Полный текст (769 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يجري إليه الماء خارج كفر كنا، وكان يفتي أهل تلك البلاد، ويقريء الطلبة بها في الفقه والفرائض والحديث والنحو، ومكث على ذلك قريباً من خمسين سنة، وكان صوته في القراءة لطيفاً، ومع ذلك كان يسمعه من يتسمع لقراءته، وهو يتهجد في هدو الليل من نحو ميل، وكان في صوته رقة وتحنن، وحكى سبطه الشيخ موسى عن رجل سكن كفركنا أربعين سنة، ولازم الشيخ عبد الله في تلك المدة في صلاة الفجر كل يوم أنه لم يرى الفجر سبق الشيخ عبد الله قط. بل كان هو دائماً يسبق الفجر، وسبب ذلك أن الشيخ عبد الله لما ذهب إلى القدس الشريف للاشتغال على الشيخ الإمام، الفقيه العارف بالله تعالى شهاب الدين بن أرسلان الرملي، ثم المقدسي - قدس الله تعالى سره - أقام الشيخ عبد الله المذكور بالمدرسة الختنية جوار المسجد الأقصى عند الشيخ شهاب الدين مدة، فخرج الشيخ شهاب الدين في ليلة من الليالي آخر الليل، فوجد الطلب منهم من يقرأ القرآن، ومنهم من يدرس في قراءة العلم، ومنهم من يصلي، ومنهم من يذكر الله تعالى، ووجد الشيخ عبد الله هذا نائماً، فوكزه الشيخ شهاب الدين برجله، فجلس فزعاً، فقال له: يا ولدي أرسلك أهلك لتشتغل بالعلم أو بالنوم؟ فاستمر الشيخ عبد الله لا ينام في تلك الساعة ببركة الشيخ شهاب الدين بن أرسلان ﵁ وكانت وفاة الشيخ عبد الله ببلدة كفركنا من أعمال صفد في غرة شوال سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وهي في عشر التسعين - بتقديم التاء المثناة - رحمه الله تعالى ٤٤٧ - عبد الله المصري: عبد الله القاضي جمال الدين المقريء المصري الحنفي نزيل دمشق باشر نيابة القضاء بها عن قاضي القضاة محي الدين عبد القادر بن يونس الحنفي، وتوفي بدمشق يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة ثمان عشرة وتسعمائة ﵀.
٤٤٨ - عبد الباسط بن محمد بن الشحنة: عبد الباسط بن محمد بن محمد، الشيخ الفاضل الذكي أبو الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أثير الدين بن قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي. ولد بالقاهرة سنة سبع وسبعين وثمانمائة، وسمع بها الحديث على جده المحب وعلى الجمال بن شاهين سبط الحافظ بن حجر، وعلى والده الأثير، ثم قدم حلب مع والده، فقرأ في العربية والمنطق في العلائي قل دروس وغيره، وتفرغ له والده عن خطابة الجامع الكبير بحلب وغيرها، ثم عاد إلى القاهرة في دولة الملك الأشرف قايتباي، فاعتنى به، وولاه نظر الجوالي بدمشق، فلم يزل بها حتى مات في سنة ثلاث وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 212
٤٤٩ - عبد البر بن محمد بن الشحنة: عبد البر بن محمد بن محمد قاضي القضاة، أبو البركات، سري الدين، ابن قاضي القضاة أبي الفضل محب الدين ابن قاضي القضاة أبي الوليد محب الدين أيضاً ابن الشحنة، الحنفي. ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ثم رحل إلى القاهرة، فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة، ذكرهم السخاوي في ترجمته في " الضوء اللامع " منهم والده، وجده، ودرس وأفتى، وتولى قضاء حلب، ثم قضاء القاهرة، وصار جليس السلطان الغورقي وسميره. قال الحمصي: وكان عالماً متفنناً للعلوم الشرعية والعقلية. قال ابن طولون: ولم يثن الناس عليه خيراً، وذكر الحمصي أن عبيد السلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها:
فشا الزور في مصر، وفي جنباتها ... ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها
وعقد على السلموني بسبب ذلك عقد مجلس في مستهل المحرم سنة ثلاث عشرة وتسعمائة بحضرة السلطان الغوري، وأحضر في الحديد، فأنكر، ثم عزر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان، وأكابر الناس، وهي في غاية البشاعة والشناعة، والسلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر، فلا يعد هجوه جرحاً في مثل القاضي عبد البر، وقد كان له في ذلك العصر حشمة وفضل، وكان تلميذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيراً، ويحتج بكلامه في مؤلفاته، وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن، وله - رحمه الله تعالى - مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة بن وهبان، في فقه أبي حنيفة النعمان، ومنها شرح الوهبانية، في فقه الحنفية، وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم، وكتاب لطيف في حوض دون ثلاث أذرع. هل يجوز فيه الوضوء أو لا. وهل يصير مستعملاً بالتوضؤ فيه أولاً؟ ومنها " الذخائر الأشرفية، في الغاز الحنفية "، وله شعر لطيف منه قوله من قصيدة مفتخراً:
أضار وما مناقبي الفخار ... وبي والله للدنيا الفخار
بفضل شائع، وعلوم شرع ... لها في سائر الدنيا انتشار
وهمة لوذع شهم تسامى ... وفوق الفرقدين لها قرار
وفكر صائب في كل فن ... إلى تحقيقه أبداً يصار
стр. 213
ومنها:
سموت لمنصب الإفتاء طفلاً ... وكان له إلى قربي ابتدار
وكم قررت في الكشاف درساً ... عظيماً قبل ما دارالعذار
وقال ناظماً لأسماء البكائين في غزاة تبوك وهم الذين نزلت فيهم هذه الآية " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع " " سورة التوبة: الآية ٩٢ ".
إلا أن بكاء الصحابة سبعة ... لكونهم قد فارقوا خير مرسل
فعمرو أبو ليلى، وعليه سالم ... كذا سلمة عرياض وابن مغفل
قلت: وذيل عليه شيخ الإسلام الوالد بقوله:
كثعلبة عمرو، وصخر وديعة ... وعبد ابن عمرو وابن أزرق معقل
قال الشيخ الوالد - رضي الله تعالى عنه -: وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البر قد استوفيت أسماءهم، ونظمتها في هذه الأبيات:
وفي الصحب بكاؤن بضعة عشر قد ... بكوا حزناً إذ فارقوا خير مرسل
فمنهم أبو ليلى، وعمرو بن عتمة ... وصخر بن سلمان وربع بمعقل
كذلك عبد الله، وهو ابن أزرق ... كذاك ابن عمرو، ثم نجل مغفل
وثعلبة، وهو ابن زيد، وسالم ... هو ابن عمير في مقال لهم جلي
أبو علية أو علية ووديعه ... والأمجد العرياض للعد أكمل
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن القاضي عبد البر نظم أبياتاً في أسماء البكائين المذكورين، وبين فيها اختلاف المفسرين، وأهل السير فيهم، وشرحها في رسالة لطيفة، ولعلها غير البيتين المتقدمين، ومن لطائف القاضي عبد البر ما أنشده عنه شيخ الإسلام الوالد - رضي الله تعالى عنه - في كتابه فصل الخطاب:
حبشية سائلتهما عن جنسها ... فتبسمت عن در ثغر جوهري
стр. 214
وطفقت أسأل عن نعومة ماطقي ... قالت: فما تبغيه جنسي أبحري
وكانت وفاته يوم الخميس خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع بني أمية بدمشق المحمية خامس عشر شعبان المذكور - رحمه الله تعالى رحمة واسعة آمين.
٤٥٠ - عبد الحق بن محمد البلاطنسي: عبد الحق بن محمد، الشيخ الإمام العلامة زين الدين ابن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين البلاطنسي الشافعي. ولد. في سنة ست وخمسين وثمانمائة، وتوفي فجأة يوم الأربعاء سابع شعبان سنة ثماني عشرة وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث رمضان السنة المذكورة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٥١ - عبد الحق بن محمد السنباطي: عبد الحق بن محمد، الشيخ الإمام، شيخ الإسلام الحبر البحر، العلامة الفهامة السنباطي، القاهري، الشافعي خاتمة المسندين. ولد في أحد الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة كما قرأت بخط ابن طولون نقلاً عن كتاب محدث مكة جار الله بن فهد، وقرأت أيضاً بخط الشيخ نجم الدين الغيطي، وقرأت بخط الوالد أن الشيخ عبد الحق نفسه ذكر له ذلك، وأخذ بالقراءات والسماع عن العلامة كمال الدين بن الهمام، والشيخ أمين الدين الأقصرائي، والشيخ محيي الدين الكافيجي، والشيخ تقي الدين الشمني، والشيخ تقي الدين الحصكفي، والشيخ شهاب الدين السكندري المقريء تلميذ العسقلاني، والشيخ المحقق جلال الدين المحلي، والشيخ العلامة علم الدين صالح البلقيني، والشمس الدواني وعن غيرهم، وسمع السنن لابن ماجة على المسندة الأصلية أم عبد الرحمن باي خاتون ابنة القاضي علاء الدين بن البهاء أبي البقاء محمد بن عبد البر السبكي، عن المسند أبي عبد الله محمد بن الفخر البعلي، عن الحجار، وأجازه ابن حجر، والبحر العيني. كان جلداً في تحصيله، مكباً على الإشتغال حتى برع، وانتهت إليه الرئاسة بمصر في الفقه والأصول والحديث، وكان عالماً عابداً متواضعاً طارحاً للتكليف. من رآه شهد فيه الولاية والصلاح قبل أن يخالطه، أخذ عنه شيخ الإسلام فيما بلغني، والعلامة بدر الدين العلائي، وولده الشيخ الفاضل العلامة شهاب الدين أحمد، والشيخ عبد الوهاب الشعراوي، والقطب
стр. 215
المكي الحنفي وغيرهم، وجاور بمكة في سنة إحدى وثلانين وتسعمائة، وكان نازلاً في دار بني فهد، فتوعك في ثامن عشر شعبان، وبقي متوعكاً اثني عشر يوماً منها ثلاثة أيام كان في مصطلحاً لا يدخل جوفه فيها شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا ينطق بشطر كلمة، ثم فتح عينيه في أثنائها، وقال: لا إله إلا الله إقض إمض إقض أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ماداً السبابة والإبهام فما أتمها إلا مقبوضاً إلى رحمة الله تعالى، وكان ذلك في غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة كما ذكر ذلك العلائي في تاريخه، وقال محدث مكة جار الله بن فهد في كتابه إلى الشيخ شمس الدين بن طولون: فقدر الله تعالى وفاته في ليلة الجمعة غرة شهر رمضان عند إطفاء المصابيح أوان الفجر. قال: وكان ذلك مصداق منام رؤي له في أول السنة يؤمر فيه بزيارة النبي ﷺ . قال: إطفاء المصابيح. قال: وضمن ذلك بعض الشعراء في أبيات وهي:
توفي عبد الحق يوم غروبه ... بمكة بعد الصبح بدء صيامه
وزد واحداً فوق الثلاثين مردفاً ... بتسع ميء واجعله عام حمامه
قضى عالم الدنيا كأن لم يكن بها ... سقى الله قبراً ضمه من غمامه
قال الشيخ جار الله: وصلي عليه عقب صلاة الجمعة عند باب الكعبة، وشيعه خلق كثير إلى المعلا، ودفن بتربة سلفنا عند مصلب سيدنا عبد الله بن الزبير الصحابي - رضي الله تعالى عنه - بشعب النور، ورثاه جماعة من الشعراء، وحزن الناس عليه كثيراً، فإنه خاتمة المسندين والقراء أيضاً، وقد جاوز التسعين. انتهى.
وذكر العلائي في تاريخه أن الذي صلى عليه إماماً ولده العلامة شهاب الدين وأنه دفن في التربة المذكورة بين قبري محدثي الحجاز الشيخين الحافظين تقي الدين بن فهد، وولده نجم الدين بن فهد، وكان يوماً مشهوداً، وخلف ثلاثة بنين رجالاً متتابعة صلحاء عقلاء فضلاء غير أن أوسطهم الشيخ شهاب الدين أفضل بنيه، ودونه الشيخ محب الدين. انتهى - رحمه الله تعالى.
٤٥٢ - عبد الحليم بن علي القسطموني: عبد الحليم بن علي، العالم الفاضل
стр. 216
المولى حليمي القسطموني المولد، الرومي الحنفي. اشتغل بالعلم، وخدم المولى علاء الدين العربي، ثم ارتحل إلى بلاد العرب، وقرأ على علمائها، وحج ثم سافر إلى بلاد العجم، وقرأ على علمائها، وصحب الصوفية، وتربى عند شيخ يقال له: المخمودي، ثم عاد إلى بلاد الروم، واستقر بها، ثم طلبه السلطان سليم بن أبي يزيد خان قبل جلوسه على سرير السلطنة، وجعله إماماً له وصاحباً، فرآه متفنناً في العلوم، متحلياً بالمعارف، فلما جلس على سرير السلطنة جعله معلماً لنفسه، وعيين له كل يوم مئة عثماني، وأعطاه قرى كثيرة، ودخل معه بلاد الشام ومصر، وتوفي بدمشق بعد عوده في صحبة السلطان سليم إليها من مصر، ودفن بتربة الشيخ محيي الدين بن العربي يوم الجمعة عشري شوال سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة. قال الحمصي: وصلى عليه السلطان بالجامع الأموي هو وأكابر الناس من الأروام والعرب، وترحمت عليه الناس، وأنه كان لا يتكلم إلا خيراً عند السلطان. قال ابن طولون: ودفن إلى جانب الشيخ محمد البلخشي من القبلة بتربة المحيوي المذكورة رحمه الله تعالى.
٤٥٣ - عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي: عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي، الشيخ الصالح المتخلق بالأخلاق المحمدية. كان متواضعاً. كثير الإزراء بنفسه، والحط عليها، وجاءه مرة رجل فقال له: يا سيدي خذ علي العهد بالتوبة، فقال: والله يا أخي إلى الآن ما تبت، والنجاسة لا تطهر غيرها، وكان إذا رأى من فقير دعوى سارقه بالأدب، وقرأ عليه شيئاً من آداب القوم بحيث يعرف ذلك المدعي أنه عار عنها، ثم يسأله عن معاني ذلك بحيث يظن المدعي أنه شيخ، وأن الشيخ عبد الحليم هو المريد أو التلميذ، وجاءه مرة شخص من اليمن. فقال: أنا أذن لي شيخي في تربية الفقراء، فقال: الحمد لله الناس يسافرون في طلب الشيخ، ونحن جاء الشيخ لنا إلى مكاننا، وأخذ عن اليماني، ولم يكن بذلك، وكان الشيخ يربيه في صورة التلميذ إلى أن كمله وزاد حاله، ثم كساه الشيخ عبد الحليم عند السفر وزوده، وصار يقبل رجل اليماني، ويقول: يا سيدي صرنا محسوبين عليكم، وكان يؤدب الأطفال في بداءته، ولم يأخذ لهم شيئاً، ولم يأكل لهم طعاماً، ولا يقبل من أحد شيئاً، فاشتهر بالصلاح في بلاد المنزلة، فلقيه شخص من أرباب الأحوال اسمه العبيدي، فقال له: يا عبد الحليم لا تكن صالحاً إلا إن صرت تنفق من الغيب، ثم قال: أطلب مني شيئاً آتك به، فقال: ما أنا محتاج إلى شيء، فمد يده العبيدي في الهواء، فأتى بدينار، فأثرت تلك الكلمة في الشيخ عبد الحليم، وأخذ في الاجتهاد سنة يصوم نهارها، ويقوم ليلها، ويختم ختمة نهاراً، وختمة ليلاً، فجاء العبيدي فقال له: الآن صح لك اسم الصلاح، فمد يدك في الهواء، وهات لي ديناراً، فمد يده في الهواء فأتى بدينار، ففارقه يومئذ، واشتهر الشيخ عبد الحليم بعد ذلك، وعمر عدة جوامع
стр. 217
في المنزلة، ووقف عليها الأوقاف، وله جامع مشهور به في المنزلة له فيه سماط لكل وارد وبني بيارستان للضعفاء قريب منه، وكان يجذب قلب من يراه أبلغ من جذب المغناطيس للحديد، وكان لا يسأله فقير قط شيئاً من ملبوسه إلا نزعه عنه في الحال، دفعه إليه، وربما خرج إلى صلاة الجمعة فيدفع كل شيء عليه، ويصلي الجمعة بفوطة في وسطه، ومناقبه كثيرة مشهورة بدمياط، والمنزلة - رضي الله تعالى عنه - توفي بعد الثلاثين وتسعمائة، ودفن بمقبرة بلدة الخربة، وقبره بها ظاهر يزار - رحمه الله تعالى.
٤٥٤ - عبد الخالق المعالي: عبد الخالق المعالي، الحنفي المصري، الشيخ الإمام الصالح. كان له الباع الطويل في علم المعقولات، وعلم الهيئة، وعلم التصوف، وكان كريم النفس لا ينقطع عنه الواردون في ليل ولا نهار، وكان للفقراء عنده في الجمعة ليلة يتذاكرور عنده في أحوال الطريق إلى الصباح، وكان له سماط من أول رمضان إلى آخره، وكان دائم الصمت لا يتكلم إلا لضرورة. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. مات في حدود أواخر هذا الطبقة، ودفن قريباً من جامع آل مالك رحمه الله تعالى.
٤٥٥ - عبد الرحمن بن محمد المقدسي: عبد الرحمن بن محمد، شيخ الشيوخ أبو الفرج زين الدين ابن الأمير ناصر الدين ابن أبي شريف المقدسي شيخ الخانقاه بالقدس، وهو أخو الكمال، والبرهان ابني أبي شريف. كان موجواً في سنة إحدى وتسعمائة، ولم يتحرر لي تحديد وفاته بعد ذلك رحمه الله تعالى.
٤٥٦ - عبد الرحمن بن محمد الكلسي: عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عبد الله الشيخ العلامة زين الدين أبو الفرج الكلسي الأصل، الحلبي المولد، الحنفي. ولد بعد الستين وثمانمائة، واشتغل في النحو والصرف، ثم حج ولازم السخاوي بمكة، وسمع من لفظه الحديث المسلسل بالأولية وغيره، وسمع عليه البخاري، ومعظم مسلم، وسمع عليه من مؤلفاته، " القول البديع، في الصلاة على الشفيع "، والقول التام، في فضل الرمي بالسهام "، و " القول النافع، في ختم صحيح البخاري الجامع " و " تحرير البيان، في الكلام على الميزان " والكثير من شرح ألفية العراقي له - أعني السخاوي - وأجاز له في ذي القعدة سنة ست وثمانين وثمانمائة، وفي هذه السنة أجازت له المسندة زينب الشويكية رواية ما سمعه عليها بمكة من
стр. 218
سنن ابن ماجة من باب صفة الجنة والنار إلى آخر الكتاب، وأذنت له في رواية سائر مروياتها. وأذن له الشمس البازلي بحماة بالإفتاء والتدريس، وأجاز له بعد أن وصفه بالإمام العالم العلامة الجامع بين المعقول والمنقول، المتبحر في الفررع والأصول، ثم قرأ على العلامة محمد بن محمد الطرابلسي الحنفي في سنة تسعين في تنقيح الأصول، وأذن له بالتدريس في سائر العلوم، ثم أجاز له الكمال ابن أبي شريف في سنة خمس وتسعمائة أن يروي عنه سائر مؤلفاته ومروياته، ثم أجاز له الحافظ عثمان الديمي في سنة سبع وتسعمائة، وكان قصير القامة، نحيف البدن، لطيف الجثة، حسن المفاكهة، كثير الملاطفة، وكان له إلمام بالفارسية، والتركية، واعتناء بالتنزهات، والخروج إلى البساتين مع الديانة والصيانة. توفي بحلب في ذي القعدة سنة ثلاثين وتسعمائة، ودفن بالقرب من مزار الشيخ يبرق رحمه الله تعالى.
٤٥٧ - عبد الرحمن بن محمد الكتيي: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، الشيخ زين الدين الكتبي الدمشقي الحنفي. كان عنده فضيلة، وله قراءة في الحديث، وكان لطيفاً يميل إلى المجون والخداع. مات سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٥٨ - عبد الرحمن بن إبراهيم الدنابي الحنبلي: عبد الرحمن بن إبراهيم، الشيخ الإمام القدوة الزاهد زين الدين أبو الفرج الدنابي الدمشقي الصالحي الحنبلي. حفظ القرآن العظيم، ثم قرأ المقنع وغيره، واشتغل وحصل وأخذ الحديث عن أبي زيد وابن عبادة وغيرهما، ثم كان يقريء الأطفال في مكتب مسجد ناصر الدين غربي مدرسة أبي عمر، وكان يقرأ البخاري في البيوت والمساجد وجامع الحنابلة بالسفح، وكان إذا ختم البخاري في الجامع المذكور يحضر عنده خلائق، فإنه كان فصيحاً، وله مسلك في الوعظ حسن، ثم أنه انجمع في آخر عمره عن الناس، وقطن بزاوية المحيوي الرجيحي بالسهم الأعلى إماماً وقارئاً للبخاري، ومات في سنة خمس عشرة وتسعمائة، ودفن بالروضة بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
٤٥٩ - عبد الرحمن بن إبراهيم الدسوقي: عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن، الشيخ الصالح القاضي محب الدين. ابن الشيخ الصالح الزاهد الرباني إبراهيم الدسوقي، ولد في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثمانماثة، وكان ناظر الأيتام بدمشق، وفوض إليه نيابة القضاء فى سنة ست عشرة وتسعمائة، وتوفى ليلة السبت سابع ربيع الثاني سنة سبع
стр. 219
وعشرين وتسعمائة فجاة، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند والده رحمه الله تعالى.
٤٦٠ - عبد الرحمن بن إبراهيم الشاذلي: عبد الرحمن بن إبراهيم، الشيخ العابد الدين الصالح زين الدين ابن الشيخ الفاضل أبي المكارم بن أبي الوفاء الشاذلي المصري الشافعي، وهو أخو الشيخ أبي الفضل بن أبي الوفاء شيخ الوفائية بمصر، وكان يغلب على صاحب الترجمة الخير والصلاح، ولم يهتم بمشيخة، وتوفي في أواخر ربيع الثاني سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٦١ - عبد الرحمن بن أبي بكر الأسيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي سابق الدين بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد ابن الشيخ همام الدين، الشيخ العلامة، الإمام، المحقق، المدقق، المسند، الحافظ شيخ الإسلام جلال الدين أبو الفضل ابن العلامة كمال الدين الأسيوطي، الخضيري، الشافعي صاحب المؤلفات الجامعة، والمصنفات النافعة، ولد بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وعرض محافيظه على قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني الحنبلي، فسأله ما كنيتك؟ فقال: لا كنية لي. فقال أبو الفضل، وكتبه بخطه. وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات. وسبعة أشهر قد وصل في القراءة إذ ذاك إلى سورة التحريم، وأسند وصايته إلى جماعة منهم العلامة كمال الدين بن الهمام، فأحضر ابنه عقيب موته، فقرره في وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثماني سنين. ثم حفظ عمدة الأحكام، ومنهاج النووي، وألفية ابن مالك، ومنهاج البيضاوي، وعرض الثلاثة الأولى على مشايخ الإسلام العلم البلقيني، والشرف المناوي، والعز الحنبلي، وشيخ الشيوخ الأقصرائي وغيرهم، وأجازوه، وحضر مجالس الجلال المحلي سنة كاملة يومين في الجمعة، وحضر مجلس زين الدين رضوان العقبي، وأحضره والده قبل موته وهو صغير مجلس رجل كبير من العلماء أخبره بعض أصحاب أبيه أنه مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال في العلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة، فقرأ على الشيخ شمس الدين محمد بن موسي السيرائي صحيح مسلم إلا قليلاً منه والشفاء، وقرأ عليه الفية بن مالك حلاً فما أتمها إلا وقد صنف، وأجازه بالعربية، ثم قرأ عليه قطعة من التسهيل، وسمع عليه الكثير من ابن المصنف، والتوضيح، وشرح الشذور، وفي المغني في أصول فقه الحنفية، وشرح العقائد للتفتازاني، وقرأ على الشيخ الإمام الصالح شمس الدين محمد ابن الشيخ سعد الدين بن
стр. 220
سعد بن خليل المرزباني، الحنفي الكافية لابن الحاجب، وشرحها للمصنف، ومقدمة إيسا غوجي في المنطق، وشرحها للكاني، وقطعة من كتاب سيبويه حلاً، وسمع عليه من المتوسط والشافية، وشرحها للجاربردي، ومن ألفية العراقي، ولزمه حتى مات سنة سبع وثمانمائة، وقرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه شهاب الدين أحمد بن علي الشارمساحي، ثم لزم درس شيخ الإسلام العلم صالح البلقيني من شوال سنة خمس وستين وثمانمائة، فقرأ عليه من أول التدريب لوالده السراج البلقيني إلى باب الوكالة، وسمع عليه من أول الحاوي إلى باب العدد، وغالب المنهاج والتنبيه، وقطعة من الروضة، وقطعة من التكملة للزركشي، ولزم أيضاً درس شيخ الإسلام الشرف المناوي، فقرأ عليه من المهاج، وسمعه عليه كاملاً في التقسيم، وسمع عليه الكثير من شرح البهجة للعراقي، ومن تفسير البيضاوي وغيره، ولزمه إلى أن مات، ولزم دروس العلامة محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي، وسمع عليه دروساً عديدة من الكشاف، ولزم درس العلامة التقي الشمني من شوال سنة ثمان وستين وثمانمائة، وسمع عليه المطول والتوضيح، والمغني، وحاشية عليه، وشرح المقاصد للتفتازاني، وقرأ عليه من الحديث كثيراً، ومن علومه شرحه على نظم النخبة لوالده، ولزم أيضاً دروس العلامة المحيوي محمد بن سليم الكافيجي، وقرأ عليه شرح القواعد له، وأشياء من مختصراته، وسمع عليه من الكشاف وحواشيه، والمغني، وتوضيح صدر الشريعة، والتلويح للتفتازاني، وتفسير البيضاوي وغير ذلك، وقرأ على قاضي القضاة العز أحمد بن إبراهيم الكناني قطعة من جمع الجوامع لابن السبكي، وقطعة من نظم مختصر ابن الحاجب وشرحه كلاهما تأليفه، وقرأ في الميقات علي الشيخ مجد الدين إسماعيل بن السباع، وعلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن محمد الميقاتي، وقرأ في الطب على محمد بن إبراهيم الدواني. قدم عليهم القاهرة من الروم، وحضر عند الشيخ تقي الدين أبي بكر بن شادي الحصكفي كثيرة، وقرأ على الشيخ شمس الدين البابي دروساً من المنهاج من كتاب الخراج إلى باب الجزية، وشيئاً من البهجة، وأجيز بالإفتاء والتدريس، وقد ذكر تلميذه الداوودي في ترجمة أسماء شيوخه إجازةً وقراءةً وسماعاً، مرتبين على حروف المعجم، فبلغت عدتهم أحداً وخمسين نفساً، وألف المؤلفات الحافلة الكثيرة الكاملة
الجامعة، النافعة المتقنة، المحررة، المعتبرة نيفت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد استقصاها الداوودي في ترجمة وشهرتها تغنينا عن ذكرها هنا، وقد اتفقت روايتنا لها عن شيخ الإسلام الوالد عنه بحق إجازته له، وأذن له بروايتها عنه، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في البلاد الحجازية، والشامية، والحلبية، وبلاد الروم، والمغرب، والتكرور، والهند، واليمن، وكان في سرعة الكتابة والتأليف آية كبرى من آيات الله تعالى. قال تلميذه الشمس الداوودي: عاينت الشيخ، وقد كتب في ويومالجامعة، النافعة المتقنة، المحررة، المعتبرة نيفت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد استقصاها الداوودي في ترجمة وشهرتها تغنينا عن ذكرها هنا، وقد اتفقت روايتنا لها عن شيخ الإسلام الوالد عنه بحق إجازته له، وأذن له بروايتها عنه، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في البلاد الحجازية، والشامية، والحلبية، وبلاد الروم، والمغرب، والتكرور، والهند، واليمن، وكان في سرعة الكتابة والتأليف آية كبرى من آيات الله تعالى. قال تلميذه الشمس الداوودي: عاينت الشيخ، وقد كتب في ويوم
стр. 221
واحد ثلاثة كراريس تأليفاً وتحريراً، وكان مع ذلك يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، ورجاله، وغريبه، واستنباط الأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مئتي ألف حديث. قال: ولو وجدت أكثر لحفظته. قال: ولعله لا يوجد على وجه الأرض الان أكثر من ذلك، ولما بلغ أربعين سنة من عمره أخذ في التجرد للعبادة والإنقطاع إلى الله تعالى، والإشتغال به صرفاً، والإعراض عن الدنيا وأهلها كانه لم يعرف أحداً منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف ألفه في ذلك وسماه " بالتنفيس " وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات لم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها، وأهدى إليه الغوري خصياً وألف دينار، فرد الألف، وأخذ الخصي فاعتقه وجعله خادماً في الحجرة النبوية، وقال لقاصد السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فإن الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره، وطلبه مراراً فلم يحضر إليه، وقيل له: إن بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والأمراء في حوائج الناس، فقال: أتباع السلف في عدم ترددهم أسلم لدين المسلم.
وألف كتاباً سماه " ما رواه الأساطين، في عم التردد إلى السلاطين "، قلت: وقد نظمت
هذا الكتاب في منظومة لطيفة حافلة، وزدت على ما ذكره زيادات شريفة، ورؤي النبي ﷺ في المنام، والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث، والنبي ﷺ . يقول له: هات يا شيخ السنة، ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا، والنبي ﷺ . يقول له: هات يا شيخ السنة، وذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول: رأيت النبي ﷺ يقظة. فقال لي: يا شيخ الحديث، فقلت له: يا رسول الله أمن أهل الجنة أنا؟ قال: نعم، فقلت: من غير عذاب يسبق؟ فقال ﷺ : لك ذلك، وألف في ذلك كتاب " تنوير الحلك، في إمكان رؤية النبي والملك "، وقال له الشيخ عبد القادر، قلت له يا سيدي: كم رأيت النبي ﷺ يقظة؟ فقال: بضعاً وسبعين مرة، وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك أن الشيخ قال له يوماً وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة: نريد أن نصلي العصر في مكة بشرط أن تكتم ذلك علي حتى أموت. قال: فقلت: نعم. قال: فأخذ بيدي، وقال: غمض عينيك، فغمضتها فرمل في نحو سبع وعشرين خطوة، ثم قال لي: إفتح عينيك، فإذا نحن بباب المعلى، فزرنا أمنا خديجة، والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة وغيرهم، ودخلت الحرم، فطفنا وشربنا من ماء زمزم، وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر، وطفنا وشربنا من زمزم، ثم قال لي: يا فلان ليس العجب من طيئ الأرض لنا، وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا، ثم قال لي: إن شئت تمضي معي، وإن شئت تقم حتى يأتي الحاج.
стр. 222
قال: فقلت: بل إذهب مع سيدي، فمشينا إلى باب المعلا، وقال لي: غمض عينيك، فغمضتها، فهرول بي سبع خطوات، ثم قال لي: إفتح عينيك، فإذا نحن بالقرب من الجيوشي، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض، ثم ركب الشيخ حمارته، وذهبنا إلى بيته في جامع طولون.
وذكر الشعراوي، عن الشيخ أمين الدين النجار إمام جامع الغمري أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت، وأن يدخلها في افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وأخبره أيضاً بأمور أخرى تتفق في أوقات عينها، وكان الأمر كما قال - رضي الله تعالى عنه - ومحاسنه ومناقبه لا تحصى كثرة، ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتحقيقها لكفي ذلك شاهداً لمن يؤمن بالقدر، وله شعر كثير كثره متوسط، وجيده كثير، وغالبه في الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية، فمن شعره وأجاد فيه:
فوض أحاديث الصفات ... ولا تشبه أو تعطل
إن رمت إلا الخوض في ... تحقيق معضله فأول
إن المفوض سالم ... مما يكلفه المؤول
وقال رضي الله تعالى عنه:
حدثنا شيخنا الكناني ... عن أية صاحب الخطابة
أسرع أخا العلم في ثلاث ... الأكل والمشي والكتابة
وقال في الشافعي - رضي الله تعالى عنه - مضمناً مكتفياً:
إن ابن إدريس حقاً ... بالعلم أولى وأحرى
لأنه من قريش ... وصاحب البيت أدرى
وقال مقتبساً - رضي الله تعالى عنه.
أيها السائل قوماً ... ما لهم في الخير مذهب
أترك الناس جميعاً ... وإلى ربك فارغب
وقال مقتبساً أيضاً:
عاب الإملاء للحديث رجال ... قد سعوا في الضلال سعياً حثيثا
стр. 223
إنما ينكر الأمالي قوم ... لا يكادون يفقهون حديثاً
وقال مقتبساً:
لا تقابل الجهلا ... بالذي أتوا تفلح
إن ترد أن تسوءهم ... فاعف عنهم واصفح
أعبد الله ودع عن ... ك التواني بالهجود
ومن الليل فسب ... حه وإدبار السجود
وقال:
إني عزمت وما عزم بمنخرم ... ما لم يساعده تقدير من الباري
أن لا أصاحب إلا من خبرتهم ... دهراً مقيماً، وأزماناً بأسفار
ولا أجالس إلا عالماً فطناً ... أو صالحاً أو صديقاً لا بإكثار
ولا أسائل شخصاً حاجة أبداً ... إلا استعارة أجزاء وأسفار
ولا أذيع، ولا للعالم الفطن الصد ... يق ما يحتوي مكنون أسراري
ولا أصاحب عامياً، وإن شهدوا ... بأنه صالح معدوم أنظار
ولست أحدث فعلاً غير مفترض ... أو مستحب، ولم يدخل بانكار
ما لم أقم مستخير الله متكلاً ... وتابعاً ما أتى فيها من آثار
وقال متشكياً:
طوبى لمن مات فاستراحا ... ونال من ربه فلاحا
ما نحن إلا في قوم سوء ... أذاهم قد بدا ولاحا
وكانت وفاته - رضي الله تعالى عنه - في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر، وقد استكمل من العمر إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوماً، وكان له مشهد عظيم، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلي عليه غائبة بدمشق
стр. 224
بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب سنة إحدى عشرة المذكورة. قيل: أخذ الغاسل قميصه وقبعه فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير لذلك أيضاً، ورثاه عبد الباسط بن خليل الحنفي بقوله:
مات جلال الدين غيث الورى ... مجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السنة مهدي الهدى ... ومرشد الضال بنقع يعود
فيا عوني انهملي بعده ... ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي يا دنيا إذ حق ذا ... بل حق إن ترعد فيك الرعود
وحق للضوء بأن ينطفي ... وحق للقائم فيك القعود
وحق للنور بأن يختفي ... ولليالي البيض إن تبق سود
وحق للناس بأن يحزنوا ... بل حق أن كل بنفس يجود
وحق للأجبال خر وإن ... تطوى السما طيا كيوم الوعود
وأن يغور الماء والأرض أن ... تميد إذ عم المصاب الوجود
مصيبة حلت فحفت بنا ... وأورثت نار اشتعال الكبود
صبرنا الله عليها وأولاه ... نعيماً حل دار الخلود
وعمه منه بوبل الرضى ... والغيث بالرحمة بين اللحود
ولعله رثي بالمراثي الحافلة، ولم أقف إلا على هذه القصيدة في تاريخ ابن طولون. ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، فكتبها هذا من خطه لئلا تخلوا الترجمة من مرثية ما رحمه الله تعالى.
٤٦٢ - عبد الرحمن المقدسي: عبد الرحمن ابن الشيخ العلامة زين الدين بن جماعة المقدسي الشافعي شيخ الصلاحية بالقدس الشريف توفي بالقدس سنة أربع وعشرين وتسعمائة وصلي عليه وعلى الشيخ عبد القادر الدشطوطي غائبة بجامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان منها رحمه الله تعالى.
٤٦٣ - عبد الرحمن بن عبد الله: عبد الرحمن بن عبد الله الفكيكي المغربي المالكي نزيل دمشق قرأ على شيخ الإسلام الوالد في الجرومية وغيرها ومات مطعوناً بدمشق سنة ثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 225
٤٦٤ - عبد الرحمن بن علي الأماسي: عبد الرحمن بن علي العالم العلامة المحقق الفهامة، المولى عبد الرحمن بن المؤيد الأماسي الرومي الحنفي، ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة واشتغل في العلم ببلده ولما بلغ سن الشباب صحب السلطان أبا يزيد، خان حين كان أميرا بأماسية فوشى به المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد فأمر بقتله فبلغ السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فاعطاه عشرة آلاف درهم وخيلاً وسائر أهبة السفر وأخرجه ليلاً من أماسية ووجهه إلى بلاد حلب وكانت إذ ذاك في أيد الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة فأقام هناك مدة واشتغل بها في النحو فقرأ على بعض أهلها في المفصل ثم أشار عليه بعض تجار العجم أن يذهب إلى المولى جلال الدين الدواني ببلدة شيراز ووصف له بعض فضائله فخرج مع تجار العجم في تلك السنة وقصد المنلا المذكور فقرأ عليه زماناً كثيراًوحصل عنده من العلوم العقلية والعربية والتفسير والحديث وأجازه وشهد له بالفضل التام بعد أن أقام عنده سبع سنين فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد خان على تخت السلطنة سافر من بلاد العجم إلى الروم فصحب موالي الروم وتكلم معهم فشهدوا بفضله وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندر خانه بالقسطنطينية ثم إحدى الثماني ثم قضاء القسطنطينية ثم أدرنة ثم قضاء العسكر بولاية أناطولي ثم بولاية روم إيلي ثم عزل وجرت له محنة ثم لما تولى السلطان سليم خان أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة وتسعه وسافر معه إلى بلاد العجم وكان معه في محاربة الشاه إسماعيل ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل له في عقله في شعبان سنة عشرين وتسعمائة وعين له كل يوم مئتي درهم ورجع إلى القسطنطينية معزولاً وكان قبل اختلاله بالغاً الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية ماهراً في التفسير مهيباً حسن الخط جداً ينظم الشعر بالفارسية والعربية وله مؤلفات بقي أكثرها في المسودات منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم الكلام وكانت وفاته بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وقيل في تاريخ وفاته:
نفسي الفداء لحبر حل حين قضى ... في روضة وهو في الجنات محبور
مقامه في علا الفردوس مسكنه ... أنيسه في الثرى الولدان والحور
قل للذي يبتغي تاريخ رحلته ... نجل المؤيد مرحوم ومغفور
٤٦٥ - عبد الرحمن بن موسى المغربي: عبد الرحمن بن موسى المغربي التادلي
стр. 226
المالكي نزيل دمشق كان رجلاً فاضلاً صالحاً اختص بصحبة شيخ الإسلام الوالد وجعل نفسه كالنقيب لدرسه وحضر كثيراًمن دروسه وقرأ عليه في مختصر الشيخ خليل على مذهب الإمام مالك وقرأ عليه في الجرومية وفي منظومته نظم الجرومية ثم سافر إلى الحجاز فمات في الطريق سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٦٦ - عبد الرحمن البهنسي: عبد الرحمن البهنسي المصري الشيخ الصالح المصطلم المستغرق المعتقد أحد صوفية الشيخونية المقيم بالبرقوقية بين القصرين بمصر. توفي سنة سبع عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٦٧ - عبد الرحمن البابكي: عبد الرحمن الشيخ الصالح الخير زين الدين البابكي المصري أحد أصحاب الشيخ كمال الدين ابن إمام الكاملية توفي سنة سبع عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٦٨ - عبد الرحمن الصالحي: عبد الرحمن الشيخ العالم الصالح المحدث زين الدين الصالحي الشافعي. توفي بالقاهرة سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وصلي عليه وعلى آخرين تقدم ذكرهم في ترجمة البرهان بن أبي شريف غائبة بالأموي بدمشق يوم الجمعة رابع عشري ربيع الثاني منها رحمه الله تعالى.
٤٦٩ - عبد الرحمن شيخ الصوابية: عبد الرحمن الشيخ الصالح المسلك زين الدين شيخ الصوابية بصالحية دمشق. توفي بها يوم الخميس ثامن عشري رجب سنة تسع - بتقديم المثناة - وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٧٠ - عبد الرحمن بن الأكرم: عبد الرحمن القاضي زين الدين بن الأكرم ابن عم نائب القلعة الأمير إسماعيل بن الأكرم توفي بالعقبة بدرب الحجاز يوم الجمعة ثاني عشر المحرم سنة ثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٧١ - عبد الرحمن بن محمد الأوجاقي: عبد الرحمن بن محمد الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث المسند الحافظ الحجة الرحلة الناقد تقي الدين ابن الشيخ محب الدين الأوجاقي المصري الشافعي. قرأ القرآن العظيم على والده وهو أول شيخ قرأ عليه القرآن، وسمع منه وعليه الحديث، وأخذ عنه العلوم الشرعية وغيرها، وقرأ أيضاً على الشيخ شمس
стр. 227
الدين محمد الشهير بالسكندري، وعلى العلامة زين الدين أبي بكر بن عياش، وهؤلاء كلهم قرأوا على الشيخ شمس الدين العسقلاني، وأخذ العلوم الشرعية أيضاً عن شيخ الإسلام ابن حجر، والمولى ابن العراقي، والشمس القاياتي، وصالح البلقيني، والفقه عن والده، وعن العلم صالح، والعلامة زين البوتيجي، والقاياتي، ولازم الشرف المناوي في المنهاج والبهجة وغيرها تقسيماً، قال: وهو آخر شيخ قرأت عليه العلوم الشرعية، وأخذ كتب النووي عن الشهاب الواسطي عن الصدر الميمومي عن النووي، وقرأ في شرح التلخيص للتفتازاني على شيخ الإسلام سعد الدين الديري الحنفي المقدسي، والعلامة عز الدين بن عبد السلام البغدادي، وسمع في الحديث المسلسل بالأولية من والده، وابن حجر، والعلم صالح، والشرف مناوي، والشيخ العلامة الشيخ أبي هريرة الأبوتيجي، والمسند العلامة أبي الطيب أحمد شهاب الدين الحجازي، والمسند محيي الدين الطريفي، وسمعه بالمسجد الحرام من شيخ الإسلام الحافظ أبي الفتح محمد شرف الدين ابن الحافظ أبي بكر المراغي. قال: وهو أول حديث سمعته من لفظه أنا، وصاحبنا قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وسمعته بمكة أيضاً من العلامة تقي الدين بن فهد، وبالمدينة من قاضي القضاة أبي الفتح بن حاتم المديحي، وبالقدس من قاضي قضاتها جمال الدين يوسف بن إبراهيم بن جماعة، والحافظ أبي بكر عبد الله تقي الدين القرقشندي، وروى صحيح البخاري عن جمع كثير يزيد عددهم على المائة وعشرين نفساً ما بين قراءة وسماع. ومناولة لجميعه مقرونة بالإجازة وإجازه مجردة منهم والد المحب الأوجاقي سماعاً عليه مرات كثيرة في كل سنة بقراءة الشيخ الفاضل شمس الدين محمد بن مخلوف القمني، ومنهم الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي بالإجازة، والحافظ شيخ الإسلام ابن حجر سماعاً منه وعليه، ولبس الخرقة القادرية من والده، ومن السيد الشريف أبي الحسن علي، وابن عمه السيد الشريف أبي المحاسن حسن نور الدين الكيلاني، ومن الشيخ أحمد أبي العباس شهاب الدين الزركشي الخطيب الشافعي عن ابن الناصح وصحب من مشايخ عصره، جماعة أجلاء منهم سيدي أبو الفتح ابن أبي الوفاء، وصاحبه الشيخ أبو سعيد، والشيخ مدين، والسيد أبو الصفا الوفائي، والشيخ الكبير المعمر سيدي محمد بن سلطان، وسيدي محمد بن خضر، وسيدي الشيخ كمال الدين الملقب بالمجذوب، وسيدي الشيخ ماهر صاحب سيدي إسماعيل الأنبائي، وسيدي أحمد بن قرا الشامي، وسيدي محمد النابلسي أحد أصحاب سيدي الشيخ يوسف العجمي، وسيدي عمر الكردي، وسيدي أحمد بن رياض وآخر من صحبهم منهم الشيخ - العارف بالله تعالى - سيدي أبو العون الغزي وله رضي الله تعالى عنه شعر لطيف منه:
стр. 228
تقول نفسي: أتخشى ... من هول ذنب عظيم
لا تختشي من عقاب ... وأنت عبد الرحيم
وقال رحمه الله تعالى:
إذا كنت الرحيم فلست أخشى ... وإن قالوا: عذاب النار يحمى
وكم عبد كثير الذنب مثلي ... بفضلك من عذاب النار يحمى
وقال أيضاً:
ياراحمي ورحيمي ... ومانحي كل نعمه
ابن الوجاقي عبد ... مرداه منك رحمه
وقال في مرضه الذي مات فيه وأجاد فيه:
لما مرضت من الذنوب لثقلها ... وأيست من طب الطبيب النافع
علقت أطماعي برحمة سيدي ... وأتيته متوسلاً بالشافعي
وكانت وافته - رحمه الله تعالى - بالقاهرة يوم الاثنين ثاني أو ثالث جمادى الآخرة سنة عشر وتسعمائة.
٤٧٢ - عبد الرحيم بن صدقة المكي: عبد الرحيم بن صدقة، الشيخ الإمام العلامة الورع الزاهد، زين الدين المكي الشافعي، قرأ عليه البرهان العمادي الحلبي، أحاديث من الكتب الستة، وأجازه برباط المقياس تجاه المسجد الحرام، في العشر الأول من الحجة سنة خمس عشرة وتسعمائة.
٤٧٣ - عبد الرحيم بن علي الرومي: عبد الرحيم بن علي المولى الفاضل عبد الرحيم ابن المولى علاء الدين العربي الرومي الحنفي، لقبه والده ببلك، واشتهر به على علي المولى خطيب زاده، وكان فاضلاً في الفروع والأصول، ذكياً فصيحاً، حسن المحاورة، ودرس ببعض المدارس، ثم بإحدى الثماني، ثم ولي قضاء القسطنطينية، ثم أعيد إلى تدريس إحدى الثماني، ومات وهو مدرس بها سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٧٤ - عبد الرحيم الأبناسي: عبد الرحيم الأبناسي، الشيخ المشهور المصري، من
стр. 229
مناقبه ما حكاه عنه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي، أن السلطان قايتباي أرسل إليه مرسوماً، بعشرة أنصاف مصرية من الجوالي في كل يوم، فانقبض خاطر الشيخ من ذلك، فوضع المرسوم في عمامته، وركب حمارته، وخرج لحاجة فبينما هو تحت بيت إذ سمع امرأة تقول لجارتها: هذا الشيخ هو الذي أخذ جوالي ولدي، فعرف البيت، وأرسل المرسوم إلى قايتباي، وقال: إن كنت تريد البر لي فامسح اسمي، واكتب اسم ولد المتوفي، وما زال يبرم على السلطان حتى كتب العشرة أنصاف لولد تلك المرأة، وهو ولد المتوفي، ثم جاءها بالمرسوم وأعطاها إياه، وقال: ابرئي ذمة عبد الرحيم، وادعي له بالموت على الإسلام، فإني خائف من سوء الخاتمة، فبكت المرأة وبكى الشيخ، ولعله أدرك أوائل هذه الطبقة، رحمه الله تعالى.
٤٧٥ - عبد الرزاق: عبد الرزاق...... الشيخ الصالح المربي المسلك الشافعي الحموي القادري نسباً وخرقة، توفي بحماة في سنة إحدى وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بالأموي بدمشق يوم الجمعة تاسع ربيع الأول منها.
٤٧٦ - عبد الرزاق بن أحمد الأريحي: عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الشيخ ولي الدين بن زين الدين الشيخ العلامة شمس الدين الأريحي، ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وتوفي سنة اثنتين وتسعمائة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٧٧ - عبد الرزاق بن أحمد العجيمي: عبد الرزاق بن أحمد بن أحمد بن محمود بن موسى، المعروف جده أحمد في القدس الشريف بالعجيمي، وجده الأعلى موسى بالتركماني الشيخ الفاضل المقري المجود زين الدين ابن الشيخ الإمام المقرئ، كاتب المصاحف شهاب الدين أحمد المقدسي الأصل، الدمشقي السافعي، ولد في سادس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وأخذ القراءات وغيرها عن والده وغيره، وتوفي في سنة تسع وتسعمائة، ودفن بمقبرة المزرعة المعروفة الآن بالجورة بالقرب من ميدان الحصا عند أخيه الشيخ إبراهيم المقدسي.
٤٧٨ - عبد السلام: عبد السلام، الشيخ الصالح، خادم الشيخ علي أبي تراب، الكائن
стр. 230
بالحرشف بالقاهرة، مات يوم الأحد ثاني شعبان، سنة اثنتي عشرة وتسعمائة بالقاهرة، ودفن بها رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٤٧٩ - عبد العال إمام السلطان: عبد العال الشيخ الفاضل الناسك المتقلل زين الدين المصري الحنفي إمام السلطان جان بلاط، وإمام مدرسته بباب النصر، تيسرت له الرئاسة، وعرضت عليه فأبى إلا التقليل والتقنع، قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: كان الشيخ عبد العال رجلاً صالحاً كريماً عفيفاً لا يكاد يمكن أحد أن يفارقه، حتى يقدم له شيئاً يكله قال: ودخلت عليه مرة فلم يجد عنلى طعاماً، فقمم إلي الماء فقال: اشرب ولو يسيراً قال: وربما وجد اللقمة اليابسة فيضعها بين يدي الأمير، ونحوه انتهى.
وكانت وفاته في أواخر سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة قال العلائي: وأعقب ولداً فاضلاَ يسمى أمين الدين من أمة حبشية، نشأ على علم، وخير انتهى، وستأتي ترجمة الشيخ أمين الدين بن عبد العال في الطبقة الثانية رحمه الله تعالى.
٤٨٠ - عبد العال المجذوب: عبد العال المجذوب المصري، كان مكشوف الرأس لا يلبس القميص، وإنما يلبس الإزار صيفاً وشتاءً، وسواكه مربوط في إزاره، وكان محافظاً على الطهارة خاشعاً في صلاته، مطمئناً فيها متألهاً، وكان يحمل إبريقاً عظيماً يسقي به الناس في شوارع مصر، وكان يطوف البلاد والقرى، ثم يرجع إلى مصر، وكان يمدح النبي ﷺ ، فيحصل للناس من إنشاده عبرة ويبكون قال الشعراوي: ولما دنت وفاته دخل إلى الزاوية وقال للفقراء: تدفنوني في أي بلد فقلت: الله أعلم فقال: في قليوب، وكان الأمر كما قال، مات بعد ثلاثة أيام ودفن قريباً من القنطرة، التي في شط قليوب، وبنوا عليه قبة في سنة نيف وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨١ - عبد العزيز السبتسي: عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار بن زائد بن يحيى بن مختار بن سالم ابن الشيخ الصالح المسند المعمر عز الدين السبتسي المكلي الشافعي المعروف كسلفه بابن زائد، ولد في سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمكة، وحفظ القرآن العظيم، وسافر مع أبيه في التجارة، إلى الهند واليمن وسواكن وغيرها، وسمع على الشيخ أبي الفتح المراغي جميع البخاري، خلا أبواب، وبعض مسلم وكتباً كثيرة من السنن الأربعة،
стр. 231
وسمع على الشيخ الحافظ تقي الدين بن فهد، ومنه أشياء كثيرة، وعلى القاضي شهاب الدين الزفتاوي المسلسل بالأولية، وجزء أيوب السختياني، والبردة للبوصيري، وغير ذلك وأجاز له جماعة منهم الحافظ بن حجر، وأحمد بن أبي بكر الدماميني، والعز عبد الرحيم ابن الفرات، والسعد الميري، وسارة بنت ... ابن جماعة وغيرهم، وكان موجوداً في سنة عشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨٢ - عبد العزيز بن محمد الحرناوي: عبد العزيز بن محمد الشيخ الصالح عز الدين بن ناصر الدين الحرناوي، البغدادي نزيل دمشق، كان من أولياءه تعالى سمع على المحدثين البغداديين، كابن النجار وغيره، وقطن بدمشق وبها توفي ليلة الخميس خامس عشري جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨٣ - عبد العزيز بن عمر بن فهد: عبد العزيز بن عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن فهد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن سعد بن هاشم بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن القاسم بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن محمد الشهير بابن الحنفية، ابن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنهما - الشيخ الإمام الحافظ، المتقن الرحال المفيد القدوة، عز الدين أبو الخير وأبو فارس ابن العمدة المؤرخ الرحال نجم الدين أبي القاسم، وأبي حفص ابن العلامة الرحلة الحافظ تقي الدين أبي الفضل، ابن أبي النصر ابن أبي الخير المعروف كسلفه بابن فهد، ولد في الثلث الأخير من ليلة السبت سادس عشري شوال سنة خمسين وثمانمائة بمكة المشرفة، وحفظ القرآن العظيم والأربعين النووية، والإرشاد لابن المقري، والألفية لابن مالك، والنخبة لابن حجر، والتحفة الوردية، والجرومية وعرضها جميعها على والده وجده، والثلاثة الأولى على جماعة غيرهما، واستجاز له والده جماعة منهم ابن حجر، وأسمعه على المراغي والزين الأسيوطي، والبرهان الزمزمي، وغيرهم ثم رحل بنفسه إلى المدينة المنورة، ثم إلى الديار المصرية، وسمع بالقدس، وغزة ونابلس ولدمشق وصالحيتها، وحماة وحلب، وغيرها من جماعة واجتهد، وتميز ثم عاد إلى بلده، ثم رجع إلى مصر، بعد نحو أربع سنوات، وذلك في سنة خمس وسبعين وثمانمائة، وقرأ على شيخ الإسلام زكريا والشرف عبد الحق السنباطي، في الإرشاد وعلى السخاوي ألفية الحديث وغيرها، ورجع إلى بلده ثم سافر في موسم السنة التي تليها إلى دمشق، وقرأ بدمشق على
стр. 232
الزين خطاب قطعة من أول الإرشاد، وكذا على المحب البصروي، وكان قد أخذ عنه بمكة أيضاً، وحضر دروس التقوي ابن قاضي عجلون، وسافر منها إلى حلب ثم رجع وسافر إلى القاهرة، ثم عاد إلى بلده، ثم عاد إلى القاهرة أيضاً، ولازم السخاوي، وحضر درس إمام الكاملية والسراج العبادي، ثم عاد إلى بلده، وأقام بها ملازماً للاشتغال، ولازم فيها عالم الحجاز البرهان، ابن ظهيرة في الفقه، والتفسير وأخاه الفخر، والنور الفاكهي في الفقه وأصوله، وأخذ النحو عن أبي الوقت المرشدي، والسيد السمهودي مؤرخ المدينة، والنحو والمنطق على العلامة يحيى العلم المالكي، وبرع في علم الحديث، وتميز فيه بالحجاز مع المشاركة في الفضائل، وعلو الهمة والتخلق بالأخلاق الجميلة، وصنف عدة كتب معجم شيوخه نحو ألف شيخ، وفهرست مروياته، وجزء في المسلسل بالأولية، وكتاب فيه المسلسلات التي وقعت له ورحلة في مجلد، وكتاب في الترغيب والاجتهاد، في الباعث لذوي الهمم العلية على الجهاد، وترتيب طبقات القراء للذهبي، وتاريخ على السنين ابتدأ فيه من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وذكر ابن طولون عن والده المحدث جار الله بن فهد أن أباه نظم الحديث المسلسل بالأولية في بيتين ذكر أنه لم ينظم غيرهما وهما:
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم ... من في السماء كذا عن سيد الرسل
فارحم بقلبك خلق الله وارعهم ... به تنال الرضى والعفو عن زلل
وذكر ابن طولون أيضاً أنه أجازه مراراً، وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية، ثم المسلسل بالمحمدين، ثم المسلسل بحرف العين، وذلك يوم الاثنين سادس في الحجة سنة عشرين وتسعمائة بزيارة دار الندوة رحمه الله تعالى.
٤٨٤ - عبد العظيم الخانكي: عبد العظيم بن يحيى الخانكي العلامة الشافعي، أخذ عن المسند شهاب الدين أحمد البرقوقي وغيره رحمه الله تعالى.
٤٨٥ - عبد العزيز الرومي: عبد العزيز بن يوسف بن حسين السيد الشريف الحسني، المولى الفاضل الشهير بعابد جلبي الرومي الحنفي، خال صاحب الشقائق، قرأ على المولى محيي الدين محمد السامسوني، ثم على المولى قطب الدين حفيد قاضي زاده الرومي، ثم المولى أخي جلبي، ثم المولى علي بن يوسف الفناري، ثم المولى معروف زاده معلم السلطان بايزيد خان، ثم صار مدرساً بمدرسة كليبولي، ثم قاضياً ببعض النواحي، ومات بمدينة
стр. 233
كفه قاضياً بها في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨٦ - عبد الغفار الضرير: عبد الغفار الشيخ الإمام العلامة المفنن الشيخ زين الدين المصري الشافعي الضرير. قال الحمصي: مات قتلاً في صلاة الجمعة ببلدة يقال لها: مطبوس، بالقرب من إسكندرية قال: وسبب ذلك أن هذه كانت جارية في إقطاع الأمير طراباي رأس نوبة النوب، وبها رجل متدارك لمالها اسمه أبو عمرو، فوقع بينه وبين أهل البلدة لفسقه وظلمه، فشكوا حالهم إلى للأمير طراباي، فأرسل أخاه للبلد يحرر ذلك، فلما حضر شكا أهل البلدة إليه ظلم أبي عمرو لهم، فضرب أخو طراباي واحداً من أهل البلدة بالدبوس، فرجمه أهل البلدة فأمر بضرب السيف فيهم، فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين نفراً فقال الشيخ عبد الغفار: هذا ما يحل فضربت عنقه، وألقي في البحر فساقه البحر إلى قرية تسمى كوم الأفراح بها جمع من الأولياء فدفن بها، كانت له جنازة لم تشهد، وكان قتله - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة سادس عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨٧ - عبد الفتاح العجمي: عبد الفتاح بن أحمد بن عادل باشا الحنفي العجمي الأصل، ثم أحد موالي الروم كان عالماً فاضلاً محققاً، وله خط حسن، قرأ على جماعة منهم المولى محيي الدين الإسكليبي، والمولى عبد الرحمن بن المؤيد، ثم صار مدرساً بمدرسة المولى يكان ببروسا، ثم بمدرسة أحمد باشا بن ولي الدين بها، ثم بمدرسة إبراهيم باشا بالقسطنطينية، ومات وهو مدرس بها سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٨٨ - عبد القادر بن محمد الحيسوب: عبد القادر بن محمد بن منصور بن جماعة الشيخ العالم الفرضي الحيسوب زين الدين الصفدي، ثم الدمشقي الشافعي المعروف في صفد بابن المصري، وفي دمشق ببواب الشامية البرانية لأنه نزلها حين دخل دمشق، وكان بواباً بها سنين عديدة، ثم سكن السميصاتية مدة، ولد بصفد سنة أربع وثلاثين وثمانمائة، وأخذ عن الشيخ شمس الدين بن حامد الصفحي، والشيخ شمس الدين البلاطنسي، والشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة، والشيخ زين الدين خطاب، والشيخ نجم الدين ابن قاضي عجلون، والشيخ شمس الدين الشرواني وغيرهم، وكان له يد طولى في علم الحساب وقلم الغبار، بحيث لم يكن له بدمشق نظير في ذلك، وكان نحيف البدن ضعيف البصر له شراسة في خلقه، وكان يتعاطى شراء الكتب الحسان، وانتفع به جماعة، ولما توفي شيخه ابن حامد أخذ عنه نظر
стр. 234
المدرسة الصارمية داخل بابي النصر والجابية، وتدريسها، وسكن بها، وانقطع عن الناس وبها توفي سادس عشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعمائة، وصلي عليه بالأموي، ودفن بمقبرة الفراديس رحم (هـ الله تعالى.
٤٨٩ - عبد القادر بن محمد الرجيحي الحنبلي: عبد القادر بن محمد بن عمر بن عيسى بن سابق بن هلال بن يونس بن يوسف بن جابر بن إبراهيم بن مساعد الشيخ الورع المسلك محيي الدين بن أبي المواهب الشيخ العارف بالله تعالى شمس الدين الشيباني المزي، ثم الصالحي الحنبلي، عرف بابن الرجيحي، وجده الأعلى الشيخ يونس، هو الشيخ العارف بالله تعالى شيخ الطائفة اليونسية ذكر ترجمته ابن خلكان وغيره، ولد صاحب الترجمة في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وحفظ القرآن العظيم، والخرقي واشتغل في العلم، ثم تصوف ولبس الخرقة من جماعة منهم والده والعلامة أبو العزم المقدسي نزيل القاهرة والشيخ أبو الفتح الإسكندري، ولازمه كثيراً، واتفع به، وأخذ عنه الحديث، وقرأ عليه الترغيب والترهيب للمنذري كاملاً، وقرأ عليه غير ذلك، وسمع منه وعليه أشياء كثيرة وناب في الحكم عن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن مفلح، وكانت سيرته حسنة، وسكن آخراً بالصالحية بالسهم الأعلى، وبنى بها زاوية وحماماً وسكناً، وتوفي في ليلة الخميس رابع عشر المحرم سنة عشر وتسعمائة، ودفن بسفح قاسيون عند صفة الدعاء رحمه الله تعالى.
٤٩٠ - عبد القادر بن محمد الأبار: عبد القادر بن محمد بن عثمان بن علي، الشيخ العلامة محيي الدين ابن الشيخ الفقيه المفتي شمس الدين المارديني الأصل، الحلبي المولد والمنشأ والدار، الشافعي، الشهير بالأبار، هو وأبوه لأنه كان يصنع الإبر بحانوت كائنة له، ثم اشتغل في العلم، ورحل في طلبه، وكان ممن أخذ عنه الحديث وغيره الشمس السخاوي، وكتب له إجازة حافلة مؤرخة في أوائل جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وثمانمائة، وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره، وممن أخذ عنه الفقه وغيره الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن عبد المنعم الجوجري المصري، سمع عليه معظم التنبيه، وأجازه به وبغيره، وأذن له بالإفتاء والتدريس بعد أن أثنى عليه كثيراً، وأنشده لنفسه ملمحاً مضمناً:
كانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن علمكم ثم عنكم أحسن الخبر
стр. 235
ثم التقينا، وشاهدت العجائب من ... عزيزعلم حمته دقة النظر
فقلت حينئذ: والله ما سمعت ... أذناي أحسن مما قد رأى بصري
وبالجملة فقد اجتهد صاحب الترجمة - رحمه الله تعالى - على طلب العلم، وأكب على خصيله حتى صار فقيه حلب ومفتيها، وأخذ عنه فضلاؤها كالبرهان العمادي، والزين بن الشماع، وكان مع براعته في الفقه، حسن العبارة، شديد التحري في الطهارة، طارح التكلف، ظاهر التقشف، حسن المحادثة، حلو المذاكرة، اتفق أكثر الخواص والعوام على محبته والثناء عليه، وكانت علامة القبول والصدق ظاهرة في أقواله وأفعاله وحكي عنه أنه حضر عقد مجلس صار بدار العدل بحلب، فجلس بعض الجهلة في مكان أرفع من مكانه، فلامه بعض الأكابر على ذلك، وقال له: لم تركته يجلس فوقك؟ فقال: والله يا أخي لو جلس فوقي لرضني رضا. قلت: واتفق نظير ذلك للشيخ الزاهد العلامة شهاب الدين الطيبي الدمشقي، حضر مجلساً، فجلس من هو دونه مرتفعاً عليه في المجلس، فقيل له: يا مولانا لم مكنته من الجلوس فوقك؟ قال: إنه لم يجلس فوقي، ولكن جلس إلى جنبي. قال ابن الحنبلي: وكان يعني الأبار. يقول: كما أخبرني عنه بعض أحفاده نحن من بيت بماردين مشهور ببيت رسول. قال: وجدنا الشيخ أرسلان الدمشقي غير أني لا أحب بيان ذلك خوفاً من أن أنسب إلى تحميل نسبي على الغير، وأن يقدح في بذلك. انتهى.
قلت: لكن المشهور أن الشيخ أرسلان الدمشقي لم يعقب كما أجاب بذلك الشيخ الحافظ العلامة برهان الدين الناجي حين سئل عن ذلك، وألف في ذلك مؤلفاً لطيفاً، وكانت وفاة صاحب الترجمة في ذي القعدة سنة أربع عشرة وتسعمائة بحلب، وتحرير وفاته كما في تاريخ الحمصي يوم الثلاثاء خامس عشر شهر ذي القعدة المذكورة رحمه الله تعالى رحمةً واسعة.
٤٩١ - عبد القادر بن محمد بن حبيب: عبد القادر بن محمد بن عمر بن حبيب الشيخ العالم الزاهد العارف بالله تعالى الصفدي الشافعي صاحب التائية المشهورة، أخذ العلم والطريق عن الشيخ العلامة الصالح شهاب الدين بن أرسلان الرملي صاحب الصفوة وعن غيره، وكان خامل الذكر بمدينة صفد، مجهول القدر عند أهلها لا يعرفون محله من العلم والمعرفة، وكان يقرىء الأطفال، ويباشر وظيفة الأذان حتى لقيه سيدي علي بن ميمون، فسمع شيئاً من كلامه، فشهد له ذوقه بأنه من أكابر العارفين، وأعيان المحبين، فهناك نشر ذكره
стр. 236
وعرف الناس قدره، كما ذكر ذلك الشيخ علوان الحموي في أول شرح تائية ابن حبيب. قلت: وحدثني بعض الصالحين الثقات أن السيد علي بن ميمون كان سبب رحلته من الغرب طلب لقي جماعة أمره بعض رجال المغرب بلقيهم، منهم ابن حبيب، وقال: إنه في بلدة من بلاد لشام بين جبال وآكام، فلما دخل ابن ميمون البلدان الشامية تطلب ابن حبيب في قرايا البقاع، ووادي التيم، وما والاهما حتى دخل قرية دربل، فوجدهما قريباً مما وصف له به بلدة بن حبيب، فلما دخل ابن ميمون دربل أحس به ابن حبيب وهو بصفد، وهنا لا يبعد على أولياء الله تعالى، فنظروا إلى ابن حبيب ذات يوم، وهو يحلق سبابة يده اليمنى في كف يده اليسرى، وهو يقول عند كل تحليقة: در دربل در درربل حتى حلق أربعين تحليقة، فكان ابن ميمون إذا أصبح كل يوم دار نواحي دربل يتصفح وجوه أهلها، ولا بغيته فيهم حتى دارها أربعين يوماً بعدد تحليقات ابن حبيب، ثم خرج ابن ميمون من دربل، وسافر حتى دخل بلدة صفد، فتنشق أنفاس ابن حبيب، فدخل عليه المكتب، فقعد ناحية، فأضافه الشيخ عبد القادر بن حبيب وأكرمه، ثم لما أطلق الأولاد قال لابن ميمون: يا رجل إني أريد أن أغلق باب المكتب، فنظر إليه سيدي علي بن ميمون أعبد القادر أما كفاك ما أتعبتني أربعين يوماً بقولك در دربل در دربل حتى تطردني الآن؟ فقال له ابن حبيب: يا أخي إذا كان كذلك فاسترني. قال: بل والله لأفضحنك وأشهرنك، فما زال سيدي علي بن ميمون - قدس الله سره - بابن حبيب حتى أشهره، وعرف الناس بمقداره حتى رمقوه بالأبصار، وشدت لزيارته الرحال من الأقطار، قال الشيخ علوان - رحمه الله تعالى -: هذا وهو متسبب بأسباب الخمول، متلبس بأمور لا تسلمها علماء النقول، ولا تسعها منهم العقول، إذا كان ممن أقيم في السماع، وكشف القناع، والضرب ببعض الآلات، والبسط والخلاعات، ثم اعتذر - رضي الله تعالى عنه - عن ضربه بالآلات بما هو مذكور في شرح التائية. وبالجملة، فكان ابن حبيب - رضي الله تعالى عنه - متستراً بالخلاعة والنفخ في المواصيل، والضرب على الدف على الإيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل كل ذلك لأجل التستر، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر أمره حتى رسخ في النفوس أنه من كمل العارفين، وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذن، وكان ربما مشى بدبوس إمام نائب صفد، وكان لا يمكن أحداً من تقبيل يده، وإنما يبادي للمصافحة، ويطوف على أهل السوق فيصافحهم في حوانيتهم واحداً واحداً، وكان يداعب الناس سمع قائلاً يقول الله تعالى: كريم. فقال: ليس كريم، فتعجب منه، فقال: ليس كريم أي لا يشبه ريماً، وهو الظبي ولا غيره لأنه ليس كمثله شيء. وقال مرة: عمري كذا كذا ألف سنة - بكسر
стр. 237
السين - فأنكر عليه. فقال: أردت بالسنة النعاس، وكل ذلك تستراً وتمويهاً. ولا يزداد الناس فيه إلا اعتقاداً، وكان يقول: يأتوني فيقولون: سلكنا وغزلهم معرقل، وكان يقول: لو جاءني صادق لطبخته في يومين، وكان في بداءته يثور به الغرام، وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه الماء من إناء كبير، فلا يصل إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه، وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري والصحاري حتى فجأته العناية، ووافته الهداية، وجاءته الفيوض العرفانية، والمواهب الربانية، وكان لا يتكلم في رمضان إلا بإشارة خوفاً من النطق بما لا يعني، وكان لا يقبل هدايا الأمراء، ولا يشير إلى مسلم بيده اليسرى وكان إذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلا متوضئاً. وقال مرة لبعض أصحابه: تقدم فامش أمامي، ثم أخبره عن سبب ذلك أنه كان معه كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، ففعل ذلك تعظيماً لاسم الله تعالى، وكان مبتلي بأمراض وعلل خطيرة حتى عمت سائر جسده، وربما طرحته
في الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئاً بإحضار الشهوة، ومنعها إياها أياماً، وكان يعتقد ابن العربي اعتقاداً زائداً، ويؤول كلامه تأويلاً حسناً، وبعث إليه سيدي علي بن ميمون مرة يستأذنه في الزيارة، فبعث إليه يقول: إن مشكاح الأسواق لا يزار، ثم سافر ابن حبيب إلى دمشق، وكان سيدي علي بالبترون، فحضر إلى دمشق، ونزل بمكانه بالصالحية، وكان ابن حبيب نازلاً عند الشيخ عبد النبي المالكي بدمشق، ولم يجتمعا بالأشباح في هذه المرة، ولما بلغه أن سيدي علي يذكره في مجلس التربية بين الفقراء أنشدها ضمناً لنفسه: الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته، وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئاً بإحضار الشهوة، ومنعها إياها أياماً، وكان يعتقد ابن العربي اعتقاداً زائداً، ويؤول كلامه تأويلاً حسناً، وبعث إليه سيدي علي بن ميمون مرة يستأذنه في الزيارة، فبعث إليه يقول: إن مشكاح الأسواق لا يزار، ثم سافر ابن حبيب إلى دمشق، وكان سيدي علي بالبترون، فحضر إلى دمشق، ونزل بمكانه بالصالحية، وكان ابن حبيب نازلاً عند الشيخ عبد النبي المالكي بدمشق، ولم يجتمعا بالأشباح في هذه المرة، ولما بلغه أن سيدي علي يذكره في مجلس التربية بين الفقراء أنشدها ضمناً لنفسه:
ولقد سما الكلب الحقير إلى السهى ... لما تلفظت الأسود بذكره
وكان له شعر ضمنه من دقائق المعاني السنية، ما يشهد لأهل الأذواق أنه كان من أهل الهمم العلية، والأسرار الربانية، وإن كان في بعض تراكيبه ما لا يسلمه علماء العربية من التائية التي ذيل بها على أبيات الشافعي - رضي الله تعالى عنه - الذي أولها:
لما عفوت، ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من حمل المشقات
وقد تلقاها الناس بالقبول، وجرت أبياتها على الألسنة، وانقادت لمعانيها العقول، حتى شرحها الشيخ العالم العارف بالله تعالى سيدي علوان الحموي - رضي الله تعالى عنه - شرحاً حافلاً، وحل ألفاظها حلاً باستقصاء مراداتها كافلاً، واعتذر عن بعض ما وقع فيها من مخالفة الوزن أو ركاكة التركيب، وأتى فيها بكل معنى لطيف وغريب، وقد اتفق لناظمها - رضي الله تعالى عنه - واقعة رأى فيها روحانية النبي ﷺ وهو يقظان، وعرضها فيها عليه، وأصلح له
стр. 238
بعض أبياتها، وتلقاها بالقبول والاستحسان، ووقوع رؤية النبي ﷺ في اليقظة قد تتفق لبعض الأولياء من قبيل الكرامة، وخرق العادة، وقد تقدم نظير ذلك في ترجمة الشيخ جلال الدين السيوطي - رحمه الله تعالى - وبلغه الحسنى وزيادة، ومن أحاسن تائية ابن حبيب رضي الله تعالى عنه:
يا صاح كم ذا التواني والتلاهي وكم ... تسوف العمر ولى في المحالات
الحق يدعوك في الإسحار، فاسع وقم ... وافتح فؤادك، وانشق طيب نفحات
واستحل واستجل أبكار المعاني وطب ... وناج ربك في ترتيل آيات
وأحسن الظن فيه، واستعن به ... فاستغن والجأ إليه في الأمورات
واغرس بقلبك أشجار الوداد له ... واخليه من شوك سعدان الخليقات
وصالح الله وأصلح ما تريد كما ... تطيع مولاك تلقى منه طاعات
لم يعلم المدبرون الشوق منه لهم ... لفطروا كيف في أهل المحبات
إن يمش قاصده يأتيه هرولة ... لبدك اللازم انهض كم إضاعات
دع الزمان وأهليه ونفسك لا ... تذهب عليهم أخا العرفان حسرات
كالوقت من كان معه كيف حل ومن ... أضحى مع الله لا يلهو بأوقات
طوبى لمن فاق كأساً من محبته ... ودام حتى حظي منه بكاسات
من قام بالنفس لم يثبت وقد ثبتا ... من قام في الله في أهنى هنيئات
خوف المحب، وفسق العارفين كذا ... كذب المريد فساد في الطريقات
حدثنا الشيخ العلامة عبد الحي الحمصي الحنفي مد الله ظله، وكان قد استطال عليه بعض من لا يدانيه، وأفحش في تحريه عليه وتعديه، واستنصر في أخذ حقه فلم يجد نصيراً، ونام تلك الليلة مقهوراً، قال: فبينما أنا نائم إذ رأيت في فلاة من الأرض، واسعة الطول والعرض، شيخاً مهيباً عليه الوقار، وهو مرتد بأردية الافتقار، قال: فسألت من هذا الرجل المهيب؟ فقيل لي: إنه الشيخ عبد القادر بن حبيب، قال: فتقدمت إليه، وقبلت يحيه، فقال لي: كيف قلنا في التائية؟ فقلت له: يا سيدي لا أدري ما تريد من أبياتها المرضية، فقال: أما قلت فيها:
إن لم تجد منصفاً للحق دعه إلى ... مولى الموالي ومساك السموات
ومن شعر ابن حبيب - رضي الله تعالى عنه - من قصيدة ذكر منها الشيخ علوان في شرح التائية أبياتاً عديدة:
стр. 239
أنا الضيغم الضرغام صمصام عزمها ... على كل صب في الغرام مصمم
وما سدت حتى ذقت ما الموت دونه ... كذا حسن عشقي في الأنام يترجم
وكانت وفاته - رضي الله تعالى عنه - بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٩٢ - عبد القادر بن محمد بن جبريل: عبد القادر بن محمد بن جبريل بن موسى بن أبي الفرج، الشيخ الإمام العلامة محيي الدين المقرئ الشافعي، الشهير بجده جبريل، وهو والد قاضي قضاة المالكية بدمشق خير الدين. ولد في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وكان مفتياً على مذهب الشافعي بغزة، وتوفي بها ليلة الجمعة تاسع عشر شوال سنة سبع عشرة وتسعمائة، ودفن بمقبرة ساقية العواميد، وصلي عليه غائبة بالجامع الأموي بدمشق عقب صلاة الجمعة سادس عشر شوال السنة المذكورة رحمه الله تعالى.
٤٩٣ - عبد القادر بن محمد الدشطوطي: عبد القادر بن محمد، الشيخ الصالح المعمر المعتقد المجرد، العفيف العارف بالله تعالى، المقبول الشفاعة في الدولتين الجراكسية والعثمانية الشيخ زين الدين ابن الشيخ بدر الدين المشطوطي كذا ضبطه العلائي، وضبطه السخاوي في الضوء اللامع - بطاءات مهملة وشين معجمة - كما هو جار على الألسنة قال: وربما جعلت الشين جيماً، ولكن صوابه الدشطوخي - بدال مهملة مكسورة وشين معجمة ساكنة وبعدها طاء مهملة مفتوحة وبعد الواو خاء معجمة - نسبة إلى دشطوخ، وهي قرية من قرى الصعيد. قال السخاوي: كان متقشفاً يحب سماع القرآن، وكلام الصوفية، انتشر اعتقاده بين المصريين من سنة سبع وثمانين فما بعدها، وكانوا يشاهدون منه كرامات وأحوالاً. قال الشيخ زين الدين الشماع الحلبي: وكان من أكابر أرباب الأحوال. قلت: ذكره شيخ الإسلام الجد فيمن اصطحب معهم من أولياء الله تعالى، وجمع به ولده شيخ الإسلام الوالد، وكان يأمره بالذهاب إليه والتبرك به حين كان بمصر من سنة سبع عشرة إلى سنة إحدى وعشرين، وترجمه الشيخ الوالد بالقطبية في أماكن متعددة، وترجمه الحافظ جلال الدين بالولاية، وألف بسببه تأليفاً في تطور الولي ذكر في أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ عبد القادر المذكور حلف كل واحد منهما أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا، فرفع إليه سؤال في
стр. 240
حكم المسألة قال: فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر، وذكرت له القصة، فقال: لو قال أربعة إني بت عندهم لصدقوا. قال السيوطي: فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما، ثم حمل ذلك على تطور الولي، وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء كابن السبكي، والقونوي، وابن أبي المنصور، وعبد الغفار القوصي، واليافعي - رضي الله تعالى عنهم - وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: دخلت مرة على سيدي عبد القادر، فقال: يا ولدي كل من قال سعادته بيده كذب، وفي لفظ آخر، من قال: إن سعادته بغير يد الله فقد كذب، وأذكر لك بمداءة أمري كنت في دشطوط لا أهجع من السعي في الدنيا، وأنا راكب على ظهر الفرس من الغيط إلى السواقي إلى بلدة كذا، وكان يضرب بي في المثل في الجهد في الدنيا فبينا أنا راكب فرسي يوماً، وأنا ذاهب إلى الغيط، فحصل لي جاذب إلهي، فصرت أغيب عن إحساسي اليومين والثلاثة، ثم أفيق فأجد الناس حولي، وأنا في بلد آخر غير بلدي، ثم أغيب حتى صرت أغيب من الجمعة إلى الجمعة، ثم من الشهر إلى الشهر لا آكل ولا أشرب، فأفقت يوماً، فقلت: اللهم إن كان هذا وارد حق منك، فاقطع علائقي من الدنيا. قال: فرجعت إلى ولدي بعد تسعة أشهر، فوجدت الأولاد وأمهاتهم والبهائم حتى كلاب الدار قد ماتوا، فقلت للناس: هل وقع فصل في البلد؟ فقالوا: لا إنما وقع ذلك في دارك فقط. فقلت: إنه وارد حق، فأخذت فى السياحة إلى يومي هذا ليس لي علاقة من الدنيا سوى هاتين الجبتين اللتين علي هذه حكايته بلفظه، وكان الشيخ عبد القادر مشهور الولاية، ظاهر الأحوال بين الناس، مقبولاً عند الخاص منهم والعام، مسموع الكلمة عند السلطان، فمن عونه مقبول الشفاعة، وكان قال له: صاحب مصر، وكان السلطان قايتباي إذأ رآه يمرغ خديه على قدميه، وعمر عدة جوامع بمصر وقراها، ووقف الناس عليها الأوقاف الكثيرة، وكان المتولي لعمارة جامعه بمصر وزاويته بها الشيخ جلال الدين البكري، وهو والد الشيخ أبي الحسن البكري، وكان الشيخ جلال الدين أولاً من قضاة مصر والمباشرين بها، فلما تواضع لله تعالى وخدم الشيخ عبد القادر رفعه الله تعالى، وأقبل الشيخ عبد القادر على ولده سيدي الشيخ أبي الحسن، وكان يومئذ يشتغل في علوم الظاهر فاضلاً فيها، فأمره والده بخدمة عبد القادر واعتقاده، فبعثه الشيخ عبد القادر إلى الشيخ رضي الدين جدي، وكان يومئذ نازلاً بمصر، فلا زال عند الشيخ رضي الدين ملازماً له في
منزله في غالب أوقاته ليلاً ونهاراً حتى فتح الله تعالى عليه بحقائق المعرفة، ولطائف الإشارات، فقال له الشيخ رضي الدين: يا أبا الحسن ما بقيت مصر تسع لنا ولك، وسافر الشيخ رضي الدين من مصر إلى دمشق في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، ثم صارت الشهرة العظيمة لأولاد البكري من يومئذ إلى يومنا هنا، وكان ذلك كله ببركة الشيخ عبد القادر الدشطوطي - رضي الله تعالى عنه - وكان - رضي الله تعالى عنه - صاحياً، وهيئته هيئة المجاذيب، حافياً، مكشوف الرأس، عليه جبة حمراء تارة وتارة جبتان، وكان بعد أن أضر بصره لبس واحدة، وتعمم بالأخرى، وكان له كلام
стр. 241
عال على لسان أهل المعرفة حتى استشهد بكلامه سيدي الشيخ علوان الحموي في رسالة كتبها إلى صاحبه الزيني عمر بن الشماع محدث حلب، وضمنها موعظة أمره فيها بالخروج من عطن الكون المقيد إلى الوجود المطلق، وأنشد فيها قول بعض العارفين:
وكل قبيح إن نسيت لحسنه ... إليك معاني الحسن فيه تدافع
وقول الآخر:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله ويحسن منك ذاكا
ثم قال الشيخ علوان: ولقد بلغني عن الدشطوطي المصري - رحمه الله تعالى - أنه قال له شخص شاكياً من آخر: يا سيدي ذا وحش قوي، فأجابه الشيخ يا ذا حط من حسنك على وحاشته يبقى مليحاً، وذكر الشعراوي أنه أول ما اجتمع به في رمضان سنة اثنتي عشرة وتسعمائة، وهو دون البلوغ أوصاه بوصايا، وقال له: أنا أعرف أن عقلك الآن ما يحمل هذا الكلام، ولكن هات الموأة والقلم واكتبها. قال: فأتيته بالدواة، فكتبها، وقال: احفظ هذه الوصية حتى تكبر وتعرف معناها وتمكلو لمن علمك إياها. أوصيك بعدم الإلتفات إلى غير الله في شيء من أمورك في الدنيا والآخرة، فإن جميع الأمور لا تبرز إلا بأمره، فارجع في الأمور إلى من قدرها يقول الله في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي لو سقت إليك ذخائر الكونين، فنظرت إليها بقلبك طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا وذكر أن البحر توقف يوماً، ثم هبط أيام الوفاء نحو ثلاثة أذرع، فجاء الناس إليه، فذهب إلى شاطي النيل، فخاض فيه، وقال اطلع بأذن الله تعالى، فطلع البحر، وأوفى ذلك الوقت، وكاد الناس أن يتقاتلوا عليه يتبركون به. قال: واتفق الناس أنه ما رؤي قط في معدية في البحر لا في الجيزة، ولا في ينبوبة إنما كانوا يرونه في هذا البر. وهذا البر، وحج مرة ماشياً حافياً طاوياً، فلما وصل إلى باب السلام بحرم مكة انطرح بخده على العتبة ثلاثة أيام حتى أفاق، ثم دخل للطواف والسعي، ولما زار النبي ﷺ وضع خده على باب السلام بحرم المدينة مستغرقاً إلى أن رجع الحجاج، ولم يدخل المسجد. قال الشعراوي: وأخبرني الأمير يوسف بن أبي إصبع أن السلطان قايتباي لما سافر لنواحي بحر الفرات استأذن سيدي عبد القادر، فأذن له قال: فلما سافر مع السلطان كنا نجده ماشياً قدام السلطان في البرية، وبيننا وبينه نحو عشرة أذرع، فإذا نزلنا نسلم عليه اختفى. قال: فلما نزلنا حلب وجدنا زحمة على باب زاوية: فقلنا: ما هذا فقالوا سيدي عبد القادر الدشطوطي له هنا خمسة أشهر ضعيف في هذه الزاوية فقلنا نحن فارقناه في مصر من نحو خمسة وعشرين يوماً. قال: وكنا نراه أمامنا في الطريق، فدخلنا فوجدناه ضعيفاً كما قالوا: فتحيرنا في أمره.
стр. 242
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن سيدي عبد القادر دخل حلب سنة تسعين وثمانمائة، وقد كان عسكر قايتباي ببلاد الروم نازلاً على أدنة، فأقام الشيخ عبد القادر بحلب أياماً، ثم لم يوجد، فلما عاد عسكر قايتباي منصوراً اخبرا أنهم وجدوه يوم انتصروا، وكان يوم نصرهم قريباً من يوم فقده بحلب، ومن وقائعه أنه يبيت كثيراًعند رجل نصراني في باب البحر، فيلومه الناس على ذلك، فيقول لهم الشيخ عبد القادر: هذا مسلم فأسلم ببركة الشيخ، وحسن إسلامه، وكراماته ومناقبه كثيرة مشهورة غير محصورة - رضي الله تعالى عنه - ووقع في طبقات الشعراوي الكبرى والصغرى أن سيدي عبد القادر قد مات في نيف وثلاثين وتسعمائة، وهذا تقريب منه على عادته في طبقاته - رضي الله تعالى عنه - ولكنه أبعد هنا، فإني حررت وفاة الشيخ عبد القادر من تاريخ العلائي، والحمصي، وابن طولون أنها كانت في سنة أربع وعشرين وتسعمائة، وحرر العلائي وفاته يوم الاثنين تاسع شعبان منها قال: ولما بلغ وفاته الأمراء - يعني خاير بك المظفري - اغتم لذلك، ونزل من القلعة هو، والأمراء، وقضاة القضاة، والمباشرون. وأركان الدولة، وأرباب الولايات، ومن لا يحصى، فحضروا جنازته ولما دنت وفاته، رضي الله تعالى عنه - أكثر من البكاء والتضرع، وكان يقول للشيخ جلال الدين البكري وهو يعمر في زاويته التي دفن فيها خارج باب الشعرية بمصر: عجلوا بعمارة القبة، فإن الوقت قد قرب، فلما مات كان بقي عليهم في بنائها يوم، وكملت، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان سنة أربع وعشرين المذكورة. كما ذكره الحمصي. وقال ابن طولون: صلي عليه غائبة في اليوم المذكور، وعلى شيخ الصالحية عبد الرحمن بن جماعة المقدسي رحمهما الله تعالى.
٤٩٤ - عبد القادر بن محمد النعيمي: عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن نعيم - بضم النون - الشيخ العلامة الرحلة مؤرخ دمشق، وأحد محدثيها الأعلام أبو المفاخر محيي الدين النعيمي الدمشقي الشافعي. أحد نواب القضاة الشافعية بدمشق المحمية، ولد يوم الجمعة ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وثمانمائة، ولازم الشيخ إبراهيم الناجي، والشيخ العلامة زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ الصالح العابد خليل، وبه اشتهر ابن سلامة بن أحمد القابوني، والشيخ العلامة مفتي المسلمين شمس الدين محمد بن عبد الرزاق الأريحي الأشعري الشافعي، والشيخ العلامة زين الدين خطاب الغزاوي،
стр. 243
والشيخ الفقيه العلامة مفلح بن عبد الله الحبشي المصري، ثم الدمشقي. ولبس منه خرقة التصوف، وأخذ عن الشيخ العلامة شيخ الإسلام، ومن أشياخه بدر الدين ابن قاضي شبهة الأسدي، وأخذ عن الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن قرا، وقرأ على البرهان البقاعي مصنفه المسمى " بالأيذان " وأجاز له به وبما يجوز له، وعنه روايته، وشيوخه كثيرة ذكرهم في تواريخه، وألف كتباً كثيرة منها الدارس، في تواريخ المدارس، ومنها " تذكرة الأخوان، في حوادث الزمان "، ومنها " القول البين المحكم، في بيان إهداء القرب إلى النبي ﷺ "، ومنها كتاب " تحفة البررة، في الأحاديث المعتبرة "، ومنها " إفادة النقل، في الكلام على العقل "، وله غير ذلك من المؤلفات، وكانت وفاته كما رأيته بخط ولده المحيوي يحيى وقت الغداء يوم الخميس رابع شهر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وتسعمائة، ودفن بالحمرية رحمه الله تعالى.
٤٩٥ - عبد القادر بن محمد الكيلاني: عبد القادربن محمدبن عبد القادر بن محمد بن يحيى بن محمد بن نصر بن عبد الرزاق ابن سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني، السيد الشريف، الحسيب النسيب محيي الدين ابن الشيخ شمس الدين الحموي القادري الشافعي. كان له حشمة ونورانية. قال ابن طولون: وذكر لي الشيخ تقي الدين البلاطنسي أنه لا بأس به في باب الديانة والخير، ونقل بن الحنبلي عن ابن عمه القاضي جلال الدين التادفي: أنه ترجمه في كتابه قلائد الجواهر فقال: كان صالحاً مهيباً، وقوراً، حسن الخلق، كريم النفس، جميل الهيئة، مع كيس وتواضع وبشر، وحلم، وحسن ملتقى، لطيف الطبع، حسن المحاضرة، مزاحاً لا يزال متبسماً، معظماً عند الخاص والعام، له حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وهيبة عند الحكام وغيرهم. انتهى.
وله واقعة ملخصاً أنه نوزع من بعض بني عمه في تولية، فتعصب عليه رجل من مباشري ديوان الجيش بالقاهرة. يقال له: ابن الإنبايي منسوب إلى ولي الله الشيخ إسماعيل الإنباني، فتوجه الشيخ عبد القادر إلى القاهرة، وأبرم على ابن الإنبابي في قضاء حاجته، فاغلظ له القول، فتوجه وهو منكسر القلب إلى منزله، وكان قد نزل بالزاوية المعروفة يومئذ بالقادرية بالقاهرة، فتوجه تلك الليلة إلى جده وسميه الشيخ عبد القادر الكيلاني، واستنهضه في قصته فإذا ابن الإنبائي يطرق عليه الباب، فلم يفتح له إلا بعد مراجعة، فلما فتح له بادر إلى تقبيل قدميه، ووعده بقضاء حاجته، وأخبره أنه رأى في منامه جديهما الشيخ عبد القادر الجيلي
стр. 244
والشيخ إسماعيل الإنبائي، فاغلظ الشيخ عبد القادر عليه وأوعده بالقتل لولا ما شفع جده الشيخ إسماعيل، وإن جده الشيخ إسماعيل قال له: قدم واقتل هذه الحية التي تحت وسادتك. وأنه استيقظ مرعوباً مذعوراً، ورفع الوسادة فإذا الحية تحتها. قال: فقتلتها وجئت من ساعتي، ثم إن ابن الإنبائي قضى حاجته، واهتم بشأنه، وأخرج له ولبعض أحبائه من الحمويين في يوم واحد أربعة وعشرين مربعاً، ولم يتفق اجتماع مثل ذلك في الدولة الغورية لأحد في يوم واحد مع وجود داء كان في عين الغوري يمنعه من الكتابة على مثل هذا القدر من المربعات، ولم يكن ملوك الجراكسة يوقعون إلا بأيديهم، وتوفي صاحب الترجمة بحماة سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بدمشق بالأموي يوم الجمعة بعد صلاتها ثاني عش جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وكان أكبر من يوجد من ذرية الشيخ عبد القادر الكيلاني - رضي الله تعالى عنه - كما قال ابن طولون رحمه الله تعالى.
٤٩٦ - عبد القادر بن أحمد بن يونس: عبد القادر بن أحمد بن عمر بن محمد بن إبراهيم قاضي القضاة الحنفية بدمشق أبو المفاخر محيي الدين النابلسي، ثم الدمشقي الحنفي، المعروف بابن يونس. ولد في الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وقرأ القرآن العظيم، ومجمع. البحرين لابن الساعاتي وغير ذلك، واشتغل وحصل وأفتى ودرس بالقصاعية، وتولى القضاء بحلب ثم بدمشق سنين إلى أن عزل عنه في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وتوفي في يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وتسعمائة، ودفن بباب الصغير عند ضريح سيدنا بلال - رضي الله تعالى عنه - رحمه الله تعالى.
٤٩٧ - عبد القادر الصاني: عبد القادر أبو عبيد بن حسن ابن الشيخ الإمام العلامة الفقيه الثبت النبيه أبو عبد الله جمال الدين الصاني - بصاد مهملة ونون - نسبة إلى صانية قرية من الصونة داخل الشرقية من أعمال مصر القاهرة الشافعي. قال العلائي: سمع على الملتوتي وابن حصن وغيرهما، وأخذ عن القاضي زكريا، وكان رجلاً معتبراً وجيهاً وثاباً في المهمات، حتى أن قيام دولة القاضي زكريا وصمدته كانت منه، وكان قوي البدن ملازماً للتدريس والإقراء والإفتاء. انتهى.
وقرأت بخط بعضهم أن من مشايخه الشهاب الحجازي الأديب المحدث قال الشعراوي:
стр. 245
وكان قوالاً بالمعروف، ناهياً عن المنكر يواجه بذلك الملوك فمن دونهم حتى أداه ذلك إلى الحبس الضيق، وهو مصمم على الحق. انتهى.
وقد نقلنا عنه فائدة في ترجمة القاضي زكريا في ابن العربي وابن الفارض نقلها عن الشمس السفيري حين كان بحلب في صحبة الغوري في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وممن أخذ عنه الشيخ نجم الدين الغيطي، وسمع عليه رسالة الشافعي - رضي الله تعالى عنه - وقطعة من مسند الطيالسي نجم الدين الغيطي، وسمع عليه رسالة الشافعي - رضي الله تعالى عنه - وقطعة مسند الطيالسى مجتمعاً مع البدر المشهدي، وكانت وفاته ليلة الأحد تاسع شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٩٨ - عبد القادر بن علي بن النوار: عبد القادر بن علي بن محمد بن أبي بكر، الشيخ الفاضل، الشهير بابن النوار الفيومي الشافعي المقيم بمشهد زين العابدين بالجامع الأموي بدمشق. ذكره شيخ الإسلام فيمن أخذوا عنه. وقال: كان صافياً صالحاً ملازماً للمشهد يقرئ الأطفال أحياناً، وقرأ علي غالب الغاية، وكثيراً من الرحبية، وجانباً من المنهاج، وجميع العنقود في النحو وغير ذلك، وحضر كثيراًمن دروسي، وأجيز، ومات بالمكان المعروف بالسحر من المشهد سنة تسع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٤٩٩ - عبد القادر بن عبد العزيز بن جماعة: عبد القادر بن عبد العزيز الشيخ الإمام العارف بالله تعالى محيي الدين بن جماعة المقدسي، الشافعي، القادري خطيب الأقصى. أخذ عن والده، وعن العماد بن أبي شريف، وعن العارف بالله تعالى سيدي أبي العون الغزي، وأخذ عنه الشيخ نجم الدين الغيطي حين ورد القاهرة سنة ثلاثين وتسعمائة، وهو والد الشيخ عبد النبي بن جماعة.
٥٠٠ - عبد القادر الطوخي: عبد القادر الشيخ محيي الدين الطوخي أحد العدول بالقاهرة. مات يوم الأحد تاسع جمادى الأولى سنة اثتتي عشرة وتسعمائة.
٥٠١ - عبد القادر بن الفيومي: عبد القادر بن الفيومي، الشيخ الفاضل الكاتب المنفرد الفيومي الأصل، ثم الخانكي. كان دمث الأخلاق، توفي في تاسع ربيع الثاني سنة سبع عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥٠٢ - عبد القادر الطرابلسي: عبد القادر قاضي القضاة محيي الدين الطرابلسي قاضيها. توفي بها يوم السبت ثالث المحرم سنة إحدى وعشرين وتسعمائة.
стр. 246
٥٠٣ - عبد القادر بن النقيب: عبد القادر، الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة محيي الدين المصري القاهري الشافعي، المعروف بابن النقيب. قرأ العلم على جماعة من الأعلام منهم شيخ الإسلام الكمال بن أبي شريف، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وتولى قضاء مصر مرات، وكان لا يصلي الصبح صيفاً ولا شتاءً إلا في الجامع الأزهر يمشي كل يوم من المدرسة الناصرية إليه، وكان متواضعاً، سريع الدمعة، وكان بيده مشيخة الخانقاه الصلاحية وتدريس الظاهرية الجديدة برقوق بين القصرين. كان ماراً بالقصبة ليلة الاثنين حادي عشر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة فرفسه بغل، فانكسر ضلعه أو فخذه، ومات في اليوم الثاني، ودفن في صبيحة الثلاثاء ثاني عشر الشهر المذكور رحمه الله تعالى.
٥٠٤ - عبد القادر النبراوي الحنبلي: عبد القادر القاضي محيي الدين النبراوي الحنبلي. كان أقدم الحنابلة بمصر، وأعرفهم بصناعة التوريق والقضاء والفقاهة مع سماع له ورواية، وكان أسود اللون، وله مع ذلك تمتع بحسان النساء للطف عشرته ودماثة أخلاقه، وكان يصبغ بالسواد مع كبر سنة، ومات ليلة الأربعاء خامس عشر جمادىالآخرة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة عن نيف وتسعين سنة - بتقديم المثناة - رحمه الله تعالى.
٥٠٥ - عبد القادر المنهاجي: عبد القادر، الشيخ الإمام العلامة المقريء زين الدين المصري الشافعي، المعروف بالمنهاجي نزيل مكة المشرفة. قرأ عليه البرهان العمادي أحاديث من الكتب الستة، وأجازه في العشر الأول من في الحجة سنة خمس عشرة وتسعمائة برباط العباس رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٥٠٦ - عبد القادر الشيباني: عبد القادر الشيخ زين الدين الشيباني المكي الحنفي. دخل مصر متوجهاً إلى بلاد الروم لطلب قضاء الحنفية بمكة، ثم رحل من القاهرة في قافلة صحبة الأمير جانم الحمزاوي ليلة الاثنين سادس جمادىالآخرة سنة ثمان وعشرين وتسعمائة فتوفي بأم الحسن.
٥٠٧ - عبد الكريم بن محمد المباهي: عبد الكريم بن محمد بن يوسف المباهي الأموي الأصل، الدمشقي الشافعي المقريء. كان فاضلاً صالحاً، وهو ممن قرأ على الشيخ الإسلام الوالد، وحضر دروسه كثيراً. توفي في سنة ثمان وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 247
٥٠٨ - عبد الكريم بن عبد الله الرومي: عبد الكريم بن عبد الله، العالم الفاضل المولى المشهور الرومي الحنفي. كان هو والوزير محمود باشا، والمولى إياس من مماليك أمير من أمراء السلطان مراد خان الغازي بن عثمان. كان اسمه محمد آغا، وكان عبد الكريم ومحمود عدلاً لإياس على الدابة حين أتى بهم محمد آغا لما طلبوا العلم. كان المولى يقول لهما: تلطفا كما كنت عدلاً لكما على الدابة. فانا الآن عدل لكما في الفضيلة، سيدهم محمد آغا قد نصب لهما معلماً أقرأهم وعلمهم، ثم أرسل محمود إلى السلطا مراد خان الغازي، فوهبه لابنه محمد خان، فلما ولي محمد خان السلطنة جعله وزيراً، ثم إن عبد الكريم جد في طلب العلم، وحصل فنوناً عدةً، وفضائل جملة، وقرأ على المولى الطوسي والمولى سنان العجمي تلميذ المولى محمد باشا الفناري، ثم صار مدرساً ببعض المدارس ثم بإحدى الثماني التي بناها السلطان محمد خان عند فتح القسطنطينية، ثم ولاه قضاء العسكر ثم جعله مفتياً، وبقي إلى أن مات في دولة السلطان أبي يزيد، ولعل وفاته في حدود التسعمائة أو بعدها بقليل، وله حواش على أوائل التلويح. قال في الشقائق: حكى لي بعض من مجلس محمود باشا أن المولى الشهير بولدان قال يوماً للوزير محمود باشا: إني أحبك محبة شديدة. قال: ومن العجب أنك تحب عبد الكريم أكثر مني. قال: صدقت. قال: أيأخذ عبد الكريم بيدك، ويدخلك الجنة. قال: أرجو ذلك منه قال: كيف؟ قال: كنت رئيس البوابين عند السلطان محمد خان، وكنت مبتلي بشرب الخمر وأفرطت منه ليلة، فجاء عبد الكريم وقت الصبح، فطهرت بيتي، وأزلت منه آلات الخمر وبخرته حتى لا يطلع عليه، فتكلمت معه ساعة، ثم قام، فلما وصل إلى الباب وقف وقال: أكلمك شيئاً. قلت: تكلم. قال: إنك بحمد الله من أهل العلم، ولك منزلة عند السلطان، وعن قريب من الزمان تصير وزيراً له، فلا يليق بك أن تصب في باطنك هذا الخبيث. قال: فعرقت استحياء منه حتى ترشح العرق من ثويي، وكان يوماً بارعاً، وكنت ألبس الثوب المحشو. قال: وكان المولى عبد الكريم سبباً لتوبتي. فهل أحبه أم لا؟ قال المولى: ولدان وجب عليك محبته من صميم القلب. انتهى.
٥٠٩ - عبد الكريم بن الأكرم: عبد الكريم، الشيخ العلامة القاضي كريم الدين بن الأكرم الدمشقي الحنفي. توفي بمنزله بالعناية خارج دمشق يوم الخميس سادس عشر صفر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان رحمه الله تعالى.
٥١٠ - عبد الكريم الجعبري: عبد الكريم بن عبد القادر بن عمر بن محمد بن علي بن
стр. 248
محمد بن إبراهيم الجعبري صاحب الشرح، والمصنفات المشهورة، الشيخ كريم الدين قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة.
٥١١ - عبد اللطيف الآمدي: عبد اللطيف بن حسن، الشيخ الصالح الصوفي عبد اللطيف جلبي الآمدي الروشني الخرقة، كان خليفة عن أبيه حسن جلبي، وأبوه عن دده عمر، ودده عمر عن السيد يحيى الروشني الخلواتي. ذكره ابن الحنبلي لأنه قطب حلب، وأقام حلقة الذكر بجامعها، وذكر عن ولده فتحي جلبي أن والده توفي بأمد سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥١٢ - عبد اللطيف الدنجيهي: عبد اللطيف، الشيخ العلامة زين الدين الدنجيهي. توفي بالقاهرة يوم الأحد سابع المحرم سنة تسع - بتقديم المثناة - وتسعمائة.
٥١٣ - عبد اللطيف ابن المجندي: عبد اللطيف، الشيخ الفاضل الشاعر زين الدين بن المجندي. توفي بدمشق يوم الخميس عاشر صفر سنة تسع المذكورة آنفاً وتسعمائة - رحمه الله تعالى واسعة.
٤١٥ - عبد المعطي المكي: عبد المعطي، الشيخ الجليل المكي أحد من اصطحب معهم شيخ الإسلام الجد من الأولياء والعلماء. توفي بمكة المشرفة سنة أربع وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع بني أمية بدمشق المحمية يوم الجمعة ثامن ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥١٥ - عبد النبي المغري: عبد النبي المغربي المالكي، الشيخ الإمام العلامة، الحجة القدوة اللهامة، مفتي السادة المالكية بدمشق، أحد إخوان سيدي علي بن ميمون، وشيخ الإسلام الجد، وترجمه - رحمه الله تعالى - بالعلم والولاية، وذكره الشيخ علوان في " شرح تائية ابن حبيب " وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أنه قدم حلب في سنة اثنتين وتسعمائة، أو قبلها، فباحثه البدر السيوفي في تنافس حتى انتهى معه إلى إظهار قبح تسميته بعبد النبي لكونه من الأسماء المعبدة لغير الله تعالى. انتهى.
وذكر ابن طولون في تاريخه، " مفاكهة الأخوان " أنه توضأ يوم الجمعة عشرين شوال سنة ثلاث وثلاثين لصلاة الجمعة من الظاهرية الجوانية. قال: فرأيت ناظرها منلا بني الرومي قد
стр. 249
عمل على إيوان الحنفية القبلي درابزين لصيانته. قال: وأخبرت أن بها نازلاً منلا رسول بلاد بيروت، ومنلا أحد أحد المدرسين بجامع الأموي المطالبي الحنفي عوضاً عن الشمس الكفرسوسي المتوفي إلى رحمة الله تعالى - قال: وقد كان ينكر - يعني الكفرسوسي - على شيخنا الشيخ عبد النبي هذه التسمية، فكيف بهذه الأسماء الثلاثة؟ قال: ومن رأيت ينكرها مدرس هذه المدرسة صاحبنا القطب ابن سلطان الحنفي انتهى. قلت: وهذه عادة الأعاجم يختصرون هذه الأسماء المعبدة بحذف عبد، وهو خطأ ظاهر، وأقبح ما يقع من ذلك قولهم في منلا عبد الأحد: منلا أحد، وتبعهم الأروام في هذا الاختصار لكنهم زادوا ياء النسبة، فزال الإشكال، ولكن فاتهم فضيلة التعبيد في التسمية فقالوا في عبد الكريم: كريمي، وفي عبد الحليم، حليمي، وكانت وفاة الشيخ عبد النبي صاحب الترجمة في يوم الجمعة ثالث عشري رمضان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ووافق حضور جنازته بالجامع الأموي حضور الى سليم خان ابن عثمان، فصلي عليه مع الجماعة رحمه الله تعالى.
٥١٦ - عبد الهادي: عبد الهادي بن شرف الدين عيسى العمري الصفوري ثم الدمشقي الشافعي، الشيخ الصالح الصوفي السالك المربي ولي الله تعالى. توفي بمنزلة بمحلة قبر عاتكة يوم الأحد سادس عشر شوال سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وحضر جنازته السيد كمال الدين ابن حمزة، وخلائق من الصوفية، وأهل العلم، ودفن بتربة بالقرب من مسجد الطالع بالمحلة المذكورة، وتعرف الآن بالدقاقين، وقبره الآن ظاهر بها يزار ﵀.
٥١٧ - عبد الودود: عبد الودود، الشيخ الصالح، العابد، الزاهد، المقيم بنواحي قلعة الجبل بالقاهرة، كان ينسج الصوف، ويتقوت منه، وكانت عمامته خرقاً خرقاً من الصوف الأحمر، وكان سيدي محمد بن عنان يقصده بالزيارة، وكان له مكاشفات، وعليه أنس عظيم وتوفي في سنة خمس عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥١٨ - عبد الوهاب بن أحمد الطرابلسي الحنبلي: عبد الوهاب بن أحمد بن الوهاب القاضي تاج الدين الطرابلسي، ثم الدمشقي الحنبلي. ولد في ثاني ذي القعدة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وفوض إليه نيابة القضاء قاضي الحنابلة بدمشق نجم الدين بن مفلح وكان مقيماً بدار الحديث لابن عروة بالمشهد الشرقي بالجامع الأموي، وفوض إليه القضاء أيضاً بمكة وبالقاهرة وبطرابلس، ومات بدمشق بالبيمارستان النوري عاشر جمادى الأولى إحدى وعشرين وتسعمائة ﵀.
стр. 250
٥١٩ - عبد الوهاب بن نقيب الأشراف: عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف تاج الدين ابن السيد شهاب الدين بن نقيب الأشراف، وأخذ الفقه عن الشيخ برهان الدين الطرابلسي، ثم المصري بها، وقرأ عليه مصنفه في الفقه على طريقة المجمع، وتردد إلى سيدي محمد بن عراق إلى أن توفي ليلة السبت ربيع الأول سنة خمس وعشرين وتسعمائة عن نحو ثلاثين سنة، وأمه الفاضلة البارعة زينب بنت الباعوني، وصلى عليه الشيخ شهاب الدين الشويكي بمدرسة أبي عمر، ودفن بأعلى الروضة من سفح قاسيون رحمه الله تعالى.
٥٢٠ - عبد الوهاب بن عبد الكريم الرومي: عبد الوهاب بن عبد الكريم الفاضل ابن الفاضل، المولى بن المولى الرومي الحنفي. قرأ على جماعة منهم المولى عذاري، والمولى لطفي التوقاتي، والمولى خطيب زاده، والمولى القسطلاني، وكان ذكياً عارفاً بالعلوم الشرعية والعقلية مهيباً مطارحاً للتكلف مع أصحابه. ودرس بالقسطنطينية، ثم صار حافظاً لدفتر الديوان السلطاني، ثم ولي القضاء ببعض البلاد. توفي في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان رحمه الله تعالى.
٥٢١ - عبد الوهاب بن أحمد بن عرب شاه: عبد الوهاب بن أحمد بن محمد قاضي قضاة الحنفية بدمشق المحمية، الشيخ العلامة تاج الدين ابن الشيخ العلامة شهاب الدين، الشهير بابن عرب شاه. ولد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وكان في ابتداء أمره شاهداً، وبلغ في صناعة الشهادة غاية الدهاء، وكان فقيراً، فحصلت له ثروة وجاه ونظم في مذهب الحنفية كتاباً كبيراً ثم ولي القضاء في رجب سنة أربع وثمانين وثمانمائة، ثم عزل عنه في شوال سنة خمس وثمانين، ثم سافر إلى مصر، فولي مشيخة الضر غمشية بها إلى أن توفي في خامس عشر رجب سنة إحدى وتسعمائة، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن شعبان منها رحمه الله تعالى.
٥٢٢ - عبد الوهاب المصري: عبد الوهاب، الشيخ الصالح المسلك المجد، القائم برتبة المشيخة، الداعي إلى الله تعالى، العارف به سيدي الشيخ تاج الدين الذاكر المصري ربي يتيماً بمكتب مدرسة الحسامي، فلما ترعرع تعلق على صنعة البناء، ثم وفقه الله تعالى للإجتماع على الشيخ نور الدين بن خليل، عرف بابن عين الغزال الحسني، فلازمه وصار يحضر
следующие страницы →