Полный текст (769 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مع أنه كثير الشر. كما قال ابن طولون، ومات يوم الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء عشرين صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، ودفن بالسفح رحمه الله تعالى.
٣٨٤ - حسن الطحينة: حسن، الشيخ الصالح، الحلبي، الشافعي، الشهير بالشيخ حسن الطحينة. قرأ في الفقه على الشيخ عبد القادر الأبار الحلبي، ثم صار من مريدي الشيخ موسى الأريحاوي، وانقطع بالجامع الكبير بحلب بالرواق المعروف يومئذ بمصطبة الطحينة، نحو أربعين سنة بحيث لا يتغير من مكانه صيفاً ولا شتاء.
وحكيت عنه مكاشفات، وهرع إليه الناس بالأموال وغيرها، وكان يصرفها في وجوه الخير من عمل بعض الركايا، وإصلاح كثير من الطرقات وإزالة ما فيها، وكان إذا رأى طائراً على بركة الجامع الكبير بحلب. قال: هذا رسولي يخبر بكذا وكذا، وكان يكره سماع اليراع، وينفر منه إذا سمعه، وكان يخلط المآكل المنوعة إذا وضعت له، فإذا قيل له في ذلك قال: الكل يجري في مجرى واحد. توفي - رحمه الله تعالى - في سنة سبع وتسعمائة.
٣٨٥ - حسن المطراوي: حسن المطراوي المصري، صاحب الكرامات والخوارق، وكان مقيماً بجامع القرافة، والناس يقصدونه بالزيارة، وكان شيخاً طاعناً في السن قارب المائة سنة ومع ذلك يقوم الليل على الدوام، قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: وأخبرني أنه فقد الماء الذي يتوضأ منه في ليلة، فتوجه إلى الله تعالى، وإذا بشخص من أرباب الأحوال طائر، وفي عنقه قربة ماء ملأها من النيل،. فنزل عليه، وصبها له في الخابية، وصعد في الهواء. قال: ثم قال لي: يا ولدي من صدق مع الله تعالى سخر له الوجود، فإني لو أعلم أني لو كنت غير صادق معه في قيام الليل، أو قمت لعلة ما سخر لي بعض أوليائه. توفي في سنة عشر تقريباً رحمه الله تعالى.
٣٨٦ - حسن مؤدب الأطفال: حسن الشيخ، الصالح، المبارك، الفقيه اللطيف بدر الدين المصري مؤدب الأطفال بخروبيها أدب جماعة من أكابرها وأعيانها كالقافي بدر الدين بن عبد الوارث وأولاد ابن عبد المنعم وغيرهم منذ سنين طبقة بعد طبقة. قال العلائي: وقد ذكر لي أنه وجد بعد موت والده عدة مساطير بمعاملات كثيرة، فتفكر في تخليصها ومخاصمات أربابها، وما في ذلك من المشاق، فغلب عليه طريق الراحة والخير، فغسلها أجمع وقنع بجهة التعليم، وكان أمة في ذلك مواظباً درباً مباركاً فيه متبركاً به، ونال منه معايش مع الانجماع،
стр. 177
وفراغ القلب، وكأن ملازماً لأذان الخروبية السكري سكنه، والإمامة بجامع الحسنات، توفي ليلة الثلاثاء سادس عشر صفر سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة عن نحو تسعين سنة رحمه الله تعالى.
٣٨٧ - حسن العراقي: حسن العراقي نزيل مصر، الشيخ الصالح العابد الزاهد صاحب الأحوال العجيبة، والكشف الصحيح، كان عن طريقه إذا أتاه أحد بشيء من الأثواب النفيسة ويقول هذا نذر لك يا شيخ حسن يقبلها ثم يأخذ السكين فيقطعه قطعاً ثم يخيطها بخيط ومسلة، ويقول: إن العبد إذا لبس الجديد تصير النفس سارقة بالنظر إليه، وتعجب به، فإذا قطعناها تقطع خاطر النفس، وحكى عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي حكاية عجيبة أخبر بها عن نفسه أنه كان في مبتدأ أمره شاباً من أهل دمشق، وكان ينسج العباء، وكان مسرفاً على نفسه، فجاءه التنبيه من الله تعالى: ما لهذا خلقت، فدخل الجامع الأموي، فوجد شخصاً يتكلم على الكرسي في شأن المهدي وخروجه، فاشتاق إلى لقائه، وصار يدعو الله تعالى في سجوده أن يجمعه بالمهدي، فبيمنا هو ليلة بعد صلاة المغرب في الجامع يصلي السنة إذ دخل عليه شخص عليه عمامة كعمائم العجم، وجبة من وبر الجمال، فجلس خلفه، وحس بيده على كتفه، وقال له: قد استجاب الله تعالى دعاك يا ولدي أنا المهمي، فقال: تذهب معي إلى الدار؟ فذهب معه وقال له: أخل لي مكاناً أنفرد به، فأخلى له مكاناً، فأقام عنده سبعة أيام بلياليها، ولقنه الذكر وقال له: اعلمك وردي تداوم عليه إن شاء الله تعالى تصوم يوماً، وتفطر يوماً، وتصلي كل ليلة، خمسمائة ركعة فكان يصليها خلفه كل ليلة في تلك المدة وكان إذ ذاكأمرد حسن الصورة وكان المهدي يقول له: لا تجلس قط إلا ورائي، فلما انقضت السبعة أيام خرج فودعه، فأخبره أنه سيعمر طويلاً، فكان الشيخ يقول في أواخر عمره: إن سنه مائه وسبع وعشرون سنة، ثم خرج سائحاً، فرحل إلى مكة، ثم إلى اليمن، ثم إلى الهند، ثم إلى السند، ثم إلى الصين، ثم عاد إلى بلاد العجم، ثم سافر إلى بلاد الروم، ثم أقصى المغرب، ثم دخل إلى مصر بعد خمسين سنة في السياحة، فلما دخل إلى مصر وجد أن المشار إليه بها هو سيدي إبراهيم المتولي، فلم يأذن له بدخول مصر، وقال له: اسكن في القرافة، ولا تجتمع بأحد، فأقام في قبة مهجورة عشر سنين تخدمه الدنيا في صورة عجوز تأتيه كل يوم برغيفين وإناء فيه طعام، ولم يكلمها قط، ولم تكلمه ثم استأذن في دخول مصر، فأذن له أن يسكن في بركة القرع، فأقام فيها سنين عديدة، ثم أراد الشيخ عبد القادر الدشطوطي أن يبني له جامعاً هناك، فعارضه. وقال له: أخرج من هذه الحارة، فلم يزل به حتى خرج إلى الكوم المدفون به الآن خارج باب الشعرية بالقرب من بركة الرطلي، وجامع البشيري بمصر، فمكث به سبع سنين،
стр. 178
فبينماً هو يوماً جالس هناك إذ طلع إليه الدشطوطي، فقال له: إنزل من هذا الكوم، فقال له: لا أنزل، وتنازعا فدعا عليه الدشطوطي بالكساح، ودعا هو على الدشطوطي بالعمى، فاستجيبت دعوة كل منهما في صاحبه، وبقي الشيخ حسن معقداً بالكوم المذكور حتى توفي به في سنة نيف وعشرين وتسعمائة، ودفن به - رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٣٨٨ - حسن بن محمد بن الشحنة: حسن بن محمد بن محمد قاضي القضاة ابن قاضي القضاة أبو الطيب عفيف الدين، وقال الحمصي وابن طولون بدر الدين بن أبي اليمن أثير الدين بن أبي الفضل محب الدين بن الشحنة. قال ابن طولون الحنفي، وقال ابن الحنبلي في تاريخه الشافعي: ولد في سنة ثمان وخسمين وثمانمائة، وحصل بالقاهرة طرفاً من العلم، وأخذ البخاري عن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن طريف الشاوي - بالمعجمة - المصري، الحنفي الصوفي، وهو خاتمة من يروي عن ابن أبي المجد، الخطيب الدمشقي، وقرأ شرح " جمع الجوامع " بحلب على العلامة المنلا علي، الشهير بعلي درويش الخوارزمي قراءة تحقيق، وتدقيق، وولي قضاء حلب، وكتابة السر بها، وتوفي في يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة عشر وتسعمائة. قال ابن طولون: مطعوناً بالقاهرة رحمه الله تعالى.
٣٨٩ - حسين بن أحمد بن الأطعاني: حسين بن أحمد بن حسين، الشيخ، الصالح، الموصلي الأصل، العزازي الحلبي الشافعي، المعروف بابن الأطعاني. قال ابن الحنبلي: كان فيما بلغني صالحاً فاضلاً، حسن الخط، له اشتغال على البدر السيوفي في العربية والمنفق. قال: وكان أبوه متزوجاً بنت الشهاب أحمد ابن الشمسي محمد الأطعاني، ولم يرزق الشيخ حسن منها بل من أمة أذنت له في التسري بها كانت عاقراً، فاشتهر بواسطة ذلك بالأطعاني قال: وكان من شأنه فيما بلغني عن سقاء كان بمكة يدعى بعزرائيل أنه لما توفي بها طلب منه ماء لغسله يأتي به من سبيل الجوخي لقلة الماء بمكة إذا ذاك. قال: فذكرت أني الآن فارقته خالياً عن الماء، فصمموا علي في الذهاب إليه، فذهبت لآتي بالماء من غيره، فمررت به فإذا هو ممتلئ، فملأت قربتي، وعدت وعد ذلك من كراماته، وكانت وفاته في سنة اثنتي عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 179
٣٩٠ - حسين ابن حسن البيري: حسين بن حسن بن عمر، الشيخ حسام الدين البيري، ثم الحلبي، الشافعي الصوفي، وصفه شيخ الإسلام الوالد في رحلته وغيرها الشيخ الإمام الكبير العلامة المفتي العارف بالله تعالى. ولد ببيرة الفرات، ثم انتقل إلى حلب، وجاور بجامع الطواشي، ثم بالألجيهية، ثم ولي في سنة أربع وتسعمائة النظر والمشيخة بمقام سيدي إبراهيم بن أدهم، وكان له فوق ونظم ونثر بالعربية، والفارسية، والتركية، وله رسالة في " القطب والإمام " وعرب شيئاً من " المثنوي " من الفارسية، وشيئاً من " منطق الطير " من التركية منه:
اسمعوا يا سادتي صوت اليراع ... كيف يحكي عن شكايات الوداع
ومنه:
ما ترى قط حريصاً قد شبع ... ما حوى الدرالصدف حتى قنع
ومن شعره رضي الله تعالى عنه:
بقايا حظوظ النفس في الطبع أحكمت ... كذلك أوصاف الأمور الذميمة
تحيرت في هذين، والعمر قد مضى ... إلهي فعاملنا، بحسن المشيئة
قال ابن الحنبلي، وأنشدني له الشيخ قاسم بن الجبريني:
من البطون بسر اللطف أرباني ... إلى الظهور، وذاك اللطف رباني
وقد بنى في وجودي والبنان بنا ... لو خلته قلت: واشوقي إلى الباني
الله أكرمني، الله أوهبني ... الله أمنحني، الله أعطاني
أنساني الغير بالإحسان واعجبا ... فكيف أنسى لمن للغير أنساني؟
إنسان عيني مغمور بحكمته ... واحيرتي كيفما أدركت إنساني!
стр. 180
ما ثم في الكون معبود سواه يرى ... ولا له أبداً في ملكه ثاني
في طي أسمائه الحسنى له حكم ... إذا نشرت ترى القاصي بها داني
وكانت وفاته في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٣٩١ - حسين بن حسن الجباوي: حسين بن حسن بن محمد، الشيخ الصوفي المتقدم ذكره الجباوي، ثم الدمشقي القبيباتي الشافعي، الشهير بابن سعد الدين قال ابن طولون: مشى على طريقة أهله، ثم أقبل على الدنيا، واستأجر عدة جهات، وتقدم عند الحكام، واجتمعت به مراراً بمنزله بالقبيبات، فوجدت عنده كرماً ومحادثة حسنة. قلت: وهو والد الشيخ أحمد، والشيخ سعد الدين، وستأتي ترجماتهما - إن شاء الله تعالى - توفي يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة سنة ست وعشرين وتسعمائة عن نحو خمس وثلاثين سنة تقريباً، ودفن عند والده برؤوس العمائر عند باب الله رحمه الله تعالى.
٣٩٢ - حسين بن سليمان الإسطواني الحنبلي: حسين بن سل (يمان بن أحمد، الفاضل بدر الدين بن عبد الله الأسطواني الصالحي الحنبلي. قال ابن طولون: حفظ القرآن بمدرسة أبي عمر، وقرأ على شيخنا ابن أبي عمر الكتب الستة، وقرأ وسمع ما لا يحصى من الأجزاء الحديثية عليه. قال: وسمعت بقرائته عدة أشياء، ولي إمامة محراب الحنابلة بالجامع الأموي في الدولة العثمانية. انتهى.
وقال شيخ الإسلام الوالد: حضر بعض دروسي، وشملته إازتي، وقرأ علي، وسألني أسئلة في الفقه، وذاكرني فيه، وقرر في الكاملية سبع سنين إلى أن توفي في صفر سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بباب الفراديس - رحمه الله تعالى.
٣٩٣ - حسين بن عبد الرحمن الرومي: حسين بن عبد الرحمن العالم الفاضل المولى حسام الدين الرومي الحنفي قرأ على علماء عصره ودخل إلى خدمة المولى أفضل زاده ثم ولي التداريس حتى صار مدرساً بمدرسة السلطان محمد خان ببروسا ثم بمدرسة أبي يزيد خان باماسية ثم بإحدى الثماني ومات وهو مدرس بها وكان فاضلاً بارعاً حسن الصوت لطيف المعاشرة وله أدب ووقار وله حواش على أوائل حاشية التجريد وكلمات متعلقة بشرح الوقاية لصدر الشريعة ورسالة في جواز استخلاف الخطيب ورسالة في جواز الذكر الجهري وغير ذلك توفي في سنة عشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 181
٣٩٤ - حمزة الشهير بليس جلبي: حمزة العالم المولى نور الدين الرومي الحنفي الشهير بليس جلبي قرأ على علماء عصره وخدم المولى خواجه زاده ثم صار حافظاً لدفتر بيت المال والديوان في زمن السلطان محمد خان ثم صار مدرساً بمدرسة السلطان مراد خان ببروس ثم صار حافظاً لدفتر بيت المال أيضاً في سلطنة السلطان أبي يزيد خان ثم عزل وبقي متوطناً في بروسا وبنى بها زاوية للصلحاء ومات في سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة وتسعمائة ودفن في زاويته المذكورة رحمه الله تعالى.
٣٩٥ - ابن الحطاب الشويكي: ابن الحطاب الأبله، المبارك الشويكي الممشقي. كان في أول أمره حائكاً مجيداً، وحصل له توله وتزايد عليه، وكان الناس يتبركون به، وتوفي في سابع عشر شعبان يوم السبت سنة ثلاث عشرة وتسعمائة، ودفن بمقبرة الحمرية، وجعل على قبره إشارة رحمه الله تعالى.
٣٩٦ - حميد الدين الحسيني: حميد الدين بن أفضل الدين العالم العلامة المولى حمد الله الحسيني. كان له حظ عظيم من الورع والتقوى والعلم والفضل. قرأ على والده، وكان والده عالماً صالحاً زاهداً قانعاً صبوراً، وعلى غير والده، ثم خدم المولى بيكان، ثم أعطي تدريس مدرسة السلطان مراد خان ببروسا، وعزل عنها في أوائل دولة السلطان محمد خان، فأتى القسطنطينية، فبينما هو ذات يوم مار في بعض طرقاتها إذ لقي السلطان محمد، وهو ماش مع عدة من علمائه، وكان ذلك عادته قال: فعرفته، ونزلت عن فرسي، ووقفت فسلم علي، وقال: أنت ابن أفضل الدين؟ قلت: نعم، قال: أحضر الديوان غداً، قال: فحضرت، فلما دخل الوزراء عليه قال: جاء ابن أفضل الدين، قالوا: نعم قال: أعطيته مدرسة والدي السلطان مراد خان ببروسا، وعينت له كل يوم خمسين درهماً، وطعاماً يكفيه من مطبخ عماتي. قال: فلما دخلت عليه، وقبلت يده أوصاني بالإشتغال بالعلم، وقال: أنا لا أغفل عنك، ثم أعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثماني، ثم جعله قاضياً بالقسطنطينية، ثم صار مفتياً بها في أيام السلطان أبي يزيد خان، واستمر حتى مات، وكان عالماً كبيراً. ذكر تلميذه المولى محيي الدين الفناري أنه لم يجد مسألة من المسائل شرعية أو عقلية إلا وهو يحفظها، وقال: لو ضاعت كتب العلم كلها لأمكن أن يمليها من حفظه، وهذا الكلام في نفس الأمر غلو وإغراق.
وحكى في الشقائق عنه أنه حكى عن نفسه أنه وقع بالقسطنطينية طاعون حين كان مدرساً
стр. 182
بإحدى الثماني، فخرج ببعض أولاده إلى بعض القرى، وهي زلة لا تليق بمقام مثله، وكان حليماً صبوراً لا يكاد يغضب حتى تحاكم إليه، وهو قاض رجل وإمراة، فحكم للرجل، فاستطالت عليه المرأة، وأساءت القول في حقه، فلم يزدها على أن قال: لا تتعبي نفسك حكم الله لا يغير، وإن شئت أن أغضب عليك، فلا تطمعي، وله حواش على شرح الطوالع للأصبهاني، وهي متداولة مقبولة، وحواش على شرح المختصر للسيد الشريف، وهي مقبولة أيضاً، وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعمائة.
٣٩٧ - حيدر الخيالي: حيدر العالم الفاضل المولى الرومي، الحنفي ابن أخي المولى الخيالي، وحفيد المولى محمد بن الفناري. اشتغل في العلم، وخدم المولى محمود القوجوي، وصار معيد الدرس، وكان يومئذ مدرساً بدار الحديث بأدرنة، وقرأ عليه المطول من أوله إلى آخره، وصحيح البخاري من أوله إلى آخره، وكان يقرأ عليه في أثناء الدرس شرح الكرماني، ثم رحل إلى مصر، وأخذ عن علمائها التفسير، والحديث، والأصول، والفروع، ثم عاد إلى الروم، فصار متولياً على أوقاف عمارة السلطان محمد خان ببروسا، ثم على أوقاف السلطان أورخان بها، وكان له يد طولى في النظم والنثر بالعربية مع الفصاحة والبلاغة. توفي ببروسا في أواخر دولة السلطان سليم خان بن السلطان أبي يزيد خان رحمهم الله تعالى.
حرف الخاء المعجمة
من الطبقة الأولى: ٣٩٨ - خالد بن عبد الله الأزهري: خالد بن عبد الله بن أبي بكر، الشيخ العلامة النحوي زين الدين المصري الأزهري الوقاد به. اشتغل وبرع، وانتفعت به الطلبة، وصنف شرحاً على أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام، وهو المشهور بالتوضيح، وإعراباً على الألفية لابن مالك، وشرحاً على الجرومية، وآخر على قواعد الإعراب لابن هشام، وآخر على الجزرية في التجويد، وآخر على البردة، والمقدمة الأزهرية، وشرحها، وكثر النفع بتصانيفه لوضوحها. وكانت وفاته في رابع عشر المحرم سنة خمس وتسعمائة بعد أن حج، ووصل إلى بركة الحاج خارج القاهرة، وكان صحبة الركب الأول، وحصل له محنة من العرب رحمه الله تعالى.
٣٩٩ - خضر بن محمد الحسباني: خضر بن محمد الشيخ زين الدين الحسباني عامل
стр. 183
أوقاف الحرمين الشريفين بدمشق. مولده تقريباً في أوائل الثلاثين وثمانمائة، وتوفي يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة ست عشرة وتسعمائة، ودفن شرقي القلندرية بمقبرة باب الصغير عند والده أبي الفضل. قال ابن طولون: وبمجرد إهالة التراب في قبره أذن المغرب، فأذن شخص عند قبره وفرح - رحمه الله تعالى -.
٤٠٠ - خضر بن أحمد الرومي: خضر بن أحمد، الشيخ. العارف المولى خضر بيك ابن المولى أحمد باشا الرومي الحنفي. تربى عند والده، وحصل فضيلة وافرة من العلم وصار مدرساً بمدرسة السلطان مراد الغازي ببروسا، وانتفع به الطلبة، وفضلوا عنده، ثم مال إلى التصوف وتهذيب الأخلاق، وصار خاشعاً. وقوراً، ساكناً، مهيباً، متأدباً، متواضعاً مراعياً لجانب الشريعة، حافظاً لآداب الطريقة، مقبولاً عند الخاصة والعامة. حتى توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وتسعمائة ﵀.
٤٠١ - خضر نائب قلعة مصر: خضر الأمير خير الدين نائب قلعة مصر، كان ديناً عفيفاً، عاقلاً، شفوقاً، محترماً، ذا رأي وتؤدة يحمل هم الخلق في الحوادث، ويشفع وينفع مع حسن اعتقاد. وبر للفقراء والمساكين دائماً من سماطه صباحاً ومساءً، وعمر مسكنه بالقلعة مسجداً، وأوصى أن يعمر مقام سيدي سارية، وأن يدفن فيه. ففعلوا، ومات ليلة الأربعاء خامس ربيع الثاني سنة سبع بتأخير الباء الموحدة وعشرين وتسعمائة عن نحو سبعين سنة بمصر، وأوصى بألفي دينار من ماله للصدقات، وأن يحج عنه.
٤٠٢ - خطاب بن محمد الصالحي الحنبلي: خطاب بن محمد بن عبد الله الكوكبي، ثم الصالحي، الدمشقي، الحنبلي الشيخ المفيد زين الدين. حفظ القرآن في مدرسة الشيخ أبي عمر، وأخذ عن الشيخ صفر، والشهاب بن زيد وغيرهم، واشتغل في العربية على الشيخ شهاب بن شكم، وحل عليه ألفية العراقي في علم الحديث، واعتنى بهذا الشأن. قال ابن طولون: أنشدنا لنفسه في مستهل رجب سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وكان الطاعون موجوداً بدمشق يومئذ:
بطشت يا موت في دمشق ... وفي بنيها أشد بطش
وكم بنات بها بدوراً ... كانت فصارت بنات نعش
وقال: عرض له ضعف في بعض الأحيان، وكان عند الناس أنه فقير، فأوصى بمبلغ من
стр. 184
الذهب له كمية جيدة، ثم برأ من ذلك الضعف، فشنق نفسه بخلوته بالضيائية في سابع عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعمائة. رحمه الله تعالى.
٤٠٣ - خليل بن محمد بن خلفان: خليل بن محمد بن أبي بكر بن خلفان - بفتح المعجمة والفاء، وإسكان اللام بينهما، وبالنون آخره - القاضي غرس الدين الدمشقي الحنبلي، المعروف بالسروجي. ولد في ربيع الأول سنة ستين وثمانمائة بميدان الحصا، واشتهر بالشهادة، ثم فوض إليه نيابة الحكم مدة يسيرة، وتوفي يوم الخميس سابع شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربة الجورة بالميدان - رحمه الله تعالى رحمة واسعة -.
٤٠٤ - خليل بن إيراهيم الصالحي: خليل بن إبراهيم بن عبد الله، الشيخ المحدث أبو الوفاء، ابن أبي الصفا الصالحي، الحنفي، ولد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. أجاز ابن طولون، والكفرسوسي، وابن شكم وغيرهم في صفر سنة سبع وتسعمائة، وأجاز لمن أدرك حياته، ومن مشايخه ابن حجر، والشيخ سعد الدين الديري الحنفي، والعيني، والقاياتي، والعلم البلقيني وغيرهم رحمه الله تعالى.
٤٠٥ - خليل بن سالم الحلبي: خليل بن سالم، الشيخ الصالح. الصوفي. الحريري. الخرقة الحلبي، المعروف بابن النفاش بالفاء، كان يصدع بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان له اهتمام بترميم المساجد من ماله حتى اتهمه الأستادار في الدولة الجراكسية بدفين ظفر به، وأراد أن يأخذ منه مالاً بطريق الجور، فصدعه بالقول وهول عليه، فلم يستطع التوصل إليه ذكره ابن الحنبلي. وقال: توفي عن سن عالية في سنة ثمان وعشرين وتسعمائة أو بعدها - رحمه الله تعالى.
٤٠٦ - خليل بن عبد القادر بن غرس الدين: خليل بن عبد القادر بن عمر بن محمد، الشيخ الإمام، العالم المحدث غرس الدين أبو سعيد بن الشيخ أبي المفاخر زين الدين ابن الشيخ العلامة سراج الدين، الجعبري الأصل، الحلبي الشافعي سبط خطيب الأقصى، الشيخ شهاب الدين القرقشندي. ولد في المحرم سنة تسع وستين وثمانمائة بالقدس الشريف، واشتغل في العلم على جماعة منهم شيخ الإسلام الكمال بن أبي شريف، والشيخ العلامة
стр. 185
برهان الدين الخليلي الأنصاري وغيرهما، وجمع معجماً لاسماء شيوخه. ولي حصة من مشيخة حرم الخليل عن والده المتوفي في المحرم سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وكان رجلاً خيراً ديناً من أهل العلم، والتواضع والناس سالمون من يده ولسانه، وتوفي في أحد الربيعين سنة ست وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٠٧ - خليل بن نور الله بن خليل الله: خليل بن نور الله، الشيخ العلامة، المعروف بمنلا خليل الله الشافعي تلميذ المنلا علي القوشجي. دخل حلب وقطنها، واكب على القراءة عليه بها جماعة، منهم الشمس السفيري، وكتب على الفتوى، وكان يختمها بخاتم له على طريقة الأعجام. قيل: وكان يفتي من الرافعي الكبير بقوة المطالعة، وكانت له مواعيد حسنة بجامع حلب، وألف رسالة في المحبة، ورسالة في الفتوح، في بيان النفس والروح، ورسالة في بيان " نكتة التثنية، في قوله تعالى: " رب المشرقين ورب المغربين " " سورة الرحمان: الآية ١٧ " مع الإفراد في قوله: " رب المشرق والمغرب " " سورة المزمل: الآية ٩ " والجمع في قوله: " رب المشارق والمغارب " " سورة المعارج: الآية ٤٠ " وكانت وفاته سنة ثمان وتسعمائة، وحمل سريره برسباي الجركسي كافل حلب، ودفن بتربة السفيرفي خارج باب المقام، وتأسف لفقده الفضلاء والنبلاء رحمه الله تعالى.
٤٠٨ - خليل بن خليل الفراديسي الحنبلي: خليل بن خليل الفراديسي الصالحي الحنبلي. الشيخ غرس الدين أبو القاسم. كما قال ابن طولون: حفظ القرآن، ثم قرأ المحرر للمجد بن تيمية، وأخذ عن النظام بن مفلح، والشهاب بن زيد، والشيخ صفي الدين، ولازم شيخنا القاضي ناصر الدين بن زريق، وأكثر من الأخذ عنه، ثم أقبل على الشهادة والمباشرة لأوقاف مدرسة أبي عمر وغيرها، قال ابن طولون: أجاز لنا، وكتب عنه فوائد، توفي في حبس كرتباي الأحمر ملك الأمراء بدمشق سنة أربع وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٠٩ - خليل الأوسي: خليل القاضي غرس الدين الأوسي، الرملي الشافعي. قاضي الرملة، المعروف بابن المدققة. توفي بالقاهرة يوم الجمعة خامس شوال سنة تسع وتسعمائة - رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 186
٤١٠ - خليل الرومي: خليل. العالم الفاضل المولى الرومي. الحنفي، المشهور بمنلا خليلي. كان حليماً كريماً متواضعاً متخشعاً إلا أنه كان يغلب عليه الغفلة في سائر أحواله. درس في بعض مدارس الروم، ثم بإحدى الثماني، ثم (بمدرسة أدرنة، ثم أعطي قضاء القسطنطينية في دولة السلطان أبي يزيد خان، ثم قضاء العسكري الأناظولي، ثم الروم إيلي، ومات على ذلك فى أوائل دولة السلطان سليم خان بن أبي يزيد خان رحمه الله تعالى.
٤١١ - خليل القلعي: خليل القلعي، الشافعي، العبد الصالح والد إمام الجوزة. كان على طريقة السلف الصالحين رحمه الله تعالى.
٤١٢ - خليل المقيم بالكلاسة: خليل، الشيخ الصالح الموله المقيم بالكلاسة بدمشق، كان للناس فيه اعتقاد عظيم، وكان يحبون أن يطلب منهم الدراهم. فيعطونه. توفي في أواخر الحجة سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤١٣ - خميس المجذوب: خميس، الشيخ الصالح المجنوب صاحب الحال والتمكين بدمشق، واشتهر أنه هو الذي أدخل الشي حسن ابن الشيخ سعد الدين الجباوي إلى الشام، وكان سبب رسوخ الطائفة السعدية في دمشق، وكان إذا مر به أحد يأمره بتقبيل يد الشيخ حسن واعتقاده، وقال الشيخ موسى الكناوي: لم أره. وحكى عنه أصحابنا حكايات تدل على تصرفه وسعة حاله. قال: ومن أصحابه سيدي محمد بن قيصر القبيباتي. قلت: من الحكايات المشهورة عنه أن بعض جماعته، ولعله ابن قيصر. كان يتردد إلى سيدي علي بن ميمون بالصالحية، وكان ابن ميمون ربما لاح منه إنكار على الشيخ حسن، فذكر ذلك لسيدي خميس، فقال لذلك الرجل: الذي كان يتردد إلى سيدي علي بن ميمون. قل لابن ميمون لما سقطت نعلك في البحر. وأنت في السفينة في يوم كذا من ردها إليك إلا رجال الشام، فذكر ذلك لابن ميمون، فاعترف بذلك، وصار يتأدب بعد ذلك مع الشيخ خميس - رحمه الله تعالى - ومات سيدي خميس في سنة ثماني عشرة وتسعمائة أو دونها، ودفن بمقبرة القبيبات رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 187
٤١٤ - خديجه بنت محمد البيلوني: خديجة بنت محمد بن حسن البابي الحلبي، المعروف بابن البيلوني، الشافعي. الشيخة الصالحة المتفقهة، الحنفية، أجاز لها الكمال بن الناسخ الإطرابلسي وغيره رواية صحيح البخاري، واختارت مذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - مع أن أباها وأخوتها شافعيون حفظاً لطهارتها عن الانتقاض بما عساه يقع من مس الزوج لها، وحفظت في مذهب الحنفية كتاباً، وكانت دينة، صينة، متعبدة، مقبلة على التلاوة إلى أن توفيت في رمضان سنة ثلاثين وتسعمائة رحمها الله تعالى.
حرف الدال المهملة
من الطبقة الأولى:
٤١٥ - دمرادش المحدث: دمرداش المحمدي، الشيخ الصالح الورع المعتقد، صاحب الزاوية، والغيط بالقاهرة ذكر ابن طولون أنه كان أحد مماليك السلطان قايتباي الملك الأشرف، والظاهر أنه ليس كذلك، فإن الشيخ عبد الوهاب الشعراوي، ذكر أنه كان أجل أصحاب سيدي أحمد بن عقبة المغربي، المدفون في حوش السلطان برقوق، بصحراء مصر، فلما مات شيخه، ساح في البلاد حتى دخل تبريز العجم، فصحب الشيخ العارف سيدي عمر روشني بها وأقام عنده مدة، ثم رجع إلى مصر، فنزل بالبرية خارج الحسينية، فسأل السلطان قايتباي أن يأفن له في إحياء أرض زاويته، والغيط المعروف به الآن، فأذن له فأقام بغرس النخيل، وسقيه نحو خمس سنين، وهو في خص، هو وزوجته، فغرس ألف نخلة فلم يخطيء منها واحدة، وليس منذ غرس غيطة بمصر، أحسن تمراً من غيطه، ولتمره شهرة زائدة، وكل ذلك ببركة التقوى، وملاحظة النية عند غرسه فإنه أخبر عن نفسه، أنه لم يغرس نخلة قط، إلا على نية الفقراء، والمساكين الذين هو من جملتهم، وذكر أن سيدي إبراهيم المتبولي، هو الذي أشار عليه بذلك، وقال له: يا دمرداش كل من عمل يدك، وإياك والأكل من صدقات الناس، فإنهم يتقاسمون حسناتك في الآخرة، وقد وقف غيطه، وشرط أن تنقسم غلته أثلاثاً ثلاث لمصالح الغيط، وثلث لورثته، وثلث الفقراء والمساكين القاطنين بالزاوية، والواردين إليها، وشرط على القاطنين بزاويته، أن يقرأوا كل يوم ختماً يتناوبونه، ثم يجتمعون قبيل المغرب، ويهدونه إلى النبي ﷺ ، وإلى الشيخ محيي الدين بن العربي - رضي الله تعالى عنه - وقال العلائي: كان على سمت حسن يكل الحلال، ويطعمه، وكان يعتقد ابن العربي، وابن الفارض، واستكتب، الفتوحات المكية، وغالب شروح التائية، وقال الشعراوي: أقام عند
стр. 188
الفقراء الصادقون، وانتفعوا به، واستخلف منهم جماعة، وأذن لهم بالتسليك في مصر، منهم الشيخ حسن الجركسي، والشيخ محمد الحانوتي، والشيخ كريم الدين بن الزيات، وهو الذي أحيى طريقة شيخه بعده، قال: وزاوية الشيخ دمرداش عامرة بالسماط، والفقراء، وليس في مصر زاوية يأكل فقراؤها حلالاً مثلها لأن وقفها، من عمل الشيخ بيده، لا منة لأحد فيه على الفقراء، ولا رياء فيه، ولا سمعة قال: وكان إذا غلب عليه الحال يأكل الإردب الفلفل، وعمل له مرة الأمير قبردي الدوادار سماطاً، وأرسل يقول له: ائت بجميع أصحابك، فلم يأت معه أحد، فجلس على السماط قيل: وكان يكفي خمسمائة نفس، فقال: أما ننتظر الجماعة فقال الشيخ: أنا أسد عنهم، فصار يأكل من الإناء، ويلحسه حتى أكله كاملاً، وقال: لم أشبع فآتوه بكسر يابسة، وبقية الطعام الذي ترك للعيال، والغز، فاستغفر الأمير، واعتذر للشيخ وقيل له: كيف أكلت ذلك كله؟ فقال: رأيته شبهات، فحضرت بطائفة من الجن فكلوه، وحميت الفقراء منه، وذكر العلائي أنه توفي في عصر يوم السبت، حادي عشري في الحجة سنة تسع، بتقديم المثناة وعشرين وتسعمائة، وأقيم مكانه ولده سيدي محمد، وذكر ابن طولون، أنه صلي عليه غائبة بالجامع الأموي بدمشق يوم الجمعة سابع عشر المحرم، سنة ثلاثين وتسعمائة، ثم صلي عليه بالعمارة السليمية بالصالحية، في الجمعة التي تليها، ولعل ذلك لاعتقاده الزائد في ابن العربي - رضي الله تعالى عنهما - ورحمهما رحمة واسعة.
حرف الذال المعجمة
من الطبقة الأولى: ٤١٦ - ذو النون الكملاني: ذو النون الشيخ الإمام، العالم الصالح الزاهد المجذوب الكملاني، كذا ترجمه الشيخ شهاب الدين الحمصي، في تاريخه، وقال: وكان له أحوال ظاهرة ومكاشفات غريبة، وكان لا يستقر في مكان إلا قليلاً، وانتقل في آخر أمره إلى الجبل المانع، بالقرب من قرية الكسوة بدمشق، وأقام به مدة، ثم رجع إلى مقام السيد ضرار بن الأزور الصحابي - رضي الله تعالى عنه - خارج دمشق، وأقام به مدة، ثم عاد إلى الجبل المانع، فعدا عليه جماعة من المناحيس، الفلاحين الفسقة، فقتلوه ليلاً، وقطعوا رجله، ودفنوه تحت أحجار بالجبل المذكور، ففطن به جماعة من جيرة الجبل المذكور، فأخرجوه، وأحضروه إلى قرب سيدي الشيخ أرسلان، فغسلوه، وكفنوه، ودفنوه بالمكان الذي أنشأه القرب من سيدي ضرار بن الأزور، المذكور، وتأسف الناس عليه، وكان قتله في رجب سنة تسع وعشرين، وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 189
حرف الراء
من الطبقة الأولى:
٤١٧ - رجب قاضي البقاع: رجب القاضي زين الدين قاضي البقاع، من أعمال دمشق. قال الحمصي: كان من الفضلاء. توفي في رابع عشر القعدة سنة ثماني عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة. آمين.
٤١٨ - رستم الرومي: رستم الشيخ العارف بالله تعالى، رستم خليفة الرومي البرسوي الحنفي، أصله من قصبة كونيك، من ولاية أناظولي، وأخذ الطريق عن الشيخ العارف المعروف بحاجي خليفة الرومي، ويفهم من سيرته أنه كان أويسيا، له خوارق، ويتستر بتعليم الأطفال، وكان لا يتكلم إلا عن ضرورة، وله أنعام تام على الأغنياء والفقراء، وإذا أهدى إليه أحد شيئاً كافأه بأضعافه، ولم يكن له منصب، ولا مال، وحكى عن نفسه، أنه رمد مرة فلم ينفعه الدواء، فرأى رجلاً فقال له: يا ولدي إقرأ المعوذتين في الركعتين الأخيرتين من السنن المؤكدة قال: فداومت على ذلك فشفي بصري، وكان بعض جماعته يقول: نرى أن ذلك الرجل هو الخضر ﵇، وخرج جماعة من المارقين على بروسا، في سنة سبع عشر وتسعمائة، فاضطرب الناس اضطراباً شديداً، حتى هموا بالفرار، فاستغاثوا بالشيخ رستم خليفة، فقال لهم هؤلاء الجماعة: لا يدخلون هذا البلد، ولا يلحق أهله ضرر من جهتهم، فثبتوا مكانهم، وكان كما قال: ومات في تلك السنة، ودفن ببروسا ﵀.
٤١٩ - رمضان الرومي: رمضان الرومي، الشيخ العارف بالله تعالى، المقيم بأدرنة، كان صوفياً، وأخذ عن الشيخ العارف المعروف بالحاج بيرام، وكان بحراً زاخراً في المعارف الإلهية، وطوداً شامخاً في الإرشاد، وسلك على يديه جماعة من المريدين، وكان مجاب الدعوة، انقطع المطر مرة بأدرنة في سلطنة السلطان بايزيد خان، فاستسقى أهلها، فلم يسقوا حتى استغاثوا به، فحضر إلى المصلى، وصعد المنبر، ودعا الله تعالى، وتضرع إليه فما نزل من المنبر إلا وقد نزل المطر، وتوفي بأدرنة في أيام سلطنة السلطان المذكور رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٢٠ - رمضان الرومي أيضاً: رمضان الرومي أيضاً العالم الزاهد الورع الخاشع، المعروف بحاج رمضان المتوطن ببلدة قسطموني، من بلاد الروم، كان قائم الليل، صائم النهار، منقطعاً إلى الله تعالى، منجمعاً عن الناس قال في الشقائق: وكان بركة من بركات
стр. 190
المسلمين، توفي في أوائل دولة السلطان سليمان خان، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
حرف الزاي
من الطبقة الأولى:
٤٢١ - زكريا ابن القاضي زين الدين الأنصاري: زكريا بن محمد بن زكريا الشيخ الإمام، شيخ مشايخ الإسلام، علامة المحققين، وفهامة المدققين، ولسان المتكلمين، وسيد الفقهاء والمحدثين، الحافظ المخصوص بعلو الأسناد، والملحق للأحفاد بالأجداد، العالم، العامل، والولي الكامل، الجامع بين الشريعة والحقيقة، والسالك إلى الله تعالى أقوم مسالك الطريقة، مولانا وسيدنا قاضي القضاة، أحد سيوف الحق المنتضاة، زين الدين أبو يحيى الأنصاري السنيكي، المصري، الأزهري، الشافعي، وسنيكة المنسوب إليها - بضم السين وفتح النون وإسكان الياء المثناة تحت وآخر الحروف تاء التأنيث - بليدة من شرقية مصر. قرأت بخط شيخ الإسلام الوالد أنه ولد ببلده في سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. وقال الحمصي: في سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وحكى العلائي. عن الشيخ الصالح المعتقد ربيع ابن الشيخ المصطلم عبد الله السلمي الشنباري أنه يوماً بسنيكة مسقط رأس الشيخ زكريا، وإذا بامرأة تستجير به وتستغيث أن ولدها مات أبوه، وعامل البلد النصراني قبض عليه يروم أن يكتبه موضع أبيه في صيد الصقور، فخلصه الشيخ منه، وقال لها: إن أردت خلاصه فافرغي عنه يشتغل ويقرأ بجامع الأزهر، وعلي كلفته، فسلمت إليه الشيخ زكريا على ذلك ليتنصل من الفلاحة، وكان عليه يومئذ خلق ثوب وزمط مقور، فلا زال يشتغل الشيخ زكريا حتى صار إلى ما صار إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال العلائي: وكان إذا ورد عليه الشيخ ربيع أو زوجته أو أحد من أقاربه يجله في زمن صمدته ومنصبه، وكان يقضي حوائجهم، ويعترف بالفضل لهم، وربما مازحته زوجة الشيخ ربيع التي ربته، وحكى الشيخ عبد الوهاب الشعراوي، عن الشيخ زكريا - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: جئت من البلاد وأنا شاب، فلم أعكف على الاشتغال بشيء من أمور الدنيا، ولم أعلق قلبي بأحد من الخلق. قال: وكنت أجوع في الجامع كثيراً. فأخرج في الليل إلى الميضأة وغيرها، فأغسل ما أجده من قشيرات البطيخ حوالي الميضأة وآكلها، وأقنع بها عن الخبز، فأقمت على ذلك الحال سنين، ثم إن الله تعالى قيض لي شخصاً من أولياء الله تعالى كان يعمل في الطواحين في غربلة القمح،
стр. 191
فكان يتفقدني ويشتري لي ما أحتاج إليه من الأكل والشرب والكسوة والكتب، ويقول لي: يا زكريا لا تخف عني عن أحوالك شيئاً، فلم يزل معي كذلك عدة سنين، فلما كان ليلة من الليالي أخذ بيدي والناس نائمون. وقال لي: قم معي، فقمت معه فأوقفني على سلم الوقادة الطويل بالجامع، وقال: إصعد هذا الكرسي، فلم يزل يقول لي اصعد إلى آخر درجة. ثم قال: إنزل، فنزلت، فقال لي: يا زكريا إنك تعيش حتى تموت أقرانك، ويرتفع شأنك، وتتولى مشيخة الإسلام - يعني قضاء القضاة مدة طويلة - وترتفع على أقرانك، وتصير طلبتك مشايخ الإسلام في حياتك حتى يكف بصرك قلت: ولا بد لي من العمى. فقالا: لا بد، ثم انقطع عني فلم أره من ذلك. انتهى.
واشتغل - رضي الله تعالى عنه - في سائر العلوم المتداولة، وبرع فيها، فقرأ القرآن العظيم على جماعة منهم الإمام الرحلة زين الدين أبو النعيم رضوان بن محمد العقبي، والإمام المقريء نور الدين علي بن محمد ابن الإمام فخر الدين المخزومي البلبيسي الشافعي إمام الأزهر قراءة عليهما جميعاً للأئمة السبعة، ومنهم الإمام العلامة زين الدين ظاهر بن محمد بن علي النويري المالكي جميعاً للأئمة الثلاثة زيادة على السبع، وقرأ على العقبي الشاطبية، والرائية، وسمع عليه من التيسير للداني يسيراً، وتفقه بجماعة منهم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، وفقيه الوقت الشرف موسى بن أحمد السبكي، ثم القاهري، والشيخ شمس الدين محمد بن علي البدشيني نزيل تربة الجبرتي بالقرافة، والعلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن رجب القاهري عرف بالمجدي، والعلامة شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الحجازي مختصر الروضة، والشيخ العلامة شمس الدين محمد بن إساعيل الوفائي، وقرأ على شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن على القاياتي أول شرح البهجة للعراقي إلى الأمان، ومن الأمان إلى آخره، وعلى العلامة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، وأذن له جماعة من هؤلاء وغيرهم بالتدريس والإفتاء، وقرأ كتاب " التبيان، في آداب حملة القران "، للنووي على الشيخ أبي إسحاق الصالحي، وأخذ العربية، والأدب، والأصول، والمعقولات عن شيخ الإسلام ابن حجر، وعن المحيوي الكافيجي، والتقي الحصكفي وعن غيرهم، وكان رفيقاً للجمال يوسف الكوراني، والعماد إسماعيل الكردي، على الشمس الشرواني في هذه، وسمع عليه هو والعماد المذكور بقراءة الكوراني شرح المواقف. لكن نقل العلائي أن الشمس الشرواني لما سئل عن هؤلاء في فهم الكتاب المذكور قدم الكوراني عليهما، وأخذ القاضي زكريا - رحمه الله تعالى - الحديث عن جماعة منهم ابن حجر قرأ عليه السيرة النبوية لابن سيد الناس، والسنن لابن ماجة لما عدا من قوله في آخر الدعوات ما يدعو به الرجل إذا خرج من
стр. 192
بيته إلى آخر الكتاب، فمات ابن حجر قبل إكماله، وسمع عليه أشياء كثيرة، وقرأ على أبي النعيم رضوان العقبي مسند الإمام الشافعي، وصحيح مسلم، والسنن الصغرى للنسائي، وسمع عليه شرح معاني الآثار للطحاوي وغير ذلك كثيراً، وقرأ صحيح البخاري على أبي إسحاق إبراهيم بن صدقة الحنبلي، وسمع جميعه على الشمس القاياتي، وأكثره على ابن حجر، وأجازه خلائق يزيدون على مائة وخمسين نفساً ذكرهم في ثبته، ولبس الخرقة الصوفية من الشيخ أبي العباس أحمد بن علي الأتكاوي، والشيخ أبي الفتح محمد بن أبي أحمد الغزي، والشيخ أبي حفص عمر بن علي النبتيتي، والشيخ أحمد ابن الفقيه علي الدمياطي. الشهير بابن الزلباني، والشيخ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي التميمي الخليلي، وكلهم شافعيون، وتلقن منهم الذكر، وأذنوا له بالتلقين والإلباس، وكنلك أخذ الطريق عن أوحد الجماعة القائم في النصيحة بين العباد بما استطاعه سيدي محمد بن عمر الواسطي، الغمري، الشافعي بحق أخذه عن سيدي الشيخ أحمد الزاهد صاحب الستين مسألة في الفقه - رضي الله تعالى عنه - وسافر شيخ الإسلام زكريا وهو بالمحلة الكبرى من مصر، وأقام عنده أربعين يوماً، وقرأ عليه كتاب " قواعد الصوفية " له كاملاً، ثم رجع إلى مصر. قال الشعراوي: وأخبرني - رضي الله تعالى عنه - أنه دخل مرة على سيدي محمد الغمري الخلوة على غفلة، فرأى له سبع عيون قال: لما بهت فيه. قال لي: يا زكريا إن الرجل إذا كمل صار له عيون بعدد أقاليم الدنيا. قال: ودخلت عليه مرة أخرى، فرأيته متربعاً في الهواء قريباً من سقف الخلوة. قال الشعراوي: وأخبرني أنه من حين كان شاباً يحب طريق الصوفية، ويحضر مجالس ذكرهم حتى كان أقرانه يقولون: زكريا لا يجيء منه شيء في طريق الفقهاء لكوني كنت مكباً على مطالعة رسائل القوم، مواظباً على مجالس الذكر، قال: ولما اشتغلت بالعلم، وبرعت فيه - بحمد الله تعالى - شرحت البهجة. قال: فلما أتممت شرحها غار بعض الأقران، فكتب على بعض نسخ الشرح كتاب الأعمى والبصير تعريضاً بأني لا أقدر أشرح البهجة وحدي، وإنما ساعدني فيه رفيق أعمى كنت أطالع أنا وإياه. قال: فاحتسبت بالله تعالى، ولم ألتفت إلى مثل ذلك. قال: وكان تأليفي لشرح البهجة في يوم الاثنين، والخميس لكونها
ترفع فيها الأعمال. كما ورد في الحديث. انتهى. ع فيها الأعمال. كما ورد في الحديث. انتهى.
ثم وكان - رضي الله تعالى عنه - بارعاً في سائر العلوم الشرعية وآلاتها حديثاً، وتفسيراً، وفقهاً، وأصولاً، وعربية، وأدباً، ومعقولاً، ومنقولاً. فأقبلت عليه الطلبة للإشتغال عليه، وعمر حتى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخ الإسلام، وقرت عينه بهم في محافل العلم، ومجالس الأحكام قصد بالرحلة إليه من الحجاز والشام ومن أعيان من أخذ عنه الشيخ الإمام
стр. 193
العلامة جمال الدين عبد الله الصافي، والشيخ الإمام نور الدين المحلي، والشيخ الإمام مجلي، والشيخ الفقيه عميرة البرلسي، والشيخ العلامة السيد كمال الدين بن حمزة الدمشقي، والشيخ بهاء الدين المفصي، وشيخ الإسلام الجد، وشيخ الإسلام الوالد. قرأ عليه المنهاج والألفية، وسمع عليه أشياء كثيرة، والشيخ العلامة مفتي البلاد الحلبية البدر بن السيوفي، والشيخ العلامة شهاب الدين الحمصي، والشيخ العلامة بدر الدين العلائي الحنفي، والشيخ العلامة شمس الدين الشبلي، والشيخ الصالح الولي عبد الوهاب الشعراوي، والشيخ العلامة فقيه مصر شهاب الدين الرملي القاهري، وولده شيخنا العلامة شمس الدين الرملي، والشيخ العلامة مفتي الحجاز، وعالمها شهاب الدين بن حجر الهيتمي. شارح المنهاج، وولد الشيخ زكريا الشيخ العلامة الصالح العلامة نور الدين النسفي المصري، ثم الدمشقي وغيرهم. وولي الجهات والمناصب، وولاه السلطان قايتباي قضاء القضاة، فلم يقبله إلا بعد مراجعة كلية، ثم عزل عن القضاء بسبب خطه على السلطان بالظلم، وزجره عنه تصريحاً وتعريضاً. قال العلائي: وعاش عزيزاً مكرماً محظوظاً في جميع أموره ديناً ودنيا بحيث قيل: إنه حصل له من الجهات والتداريس والمرتبات والأملاك قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، وجمع من الأموال، والكتب النفيسة ما لم يتفق لمثله. قال: ومتع بالقول على ملازمة العلم والعمل ليلاً ونهاراً مع مقارنة مئة سنة من عمره من غير كلل ولا ملل مع عروض الإنكفاف له. بحيث شرح البخاري جامعاً فيه ملخص عشرة شروح، وحشى تفسير البيضاوي في هذه الحالة، وكان يبر من الطلبة من يسوق له عبارات الكتب، فيأمره بكتابة ما يراه منها، " ويحرر من غير ضجر، وكان يقرأ عليه الدروس ومروياته في الحديث، ويراجع مصنفاته فيصلحها " ويحررها المرة بعد الأخرى إلى آخر وقت قال: وكان رجاعاً إلى الخير. منقاداً للمعروف، ولو من الأداني، منصفاً لمن أوله ولو صغيراً غير متكثر بالعلوم والمشيخة، ضابطاً لأوقاته غير مضيع لعمره، سليماً من العوارض والعواطل غير أنه تحمل في منصب القضاء لمراعاة مصالح دنياه وحفدته أموراً تخشى عاقبتها، حتى أنشد فيه الشيخ تاج الدين بن شريف.
قاضي سنيكة عالم متبحر ... لكنه لكنه لكنه
ثم انتقد عليه أموراً ظاهرها التعصب، ومنها حادثة وقعت للعلائي نفسه، مع رأس نوبة النواب الأمير أزبك اليوسفي، بسبب المدرسة العلائية الديلمية، زعم العلائي أن صاحب الترجمة راعى جانب الأمير أزبك فيها، ثم قال العلائي. معتذراً: لعمري أني رقمت هذه الأمور، وإني في تأثر وحيرة، فإنه من شيوخنا في الجملة دراية، وروايةً وإن شاركناه في كثير من شيوخه، وقد جمع من أنواع العلوم، والمعارف، والمؤلفات المقبولة، ومكارم الأخلاق،
стр. 194
وحسن السمت، والتؤدة، والأخذ عن الأكابر، ما لم يجمعه غيره، فإنه آخر من روى عن الضابط الصين المسند أبي النعيم رضوان العقبي، وعن القاياتي إلى أن قال: وكان قلمه أجود من تقريره، لكنه رزق حظاً وافراً وتكاثرت عليه صغار الطلبة، والمشايخ الكمل، ووسع الناس، واستجلبهم بقبول ما يأتون، والتوجه إلى ما يبدون. قال: وسبب ذلك في الحقيقة كثرة اطلاعه، وتحصيل الكتب الواسعة، ولفظ نكت المتأخرين، ونوابغهم، وغفلة غالب الناس عن ما أخذه لقصور هممهم، وعدم اطلاعهم انتهى.
وإنما ذكرت كلام العلائي هذا لاشتماله على تقرير حال الشيخ - رضي الله تعالى عنه وإن اشتمل على غض قليل من مقامه لأن الفاضل لا يخلو من حاسد مناكد، ولا بد لكل من تولى القضاء من راض منه وساخط، وكذلك تباعد أكثر السلف عن تولية القضاء كأبي حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، فمثل ذلك لا يكون جرحاً في مثل صاحب الترجمة مع إطباق الناس على تعديله، واعتقاد تقديمه وتفضيله، وقد كان - رضي الله تعالى عنه - يتأسف على تولية القضاء. قال الشعراوي: قال في مرة إنها كانت غلطة. فقلت له: ما هي؟ فقال: لي توليتي للقضاء صيرتني وراء الناس مع أني كنت مستوراً قال: فقلت له: يا سيدي إني سمعت بعض الأولياء يقول: كانت ولاية الشيخ للقضاء ستراً لحاله لما شاع عند الناس من صلاحه وزهده وورعه ومكاشفاته. قال: فقال: الحمد لله الذي خففت عني يا ولدي. قال الشعراوي: وكانت أول شهرة يعني بالصلاح والولاية في أيام السلطان خشقدم، وذلك أنه كان في باب النصر رجل مشهور بالصلاح، فمر عليه السلطان خشقدم، فوقف عليه يزوره، فقال للسلطان: إذا كان لك حاجة. فاسأل فيها الشيخ زكريا، فركب السلطان فزاره، فأسرعت الناس إليه، فمن ذلك اليوم اشتهر بالصلاح. وقال الشعراوي أيضاً: أخبرني يوماً أن الخضر ﵇ كان يجتمع بسيدي علي الضرير النبتيتي، فسأله يوماً عن أحوال علماء العصر، فصار يقول: ونعم منهم، فسأله عني فقال: ونعم منه إلا أن عنده نفيسة، فقلت: يتوب منها، ولم يبين له الخضر ذلك. قال: فتنكرت على أفعالي، وصار عندي تطير من جميع أفعالي، فأرسلت أقول لسيدي علي: إذا رأيته مرة أخرى، فاسأله يبين النفيسة لأتوب عنها، فأتاه فأخبره. وقال: إنه إذا كاتب الأمراء في حاجة يقول لقاصده: قل هذا الكتاب من الشيخ زكريا، فيسمي نفسه شيخاً. قال: فمن ذلك اليوم ما تلفظت بهنه الكلمة، وكان الشيخ بعد ذلك يقول لقاصده، إذا أرسله إلى أحد من الأمراء: يقول لك زكريا خادم الفقراء.
وذكر الشعراوي في طبقاته الكبرى والوسطى وغيرهما جملة من كراماته. منها أنه دعا لأعمى مرة، فأبصر. قلت: وحدثت عن والدي - رضي الله تعالى عنه - أن الشيخ دخل إلى
стр. 195
الغوري في حادثة تعصب الغوري فيها، فعلم الغوري بان الشيخ جاء في ذلك، فأمر البوابين، فوضعوا السلسلة على بابه، فجاء الشيخ وهو راكب على بغلته، فقطع السلسلة بكراسة كانت في يده من غير اكتراث ثم دخل ودخل الناس معه وبالجملة فقد صار أمثل أهل زمانه وأرأس العلماء من أقرانه، ورزق البركة في عمره، وعلمه وعمله، وأعطي الحظ في مصنفاته وتلاميذه حتى لم يبق بمصر إلا طلبته وطلبة طلبته، وقرئ عليه شرحه على البهجة سبعاً وخمسين مرة حتى حرره أتم تحرير، ولم ينقل ذلك عن غيره من المؤلفين، وكانت مؤلفاته " شرح الروض " و " شرح البهجة " و " المنهج " وشرحه يدرسها الناس، ويرجع إليها مدرس كل كتاب منها في حل مشكلاته، وأقرأ شيخ الإسلام الجد في شرحه على الروض وغيره، وراجعه في مواضع منه، فأصلحها، ومؤلفاته كلها حافلة، جليلة، معتبرة، مقبولة فما يتعلق بالفقه منها " المنهج وشرحه " وشرحا البهجة الكبير والصغير، وسماه بالخلاصة، وشرح الروض، وشرح التنقيح ومختصره، وشرحه مختصر أدب القضاء للغزي، والفتاوي وما يتعلق بعلم الفرائض شرحان على الفصول، وشرح الكفاية لابن الهائم، وشرح النفحة القدسية لابن الهائم أيضاً، وما يتعلق بالأول مختصر جمع الجوامع، وشرح المختصر المذكور، وحاشية على شرح جمع الجوامع للمحلي، وقطعة على مختصر ابن الحاجب، وشرح الطوالع في أصول الدين، وما يتعلق بالتفسير حاشية على البيضاوي، ومقدمة في البسملة والحمدلة، وما يتعلق بالقراءات، والتجويد مختصر المرشد للعمادي، وشرح الجزرية، ومختصر قرة العين في الفتح، والإمالة، ومقدمة في أحكام النون الساكنة والتنوين، وما يتعلق بالحديث شرح البخاري والإعلام بأحاديث الأحكام، ومختصر الآداب للبيهقي وشرح الفية العراقي، ومما يتعلق بالتصوف شرح رسالة القشيري، وشرح رسالة الشيخ أرسلان، وما يتعلق بالنحو والتصريف حاشية على ابن المصنف، وشرح الشافية لابن الحاجب، وشرح الشذور لابن هشام، وما يتعلق بالمنطق شرح إيساغوجي، وما يتعلق بالجدل شرح آداب البحث، وما يتعلق بغير ذلك مختصر بنل الماعون، وشرحا المنفرجة كبير وصغير، وديوان خطب، والثبت الذي أثبت فيه مروياته ومجيزيه، فجملة مؤلفاته أحد وأربعون مؤلفاً، وكلها نرويها بالإجازة الخاصة من شيخ الإسلام الوالد بحق أخذها عنه حين كان في طلب العلم بالقاهرة.
وكان صاحب الترجمة معما كان عليه من الاجتهاد في العلم اشتغالاً، واستعمالاً وإفتاءً، وتصنيفاً، ومعما كان عليه من مباشرة القضاء، ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا لا يكاد يفتر عن الطاعة ليلاً ونهاراً، ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقوراً، مهيباًَ، مؤانساً، ملاطفاً يصلي النوافل من قيام مع كبر سنه وبلوغه مائة سنة وأكثر، ويقول: لا أعود نفسي الكسل
стр. 196
حتى في حال مرضه كان يصلي النوافل قائماً، وهو يميل يميناً وشمالاً لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض، فقيل له في ذلك. فقال: يا ولدي النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني، وأختم عمري بذلك، وكان إذا أطال عليه أحد في الكلام يقول له: عجل قد ضيعت علينا الزمان، وكان إذا أصلح القاريء بين يديه كلمة في الكتاب الذي يقرأه ونحوه يشتغل بالذكر بصوت خفي قائلاً. الله الله لا يفتر عن ذلك حتى يفرغ، وكان قليل الأكل لا يزيد على ثلث رغيف، ولا يأكل إلا من خبز خانقاه سعيد السعداء، ويقول؛ إنما أخص خبزها بالأكل لأن صاحبها كان من الملوك الصالحين، وذكر أنه عمرها بإشارة النبي ﷺ ، وكان - رضي الله تعالى عنه - كثير الصدقة مع إخفائها، وكان له جماعة يرتب لهم من صدقته ما يكفيهم إلى يوم، وإلى جمعة، وإلى شهر، وكان يبالغ في إخفاء ذلك حتى كان غالب الناس يعتقدون في الشيخ قلة الصدقة، وكان إذا جاءه سائل بعد أن كف بصره يقول لمن عنده من جماعته: هل هذا أحد؟ فإن قال له: لا أعطاه، وإن قال له: نعم قال، له: قل، له: يأتينا في غير هذا الوقت، قال الشعراوي: وقد جاء مرة رجل شريف أسود من صوفية تربة قايتباي. فقال: يا سيدي خطفت عمامتي في هذه الليلة، وكان حاضراً الشيخ جمال الدين الصافي، والشيخ أبو بكر الظاهري جابي الحرمين، فأعطاه الشيخ جديداً، فرماه في وجه الشيخ، وخرج غضبان، فأعلمت الشيخ بذلك. فقال: هو أعمى القلب الذي جاء هؤلاء الجماعة انتهى.
وكان - رضي الله تعالى عنه - يعتقد ابن العربي، وابن الفارض، وأنظارهما من كبار الصوفية، ويتأول كلامهم بتآويل جلية حتى ضمن ذلك كتابه شرح الروض ورد فيه على ابن المقري قال المسند زين الدين بن الشماع. محدث جلبي: وكان قد رحل إلى مصر، وأخذ عن صاحب الترجمة وغيره قال: أول ما اجتمعت به قال لي: ما اسمك؟ قلت: عمر، فترنم لهذا الاسم، ثم قال: والله يا سيدي أنا أحب عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وأحب من اسمه عمر لأجل سيدي عمر. قال ابن الشماع: ثم ذكر لي مناماً رآه حاصله أنه رأى سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في منامه وهو طوال قال: فقلت له: اجعلني في صدرك أو في قلبك. فقال له سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - يا زكريا أنت عين الوجود، ثم ذكر لي أنه استيقظ، وهو يجد لذة هذه الكلمة. قال ابن الشماع: ثم ذكر لي أنه اختصم شخصان من أمراء الدولة في الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض - رحمه الله تعالى - فقال أحدهما: هذا ولي الله، وقال الآخر: هو كافر، وإن القائل بكفره كتب صورة سؤال في كفره، وطلب منه الكتابة قال شيخ الإسلام زكريا: فامتنعت من ذلك، واعتذرت بأن القول بكفر مسلم هي خطر قال: فلما سمع القائل بولايته لذلك طمع في الكتابة بولايته، فكتب صورة سؤال،
стр. 197
وطلب الكتابة بولايته، فامتنعت أيضاً، واعتذرت بأن الجزم بولاية من لم نتحقق ولايته فيه خطر أيضاً، فلم يقنع بل طلب الكتابة، وترك السؤال عندي، فذهبت بعد صلاة الجمعة إلى جامع الأزهر لزيارة شخص كنت أعتقده لاستشيره في الكتابة في الولاية، فلما رآني ابتدرني قبل أن أكلمه بقول: نحن مسلمون أولا؟ قلت له: بل أنتم من خيار المسلمين قال: فما الذي يوقفك عن الكتابة. فقلت له: كنت أنتظر الأذن قال: ثم فتح علي بكتابة عظيمة في القول بولايته، قال ابن الشماع: هذا ملخص ما سمعته من لفظه انتهى.
ذكره ابن الحنبلي في ترجمة ابن الشماع، وقال الشعراوي لما وقعت فتنة الشيخ برهان الدين البقاعي في شأن سيدي عمر بن الفارض: أرسل السلطان إلى العلماء، فكتبوا بحسب ما ظهر، وامتنع الشيخ زكريا، ثم اجتمع بالشيخ محمد الإصطنبولي، فقال له: اكتب، وانصر القوم، وبين في الجواب أنه لا يجوز لمن لم يعرف مصطلح القوم ذوقاً أن يتكلم في حقهم بشيء آخر لأن دائرة الولاية من وراء طور العقل لبنائها على الكشف. انتهى. وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عمر بن أحمد الحلبي الشافعي في مختصر كتاب الدرر في ترجمة بن حجر للشمس السخاوي. قال لي الشيخ جمال الدين الصافي. لما قدم مع الغوري إلى حلب مع قضاة مصر لما سألته عن ابن الفارض، وعن ابن العربي، فقال لي: هذا السؤال سألته لشيخنا القاضي زكريا، فقال لي: أعتقد أن ابن الفارض ولي الله، وأعتقد أن ابن العربي ولي الله، ولكنه دون ابن الفارض. قلت: وهنا خلاف ما عليه معتقدوهما، فإنهم يقدمون ابن العربي على ابن الفارض - رضي الله تعالى عنهما - وقد كان الأول قاطناً بدمشق، وهي مسكن الإبدال غالباً، والثاني بمصر، وهي مسكن الأوتاد والإبدال من الصديقين، والأوتاد من الأبرار، وسمعت بعض إخواننا يحكي أنه روي أن الشيخ محيي الدين بن العربي كان يعرض عليه كلام سيدي عمر بن الفارض - رضي الله تعالى عنه - فيقول: هو كلامنا لكنه أبرزه في قالب آخر. وكان يقول: هو ماشطة كلامنا، والذي يظهر لي من كلامهما أن ابن العربي أوسع في المعرفة، وأن ابن الفارض أوغل في المحبة، والله هو الموفق، وكان لشيخ الإسلام زكريا ذوق في فهم كلام القوم يشرح كلام أهل الطريق على أتم وجه، ويجيب عنه الأجوبة الحسنة إذا أشكل على الناس شيء منه، وكان يقول الفقيه: إذا لم يكن له معرفة بمصطلح ألفاظ القوم: فهو كالخبز الحاف بغير أدم، ورفع إليه سؤال عن بيت من كلام بعض العارفين صورته:
أمولانا شيخ العلم والفضل والحجى ... ومن حوله أحداق راجيه محدقه
ومن هو في التوحيد حقاً، وأهله ... بصير نصير سحب جدواه مغدقه
стр. 198
ومن لاذ وفد السائلين ببابه ... فأولاهم كنز العلوم وأنفقه
ومن هو قطب حل دائرة النهى ... عليه مدارالعلم حين تحققه
ابن موضحاً معنى لبيت يلي الذي ... يليه بمدحي من معانيه مشرقه
محمد المختار أزكى الورى، ومن ... على فضله كل البرايا مصدقه
هو السر في الدارين، والنقطة التي ... لها حرف جمع أعجمت منه تفرقه
فذا مدح بعض العارفين لوصفه ... ولم يدر معناه البديع ورونقه
عليه مع الآل الكرام وصحبه ... سلام متى ناحت بأيك مطوقه
فأجاب - رضي الله تعالى عنه -: بأن السر هو الأكمل، والنقطة القطب، والحرف الطرف، والجمع هذا الأنبياء، وهمزة أعجمت للسلب، ويقال: أعجمت الكتاب أزلت عجمته، وتفرقة مفعول له، ويحتمل أن يراد بالنقطة نقطة حرف الهجاء، وبالجمع الكلمات على إرادة التشبيه البليغ أي هو كالنقطة التي بها أزيلت عجمة حروف الكتابة، فإنه ﷺ أزيلت أيضاً به العجمة من ريب وغيره من الكتاب المنزل عليه، والمعنى على الأول أنه ﷺ أكمل الخلق، وقطبهم الذي به أي بكونه قطباً صار طرف الأنبياء. وخاتمهم، وأزبلت به العجمة عن الكتاب المنزل تفرقة بين الحق والباطل قال: وحاصله نظماً:
محمد في الدارين أكمل خلقه ... تعالى، وقطب الأنبياء مصدقه
وخاتم رسل الله، وهو الذي به ... أزيلت جميع المعجمات الموثقه
وكان شعر الشيخ - رضي الله تعالى عنه - متوسطاً، ومنه ما رواه عنه شيخ الإسلام الوالد - رضي الله تعالى عنه - في المواضع التي تباح فيها الغيبة:
وتباح غيبة لمستفت ومن ... رام إغاثة لدفع منكر
ومعرف متظلم متكلم ... في معلن فسقاً مع المحذر
وقال - رضي الله تعالى عنه - متوسلاً:
إلهي ذنوبي قد تعاظم خطرها ... وليس على غير المسامح متكل
إلهي أنا العبد المسيء، وليس لي ... سواك، ولا علم لدي ولا عمل
إلهي أقلني عثرتي وخطيئتي ... لأني يا مولاي في غاية الخجل
إلهي ذنوبي مثل سبعة أبحر ... ولكنها في جنب عفوك كالبلل
ولولا رجائي إن عفوك واسع ... وأنت كريم ما صبرت على زلل
إلهي بحق الهاشمي محمد ... أجرني من النيران إني في وجل
стр. 199
وباللطف والعفو الجميل تولني ... وبالخير، فامنن عند خاتمة الأجل
ومدحه القاضي بهاء الدين محمد بن يوسف بن أحمد:
جاء فيه العذول شيئاً فريا ... قمر قد أباحني الرشف ريا
قيل: هذا بدر التمام، فقالت: ... حسنات الخدود: نحن الثريا
بهواه من عاذلي. وسقامي ... واتهام السلو رحت بريا
وقضيب القوام راح وجسمي ... وصراط الغرام فيه سويا
بت في الوصل في هواه غنياً ... ولهذا هجرت نومي مليا
ومن الصبر عنه رحت فقيراً ... وهو أمسى بكل حسن غنيا
كل من هام في هواه رشيد ... فعذولي عليه راح غويا
ليس قلبي بسقم جفنيه يقوي ... فضعيفان يغلبان قويا
فخلاصي من الغرام عزيز ... وسلوي خلصت منه نجيا
فعسى ذكر رحمة من إلهي ... لي في حب عبده زكريا
شافعي الزمان قاضي القضاة ... قد تلقى الحكم العزيز وليا
هو شيخ الإسلام، وهو إمام ... كان يقتدى به مهديا
قمع الله حين آتاه حكماً ... كل من كان ظالماً مقضيا
ملأ القلب هيبةً وجلالاً ... وعيون الورى جمالاً مليا
وله العلم حلة وشعار ... ولهذا في المجد أضحى سنيا
عالماً عاملاً جليلاً جميلاً ... خاشعاً ناسكاً عزيزاً أبيا
عابداً زاهداً إماماً كبيراً ... محسناً مخلصاً كريماً سريا
أمة قانتاً حنيفاً منيباً ... خاضعاً مخبتاً وفياً صفيا
ملا الخافقين في العلم حتى ... سار عنه معنعناً مرويا
هو ممن يتلى الكتاب عليهم ... فيخرون سجداً وبكيا
ولهذا قد حل من كل حال ... ومقام سام مكاناً عليا
وكانت وفاته - رضي الله تعالى عنه - يوم الأربعاء ثالث شهر في القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة عن مائة وثلاث سنوات، وغسل في صبيحة يوم الخميس، وكفن وحمل ضحوة النهار ليصلى عليه بجامع الأزهر في محفل من قضاة الإسلام، والعلماء، والفضلاء،
стр. 200
وخلائق لا يحصون، واجتمع بالجامع المذكور ونواحيه أمثالهم اغتناماً للصلاة عليه، وقاربوا أن يدخلوا به وإذا بقصاد ملك الأمراء يحمله إلى سبيل أمير المؤمنين ليظفر بالصلاة عليه، وكان الشيخ عبد الوهاب الشعراوي قد رأى قبل موته مناماً وقصه عليه، وكاشفه به قبل أن يخبر به وقال له يوماً، وهو بين يديه يطالع له في شرح البخاري: قف واذكر لي ما رأيت في هذه الليلة، فقال له: رأيت أني معكم في مركب، وأنت جالس عن يسار الإمام الشافعي، فقلت لي: سلم على الإمام، فسلمت عليه، ودعا لي والمركب مقلعة في بحر مئل عباب النيل، ورأيت المركب كلها مفروشة بالسندس الأخضر وكذلك القلع والحبال كلها حرير أخضر ومتكآت خضر، فلا زلنا مقلعين حتى انتهينا إلى جنينة عظيمة أصولها في ساحل البحر، وثمارها مدلاة من شراريف الحائط. قال: وطلعت أنا من المركب إلى البستان، فرأيت حوراً حساناً يجنين من الزعفران في قفاف بيض على رؤوسهن كل قمعة من الزعفران قدرها في الجرم إسباطة البلح. قال: فأستيقظت. فقال له شيخ الإسلام زكريا. إن صح منامك، فإني سوف أدفن بالقرب من الإمام الشافعي، وكان حاضراً بالمجلس حينئذ الشيخ جمال الدين الصافي، والشيخ أبو بكر الظاهري، فلما توفي شيخ الإسلام زكريا فتحوا له فسقية في باب النصر، فقال الشيخ جمال الدين الصافي للشعراوي: أين رؤياك؟ قال: فقلت له: إن الشيخ قال: إن صحت رؤياك. قال: فبينما نحن كذلك، وقد كفن الشيخ، وما بقي إلا حمله جاء قاصد ملك الأمراء خاير بيك فقال: إن ملك الأمراء ضعيف، ولا يستطيع أن يأتي إلى باب النصر، ومقصوده أن تحملوه إلى سبيل المؤمنين ليصلى عليه، فحمل إلى الرميلة، وصلي عليه هناك، فلما صلوا عليه قال ملك الأمراء: ادفنوه عند الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - ثم حمل نعشه مالك الأمراء وغيره، ومشى أمامه الأمير جانم الحمزاوي، والقضاة، والعلماء، والأمراء، والخاص، والعام. قال الشعراوي: وكانت جنازته مشهورة ما رأيت أكثر خلقاً منها، قال العلائي: ودفن بالقرافة الصغرى بتربة الشيخ نجم الدين الخويشاتي بقرب قبر الإمام الشافعي في فسقية جديدة أنشأها القاضي شرف الدين قريب بن أبي المنصور لنفسه - رحمه الله تعالى - وصلي عليه غائبة بالجامع الأموي بدمشق يوم الجمعة بعد صلاتها رابع أو خامس جمادىالآخرة سنة سبع وعشرين وتسعمائة قال ابن طولون: وأخرت الصلاة عليه لاشتغال الناس بالفتنة الغزالية - رحمه الله تعالى -.
٤٢٢ - زكريا المصرفي: زكريا القاضي زين الدين المصري الشافعي، وهو غير شيخ الإسلام القاضي زكريا المتقدم ذكره. كان قاضياً بمصر العتيقة مظهر للشهامة، وعنده دعوى صحب الشيخ جلال الدين السيوطي، والشيخ نور الدين الأشموني، ولم يحمد العلائي سيرته،
стр. 201
وذكر أنه توفي في سادس جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
حرف السين المهملة
من الطبقة الأولى: ٤٢٣ - سعدي بن ناجي بيك: سعدي بن ناجي بيك، العالم الفاضل المولى سعدي جلبي أخو المولى جعفر جلبي، ابن ناجي بيك المتقدم. ذكره الرومي الحنفي. قرأ على جماعة من الموالي منهم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده والمولى محمد بن الحاج حسين، وبرع في فضائله، ودرس في مدرسة السلطان مراد خان الغازي ببروسا، ثم أعطي مدرسة الوزير علي باشا بالقسطنطينية، ثم إحدى الثماني، ثم حج وعاد فأعطي تقاعداً بثمانين عثمانياً، وكان فاضلاً في سائر الفنون وخصوصاً العربية، وله باللسان العربي إنشاء، وشعر في غاية الجودة، وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف، وحاشية على باب الشهيد من شرح الوقاية لصدر الشريعة، ونظم عقائد النسفي بالعربية، وله رسائل أخرى، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة - رحمه الله تعالى -.
٤٢٤ - السلطان سليم بن أبي يزيد: سليم بن أبي يزيد بن محمد بن مراد السلطان المفخم، والخاقان المعظم، سليم خان بن عثمان. هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية، رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره، وتواصوا باتباع السنة المطهرة، وعرفوا للشرع الشريف مقداره، وصار صاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب، واستخلصها من أيدي الجراكسة بعد ما شتت جمعهم، فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب، ولد في أماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجلس على تخت السلطنة، وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع نفسه والده السلطان أبو زيد خان عن السلطنة، وسلمها إليه، وتحول إلى مدينة أدرنة في قصة تقدمت في ترجمة والده - رحمه الله تعالى - وكان السلطان سليم سلطاناً قهاراً، وملكاً جباراً، قوي البطش، كثير السفك، شديد التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الملوك والناس، وربما غير لباسه وتجسس ليلاً ونهاراً، وكان شديد اليقظة، والتحفظ. يحب مطالعة التواريخ، وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسية، والرومية، والعربية منه ما ذكر القطب الهندي المكي أنه رآه بخطه في الكوشك الذي بني له بروضة المقياس بمصر ونصه:
стр. 202
الملك لله من يظفر بنيل غنى ... يسلبه قسراً ومن ذا يضمن الدركا
لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ... فوق التراب لكان الأمر مشتركا
ولما استقر على سرير السلطنة أخذ في قهر الملوك والسلاطين، فبدأ بمقاتلة شاه إسماعيل بن الشيخ حيدر الصوفي لما بلغه أشاعته للرفض، وقتله لعلماء أهل السنة وأكابرها، سافر إليه السلطان سليم إلى بلاد العجم، وتلاقيا بالقرب من تبريز، وتصافا فانكسر عسكر الصوفي، وانهزم، ودخلت عساكر السلطان سليم إلى تبريز، ونفذت فيها أوامره ونواهيه، أراد الإقامة بها ليستولي على إقليم العجم وما فيه، فما أمكنه ذلك لكثرة القحط واستيلاء الغلاء حتى بيع الرغيف بمائة عثماني، والعليقة بمائتين، فرجع إلى الروم، وأخذ من أراد من أكابر العجم وفضلائها وأماثلها، وعظمائها، وساقهم سركناً إلى البلاد الرومية، على قوانين سلاطين العثمانية، ثم سافر بعد أن استقر أمره من الرجوع من الأرض العجمية، وقصد بعساكره البلاد الحلبية، ولما سمع سلطان الجراكسة قانصوه الغوري بخروج السلطان سليم من أرض الروم. خرج بعساكره من أرض مصر، وأشاع في عساكره أنه يريد الإصلاح بين السلطان سليم، والسلطان شاه إسماعيل الصوفي، وسافر من بلاد مصر إلى بلاد الشام، ودخل دمشق، ثم حلب، وكاتب السلطان سليم بما جاء إليه من الإصلاح بينه وبين الصوفي، فارتاب منه سلطان سليم، ويعث إليه أني أبدأ بقتالك قبله لأنك مبتدع، وهو مبتدع، فتحرك الشر بينهما، وقامت الحرب على ساق، والتقيا بعساكرهما في مرج دابق، وانكسر عساكر الجراكسة، ومات الغوري، ثم من شدة ما دخل عليه من القهر والغلبة، وتفرقت عنه العساكر، ثم دخل السلطان سليم إلى حلب وملكها، ثم ملك ما بينها وبين دمشق، ثم ملك دمشق ودخلها يوم السبت مستهل رمضان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وأقام بدمشق مدة حتى دبر أمورها، وأقام قوانينه فيها، ثم سافر منها قاصداً بلاد مصر، فخرج منها يوم الاثنين عشرين ذي القعدة من السنة المذكورة، وكانت أمراء الجراكسة قد سلطنوا بمصر طومان باي، ولقبوه بالأشرف، فلما سمعوا بخروج السلطان سليم من دمشق إليهم تأهبوا لقتاله والخروج إليه، وبرزوا إلى الريدانية خارج مصر، وقاتلوا عساكر الروم، وثبتوا معهم ساعة، وقتل من أعيان عساكر السلطان سليم وزيره سنان باشا، وكان اسمه يوسف، ثم انكسر عسكر الجراكسة، وتفرقوا شذر مذر، وهرب طومان باي، ثم دخل السلطان سليم إلى مصر، وكان دخوله إليها يوم الثلاثاء خامس المحرم
стр. 203
سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ثم قبض بعد ذلك على طومان باي، وصلبه على باب زويلة، وبقي بمصر مدة حتى مهد أمورها، وسار إلى الإسكندرية، وعاد إلى مصر، ثم إلى دمشق، وأخذ معه جماعة من أعيان مصر سركناً كما هو قانونهم، وكان دخوله إلى دمشق يوم الأربعاء حادي عشري رمضان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ونزل بالقصر الظاهري بالميدان الأخضر، وهو موضع التكية السليمانية الآن، ثم أشار بعمارة على قبر الشيخ محيي الدين بن العربي، وبعث الولوي ابن الفرفور، ومعه معلم السلطان شهاب الدين بن العطار، وجماعة، وهندسوا عمارة جامع بخطبة، وكان ذلك يوم السبت رابع عشري رمضان المذكور، وفي ثانية يوم الأحد طلع ابن الفرفور، وقاضي العسكر المولى ركن الدين زيرك وجماعتهم إلى الصالحية، واشتروا بيت خير بك دوادار منشيء الحاجبية بالصالحية من مالكه يومئذ، وهو رزق الله الحنبلي الصالحي ليوسعوا به الجامع، ثم في يوم الاثنين سادس عشري رمضان المذكور شرعوا في هدم مسجد كان جدده شهاب الدين الصميدي لصيق تربة الشيخ ابن العربي حين كان ناظراً على ذلك، وفي هدم حمام كان لصيق ذلك يعرف بحمام الجورة، ثم شرعوا في العمارة يوم الأحد ثاني شوال سنة ثلاث وعشرين المذكورة، ثم أمر السلطان ببناء قبة على تربة الشيخ ابن العربي، فأسست جدرانها ليلاً، وكان الشروع فيها ليلة الثلاثاء ثالث ذي القعدة، وفي يوم الاثنين العشرين من محرم سنة أربع وعشرين وتسعمائة. وضع منبر الجامع المذكور، وهو المعروف الآن بالسليمية، وفيه رسم السلطان سليم خان - رحمه الله تعالى - ببناء تكية شمالي هذا الجامع، وفي يوم الجمعة رابع عشري المحرم المذكور ركب السلطان إلى الجامع المذكور، وصلى به الجمعة، وخطب به يومئذ قاضي القضاة ولي الدين بن الفرفور، وكان مهيباً عظيماً قفلت له غالب أسواق دمشق، وفرق السلطان يومئذ جرابين من الفضة، وعينت خطابة الجامع المذكور لمنلا عثمان بن منلا شمس الحنفي، فباشرها من يوم الجمعة مستهل
صفر، وعينت إمامته للشيخ شمس الدين بن طولون الحنفي يوم الجمعة، وباشرها يوم الجمعة المذكور، وكان خروج السلطان سليم خان من دمشق يوم الاثنين سابع عشري محرم سنة أربع وعشرين المذكورة عائداً إلى محل سلطنته، ودخل القسطنطينية يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة أربع وعشرين وتسعمائة، وأقام بها نحو سنتين، وظهرت له في ظهره جمرة منعته الراحة، وحرمته الاستراحة، وعجزت في علاجه حذاق الأطباء، وتحيرت في أمره عقول الألباء، ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية، وخلت بينه وبين المنية، فمات - رحمه الله تعالى - في رمضان أو شوال سنة ست وعشرين وتسعمائة بعد أن طالت علته نحو أربعين يوماً، وذكر العلائي في تاريخه نقلاً عن بعض المراسلات التي وردت إلى مصر من الروم بموت السلطان سليم أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة، وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه، فلم يفطن لها حتى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه السلطان أبا يزيد حين نازعه في السلطنة، فطلب له الجرايحية والأطباء، فلم يدركوه إلا وقد تأكلت ووصلت إلى الأمعاء، فلم يستطيعوا دفعاً عنه، ولا نفعاً. ومات بها ودفن بالأستانة عند قبر أبيه السلطان أبي يزيد خان رحمها الله تعالى رحمة واسعة. آمين. فر، وعينت إمامته للشيخ شمس الدين بن طولون الحنفي يوم الجمعة، وباشرها يوم الجمعة المذكور، وكان خروج السلطان سليم خان من دمشق يوم الاثنين سابع عشري محرم سنة أربع وعشرين المذكورة عائداً إلى محل سلطنته، ودخل القسطنطينية يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة أربع وعشرين وتسعمائة، وأقام بها نحو سنتين، وظهرت له في ظهره جمرة منعته الراحة، وحرمته الاستراحة، وعجزت في علاجه حذاق الأطباء، وتحيرت في أمره عقول الألباء، ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية، وخلت بينه وبين المنية، فمات - رحمه الله تعالى - في رمضان أو شوال سنة ست وعشرين وتسعمائة بعد أن طالت علته نحو أربعين يوماً، وذكر العلائي في تاريخه نقلاً عن بعض المراسلات التي وردت إلى مصر من الروم بموت السلطان سليم أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة، وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه
стр. 204
وأضلاعه، فلم يفطن لها حتى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه السلطان أبا يزيد حين نازعه في السلطنة، فطلب له الجرايحية والأطباء، فلم يدركوه إلا وقد تأكلت ووصلت إلى الأمعاء، فلم يستطيعوا دفعاً عنه، ولا نفعاً. ومات بها ودفن بالأستانة عند قبر أبيه السلطان أبي يزيد خان رحمها الله تعالى رحمة واسعة. آمين.
٤٢٥ - سليم بن نذر تلميذ الكواكبي: سليم بن نذر - بالنون والذال المعجمة - العيني، ثم الحلبي، الشيخ العابد، الورع، الزاهد، خليفة الشيخ محمد الكواكبي، حكي أنه أول ما قدم على شيخه المذكور امتحنه ببيع ما يملك من غنم، وخيل، وأثاث، ويأتيه بما جمعه من المال. فامتثل أمره، وأتاه به، فأخنه منه، فلم يكترث لذلك، ثم لم يلبث إلا قليلاً، وأصاب تلك القرية جائحة، ونهب مال، فلما أخبر الشيخ محمد بذلك أخرج للشيخ سليمان جميع ماله بعينه، وأذن له أن يعود إلى مأمنه، فقوي اعتقاده في الشيخ، وصار من مريديه، ثم من خلفائه.
قيل: وكان الشيخ محمد الكواكبي يقول: مثلي ومثل سليمان كمثل بئرين بينهما حائط، فزال الحائط، واختلط الماءان وتوفي الشيخ سليمان في سنة إحدى عشرة وتسعمائة بحلب، ودفن بها في مقابر الصالحين، وقبره معروف بها يزار رحمه الله تعالى.
٤٢٦ - سليمان البحيري: سليمان، الشيخ العلامة علم الدين البحيري المصري شيخ المالكية ومفتيهم بمصر، توفي يوم الخميس ثامن شعبان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، ودفن بالصحراء بالقاهرة رحمه الله تعالى.
٤٢٧ - سنطباي: سنطباي، الشيخ المتصوف. أخذ نظر السنقرية بالقرب من خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، وأخرج من كان بها من طلبة العلم والصلحاء، ووضع في خلاويها الجلابقية والمماليك، وكانوا مريدين له يسجدون له ويقرهم على ذلك، وكان يتهم بضرب الزغل، فرسم عليه السلطان الغوري بعد أن وجد عنده من الذهب المزغول على ما قيل ما جملته خمسون رطلاً مصرياً من الذهب والفضة شيئاً كثيراً، ومن النحاس كذلك، ثم عرضه السلطان المذكور بحضرة عسكره، وأحضر جماعته، فضربهم بحضرته، فأقروا عليه وقابلوه بذلك بحضرة الناس، فقطعت أيديهم، وأمر بقطع يد سنطباي، فرد عنه الأمير قرقماش أتابك العساكر يومئذ، فرسم السلطان بنفيه إلى القدس بعد أن زجره السلطان، وقال له: إنك تدعي
стр. 205
أنك الصوفي المسلك، وأنت زركاوي شيطان زغلي أخرج من مملكتي، وكان ذلك في اوائل شوال سنة إحدى عشرة وتسعمائة. ذكر قصته هذه الحمصي، ولا أدري ما فعل الله به بعد ذلك.
٤٢٨ - سوندك بقوغه جي ده ده: سوندك، الشيخ العارف بالله تعالى أحد مشايخ الروم، وصوفيتها، الشهير - رحمه الله تعالى - بقوغه جي ده ده، كان له جذب وحال. حكي أنه عند المولى حميد الدين بن أفضل الدين المتقدم في حرف الخاء، وهو يومئذ مفتي الروم فدخل على المفتي المولى الكرماستي، وهو يومئذ قاضي القسطنطينية، فشكا إليه متصوفة الزمان، وقال: إنهم يرقصون ويصعقون عند الذكر، وهذا مخالف للشرع، فقال المولى حميد الدين للكرماستي: إن رئيسهم هذا الشيخ، وأشار إلى الشيخ سوندك، وقال: إن أصلحته صلح الكل، ثم أقام المولى الكرماستي، وصحب معه الشيخ سوندك إلى منزله، وأحضر مريديه وهيأ لهم طعاماً، فأطعمهم، ثم قال: اجلسوا واذكروا الله تعالى على أدب ووقار وسكون فقالوا: نفعل ذلك، فلما شرعوا في الذكر صاح الشيخ في أذن المولى الكرماستي صيحة عظيمة حتى قام، وسقطت عمامته عن رأسه، ورداؤه عن منكبه، وشرع يصرخ ويصعق حتى مضى نحو ثلث النهار، فلما سكن اضطرابه. قال له الشيخ: لأي شيء اضطربت أيها المولى أنت قلت إنه منكر؟ فقال له: تبت إلى الله تعالى عن ذلك الإنكار، ولا أعود إليه أبداً، وكانت وفاة الشيخ سوندك بالقسطنطينية، وهو من هذه الطبقة رحمه الله تعالى.
٤٢٩ - سويد المجذوب: سويد المجذوب بحلب، قال ابن الحنبلي: أدركته، وكان من شأنه أنه كلما قيل له: أفرد صوت صوتين، وكلما قيل له: ازوج: صوت صوتاً واحداً على خلاف ما يطلب منه. قال: وكان خير بك الجركسي كافل حلب يعتقده، وربما قربه إليه وأكل معه من غير أن يعاف أوساخ ثيابه، فقيل له: إنه يأكل الحشيشة، فأرسل أميناً اتبعه، فإذا هو قد أخذ الحشيشة ووضعها في كمه، فاحتوى على عقله حتى أحضره إليه وأشار إلى أن في كمه ما فيه، فطلب منه خير بك أن يطعمه مما فيه، فأبى فصمم عليه فأخرج له شيئاً من الحلاوات ففتش كمه فإذا هو خال عن تلك الحشيشة، فزاد اعتقاده فيه - رحمه الله تعالى آمين.
٤٣٠ - سويدان المجذوب: سويدان، الشيخ الصالح المجذوب المدفون بالقرب من
стр. 206
الخانقاه السرياقوسية بمصر. كان من أولياء الله تعالى، وله مكاشفات كثيرة، وخوارق شهيرة عده شيخ الإسلام الجد، فيمن صحبهم من أولياء الله تعالى. كان مكشوف الرأس أبداً، وله شعر طويل ملبد، كث اللحية، وكان أكثر كلامه إشارات لا يفهمها عنه إلا الفقراء الصادقون، وكان يحمل حملات الناس، وكل من حمله حملة وضع حبة من الحمص في فيه ليتذكر قصته، فكان ربما امتلأ فمه من الحمص، وربما مكثت الحبة، أو الحبات في فيه شهراً حتى تقضى تلك الحوائج، وكان يتطور، فربما وجد في صور سبع وفيل، وفي صورة فقير وأمير، وكانوا يرونه مرة بمكة، ومرة بمصر، وأخبر بموت أمه يوم موتها بمصر، وهو بمكة، ودخل زمزم ومعه كفنها، فغسله منه، ورماه لهم بمصر مبلولاً وهم يغسلونها، وما عرف الناس من رماه حتى جاء الخبر مع الحاج من مكة، وأخبر الناس بذلك، وكان - رحمه الله تعالى - في أول أمره مقيماً بالخانقاه السرياقوسية مدة طويلة، وبني له هناك زاوية خارج الخانقاه مما يلي مصر، ثم انتقل في أيام السلطان الغوري إلى مدرسة ابن الزين برصيف بولاق إلى أن توفي في سنة تسع بتقديم المثناة. عشرة وتسعمائة، ودفن بزاويته خارج الخانقاه السرياقوسية - رحمه الله تعالى -.
٤٣١ - سيدي ابن محمود بن المجلد: سيدي ابن محمود، المولى العالم الصالح الرومي الحنفي، الشهير بابن المجلد، كان أصله من ولاية قوجه إيلي، واشتغل في العلم، وحصل وصار مدرساً بمدرسة عيسى بيك ببروسا، ثم رغب في التصوف، وعين له كل يوم خمسة عشر درهماً بالتقاعد، ثم صحب الشيخ العارف بالله تعالى السيد البخاري، وكان فاضلاً مدققاً، حسن الخط، مؤدباً، صالحاً، ديناً يخدم بيته بنفسه، ويشتري حوائجه ويحملها من السوق بنفسه، وكان ملازماً للمسجد، منعزلاً عن الناس، ومات على ذلك في أوائل سلطنة السلطان سليمان رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٣٢ - سيف الدين القدسي: سيف الدين الشيخ الصالح المقدسي. توفي بها سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه وعلى الشيخ محب الدين إمام الأقصى، والشيخ أبي شعرة الرملي جميعاً غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة تاسع عشر رمضان منها.
حرف الشين المعجمة
من الطبقة الأولى: ٤٣٣ - شرباش الإينالي: شرباش بن عبد الله الإينالي أحد أمراء دمشق. سكن صالحية قال ابن طولون: وله نفس أبية، وشوهدت منه أمور ردية الآن. توفي سنة ثمان تسعمائة ودفن بتربة عمر ...
стр. 207
٤٣٤ - شرف الصعيدي: شرف، الشيخ الصالح، الورع، الزاهد. شرف الدين الصعيدي. دخل مصر في أيام السلطان الغوري، وأقام بها حتى مات، وكان يصوم الدهر، ويطوي أربعين يوماً فأكثر، وبلغ الغوري أمره، فحبسه في بيت وأغلق عليه الباب، ومنعه الطعام والماء، ثم أخرجه، فصلى بالوضوء الذي دخل به، فاعتقده السلطان المذكور اعتقاداً عظيماً، وكان يكاشف بما يقع للولاة وغيرهم، ومات قبل العشرين وتسعمائة، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه.
٤٣٥ - شعبان الصورتاني: شعبان، الشيخ زين الدين الصورتاني الحنبلي أحد عدول دمشق ممن سكن الصالحية، ثم ولي قضاء صفد، ثم عزل عنها، وأخذ عن النظام بن مفلح، وابن زيد، وأكثر عن أبي البقاء بن أبي عمر، وكان لا بأس به، وتوفي في شوال سنة أربع وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٣٦ - شعبان المجذوب: شعبان الشيخ المجذوب الموله بدمشق، كان عجيب الحال، وللناس فيه اعتقاد كلي، ومات يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وتسعمائة، وجيء له بخمسة أكفان، فكفن بها، ودفن عند الشيخ خليل بالقرب من دار السعادة خارج دمشق رحمه الله تعالى.
حرف الصاد المهملة
من الطبقة الأولى: ٤٣٧ - صالح بن يوسف: صالح بن يوسف بن الحسين، السلطان بن السلطان، تملك بلاد بني جبر كان من بيت السلطنة هو وأبوه وجده، وهو خال السلطان مقرن، وقد وقع بينهما وقعة عظيمة تشهد لصالح بالشجاعة التي لا توصف، فإنه كر على مقرن وعسكره، وكانوا جما غفيراً بنفسه، وكان خارجاً لصلاة الجمعة لا أهبة معه، ولا سلاح، فكسرهم، ثم كان الحرب بينهم سجالاً إلى أن توفي. قدم إلى دمشق في سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن علمائها منهم شيخ الإسلام سمع الجد عليه جانباً من البخاري، وحضر دروس شيخ الإسلام الوالد، واستجاز منهما، فأجازاه، وكان في قدمته تلك إلى دمشق متستراً بها، مختفياً غير منتسب إلى سلطنة، وسمى نفسه إذ ذاك عبد الرحيم، ثم حج وعاد إلى بلاده، وكان
стр. 208
مالكي المذهب، فقيهاً متبحراً في الفقه والحديث، وله مشاركة جيدة في الأصول والنحو، وكان محباً للعلما والصلحاء، شجاعاً مقداماً عادلاً في ملكه، صالحاً كاسمه، مات - رحمه الله تعالى - في سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين وتسعمائة ببلاده.
٤٣٨ - صالح اليمني: صالح اليمني، الشيخ الإمام المقريء. قرأ القرآن على سبعين شيخاً في اليمن وغيرها عدة ختمات إفراداً وجمعاً بما تضمنه حرز الأماني، وأصله أعلاهم سنداً، وأقلهم عدداً، الشيخ سراج الدين عمر المشار إليه الأنصاري النشار، والشيخ شهاب الدين أحمد.... القسطلاني بحق قراءة الأول على الشيخ الإمام السيد الشريف إبراهيم بن أحمد الحسني الطباطي بمكة بحق قراته على الشمس العسقلاني، وبحق قراءة الثاني على الأول، وعلى الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر الحمصاني، وشيخ القراء أحمد ابن الشيخ أسد الدين الأسيوطي، وإمام النحو زين الدين عبد الغني الهيتمي.
حرف الضاد المعجمة
من الطبقة الأولى خال:
حرف الطاء المهملة
من الطبقة الأولى خال:
حرف الظاء المعجمة
من الطبقة الأولى:
٤٣٩ - ظهير الدين الإردبيلي: ظهير الدين المولى الإردبيلي الحنفي، الشهير بقاضي زاده. قرأ في بلاد العجم على علمائها، ولما دخل السلطان سليم خان إلى مدينة تبريز في قتال شاه إسماعيل الصوفي أخذه معه إلى بلاد الروم، وعين له كل يوم ثمانين درهماً، وقال في الشقائق: كان عالماً كاملاً صاحب مجاورة، ووقار، وهيبة، وفصاحة، وكانت له معرفة بالعلوم خاصة بعلم الإنشاء والشعر، وكان يكتب الخط الحسن قتل مع الوزير أحمد باشا بمصر سنة ثلاثين وتسعمائة، وذكر العلائي أن صاحب الترجمة استمال أحمد باشا إلى اعتقاد إسماعيل شاه الصوفي طلباً لاستمداده به، واستظهاره معه بمكاتبات وغيرها، وعزم على إظهار شعار الرفض، واعتقاد الإمامية على المنابر. حتى قال صاحب الترجمة: إن مدح الصحابة على المنبر ليس بفرض، ولا يخل بالخطبة، وقد ذكرنا ذلك في ترجمة أحمد باشا، وذكر العلائي أيضاً أنه قبض على صاحب الترجمة يوم الخميس عشري ربيع الثاني سنة ثلاثين وتسعمائة، وقطعت رأسه، وعلقت على باب زويلة.
стр. 209
حرف العين المهملة
من الطبقة الأولى: ٤٤٠ - عبد الله بن محمد السبتي: عبد الله بن محمد، الشيخ العلامة قاضي المالكية بصفد ابن قاضي القضاة شمس الدين السبتي، ولد في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وكانت وفاته بصفد يوم الأربعاء ثامن عشر رجب سنة عشر وتسعمائة. كما ذكره النعيمي، ونقله ابن طولون عن ولد المترجم الزيني عبد القادر رحمه الله تعالى.
٤٤١ - عبد الله بن إبراهيم الشبشيري: عبد الله بن إبراهيم. الفاضل، العلامة الشهير بابن الشيخ الشبشيري الحنفي. قرأ على علماء العجم، وبرع هناك في العربية والمعقولات، ثم دخل بلاد الروم، وعين له السلطان سليم خان كل يوم ثلاثين درهماً، وعمل قصيدة بالفارسية نحو ثلاثين بيتاً أحد مصراعي كل بيت منها تاريخ لسلطنة السلطان سليمان، والمصراع الثاني من كل بيت تاريخ فتح رودس، وله حواش على حاشية شرح المطالع للسيد الشريف، وشرح على الكافية، ورسالة في المعمى فارسية. مات في أوائل سلطنة السلطان سليمان رحمهما الله تعالى.
٤٤٢ - عبد الله بن أحمد الشنشوري: عبد الله بن أحمد، الشيخ الإمام العلامة جمال الدين الشنشوري المصري الشافعي. له شرح التدريب للسراج البلقيني، وهو من أهل هذه الطبقة رحمه الله تعالى.
٤٤٣ - عبد الله بن أحمد بن أبي كثير الحضرمي: عبد الله أحمد ابن أبي كثير الشيخ الإمام شيخ الإسلام، ولي الله تعالى، العارف به الزاهد. المفتي. الفقيه جمال الدين الحضرمي، ثم المكي الشافعي. قال ابن طولون: حكى لنا عنه إخونا الجمال بن خضر أنه قال: له ثلاث وخمسون سنة بمكة. ولم يتوضأ إلا من ماء زمزم، ولا أكل من ضيافة لأحد من
стр. 210
أهلها سوى مرة واحدة للقاضي إبراهيم كأنه ابن ظهيرة، فإنه حاباه في ذلك، وكان من عادته أن يجلس كل يوم بالحرم الشريف يقريء الناس في عدة علوم إلى قبيل الظهر، ومن بعد صلاة الظهر يقريء آخرين في الحديث إلى العصر، ومن بعد صلاة العصر آخرين في التصرف، ومن بعد صلاة المغرب إلى العشاء يطوف، وممن أخذ عنه الحديث. وغيره البرهان العمادي الحلبي. قرأ عليه أحاديث من الكتب الستة وغيرها في سنة خمس عشرة وتسعمائة، وكانت وفاته في سنة خمس وعشرين بمكة، وصلي عليه غائبة بدمشق بجامع بني أمية يوم الجمعة رابع عشر الحجة بعد صلاتها رحمه الله تعالى.
٤٤٤ - عبد الله بن عبد الله بن رسلان: عبد الله بن عبد الله بن رسلان، الشيخ الإمام العلامة جمال الدين ابن الشيخ زين الدين البويضي - من قرية البويضة من أعمال دمشق، ثم الدمشقي الشافعي. ولد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. كان رفيقاً للشيخ تقي الدين البلاطنسي على شيوخه، وأخذ عنه الشيخ موسى الكناوي صحيح البخاري وغيره، وكانت وفاته في البيمارستان النةوري يوم الخميس سادس أو سابع ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة، وصلى عليه إماماً رفيقه البلاطنسي، ودفن بمقبرة باب الصغير جوار الشيخ نصر المقدسي بصفة الشهداء رحمه الله تعالى.
٤٤٥ - عبد الله بن عبد الرحيم السمهودي: عبد الله بن عبد الرحيم، الشيخ العالم السيد الشريف القاضي جلال الدين الصعيدي، الأصل، السمهودي، وهو ابن أخي السيد نور الدين السمهوري مؤرخ المدينة المنورة. قال العلائي: كان من أهل الفضل والخير لم تعرف له صبوة. رحل إلى الروم طلب قضاء المدينة، ففوض الأمر إلى نائب مصر يومئذ ففوض القضاء إليه في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ولم أقف إلى الآن على تاريخ وفاته، ولعله من هذه الطبقة رحمه الله تعالى.
٤٤٦ - عبد الله بن عمر الكناوي: عبد الله بن عمر بن سليمان بن عمر بن نصر الكناوي الصفدي الشافعي جد الشيخ موسى الكناوي لامه. كان عالماً مؤثراً للصمت والعزلة عن الناس لا يحضر مجالسهم إلا لحضور الصلاة والجنتئز ونحو ذلك، وللتدريس وقراءة صحيح البخاري على كرسي يصوت حسن، ونغمة طيبة، وترتيل وتأن، وحضور قلب، وسكون جوارح، وكان يقرر معاني الأحاديث لمن يحضر مجلسه، وكان إماماً بالمسجد الذي
стр. 211
يجري إليه الماء خارج كفر كنا، وكان يفتي أهل تلك البلاد، ويقريء الطلبة بها في الفقه والفرائض والحديث والنحو، ومكث على ذلك قريباً من خمسين سنة، وكان صوته في القراءة لطيفاً، ومع ذلك كان يسمعه من يتسمع لقراءته، وهو يتهجد في هدو الليل من نحو ميل، وكان في صوته رقة وتحنن، وحكى سبطه الشيخ موسى عن رجل سكن كفركنا أربعين سنة، ولازم الشيخ عبد الله في تلك المدة في صلاة الفجر كل يوم أنه لم يرى الفجر سبق الشيخ عبد الله قط. بل كان هو دائماً يسبق الفجر، وسبب ذلك أن الشيخ عبد الله لما ذهب إلى القدس الشريف للاشتغال على الشيخ الإمام، الفقيه العارف بالله تعالى شهاب الدين بن أرسلان الرملي، ثم المقدسي - قدس الله تعالى سره - أقام الشيخ عبد الله المذكور بالمدرسة الختنية جوار المسجد الأقصى عند الشيخ شهاب الدين مدة، فخرج الشيخ شهاب الدين في ليلة من الليالي آخر الليل، فوجد الطلب منهم من يقرأ القرآن، ومنهم من يدرس في قراءة العلم، ومنهم من يصلي، ومنهم من يذكر الله تعالى، ووجد الشيخ عبد الله هذا نائماً، فوكزه الشيخ شهاب الدين برجله، فجلس فزعاً، فقال له: يا ولدي أرسلك أهلك لتشتغل بالعلم أو بالنوم؟ فاستمر الشيخ عبد الله لا ينام في تلك الساعة ببركة الشيخ شهاب الدين بن أرسلان ﵁ وكانت وفاة الشيخ عبد الله ببلدة كفركنا من أعمال صفد في غرة شوال سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وهي في عشر التسعين - بتقديم التاء المثناة - رحمه الله تعالى ٤٤٧ - عبد الله المصري: عبد الله القاضي جمال الدين المقريء المصري الحنفي نزيل دمشق باشر نيابة القضاء بها عن قاضي القضاة محي الدين عبد القادر بن يونس الحنفي، وتوفي بدمشق يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة ثمان عشرة وتسعمائة ﵀.
٤٤٨ - عبد الباسط بن محمد بن الشحنة: عبد الباسط بن محمد بن محمد، الشيخ الفاضل الذكي أبو الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أثير الدين بن قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي. ولد بالقاهرة سنة سبع وسبعين وثمانمائة، وسمع بها الحديث على جده المحب وعلى الجمال بن شاهين سبط الحافظ بن حجر، وعلى والده الأثير، ثم قدم حلب مع والده، فقرأ في العربية والمنطق في العلائي قل دروس وغيره، وتفرغ له والده عن خطابة الجامع الكبير بحلب وغيرها، ثم عاد إلى القاهرة في دولة الملك الأشرف قايتباي، فاعتنى به، وولاه نظر الجوالي بدمشق، فلم يزل بها حتى مات في سنة ثلاث وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 212
٤٤٩ - عبد البر بن محمد بن الشحنة: عبد البر بن محمد بن محمد قاضي القضاة، أبو البركات، سري الدين، ابن قاضي القضاة أبي الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أبي الوليد محب الدين أيضاً ابن الشحنة، الحنفي. ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ثم رحل إلى القاهرة، فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة، ذكرهم السخاوي في ترجمته في " الضوء اللامع " منهم والده، وجده، ودرس وأفتى، وتولى قضاء حلب، ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان الغورقي وسميره. قال الحمصي: وكان عالماً متفنناً للعلوم الشرعية والعقلية. قال ابن طولون: ولم يثن الناس عليه خيراً، وذكر الحمصي أن عبيد السلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها:
فشا الزور في مصر، وفي جنباتها ... ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
وعقد على السلموني بسبب ذلك عقد مجلس في مستهل المحرم سنة ثلاث عشرة وتسعمائة بحضرة السلطان الغوري، وأحضر في الحديد، فأنكر، ثم عزر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان، وأكابر الناس، وهي في غاية البشاعة والشناعة، والسلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر، فلا يعد هجوه جرحاً في مثل القاضي عبد البر، وقد كان له في ذلك العصر حشمة وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيراً، ويحتج بكلامه في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة بن وهبان، في فقه أبي حنيفة النعمان، ومنها شرح الوهبانية، في فقه الحنفية، وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاث أذرع. هل يجوز فيه الوضوء أو لا. وهل يصير مستعملاً بالتوضؤ فيه أولاً؟ ومنها " الذخائر الأشرفية، في الغاز الحنفية "، وله شعر لطيف منه قوله من قصيدة مفتخراً:
أضار وما مناقبي الفخار ... وبي والله للدنيا الفخار
بفضل شائع، وعلوم شرع ... لها في سائر الدنيا انتشار
وهمة لوذع شهم تسامى ... وفوق الفرقدين لها قرار
وفكر صائب في كل فن ... إلى تحقيقه أبداً يصار
стр. 213
ومنها:
سموت لمنصب الإفتاء طفلاً ... وكان له إلى قربي ابتدار
وكم قررت في الكشاف درساً ... عظيماً قبل ما دارالعذار
وقال ناظماً لأسماء البكائين في غزاة تبوك وهم الذين نزلت فيهم هذه الآية " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع " " سورة التوبة: الآية ٩٢ ".
إلا أن بكاء الصحابة سبعة ... لكونهم قد فارقوا خير مرسل
فعمرو أبو ليلى، وعليه سالم ... كذا سلمة عرياض وابن مغفل
قلت: وذيل عليه شيخ الإسلام الوالد بقوله:
كثعلبة عمرو، وصخر وديعة ... وعبد ابن عمرو وابن أزرق معقل
قال الشيخ الوالد - رضي الله تعالى عنه -: وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البر قد استوفيت أسماءهم، ونظمتها في هذه الأبيات:
وفي الصحب بكاؤن بضعة عشر قد ... بكوا حزناً إذ فارقوا خير مرسل
فمنهم أبو ليلى، وعمرو بن عتمة ... وصخر بن سلمان وربع بمعقل
كذلك عبد الله، وهو ابن أزرق ... كذاك ابن عمرو، ثم نجل مغفل
وثعلبة، وهو ابن زيد، وسالم ... هو ابن عمير في مقال لهم جلي
أبو علية أو علية ووديعه ... والأمجد العرياض للعد أكمل
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن القاضي عبد البر نظم أبياتاً في أسماء البكائين المذكورين، وبين فيها اختلاف المفسرين، وأهل السير فيهم، وشرحها في رسالة لطيفة، ولعلها غير البيتين المتقدمين، ومن لطائف القاضي عبد البر ما أنشده عنه شيخ الإسلام الوالد - رضي الله تعالى عنه - في كتابه فصل الخطاب:
حبشية سائلتهما عن جنسها ... فتبسمت عن در ثغر جوهري
стр. 214
وطفقت أسأل عن نعومة ماطقي ... قالت: فما تبغيه جنسي أبحري
وكانت وفاته يوم الخميس خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع بني أمية بدمشق المحمية خامس عشر شعبان المذكور - رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
٤٥٠ - عبد الحق بن محمد البلاطنسي: عبد الحق بن محمد، الشيخ الإمام العلامة زين الدين ابن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين البلاطنسي الشافعي. ولد. في سنة ست وخمسين وثمانمائة، وتوفي فجأة يوم الأربعاء سابع شعبان سنة ثماني عشرة وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث رمضان السنة المذكورة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٥١ - عبد الحق بن محمد السنباطي: عبد الحق بن محمد، الشيخ الإمام، شيخ الإسلام الحبر البحر، العلامة الفهامة السنباطي، القاهري، الشافعي خاتمة المسندين. ولد في أحد الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة كما قرأت بخط ابن طولون نقلاً عن كتاب محدث مكة جار الله بن فهد، وقرأت أيضاً بخط الشيخ نجم الدين الغيطي، وقرأت بخط الوالد أن الشيخ عبد الحق نفسه ذكر له ذلك، وأخذ بالقراءات والسماع عن العلامة كمال الدين بن الهمام، والشيخ أمين الدين الأقصرائي، والشيخ محيي الدين الكافيجي، والشيخ تقي الدين الشمني، والشيخ تقي الدين الحصكفي، والشيخ شهاب الدين السكندري المقريء تلميذ العسقلاني، والشيخ المحقق جلال الدين المحلي، والشيخ العلامة علم الدين صالح البلقيني، والشمس الدواني وعن غيرهم، وسمع السنن لابن ماجة على المسندة الأصلية أم عبد الرحمن باي خاتون ابنة القاضي علاء الدين بن البهاء أبي البقاء محمد بن عبد البر السبكي، عن المسند أبي عبد الله محمد بن الفخر البعلي، عن الحجار، وأجازه ابن حجر، والبحر العيني. كان جلداً في تحصيله، مكباً على الإشتغال حتى برع، وانتهت إليه الرئاسة بمصر في الفقه والأصول والحديث، وكان عالماً عابداً متواضعاً طارحاً للتكليف. من رآه شهد فيه الولاية والصلاح قبل أن يخالطه، أخذ عنه شيخ الإسلام فيما بلغني، والعلامة بدر الدين العلائي، وولده الشيخ الفاضل العلامة شهاب الدين أحمد، والشيخ عبد الوهاب الشعراوي، والقطب
стр. 215
المكي الحنفي وغيرهم، وجاور بمكة في سنة إحدى وثلانين وتسعمائة، وكان نازلاً في دار بني فهد، فتوعك في ثامن عشر شعبان، وبقي متوعكاً اثني عشر يوماً منها ثلاثة أيام كان في مصطلحاً لا يدخل جوفه فيها شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا ينطق بشطر كلمة، ثم فتح عينيه في أثنائها، وقال: لا إله إلا الله إقض إمض إقض أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ماداً السبابة والإبهام فما أتمها إلا مقبوضاً إلى رحمة الله تعالى، وكان ذلك في غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة كما ذكر ذلك العلائي في تاريخه، وقال محدث مكة جار الله بن فهد في كتابه إلى الشيخ شمس الدين بن طولون: فقدر الله تعالى وفاته في ليلة الجمعة غرة شهر رمضان عند إطفاء المصابيح أوان الفجر. قال: وكان ذلك مصداق منام رؤي له في أول السنة يؤمر فيه بزيارة النبي ﷺ . قال: إطفاء المصابيح. قال: وضمن ذلك بعض الشعراء في أبيات وهي:
توفي عبد الحق يوم غروبه ... بمكة بعد الصبح بدء صيامه
وزد واحداً فوق الثلاثين مردفاً ... بتسع ميء واجعله عام حمامه
قضى عالم الدنيا كأن لم يكن بها ... سقى الله قبراً ضمه من غمامه
قال الشيخ جار الله: وصلي عليه عقب صلاة الجمعة عند باب الكعبة، وشيعه خلق كثير إلى المعلا، ودفن بتربة سلفنا عند مصلب سيدنا عبد الله بن الزبير الصحابي - رضي الله تعالى عنه - بشعب النور، ورثاه جماعة من الشعراء، وحزن الناس عليه كثيراً، فإنه خاتمة المسندين والقراء أيضاً، وقد جاوز التسعين. انتهى.
وذكر العلائي في تاريخه أن الذي صلى عليه إماماً ولده العلامة شهاب الدين وأنه دفن في التربة المذكورة بين قبري محدثي الحجاز الشيخين الحافظين تقي الدين بن فهد، وولده نجم الدين بن فهد، وكان يوماً مشهوداً، وخلف ثلاثة بنين رجالاً متتابعة صلحاء عقلاء فضلاء غير أن أوسطهم الشيخ شهاب الدين أفضل بنيه، ودونه الشيخ محب الدين. انتهى - رحمه الله تعالى.
٤٥٢ - عبد الحليم بن علي القسطموني: عبد الحليم بن علي، العالم الفاضل
следующие страницы →