Полный текст (633 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي إحسانه:
إذا لم تجد بداً من القول فانتصف ... بحد لسان كالحسام المهند
فقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ... بمقوله، إن لم يدافعه باليد
ويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
لأنه قد جمع فيه ضروباً من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
ألست كليبياً إذا سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجهه ... أذل لأقدم الرجال من النعل
وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها
قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل
стр. 492
حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.
باب الاعتذار
وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:
العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر خاضع
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:
لم أجن ذنباً فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت:
стр. 493
لا يبعد الله أبا جعفر ... دعابة بت على نارها
وإن تأذيت فيا ربما ... تأذت العين بأشفارها
وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذاً فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
والثانية: أرسماً جديداً من سعاد تجنب
стр. 494
يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وذلك أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بقول أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
إني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب
وأنت كالدهر مبثوثاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب
стр. 495
فليس إلا انتظاري منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب
وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.
واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
وما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ".
ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:
كساني وعبد الفضل ثوباً من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد
стр. 496
فقال له الفضل على مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: " ورأيك فيما كنت دعوتني " فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه.
وفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر:
أم كنت تعرف آيات فقد جعلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر
والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: " اعتذرت المياه " إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:
شهور الصيف واعتذرت إليه ... نطاق الشيطين من السماء
والقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع ... قال أبو جعفر: يقال " عذرت الدابة " أي جعلت لها عذراً يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزاً بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء.
стр. 497
باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح
كان الأعشى أسير الناس شعراً، وأعظمهم فيه حظاً، حتى كاد ينسى الناس أصحابه المذكورين معه؛ ومثله زهير، والنابغة، وامرؤ القيس؛ وكان جرير نابغة الشعر مظفراً، قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتاً لا أحسب أن أحداً قال أهجى منه، وهو:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
وقال هو:
والتغلبي إذا ننحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
فلم يبق سقاء ولا أمة حتى روته. قال الأصمعي: فحكما له بسيرورة الشعر قال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولي:
وشاطري اللسان مختلق الت ... كريه شاب المجون بالنسك
إلى أن بلغت إلى قولي:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
فنفر نفرة منكرة، فقلت: مالك فقد أفزعتني؟!! فقال: هذا معنى مليح وأنا أحق به، وسترى لمن يروى، ثم أنشدني بعد أيام:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
فقلت: هذه مصالته يا أبا علي، فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟!! وأنت ترى سيرورة بيت أبي نواس كيف نسي معها بيت الخليع، على أن له فضل السبق، وفيه زيادة ذكر القمر، وقد أربى ابن الرومي عليهما جميعاً بقوله:
стр. 498
أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس
وكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس
ولكن بيت أبي نواس أملأ للفم والسمع، وأعظم هيبة في النفس والصدر ولذلك كان أسير.
وفي زماننا هذا قوم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وليس في العرب قبيلة إلا وقد نيل منها، وهجيت، وعيرت؛ فحط الشعر بعضاً منهم بموافقة الحقيقة، ومضى صفحاً عن الآخرين لما لم يوافق الحقيقة، ولا صادف موضع الرمية.
فمن الذي لم يحك فيهم هجاء إلا قليلاً على كثرة ما قيل فيهم: تميم بن مرة، وبكر بن وائل، وأسد بن خزيمة، ونظراؤهم من قبائل اليمن.
ومن الذين شقوا بالهجاء، ومزقوا كل ممزق على تقدمهم في الشجاعة والفضل أحياء من قيس: نحو غنى وباهلة ابني أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسم غنى عمرة، وكانوا موالي عامر ابن صعصعة: يحملون عنهم الديات والنوائب، ونحو محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وجسر بن محارب حالفوا بني عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة على لوم الحلف، ومن ولد طابخة بن إلياس بن مضر: تيم وعكل ابنا عبد مناة بن أد، صادف الشعر سباء كان وقع عليهم في الجاهلية، فاستهانت العرب بهم، وانطبع الهجاء فيهم، وعدى بن عبد مناة، كانوا قطيناً لحاجب بن زرارة، وأراد أن يستملكهم ملك رق بسجل من قبل المنذر، والحبطات، وهم ولد الحارث بن عمرو بن تيم، وسمى الحارث الحبط لعظم بطنه، شبهوه بالجمل الحبط، وهو الذي انتفخ بطنه مما رعى الخلا؛ فأما سلول فقد قال فيهم أبو زياد
стр. 499
الكلابي: كرام من كرام من صعصعة، لم يحالفوا، ولم يدخلوا في صغار، وإنما كلمة عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي شأمتهم يريد قوله: " أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية " قلت: أما عامر فقد قال هذه الكلمة حين دعا عليه النبي ﷺ ، فما يصنع بقول السموأل ابن عادياء:
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
والسموأل في زمان امرئ القيس، وبين امرئ القيس ومبعث رسول الله ﷺ مائة وأربع وخمسون سنة.
قال الجاحظ: لم تمدح قبيلة قط في الجاهلية من قريش كما مدحت مخزوم قال: وكان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم، قال: ولم يكن من أصحابنا وخلفائنا أحظى في الشعر من الرشيد، وقد كان يزيد بن مزيد وعمه معن بن زائدة ممن أحظاه الشعر، ولا أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله تعالى أعظم من أن يكون الرجل ممدوحاً.
قلت أنا: أما هذه النعمة فقد أحلها الله مضاعفة عند السيد أبي الحسن، وقرنها منه بالاستحقاق، فقرت مقرها، ونزلت منزلها المختار لها، وأحيا الله لبني شيبان حمداً لم يشبه ذم، وجوداً لم يعقبه فدم، مما زاد على يزيد، ولم يدع لمعن معنى في الجود.
وقال غيره: كان عمر بن العلاء ممدحاً، وفيه يقول بشار بن برد:
стр. 500
قل للخليفة إن جئته ... نصيحاً ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم
دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم
وله يقول أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
وقد مرت هذه الأبيات فيما مضى من هذا الكتاب.
قال أبو عبيدة: لم يمدح أحد قط بني كليب غير الحطيئة بقوله:
لعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصي الجوار ولا مضاع
هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع
ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع
وكانت قيس تفتخر على تميم؛ لأن شعراءهم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها فأقامت تميم دهراً لا ترفع رءوسها حتى قال لبيد:
أبني كليب كيف تنفي جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب
قتلوا ابن عروة ثم لطوا دونه ... حتى يحاكمهم إلى جواب
يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب
متظاهري حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب
قوم لهم عرفت معد فضلها ... والفضل يعرفه ذوو الألباب
وقال زبان بن منصور الفزاري:
فجاءوا بجمع محزئل كأنهم ... بنو دارم إذ كان في الناس دارم
стр. 501
فتكلمت تميم وافتخرت؛ لمكان هذين الشاعرين العظيمي القدر في قيس، فدل هذا على أن قيساً أحظى بالمدح من تميم.
والأوابد من الشعر الأبيات السائرة كالأمثال، وأكثر ما تستعمل الأوابد في الهجاء، يقال: رماها بآبدة، فتكون الآبدة هنا الداهية، قال الجاحظ: الأوابد الدواهي، ومنه أوابد الشعر، حكاه عن أبي زيد، وحكى: الأوابد الإبل التي تتوحش فلا يقدر عليها إلا بالعفر، والأوابد الطير التي تقيم صيفاً وشتاء، والأوابد الوحش؛ فإذا حملت أبيات الشعر على ما قال الجاحظ كانت المعاني السائرة كالإبل الشاردة المتوحشة، وإن شئت المقيمة على من قيلت فيه لا تفارقه كإقامة الطير التي ليست بقواطع، وإن شئت قلت: إنها في بعدها من الشعراء وامتناعها عليهم كالوحش في نفارها من الناس.
وأما المجدودون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك فمنهم: سلم الخاسر مات عن مائة ألف دينار، ولم يترك وارثاً، وأبو العتاهية صنع:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
وكان صديقه جداً، فقال سلم: ويلي من ابن الفاعلة، جمع القناطير من الذهب ونسبني إلى ما ترون من الحرص، ولم يرد ذلك أبو العتاهية، لكن دعاه يعجبه كما يفعل الصديق مع صديقه، ومروان بن أبي حفصة: أعطى مائة ألف دينار غير مرات، وكان لا يقابل إلا بالكثير، وهو لعمري من ذوي البيوتات، والمعوقين في التكسب بالشعر، وكان أبو نواس محظوظاً لا يدري ما وصل إليه، لكنه كان متلافاً سمحاً، وكان يتساجل في الإنفاق هو وعباس بن الأحنف وصريع الغواني، وكان البحتري ملياً قد فاض كسبه من الشعر، وكان يركب في موكب من عبيده، وأبو تمام فما وفى
стр. 502
حقه مع كثرة ما صار إليه من الأموال؛ لأنه تبذل، وجاب الأرض، وكذلك أبو الطيب.
باب ما أشكل من المدح والهجاء
أنشدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، لرجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم:
تضيفني وهنا، فقلت: أسابقي ... إلى الزاد؟ شلت من يدي الأصابع
ولم تلق للسعدي ضيفاً بقفرة ... من الأرض إلا وهو عريان جائع
لم يرد أنه يسبق ضيفه إلى الزاد فيكون قد هجا نفسه، ولكنه وصف ذئباً لقيه ليلاً، فقال: أتسبقني أنت إلى الأكل؟ أي: تأكلني، شلت إذاً أصابعي إن لم أرمك فأقتلك فآكل من لحمك!! ثم قال على جهة المثل: لم تلق للسعدي يعني نفسه ضيفاً بقفزة لا مستعتب فيها يعني الذئب إلا وهو جائع، يقول: فهو لا يبقي علي لأني بغيته.
ومن أناشيدهم:
أبوك الذي نبئت يحبس خيله ... غداة الندى حتى يجف لها البقل
قالوا: إذا أخذ مطر الصيف الأرض أنبتت بقلاً في أصول بقل قد يبس فذلك الأخضر هو النشر، وهو الغمير، فتأكله الإبل، فيأخذها السهام، ولا سهام في الخيل؛ فعابه بالجهل بالخيل.
وقال الأصمعي: هذا القول خطأ، بل مدحه بمعرفة الخيل؛ لأن النشر مؤذٍ لكل من يأكله وإن لم يكن ثم سهام.
وقال سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي ﵄، وذكر آل رسول الله ﷺ ، ويروي للفرزدق:
стр. 503
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي إلا بعد أن جنيت علي؛ وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى، كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعاً صحيحان؛ لأنه من الأضداد.
وينشدون قول الآخر:
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
ويروى:
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا كل كلب لا أبا لك نابح
قالوا: فالمدح أن يكون إنما يكعمه لئلا يعقر الضيوف، والذم أن يكون ذلك لئلا ينبح فيدل عليه الضيف، وأنا أعرف هذا البيت في هجاء محض للراعي هجا به الحطيئة، وهو:
ألا قبح الله الحطيئة؛ إنه ... على كل من وافى من الناس سالح
ويروى: على كل ضيف ضافه فهو سالح
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
بكيت على مذق خبيث قريته ... ألا كل عبسي على الزاد نائح
وأنشدنا أبو عبد الله:
تجنبك الجيوش أبا خبيب ... وجاد على منازلك السحاب
ويروى: أبا ربيب قال: إن دعا له فإنما أراد أن يعافي من الجيوش، وأن يجوده السحاب فتخصب أرضه، وإن دعا عليه قال: لا بقي لك خير تطمع فيه الجيوش، فهي تتجنب ديارك لعلمهم بقلة الخير عندك، ويدعو على محلته بأن تدرسها الأمطار.
стр. 504
وقال غيره: معناه جاد على محلتك السحاب فأخصبت ولا ماشية لك، فذلك أشد لهمك وغمك، ويكون المعنى حينئذ كقول الآخر:
وخيفاء ألقى الغيث فيها ذراعه ... فسرت وساءت كل ماش ومصرم
أي: فسرت كل ماشية، وساءت كل فقير.
وأنشد أبو عبد الله أيضاً:
إني على كل إيسار ومعسرة ... أدعو حبيشاً كما تدعى ابنة الجبل
وروى المبرد: أدعو حنيفاً يريد أنه يجيب بسرعة كالصدى، وهو ابنة الجبل، وقيل: ابنة الجبل الصخرة المنحدرة من أعلاه، وزاد أبو زيد في روايته بيتاً، وهو:
إن تدعه موهناً يعجل بجابته ... عاري الأشاجع يسعى غير مشتمل
فهذا مدح لا محالة، ومنهم من حمله على قول الآخر:
كأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا
ورواه قوم: بني سليم فمن مدح جعله كالأول في سرعة الإجابة، ومن ذم نسبهم إلى الثقل عن إجابته مثل الجبال.
ومن الدعاء الذي يدخل في هذا الباب قول الآخر:
تفرقت غنمي يوماً فقلت لها: ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
قيل: إنهما إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر، وإذا تفرقا آذيا، وقيل: إن معناه في الدعاء عليها قتل الذئب الأحياء عيثاً، وأكل الضبع الأموات، فلم يبق منها بقية.
ومن لطيف ما وقع في هذا الباب قول النابغة الذبياني:
يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان
стр. 505
لم يرد أنه يغلب الثنيان ولا يغلب الفحل، لكن أراد التصغير بالذي هجاه، فجعله ثانياً، وقال الآخر:
ومن يفخر بمثل أبي وجدي ... يجئ قبل السوابق وهو ثاني
أراد وهو ثان من عنانه؛ لأنه يسبق متمهلاً.
وقال ابن مقبل:
إن الرفاق أناخوا حول منزله ... حلوا بذي فجرات زنده واري
قال ابن السكيت " بذي فجرات " أي: يتفجر بالسخاء والعطاء، ويدل على ما قال ابن السكيت أن لصيق هذا البيت:
جم المخارج، أخلاق الكريم له، ... صلت الجبين، كريم الخال مغوار
ومما يمدح به ويذم قولهم " هو بيضة البلد " فمن مدح أراد بها أصل الطائر، ومن ذم أراد أنها لا أصل لها، قالت أخت عمرو بن عبدود في علي بن أبي طالب ﵁ لما قتل أخاها:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لقد بكيت عليه آخر الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضة البلد
فهذا مدح كما تراه.
وقال الراعي النميري يهجو عدي بن الرقاع العاملي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة ن ترضى لكم نسباً ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وأنشد بعض العلماء:
وإني لظلام لأشعث بائس ... عرانا، ومقرور بري ماله الدهر
وجار قريب الدار، أو ذي جناية ... غريب بعيد الدار ليس له وفر
يظنه السامع هجا نفسه بظلم هؤلاء الذين ذكر، إنما مدحها بأنه يظلم
стр. 506
الناقة فينحر فصيلها من غير علة ولا داء، إلا لضيافة هذا الأشعث، والجار وأشباههما.
٨٤ - باب في أصول النسب وبيوتات العرب
أول النسب بعد آدم ﷺ من نوح ﵇؛ لأن جميع من كان قبله قد هلك، وإنما بقي من ولده سام، وحام، ويافث، فولد يافث الصقالبة وبرجان والأشبال، وكانت منازلهم أرض الروم، من قبل أن تكون الروم، ومن ولده الترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج؛ وولد حام كوش وكنعان وقوط؛ فأما قوط فنزل أرض الهند والسند فأهلها من ولده، وأما كوش وكنعان فأجناس السودان، والنوبة، والزنج، والزعارة، والحبشة، والقبط، وبربر من أولادهما؛ وولد سام إرم، وإر فخشذ، فعاد بن عوص بن إرم، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم، ومنهم العماليق، ومنهم فراعنة مصر، والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأجناس الفرس كلها ولده، وثمود بن عابر بن سام، وماش بن إرم نزل ببابل، ومن ولده نمرود الذي فرق الله الألسنة في زماته، وهو الذي بنى الصرح ببابل، ويقال: إن النبط من ولد ماش؛ ويقال أيضاً: إنهم من ولد شاروخ بن فالغ بن إرفخشذ، والأنبياء كلها عربيها وعجميها، والعرب كلها يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح، حكى جميع ذلك ابن قتيبة، ومن ولد إرفخشذ قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ، وكان مسكن قحطان اليمن، فكل يمان من ولده، فهم من العرب العاربة. ويقطن بن عابر، وهو أبو جرهم، وكانت مساكن جرهم اليمن، ثم نزلوا مكة فسكنوا بها، وتزوج إسماعيل ﷺ امرأة منهم؛ فهم أخوال العرب المستعربة.
قال الزبير بن بكار: العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة،
стр. 507
وبطن، وفخذ، وفصيلة: فمضر شعب، وربيعة شعب، ومذحج شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها: أسد قبيلة، ودودان بن أسد عمارة، والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل: كنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
وزعم أبو أسامة فيما رأيت بخطه، وقد عاصرته، وكان علامة باللغة أن تأليف هذه الطبقات على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع؛ فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من فبلته، ثم العمارة، قال: والعمارة الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال: وهي الساق، أو قال: المفصل، الشك مني أنا، قال: والحي أعظم من الجميع؛ لاشتمال هذا الاسم على جملة الإنسان.
وأما أبو عبيدة فجعل بعد الفخذ العشيرة، قال: وهم رهط الرجل دنيا ثم الفصيلة، قال: دون ذلك بمنزلة المفصل من الجسد، وهم أهل بيت الرجل، فأما البيوتات فكل يدعي لنفسه سابقة، ويمت بفضيلة، غير أن الصحيح ما اتفق عليه العلماء، وتداوله الرواة.
قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر والبيت والفرسان في شيبان.
стр. 508
قال ابن سلام الجمحي: كان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان.
قال أبو عبيدة: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعد ولا أكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة، وكان يقال له: الأغر والحصن، وبنوه شيبان، وذهل، وقيس، وتيم الله. قال: ففارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحاكمهما هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المري، وشاعرها النابغة الذبياني، وفارس بني تميم عتيب بن الحارث بن شهاب أحد بني يربوع، وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري، وفارس دارم عمرو ابن عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن أعبد المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصن الضبي، وفارس قيس عامر بن طفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس.
قال أبو عبيدة: بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة.
وقال أبو عمرو بن العلاء:
بيت بني سعد اليوم إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن
стр. 509
عمرو الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس.
قال: وليس في العرب جساس غيره.
قال الجمحي: فارس اليمن في بني زبيد عمرو بن معدي كرب، وشاعرها امرؤ القيس، وبيتها في كندة الأشعث بن قيس، لا يختلف في هذا، وإنما اختلف في نزار.
قال: وأما الشرف فما كان قبل النبي ﷺ إلى عهد النبي واتصل في الإسلام.
قال أبو إياس البصري: كان بيت قيس في آل عمرو بن ظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع؛ ثم تحول إلى بني بدر، فجاء الإسلام وهو فيهم.
وقال الأخفش علي بن سليمان: فرعا قريش هاشم وعبد شمس، وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر، وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع، وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وبكر ابنا كلاب، وفرعا قضاعة عذرة والحارث بن سعد.
باب مما يتعلق بالأنساب
قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل: كعب بن لؤي بن عبد مناف وبنو عبد الدار وعبد العزى ابنا قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة وبنو تيم بن مرة، وبنو جمح وسهم ابنا هصيص بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤي.
стр. 510
وقريش الظواهر: بنو محارب والحارث ابنا فهر، وبنو الدرم بن غالب ابن فهر، وعامة بني عامر ابن لؤي، وغيره.
كان يقال: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملك، ومذحج مذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: أحدهما ذهل بن شيبان بن ثعلبة ويشكر، والآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، واللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللات، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن أسد بن ربيعة.
الأحابيش: حلفاء قريش.
قال ابن قتيبة: هم بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة: اجتمعوا بذنب حبشي وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه.
وقال حماد الراوية: إنما سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش: هو التجمع في كلام العرب.
المطيبون: عبد مناف، وزهرة، وأسد بن عبد العزى، وتيم، والحارث بن فهر، وعبد قصي.
الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، وعبد الدار.
سموا أولئك المطيبين لخلوق صنعته لهم أم حكيم فغمسوا أيديهم فيه، وسموا الآخرين أحلافاً لجزور نحروه، فدافوا دمه في جفنة فمسوه بأيديهم ولعقوا منه، وسموا " الأحلاف " و " لعقة الدم ".
والأراقم: جشم، ومالك، وعمر بن ثعلبة، ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، قال أبو علي: ليس في العرب نصراني غيره.
стр. 511
البراجم: خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، وكلفة، والظليم، وهو مرة؛ تبرجموا على إخواتهم يربوع وربيعة ومالك، وكلهم أبوهم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة.
الثعلبات: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وأضاف إليهم قوم ثعلبة بن يربوع.
والرباب: هم ضبة بن أدبن طابخة، وتيم، وعدي، وعوف وهو عكل وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أدبن طابخة.
الأجارب: خمس قبائل من بني سعد: وهم ربيعة، ومالك، والحارث وهو الأعرج وعبد العزى، وبنو حمار.
والحرام: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة.
الضباب: هم أربعة بطون من بني كلاب: ضب، وضبيب، وحسل، وحسيل، بنو معاوية بن كلاب، كذا زعم ابن قتيبة وغيره.
وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: هم بنو عمرو بن معاوية بن كلاب، وإنما سموا ضباباً لأنه سمى فيهم ضباً وحسلاً وحسيلاً، فقال له الرجل وسمعه يهتف بهم: والله ما بنوك هؤلاء إلا الضباب، فسموا الضباب إلى اليوم؛ قال: ومن ولد عمرو بن معاوية بن كلاب: ضب، وحسل، وحسيل، وحصن، وحصين، وخالد، وعبد الله، وقاسط، والأعرف، وتولب، وشقيق، وخزيم، والوليد، وزهير؛ فهؤلاء أربعة عشر لم تدرج منهم قبيلة، وهم الضباب جميعاً.
стр. 512
الأكابر: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
بنو أم البنين: عامر، والطفيل، وربيعة، وعبيدة، ومعاوية، بنو مالك بن جعفر بن كلاب، هكذا عند أكثر الناس، قالوا:
وإنما اضطرت القافية لبيداً فجعلهم أربعة وهم خمسة.
وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: إن بني أم البنين أربعة، كما قال لبيد: ابتكرت عامراً ملاعب الأسنة، وثنت بالطفيل، ثم تزوج عليها مالك سلامة السلمية، فغارت أم البنين وأسقطت له ثلاثة ذكوراً، وجاءت السلمية بثلاثة، وهم: سلمى، وعبيدة، وعتبة، فأدار مالك الحيلة على أم البنين وأخيها زهير بن خداش بن زهير، حتى أخذ عليها حكماً بأن لا تسقط ولداً وكانت حاملاً فولدت معاوية معوذ الحكماء، ثم ثنت بربيعة أبي لبيد، وزعم بعض شيوخه الذين أخذ عنهم أنه سمي معوذ الحكماء من أجل أنه تولى حكماً عن زهير بن عمرو على أخيه، وروى أبيات معاوية التي من أجلها سمي معوذ الحكماء
стр. 513
لزيد الخيل، غير أنه لم ينشد البيت، وزعم أنه ناقض بها طفيلاً الغنوي.
قال: وأم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء.
الكملة: بنو زياد العبسيون، وهم: أنس الحفاظ، ويقال له أيضاً: أنس الفوارس، وعمارة الوهاب، وربيع الكامل، وقيس الجواد، هكذا رويناه عن النحاس.
قال المبرد وغيره: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.
الحمس: هم قريش، وكنانة، ومن دان بدينهم من بني عامر بن صعصعة.
قال أبو عمرو بن العلاء: الحمس من بني عامر: كلاب، وكعب، وعامر، بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت التيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وكانوا في الجاهلية يتحمسون في أديانهم، أي: يتشددون، لا يستظلون أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وقيل: سموا حمساً لشدة بأسهم، ويعدون في الحمس خزاعة.
العنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، وعمرو، وأبو عمرو، بنو أمية بن عبد شمس.
والأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، وبنوه أيضاً.
أم القبائل: هند بنت تميم بن مر، ولدت لعمرو بن قاسط تيم الله، وأوس الله، وعائذ الله؛ وولدت لوائل بن قاسط بكراً، وتغلب، وعنزاً، وقيل: هو عنز بن وائل؛ وولدت لعبد القيس بن قصي اللبوك بن عبد القيس، وبعضهم يقول: اللبوء بالهمز وبضم الباء وفيه اختلاف بين العلماء.
الجمرات: جمرات العرب: ضبة، وعبس، والحارث بن كعب؛ سموا بذلك
стр. 514
لأن أمهم الخشناء بنت برة فيما يقال رأت في المنام كأن ثلاث جمرات خرجت منها، قال أبو عبيدة: فطفئت من الجمرات اثنتان: الحارث بن كعب حالفت في غطفان، وضبة حالفت الرباب وسعداً، وبقيت عبس لم تطفأ؛ لأنها لم تحالف، وأما الجاحظ فجعلها عبساً وضبة ونميراً. وأشار إلى أن في تميم جماراً أيضاً، وصرح بذلك المفضل، فقال: هم بنو يربوع، وزعم الفرزدق أنهم بنو العدوية، نسبو إلى أمهم، وهم زيد، وصدى، وجشيش، بنو مالك بن حنظلة، وزعم آخرون أنهم بنو مالك بن خزيمة بن تميم بن جل بن عبد مناة بن أد، غير أنهم جعلوا مكان جشيش يربوعاً، ومن الجمرات التي لم تطفأ عند بعضهم نمير بن عامر بن صعصعة؛ لأنهم لم يحالفوا أحداً من العرب.
قال الجاحظ: إنما قيل لكل واحد منها جمرة؛ لأنهم تجمعوا حتى قووا على عدوهم واشتدوا، قال: ويجوز أن يكون اشتقاقه من تجمير المرأة شعرها، وإذا ضفرته قيل: قد جمرته؛ وقال غيره: ومنه " خف مجمر " إذا كان مجتمعاً شديداً.
طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة عوفاً، وأبا سود، وربيعة، وآخر لم يعرفه ابن الكلبي، فعرف أولادها بها.
والموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ابن العم والقرابة. قال الشاعر:
نبئت حياً على نعمان أفردهم ... مولى اليمين ومولى الدار والنسب
باب ذكر الوقائع والأيام
قد أثبت في هذا الباب ما تأدى إلى من أيام العرب ووقائعهم، مستخرجة من النقائض وغيرها، ولم أشرط استقضاء وغيرها، ولم أشرط استقضاءها، ولا ترتيبها؛ إذ كان في أقل مما
стр. 515
جئت به غني ومقنع، ولأن أبا عبيدة ونظراءه قد فرغوا مما ذكرت؛ فإنما هذه القطعة تذكرة للعالم، وذريعة للمتعلم، وزينة لهذا الكتاب، ووفاء لشرطه، وزيادة لحسنه؛ إذ كان الشاعر كثيراً ما يؤتى عليه في هذا الباب، وأنا أذكر ما علمته من ذلك في أقرب ما أقدر عليه من الاختصار إن شاء الله تعالى، بعد أن أقدم في صدره أيام رسول الله ﷺ ووقائعه مع المشركين؛ لأنه أولى بالتقديم، وأحق بالتعظيم، ولما أرجوه من بركة اسمه، وافتتاح القصص بذكره.
غزا رسول الله ﷺ غزوة ودان على رأس الحول من الهجرة، ثم غزا عيرا لقريش بعد شهر وثلاثة أيام، ثم غزا في طلب كرز بن حفص حتى بلغ بدراً بعد عشرين يوماً، ووجهت القبلة إلى الكعبة، تم غزا بدراً فكان يوم بدر لستة عشرة يوماً خلت من شهر رمضان من سنة اثنتين، وكان المشركون يومئذ تسعمائة وخمسين رجلاً، والمسملون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين خمسون رجلاً، وأسر أربعة وأربعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً.
يوم أحد: كان في شوال من سنة ثلاث. وكان رسول الله ﷺ في سبعمائة، وقريش في ثلاثة آلاف، وفي هذه الغزوة استشهد حمزة ﵁.
يوم الخندق: كان في سنة أربع يوم بني المصطلق وبني لحيان: في شعبان سنة خمس يوم خبير: في سنة ست وكان يوم مؤتة في سنة ثمان، واستشهد فيه زيد بن حارثة أمير الجيش، وجعفر بن أبي طالب أمير الجيش أيضاً بعده، وعبد الله بن رواحة
стр. 516
أمير الجيش بعدها، وقام بأمر الناس خالد بن الوليد، وكانوا في ثلاثة آلاف.
وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، وبعده بخمس عشرة ليلة سار إلى حنين في شوال، ولقي رسول الله ﷺ جمع هوزان في شوال للنصف منه، فانهزم المسلمون، وكان الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ : علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، وأيمن بن عبد الله، وهو ابن أم أيمن، واستشهد ذلك اليوم، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة، وفي رواية أخرى أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن، وأسامة، ثم رجع الناس من وقتهم، وانهزم المشركون، وكانت الكرة عليهم لله ولرسوله.
ثم سار بعد حنين إلى " الطائف " فحاصرها شهراً، ولم يفتتحها، وغزا بلدة الروم في رجب من سنة تسع؛ فبلغ تبوك وبنى بها مسجداً، وهو بها اليوم وفتح الله عليه في سفره ذاك دومة الجندل على يدي خالد بن الوليد، وكل هذا مختصر من كتاب ابن قتيبة، وإياه قلدت فيما رأيت من هذه الطريقة، والله المستعان، وعليه توكلت وهذه أيام العرب: يوم " إراب " لبني ثعلبة بن بكر: رئيسهم الهذيل بن حسان، على بني رياح بن يربوع، وكان الهذيل سبي نساء بني
стр. 517
رياح، والتقى بهم على إراب، وقد سبقه بنو رياح إليه ليمنعوهم الماء، حتى يرد السبي، فأقسم الهذيل: لأن رددتم إلينا ماء فارغاً لنأتيهم فيه برأس إنسان تعرفونه فاشتروا منه بعض السبي، واطلق البعض.
يوم " نعف فشاوة " لبسطام بن قيس رئيس بني شيبان، على بني يربوع، قتل فيه بجيراً، وأسر أباه أبا مليل، ثم من عليه من وقته، وترك له مليلاً ولده، وكان أسيراً عنده بعد أن كساه وحمله: يوم " نجران " للأقرع بن حابس في قومه بني تميم، على اليمن، هزمهم وكانوا أخلاطاً، وفيهم الأشعث بن قيس، وأخوه، وفيهم ابن باكور الكلاعي الذي أعتق في زمان عمر بن الخطاب ﵁ أربعة آلاف أهل بيت في الجاهلية أسروا.
يوم " الصمد " هو يوم " طلح " ويوم " بلقا " ويوم " أود " ويوم " ذي طلوح " كلها يوم واحد، لبنى يربوع على بني شيبان ورئيسهم الحوفزان، ورئيس اللهازم أبجر بن بجير العجلي.
يوم طخفة وهو أيضاً يوم " ذات كهف " ويوم " خزار " في قول بعضهم لبني يربوع والبراجم على المنذر بن ماء السماء، أسروا فيه أخاه حسان، وابنه قابوس، وجزت ناصية قابوس، وكان ذلك بسبب إزالة الردافة عن عوف بن عتاب الرياحي.
стр. 518
يوم " المروت ": وهو يوم " إرم الكلبة " نقاً قريب من النباج، لبني حنظلة وبني عمرو بن تميم، على بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان الذكر فيه لبني يربوع، وإنما أغارت قشير على بني العنبر فاستنقذ بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر.
يوم مليحة: لبني شيبان على بن يربوع، رئيسهم بسطام بن قيس، وقتل ذلك اليوم عصمة بن النجار، فلما رآه بسطام قال: ما قتل هذا إلا لتثكل رجلاً أمه، فقتل به يوم العظالي قاتله الهبش بن المقعاس يوم اللوي: لفزارة على هوزان، وفيه قتل عبد الله بن الصمة، وأثخن أخوه دريد يوم الصليفاء: لهوازان على فزارة وعبس وأشجع، وفيه قتل دريد بأخيه ذؤاب بن أسماء.
يوم الهباءة: وهو يوم الجفر لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة
стр. 519
بن بدر وأخوه حمل سيدا بني فزارة، وكان يقال لحذيفة رب معد.
يوم عراعر: لعبس على كلب وذبيان، وفيه قتل مسعود بن مصاد الكلبي، وكان شريفاً.
يوم الفروق: بين عبس وبني سعد بن زيد مناة، قاتلوهم فمنعت عبس أنفسها وحريمها، وخابت غارة بني سعد، وقيل لقيس بن زهير ويقال عنترة: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل ولم نقل فنذل.
يوم شعب جبلة: قال أبو عبيدة: كانت عظام أيام العرب ثلاثة: يوم كلاب ربيعة، ويوم شعب جبلة، ويوم ذي قار، وكان يوم الشعب لبني عامر بن صعصعة وعبس حلفائهم على الحليفين أسد وذبيان، ورئيسهم حصن بن حذيفة يطلب عبساً بدم أبيه، وتطلب عبس بن بغيض بدم أبيهم، ومعهم معاوية بن الجون الكندي في جمع من كندة، وعلى بني حنظلة بن مالك والرباب رئيسهم لقيط بن زرارة يطلب بدم معبد أخيه، ويثربي بن عدس ومعهم حسان بن الجون أخو معاوية وقيل: بل عمرو بن الجون وحسان بن مرة الكلبي أخو النعمان ابن المنذر لأمه.
وقال غير أبي عبيدة: كان مع أسد وذبيان معاوية بن شرحبيل بن الحارث
стр. 520
بن عمرو بن آكل المرار، ومع بني حنظلة والرباب حسان بن عمرو بن الجون في جموع من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون مع الملوك بالحيرة وغيرها، وهم الرابطة، وجاءت بنو تميم فيهم لقيط وحاجب وعمرو بن عمرو، ولم يتخلف منهم إلا بنو سعد؛ لزعمهم أن صعصعة هو ابن سعد، ولم يتخلف من بني عامر إلا هلال بن عامر بن ربيعة بن عامر، وشهدت غني وباهلة وناس من بني سعد بن بكر وقبائل بجيلة إلا قشيراً، وشهدت بنو عبس بن رفاعة ابن بهثة بن سليم مرداس بن أبي عامر أبو العباس بن مرداس صاحب النبي ﷺ ، وشهد معهم نفر من عكل، فانتهى جميع أهل الشعب يومئذ ثلاثين ألفاً.
وجاء الآخرون عدد لا يعلمه إلا الله ، ولم يجتمع قط في الجاهلية جمع مثله، فانهزمت تميم وذبيان وأسد وكندة ومن لف لفهم، وقتل لقيط بن زرارة، طعنه شريح بن الأحوص، فحمل مرتثا فمات بعد يوم أو يومين، وأسر حسان بن الجون أسره طفيل بن مالك، وأسر معاوية بن الحارث بن الجون، أسره عوف بن الأحوص، وجر ناصيته وأطلقه على الثواب، ولقيه قيس بن زهير فقتله، وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرقيبة مالك بن سلمة بن قشير، وأسر عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجز ناصيته وأطلقه على الثواب، وكان يوم جبلة قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة، وقبل مولد النبي ﷺ بسبع عشرة سنة، وفي يوم الشعب ولد عامر ابن الطفيل، هكذا روى محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، وروى عنه غيره خلاف ذلك.
يوم أقرن: لبني عبس على بن تميم، وبخاصة بني مالك بن مالك بن حنظلة، وفي هذا اليوم قتل عمرو بن عمرو بن عدس، وابنه شريح، وأخوه ربعي، وكان عمرو بن عمرو خرج مراغماً للنعمان بن المنذر، فسبي سبياً من
стр. 521
عبس، وغنم مالاً، وابتنى بجارية من السبي، فأدركته عبس فكان من أمره ما كان.
يوم زبالة: لبني بكر بن وائل، وبخاصة بني شيبان وبني تميم الله، رئيسهم بسطام، علي بني تميم ورئيسهم الأقرع بن حابس، أسر فيه الأقرع وأخوه فراس، واستنقذهما بسطام بعد أن حكم عليه عمران بن مرة بمائة ناقة.
يوم جدود: لبني سعد بن زيد مناة علي بن شيبان، وكانت بنو شيبان أغارت مع الحوفزان على سعد، فأدركهم قيس بن عاصم المنقري فقتلهم واستنقذ ما كان في أيديهم، وفاته الحوفزان لصلابة فرسه، فلما يئس من أسره حفزه بالرمح في خزانة وركه فانتقضت عليه بعد حول فمات منها
وسالمت في هذا اليوم بنو يربوع الجيش على تمر أخذوه منهم وفضل ثياب، فعيرتهم بذلك منقر.
يوم الكلاب الأول لسلمة بن الحارث بن عمرو المقصور، ومعه بنو تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه شرحبيل
стр. 522
ابن الحارث بن عمرو ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك وبنو أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، ولم يكونوا ذلك الوقت يدعون رباباً، وإنما ترببوا بعد ذلك، حكاه أبو عبيد، فقتل شرحبيل: قتله أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي، ويقال: بل قتله ذو الثنية حبيب بن عتبة الجشمي، وكانت له سن زائدة، وهو أخو أبي حنش لأمه، وهي سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي مهلهل، هكذا أثبتوا في هذا الموضع أن عديا أخو مهلهل، ويسمى الكلاب الأول أيضاً.
يوم الشعيبة وهو يوم الكلاب الثاني لبني تميم وبني سعد والرباب رئيسهم قيس بن عاصم، على قبائل مذحج في نحو اثني عشر ألفاً رئيسهم زيد بن المأمور؛ وهو مذحج وهمدان وكندة، وفي هذا اليوم أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي وهتم فم سمي بن سنان، بعد أن أسر رئيس كندة: هتمه قيس بن عاصم بقوسه، وانتزع عبد يغوث من يدي الأهتم بعد أن شرط المأسور لموصله إليه مائة ناقة من الإبل، انتزعه التيم فقتلوه برئيسهم النعمان بن جساس، وكان قد قتل ذلك اليوم، وسمي الكلاب الثاني أيضاً.
يوم حر الدوابر قال أبو عبيدة: لم يشهد من تيم إلا الرباب وسعد خاصة، وكان الغناء من الرباب لتيم، ومن سعد لمقاعس يوم ذي بيض أغار الحوفزان على بني يربوع فسبى نسوة منهم، فأصرختهم بنو مالك بن حنظلة، واستنقذوا النسوة، وأسروا الحوافزان: أسره حنظلة بن بشر بن عمرو، وزعم قوم أن هذا اليوم يوم الصمد.
стр. 523
يوم عاقل: لبنى حنظلة على هوازن، وفيه أصر الصمة بن الحارث ابن جشم، وهزم جيشه، وكان الذي أسره الجعد بن الشماخ أحد بني عدي بن مالك بن حنظلة، ثم أطلقه بعد سنة، وجز ناصيته على أن يثيبه، فأتاه على الثواب فضرب الصمة عنقه، ثم غزا بني حنظلة ثانية فأسره الحارث ابن نبيه المجاشعي، وأسر رجل من بني أسد وكان نزيلاً عند ابن أخت له في بني يربوع ابناً للصمة، فافتدى الصمة نفسه، ومضى مع ابن نبيه في فداء ابنه إلى الأسدي النازل في بني يربوع، فطعنه أبو مرحب بالسيف فقتله؛ لشيء كان بينهما عند حرب بن أمية، فبنو مجاشع تعير بذلك.
يوم عينين: لبني نهشل على عبد القيس، منعوا فيه بني منقر وقد خرجوا ممتارين من البحرين، فعرضت لهم عبد القيس، واستغاثوا ببني نهشل فحموهم واستنقذوهم.
يوم قلهي: منعت بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بني عبس الماء وغلبتهم عليه بعد إصلاح فزارة ومرة، حتى أخذوا دية عبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع.
يوم بزاخة: لبني ضبة على محرق الغساني وأخيه فارس مودود، أغارو
стр. 524
على بني ضبة ببزاخة في طوائف من العرب من إياد وتغلب وغيرهما، فأدركتهم بنو ضبة، فأسر زيد الفوارس محرقاً، وأسر أخاه حنش بن الدلف ثم قتلاهما بعد أن هزم من كان معهما، وقتل معهما عدة.
يوم إضم: لبني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة على الحارث ابن مزيقيا الملك الغساني، وهو عمرو بن عامر، وفيهم كان ملك عسان بالشام في آل جفنة ... علثة بن عمرو قتل بني عائذة قتلاً ذريعاً، وفي ذلك اليوم قتل الرديم وحمل رجل من بني عائذة بن قيس يدعى عامر. بن ضامر فقال: والله لأطعنن طعنة كمنخز الثور النعر، ثم قصد ابن مزيقيا فطعنة فقتله وانهزم أصحابه هزيمة فاحشة، وزعم قوم أن هذا اليوم هو يوم بزاخة.
وقال آخرون: بل كانت الواقعة مع عبد الحارث من ولد مزيقيا، وزعم غيرهم أيضاً أنها مع مزيقيا نفسه لا مع ولده، والله أعلم.
يوم نقا الحسن: الحسن شجر، سمي بذلك لحسنه، وقيل: هو جبل، وهذا اليوم لبني ثعلبة بن سعد بن ضبة على بكر بن وائل، وفيه قتل بسطام بن قيس: قتله عاصم بن خليفة أخو بني صباح، وكان رجلاً أعسر فأصاب صدغه الأيسر حتى نجم السنان من الصدغ الأيمن.
يوم أعيار: وهو أيضاً يوم النقيعة لبني ضبة على بني عبس، وفيه قتل عمارة الوهاب: قتله شرحاف بن المثلم بابن عم له يدعى مفاضلاً كان عمارة قد قتله وانطوى خبره، ثم سمع شرحاف ذكره على شراب، وكان حينئذ غلاماً، فحين شب أخذ بثأر عمه يوم النقيعة، واستنقذت بنو ضبة إبلها من عبس، وقد كانوا أدركوهم في المراعي.
стр. 525
يوم رحرحان الأول: غزا يثربي بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بني عامر بن صعصعة، وعلى بني عامر قريط بن عبيد بن أبي بكر، وقتل يثربي.
يوم رحرحان الثاني: لبني عامر بن صعصعة، ورئيسهم الأحوص، على بني دارم، وفي ذلك اليوم أسر معبد بن زرارة: أسره عامر بن مالك وأخوه طفيل وشاركهما في أسره رجل من غنى يقال له: أبو عميرة عصمة بن وهب وكان أخا طفيل من الرضاعة، وفي أسرهم مات معبد، شدوا عليه القد وبعثوا به إلى الطائف خوفاً من بني تميم أن يستنقذوه، كان هذا كله بسبب قتل الحارث بن ظالم المري من مرة بن سعد ذبيان خالد بن جعفر غدراً عند الأسود بن المنذر وقيل: عند النعمان والتجائه إلى زرارة بن عدس، فلما انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم، وكان بين يوم رحرحان وغزوة جبلة سنة واحدة.
يوم ضرية: اختلفت سعد والرباب على بني حنظلة، وكان بنو عمرو ابن تميم حالفوا بكر بن وائل، فضاقت حنظلة بسعد والرباب، فساروا إلى عمرو بن تميم فردوهم وحالفوهم، ثم جمعوا لسعد والرباب ورئيسهم يومئذ ناجية بن عقال، ورئيس سعد والرباب قيس بن عاصم، فقال ابن خفاف لسعد والرباب: من لعيال عمرو وحنظلة إن قتلتم مقاتلتهم؟ قالوا: نحن، قال: فمن لعيالكم إن قتلوا مقاتلتكم؟ قالوا: هم، قال: فدعوهم لعيالهم وليدعوكم لعيالكم، وتكلم الأهتم بمثل ذلك ورجال من أشراف سعد، وساروا إلى عمرو وحنظلة إلى النسار من حمى ضرية، ناجية بن عقال والقعقاع بن معبد بن زرارة وسنان بن علقمة بن زرارة إلى الصلح، وأبى ذلك مالك بن نويرة يوم النسار: وذلك أن عامر بن صعصعة ومن معهم من هوازن
стр. 526
انتجعوا بلاد سعد والرباب، وهم يمتون إليهم برحم؛ لأنهم يزعمون أن صعصعة أبا عامر هو ولد سعد بن زيد بن مناة بن تميم.
وقال آخرون: إنما غضبوا على سعد لما أنهب المعزى بعكاظ، فلحق ببني أمه ولد معاوية بن بكر وهوازن، وكان سعد قد فارقها بعد أن ولدت له صعصعة وتزوجها معاوية بن بكر فضمن سعد والرباب الأهتم، واسمه سنان بن سمي بن سنان، وقيل: سمي بن سنان، وضمن هوازن مرة بن هبيرة، فسرقت خيل لذي الرقيبة، ثم اعترفت بعد ذلك بيسير عند الحنيف المنتجف، اعترفها بعض القشيريين، فضربه القشيري على ساعده، وضربه الحنيف فقتله، فأرادت هوازن القود من الرباب، فطلبهم بذلك ضامن سعد، فأبت الرباب إلا الدية، ففارقتهم سعد، وضافرت هوازن، فاستمدت بنو ضبة أسداً وطيئاً والتقوا بالنسار، فعبأت أسد لسعد والرباب لهوازن، فانهزمت هوازن وسعد، وكان حامي أدبار بني عامر يومئذ قدامة بن عبد الله القشيري، فرماه ربيعة بن أبي وكان أرمى الناس فقتله، فلما رأت ذلك بنو عامر منه وسائر هوازن سألوا أن يؤخذ منهم شطور أموالهم وسلاحهم، وقبل ذلك منهم، وهذا يوم المشاطرة ويوم النسار وهو من مذكورات أيام العرب في الجاهلية، وبنو ضبة تزعم أن هذا اليوم قبل يوم جبلة، وأبو عبيدة لا يشك أنه بعده.
يوم " الصرائم " وهو أيضاً يوم الجرف لبني رياح بن يربوع على بني عبس، وفي هذا اليوم أسر الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، أسره
стр. 527
أسيد بن حياة السليطي، وأسر بنو حميري بن رياح زنباعاً وفروة ابني مروان بن زنباع، واستنقذوا جميع ما أصابته عبس لربيعة بن مالك بن حنظلة وأسرفوا ذلك اليوم في قتل بني عبس.
يوم " الغبيط ": لبني يربوع علي بن شيبان، وكان الشيبانيون قد غزوهم متساندين على ثلاثة ألوية: الحوفزان بن شريك، والأسود أخوه، وبسطام بن قيس، وفي هذا اليوم أسر الأسود بن الحوفزان وزيد بن الأسود بن شريك، وحمى بسطام آخر القوم حتى حسبوه قتل وأسر، ورثاه بعضهم بمرات عدة، وزعم سعد عن أبي عبيدة أن يوم الغبيط هو يوم الأياد ويوم العظالي سمي بذلك لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومقرون بن عمرو الحوفزان بن شريك تعاظلوا على الرياسة.
وقال مرة أخرى: لم يشهد الحوفزان يوم العظالى، وهو أيضاً يوم الإناقة ويوم أعشاش، ويوم مليحة.
يوم ذي نجب لبني يربوع على بني عامر، وفيه قتل حسان بن معاوية بن آكل المرار الملك، قتله حشيش بن نمران من بني رياح بن يربوع، وقيل:
بل هو عمرو بن معاوية أعني المقتول وأما حسان فأسر، أسره
стр. 528
دريد بن المنذر، وكانت بنو عامر أتت به تغزو بني حنظلة بن مالك بعد يوم جبلة بعام، فتنحى لهم بنو مالك بن عمرو بن عدس، وتركوا في صدورهم بني يربوع، فهزمت بنو عامر هزيمة عظيمة، وأسر يومئذ يزيد بن الصعق، وقتلت بنو نهشل خليف بن عبيد الله النميري، وأسر زيد بن ثعلبة الهصان، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، وقتل خالد بن ربعي النهشلي عمرو بن الأحوص، وكان رئيس بني عامر يومئذ.
يوم خزازي: ويقال: خزاز واختلف فيه: فقال قوم: كان رئيس نزار فيه كليب بن ربيعة. وقال آخرون: رئيسهم زرارة بن عدس، وقال آخرون: بل ربيعة بن الأحوص، وقد أنكروا عمرو بن العلاء جميع ذلك والذي ثبت عنده أنه قال: هو يوم لنزار على ملك من ملوك اليمن قديم لا يعرف من هو منهم، وأما ربيعة فيقول: لا شك أنه يوم خزار لكليب بن ربيعة على مذحج وغيرهم من اليمن، وكان بعقب يوم السلان، فجمع كليب جموع ربيعة، فاقتتلوا، فانهزمت مذحج والذين معهم من اليمن.
يوم ملزق وهو أيضاً يوم السوبان كان لبني تميم على عبس
стр. 529
وعامر بعد أن قاتلت تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد، وبلحارث بن كعب، وكلب وطيئ، وبكر، وتغلب، وأسد، كانوا يأتونهم حياً حياً فتقتلهم تميم وتنفيهم عن البلد، وآخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر.
يوم الوندة وهي بالدهناء، أغارت بنو هلال على نعم بني نهشل. فأنزلتهم بنو نهشل بالوندة وهي بالدهناء فما أفلت من بني هلال إلا رجل واحد يقال له: فراس طواف؛ وقيل أواب.
يوم فيف الريح ورأيته بخط البصري فيفا مقصوراً في مواضع من كتاب نوادر أبي زياد الكلابي.
وأنشد أبو زياد لعامر بن الطفيل:
ويا لفيفا من اليمن استثارت ... قبائل كان ألبهم فخاروا
الفيفا: جبل طويل من جبال خثعم يقال له: فيفا الريح، وكان الصبر فيه والشرف لبني عامر، وقد اجتمعت كلها إلى عامر بن الطفيل على قبائل مذحج، وقد غزتهم مذحج في عدد عظيم من بني الحارث بن كلب وجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصدى ونهد، ورئيسهم الحصين بن يزيد الحارثي، واستغاثوا بخثعم، فجاءت شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأسرع القتل في الفريقين، فافترقوا، ولم تغنم طائفة منهم طائفة،
стр. 530
وفي هذا اليوم أصيبت عين عامر، وزعم عبد الكريم وغيره أن يوم فيفا الريح هو يوم طلح.
يوم ذي بهدى: لبني يربوع على تغلب، أسروا فيه الهذيل، قال جرير للأخطل يعيره بذلك:
هل تعرفون بذي بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسر
يوم البشر لبني كلاب على الأراقم، ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم الكلابي، وكان سبب ذلك تعيير الأخطل إياه.
يوم الرغام لبني ثعلب بن يربوع، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، أغار فيه على بني كلاب فأطرد إبلهم، وقتل يومئذ أخوه حنظلة، قتله الحوثرة، وأسر الحوثرة ذلك اليوم، فدفع إلى عتيبة فقتله صبراً بأخيه، وانهزم الكلابيون بعد أن أسرع فيهم القتل والأسر.
следующие страницы →