Полный текст (769 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
خرجت إلى هذا العالم المشحون بمظاهر تجلياته، الطافح بعجائب قدرته وبدائع آياته، المشوب موارده بالأقذار والأكدار، الموضوع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار، دار ممر لا بقاء لها إلى دار القرار، فرباني اللطف الرباني في مشهد النعمة والسلامة، وغذاني بلبان مدد التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة، في بلوغ درجة التمييز، أهلني الحق لقراءة كتابه العزيز، ومن علي بحفظه على التمام، ولي من العمر ثمانية أعوام، ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف، حتى بلغت درجة التكليف، في كلام آخر ذكرته في ترجمتها ودخلت إلى القاهرة في سنة تسع عشرة وتسعمائة، فأصيبت في الطريق بشيء كان معها من مؤلفاتها ومنظوماتها، ولما دخلت إلى القاهرة ندبت لقضاء مآرب لها تتعلق بولدها وكان في صحبتها المقر أبو الثنا محمود بن آجا الحلبي صاحب دواوين الإنشاء بالديار المصرية، فأكرمها وولدها، وأنزلها في حريمه، وكانت قد مدحته بقصيدة أولها:
روى البحر أصباب العطا عن نداكم ... ونشر الصبا عن مستطاب ثناكم
فعرضها على شيخ الأدباء السيد الشريف عبد الرحيم العباسي القاهري، فأعجب بها، فبعث إليها بقصيدة من بديع نظمه، فأجابت عنها بقصيدة مطلعها:
وافت تترجم عن حبر هو البحر ... بديعة زانها مع حسنها الخفر
ثم كتب إليها السيد المشار إليه ملغزاً:
قل لمن بالقريض بز الفحولا ... فانثني عن قصورهم مستطيلا
وأرانا عرائس الثغر تجلي ... بمعان أضحى علاها جليلا
رافيات من زاهيات المعاني ... في مروط تجر فيها الذيولا
مسفرات عن حسن معنى بديع ... من سناه تبغي البذور الأفولا
وتود الرياض أن لو اعيرت ... من أفانين وشيها أكليلا
كل طرف إذا ترجع منها ... عاد من حسنه حسيراً كليلا
стр. 282
وإذا ما ظبا اللواحظ غاز ... لن ظباها أولت شباها فلولا
وما اسم شيء حروفه عاطلات ... وهو في الدهر لا يرى تعطيلا
ولع القلب دائماً بثلاث ... فيه لم تستطع إليه وصولا
ولنا فيه في الخواطر ود ... لم نجد للسلو عنه سبيلا
وإذا الحذف حل في طرفيه ... رادف اسماً يحبوك منه خليلا
وإذا ما استقل منه ثان ... بتاليه حباه منه ثواباً جزيلا
وإذا ما قلبته دون ترت ... يب ترى سؤدداً وقدراً نبيلا
وإذا ما اعتبرته دون قلب ... لن تداني مقامه تبجيلا
وإذا ما عكست منه أخيراً ... لثلاث وجدت روحاً ظليلا
وهو صف يخص من قد تعالى ... عن زوال وأن يلاقي مثيلا
وإذا ما نقصته واحداً صار لر ... بع الظليم سوطا طويلا
مثل ما في العلا تصورت فرداً ... من غدا بابه لعاف مقيلا
كاتب السر رقية الدهر ... تاريخ المعالي من قد سما تفضيلا
ذو السجايا التي تريك المزايا ... قد تعالت عن أن تعد عديلا
دام في ظل نعمة وبقاء ... لا يرى الدهر عنهما تحويلا
فأجابته بقولها:
يا حسيبا قد حاز مجداً أثيلا ... وفخاراً بالمصطفى لن يحولا
وإماماً فيما حوى لا يجارى ... في علوم حوت له التفضيلا
стр. 283
جئتنا بالعجاب نظماً تحلا ... من لآلي البديع عقداً جميلا
سافراً عن وجوه معجز لغز ... كل فكر أضحى لديه كليلا
قد سمعنا وما سمعنا لمعنى ... لغزك الفائق البديع مثيلا
وعلى كل حالة فهو ... محود صفات مكمل تكميلا
رائقاً واسم كاتب السر فيه ... زاده رونقاً فأضحى جميلا
سيداً كاملاً وجيهاً نبيهاً ... عالماً عاملاً عطوفاً وصولاً
زاده الله رفعة وحباه ... من جميل الهناء حظا جزيلاً
وحمى ذاته وأبقى بقاه ... في سرور ونعمة لن تزولا
ما سرت نسمة وفاح أريج ... وزها الروض بكرةً وأصيلاً
ومدحها السيد المشار إليه بقصيدة:
ليهنك مجد طارف وتليد ... يخصك آباء به وجدود
وقدر له أعلا السماكين منزل ... وفوق متون الفرقدين قعود
وأصل زكا والفرع يتبع أصله ... وليس له عما انتحاه محيد
فيا روضة العلم التي بان فضلها ... وليس من الفيض السري مديد
فمنثور ما تبديه قد ضاع نشره ... ومنظومه فوق النحور عقود
وورق المعاني فوق دوح بيانها ... له ببديع السجع فيه نشيد
إذا ما تغنى مطرباً عندليبها ... تميل قلوب لذةً وتميد
فأجابته بقصيدة منها:
تساميت مرمىً فاللحاق بعيد ... وحسبك ما أبدعت فهو شهيد
حصلت على الغايات مجداً وسؤدداً ... وفضلاً مبيناً ليس فيه جحود
وأصحبت في روض العلوم مفكها ... تجول وتجني ما تشا وتفيد
وكم بوجيز اللفظ أصدرت منهلاً ... يطيب به للطالبين ورود
موارد آداب صفا سلسبيلها ... وحام عليها مهتد ورشيد
стр. 284
ومن كلامها على لسان القوم رضي الله تعالى عنهم:
حبيبي أنت من قلبي قريب ... وعن سري جمالك لا يغيب
خلعت الحسن في خلع التجلي ... فشاهدت الجمال ولا رقيب
وأبدت الوصال فلا صدود ... ولا وهم ولا شيء يريب
وطفت علي في حان التصابي ... بكأس عيش شاربه يطيب
براح نلت أقصى الري منه ... وفي زي تراءت لي الغيوب
وزالت باستوا شمسي ظلالي ... تجل ليس يعقبه غروب
وصرت إلى مقام ليس فيه ... سواك حبيب قلبي له نصيب
تنادمني، وتسقيني مدامي ... ويحضرني لديك فلا أغيب
وتذكرني، وتشهدني جمالاً ... تقدس أن يكون له ضريب
فلا خوف وأنت أمان قلبي ... ولا سقم وأنت لي الطبيب
ولا حزن وأنت سرور سري ... ولا سؤل وأنت لي الحبيب
وقالت رحمها الله تعالى:
يا من أفنى في معناه ... بمن معنى في هواه
جد لي جد لي ومتعني ... وجلدني بالعيان في اتصالي
يا محبوبي يا مطلوبي ... يا مقصودي ياموجودي
كن لي كن واجبر كسري ... واغن فقري بالتداني والوصال
حبك تيم فيك المغرم ... ولي هيم لا بل أعدم
عقلي عقلي وأحيرني ... وأسهرني وأضناني بالدلال
مجلى المظهر فيما أظهر ... أفنى مني لما نور
ظلي ظلي وأجردني ... وأفردني وأفناني بالجلال
غبت عني رحت مني ... زالت حجبي وافى قربي
وصلي وصلي قد أدهشني ... وأنعشني وأحياني بالجمال
في مجلاه لما حيا ... من وافاه بالحميا
خلي خلي قم وتردى ... وتملى بالإحسان من نوالي
هذي الخمرة فيض المنان ... عند العرفان لها ندمان
أهلي أهلي وسادتي ... وأحبابي وإخواني في أحوالي
стр. 285
وقال الشيخ شمس الدين بن طولون الحنفي: أنشدتنا عائشة بنت القاضي يوسف الباعوني:
نزه الطرف في دمشق ففيها ... كلما تشتهي وما تختار
هي في الأرض جنة فتأمل ... كيف تجري من تحتها الأنهار
كم سما في ربوعها كل قصر ... أشرقت من وجوهها الأقمار
وتناغيك بينها صادحات ... خرست عند نطقها الأوتار
كلها روضة وماء زلال ... وقصور مشيدة وديار
ذكر ابن الحنبلي أن صاحبة الترجمة دخلت حلب في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة والسلطان الغوري بها لمصلحة لها كانت عنده، فاجتمع بها من وراء حجاب البحر السيوفي، وتلميذه الشمس السفيري وغيرها، ثم عادت إلى دمشق، وتوفيت بها في السنة المذكورة رحمهما الله تعالى.
حرف الغين المعجمة
من الطبقة الأولى: ٥٨٥ - غياث الدين الشهير بباشا جلبي: غياث الدين، المولى العالم الفاضل ابن أخي الشيخ العارف بالله تعالى آق شمس الدين الرومي الحنفي، الشهير بباشا جلبي. قرأ على المولى الخيالي، والمولى خواجه زاده وغيرهما، وصحب الصوفية، ثم أعطي مدرسة المولى الكوراني بالقسطنطينية، ثم ترقى في التدريس حتى أعطي إحدى الثماني، ثم تركها واختار مدرسة أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - ثم أعطي سلطانية أماسية مع منصب الفتوى، ثم تركها وأعطي تقاعداً بسبعين عثمانياً في كل يوم، ثم طلب مدرسة القدس الشريف، فمات قبل السفر إليها سنة سبع أو ثمان وعشرين وتسعمائة، وله رسائل كثيرة لكنه لم يدون كتاباً رحمه الله تعالى.
حرف الفاء
من الطبقة الأولى: ٥٨٦ - فاطمة بنت التادفي الحنبلي: فاطمة بنت يوسف القاضي جمال الدين التادفي
стр. 286
الحنبلي، الحليي. قال ابن الحنبلي: وهو ابن أخيها كانت من الصالحات الخيرات، وكان لها سماع من الشيخ المحدث برهان الدين، وكانت قد حجت مرتين، ثم عادت إلى حلب، وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية، ولبست العباءة وزارت بيت المقدس، ثم حجت ثالثة، وتوفيت بمكة المشرفة سنة خمس وعشرين وتسعمائة رحمها الله تعالى.
٥٨٧ - فرح بنت الدوادار: فرح بنت يشبك المصونة بنت الأمير الخير الفقيه يشبك الدوادار الكبير بمصر، كانت أمها خوند بدرية بنت الملك المؤيد شيخ، وكانت هي من العابدات التاليات للقرآن العظيم بارة بالأرامل واليتامي والمنقطعين. ماتت بالقاهرة يوم الأربعاء عشري صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة بعد أن أوصت بشيء كثير من أثاثها، وأعتقت رقيقها رحمها الله تعالى.
حرف القاف
من الطبقة الأولى: ٥٨٨ - قاسم بن أحمد الرومي: قاسم بن أحمد بن محمد، الفاضل الكامل المولى قوام الدين الجمالي الرومي الحنفي، اشتغل بالعلم، واتصل بخدمة المولى علي بن محمد القوشجي، ودرس بإحدى الثماني، ثم أعطي قضاء القسطنطينية، ومات قاضياً بها في دولة السلطان أبي يزيد وكان شديد الاشتغال يحفظ كثيراًمن الكتب، وله شأن إلا أنه لم يصنف شيئاً رحمه الله تعالى.
٥٨٩ - قاسم بن عمر المغربي: قاسم بن عمر الشيخ الفاضل المتعبد الصالح المبارك المعتقد شرف الدين الزواوي المغربي القيرواني المالكي. كان أولاً مقيماً في صحبة رفيقه الشيخ الصالح العابد الزاهد محمد الزواوي بمقام الشيخ تاج الدين ابن عطا الله الإسكندري، ثم أقام بمقام الإمام الشافعي خادماً لضريحه، وصحب الشيخ جلال الدين السيوطي، وارتبط به، وقلده في ملازمة لبس الطيلسان صيفاً وشتاءً، وكان يتردد إلى الشيخ تقي الدين الأوجاقي وغيره من أهل العلم، وأخذ عنه شيخ الإسلام الوالد ديوان سيدي علي وفا بحق أخذه له عن السيدة حسناء بنت الناظم عن الناظم - رضي الله تعالى عنهم - وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان سنة سبع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥٩٠ - قاسم البغدادي: قاسم، العالم الفاضل المولى البغدادي الكرماني، ثم
стр. 287
القسطنطيني ابن أخت المولى شيخي الشاعر الحنفي أحد موالي الروم، اشتغل في العلم، واتصل بخدمة المولى عبد الكريم، ثم صار مدرساً ببلدة أماسية، ثم بمدرسة أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنهم - ثم بمدرسة قلندرخانة بالقسطنطينية، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثماني، وكان ذكياً، سليم الصدر، وافر العقل، وكان يدرس كل يوم سطرين أو ثلاثة، ويتكلم عليها بجميع ما يمكن إيراده من الفوائد من نحو، وصرف، ومعان: وبيان ومنطق، وأصول مع رفع جميع ما أشكل على الطلبة على أحسن الوجوه وألطفها، وكان يتعيب على الطلبة فيما يفوتهم من الإشكالات إذا لم يتنبهوا له، وله حواش على شرح المواقف وأجوبة عن السبع الشداد التي علقها المولى لطفي، وله أشعار لطيفة تركية وفارسية، وكانت وفاته في سنة إحدى وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥٩١ - قاسم الأحمدي: قاسم، الشيخ الصالح المعتقد الأحمدي الدمشقي. كان لا يزال مستور الوجه متطيلساً بمئزر أحمر، وكان للأتراك فيه اعتقاد عظيم، وكانت وفاته يوم، الخميس ثامن عشري ربيع الآخر سنة سبع عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥٩٢ - قاسم بن العيني: قاسم الشيخ شرف الدين بن العيني أحد العدول بدمشق، توفي يوم الجمعة خامس عشر المحرم سنة ثماني عشرة وتسعمائة، ودفن بالصالحية رحمه الله تعالى رحمة واسعة. آمين.
٥٩٣ - قانصوه الغوري: قانصوه بن عبد الله الجركسي السلطان الملك الأشرف، المشهور بالغوري، وسماه ابن طولون جندب، وجعل قانصوه لقباً له قال: والغوري نسبة إلى طبقة الغور قال ابن الحنبلي: إحدى الطبقات التي كانت بمصر مدة تعليم المؤدبين. قال ابن طولون: كان يذكر أن مولده في حدود الخمسين وثمانمائة ترقى في المناصب حتى صار نائب طرسوس، فانتزعها منه جماعة السلطان أبي يزيد بن عثمان، فهرب منها، وعاد إلى حلب، فلما انتصر عسكر مصر على الأروام عاد إلى طرسوس مرة ثانية، ثم أخذها الأروام مع ما والاها، فهرب منها أيضاً إلى حلب، ثم نصر عسكر مصر ثانياً، فعاد إليها مرة ثالثة، ثم أعطي نيابة مطلبه، فلما مات الملك الأشرف قايتباي رجع إلى مصر، ووقعت له أمور في دولة الملك الناصر ابن قايتاي، ثم أعطاه تقدمة ألف، ثم في دولة جان بلاط أعطاه رأس نوبة النوب، ثم
стр. 288
توجه صاحب الترجمة صحبة العسكر المصري إلى الشام بسبب عصيان قصروه نائبها، فخامر أمير العسكر طومان باي، واتفق مع قصروه على أن يكون سلطاناً، وأمسكوا جماعة من الأمراء، وجعل من الأمراء، وجعل صاحب الترجمة دواداراً كبيراً، ثم توجهوا إلى الديار المصرية، وحاصروا الأشرف جان بلاط، ثم أمسكوه، وتولى السلطنة طومان باي واستمر صاحب الترجمة دواداراً إلى أن وقع بينه وبين طومان باي، فاتفق مع العسكر على أن يركبوا عليه، واختفى هو في حيلة، فهرب السلطان طومان باي ليلة الجمعة مستهل شوال سنة ست وتسعمائة، فتولى السلطنة بعده صاحب الترجمة في يوم عيد الفطر، ولما تسلطن أخذ يتتبع رؤوس الأمراء، وذوي الشوكة، فيقتلهم شيئاً شيئاً، ثم فشا ظلمه ومصادرته للناس في أموالهم حتى صار شيخ الإسلام زكريا يعرض بظلمه في الخطبة، وهو تحت منبره يسمع، ولم يتعظ حتى حصل منه أذية بالغة للبرهان بن أبي شريف عالم مصر يومئذ، ومفيدها بسبب الرجل الذي رمي بالزنا، فأقر بالتهديد والضرب، ثم أنكر، فأفتى ابن أبي شريف بعصمة دمه، وعدم رجمه، فغضب عليه الغوري بسبب ذلك، وعزله من مدرسته التي جددها بالقاهرة وصلب الرجل على باب شيخ الإسلام ابن أبي شريف حتى جزع الناس له، واستعظموا هذا الأمر الشنيع مع مثله، واستمر في منزله لا يخرج منه، والناس يقصدونه في أنواع العلوم إلى أن أزعج الله تعالى الغوري، فأمر العسكر بالتجهيز لحلب، وأشاع أنه يريد الإصلاح بين ملك الروم، وملك شاه إسماعيل الصوفي الخارجي، ثم سافر من تخت ملكه في عاشر ربيع الثاني سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وصحبته الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد العباسي، وقضاة الشرع الأربعة وغيرهم من العلماء، ومشايخ، وستة عشر أميراً مقدماً، فلما دخل غزة شكا إليه أهل القدس ظلم نائبه وغيره، فأهانهم بالطرد والضرب، ثم دخل دمشق في موكب عظيم، ونائب الشام حامل القبة والطير على رأسه على عادة الملوك المتقدمين، ونزل بالمصطبة بوطأة برزة، وشكا إليه أهل حمص وغيرهم ظلم نوابهم، فلم يشكهم، وأقام سبعة أيام، ولم يحضر جمعة ولا جماعة، وتوجه إلى حلب ومعه نواب الشام، وحمص، وحماة، وطرابلس وغيرهم من الأمراء، ولم يقر بحمص ولا زار بها سيدي خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - مع أن الطاغية تيمورلنك دخلها لزيارته، وجعل أهلها في غفارته، وعند وصوله إلى حلب جاءه قاصدان من ملك الروم أحدهما قاضي العساكر الروم إيلية ركن الدين بن زيرك، والثاني الأمير قراجا باشا، وأخبراه بوصول ملكهم إلى القيسارية متوجهاً لقتال الصوفي، فخلع عليهما وأكرمهما، وذكر لهما ما يريد من الإصلاح بين السلطان سليم وشاه إسماعيل، وأرسل بذلك إلى السلطان سليم
стр. 289
قاصداً يقال له: الأمير مغلباي الدوادار، فلما وصل إليه قبض عليه حتى وصل إليه قاصداه، فحلق لحيته، وأخذ جميع ما كان معه من متاع، وقال له: قل لأستاذك هذا خارجي وأنت مثله، وأنا أقاتلك قبله، والميعاد بيننا وبينك في مرج دابق، ثم سافر خلفه، وصار يأخذ كل بلد يدخله من أعمال ملك الغوري، فلما بلغ الغوري ذلك من قاصده ومن غيره خرج من حلب في نحو ثلاثين ألفاً، وترك ولده في قلعتها، وكان خروجه منها يوم الثلاثاء عشري رجب بعد إقامته بها شهرين، وقد كان الغوري في أول الأمر مصمماً على مباينة شاه إسماعيل حتى وقع في قلبه رعبه بسبب أن شاه إسماعيل كان قد قتل صاحب هراة، وولده قبرخان، فبعث
برأس الأب إلى ملك الروم السلطان سليم، وبرأس الابن إلى الغوري، وكتب إلى الأول رسالة مطلعها: برأس الأب إلى ملك الروم السلطان سليم، وبرأس الابن إلى الغوري، وكتب إلى الأول رسالة مطلعها:
نحن أناس قدغدا شأننا ... حب علي أبي طالب
يعيبنا الناس على حبه ... فلعنة الله على العائب
وكتب إلى الثاني رسالة مطلعها:
السيف والخنجر ريحاننا ... أف على النرجس والآس
وشربنا من دم أعدائنا ... وكأسنا جمجمة الرأس
فرد عليه الأول بهذين البيتين:
ما عيبكم هذا، ولكنه ... بغض الذي لقب بالصاحب
وكذبكم عنه وعن بنته ... فلعنة الله على الكاذب
ورد عليه الثاني بمقاطيع منها قول شيخ الإسلام البرهان بن أبي شريف:
السيف والخنجر قد قصرا ... عن عزمنا في شدة الباس
لو لم ينازع حلمنا بأسنا ... أفنيت سلطاً سائر الناس
فكانت هذه القصة محركة للسلطان سليم خان - رحمه الله تعالى - إلى السفر إلى قتال شاه إسماعيل، وشجعته السنة عليه، وأنهضه حب الشيخين إليه، وأما الغوري فوقع رعبها في قلبه حتى قرب رجلاً أعجمياً بسبب ذلك، وكان الأعجمي ينسج المودة في الباطن بينه وبين شاه إسماعيل حتى أخرجه من مصر قاصداً للإصلاح بينه وبين السلطان سليم، فلما كان مبطناً مودته لأهل البدعة رد الله تعالى كيده في نحره، وسلط عليه ملك الروم، فتوجه إليه السلطان سليم خلفه قاصده، وخرج الغوري إليه من حلب في التاريخ المذكور، فوصل
стр. 290
إلى مرج دابق ليلة الخميس ثاني عشري رجب سنة أثنتين وعشرين وتسعمائة، ونزل عند القبر المنسوب لنبي الله عواد ﵊، ومكث عنده ثلاثة أيام، ثم في ظهر يوم السبت رابع عشري رجب صاح عسكره في الوطاق، وصل عسكر الروم، فركبوا جميعهم إلى آخر الوطاق، فلم يجدوا أحداً، ثم عادوا إلى مخيمهم، فأمرهم الغوري بالرحيل صلتاً، ويأخذون طعامين، وعليقة، فخرجوا من وطاقهم، وباتوا خارجين عنه إلى صباح يوم الأحد، ثم عادوا إلى وطاقهم، فمكثوا فيه إلى قريب الظهر، ثم جاءتهم العساكر الرومية، فركبوا على خيولهم، فوقع الحرب بينهم، فدفع عليهم العسكر الرومي بالعرادات، ورموا بها عليهم، فأظلم الأفق، وصار له دوي، وجفلت الخيل فقاتلوهم ساعة، ثم هرب الغلمان وبعض العسكر، وقتل جماعة من أمراء الجراكسة، ثم غشي على الغوري، وكان بطيناً سميناً، فطاح عن فرسه، ثم طاح عنها ثانياً، فأقعدوه وقالوا له: أثبت لنا فقال لهم: ما بقي شيء فرغت وأسكت من وقته، ثم زحف عليهم عسكر الروم، فتفرق عنه عسكره وتركوه ملقى على الأرض، فمات ولم يعلم به أحد، وصار عبرة لمن اعتبر، وصارت حاله كما قيل:
جاءته من قبل المنون إشارة ... فهوى صريعاً لليدين وللفم
ورمى بمحكم درعه وبرمحه ... وامتد ملقى كالفنيق الأعظم
لايستجيب لصارخ إن يدعه ... أبداً ولا يرجى لخطب معظم
ثم ملك السلطان سليم بلاد حلب وما والاها من بلاد الشام، ودخل إلى دمشق كما تقدم في ترجمته، وإلى مصر، ثم عاد إلى تخت ملكه، وصارت البلاد لأولاد عثمان إلى الآن - وفقهم الله تعالى - والغوري آخر ملوك الجراكسة.
٥٩٤ - قايتباي سلطان مكة: قايتباي بن محمد بن بركات الشريف سلطان مكة. توفي في سنة ثماني عشرة وتسعمائة، وفيها توفي سلطان الروم أبو يزيد خان بن عثمان، وسلطان اليمن عامر بن محمد رحمهم الله تعالى.
٥٩٥ - قايتباي الجركسي: قايتباي أبو النصر بن عبد الله السلطان الملك الأشرف الجركسي الظاهري نسبة إلى الملك الظاهر جقمق، ميلاده في سنة ست وعشرين
стр. 291
وثمانمائة في سلطنة الملك، ثم انتقل إلى الملك الظاهر جقمق، فأعتقه ونسب إليه، ثم رفعه الله تعالى ورقاه حتى ملكه الله تعالى بلاد العرب. حكى أنه مر في حلبة المماليك على دمشق فتفرس فيه بعض أوليائها أن أمره يؤول إلى السلطنة، فكان يعرفها له، ولعل هذا هو السبب في اعتقاله لأهل العلم والصلاح. بويع له بالسلطنة في يوم الاثنين سادس شهر رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة بحضرة الخليفة المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن محمد العباسي، وقضاة القضاة الأربعة الولوي الأسيوطي الشافعي، والمحب أبو الفضل ابن الشحنة الحنفي والحسام بن محمد بن حرير الحسيني المالكي، والعز أحمد الكناني العسقلاني الحنبلي وأركان الدولة، وكان المتولى لتألف الناس عليه القاضي زين الدين أبو بكر بن مزهر صاحب ديوان الإنشاء بعد خلع الملك الظاهر تمريغا، والقبض عليه، ثم سلك الملك الأشرف قايتباي أحسن المسالك، وسار أحسن السير فى تدبير الممالك، وكان يتألف قلوب العلماء، ويتواضع لعامة الصلحاء، وكان له في سيدي عبد القادر الدشطوطي غاية الاعتقاد، وكان سيدي عبد القادر يتولى تربيته وإرشاده كلما مر عليه، وكان يمتثل أمره، وينقاد بلغني أنه كان يمر، وهو راكب في موكبه على سيدي عبد القادر، فيحبس فرسه عنده، ويطلب منه المدد والدستور وربما نزل إليه، فقبل يديه، فقال سيدي عبد القادر له يوماً، والذباب منعكف عليه وعلى ثيابه يا قايتباي قل لهذا الذباب يذهب عني، فحار تايتباي. فقال: يا سيدي كيف يسمع الذباب مني؟ قال: وكيف تكون سلطاناً ولا يسمع الذباب منك؟ ثم قال سيدي عبد القادر: يا ذباب إذهب عني، فلم يبق عليه ذبابة، وكان بين السلطان قايتباي، وبين الجد غاية الاتحاد ولكل منهما في الآخرة مزيد الاعتقاد، وكان الجد يقطع له بالولاية حتى قال من أبيات:
إمام الناس في العصر ... ولي الله في السر
وكناه أبا النصر ... وقايتباي قد سماه
آدم يا رب سلطانه ... وثبت فيه أركانه
ومكن فيه عرفانه ... وظفره بمن عاداه
وكتب الشيخ الجد ديواناً لطيفاً من نظمه وإنشائه في مناقبه ومآثره سماه " بالدرة المضية، في المآثر الأشرفية "، وذكر فيه أن بعض أولياء الله تعالى أظهره على مقام الملك الأشرف قايتباي في الولاية لما اجتمع الجد بالولي المذكور في حجر إسماعيل ﵊ في وقت السحر، فعرفه بمقامه، وأمره باعتقاده، ونظم في مآثره وعمائره قصيدة رائية ضمنها الديوان المذكور، فمنها أنه عمر حصناً بالإسكندرية، ومدرسة بالقرب منه، وحصن صغر دمياط، وبنى حصوناً، وبنى مدرسة معظمة بمكة لصيق الحرم الشريف مما يلي المقام،
стр. 292
وأعطى تدريسها لشيخ الإسلام البرهان بن ظهيرة، وعمر مسجد الخيف، وساق الماء من عرفات إلى منى، والمحصب، ولما ذكر الجد ذلك في قصيدة قال:
وسقته لمنى، ثم المحصب بل ... وعن قريب على باب السلام يرى
فاتفق للجد في هذا البيت كرامة عجيبة، وهو أنه أخبر أن ماء عرفات سينساق إلى مكة حتى يرى جارياً على باب السلام، وكان الأمر كما ذكر، فإن السلطان سليم ساق الماء إلى مكة، وهو الآن يجري بالمسعى بالقرب من باب السلام، وعمر قايتباي الحجرة الشريفة، والقبة المبتناة عليها، وعمر مسجد رسول الله ﷺ ، وعمر بالمدينة مدرسة ورباطاً، وساق ماء العين الزرقاء إليها، وهذا كما قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه.
هذا وحقك شيء ما سبقت له ... وكم مليك تمناه وما قدرا
أليس يكفيك هذا سيدي شرفاً ... على الملوك وفخراً زين السيرا
وعمر بالقدس الشريف مدرسة عظيمة، ورم الجامع الأموي، وعمر مدرسة بغزة، وجامعاً بالصالحية المصرية، وجامع الروضة، وجامع الكبير، وتربة بصحراء مصر، وعمر قبة الإمام الشافعي في مآثر آخرى، ولقد كان من محاسن الدهر، ورؤوس ملوك الأرض، ولم ينتقد عليه أحد عظيم أمر سوى ما كان من أمره بإعادة كنيسة اليهود بالقدس الشريف بعد هدمها، وعقوبته لعالم القدس البرهان الأنصاري، وقاضيها الشهاب بن عبية وغيرهم بسبب هدم الكنيسة حتى حملوا إليه، وضرب بعضهم بين يديه، وقد شنع بن عبية على قايتباي في ذلك، وبالغ في حقه حتى زعم أنه لم يفعل ذلك إلا لمودة بينه وبين اليهود، وتعصب منه على الدين، وهنا تحامل من ابن عبية تعزير قايتباي له، وفي نفس الأمر، فإن قايتباي لم يقصد الأمر باعادة الكنيسة نصرة لليهود، وإنما أمر بذلك أن عقد مجلساً جمع فيه العلماء، وأفتى بعضهم بأن هدم الكنيسة لم يصادف محلاً، وقد استوفى القصة صاحب الأنس الجليل فيه، وكان كثيراً ما يقع بين الملك الأشرف قايتباي، وشيخ الإسلام الجد مطارحات، فمنها ما أنشد السلطان مستجيزاً من الجد رضي الله تعالى عنه.
عشق، وتجلد، وصبر، وسكوت ... ما أصنع ما أفعل، والوقت يفوت
فأجابه شيخ الإسلام الجد بقوله بديهاً:
ألفاظكم كالدر أو كالياقوت ... يا من للروح قوتهم أشهر قوت
أقسمت بحق جبركم لا أنسى ... يوماً لجميلكم وإن كنت أموت
стр. 293
وقال الملك الأشرف مستجيزاً من الشيخ الجد أيضاً:
يقولون لي العذال: توب عن الهوى ... ومن لا جنى ذنباً عليش يتوب
فقال الشيخ رضي الله تعالى عنه:
يقول لي العواذل تب سريعاً ... ولا تهوى الملاح فلا أجيب
أتوب عن السلو بكل حين ... وعن حب الملاح فلا أتوب
وكانت وفاة السلطان قايتباي - رحمه الله تعالى - في ليلة الاثنين ثامن عشري ذي القعدة سنة إحدى وتسعمائة، ولذلك قيل: إنه المجدد من الملوك على رأس القرن العاشر. قال النعيمي: ومدة ولايته ست وعشرون سنة، وثلالة أشهر، وثلاثة عشر يوماً، وقيل: إنه توفي ليلة الجمعة خامس عشري القعدة.
حرف الكاف
من الطبقة الأولى: ٥٩٦ - كرتباي الجركسي: كرتباي بن عبد الله الأمير الجركسي نائب دمشق. كان حسن السيرة بالنسبة إلى غيره من الأمراء، وكان يكره المناحيس والمفسدين، وله عليهم سطوة زائدة، وحرمة وافرة أغار على عرب هتيم بأرض الزرقا، ثم رجع متوعكاً إلى دمشق، وأمر في توعكه بتفرقة ألفي دينار على الفقراء والمساكين بالجامع الأموي، ثم مات عاشر ربيع الأول سنة أربع وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٥٩٧ - كسباي السلحدار: كسباي بن عبد الله السلحدار. قيل: هو السائل للشيخ جلال الدين عن النساء هل يرين الله تعالى في الآخرة؟ فأجابه: نعم، وألف بسبب سؤاله كتاباً سماه " تحفة الجلساء، في رؤية الله للنساء "، مات مطعوناً سنة ثلاث وتسعمائة في سابع عشر رمضان بالقاهرة قال ابن طولون: وقد ضبط من توفي بها من أول رجب إلى موت هذا ثمانمائة ألف، وستة عشر نفساً رحمهم الله تعالى.
٥٩٨ - كمال الرومي: كمال ابن الحاج الياس الرومي الحنفي أحد الموالي الرومية، أول قاض بحلب من العثمانية بعد الدولة الجركسية، تولى قضاء حلب استقلالاً في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وكان شهماً متمولاً مقدماً على الأحكام الشرعية، مهيباً، كثير الخدم والحشم، يلبس الحسن، ويهوى الوجه الحسن. كما قال ابن الحنبلي، وهذه الأخيرة ليست من الكمال في شيء.
стр. 294
حرف اللام
من الطبقة الأولى:
٥٩٩ - لطف الله التوقاتي: لطف الله المولى العالم الفاضل الشهير بمولانا لطفي التوقاتي الرومي الحنفي. تخرج بالمولى سنان باشا، ولما دخل المولى علي القوشجي بلاد الروم قرأ عليه العلوم الرياضية بإشارة المولى سنان، ولما كان سنان وزيراً عند السلطان محمد خان بن عثمان رباه عنده، فجعله السلطان محمد أميناً على خزانة الكتب، فاطلع على الغرائب منها، ثم لما ولي السلطنة أبو يزيد خان أعطاه مدرسة السلطان مراد خان الغازي بمدينة بروسا، ثم رقاه حتى أعطاه، إحدى الثماني، ثم ولاه مراد خان ثانياً، وأقام ببروسا، وكان ذكياً، فطناً، خاشعاً، يقرأ عليه في صحيح البخاري: فيبكي حتى تسقط دموعه على الكتاب حتى ختم القراءة، وكان فاضلاً عالماً غير أنه كان يطيل لسانه على أقرانه حتى أبغضه علماء الروم، ونسبوه إلى الإلحاد والزندقة، وفتش عليه واستحكم في قتله المولى أفضل الدين، فلم يحكم، وتوقف في أمره فحكم المولى خطيب زاده بإباحة دمه، فقتلوه قال في الشقائق: ولقد سمعنا من حضر يحكي أنه كان يكرر كلمتي الشهادة، وينزه عقيدته مما نسبوه إليه من الإلحاد حتى قيل: أنه تكلم بالشهادة بعدما سقط رأسه على الأرض. قال: وروي أن الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ محيي الدين القوجوي لما سمع بقتله. قال: أشهد أنه بريء من الإلحاد والزندقة، ومن نوادره العجيبة أنه كان مع أصحابه على جبل بروسا حين كان مدرساً بها، فجاءه رجل من أهل القرى، وبيده خطام دابة، وعلى عنقه مخلاة، فشرب من عين جارية هناك، ثم استلقى على ظهره، فقال المولى لطفي لأصحابه بعدما تأمل ساعة: إن هذا الرجل من قصبة إينه كول، وقد أخذت دابته، وهو في طلبها، ثم تأمل ساعة، وقال: اسم الرجل سوندك، ثم تأمل ساعة. فقال: إن في مخلاته نصف خبزة، وقطعة جبن، وثلاث بصلات، فتعجب أصحابه من ذلك، ثم طلبوا الرجل، فقالوا له: من أين أنت؟ قال: من إينه كول. قالوا له:. ما اسمك؟ قال: سوندك. قالوا: أي شيء في مخلاتك. قال: طعام الفقراء، فاستخرجوه، فإذا فيه نصف خبزة وقطعة جبن وثلاث بصلات كما أخبر المولى المذكور، وله من المؤلفات حواشي شرح المطالع، وحواش على شرح المفتاح لسيد الشريف، ورسالة سماها بالسبع الشداد مشتملة على سبعة أسئلة على السيد الشريف في بحث الموضوع، ولو لم يؤلف إلا هذه الرسالة لكفته فضلاً، ورسالة ذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية بلغ فيها مقدار مائة علم
стр. 295
أورد فيها غرائب وعجائب، وكان قتله في سنة أربع وتسعمائة - رحمه الله تعالى - وقيل في تاريخه: ولقد مات شهيداً.
حرف الميم
من الطبقة الأولى: ٦٦٠ - مبارك الأوغاني: مبارك بن إسماعيل، وسماه ابن طولون أحمد بن محمد المدعو الشيخ مبارك، ثم الشيخ إسماعيل الأوغاني، ثم الدمشقي الحنفي، الشيخ الصالح، قدم دمشق وهو طفل، فحفظ القرآن بالجامع الأموي، وولي خدمة المصاحف، ثم عمل بواباً عند الأمير عبد القادر بن منجك، ثم لما قدم السلطان سليم إلى دمشق خدم قاضي عسكره ابن زيرك، فقرره في بعض الوظائف، ثم أعطي نظارة التكية بصالحية لدمشق، ومات ليلة الثلاثاء تاسع عشري صفر سنة ثلانين وتسعمائة، ودفن بحوش تربة ابن العربي رحمه الله تعالى.
٦٦١ - محمود بن محمد الحمصي: محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أيوب بن محمد، الشيخ الإمام العلامة نور الدين الحمصي، ثم الدمشقي الشافعي، الشهير بابن العصباتي. ولد في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. أخذ عن والده، وعن الشيخ تقي الدين بن الصدر الطرابلسي، وقدم دمشق سنة تسعمائة، واستوطن بها، ووعظ بالجامع وغيره. وتوفي راجعاً من الحج في منزلة رابغ على ثلاث مراحل من مكة يوم الجمعة مستهل المحرم سنة خمس وتسعمائة ﵀.
٦٦٢ - محمود بن محمد الرومي: محمود بن محمد، العالم الفاضل، المولى بدر الدين الرومي. كان إماماً للسلطان أيي يزيد خان، ثم ولاه قضاء بروسا عشر سنين أو أكثر، ثم أعطاه قضاء العسكر بولاية أناظولي في سنة إحدى عشرة وتسعمائة، ثم أعطي التقاعد عنه، وعين له كل يوم مائة عثماني، ومات بعد زمان يسير قال في الشقائق: كان كريم النفس حميد الأخلاق محباً للعلماء والصلحاء رحمه الله تعالى.
٦٦٣ - محمود بن محمد بن أجا التدمري: محمود بن محمد بن محمود بن خليل بن أجا المقر الأشرف محب الدين أبو الثناء التدمري الأصل، الحلبي، ثم القاهري الحنفي، كاتب الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية المعروف بابن أجا. ولد كما قال
стр. 296
السخاوي: في سنة أربع وخمسين وثمانمائة بحلب، واشتغل بالعلم في القاهرة إلى سنة ثمان وثمانين، ثم زار بيت المقدس، ورجع إلى حلب، وتميز بالذكاء، ولطف العشرة، وولي قضاء حلب في شهر رمضان سنة تسعين، وحج سنة تسعمائة، ثم رجع إلى حلب، وطلبه سلطان مصر الغوري من حلب، وولاه كتابة السر بالقاهرة عوضاً عن القاضي صلاح الدين بن الجيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة، واستمر فيها إلى آخر الدولة الجركسية، وهو آخر من ولي كتابة السر، ثم حج في دولته ثانياً في سنة عشرين وتسعمائة، فقرأ عليه المسند جار الله بن فهد عشرين حديثاً عن عشرين شيخاً، وخرجها له في جزء سماه " تحقيق الرجا، لعلو المقر ابن أجا "، ثم عاد إلى القاهرة فشكا مدة، فركب إليه السلطان، وزاره لمحبته له وجلالته عنده، ثم سافر صحبة الغوري إلى حلب سنة اثنتين وعشرين، وأقام بها حتى قتل الغوري، فرجع القاهرة، فولاه السلطان طومان باي الأشرف كتابة السر بها، ثم لما دخل السلطان سليم إليها أكرمه، وعرض عليه وظيفته، فاستعفى منها، واعتذر بكبر سنه وضعف يديه، ثم سأل السلطان سليم في الإقامة بحلب، فأجابه وعاد معه إلى حلب، واستقر في منزله إلى أن توفي بها، وكان ذا هيبة وشكالة وشيبة نيرة، ظريفاً، كيساً يحب التواريخ، ويرغب في خلطة الأكابر، وأنشد ابن الحنبلي لوالده يمدح الذكور:
مدحي وحمدي فيك قد زادني ... فخراً وأوليت به جولدا
فدم مدى الدهر لنا سالماً ... لازلت ممدوحاً ومحمودا
ومن مدائح البارعة عائشة بنت الباعوني - رحمها الله تعالى - في المذكور حين قدمت عليه القاهرة قصيدتها الرائية التي أولها:
حنيني لسفح الصالحية والجسر ... أهاج الهوى بين الجوانح والصدر
ومنها:
ألا ليت شعري والأماني كثيرة ... أأبلغ ما أرجوه قبل انضا عمري
وهل أردن صافي يزيد واجتلي ... محاسن ذاك السفح والمرج والقصر
بلى إن ربي قادر وعطاؤه ... بغير حساب والهبات بلا حصر
ولي أمل فيه جميل وجودهكفيل بما أرجوه من منن الجبر
وحسبي بشيراً بالأماني وبالمنى ... معاملتي باللطف في العسر واليسر
ولا بد من جود يوافي رفاؤه ... بتبليغ آمالي، وفكي من الأسر
ويبدو صباح الوصل أبيض ساطعاً ... سطوع ضياء البشر من كاتب السر
стр. 297
سليل أجا كهف اللجا، وافر الحجى ... منيل الرجا ركن السيادة والفخر
إمام حوى من كل علم لبابه ... فحج لعالي بابه كل ذي قدر
وأصبح في بحر الحقائق غائصاً ... ومستخرجاً ما شاء من ذلك البحر
تلوذ به الأعيان فيما يهمهم ... فيلفون عطف البر أو فائض البر
كريم تجاري السحب راحته ولا ... يريد بما يجزي سوى الفوز بالأجر
يمن ولا من يشوب عطاءه ... ويمنح من لفظ سبى العقل بالسحر
عرائس فكر أرخص الدر لفظها ... وأنشت معانيها لنا دهشة الفكر
معجزة إن أنشدت صدر مجلس ... ترى كل من فيها نشاوى بلا خمر
مفيد بحل المشكلات بموجز ... حلا وعلا عن وهدة العي والحصر
ملي بتدبير الممالك مرتضى الم ... لوك ملاذ الناس في سائر المصر
هو الشمس في العليا هو النجم في الهدىهو الغوث في الجدوى هو الصبح في البشر وكانت وفاته بحلب في العشر الأول من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٠٤ - محمود بن محمد الأنصاري: محمود بن محمد بن عبد الواحد أقضى القضاة نور الدين الأنصاري، السعدي، العبادي، الأنصاري جلس بمركز العدل بسوق التجار بحلب، وناب في القضاء عن المحب بن أجا، وهو قاضيها، وكان فقيهاً، سليم الصدر، ديناً، خيراً لكن كان عنده سذاجة، وكان يركب ما يظنه شعراً، ولا يراعي وزناً ولا قافيةً، وتوفي اثنتين وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٠٥ - محمود بن ألرو بكر المعري: محمود بن أبي بكر بن محمود قاضي القضاة نور الدين المعري الأصل الحموي، ثم الحلبي الشافعي سبط الشيخ أبي ذر ابن الحافظ الدين الحلبي، ولي قضاء حماة إلى آخر دولة الجراكسة، فلما مر السلطان سليم على حماة ولاه قضاءها أيضاً، ثم لما رجع السلطان سليم بدا لصاحب الترجمة أن يترك القضاء في الدولة تورعاً عما أحدثوه من المحصول والرسم، فتركه وترك غيره عن المناصب الحموية، فأخرجت له براءة واحدة بنحو ثلاثين منصباً ما بين تدريس وتولية، ثم إنه قطن حلب هو، وأخوه المقر أحمد، وسكن بالمدرسة الشمسية بمحلة سويقة حاتم، فلم يلبثوا إلا قليلاً ماتوا، وكانت وفاة القاضي نور الدين في سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 298
٦٠٦ - محمود بن عبد البزبن الشحنة: محمودبن عبد البر بن محمد ابن قاضي القضاة حسام الدين ابن قاضي القضاة سري الدين بن الشحنة الحنفي. ولد بالقاهرة ولي قضاء حلب، ثم كان آخر القضاء الحنفية بالقاهرة المعزية في الدولة الجركسية، ولما دخل السلطان سليم القاهرة، وهرب السلطان طومان باي إلى الصعيد بعدما وقع الحرب بينه وبين السلطان، وطلب طومان باي منه الأمان، فأجابه وبعث إليه بالأمان مع قاضي القضاة المذكور، وبعض رفقائه في القضاء، فبغى طومان باي عليهم وقتلهم إلا من سلم، وكان صاحب الترجمة ممن قتله، وذلك في أوائل سنة ست وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٠٧ - محمود بن كمال الطبيب: محمود بن كمال الطبيب بن الطبيب المولى الملقب باخرجان المشتهر جاخي جلبي. كان أبوه كمال الدين من تبريز، ثم دخل الروم، وفتح حانوتاً في سوق الوزير محمود باشا بالقسطنطينية، واشتهرت حذاقته بالطب حتى رجعوا إليه في ذلك، فأثرى وحصل له مال عظيم، وطلبه السلطان محمد خان ليكون طبيباً في دار سلطنته، فأبى واشترى لنفسه داراً بالقسطنطينية، وسكن بها إلى أن مات، وبعد وفاته خدم ولده المذكور الحكيمين قطب الدين، وابن المذهب، فمهر في الطب، وأظهر في العلاج تصرفات كثيرة حتى نصبوه رئيساً في بيمارستان السلطان محمد خان، وتقدم عند السلطان أبي يزيد خان حتى صار من أطباء دار سلطنته، ثم جعله أمينا لمطبخ السلطنة، ومال إليه كثيراً، وأهله لمصاحبته، ثم حسده الوزراء واخترعوا أمراً يوجب عزله فعزله، ثم تبين له عدم صحة ذلك فأعاده إلى مكانه، وجعله رئيس الأطباء في دار سلطنته، ثم لما تولى السلطان سليم خان عزله مدة ثم أعاده وقربه وتصاحب معه ومال إليه كل الميل، فحصل له جاه عظيم، ثم لما تولى السلطان سليمان عزله أيضاً، ثم أعاده، ثم سافر إلى الحج الشريف في سنة ثلاثين وتسعمائة، فلما رجع من الحج توفي بمصر، ودفن عند الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - عن ست وتسعين سنة، ولم ينقص من قواه شيء إلى أن مات رحمه الله تعالى رحمه واسعة.
٦٠٨ - محب الدين المقدسي: محب الدين المقدسي إمام المسجد الأقصى. الشيخ العلامة. توفي سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٠٩ - مصطفى القسطلاتي: مصطفى العالم العامل، الفاضل، المولى مصلح الدين القسطلاني الرومي الحنفي أحد الموالي الرومية. قرأ على علماء الروم، وخدم المولى خضر بيك، ودرس في بعض المدارس، ثم لما بنى السلطان محمد خان بن عثمان المدارس الثماني بالقسطنطينية أعطاه واحدة منها، وكان لا يفتر من الاشتغال والدرس، وكان يدعى أنه لو أعطى
стр. 299
المدارس الثماني كلها لقدر ان يدرس في كل واحدة منها كل يوم ثلاثة دروس، ثم ولي قضاء بروسا ثلاث مرات، ثم قضاء أدرنة كذلك، ثم القسطنطينية كذلك، ثم ولاه السلطان محمد خان قضاء العسكر، وكان لا يداري الناس، ويتكلم بالحق على كل حال، فضاق الأمر على الوزير محمد باشا القراماني، فقال للسلطان: إن الوزراء أربعة، فلو كان للعسكر قاضيان أحدهما في ولاية روم إيلي، والآخر في ولاية أناظولي كان أسهل في إتمام مصالح المسلمين ويكون زينة لديوانك فمال السلطان إلى ذلك، وعين المولى المعروف بالحاجي حسن لقضاء أناظولي، فأبى السلطان ذلك، فلما مات السلطان محمد، وتولى بعده ولده السلطان أبو يزيد خان عزل القسطلاني، وعين له كل يوم مائة درهم، ثم صار قضاء العسكر ولايتين بعد ذلك، وكان القسطلاني، يداوم أكل الحشيش والكيف، وكان مع ذلك ذكياً في أكثر العلوم، حسن المحاضرة، وأخبر عن نفسه في قصة طويلة ذكرها صاحب الشقائق أنه طالع لابن سينا سبع مرات، والسابعة مثل مطالعة التلميذ أول درسه عند مدرس جديد، وكان المولى خواجه صاحب كتاب " التهافت " إذا ذكر القسطلاني يصرح بلفظ المولى، ولا يصرح بذلك لأحد سواه من أقرانه، وكان يقول: إنه قادر على حل المشكلات، وإحاطة العلوم الكثيرة في مدة يسيرة إلا أنه إذا أخطأ بحكم البشرية لا يرجع عن ذلك، ولا يهتم بأمر التصنيف لاشتغاله بالدرس والقضاء لكنه كتب حواشي على شرح العقائد، ورسالة ذكر فيها سبعة أشكال، وشرحها، وحواشي على المقدمات الأربع التي ابتدعها صدر الشريعة رد فيها على حواشي الموالى علي العربي، وتوفي سنة إحدى وتسعمائة، ودفن في جوار أبي أيوب الأنصاري رحمهما الله تعالى رحمة واسعة.
٦١٠ - مصطفى بن البركي: مصطفى العالم الفاضل المولى مصلح الدين الرومي الحنفي الشهير بابن البركي، كان أبوه قاضياً، وطلب العلم، وخدم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده، ثم صار معيد المدرسة، ثم درس في بعض المدارس، ثم جعله السلطان أبو يزيد خان معلماً لولده السلطان أحمد، وهو أمير بأماسية، ثم أعطاه إحدى الثماني، ثم قضاء وكان في قضائه حسن السيرة، مرضي الطريقة، واستمر قاضياً بها مدة طويلة إلى أن عزله السلطان سليم خان في أوائل سلطنته، وعين له كل يوم مائة وثلاثين عثمانياً، وكان مفنناً، فصيح اللسان، طلق الجنان، توفي سنة تسع عشرة أو سنة عشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 300
٦١١ - معين الدين الإيجي: معين الدين بن صفي الدين، الشيخ، الإمام، العلامة، المحقق المدقق، الفهامة، العارف بالله تعالى، السيد الشريف الإيجي، الشيرازي، الشافعي صاحب التفسير، وهو جد السيد قطب الدين عيسى الصفوي لأمه. كان من العلماء الراسخين والمرتاضين. قدم مكة فأري سيدتنا فاطمة بنت رسول الله ﷺ في منامه، فلما استيقظ فسر منام نفسه بأنه سينقطع إلى الله تعالى فوق ما كان عليه، فاتفق أن سرق جميع ما كان عنده من مال ومتاع إلا الكتب، فبقي بمكة على خدمة العلم والعباعة إلى آخر أجله. قال ابن الحبنلي: وهو القائل:
خليلي حل الشيب رأسي ولم يدع ... فؤادي طلا باب الشباب، وما انتحى
فقولا له: يا قلب عن فشرك ارتدع ... فليس سواء آية الليل والضحى
وذكر ابن الحنبلي في ترجمة الشيخ محمد الأدهمي المعروف بابن السني أن السيد معين الدين المذكور كان إذا كتب اسمه، وصف نفسه بالسني لتصلبه في التسنن حتى كان يأتي الحجرة النبوية، ويقف بحذاء قبر أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - ويقول: إني وإن كنت منتسباً إلى علي - رضي الله تعالى عنه - ولكني أعتقد أنك أفضل منه الآن أتوسل بك في الآخرة، وقال سبطه السيد قطب الدين: وكان يقول أنا لا أقلد أحداً في تفضيل الشيخين ومن أراد الدليل عليه، فليجيء إلي، وليسمع مني، وكانت وفاته رحمه الله تعالى بمكة المشرفة سنة ست وتسعمائة.
٦١٢ - منجد المجذوب: منجد المجذوب الدمشقي، قال الشيخ موسى الكناوي: كان رجلاً أسمر اللون، طويل القامة، مكشوف الرأس حافياً دائماً. يراه الناس يأكل الطين، ولا يتناول من أحد شيئاً، وكان دائماً في الصيف والشتاء عليه قميص واحد، ويغسله كل يوم ويلبسه من غير نشوفة، ومات في سنة أربع عشرة وتسعمائة تقريباً رحمه الله تعالى.
٦١٣ - موسى بن أحمد الأريحاوي: موسى بن أحمد، الشيخ العلامة، الفقيه شرف الدين النحلاوي الأصل. الحلبي الدار، الأردبيلي الخرقة، الشافعي المذهب، الشهير بالشيخ موسى الأريحاوي لسكناه بأريحا. أخذ في تعلم القرآن العظيم، وكتب له المعلم حروف الهجاء، فوافق ذلك قدوم الشيخ باكير، والشيخ داود الصوفيين الإردبيليين إلى أرض الشام، وكان قدوم الأول لتربية الشيخ الكواكبي، والثاني لتربية الشيخ موسى المذكور، وكان الشيخ
стр. 301
داود يقف وهو ببعض القرى متوجهاً إلى قرية الشيخ موسى، فيقول: إني لأجد ريح يوسف فلما اجتمع الشيخ داود بالشيخ موسى وجده أخذ في تعليم القرآن، فنهاه عن ذلك وأدخله الخلوة، ثم استفسره عما رآه فيها، فأخبره أنه رأى نفسه لابس درع من الورق لا كتابة عليها فأمره بالمقام في الخلوة إلى أن كان اليوم السابع والثلاثون من خلوته، فسأله عما رأى فأخبره أنه رأى نفسه لابس درع مكتوبة، وأنه قرأ جميع ما فيها، فأمره حينئذ بقراءة القرآن العظيم فقرأه بأذن الله تعالى، ثم أمره أن يطالع كتاب " قمع النفوس " للشيخ تقي الدين الحصني، ولم يزل يزوره بنية التربية إلى أن أعتقده أهل قريته، وكثير من أهل القرى، وصار له سماط وبساط ثم أقام بحلب يدرس الفقه، وكان راسخ القدم فيه، وممن انتفع به قاضي القضاة الكمال التادفي ذكر ابن الحنبلي أن الشيخ محمد الخراساني النجمي عزم يوماً على زيارة الشيخ موسى المذكور، فبينما هو في الطريق إذ سأله سائل عن محل توجهه، فأخبره أنه بصدد زيارة الشيخ موسى لقرب انتقاله إلى عالم البرزخ، فلما راه حصل بينهما بسط زائد بعد أن كان الشيخ موسى منكراً على الشيخ محمد قبل اجتماعه به، ثم مرض الشيخ موسى عقب ذلك، وتوفي أواخر الحجة سنة خمس عشرة وتسعمائة، فحضر الشيخ محمد دفنه، ووقف عند قبره،، ودعا له، ودفن بتربة الخشابين داخل باب قنسرين بحلب رحمه الله تعالى.
٦١٤ - موسى أبن الحسن اللألآني: موسى بن الحسن، الشيخ العالم، العامل المعروف بالمنلا موسى الأول الكردي اللألآني - بالنون - الشافعي نزيل حلب. اشتغل ببلاده على جماعة منهم المنلا محمد الخبيصي، وأخذ عن الشمس البازلي نزيل حماة، وعن منلا إسماعيل الشرواني أحد مريدي خوجه عبيد النقشبندي. اخذ عنه بمكة تفسير البيضاوي، وأخذ عن الشهاب أحمد بن كلز بأنطاكية شرح التجريد مع حاشيته، ومتن الجغميني في الهيئة، ثم قدم حلب، وأكب على المطالعة، ونسخ الكتب العلمية لنفسه، ولازم التدريس بزاوية الشيخ عبد الكريم الخافي بها مع كثرة الصيام، والقيام، والزهد، والسخاء، والصبر على الطلبة، وممن أخذ عنه علم البلاغة أابن الحنبلي، وتوفي مطعوناً بحلب في شعبان سنة ثلاثين وتسعمائة، وفي الليلة التي أسفر صباحها عن يوم دفنه رأى شخص في المنام من يكنس داخل باب قنسرين، فسأله لم ذلك؟ فقال: لأجل جنازة الشيخ موسى، ودفن بتربة أولاد ملوك.
٦١٥ - موسى بن عبد الله جماعة: موسى بن عبد الله بن محمد، الشيخ، الإمام،
стр. 302
العلامة شرف الدين ابن قاضي القضاة جمال الدين ابن شيخ الإسلام نجم الدين، الشهير بابن جماعة المقدسي الشافعي، خطيب المسجد الأقصى الشريف. ولد في حادي عشري رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة، وأجازه الشيخ زين الدين ابن الشيخ خليل وغيره، وقال في الأنس الجليل: اشتغل في العلم في والده، وخطب المسجد الأقصى، وله نحو خمس عشر سنة، واستقر في الخطابة مشاركاً لبقية الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدين محمد. قال: وأعاد الخطيب شرف الدين بالمدرسة الصلاحية، وفضل، وتميز، وصار من أعيان بيت المقدس، وهو رجل خير من أهل العلم والدين لا يختلط بأحد، ولا يتكلم بين الناس بأمور الدنيا، وعنده فصاحة في الخطبة، وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون من يده ولسانه انتهى.
قلت: ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته، وكان والده من الأكابر يرحل للأخذ عنه، وكان صاحب الترجمة رجلاً مهيباً، وكانت وفاته في بيت المقدس سنة ست عشرة وتسعمائة، وفي ختام شعبان منها صلي عليه بجامع دمشق الأموي غائبة رحمه الله تعالى.
٦١٦ - موسى بن عبد الحق العنبري المؤذن: موسى بن عبد الحق، الشيخ شرف الدين المؤذن بالجامع الأموي، الشهير بالعنبري نقيب الفقهاء بدمشق. ولد في ذي الحجة سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وتوفي سنة خمس وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦١٧ - موسى بن عبد الغفار المالكي: موسى بن عبد الغفار، الشيخ الإمام، العالم العلامة شرف الدين المالكي خليفة الحكم العزيز بالقاهرة، وكاتب مستندات السلطان الغوري. مات يوم الجمعة خامس عشري رجب سنة اثنتي عشرة وتسعمائة.
٦١٨ - موسى بن علي الحوارني: موسى بن علي، الشيخ العالم الصالح شرف الدين الشهير بالحوارني الشافعي. كان يحفظ القرآن العظيم، والمنهاج، وكان يدرس فيه وفي القرارات بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، وكان رئيس سبع تاج الدين بمحراب الحنفية من الجامع الأموي. تفقه على شيخ الإسلام نجم الدين ابن قاضي عجلون، وكان يحفظ التصحيح الأكبر له، وسمع على البرهان الباعوني وغيره، ولي نظر الشبلية والإمامة بها، وكان يقريء بها سيرة ابن هشام كل يوم بعد العصر، ودرس بمدرسة أبي عمر سنين، وانتفع الناس به. قال ابن
стр. 303
طولون: وحضرت عنده مراراً. توفي بمنزله بمحلة الشبلية، ودفن بالصالحية ليلة الخميس حادي عشرة الجمادين سنة إحدى وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦١٩ - موسى بن العجمية: موسى، الشيخ شرف الدين بن العجمية، الدمشقي الشافعي أحد رؤساء المؤذنين بالجامع الأموي، وكان رجلاً صالحاً، محباً للصوفية، وامتحن في آخر عمره بذهاب ماله قيل: وكان نحو ألف دينار من خلوته بمدرسة الصادرية. توفي يوم السبت سادس ذي الحجة سنة ست وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربة باب الفراديس رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
حرف النون
من الطبقة الأولى: ٦٢٠ - نبهان بن عبد الهادي الصفوري: نبهان بن عبد الهادي، الشيخ، العالم الفاضل الصالح، العارف بالله تعالى الصفورفي الشافعي. ذكره شيخ الإسلام الوالد - رضي الله تعالى عنه - في معجم تلامذته. قال: وكان من عباد الله الصالحين، سريع الدمعة، خاشع القلب، ساكن الحواس. قرأ على الوالد ألفيته في التصوف كاملة، وحضر دروسي كثيراً، واستجازني فأجزته. مات - رحمه الله تعالى - في سنة ست وعشرين وتسعمائة. انتهى.
قلت: ذكر الحمصي في تاريخه أنه مات بصفورية، وصلي عليه بالجامع الأموي يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وتسعمائة، وترجمه الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد، وفي تاريخ ابن طولون أنه صلي عليه يوم الجمعة حادي عشري ربيع الآخر، وأنه مات بصفورية بعد توجهه من الشام من نحو شهرين وإن الذي صلي عليه في مستهل ربيع الآخر هو شيخ الإسلام بدر الدين السيوفي مفتي حلب مات بها رحمها الله تعالى.
٦٢١ - نسيم الدين الحنفي قاضي مكة: نسيم الدين قاضي مكة الحنفي. قال العلائي: كان فاضلاً، ذكياً، مستحضراً لكثير من المسائل، حافظاً لمتن المجمع، ديناً، فصيحاً، لطيفاً، عفيفاً لا يتناول على القضاء شيئاً البتة، وأخذ الفقه عن الشمس بن الضياء، وعن جماعة من المصريين وغيرهم، وتوفي بمكة سنة سبع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 304
٦٢٢ - نصر المجنوب: نصر الشيخ الصالح المجذوب. الصاحي الذي كان يركب الفيل بمصر أيام الغوري. كان ملامتياً عرياناً دائماً ليس عليه إلا سراويل من جلد، وطرطور من جلد، محلوق اللحية يشتم السلطان، فمن دونه، ويحتمل الناس، وكان يعطب على من ينكر ذلك ذكره الشعراوي وقال: صحبته سنة، ثم مات سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٢٣ - نصوح الطوسي: نصوح، الشيخ العارف بالله تعالى الطوسي. كان عالماً، صالحاً يحفظ القرآن العظيم، ويكتب الخط الحسن، ثم نسب إلى الطريقة الزينية، وخدم الشيخ تاج الدين القراماني، وبلغ عنده رتبة الإرشاد، وقعد على سجادة التربية بعد وفاة الشيخ صفي الدين في زاوية شيخه المذكور، ومات في وطنه سنة أربع أو ثلاث وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٢٤ - نعمة الصفدي: نعمة الصفدي، المجذوب الغارق في الجذب، قال الشيخ الكناوي: أصله من عرب بني صخر من غور بيسان، فمن الله تعالى عليه وجذبه، فسكن مدينة صفد قال: وكان رجلاً أسمر اللون، طويلاً، غليظ القطعة، له كرامات كثيرة، ومكاشفات زائدة يعرف بعضها أهل بلاده: منها أن نائباً كان بصفد في عصر الشيخ نعمة. قال له: بنيت لك تربة. فقال له الشيخ. نعمة: لذقنك، فعن قليل مات النائب، ودفن بها، ومنها أن النائب المذكور كان جائراً جباراً، فقبض على جماعة ظلماً، وأودعهم الحبس، فمر عليهم الشيخ نعمة يوماً، فاستغاثوا، به. قيل: كان بيده خيارة، وقيل: عقب خيارة، فرمى بها إلى باب الحبس، وكان عليه قفل كبير، فانكسر وانفتح باب السجن، فخرج المحبوسون، وفروا منهزمين إلى بلدانهم، فضج الناس لذلك، واعترى النائب خوف وذلة، وهاب الشيخ نعمة، وتأدب معه. مات بصفد سنة إحدى أو اثنتين وتسعمائة فيما ذكره الشيخ موسى، وفي تاريخ ابن طولون أنه مات قبل ذلك بنحو سنتين، وهو الأصح رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٦٢٥ - نهالي بن عبد الله: نهالي بن عبد الله المولى الفاضل، الشهير بهذا اللقب. قال في الشقائق: ولم نعرف اسمه. كان عتيقاً لبعض الأكابر. وقرأ في صغره مبادئ العلوم، ثم خدم العلماء، وفاق على أقرانه، ومهر في العربية والأصول والتفسير، وكان له نظم بالعربية
стр. 305
والتركية والفارسية، ووصل إلى خدمة المولى محمد بن الحاج حسن، ودرس بالمدرسة التي بناها المولى المذكور بالقسطنطينية، ثم بأسحلقيه أسكوب، ثم بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية، ثم فرغ عن التدريس، وسافر إلى الحج، فلما أتم الحج مرض فعاهد الله تعالى إن صح من مرضه لم يعاود التدريس، وندم على ما مضى من عمره في الاشتغال بغير الله تعالى، فأدركته المنية في مرضه ذلك، فتوفي بمكة المشرفة، ودفن بها في سنة خمس أو ست وتسعمائة رحمه الله تعالى.
حرف الواو
من الطبقة الأولى: ٦٢٦ - الوزيري: الوزيري القاضي المالكي بمصر. توفي بمصر سنة ثلاث وتسعمائة وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة تاسع عشر ذي الحجة منها رحمه الله تعالى.
حرف الهاء خال
حرف الياء التحتانية
من الطبقة الأولى: ٦٢٧ - ياسين الشافعي: ياسمين الشيخ الإمام، العلامة، الشافعي، شيخ المدرسة البيرية توفي في سادس عشري ذي الحجة سنة تسع وتسعمائة. استقر عوضه في المشيخة الشيخ العلامة كمال الدين الطويل الشافعي رحمه الله تعالى.
٦٢٨ - يحيى بن محمد بن سلطان: يحيى بن محمد الشيخ. العالم، الفاضل محيي الدين بن كمال الدين بن سلطان الحنفي. توفي بمكة المشرفة رابع عشر الحجة سنة خمس عشرة وتسعمائة. قال ابن طولون: ولم يكن ببيت ابن سلطان أولى منه رحمه الله تعالى.
٦٢٩ - يحيى بن إبراهيم الدميري: يحيى بن إبراهيم قاضي القضاة شرف الدين قاضي القضاة برهان الدين الدميري، القاهري آخر قضاة القضاة المالكية بالقاهرة المحمية الدولة الجركسية. كانت له شهامة ورئاسة ورفاهية في العيش. قدم مع الأشرف الغوري
стр. 306
دمشق، ودخل معه حلب، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وأخذ عنه ابن الحنبلي والده، وأجاز لهما - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - آمين.
٦٣٠ - يحيى بن أحمد الأخنائي: يحيى بن أحمد بن حسن بن عثمان العلامة أقضى القضاة محيي الدين ابن الشيخ شهاب الدين الزرعي: الشهير بالأخنائي الشافعي. خليفة الحكم العزيز بدمشق. ولد في خامس عشر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، وخطب مرة بالجامع الأموي عن قريبه قاضي القضاة نجم الدين ابن شيخ الإسلام تقي الدين ابن قاضي عجلون لضعف حصل للخطيب سراج الدين الصيرفي، فحصل له ارتعاد في الخطبة، وكان ذلك يوم الجمعة تاسع عشر شوال سنة أربع عشرة وتسعمائة، وكانت وفاته بعد ذلك بمدة يسيرة يوم الاثنين سابع القعدة من السنة المذكورة، وصلي عليه بالأموي، وحضر جنازته قضاة القضاة، وأعيان الناس وخلائق كثيرة، ودفن بباب الصغير عند والده وأخيه غربي القلندرية رحمه الله تعالى.
٦٣١ - يحيى بن علي المعروف بابن الشاطر: يحيي بن علي الشيخ المعمر، المنور، شرف الدين الحصكفي، ثم الحلبي الشافعي، المعروف بابن الشاطر، وبابن معلم سلطان بحصن كيفا. قال ابن الحنبلي: باشر صنعته في أول عمره بتقوى وديانة، ويلغ فيها ما لم يبلغه غيره من الكمال، ثم تركها، واشتغل بالطاعة والعبادة، وفعل الخير حتى كان هو السبب في إيصال الماء إلى محلة سويقة الحجارين بحلب، وذلك أنه سعى فيه عند يشبك الدوادار لما نزل على حلب متوجهاً إلى أخذ الرها من السلطان يعقوب بك ابن حسن بك، سمح له بخمسة عشر ألفاً، فصرفها في عمل الحوض الكائن بها الآن مع ما ضمه إليه أهل الخير من المال، وحج وجاور بالقدس الشريف قريباً من اثنتي عشرة سنة، وأكرمه بها كل الإكرام بالإنفاق عليه شيخ الإسلام الشمس محمد بن أبي اللطف الحصكفي الشافعي إلى أن قال: ولم يزل الشيخ شرف الدين على الخير والديانة والمبادرة إلى الطاعة، ومطالعة كتب القوم، والاحتفال بالنظر إلى أحياء علوم الدين إلى أن توفي بحلب سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة، ودفن خارج باب الفرج قبلي تربة الخرساني في قبر حفره لنفسه بيده شيئاً فشيئاً رحمه الله تعالى.
٦٣٢ - يحيى بن عبد الله الإربدي: يحيى بن عبد الله، الشيخ، الصالح، العالم بن الشيخ الصالح محيي الدين ابن الإربدي. ثم الدمشقي الصالحي المقري. ولد بإربد في العشر
стр. 307
الأول من رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة، وتوفي سابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربة ابن سلطان تحت المعظمية بسفح قاسيون عند قبر والده الشيخ صالح رحمه الله تعالى.
٥٣٣ - يحيى الشيخ شرف الدين بن العداس: يحيى الشيخ شرف الدين العداس إمام جامع شيخون بالقاهرة، وخطيبه وناظره. كان ذا نشاط، وبساط، وسماط، وبر لأصحابه. وقضاء لحوائجهم بحيث أدى به ذلك آخراً إلى تحمل شيء من الدين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٣٤ - يعقوب الحميدي الشهير بآجه: يعقوب الحميدي المولى العلامة الشهير بآجه خليفة أحد الموالي الرومية. خدم المولى علاء الدين الفناري، ودرس في عدة مدارس آخرها مدرسة مغنيسا، وهو أول مدرس بها، ومات عنها، وكان فاضلا صالحاً متصوفاً. له مهارة في الفقه ومشاركة في غيره ذو سمت حسن صحيح العقيدة. توفي سنة ثمان أو تسع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٣٥ - يعقوب ابن سيدي علي الرومي: يعقوب ابن سيدي علي أحد الموالي الرومية وشارح كتاب شرعة الإسلام رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٦٣٦ - يوسف بن المبيض: يوسف بن محمد، وقال ابن طولون: يوسف بن أحمد الشيخ العلامة، المحدث، الواعظ أبو المحاسن جمال الدين الشهير بابن المبيض الحمصي الأصل. قال ابن النعميمي: ثم المقدسي، ثم الدمشقي الشافعي أحد الوعاظ بدمشق، ومن شعره ما كتبه عنه ابن طولون من إملائه عاقداً للحديث المسلسل الأولية:
جاءنا فيما روينا أننا ... يرحم الرحمن منا الرحما
فارحموا جملة من في الأرض من ... خلقه يرحمكم من في السما
توفي بدمشق في يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة تسع وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله تعالى.
٦٣٧ - يوسف بن أي بكر بن الخشاب: يوسف بن أبي بكر بن علي بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن يوسف قاضي القضاة جمال الدين أبو المحاسن، الحلبي، الشافعي،
стр. 308
المعروف بابن الخشاب سبط ابن الوردي. ولد في خامس عشر شوال سنة سبع وستين وثمانمائة، وأخذ الفقه عن الفخر عثمان الكردي، والعربية عن العلامة قل دوريش، والعروض للتبريزي عن العلاء الموصلي، ولي قضاء طرابلس. قال الحمصي: ثم عزل منها، ثم ولي نيابة القضاء بالقاهرة، ثم وولي قضاء طرابلس. قال الحمصي: ثم عزل منها، ثم ولي نيابة القضاء بالقاهرة، ثم ولي نظر البيمارستان المنصور بها، ثم عزل منه، وسافر إلى مدينة إسكندرية، فتوفي بها يوم الاثنين ثامن عشري المحرم سنة إحدى عشرة وتسعمائة. قال ابن الحنبلي: سم دسه عليه بعض أعدائه، ثم نقل إلى تربته التي أعدها لنفسه بالقاهرة رحمه الله تعالى.
٦٣٨ - يوسف بن إسكندر بن البجق: يوسف بن إسكندر بن محمد بن محمد بن قاضي القضاة جمال الدين أبو المحاسن، الحلبي، الحنفي المشهور والده بالخواجا ابن الحق وهو ابن أخت المحب ابن أجا كاتب السر. اشتغل بالفقه وغيره على الزيني عبد الرحمن بن فخر النساء وغيره، وسمع على الجمال إبراهيم القلقشندي أربعين حديثاً خرجها بعض الفضلاء عن أربعين شيخاً من مشايخه، وعلى المحب أبي القاسم محمد بن جوباش بن عبد الله الحنفي جميع سيرة ابن هشام، وأجاز له كل منهما ما يجوز له، وعنه روايته، وتولى القضاء بحلب بعناية خاله، ثم ولي في الدولة الرومية تدريس الحلاوية، ووظائف أخرى، ثم رحل إلى القاهرة وتولى مدرسة المؤيدة بها، وسار فيها السيرة المرضية، وكان له شكل حسن، وشهامة، ورئاسة، وفخامة، وألف رسالة في تقوية مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه - في عدم رفع اليدين قبل الركوع وبعده وامتدحه العلاء الموصلي بقصيدة طولى مطلعها:
الورد من وجنات خدك يقطف ... والشهد من جنبات ثغرك يرشف
وقوامك المياس أزهى إن ثنى ... عطفيه من غصن الخلاف وأهيف
إلى أن قال:
فعل المدام بمقلتيه ولونها ... في خده، والثغر فيه القرقف
لقوامه الخطي ينتسب القنا ... وللحظه الهندي يعزى المرهف
هجر المحب، وقد بدا في صدغه ... واوات صدغ للمحبة تعطف
قالوا: فصفه وزد لنا في وصفه ... فأحببت والشمس المنيرة توصف
стр. 309
قمر منير بدر، تم طالع ... حلو الشمائل، والكلام مهفهف
رشأ غزال ذو ألتفات أكحل ... ريم الفلاة غزير طرف أوطف
لا أنثني لا أنتهي عن حبه ... يوماً وإن نام الوشاة وعنفوا
لكن براعة مخلص من حبه ... قاض القضاة أبو المحاسن يوسف
ثم قال:
أهدت له أخلاقه طيب الثنا ... فثناؤه كالمسك بل هو أعرف
وبجوده ووجوده حلب سمت ... وبخاله عز المليك الأشرف
حج صاحب الترجمة من القاهرة، ثم قدمها موعوكاً، فمات بها ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر سنة تسع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
٦٣٩ - يوسف بن حسن بن المبرد الحنبلي: يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي، الشيخ الإمام العلامة، المصنف، المحدث جمال الدين الشهير بابن المبرد الصالحي، الحنبلي، ولد سنة أربعين وثمانمائة قرأ القرآن على الشيخ أحمد الصفدي الحنبلي وجماعة ثم على الشيخ محمد، والشيخ عمر العسكريين، والشيخ زين الحبال، وصلى بالقرآن ثلاث مرات، وقرأ المقنع على الشيخ تقي الدين الجراعي، والشيخ تقي الدين بن قندس، والقاضي علاء الدين المرداوي، وحضر دروس خلائق منهم القاضي برهان الدين بن مفلح، والشيخ برهان الدين الزرعي، وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر، وابن العراقي، وابن البالسي، والجمال بن الحرستاني، والصلاح بن أبي عمر، وابن ناصر الدين وغيرهم، وكان الغالب عليه علم الحديث والفقه، وشارك في النحو والتصريف والتصوف والتفسير، وله مؤلفات كثيرة وغالبها أجزاء ودرس وأفتى، وله نظم ليس بذاك، وقد ألف تلميذه الشيخ شمس الدين بن طولون في ترجمته مؤلفاً ضخماً وقفت عليه في تعاليقه، وكانت وفاة صاحب الترجمة يوم الاثنين سادس عشر المحرم سنة تسع وتسعمائة، ودفن بسفح قاسيون، وكانت جنازته حافلة رحمه الله تعالى.
стр. 310
٦٤٠ - يوسف بن حمدان الدوبائي الرحبي: يوسف بن حمدان بن حسن القاضي جمال الدين الدوبائي، الرحيب، الدمشقي، الشافعي. ولد عشية الأحد تاسع عشر جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وثمانمائة بالتربة المنجكية بمحلة مسجد الذبان. قال النعيمي: اشتغل قليلاً، ثم فوض إليه القاضي ولي الدين ابن الفرفور نيابة الحكم يوم الخميس عاشر صفر سنة سبع عشرة وتسعمائة انتهى.
قلت: وكان خطه حسناً إلى الغاية. كتب شرح الروض للقاضي زكريا، وعندي النصف الأولى منه جزئين، وكانت وفاته ليلة الأربعاء ثاني عشر ربيع الثاني سنة سبع وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٤١ - يوسف بن مزهر: يوسف ابن القاضي جمال الدين ابن القاضي زين الدين بن مزهر كاتب الأسرار الشريفة بمصر. شنق نفسه يوم الثلائاء سابع ربيع الثاني سنة ست عشرة وتسعمائة. ذكره الحمصي.
٦٤٢ - يوسف الحمامي المصري: يوسف، الشيخ الإمام العالم القاضي جمال الدين الحمامي المصري، المالكي، قال الحمصي: كان صالحاً مباركاً، وباشر نيابة الحكم العزيز بمصر القاهرة، وتوفي بها سابع عشر شعبان سنة إحدى عشرة وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٤٣ - يوسف الشهير بشيخ بستان: يوسف العالم الفاضل المولى الحميدي، المشهور بشيخ بستان الرومي الحنفي اشتغل بالعلم أشد الاشتغال، ولم يكن ذكياً لكن كان طبعه خالصاً من الأوهام، وصار معيداً عند قاضي زاده، ثم وصل إلى خدمة خوجه زاده، ثم صار مدرساً ببعض المدارس، ثم بمدرسة أحمد باشا بن ولي الدين ببروسا، ثم عزل عنها، وكان ساكناً بروسا في بعض رباطاتها متجرداً عن العلائق، راضياً بالقليل من العيش، ولم يتزوج، وله حواش على شرح المفتاح للسيد مقبولة، توفي سنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة رحمه الله تعالى.
٦٤٤ - بوصف بن الصرخدي: يوسف بن الصرخدي، التاجر، الدمشقي. كان حافظاً لكتاب الله تعالى ملازماً للجامع الأموي، وانقطع إلى الله تعالى، ولازم العبادة، وكانت وفاته بدمشق ثالث عشر شعبان سنة سبع عشرة وتسعمائة، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى.
стр. 311
٦٤٥ - يوسف الخشاب الحلبي: يوسف الخشاب، الحلبي، المعروف بالمجاور لمجاورته بمكة سنين. كان ديناً بنى مسجداً بحلب بالقرب من ساحة ابن بزا يعرف بمسجد المجاور دعي إلى وليمة، فغص بلقمة، فمات من ساعته وذلك في سنة ثمان وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٤٦ - يوسف السلموني: يوسف، الشيخ الفاضل جمال الدين السلموني شاعر مصر وأديبها. كان هجاء بالغ الهجاء، ووقع له واقعة بسبب ذلك في سنة إحدى عشرة وتسعمائة، وهي أنه هجا القاضي معين الدين بن شمس وكيل بيت المال بمصر هجواً فاحشاً منه هذا البيت:
وحرفته فاقت على كل حرفة ... يركب ياقوتاً على فص خاتمه
فلما بلغ معين الدين ذلك شكا السلموني إلى السلطان الغوري، فقال: إن وجب عليه شيء في الشرع أدبه، فنزل من عند السلطان، ومسك السلموني في الحديد، وأتى به إلى بيت القاضي سري الدين عبد البر بن الشحنة، وادعى عليه، فضربه عبد البر وعزره وأشهره على حمار، وهو مكشوف الرأس، وقد ورد أن سيدنا عمر ابن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أول من عاقب على الهجاء، وقال بعض فضلاء مصر في واقعة السلموني:
وشاعر قد هجا شخصاً فحل به ... من حاكم الشرع توبيخ وتعزير
فأشهروه وجازوه بفعلته ... تباً له شاعر بالهجو مشهور
فلما بلغ السلطان ما فعله ابن شمس بالسلموني شق عليه ذلك، وأمر بقطع لسانه، فإنه قال: رسم السلطان لي بأني أشهر السلموني، ولم يكن السلطان رسم بذلك، واستمر ابن شمس في الترسيم مدة طويلة حتى أرضى السلطان بمال له صورة، فرضي عنه، وألبس خلعة، ثم أن السلموني هجا القاضي عبد البر بقصيدة طويلة أفحش فيها مطلعها:
فشا الزور في مصر، وفي جنباتها ... ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها؟!
وذكر الحمصي في تاريخه في شوال سنة عشر وتسعمائة أن الجمال السلموني جاء إلى بيت القاضي شهاب الدين بن الفوفور ليسلم عليه، فمنعه عز الدين القسلتي من الدخول، فغضب وكتب رقعة وجهزها للقاضي، وفيها هذه الأبيات:
ببابكم كلب عقور مسلط ... عديم الحيا والعقل في البعد والقرب
أقمتوه صداً للفقير ملالة ... ولم تذكروا بين الورى نعم الرب
стр. 312
يظن بجهل منه أن مجيئنا ... إليكم لأجل النيل والأكل والشرب
ولم يعلم المفتون أن نفوسنا ... لها شرف يسمو على السبعة الشهب
وليس الغنى بالمال قال نبينا ... ولكن غناء النفس مع عدم الكسب
وما جئتكم والله إلا مهنئاً ... لأني من بعض المحبين والصحب
تذكرت لما أن أتيت وصدني ... مقالة بعض الناس في معرض العتب
ومن يربط الكلب العقور ببابه ... فإن بلاء الناس من رابط الكلب
فلما وصلت الرقعة إلى القاضي عرف أنها من السلموني وأن عز الدين منعه من الدخول، فتف عليه، ووضع في ورقة عشرة دنانير، ودفعها إلى السلموني، وأوصى البواب أن لا يمنعه من الدخول، وإن أراده كل يوم عشر مرات، والظاهر تأخر وفاة السلموني عن سنة ثلاثين، فإني تتبعت الجزء الذي وقفت عليه من تاريخ الحمصي إلى السنة المذكورة، ولم يؤرخ وفاته فيه مع تقيده بمثل ذلك غاية التقييد.
٦٤٧ - يوسف ابن سويد كين: يوسف، الشيخ جمال الدين المعروف بابن سويد كين القدسي، ثم الدمشقي أحد العدول بدمشق. تربى وتخرج بزوج خالته، الشيخ العلامة شهاب الدين بن رسلان، وروى عنه قال النعيمي: وهو آخر من روى عن الزين القباني عن ابن الخباز عن النووي. توفي في آخر رمضان سنة أربع وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٤٨ - يوسف الشهير بقاضي بغداد: يوسف العالم الفاضل المولى قوام الدين الشهير بقاضي بغداد كان من بلاد العجم من مدينة شيراز وولي قضاء بغداد مدة فلما حدثت فيه فتنة ابن أردبيل ارتحل إلى ماردين، وسكن بها، ثم رحل إلى بلاد الروم، فأعطاه السلطان أبو يزيد خان سلطانية بروسا، ثم إحدى الثماني، وكان عالماً، متشرعاً، زاهداً، وقوراً. صنف شرحاً على التجريد جامعاً لفوائد، وشرحاً على نهج البلاغة، وكتاباً جامعاً لمقدمات التفسير وغير ذلك. وتوفي في أوائل دولة السلطان سليم خان رحمه الله تعالى.
٦٤٩ - يونس بن محمد التركماني: يونس بن محمد الأمير يونس بن المبارك التركماني الصالحي. مات عشية ليلة الخميس خامس جمادى الأولى سنة عشر وتسعمائة رحمه الله تعالى.
٦٥٠ - يونس بن محمد العجلوني: يونس بن محمد الشيخ شرف الدين الجابى،
стр. 313
الشهير بالعجلوني الدمشقي الشافعي أحد المباشرين بالجامع الأموي. ولد في خامس عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثمانمائة، وطلبه السلطان الغوري في جملة مباشري الجامع للتفتيش عليهم، ثم رجعوا وقد عمل عليهم أربعة آلاف دينار، ووصلوا إلى دمشق في خامس عشر شعبان سنة ست عشرة وتسعمائة، فمات الشيخ شرف الدين يوم الجمعة سابع عشري شعبان السنة المذكورة، ودفن بباب الفراديس رحمه الله تعالى.
٦٥١ - يونس الحرافيش: يونس بن محمد بن شعبان، الشيخ العلامة شرف الدين بن سلطان الحرافيش بدمشق، قال ابن طولون: كان من المتغفلين في المجالس، ولكن حصل به النفع في آخر عمره بملازمة المشهد الشرقي بالجامع الأموي لإقراء الطلبة، وكان في ابتداء أمره شاهداً تجاه باب المؤيدية، وكانت وفاته يوم الأربعاء حادي عشري جمادى الآخرة سنة تسع - بتقديم المثناة - وعشرين وتسعمائة. قال ابن طولون: وصلى عليه التقوى بالبلاطسي ضحوة النهار بالجامع الأموي، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى.
٦٥٢ - يونس الهمداني: يونس بن إدريس بن يوسف، الشيخ الصالح، المسلك شرف الدين الحلبي، ثم الدمشقي الشافعي الصوفي الهمداني الخرقة. ولد بمدينة حلب في سنة سبع وستين وثمانمائة، واشتغل على جماعة في عدة فنون، وتوجه إلى مكة ثلاث مرات، وجاور في حدود الثمانين، وسمع بها الحديث على الحافظ شمس الدين السخاوي، والإمام محب الدين الطبري، وقرأ على ولده الإمام أبي السعادات في النحو، ولبس الخرقة الهمدانية، وتلقن الذكر من السيد عبيد الله التستري الصوفي الهمذاني، وصار له أتباع كثيرون يتداولون الأوراد الفتحية بالمدرسة الرواحية بحلب. قال ابن الحنبلي: وكان السبب في كثرة مريدة مزيد ظلم بحلب أفضى إلى أن كثيراًمن المتهمين والزعار اتبعه، وصار إذا صدر منه فساد، وقبض عليه كافل حلب استشفع به، فساء ذلك كافل حلب، فبلغه فلم يسعه المكث بها، فهاجر إلى دمشق قال الحمصي: كانت إقامته بدار الحديث بقرب قلعة دمشق. انتهى.
وهي دار الحديث الأشرفية، وقد ولي النووي - رحمه الله تعالى - تدريسها ومن شعر صاحب الترجمة مشيراً إلى ذلك ولا يخفى ما فيه:
إن دار الحديث طابت بمولى ... كان قطب الوجود حين تولى
رحمة الله سابغة عليه ... أس شرع النبي قولاً وفعلاً
стр. 314
ولو قال ﵀: لا تزال عليه حاز شرع النبي قولاً وفعلاً. سلم له وزن البيت الثاني، وكان معناه صحيحاً، ولعله قال كذلك، ولكن أوردته كما رأيته، وكانت وفاته بدمشق يوم الاثنين عشري شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة رحمه الله تعالى.
стр. 315
الطبقة الثانية
من الكواكب السائرة، في مناقب أعيان المائة العاشرة فيمن وقعت وفاتهم من أعيان البارعين من مفتتح سنة أربع وثلاثين إلى مختتم سنة ست وستين
المحمدون
محمد بن محمد الغزي
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن بدري بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوي بن شداد بن عاد بن مفرج بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن علي بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، المحقق المدقق العلامة، العمدة الحجة الفهامة، القاضي رضي الدين أبو الفضل بن رضي الدين الغزي الأصل، الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، العامري القرشي الشافعي جدي لأبي ولد صبيحة اليوم العاشر من ذي القعدة الحرام سنة اثنتين وستين وثمانمائة، وتوفي والده شيخ الإسلام رضي الدين أبو البركات وسنه إذ ذاك دون السنتين، وأسند وصايته عليه إلى شيخ الإسلام زين الدين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي الشافعي شيخ الشافعية بدمشق، فرباه أحسن تربية، وكفله أجمل كفالة إلى أن ترعرع وطلب العلم بنفسه مشمراً عن ساق الاجتهاد،
стр. 316
وسالكاً أقوم مسالك الرشاد، مؤثراً لطريقة التصوف على سبيل التجرد منعزلاً عن الناس في زاوية جده لأمه ولي الله القطب الرباني العارف بالله والداعي إليه سيدي الشيخ أحمد الأقباعي بعين اللؤلؤة خارج دمشق. إلى أن برع في علمي الشريعة والحقيقة، وسلك في كل منهما أكمل طريقة، ولازم الشيخ خطاب مدة حياته وانتفع به وتفقه عليه، ثم تزوج بابنة الشيخ خطاب أخراً بالتماس من أبيها، ولزم أيضاً الشيخ محب الدين بن محمد بن خليل البصروي شيخ الشافعية في زمانه، وأخذ عنه الفقه والحديث والأصول والعروض، ثم لزم الشيخ برهان الدين الزرعي، وأخذ عنه الحديث وغيره وولده العلامة المحقق شهاب الحين أحمد، وأخذ عنه المعقولات والمعاني والبيان والعربية. وممن تفقه بهم أيضاً شيخ الشافعية وابن شيخهم البدر ابن قاضي شهبة، والشيخ الأوحد ولي الله شمس الدين محمد بن حامد الصفدي، والشيخ الأكمل شيخ الإسلام النجم ابن قاضي عجلون، وأخوه شيخ الإسلام تقي الدين أبو بكر، والشيخ الإمام خليل اللدي إمام الجامع، وكذلك الشيخ الصالح المقريء إبراهيم بن أحمد القدسي. قرأ عليه وهو صغير القرآن العظيم والمنهاج حفظاً وحلاً، وأخذ الحديث وعلومه أيضاً عن الشيخ الإمام المعمر الأوحد برهان الدين الناجي، والشيخ الصالح العالم زين الدين عبد الرحيم ابن الشيخ خليل القابوني إمام الجامع الشريف الأموي، والشيخ المسند بدر الدين حسن بن شهاب، والشيخ الإمام الحافظ الناقد الحجة برهان الدين البقاعي، وأخذ عنه العربية أيضاً، وقرأ عليه الكتب الستة، وشرح ألفية الحديث للعراقي للمصنف، ونخبة الفكر وشرحها لابن حجر، وغالب مؤلفاته كالمناسبات وغيرها، وكذلك الشيخ الإمام العلامة حسن بن حسن بن حسين الفتحي الشوازي رفيق بن الجزري، وصاحب الحافظ ابن حجر قرأ عليه الحديث المسلسل بالأولية، وسورة الصف وغير ذلك، وسمع منه كثيراً من مروياته، والعلامة برهان الدين الباعوني، وقرأ على العلامة المحقق منلا زاده الخطابي صاحب المؤلفات الشهيرة شرح الشمسية والمتوسط وغيرهما، واجتمع بالشيخ عبد المعطي المكي، وسيدي الشيخ أحمد بن عقبة اليمني، والشيخ العارف بالله تعالى محمد المذكور اليمني وغيرهم، واصطحب مع سيدي الشيخ أبي العون الغزي، وسيدي علي بن ميمون المغربي وغيرهما.
وممن أخذ عن الشيخ رضي الدين رضي الله تعالى عنه ولده شيخ الإسلام بدر الدين والدي، وسيدي الشيخ أبو الحسن البكري، وشيخ الإسلام أمين الدين بن النجار إمام جامع الغمري بمصر، وشيخ المسلمين العلامة السيد عبد الرحيم العباسي المصري، ثم الإسلام بولي، والعلامة بدر الدين العلائي، وقد كان - رحمه الله تعالى - ممن قطع عمره في العلم طلباً
стр. 317
وإفادةً وجمعاً وتصنيفاً. أفتى ودرس، وولي القضاء نيابة عن قريبه قاضي القضاة القطب الخيضري، وسنه إذ ذاك دون العشرين سنة، ثم عن قاضي القضاة شهاب الدين الفرفوري، ثم عن ولده القاضي ولي الدين بعد أن تنزه عن الحكم، ثم ألزم به من قبل السلطان سليم خان على لسان نائبه بالمملكة الشامية وغيرها فرهات باشا وإياس باشا، وكان لهما فيه مزيد الاعتقاد، وباشر مدة ولايته القضاء بعفة ونزاهة وطهارة يد ولسان وقيام في الحق. يقضي على من عساه يكون لا يحابي أحداً ولا يماريه لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو آخر قضاة العدل وله من المؤلفات الدرر اللوامع، نظم جمع الجوامع، في الأصول، وألفية في التصوف سماها الجوهر الفريد، في أدب الصوفي والمريد وألفية في اللغة نظم فيها فصيح ثعلب وألفية في علم الهيئة، وألفية في الطب، ومنظومة في علم الخط، ونظم رسالة السيد الشريف في علمي المنطق والجدل، ووضع على نظمه شرحاً نفيساً، وألف مختصراً في علمي المعاني والبيان سماه بالإفصاح، عن لب الفوائد والتلخيص والمصباح، ووضع عليه شرحاً حافلاً، وشرح أرجوزة البارزي في المعاني والبيان أيضاً، وشرح عقيدة جمع الجوامع، ونظم عقائد الغزالي، وعقائد لبعض الحنفية، ونخبة الفكر لابن حجر في علم الحديث، وقلائد العقيان في مورثات الفقر والنسيان للشيخ إبراهيم الناجي، وألف كتاب الملاحة، في علم الفلاحة، وغير ذلك، وله شعر رائق، ونظم فائق، وأكثر في تقبسه النصائح والحكم والحقائق، أوردت منه نبذة في كتابي المسمى بلغة الواجد واستوفيت غالبه في شرحي على الفتية في التصوف، ومنه قوله نظماً مضمناً:
ما كان بكر علومي قط يخطبها ... إلا ذوو جدة بالفضل أكفاء
وغض منه ذوو جهل معاندة ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وقوله أيضاً:
يا جاهلا وهو لأهل العلم لا يسلم
ارجع إلى الحق وإن سئلت قل: لا أعلم
وقوله رضي الله تعالى عنه:
يا طالب الله حقاً ... اخرج إلى الله عنكا
وإن خرجت فناد ... استغفر الله منكا
стр. 318
وأجاب عن اللغز المشهور في الفرائض وهو:
ثلاثة أخوة لأب وأم ... وكلهم إلى خير فقير
أصابهم صروف الدهر يوماً ... وكان لميتهم مال كثير
فحاز الأكبران الثلث منه ... وباقي المال أحرزه الصغير
بقوله:
ثلاثة أخوة لأب وأم ... تزوج بنت عمهم الصغير
له من إرثها نصف بفرض ... وسدس بالعصوبة يا خبير
قال شيخ الإسلام الوالد - رحمه الله تعالى: - وقد رأيت قبل موته بأيام قليلة رسول الله ﷺ في المنام، ومعه جماعة من الصحابة، وهو يقول: جئنا لنحضر تجهيز والدك. قال: فكاشفني على ذلك، قلت: وله كرامات ومكاشفات كثيرة بينا جملة منها في بلغة الواجد.
وكانت وفاته رضي الله تعالى عنه في شوال سنة خمس وثلاثين وتسعمائة عن ثلاث وسبعين سنة وصلى عليه ولده الوالد بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة الشيخ أرسلان رضي الله تعالى عنه، وكانت جنازته حافلة. سئل شيخ الإسلام الوالد - رحمه الله تعالى - هل يبقى تصرف الولي بعد موته. فقال: نعم يتفق ذلك لكثير من أولياء الله تعالى، واشتهر ذلك عن جماعة منهم الشيخ عبد القادر الكيلاني، والشيخ أرسلان وغيرهما. قال: وأنا اتفق لي أني كنت إذا زرت والدي أتصدق عند قبره بشيء، فكان يجتمع علي الفقراء متى زرته لما علموا أن ذلك من عادتي، فزرته يوماً، فاجتمع الفقراء للصدقة، فتفقدت الكيس، فإذا قد نسيته في البيت، فتوجهت إلى روحانية الشيخ الوالد فإذا على قبره شيء من الدراهم، فتناولته ودفعته إلى الفقراء.
محمد بن محمد الدلجي
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الدلجي العثماني الشافعي. ولد سنة ستين وثمانمائة تقريباً بدلجة، وحفظ القرآن العظيم بها، ثم دخل القاهرة، فقرأ التنبيه وغيره، ثم رحل إلى دمشق أقام بها نحو ثلاثين سنة، وأخذ عن البرهان البقاعي، والحافظ برهان الدين الناجي، وقاضي
стр. 319
القضاة قطب الدين الخيضري، والقاضي ناصر الدين بن زريق الحنبلي، والإمام المحدث شمس الدين السخاوي، وسافر إلى بلاد الروم، واجتمع بسلطانها أبي يزيد خان، وحج من بلاد الشام، وعاد إلى مصر القاهرة، وكتب شرحاً على الخزرجية، وشرحاً على الأربعين النواوية، وشرحاً على الشفاء للقاضي عياض، وشرحاً على المنفرجة، واختصر المنهاج والمقاصد وسمي الثاني مقاصد المقاصد، وشرحه وأخذ عنه جماعة. قال الشيخ المحدث نجم الدين الغيطي سمعت عليه كثيراً، وأجاز لنا القرآن العظيم عن رسول الله ﷺ مناماً عن جبريل عن رب العزة جل وعلا، فإنه رأى رسول الله ﷺ في المنام بمكة، وقرأ عليه أوائل سورة النحل. توفي بالقاهرة سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
محمد بن محمد بن بلال
محمد بن محمد بن محمد، الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله عرف بابن بلال، العيني الأصل، الحلبي الحنفي. ولد بحلب سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة، ولزم المنلا قل درويش أربع سنوات في علو شتى، وقرأ أيضاً على منلا مظفر الدين الشيرازي، والبرهان الفرضي، والمنلا دران، والبدر السيوفي وغيرهم، ثم لازم الإفتاء والتدريس والتأليف بجامع حلب. حتى أسن، فانقطع في منزله، وأكب على التصنيف في علوم متنوعة إلا أنه كان لا يسمح بتآليفه، ولم تظهر بعده وكان كثير الصيام والقيام لا يمسك بيده درهماً ولا ديناراً، وكان وقوراً مهيباً، نير الشيبة، كثير التواضع، وكان يلازم لبس الطيلسان، وكان له قوة ذكاء، ومزيد حفظ، ورسوخ قدم في العربية والمعقولات، وأصابه مرة فالج وعوفي منه، وحج وجاور ودخل القاهرة، ثم كانت وفاته بحلب سنة سبع وخمسين وتسعمائة، ودفن بمقابر الحجاج، وأوصى أن يغسله شافعي وأن يلقن في قبره - رحمه الله تعالى -.
محمد بن محمد الذهبي
محمد بن محمد بن علي، الشيخ الإمام العلامة
стр. 320
المسند سعد الدين الذهبي المصري الشافعي، مولده سنة خمسين وثمانمائة، وكان عالماً صالحاً زاهداً يختم القرآن كل يوم ختمة مع اشتغال الطلبة، وكان له خلق واسع إذا تجادل الطلبة في شيء اشتغل بالتلاوة حتى يفرغ جدالهم، وكان يقضي حوائجه بنفسه، ولا يدع أحداً يحمل له متاعاً، وكان كثير الصدقة، وأوصى بمال كثير للفقراء والمساكين، وممن أخذ عنه القاضي أبو البقاء بن جيلان، والشيخ شمس الدين الفلوجي، ثم الدمشقي قرأ عليه في الأصول والفقه وغيرهما، وأجاز لسيدي محمد، وأبيالوفاء ولدي الشيخ علوان الحموي. وكانت وفاته في سنة تسع - بتقديم المثناة - وثلاثين وتسعمائة بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر، وصلي عليه غائبة بجامع دمشق، يوم الجمعة سادس عشري ذي القعدة من السنة المذكورة.
محمد بن محمد بن قاضي عجلون
محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد ابن الشيخ الإمام العالم الصالح، أقضى القضاة، أبو اليمن ابن القاضي محب الدين ابن قاضي عجلون، كان من العلماء الكمل، والصلحاء الكبار له في اليوم والليلة ختمات لكتاب الله تعالى، لا يفتر عن القراءة في ممشاه، وقعوده، نير الوجه، حسن الشكل، ولي القضاء مدة سنين، نيابة عن ابن عمه قاضي القضاة، نجم الدين شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون، وكان يباشر عنه الخطابة بالجامع الأموي قال والد شيخنا وكان الشيخ أبو اليمن يلبس الثياب الحسنة، وفي آخر عمره طرح التكلف، ولبس الخشنة، واستوى عنده كلاهما، وتخرج به الناس كثيراً مع ما هو عليه من تلاوة القرآن العظيم، توفي بعد العشاء ليلة الخميس سابع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وتسعمائة، وصلي عليه في الجامع لأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير بتربة أهله قريباً من قبر عمه شيخ الإسلام تقي الدين.
محمد بن محمد بن البيلوني
محمد بن محمد بن حسن الشيخ الفاضل شمس الدين أبو البركات ابن الشيخ العلامة شمس الدين أبي عبد الله البابي الأصل، الحلبي لشهير كأبيه بابن البيلوني إمام السفاحية، سمع بقراءة أبيه على الكمال بن الناسخ، من أول صحيح البخاري إلى تفسير سورة مريم، وسمع على الزين الشماع الشمائل للترمذي، وأجاز له، وقرأ على العلاء الموصلي شرح الألفية لابن عقيل، وكان يدرس أحيانا بالحجازية، وكان له حظوة عند قاضي حلب عبيد الله سبط ابن الفناري، وكان له حركة، وسعي في تحصيل الدنيا، فعرض له شيخه ابن الشماع في ذلك، فذكر أنه إنما يطلب الدنيا للاكتفاء عن الحاجة
следующие страницы →