Полный текст (633 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
انتجعوا بلاد سعد والرباب، وهم يمتون إليهم برحم؛ لأنهم يزعمون أن صعصعة أبا عامر هو ولد سعد بن زيد بن مناة بن تميم.
وقال آخرون: إنما غضبوا على سعد لما أنهب المعزى بعكاظ، فلحق ببني أمه ولد معاوية بن بكر وهوازن، وكان سعد قد فارقها بعد أن ولدت له صعصعة وتزوجها معاوية بن بكر فضمن سعد والرباب الأهتم، واسمه سنان بن سمي بن سنان، وقيل: سمي بن سنان، وضمن هوازن مرة بن هبيرة، فسرقت خيل لذي الرقيبة، ثم اعترفت بعد ذلك بيسير عند الحنيف المنتجف، اعترفها بعض القشيريين، فضربه القشيري على ساعده، وضربه الحنيف فقتله، فأرادت هوازن القود من الرباب، فطلبهم بذلك ضامن سعد، فأبت الرباب إلا الدية، ففارقتهم سعد، وضافرت هوازن، فاستمدت بنو ضبة أسداً وطيئاً والتقوا بالنسار، فعبأت أسد لسعد والرباب لهوازن، فانهزمت هوازن وسعد، وكان حامي أدبار بني عامر يومئذ قدامة بن عبد الله القشيري، فرماه ربيعة بن أبي وكان أرمى الناس فقتله، فلما رأت ذلك بنو عامر منه وسائر هوازن سألوا أن يؤخذ منهم شطور أموالهم وسلاحهم، وقبل ذلك منهم، وهذا يوم المشاطرة ويوم النسار وهو من مذكورات أيام العرب في الجاهلية، وبنو ضبة تزعم أن هذا اليوم قبل يوم جبلة، وأبو عبيدة لا يشك أنه بعده.
يوم " الصرائم " وهو أيضاً يوم الجرف لبني رياح بن يربوع على بني عبس، وفي هذا اليوم أسر الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، أسره
стр. 527
أسيد بن حياة السليطي، وأسر بنو حميري بن رياح زنباعاً وفروة ابني مروان بن زنباع، واستنقذوا جميع ما أصابته عبس لربيعة بن مالك بن حنظلة وأسرفوا ذلك اليوم في قتل بني عبس.
يوم " الغبيط ": لبني يربوع علي بن شيبان، وكان الشيبانيون قد غزوهم متساندين على ثلاثة ألوية: الحوفزان بن شريك، والأسود أخوه، وبسطام بن قيس، وفي هذا اليوم أسر الأسود بن الحوفزان وزيد بن الأسود بن شريك، وحمى بسطام آخر القوم حتى حسبوه قتل وأسر، ورثاه بعضهم بمرات عدة، وزعم سعد عن أبي عبيدة أن يوم الغبيط هو يوم الأياد ويوم العظالي سمي بذلك لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومقرون بن عمرو الحوفزان بن شريك تعاظلوا على الرياسة.
وقال مرة أخرى: لم يشهد الحوفزان يوم العظالى، وهو أيضاً يوم الإناقة ويوم أعشاش، ويوم مليحة.
يوم ذي نجب لبني يربوع على بني عامر، وفيه قتل حسان بن معاوية بن آكل المرار الملك، قتله حشيش بن نمران من بني رياح بن يربوع، وقيل:
بل هو عمرو بن معاوية أعني المقتول وأما حسان فأسر، أسره
стр. 528
دريد بن المنذر، وكانت بنو عامر أتت به تغزو بني حنظلة بن مالك بعد يوم جبلة بعام، فتنحى لهم بنو مالك بن عمرو بن عدس، وتركوا في صدورهم بني يربوع، فهزمت بنو عامر هزيمة عظيمة، وأسر يومئذ يزيد بن الصعق، وقتلت بنو نهشل خليف بن عبيد الله النميري، وأسر زيد بن ثعلبة الهصان، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، وقتل خالد بن ربعي النهشلي عمرو بن الأحوص، وكان رئيس بني عامر يومئذ.
يوم خزازي: ويقال: خزاز واختلف فيه: فقال قوم: كان رئيس نزار فيه كليب بن ربيعة. وقال آخرون: رئيسهم زرارة بن عدس، وقال آخرون: بل ربيعة بن الأحوص، وقد أنكروا عمرو بن العلاء جميع ذلك والذي ثبت عنده أنه قال: هو يوم لنزار على ملك من ملوك اليمن قديم لا يعرف من هو منهم، وأما ربيعة فيقول: لا شك أنه يوم خزار لكليب بن ربيعة على مذحج وغيرهم من اليمن، وكان بعقب يوم السلان، فجمع كليب جموع ربيعة، فاقتتلوا، فانهزمت مذحج والذين معهم من اليمن.
يوم ملزق وهو أيضاً يوم السوبان كان لبني تميم على عبس
стр. 529
وعامر بعد أن قاتلت تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد، وبلحارث بن كعب، وكلب وطيئ، وبكر، وتغلب، وأسد، كانوا يأتونهم حياً حياً فتقتلهم تميم وتنفيهم عن البلد، وآخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر.
يوم الوندة وهي بالدهناء، أغارت بنو هلال على نعم بني نهشل. فأنزلتهم بنو نهشل بالوندة وهي بالدهناء فما أفلت من بني هلال إلا رجل واحد يقال له: فراس طواف؛ وقيل أواب.
يوم فيف الريح ورأيته بخط البصري فيفا مقصوراً في مواضع من كتاب نوادر أبي زياد الكلابي.
وأنشد أبو زياد لعامر بن الطفيل:
ويا لفيفا من اليمن استثارت ... قبائل كان ألبهم فخاروا
الفيفا: جبل طويل من جبال خثعم يقال له: فيفا الريح، وكان الصبر فيه والشرف لبني عامر، وقد اجتمعت كلها إلى عامر بن الطفيل على قبائل مذحج، وقد غزتهم مذحج في عدد عظيم من بني الحارث بن كلب وجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصدى ونهد، ورئيسهم الحصين بن يزيد الحارثي، واستغاثوا بخثعم، فجاءت شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأسرع القتل في الفريقين، فافترقوا، ولم تغنم طائفة منهم طائفة،
стр. 530
وفي هذا اليوم أصيبت عين عامر، وزعم عبد الكريم وغيره أن يوم فيفا الريح هو يوم طلح.
يوم ذي بهدى: لبني يربوع على تغلب، أسروا فيه الهذيل، قال جرير للأخطل يعيره بذلك:
هل تعرفون بذي بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسر
يوم البشر لبني كلاب على الأراقم، ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم الكلابي، وكان سبب ذلك تعيير الأخطل إياه.
يوم الرغام لبني ثعلب بن يربوع، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، أغار فيه على بني كلاب فأطرد إبلهم، وقتل يومئذ أخوه حنظلة، قتله الحوثرة، وأسر الحوثرة ذلك اليوم، فدفع إلى عتيبة فقتله صبراً بأخيه، وانهزم الكلابيون بعد أن أسرع فيهم القتل والأسر.
стр. 531
يوم الهراميت للضباب، وهم معاوية بن كلاب، على أخوته بني جعفر بن كلاب، وكان هذا اليوم في زمن عبد الملك بن مروان، وكذلك يوم البشر.
يوم الوقيظ كان في فتنة عثمان بن عفان ﵁، وهو للهازم، رئيسهم أبجر بن بجير، على بني مالك بن حنظلة، فأما بنو عمرو بن تميم فأنذرهم ناشب بن بشامة العنبري، فدخلوا الدهناء فنجوا، وفي هذا اليوم أسر ضرار بن القعقاع بن معبد، أسره الفزر الشيباني ورجل من تيم اللات، فجزت تيم اللات ناصيته، وخلته تحت الليل مضارة للفزر، ويسمى هذا اليوم يوم الحنو.
يوم جزع طلال لفزارة ورئيسهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، على التيم وعدي وعكل وثور أطحل بني عبد مناة، وأخذ يومئذ شريك بن مالك بن حذيفة من التيم وعكل أربعين امرأة ثم أطلقهن، وأخذ خارجة بن حصن نفراً من التيم فأطلقهم بغير فداء، ثم أغارت فزارة بعد ذلك عليهم ورئيسهم عيينة، فقتلوا التيم قتلاً ذريعاً وأخذوا منهم مائة امرأة فقسمهن عيينة في بدر، وجعلهن مع أزواجهن الأسارى ينقلن الخرى هوناً لهم، ثم أطلق الجميع بعد ذلك بغير فداء، وأغارت عليهم بعد ذلك بنو غيظ بن مرة، ورئيسهم زيد بن شيبان بن أبي حارثة، فقتلوا التيم وعدياً وسبوا سبياً كثيراً لم يردوا منه شيئاً، فنعى هذا كله عليهم جرير.
يوم أوارة الأول: لتغلب والنمر بن قاسط مع المنذر بن ماء السماء،
стр. 532
على بكر بن وائل مع سلمة بن الحارث، واسم سلمة معدي كرب، وهو أيضاً الغلفاء، بعد قتل أخيه شرحبيل، والذي قتل سلمة الغلفاء بن عمرو بن كلثوم، عرفه فحمل عليه حتى قنعه السيف، وكان سبب هزيمة بكر بن وائل، وحلف المنذر يومئذ ليقتلن بدر على رأس أوارة حتى يلحق الدم بالحضيض، فشفع لهم مالك بن كعب العجلي، وقال للمنذر: أنا أخرجك من يمينك، فصب الماء على الدم فلحق الأرض، وبر يمين المنذر، فكف عن القتل، وكان مالك هذا رضيع المنذر.
يوم أوارة الأخير: كان لعمرو بن هند على بني دارم، وذلك أن ابناً له كان مسترضعاً عند زرارة بن عدس اسمه أسعد، وكان قد تبناه فعبث بناقة لأحد بني دارم يقال له سويد، فخرق ضرعها، فشد عليه فقتله، وأتى الخبر زرارة، وهو عند عمرو، وكان كالوزير له، فلحق بقومه وأدركه الموت على عقب ذلك، فغزا عمرو بني دارم، وحلف ليقتلن منهم مائة، فقتل منهم تسعة وتسعين، وأتم المائة برجل من البراجم، وفي حكاية أخرى أنه أحرقهم، وبذلك تشهد مقصورة ابن دريد وشعر الطرماح، وزعم أبو عبيدة أن من زعم أنه أحرقهم فقد أخطأ، وذكر له شعر الطرماح، فقال: لا علم له بهذا، واستشهد بقول جرير:
أين الذين بسيف عمرو قتلوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع
يوم زرود الأول: لشيبان مع الحوفزان، على بني عبس، وأثخن ذلك اليوم عمارة الوهاب جراحاً، غير أنه سلم فلم يمت منها.
يوم زرود الآخر: أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع، فاستاق النعم، فأدركوه، فأسره أسيد بن حناءة السليطي وأنيف بن جبلة الضبي وكان ثقيلاً في بني يربوع، وردوا الغنيمة من أيدي التغلبيين.
стр. 533
يوم تثليث غزت سليم مع العباس بن مرداس مرادا، فجمع لهم عمرو بن معدي كرب، فالتقوا بتثليث، فصبر الفريقان ولم تظفر طائفة منهم بالأخرى، وفي ذلك اليوم صنع العباس قصيدته السينية، وهي إحدى المنصفات.
يوم ذي علق كان بين بني عامر وبين بني أسد، وفي هذا اليوم قتل ربيعة أبو لبيد.
يوم العذيب: كان لبني سعد بن زيد مناة وعنزة، على مذحج وحمير، وكان رأس اليمن الأصهب الجعفي، بعث إليه النعمان ينكر عليه بلوغ سعد وعنزة العذيب، فحشد لهم ولقيهم، فقتلوه، قتله الأحمر بن جندل، وانهزمت اليمانية هزيمة شديدة، وأخذ منهم مال كثير وسبي.
يوم الصفقة: وهو أيضاً يوم المشقر كان على بني تميم بسبب غير كسرى التي كان يجيزها هوذة بن علي السحيمي، فلما سارت ببلاد بني حنظلة اقتطعوها برأي صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، فكتب كسرى إلى المكعبر عامله على هجر فاغتالهم، وأراهم أنه يعرضهم للعطاء ويصطنعهم، فكان أحدهم يدخل من باب المشقر فينزع سلاحه ويخرج من الباب الآخر فيقتل، إلى أن فطنوا، وأصفق الباب على من حصل منهم؛ فلذلك سميت الصفقة، وشفع هوذة في مائة من أساراهم فتركوا له، فكساهم وأطلقهم يوم الفصح وكان نصرانياً.
يوم ذي قار: كان على عهد رسول الله ﷺ ، وهو لبني بكر بن وائل وقادمة بني شيبان وبعدهم بنو عجل، على الأعاجم جنود كسرى ومن معهم من العرب رئيسهم إياس بن قبيصة الطائي، وكان مكان النعمان بن المنذر بعد قتل كسرى إياه، وتحت يديه طيئ وإياد وبهرا، وقضاعة
стр. 534
والعباد وتغلب والنمر بن قاسط، قد رأس عليهم النعمان بن زرعة أعني النمر وتغلب وكان سبب يوم ذي قار طلب كسرى تركة النعمان بن المنذر، وكان النعمان قد تركها وترك ابناً له وبنتاً عند هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني، فمنع رسول كسرى من الوصول إلى ما طلب؛ وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان عاملاً له على الطف، بأن يعين إياساً، فأنفذ إلى قومه ليلاً، وحرضهم على القتال، وتوطأت العرب على العجم، فطارت إياد عن العجم حين تشاجرت الرماح كأنهم مهزومون، وقتل الهامرز بن خلا يزر عامل كسرى، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي، وبسبب ما صنع قيس بن مسعود استدرجه كسرى حتى أتاه فقتله.
يوم الفجار الأول: كان بين كنانة بن خزيمة وبين عجز هوازن، بسوق عكاظ أول يوم من ذي القعدة، وبذلك سمي فجارا؛ لأنهم فجروا في الشهر الحرام، وكان سبب ذلك أن بدر بن معسر الكناني كان يستطيل على من ورد عكاظ فيمد رجله ويقول: أنا أعز العرب؛ فمن كان أعز منها فليضربها بالسيف فضربها الأحمر بن هوازن من بني نصر بن معاوية، وكان بين القبيلتين تشاجر دون أن يقع بينهما دماء، وليس هذا الفجار عند ابن قتيبة، وقد ذكره أبو عبيدة.
يوم الفجار الثاني: كان بسبب فتيان من غزية قريش وكنانة رأو امرأة وضيئة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، فسألوها أن تسفر لهم، فأبت، فحل أحدهم ذيلها إلى ظهر درعها بشوكة، فلما قامت انكشفت، فقالوا: منعتنا رؤية وجهك وأريتنا دبرك!! فصاحت: يال عامر
стр. 535
فتهايجوا وجرت بين الفريقين دماء يسيرة، حملها الحارث بن أمية، وليس هذا الفجار أيضاً عند ابن قتيبة وقد ذكره أبو عبيدة.
يوم الفجار الثالت: كان بسبب دين كان لأحد بني نصر على أحد بني كنانة، فأتى النصرى بقرد فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان؟ فمر أحد بني كنانة فقتل القرد، فتصايح الفريقان، ثم سكنوا، وكان هذا سبب الأمر العظيم من قتل البراض الكناني عروة الرحال بن عيينة بن جعفر بن كلاب واتبعت هوازن قريشاً، وكانوا قد أدركوهم بنخلة، حتى دخلوا الحرم، وجنهم الليل، ثم التقوا بعد حول فكانت الوقعة أيضاً عليهم، وهو يوم شمطة ثم التقوا أيضاً بعد حول، فكانت الكرة على هوازن وفي ذلك اليوم سموا بني أمية العنابس لما فعل حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان من تقييدهم أنفسهم حتى يظفروا أو يقتلوا، هذه رواية أبي عبيدة، وأما ابن قتيبة فجعل ما جرى بين النصري والكناني هو الفجار الأول، وقال في آخره: ولم يكن بينهم قتال، إنما كان ذلك القتال في الفجار الثاني، وجعل سبب الفجار الثاني أن عيينة بن حصن بن حذيفة أتى سوق عكاظ فرأى الناس يتبايعون، فقال: أرى هؤلاء مجتمعين بلا عهد ولا عقد، ولئن بقيت إلى قابل ليعلمن، فغزاهم من قابل، وأغار عليهم، قال: فهذا الفجار الثاني، والحرب فيه كناية وقيس، والدائرة على قيس عيلان.
يوم الجفار: للأحاليف في ضبة وأخوتها الرباب وأسد وطيئ، على بني تميم، واستحر القتل يومئذ في بني عمرو بن تميم فقتلوا قتلاً ذريعاً.
يوم الصريف: كانت هذه الوقعة في أيام الرشيد، وهي لبني ضبة على بني حنظلة، وفي ذلك يقول شاعرهم، وأظنه من ولد جرير:
صبرت كليب للطعان ومالك ... يوم الصريف وفرت الأحمال
والأحمال: بطون من بني حنظلة.
стр. 536
وقد أوفيت بما عقدت به في صدر هذا الكتاب من إثبات ما انتهى إلي من أيام العرب، مجتهداً في اختصارها، بريئاً مما وقع فيها من الاختلاف، وإنما عهدة ذلك على الرواة.
وسأذكر من مفاخر بني شيبان لمعاً أختم بها هذا الكتاب كما بدأته؛ لأني لو تقصيت ذلك لأفنيت العمر دون تقضي الجزء الذي لا يتجزأ منه قلة، لكني ذهبت فيهم وفي سيدهم أبي الحسن مذهب أبي الطيب في أخوتهم بني تغلب وفي سيدهم علي بن حمدان حيث يقول:
ليت المدائح تستوفي مدائحه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
قال أبو عبيدة: قدم على النعمان بن المنذر وفود ربيعة ومضر بن نزار، وكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك البكريان، وفيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس عيلان عامر بن مالك وعامر بن الطفيل، ومن تميم قيس بن عاصم والأقرع بن حابس، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحباهم، وكان يتخذ للوفود عند انصرافهم مجلساً: يطعمون فيه معه، ويشربون، وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد، فلما شرب النعمان قامت القينة تنظر إلى النعمان من الذي يأمرها أن تسقيه وتفضله من الوفد، فنظر في وجهها ساعة ثم أطرق ثم رفع رأسه وهو يقول:
اسقي وفودك مما أنت ساقيتي ... فابدي بكأس ابن ذي الجدين بسطام
أغر ينميه من شيبان ذو أنف ... حامي الذمار وعن أعراضها رامي
قد كان قيس بن مسعود ووالده ... تبدا الملوك بهم أيام أيامي
فارضوا بما فعل النعمان في مضر ... وفي ربيعة من تعظيم أقوام
هم الجماجم والأذناب غيرهم ... فارضوا بذلك أو بوءوا بإرغام
стр. 537
فقال عامر بن الطفيل:
كان التبايع في دهر لهم سلف ... وابن المرار وأملاك على الشام
حتى انتهى من لخم إلى ملك ... بادي السنان لمن لم يرمه رامي
أنحى علينا بأظفار فطوقنا ... طوق الحمام بإتعاس وإرغام
إن يمكن الله من دهر نساء به ... نتركك وحدك تدعو رهط بسطام
فانظر إلى الصيد لم يحموك من مضر ... هل في ربيعة إن لم تدعنا حامي؟؟
فأجابه بسطام بن قيس فقال:
لعمري لئن ضجت تميم وعامر ... لقد كنت يوماً في حلوقهم شجى
أروني كمسعود وقيس وخالد ... وعمرو وعبد الله ذي الباع والندى
وكانوا على أفناء بكر بن وائل ... ربيعا إذا ما سال سائلهم جدى
فسرت على آثارهم غير تارك ... وصيتهم حتى انتهيت إلىمدى
قال: وافتخر رجلان بباب معاوية بن أبي سفيان: أحدهما من بني شيبان، والآخر من بني عامر بن صعصعة، فقال العامري: أنا أعد عليك عشرة من بني عامر، فعد علي عشرة من بني شيبان، فقال الشيباني: هات إذا شئت، فقال العامري: خذ عامر بن مالك ملاعب الأسنة، والطفيل بن مالك قائد هوازن وفارس قرزل، ومعاوية بن مالك معوذ الحكماء، وربيعة بن مالك فارس ذي علق، وعامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة، وعتبة بن سنان، ويزيد بن الصعق، وأربد بن قيس، وهو أربد الحتوف، فقال الشيباني: خذ قيس بن مسعود رهينة بكر بن وائل، وبسطام بن قيس سيد فتيان ربيعة، والحوفزان ابن شريك فارس بكر بن وائل، وهانىء بن قبيصة أمين النعمان بن المنذر،
стр. 538
وقبيصة بن مسعود وافد المنذر، ومفروق بن عمرو حاضن الأيتام، وسنان بن مفروق ضامن الدمن، والأصم عمرو بن قيس صاحب رءوس بني تميم، وعمران بن مرة الذي أسر يزيد بن الصعق مرتين، وعمرو بن النعمان، فتلاحيا، فخرج حاجب معاوية فصادفهما على تلك الحال، فدخل على معاوية فأخبره بالقضية، فدعا بهما، فلما دخلا عليه نسبهما، فانتسبا له، فقال معاوية: عامر أفخر هوازن، وشيبان أفخر بكر بن وائل، وقد كفاكما الله المؤنة، هذان رجلان من غير قومكما عندي يحكمان بينكما: عدي بن حاتم، وشريك بن الأعور الحارثي، احكما بينهما، ثم قال معاوية للشيباني: من يعبى لعامر بن مالك؟ قال الأصم بن أبي ربيعة الذي قتل من تميم مائة رجل على دم، فقال معاوية للرجلين: ما تقولان؟ قالا: رجح الأصم على عامر بن مالك، قال معاوية: فمن يعبى لعامر بن الطفيل؟ قال الشيباني: الحوفزان بن شريك، قال الحكمان: رجح الحوفزان، قال: فمن يعبى لعلقمة بن علاثة؟ قال الشيباني: بسطام بن قيس، فقالا: رجح بسطام، قال معاوية: فمن يعبى لعتبة بن سنان؟ قال الشيباني: مفروق بن عمرو، فقالا: رجح مفروق، قال نعاوية: فمن يعبى للطفيل بن مالك؟ فقال الشيباني: عمران بن مرة، فقالا: رجح عمران بن مرة، فقال معاوية: فمن يعبى لمعاوية بن مالك؟ قال الشيباني: عوف بن النعمان، فقالا: رجح عوف بن النعمان، قال معاوية:
فمن يعبى لعوف بن الأحوص؟ قال الشيباني: قبيصة بن مسعود، فقالا: رجح قبيصة، قال: فمن يعبى لربيعة بن مالك؟ قال: هانئ بن قبيصة، فقالا: رجح هانئ بن قبيصة، قال معاوية: فمن يعبى ليزيد بن الصعق؟ قال: سنان بن مفروق، فقالا: رجح سنان بن مفروق، قال: فمن يعبى لأربد بن قيس؟ قال: الأسود بن شريك، فقال معاوية للشيباني: فأين نسيت قيس بن مسعود؟ قال: أصلحك الله! قيس ليس من هذه الطائفة فاتهم قيس مجداً طويلاً، فقال العامري في ذلك:
стр. 539
أعد إذا عددت أبا براء ... فكان علا على الأقوام فضلا
وكان الجعفري أبو علي ... إذا هاجت الهيجاء علا
ووالده الذي حدثت عنه ... طفيل خيرنا يفعاً وطفلا
وكان معود الحكم المباري ... رياح الصيف أعلى القوم فعلا
وقد أوردت زناد أبي لبيد ... ربيعة يوم ذي علق فأبلى
وعلقمة بن أحوص كان كهفاً ... كلابياً رحيب الباع سهلا
وعتبة والأغر يزيد، إني ... رأيتهما لكل الفخر أهلا
وعوفاً ثم أربد ذا المعالي ... كفى بهما عليك ندى وبذلا
أولئك من كلاب في ذراها ... وخير قرومها حسباً ونبلا
فقال الشيباني مجيباً له:
أعد إذا عددت أبا خفاف ... وعمران بن مرة والأصما
وهانئاً الذي حدثت عنه ... وكان قبيصة الأنف والأشما
ومفروقاً وذا النجدات عوفاً ... وبسطاماً ووالده الخضما
وأسود كان خير بني شريك ... ولم يك قرنه كبشاً أجما
أولئك من عكابة خير بكر ... واكرم من يليك أباً وأماً
وأفضل من ينص إلى المعالي ... إذا ما حصلوا خالاً وعماً
وأكثر قومهم بالشر طوفاً ... وأبعد قومهم في الخير هما
فقال معاوية للحكمين: ما تقولان؟ قالا: شيبان أكرم الحيين، فقال معاوية: وذلك قولي، فأكرمهما وحباهما، وفضل الشيباني على العامري.
قال: وكان من حديث ذي الجدين أن الملك النعمان قال: لأعطين أفضل العرب مائة من الإبل، فلما أصبح الناس اجتمعوا لذلك، فلم يكن قيس بن مسعود فيهم، وأراده قومه على أن ينطلق، فقال: لئن كان يريد بها غيري لا أشهد ذلك
стр. 540
وإن كان يريدني بها لأعطينها، فلما رأى النعمان اجتماع الناس قال لهم: ليس صاحبها شاهداً، فلما كان من الغداة قال له قومه: انطلق، فانطلق، فدفعها إليه الملك، فقال حاجب بن زرارة: أبيت اللعين، ما هو أحق بها مني، فقال قيس ابن مسعود: أنافره عن أكرمنا قعيدة، وأحسننا أدب ناقة، وأكرمنا لئيم قوم، فبعث معهما النعمان من ينظر ذلك، فلما انتهوا إلى بادية حاجب بن زرارة مروا على رجل من قومه، فقال حاجب: هذا ألأم قومي، وهو فلان بن فلان، والرجل عند حوضه ومورد إبله، فأقبلوا إليه، فقالوا: يا عبد الله؛ دعنا نستقي؛ فإنا قد هلكنا عطشاً وأهلكنا ظهورنا، فتجهم وأبى عليهم، فلما أعياهم قالوا لحاجب: أسفر، فسفر فقال: أنا حاجب بن زرارة، فدعنا فلنشرب، قال: أنت؟ فلا مرحباً بك ولا أهلا، فأتوا بيته، فقالوا لامرأته: هل من منزل يا أمة الله؟ قالت: والله ما رب المنزل شاهد، وما عندنا من منزل، وراودوها على ذلك فأبت، ثم أتوا رجلاً من بكر بن وائل على ماء يورد، قال قيس: هذا والله ألأم قومي، فلما وقفوا عليه قالوا له مثل ما قالوا للآخر فأبى عليهم، وهم أن يضربهم، فقال له قيس بن مسعود: ويلك أنا قيس بن مسعود، فقال له: مرحباً وأهلاً، أورد، ثم أتوا بيته، فوجدوا فيه امرأته وقدرها يئط، فلما رأت الركب من بعيد أنزلت القدر وبردت، فلما انتهوا إليها قالوا: هل عندك يا أمة الله من منزل؟ قالت: نعم أنزلوا في الرحب والسعة، فلما نزلوا طعموا وارتحلوا، فأخذوا ناقتيهما، فأناخوهما على قريتين للنمل؛ فأما ناقة قيس بن مسعود فتضورت وتقلبت ثم لم تنز، وأما ناقة حاجب فمكثت وثبتت، حتى إذا قالوا قد اطمأنت طفقت هاربة، فأتوا الملك فأخبروه بذلك، فقال له: قد كنت يا قيس ذا جد، فأنت اليوم ذو جدين فسمي بذلك ذا الجدين، وقيل:
إنما سمي بذلك لأسيرين أسرهما مرتين، وقيل: بل سبق سبقين، هكذا جاءت الرواية.
والذي أعرف أنا أن ذا الجدين إنما هو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام
стр. 541
سمي بذلك لأنه اشترى كعب بن مامة من أيدي قوم من عنزة أسروه، فكتم نفسه، وعرفه عبد الله وأظهر أنه لم يشتره عن معرفة، فوهبه كل ما لقي في طريقه من إبل أبيه بعبدانها، وكانت سوداً وحمراً وصهباً، وبلغ به إلى أبيه فأجاز له ذلك، وأعطاه قبته بما فيها، فلما أتى الحيرة قال بعض من رآه لصاحبه: إنه لذو جد، قال الآخر: بل هو ذو جدين، فسمي بذلك.
باب في معرفة ملوك العرب
وأنا أذكر في هذا الباب من ملوك النواحي من أخذه حفظي، وبلغته روايتي، على شريطة الاختصار والتخليص، بحسب الطاقة والاجتهاد، إن شاء الله تعالى.
ملوك اليمن: قال ابن قتيبة وغيره: أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن وأنعم صباحاً يعرب بن قحطان، فولد له يشجب، وولد ليشجب سبأ، وقيل: إنه أول من سبى السبي من ولد قحطان، واسمه عبد الشمس، وقيل: عامر، وأول الملوك المتوجين من ولده حمير بن سبأ ملك حتى مات هرماً، ولم يزل الملك في ولد حمير لا يعدوا ملكهم اليمن، حتى مضت قرون، وصار الملك إلى الحارث الرائش، وبينه وبين حمير خمسة عشر أباً، فخرج من اليمن، وغزا وجلب الأموال، فراش الناس، وبذلك سمي الرائش، وفي عصره مات لقمان صاحب النسور، وهو لقمان الذي بعثته عاد ليستسقي لها بمكة، وكان ملك الرائش مائة وخمسة وعشرين سنة، وذكر نبينا ﷺ ، وأنشد ابن قتيبة:
وأحمد إسمه، يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام
ثم أبرهة ذو المنار بن الرائش، وكان ملكه مائة وثلاثاً وثمانين سنة، ثم أفريقس بن أبرهة، وهو الذي بنى أفريقية، وبه سميت وكان ملكه
стр. 542
مائة وستين سنة؛ ثم العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، سمي بذلك لقوم سباهم منكري الوجوه تزعم العرب أنهم النسناس، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة، ثم هدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس، ملك سنة واحدة ثم بلقيس إلى أن أسلمت على يدي سليمان ﷺ ، ثم ناشر بن عمرو بن يعفر بن شرحبيل، وكان ملكه خمساً وثمانين سنة، ثم شمر بن أفريقس، وهو الذي أخرب مدينة سمرقند، وبه سميت سمركند، ومعنى كند أخربها، وهو الذي يسمى شمر يرعش؛ لارتعاش كان به، وكان ملكه مائة وسبعاً وثلاثين سنة، ثم ابنه الأقرن بن شمر يرعش، وكان ملكه ثلاثاً وخمسين سنة، ثم تبع الأكبر بن الأقرن، وكان ملكه مائة وثلاثاً وستين سنة، ثم ابنه كليكرب؛ ولم يغز حتى مات، وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة، ثم تبع بن كليكيرب وهو أبو كرب تبع الأوسط، كان يغزو بالنجوم ويعمل أعماله كلها بأحكامها، ويقال: إنه آمن برسول الله ﷺ ، وهو القائل فيه:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم
ثم حسان بن تبع الأوسط، وهو الذي غزا جديسا وقتل اليمامة التي سميت بها جو اليمامة، ثم عمرو بن تبع أخو حسان، وكان ملكه ثلاثاً وستين سنة، ثم عبد كلال بن مثوب، وكان على دين عيسى يستر إيمانه، وكان ملكه أربعاً وسبعين سنة؛ ثم تبع بن حسان وهو الأصغر، وكان الحارث بن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ابن أخيه، وتبع هو الذي عقد الحلف بين ربيعة واليمن، وهو الذي أدخل في اليمن دين اليهود ثمانية وسبعين سنة، ثم أخوه لأمه مرثد بن عبد كلال، وقيل:
مزيد، وكان ملكه إحدى وأربعين سنة، ثم ابنه ربيعة بن مرثد، ملك سبعاً
стр. 543
وثلاثين سنة، ثم أبرهة بن الصباح، ملك ثلاثاً وسبعين سنة، وكان يكرم معداً ويعلم أن الملك كائن في بني النضر بن كنانة، ثم حسان بن عمرو بن تبع بن كليكرب، ملك سبعاً وثلاثين سنة، ومدحه خالد بن جعفر بن كلاب لما شفعه في أسارى من قومه، ثم ذو الشناتر، واسمه نجيعة ينوف، ولم يكن من أهل بيت الملكة، لكنه من أبناء المقاول، قتله ذو نواس وكان غلاماً من أبناء الملوك حسن الوجه له ذؤابتان، أراده ذو الشناتر على نفسه فوجأه بخنجر كان قد أعده له فقتله، ورضيته حمير لنفسها لما أراحها من ذي الشناتر، وذو نواس صاحب الأخدود الذي ذكره الله ، وكان يهودياً، فخد الأخدود لقوم من أهل نجران تنصروا على يد قيل آل جفنة، وعلى أيام ذي نواس دخلت الحبشة اليمن، واقتحم البحر منهزماً فغرق، وكان ملكه ثمانيا وستين سنة، وقام بعده ذو جدن فهزمته الحبشة، فاقتحم البحر فهلك، وملك اليمن أبرهة الأشرم، وهو الذي زحف إلى مكة بالفيل فهلك جيشه، وابتلي بالأكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها، وملك بعده ابنه يكسوم فساءت سيرته باليمن، فاستجاش سيف بن ذي يزن كسرى، فجيش له جيشاً عظيماً، وقد مات يكسوم، وولي بعده مسروق أخوه، وهو أيضاً أخو سيف لأمه، فقتلته الحبشة، وسبيت نساؤهم، فقام سيف ملكاً من قبل كسرى حتى غدره خدامة من الحبشة ولم يجتمع ملك اليمن لأحد بعده، ثم بعث رسول الله ﷺ فانكشفت به الظلمة، واهتدت بهديه الأمة، واستقر الملك في نصابه، بعد الخلفاء الأربعة من أصحابه، ممن وجبت طاعته، وصحت بيعته، وأنا واقف عند الشبهة، قائل في هذا بما قالت به الجماعة، فقد تنازع اسم أمير المؤمنين من لا يصلح له، ولا يسلم إليه؛ فلذلك أعرضت عن ذكر من لم أذكره، ولولا ذلك لذكرت كل واحد وزمانه، ومنتهى عمره، إلى وقتنا هذا، وما توفيقي إلا بالله.
стр. 544
ملوك الشام: كانت بالشام سليح وهم من غسان، ويقال: من قضاعة وأول ملوكهم النعمان بن عمرو بن مالك، ثم من بعده ابنه مالك، ثم من بعد مالك ابنه عمرو؛ إلى خروج مزيقيا وهو عمرو بن عامر من اليمن في قومه من الأزد، وسمي مزيقيا لأنه كان يمزق كل يوم حلة لا يعود إلى لباسها ثم يهبها، ويسمى عامر ماء السماء؛ لأنه كان يجيء في المحل فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء وهو ابن حارثة الغطريف، ابن امرئ القيس البطريق، بن ثعلبة البهلول، بن مازن قاتل الجوع، بن الأزد، ومعه رجل يقال له جذع بن سنان، فنزلوا بلاد عك، فقتل جذع ملك بلاد عك، فافترقت الأزد والملك فيهم حينئذ ثعلبة بن عمرو بن عامر، فانصرف عامله فحارب جرهم فأجلاهم عن مكة، واستولوا عليها زماناً ثم أحدثوا الأحداث، وجاء قصي بن كلاب فجمع معداً وبذلك سمى مجمعاً واستعان ملك الروم فأعانه، وحارب الأزد فغلبهم، واستولى على مكة دونهم، فلما رأت الأزد ضيق العيش بمكة ارتحلت، وانخزعت خزاعة لولاية البيت وبذلك سميت فصار بعض الأزد إلى السواد فملكوا عليهم مالك بن فهم أبا جذيمة الأبرش، وصار قوم إلى يثرب، وهم الأوس والخزرج، وصار قوم إلى عمان، وصار قوم إلى الشام، وفيهم جذع بن سنان، فأتاه عامل الملك في خرج وجب عليه فدفع إليه سيفه رهناً، فقال الرومي: أدخله في كذا من أم الآخر، فغضب جذع وقنعه فقتله، فقيل: خذ من جذع ما أعطاك، وسارت مثلاً، وولوا الشأم، فكان أولهم الحارث بن عمرو محرق، سمي بذلك لأنه أول من حرق العرب في ديارها، وهو الحارث الأكبر، ويكنى أبا شمر، ثم ابنه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأعرج، وأمه مارية ذات
стр. 545
القرطين، وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي، وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، وإلى الحارث الأعرج زحف المنذر الأكبر فانهزم جيشه، وقتل، ثم الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر، وهو ولد الحارث الأعرج ثم عمرو بن الحارث، وكان يقال له: أبو شمر الأصغر، وله يقول نابغة بني ذبيان:
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
والنعمان بن الحارث هو أخو الحارث الأصغر، وله يقول النابغة:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام
وللنعمان هذا ثلاثة بنين: عمرو، وحجر، والنعمان، ومن ولد الأعرج أيضاً المنذر، والأيهم أبو جبلة، وجبلة آخر ملوك غسان، كان طوله اثني عشر شبراً، وهو الذي تنصر في أيام عمر بن الخطاب ﵁.
ملوك الحيرة: أولهم مالك بن فهم بن عمرو بن دوس بن الأزد، ملك العرب بالعراق عشرين سنة، ثم ابنه جذيمة بن مالك، وهو الأبرش، وهو الوضاح، كان ملكه ستين سنة، ثم عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، ويقال: إن نصراً هو الساطرون صاحب الحضر، وهو جرمقاني من أهل الموصل، وقيل: بل هو من أشلاء قنص بن معد بن عدنان، وعمرو هذا هو ابن أخت جذيمة الأبرش وفيه قيل: " شب عمرو عن الطوق " ثم امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، ويقال: بل الحارث بن عمرو، وإنه الذي يدعى محرقاً، ثم النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر الذي بني الخورنق، ثم المنذر بن امرئ القيس، وهو المنذر الأكبر بن ماء السماء أخو النعمان الأكبر، ثم المنذر بن المنذر، وهو الأصغر، ثم أخوه عمرو بن المنذر،
стр. 546
وهو عمرو بن هند، ويسمى محرقاً؛ لأنه حرق بني تميم، وقيل: بل حرق نخل اليمامة، ثم النعمان بن المنذر صاحب النابغة الذبياني، وهو أخو ملوك لخم، ثم ولى بعده إياس بن قبيصة الطائي، ثم ابنه أشهر، واضطرب ملك فارس وضعفوا، وكانت ملوك الحيرة من تحت أيديهم، وأتى الله بالإسلام فعز أهله بالنبي صلى اله عليه وسلم.
باب من النسبة
قال ابن دريد: الإبل الأرحبية منسوبة إلى أرحب بن همدان.
أسد خفية وأسد خفان وهما أجمتان من العذيب على ليلة.
الرماح اليزنية: منسوبة إلى ذي يزن الملك، ويقال الأيزنية، قال ذو الرمة:
أرين الذي استودعن سوداء قلبه ... هوى مثل شك الأيزني النواجم
هكذا جاءت الرواية في هذا البيت.
الدروع تنسب إلى فرعون. قال راشد بن كثير:
بكل فرعونية لونها ... مثل بصيص البغشة الغادية
стр. 547
وتنسب إلى داود، وسليمان، وتبع، ومحرق، يريدون بذلك القدم وجودة الصنعة.
الكنائن الزغرية: منسوبة إلى زغر وهو موضع بالشام تعمل فيه كنائن حمر مذهبة.
قال أبو دؤاد يصف فرساً:
ككنانة الزغري زي ... نها من الذهب الدلاص
السمهري: الرمح الشديد، يقال: اسمهر الأمر، إذا اشتد.
الأتحمية: برود منسوبة إلى أتحم باليمن.
القعضبية: ضرب من الأسنة، تنسب إلى قعضب، رجل قشيري كان يعملها، وكذلك الشرعبية أيضاً. قال الأعشى:
ولدن من الخطى فيها أسنة ... ذخائر مما سن أبزى وشرعب
والشرعبية أيضاً من الثياب الحارية في قول امرئ القيس:
فلما دخلناها أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب
قال الأصمعي: احتبوا بحمائل سيوفهم
стр. 548
قال أبو عبيدة: ما نسبت إلى الحيرة سيوف قط، وإنما يريد الرحال كما قال الآخر: مشددة برحال الحيرة الجدد قال ابن الكلبي: أول من اتخذ الرحال علاف، وهو زبان بن جرم؛ فلذلك قيل للرحال علافية وأول من عمل الحديد من العرب الهالك بن مراد بن أسد بن خزيمة؛ فلذلك قيل لبني أسد القيون، وقيل لكل حداد: هالكي.
قال أبو عبيدة: أجود السهام التي صنعتها العرب في الجاهلية سهام بلام، وسهام يثرب، وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، وأنشد الأعشى: بسهام يثرب أم سهام بلام سلوق: قرية باليمن، وإليها تنسب الكلاب والدروع.
سيف مشرفي: منسوب إلى مشرف، وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها، وليس قول من قال أنها منسوبة إلى مشارف الشام أو مشارف الريف بشيء عند العلماء، وإن قاله بعضهم.
والسيوف السريجية: منسوبة إلى سريج رجل من بني أسد، قال محمد بن حبيب: هو أحد بني معرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيودنا.
стр. 549
الدروع الحطمية: منسوبة إلى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن عبد القيس بن أفصى.
وقال ابن الكلبي: هي منسوبة إلى حطم، وهو أحد بني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة، وقال الأصمعي: لا أعلم ما تنسب إليه.
الخط: جزيرة بالبحرين تنسب إليها الرماح، قال الأصمعي: ليست تنبت الرماح لكن سفن الرماح ترفأ إلى هذا الموضع فقيل للرماح خطية.
والمسك الدارئ: منسوب إلى دارين، يعني عطاراً بالبحرية، زعم ذلك أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي، والأكثر المشهور عند العلماء أن دارين وغزة موضعان بالشام.
عصفور، وداعر وشاعر، وذا الكلبتين: فحول إبل النعمان بن المنذر.
عصافير النعمان: أولاد عصفور الفحل، وهو أكرم فحل للعرب فيما يزعمون.
والقسي العصفورية: منسوبة إلى رجل يسمى عصفوراً، حكاه الجاحظ. وأنشد لابن بشير:
عطف السيات بواقع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور
يعني قسي البندق، ودعا بها على حمام جاره.
ويقال للقسي أيضاً الماسخية منسوبة إلى رجل من الأزد، واسمه ماسخة هو أول من عملها.
والإبل العسجدية والعبدية والعمانية: إبل ضربت فيها الوحوش.
والإبل الشذقمية والجديلية عن غيره منسوبة إلى شذقم وجديل، وهما فحلان مشهوران.
الحمر الأخدرية: منسوبة إلى حمار يسمى أخدر، وقيل: هو فرس كان لبعض الملوك، أظنه أزدشير بن بابك، توحش فضرب في عانة فنسبت أولاده إليه، وهو
стр. 550
أفره الحمر، هكذا تزعم العرب، والعادة أن يكون ما تناتج منه بغالاً. فأما الكداد فحمار معروف من الوحشية نتج. قال الفرزدق:
حمار لهم من بنات الكداد ... يدهمج بالوطب والمزود
والبغال يزعمون أن قارون أول من أنتجها؛ فهي تنسب إليه، وقيل: بل أنتجها قبله أفريدون.
باب العتاق من الخيل ومذكوراتها
وأول ما أذكر منها خيل رسول الله ﷺ ومراكبه، جرياً على العادة في التبرك باسمه: فمنها السكب وهو فرسه يوم أحد، حكاه ابن قتيبة، ومنها المرتجز وكان له فرس يقال: اللزاز وفرس يقال له الضرب وفرس يقال له اللجيف وفرس يقال له الورد وزاد غير ابن قتيبة فرساً يقال له سحة وكانت بغلته يقال لها دلدل وكان حماره يقال له يعفور وكانت ركائبه القصوى والجدعاء والعضباء.
وهذه خيل العرب: قال ابن قتيبة عن أبي عبيدة: الغراب والوجيه ولاحق ومذهب ومكتوم كانت كلها لغنى.
وقال أحمد بن سعد الكاتب: كان أعوج أولاً لكندة، ثم أخذته سليم، ثم صار لبني عامر، ثم لبني هلال، قال ابن حبيب: ركب رطباً فاعوجت قوائمه وكان من أجود خيل العرب، وأمه سبل كانت لغنى، وأم سبل البشامة، كانت لجعدة، ولهم أيضاً الفياض.
قال ابن سعد: والوجيه ولاحق لبني سعد، قيل: وحلاب لبني تغلب، والصريح لبني نهشل، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر، وجلوى لبني ثعلب ابن يربوع، وذو العقال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو داحس، وكان داحس
стр. 551
والغبراء لبني زهير، وهي خالة داحس، وأخته من أبيه ذي العقال، وقرزل والخطار والحنفاء لحذيفة بن بدر، وهي أخت داحس من أبيه وأمه، وقرزل آخر للطفيل بن مالك، وحذفة لخالد بن جعفر بن كلاب، وحذفة أيضاً لصخر بن عمرو بن الشريد، والشقراء لزهير بن جذيمة العيسى، والزعفران لبسطام ابن قيس، والوديقة ونصاب وذو الحمار لمالك بن نويرة، والشقراء أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، والشيط لأنيف بن جبلة الضبي، والوجيف لعامر بن الطفيل والكلب والمزنوق والورد له أيضاً، والخنثى فرس لعمرو بن عمرو بن عدس، والهداج فرس الريب بن شريق السعدي، وجزة فرس يزيد بن سنان المري فارس غطفان، والنعامة للحارث بن عباد، وابن النعامة لعنترة، والنحام فرس السليك بن السلكة السعدي، والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزدي، والهراوة لعبد القيس بن أفصى، واليحموم فرس النعمان بن المنذر، وكامل فرس زيد الخيل، والربد فرس الحوفزان، وأبو الزعفران فرس بسطام، والعرادة فرس الكحلبة اليربوعي، انتهى كلام أحمد بن سعد.
وعن ابن دريد: القطيب فرس كان للعرب، وكذلك البطين واللعاب والعباءة فرس حري بن ضمرة النهشلي، والمدعاس فرس النواس بن عامر المجاشعي، وصهباء فرس النمر بن تولب، وحافل فرس مشهور ذكره حرب بن ضرار في قوله:
كميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وحافل
والعسجدي لبني أسد، والشموس فرس زيد بن حذاق العبدي، والضيف لبني تغلب، وهراوة الغراب فرس الريان بن حويص العنبري، يقال:
إنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة فتصدق بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق والغارات، والحرون فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي
стр. 552
والزليف فرس مشهور، وهو من نسل الحرون، ومناهب فرس تنسب إليه الخيل أيضاً، قال الشمردل:
لأفحل ثلاثة سمينا ... مناهبا والضيف والحرونا
والعلهان: فرس أبي مليك عبد الله بن الحارث اليربوعي.
ومن أقدم الخيل زاد الراكب، وهبه سليمان ﵇ لقوم من الأزد كانوا أصهاره.
وكان إسماعيل ﵇ أول من ذلل الخيل وركبها، وكانت قبل من سائر الوحوش.
باب من المعاني المحدثة
قال أبو الفتح عثمان بن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، والذي ذكره أبو الفتح صحيح بين؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان عاقبة ما دلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه وغيره، وإنما خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر، وأبعدها ومتعاطى، وكل يصف الشيء بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة، وعجز أو قدرة، وصفة الإنسان ما رأى يكون لا شك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما أبصر بما لم يبصر، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائماً لامه فقال: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ قال: أنشدني شيئاً من قوله الذي استعجزتني في مثله، فأنشده في صفة الهلال:
فانظر إليه كزورق من فضةٍ ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال: زدني، فأنشده:
كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه
стр. 553
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه
فصاح: وا غوثاه، يا لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن الخلفاء، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما أعرف أين يقع الناس كلهم مني؟ هل قال أحد قط أملح من قولي في قوس الغمام:
وقد نشرت أيدي السحاب مطارفاً ... على الأرض دكناً وهي خضر على الأرض
يطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أحمر في أخضر وسط مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
وقولي في قصيدة في صفة الرقاقة:
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفة كرة ... وبين رؤيتها زهراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وهذا كلام إن صح عن ابن الرومي فلا أظن ذلك أمراً لزمه في الدرك؛ لأن جميع ما أراه ابن المعتز أبوه وجده في ديارهم كما ذكر أن ذلك علة للإجادة وعذر فقد رآه ابن الرومي هنالك أيضاً، اللهم إلا أن يريد أن ابن المعتز ملك قد شغل نفسه بالتشبيه فهو ينظر ماعون بيته وأثاثه فيشبه به ما أراد، وأنا مشغول بالتصرف في الشعر طالباً به الرزق: أمدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طوراً، ولا يمكن أن يقع أيضاً عندي تحت هذا، وفي شعره أيضاً من مليح التشبيه ما دونه النهايات التي لا تبلغ، وإن لم يكن التشبيه غالباً عليه كابن المعتز.
ولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة، ولا أنها
стр. 554
أفسدتها، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها، تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء، وإن كان الأولون قد نهجو الطريق، ونصبوا الأعلام للمتأخرين، وإن قال قائل: ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى بكم الزمان قلت في أيديكم المعاني، وضاق بكم المضطرب؟ قلنا: أما المعاني فما قلت غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص، وأن الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقاً بالقدرة، ما يمسكه إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً وكان ابن الرومي ضنيناً بالمعاني، حريصاً عليها، يأخذ المعنى الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهراً لبطن، ويصرفه في كل وجه، وإلى كل ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد، ثم نجد من بعده من لا ينتهيه في الشعر، بل لا يعشره، قد أخذ المعنى بعينه فولد فيه زيادة، ووجه له وجهة حسنة، لا يشك البصير بالصناعة أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة، ولكن الإنسان مبني على النقصان.
وسأورد عليك من معاني المعاني المتقدمين، وأنظرها بأمثالها من أقوال المولدين لا أعدوها ليتبين البرهان، هذا، على أنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب، وكشفت لهم عوارهم، ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلاً بالحق، ولا ميلاً إلى بنيات الطرق، لكن غضاً من الجاهل المتعاطي، والمتحامل الجافي، الذي إذا أعطي حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد،
стр. 555
وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم؟ وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعاً؟ فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد أو متهم، أو طولب بحجة في لحنة أو شاذ، أو نواظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة، قال: هكذا أعرف، وكأنما أعطي جوامع الكلم، حاش لله! وأستغفر الله، بل هو العمى الأكبر، والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، وإلى أي كتاب يرجع، وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه، فهو كما قال حماد عجرد في يونس بن فروة:
أما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره أير الحمار القائم
ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم
وأين من ذكر بشار بن برد حين قيل له: بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك: في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكر جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.
وكم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ذكرهم في هذا الكتاي، ويدخلوا في جملة من يعد خطله، ويحصى زلله؛ لذكرت من لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من هذه الصناعة التي ادعوها باطلاً، وانتسبوا إليها انتحالاً، وقد بلغني أن بعض من لا يتورع عن كذب، ولا يستحيي من فضيحة، زعم أني أخذت عنه
стр. 556
مسائل في هذا الكتاب لو سئل عنها الآن ما علمها، والامتحان يقطع الدعوى، كما قال بعض الشعراء:
من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الإمتحان ما يدعيه
وكنت غنياً عن تهجين هذا الكتاب بالإشارة إلى من أشرت إليه آنفاً من ذكره، وعزوفاً بهمتي عن الانحطاط إلى مساواته، ولكن رأيت السكوت عنه عجزاً وتقصيراً، كما قال أبو تمام:
ترك اللئيم ولم يمزق عرضه ... نقص على الرجل الكريم وعار
وكما قال أبو الطيب، وقد استحق المعنى عليه:
إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟
ثم أعود إلى التسطير فأطرح عن المحدث المولد ما كان من جنس تشبيه النعامة للطرماح، وصفة الثور الوحشي له أيضاً، وصفة مغارز ريش النعامة إذا أمرط للشماخ، ومثل بيت العنكبوت فيما يمتد من لغام الناقة تحت لحييها في شعر الحطيئة؛ وتشبيه الذباب بالأجذم، ولحيى الغراب بالجلم لعنترة، وأشباه هذا مما انفردت به الأعراب والبادية كعادتها، كانفرادها بصفات النيران، والفلوات الموحشة، وورود مياهها الآجنة، وتعسف طرقاتها المجهولة، إلى غير ذلك مما لا يعرف عياناً؛ إذ كان المحدث غير مأخوذ به، ولا محمول عليه، ألا ترى إلى أبي نواس وهو متقدم في المحدثين لما وصف الأسد وليس من معارفه، ولعله ما شاهده قط إلا مرة في العمر إن كان شاهده؛ دخل عليه الوهم فجعل عينيه بارزة وشبههما بعيون المخنوق، وقام عنده أن هذا أشنع وأشبه بشتامة وجه الأسد، وذهب عنه من صفة أبي زبيد وغيره لغؤور عينيه مما هو أعلم به ممن أخذ عليه، وأكثر ظني والله أعلم أن أبا نواس إنما رجع بالصفة
стр. 557
الرجل المشبه بالأسد، وجعل أزورار عينيه وبروز جفنيه من علامات الغيظ والحنق على أقرانه في الحرب.
وكذلك لما تعاطى الأعرابي أبو نخيلة ما لا يعرف قال: ولم تذق من البقول الفستقا فجعله بقلاً على ما في نفسه من لعاع البقل.
على أن المحدثين قد شاركوا القدماء في كل ما ذكرته أيضاً، إلا أولئك أولى به، وأحق بالتقدمة فيه، كما خالطوهم في صفات النجوم ومواقعها، والسحب وما فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لا يتسع له هذا الباب، ولكني أفرد كتاباً قائماً بنفسه أذكر فيه ما انفرد به المحدثون، وما شاركهم فيه المتقدمون، وآتي ها هنا من هذين النوعين بما يسد خلة المفتقر إلى سماعه من المبتدئين.
قال النابغة يذكر طول ليله:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وقال أبو الطيب في وزنه ورويه:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
فإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب
فأنت ترى ما فيه من الزيادة وحسن المقصد، على أن بيتي النابغة عندهم في غاية الجودة.
стр. 558
وقال يزيد بن الطثرية حين حلق أخوه ثور جمته:
فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها
وهذا البيت من أفضل الأوصاف وأحسنها بياناً عند قدامة وغيره.
وقال بعض المتأخرين، وأحسبه الزيادي، في غلام حلقت وفرته:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحاً ... غيرة منهم عليه وشحاً
كان صبحاً عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحاً
وقال رؤبة بن العجاج:
أمست شواتي كالصفاة صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا
فقال ابن الرومي وأحسن ما شاء:
يجذب من نقرته طرة ... إلى مدى يقصر عن نيله
فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ النهار الصيف من ليله
ولو تتبعت هذا لأطلت في غير موضع الإطالة.
فأما ما انفرد به المحدثون فمثل قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحياناً
قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وكرره فقال:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي وأمسى به من حبها أثر:
أنى ولم ترها تهذي؟ فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
وقوله أيضاً:
وكيف تناسى من كأن حديثه ... بأذني وإن غيبت قرط معلق
واختراعاته كثيرة، واشتهاره بذلك يغني عن الإنشاد له.
وكقول أبي نواس، وقد ذكر المبرد أنه لم يسبق إليه، وهو:
стр. 559
أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المنام إلا شميما
نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما
كبر حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها أو ان أشم النسيما
فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما
كل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق أن لا يقيما
القعدية: فرقة من الخوارج ترى الخروج وتأمر به، وتقعد عنه.
وقوله أيضاً:
بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذاً لاصطفاني دون كل نديم
وهذا المعنى أيضاً لم يتناوله أحد قبله.
وكذلك قوله:
قد قلت للعباس معتذراً ... من ضعف شكريه ومعترفاً:
أنت امرؤ جللتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك مني اليوم تقدمة ... تلقاك بالتصريح منكشفاً
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
وقال أيضاً في صفة النساء الخمارات، ويروي لابن المعتز:
وتحت زنانير شددن عقودها ... زنانير أعكان معاقدها السرر
فهذا تشبيه ما علمت أنه سبق إليه.
وقال أيضاً:
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى؟
لو تفرعت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت مخلا
стр. 560
ومعاني أبي نواس واختراعاته كثيرة.
وأكثر المولدين معاني وتوليدا فيما ذكره العلماء أبو تمام، غير أن القاسم بن مهرويه قد زعم أن جميع ما لأبي تمام من المعاني ثلاثه: أحدها قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
والثاني قوله:
بني مالك، قد نبهت خامل الثرى ... قبور لكم مستشرقات المعالم
غوامض قيد الكلف من متناول ... وفيها علاً لا يرتقي بالسلالم
والثالث قوله:
يأبى على التصريد إلا نائلاً ... إن لم يكن محضاً قراحاً يمذق
نزراً كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق
وأنا أقول: إن أكثر الشعراء اختراعاً ابن الرومي، وسيأتي برهان ذلك في الكتاب الذي شرطت تأليفه إن شاء الله سبحانه.. ولا بد ها ههنا من نبذ يسيرة أشغل بها الموضع: منها قوله:
عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن لحظتك سهم حتف مرسل
ومن العجائب أن معنى واحداً ... هو منك سهم وهو مني مقتل
وقوله في عتاب:
توددت حتى لم أدع متودداً ... وأفنيت أقلامي عتاباً مرددا
كأني أستدعي بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
وقوله في أبيات يتغزل فيها، وإن كان قد كرر المعنى:
نظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها ... ثم انثنت عنه فظل يهيم
فالموت إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
стр. 561
وقوله ولم أسمع أحسن منه في معناه:
وما يعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتبختر
وغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر
كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب، وأنفاس الورى تتغير
باب في أغاليط الشعراء والرواة
ولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي أنف منه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتاً لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئاً من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا
فقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:
عاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمه وتجلد
فقال أبو نواس:
ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلاً مقيماً في حال، هذا متناقض.
стр. 562
قال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيباً وجده ومن طلب له مخرجاً لم يفته.
قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول الله : " وأنه أهلك عاداً الأولى " فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود وكان يقال لثمود عاد الصغرى.
وخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر الآمدي على البحتري قوله:
стр. 563
هجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها في الصدود تهجر وسنى
قال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:
أرد دونك يقظاناً ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
وأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام إلا مهجوراً، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: " فلان لا يرى لي مناماً صالحاً " وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة؛ لأنه أولاً يحكي عنها، وثانياً يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكاً ظاهراً.
وفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
قال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.
قلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد الكعوب صلباً، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: " ذبلت شفتاه " إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين؛ فإنهم يقولون: " نوارة ذابلة " وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.
стр. 564
قال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:
وليل كإبهام الحباري محبب ... إلي هواه غالب لي باطله
رزقنا به الصيد الغرير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله
فيا لك يوماً خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله
قال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون " خيره دون شره " فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديماً تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه إلا كذا.
قلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهاراً، وذلك هو الشر الذي ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي لفظة مشتركة، وتكون أيضاً بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته:
وصدر لها مهيع كالحليف ... تخال بأن عليه شليلا
لأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضاً كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح.
стр. 565
ونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله:
لماذا تتبع النفس شيئاً ... جعل الله الفردوس منه جزاء
قال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. وأنشد له أيضاً:
أبا غالب بالجود تذكر واجبي ... إذا ما غني الباخلين نسيه
وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأساً، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعاً لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالاً، وأيضاً فكأنه أعني البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبداً إلى الجر.
وأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه:
وأحق الأيام بالأنس أن يؤ ... ثر فيه يوم المهرجان الكبير
وأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا:
وأحق الأيام بالأنس أن تؤ ... ثره فيه يوم المهرجان الكبير
وأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا
следующие страницы →