ﷺ هذا القول، فهلا قال مثل قول فاطمة ﵂:
اغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفاً عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يماني
وليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل القرآن
ﷺ ، ورحم وكرم وعظم.
والنساء أشجى الناس قلوباً عند المصيبة، وأشدهم جزعاً على هالك؛ لما ركب الله في طبعهن من الخور وضعف العزيمة.
وعلى شدة الجزع يبنى الرثاء، كما قال أبو تمام:
لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون
فانظر إلى قول جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليباً، حين قتله أخوها جساس، ما أشجى لفظها، وأظهر الفجيعة فيه!! وكيف يثير كوامن الأشجان، ويقدح شرر النيران، وذلك:
يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
стр. 470
فإذا أنت تبينت التي ... عندها اللوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على ... جزع منها عليه فافعلي
فعل جساس على ضني به ... قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعين فديت عيني سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم قذى ما تفتلي
إنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي
يا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل
ورماني فقده من كثب ... رمية المصمى به المستأصل
هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول
مسني فقد كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
درك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دمى فاحتلبوا ... درراً منه دمى من أكحلي
ومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات، ألا ترى ما صنعوا بأبي الطيب وهو فحل مجود إذا ذكر المحدثون في قوله يذكر أم سيف الدولة:
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
فقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عباد: استعارة حداد في عرس، فان كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظلم وتعسف، وإن كان أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى
стр. 471
مواضع كثيرة في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كل زلة، ويعفى على كل إساءة قال الصاحب بن عباد: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكاً في أمه بقوله:
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
ولغل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الرقيق، وأنا أقول: إن أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة هجاء أنه قرنها بفوقك؛ فجاء عملاً تاماً لم يبق فيه الإفضاء.
ومن صعب الرثاء أيضاً جمع تعزية وتهنئة في موضع، قالوا: لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد، فلم يقدر أحد على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبيد الله بن همام السلولي فدخل فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيماً، وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزبلا؛ إذ قضى معاوية نحبه، ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور.
فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت والي أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
ففتح للناس باب القول.
стр. 472
وعلى هذا السنن جرى الشعراء بعده؛ فقال أبو نواس يعزي الفضل بن الربيع عن الرشيد، ويهنئه بالأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن
ويروى: فلا أنت مغبون واتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام يقولها للواثق بعد موت المعتصم، صرف الكلام فيها كيف شاء، وأطنب كما أراد، واحتج فيها فأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الناحية من الشعراء، وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على قوله:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين
لن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
ومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه وأشده تأثيراً في القلب وإثارة للحزن قول محمد بن عبد الملك هذا في أم ولده:
ألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران
رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان
وبات وحيداً في الفراش تحثه ... بلابل قلب دائم الخفقان
стр. 473
يقول فيها بعد أبيات:
ألا إن سجلاً واحدا قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت؛ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان
وإن مكاناً في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان
أحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران
ومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة:
فهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن بالصبر لابن ثمان؟؟
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة ... ولا يأتسى بالناس في الحدثان
ألا من أمنيه المنى فأعده ... لعثرة أيامي وصرف زماني
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني ورعاني
فلم أر كالأقدار كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدهر كيف رماني
فهذه الطريق هي الغاية التي يجري حذاق الشعر إليها، ويعتمدون في الرثاء عليها، ما لم تكن المرئية من نساء الملوك، وبنات الأشراف، وغير ذوات محارم الأشعار؛ فإنه يتجافى عن هذه الطريقة إلى أرفع منها، نحو قول أبي الطيب:
ولو أن النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
وقوله في هذه القصيدة:
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال
ونحو قوله لأخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب
أجل قدرك أن تدعي مؤنثة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب
стр. 474
ورثاء الأطفال أن يذكر مخايلهم، وما كانت الفراسة تعطيه فيهم، مع تحزن لمصابهم، وتفجع بهم، كالذي صنع أبو تمام في ابني عبد الله بن طاهر.
باب الاقتضاء والاستنجاز
حسب الشاعر أن يكون مدحه شريفاً، واقتضاؤه لطيفاً، وهجاؤه إن هجا عفيفاً؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.
فمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء
خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط العصم إلى السهل؟؟ ومثله قول الآخر:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
стр. 475
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له مستبطئاً:
أبا موسى، سقى أرض ... ك دان مسبل القطر
وزاد الله في قدر ... ك ما أخملت من قدري
لقد كنت أرجيك ... لما أخشى من الدهر
فقد أصبحت من أوك ... د أسبابي إلى الفقر
أترضى لي بأن أرضى ... بتقصيرك في أمري؟
وقد أفنيت ما أفني ... ت في شكرك من عمري
مواعيد كما أخبت ... سراب المهمه القفر
فمن يوم إلى يوم ... ومن شهر إلى شهر
فلم أحصل على قيم ... ة ما قلمت من ظفري
لعل الله أن يصن ... ع لي من حيث لا أدري
فألقاك بلا شكر ... وتلقاني بلا عذر
ولا أرجوك في الحالي ... ن لا العسر ولا اليسر
فهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا
فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالباً ... لإجمامها أو يرجع الماء طافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
стр. 476
ومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحاً يراد به الجد، وهو:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم نفق منها رقيناك بالسور
وكنت أنا صنعت في استبطاء:
أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله؟؟
وجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله
لكنما أضعف من همتي ... أيام عمر دونها زائله
والعتاب أوسع حداً من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون بسبب غيرها كثيراً، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة.
باب العتاب
العتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.
وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.
وأحسن الناس طريقاً في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري الذي يقول:
يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا
стр. 477
وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا
أكذب ظني بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئاً أو مصيبا
أيصبح وردي في ساحتي ... ك طرقاً ومرعاي محلاً جديبا؟!
أبيع الأحبة بيع السوام ... وآسى عليهم حبيبا حبيبا
ففي كل يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا
وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا
ولو كنت أعلم ذنباً لما ... تخالجني الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيداً وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يؤوبا
والذي يقول أيضاً:
وأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلاً، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما
أمتخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ما جد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك غر قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض فيه منور ... ضحاً، وكأن الوشى فيه منمنما
стр. 478
ولو أنني وقرت شعري وقاره ... وأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بأصبع ... تضرع أو أدنى لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هيناً ... علي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلي محلي أن أرى ... مدلاً وأستحييك أن أتعظما
فهذا عتاب كما قال:
عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر
وقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي قلت فيها:
وقد كنت لا آتي إليك مخاتلاً ... لديك، ولا أثني عليك تصنعا
ولكن رأيت المدح فيك فريضة ... علي إذا كان المديح تطوعا
فقمت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا
ولو غيرك الموسوم عني بريبة ... لأعطيت منها مدعي القول ما ادعى
فلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم، واترك في للصنع موضعا
فوالله ما طولت باللوم فيكم ... لساناً، ولا عرضت للذم مسمعا
ولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوت ... حبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا
بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها عن أن تذل وتخضعا
ولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكن ... ثقيلاً على الإخوان كلا مدفعا
فباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا
ألوذ بأكناف الرجاء، وأتقي ... شمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا
ومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات:
لئن هممي أوجدنني في تقلبي ... مآلا لقد أفقدنني منك موئلاً
وإن رمت أمراً مدبر الوجه إنني ... لأترك حظاً في فنائك مقبلا
стр. 479
وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضا من جداك وجدولا
كذلك لا يلقي المسافر رحله ... إلى منقل حتى يخلف منقلا
ولا صاحب التطواف يعمر منهلا ... وربعاً إذا لم يخل ربعاً ومنهلا
ومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتى ... يحل عرى الترحال أو يترحلا؟
فمرني بأمر أحوذي فإنني ... أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملاً
فسيان عندي صادفوا لي مطعناً ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلاً
ومن قصيدة أخرى لأبي تمام:
تقطعت الأسباب إن لم تغرلها ... قوى أو يصلها من يمينك واصل
سوى مطلب ينضى الرجاء بطوله ... وتخلق إخلاق الجفون الوسائل
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل
ولي عدة تمضي العصور وإنها ... كعهدك من أيام مصر لحائل
سنون قطعناهن عشراً كأن ما ... قطعنا لقرب العهد منها مراحل
وإن جزيلات الصنائع لامرئ ... إذا ما لليالي ناكرته معاقل
وإن المعالي يسترم بناؤها ... سريعاً، كما قد تسترم المنازل
ولو حاردت شوال عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل
منحتكها تشفي الجوى وهو لاعج ... وتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل
ترد قوافيها إذا هي أرسلت ... هوامل مجد القوم وهي هوامل
وكيف إذا حليتها بحليها ... تكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟!
أكابرنا، عطفاً علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة مختارة:
стр. 480
عقيل الندى، أطلق مدائح جمة ... خواصي حسرى قد أبت أن تسرحا
وكنت متى تنشد مديحاً ظلمته ... يكن لك أهجى كلما كان أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشعت ... سحائبها أو كان روض تصوحا
ولكنها سقيا حرمت رويها ... وعارضها ملق كلاكل جنحا
وأكلأ معروف حميت مريعها ... وقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا
فيا لك بحراً لم أجد فيه مشرباً ... وإن كان غيري واجداً فيه مسبحا
مديحي عصا موسى، وذاك لأنني ... ضربت به بحر الندى فتضحضحا
فيا ليت شعري إن ضربت به الصفا ... أيحدث لي فيه جداول سيحا
كتلك التي أبدت ثرى البحر يابساً ... وشقت عيوناً في الحجارة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا
فهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقاً، على أن البحتري قد تقدم إلى بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان:
غمام خطاني صوبه وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رحلي منه أسود مظلم
وما بخل الفتح بن خاقان بالندى ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
стр. 481
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الناس جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم
فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم؟!
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عند صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
أرى النوى يقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم
لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
وإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتاباً، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.
فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى جارية على طرقاتها.
قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وزر:
стр. 482
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.
ومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته:
وإني لأطرى كل خل صحبته ... وأنت ترى شتمي بغير حياء
ستعلم يوماً ما أسأت لصاحب ... تكرم أخلاقي وحسن وقائي
ومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
فالمنتمون إلى الإخاء عصابة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنية والردى ... يوماً ستصدع بيننا وتحول
ولئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين ... من لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
إلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
стр. 483
وأشار إليه أيضاً بقوله، وأردت البيت الأخير:
زودينا بحسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول
وصلينا نصلك في هذه الدني ... افإن المقام فيها قليل
والجميع من قول الأول:
ولقد علمت فلا تكن متجنياً ... أن الصدود هو الفراق الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهم ... ريب المنون فما لنا نستعجل
إلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله " لئن سبقت أنا " " ولئن سبقت أنت " فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر.
وما أحسن إيجاز الذي قال:
العمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب
وقال أبو المحدثين بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه
باب الوعيد والإنذار
كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها.
قال ابن مقبل:
بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير آيات الكتاب هجانيا؟
أأعفو كما يعفو الكريم فإنني ... أرى الشغب فيما بيننا متدانيا
стр. 484
أم اغمض بين الجلد واللحم غمضة ... بمبرد رومي يقط النواصيا
فأما سراقات الهجاء فإنها ... كلام تهاداه اللئام تهاديا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بحرد فلا يبقى من العظم باقيا
وعندي الدهيم لو أحل عقالها ... فتصبح لم تعدم من الجن حاديا
شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية.
وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا
" أحكموا " كفوا، ومن حكمة اللجام.
وقال أيضاً لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر
وكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من التصرف، فقال يتوعده:
قولوا لنحوينا أبي حسن ... إن حسامي متى ضربت مضى
وإن نبلي متى هممت بأن ... أرمي نصلتها بجمر غضى
لا تحسبن الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خفض خافض خفضا
ولا تخل عودتي كبادئتي ... سأسعط السم من عصى الحضضا
أعرف في الأشقياء لي رجلاً ... لا ينتهي أو يصير لي غرضا
يليح لي صفحة السلامة والس ... لم، ويخفي في قلبه الرضا
стр. 485
يضحي مغيظاً علي أن غضب ا ... لله عليه ونلت منه رضا
وليس تجدي عليه موعظتي ... إن قدر الله حينه فقضى
كأنني بالشقي معتذراً ... إذا القوافي أذقنه مضضا
ينشدني العهد يوم ذلك وال ... عهد خفار إذا له قبضا
لا يأمنن السفيه بادرتي ... فإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط إن تلوم في ال ... سير وعندي اللجام إن ركضا
أسمعت أنباء صيتي أبا حسنٍ ... والنصح لا شك نصح من محضا
وهو معافى من السهاد فلا ... يجهل فيشرى فراشه قضضا
أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا
وكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب:
يا موجعي شتماً على أنه ... لو فرك البرغوث ما أوجعا
كل له من نفسه آفة ... وآفة النحلة أن تلسعا
وقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد:
من يصحب الناس مطوياً على دخل ... لا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل
لا تستطيلوا على ضعفي بقوتكم ... إن البعوضة قد تعدو على الفيل
وجانبوا المزح إن الجد يتبعه ... ورب موجعة في إثر تقبيل
ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:
يا قوم لا يلقيني منكم أحد ... في المهلكات؛ فإني غير مغلول
لا تدخلوا بالرضا منكم على غرر ... فتخربوا لليث غضباناً من الغيل
إلا تكن حملت خيراً ضمائركم ... أكن تأبط شراً ناكح الغول
стр. 486
باب الهجاء
يروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس:
إذا ناقة شدت برجل ونمرق ... إلى حيكم بعدي فضل ضلالها
واختار أبو العباس قول جرير:
لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا
ومثل قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: أشد الهجاء الهجاء بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم.
قال النبي ﷺ : " من قال في الإسلام هجاء مقذعاً فلسانه هدر " ولما أطلق عمر بن الخطاب ﵁ من حبسه إياه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال:
وما المقذع يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ولم أنل من أعراضهم شيئاً، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها:
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الإناء
стр. 487
وهي أخبث ما صنع. وفيها أو من أجلها قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه، ومن كلام صاحب الوساطة: فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، فأما القذف والإفحاش فسباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن.
ومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحسن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء
وإن هذا عندهم من أشد الهجاء وأمضه.
ولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل وما قال لكم؟ فأنشدوه، فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ذلك، ولكني سأقول، ثم قال:
فإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مطية الجهل السباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصادفك الحكومة والصواب
فلا يذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب
стр. 488
فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
فإن تكن الفوارس يوم حسي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما إن كان من سبب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما بلغ عامراً ما قال النابغة شق عليه، وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة، جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سفيهاً جاهلاً وتهكم بي! وروى أن شاعراً مدح الحسين بن علي ﵄، فأحسن عطيته، فعوتب على ذلك، فقال: أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولا ابن علي بن أبي طالب؟ ولكن خفت أن يقول: لست كرسول الله ﷺ ، ولست كعلي، فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلداً في الكتب، ومحفوظاً على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا ابن رسول الله أعلم بالمدح والذم مني، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال جده، قال فيه ابن عاصم المديني، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي:
له حق، وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرسول
وجميع الشعراء يرون قصر الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريراً فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال أيضاً: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن الرومي، فإنه كان يطيل ويفحش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛
стр. 489
لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كل يوم في نقصان لنسيان أو ملل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون المهجو ذا قدر في نفسه وحسبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين.
فمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
ومن الاستحقار والاستخفاف قول زياد الأعجم:
فقم صاغراً يا شيخ جرم فإنما ... يقال لشيخ الصدق: قم غير صاغر
فمن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر؟!!
أأنتم أولى جئتم مع النمل والدبا ... فطار، وهذا شيخكم غير طائر
قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقية خلق الله آخر آخر
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
وأخذ الطرماح منه هذا المعنى فقال:
وما خلقت تيم وعبد مناتها ... وضبة إلا بعد خلق القبائل
ومن الاحتقار أيضاً قول جرير في التيم:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيماً قلت: أيهم العبيد؟
стр. 490
ومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان:
سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقف عليه الهزائم
ألا عوذوه من توالي فتوحه ... عساه ترد العين عنه التمائم
وفيه يقول ابن الرومي:
قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه
كم يعد القرن باللقاء؟ وكم ... يكذب في وعده ويخلفه؟
لا يعرف القرن وجهه، ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
أخذ معنى البيت الأخير من قول الخارجي وقد قال له المنصور: أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا لأعرف.
وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، وقدامة لا يراه هجواً البتة، وكذلك ما جاء من قبل الآباء والأمهات من النقص والفساد لا يراه عيباً، ولا يعد الهجو به صواباً، والناس إلا من لا يعد قلة على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة.
وقد جمع السيد أبو الحسن أنواع الفضائل وسلبها بعض من رأى ذلك فيه صواباً، فقال:
وخل لا سبيل لصرم حبله ... تعرض لي بحتف فرط جهله
ردي الظن لا يأوي لخلق ... ولا يؤوى إليه لسوء فعله
يصدق هاجساً يغري، ويغرى ... بتكذيب العيان لضعف عقله
ويشنأ كل ذي دين وعلمٍ ... وأصل ثابت لفساد أصله
стр. 491
وكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي إحسانه:
إذا لم تجد بداً من القول فانتصف ... بحد لسان كالحسام المهند
فقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ... بمقوله، إن لم يدافعه باليد
ويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
لأنه قد جمع فيه ضروباً من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
ألست كليبياً إذا سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجهه ... أذل لأقدم الرجال من النعل
وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها
قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل
стр. 492
حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.
باب الاعتذار
وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:
العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر خاضع
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:
لم أجن ذنباً فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت:
стр. 493
لا يبعد الله أبا جعفر ... دعابة بت على نارها
وإن تأذيت فيا ربما ... تأذت العين بأشفارها
وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذاً فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
والثانية: أرسماً جديداً من سعاد تجنب
стр. 494
يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وذلك أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بقول أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
إني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب
وأنت كالدهر مبثوثاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب
стр. 495
فليس إلا انتظاري منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب
وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.
واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
وما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ".
ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:
كساني وعبد الفضل ثوباً من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد
следующие страницы →