على أنَّ الفرَّاء١ قد حكى: "رُيَّة "في "رُؤْيَة"٢.
وسمع الكسائي٣: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّيَّا تَعْبُرُونَ﴾ ٤ وهذا من الاعتداد بالعارض فلا يقاس عليه.
فإن كان السابق مبدلاً بدلاً لازماً في اسم لا يناسب الفعل فحكمه حكم الأصلي كمثال "إنْفَحَة"٥ من "أوب"٦ أصله: إِئْوَبَة، ثُمَّ:
стр. 142
إيْوَبَة، ثُمَّ: إيَّبَة، "ولا تفعل"١ ذلك بمثل "احْمَرَّ"٢ منه وأصله: إئَوبُّ ثُمَّ تبدل الهمزة الساكنة ياء؛ لسكونها بعد مكسورة فيقال: إيْوَبُّ، ولا يعمل به ما عمل إيْوَبَةٍ، حين قيل فيه: إيَّبَةٍ؛ لأنَّه اسم جامد لا يلزم نقله إلى صيغة تصحُّ فيه الهمزة، بخلاف مثال "احْمَرَّ "فإنَّه لا يستغنى فيه عن المضارع واسم الفاعل فيقال: يَأْوَبُّ فهو مُؤْوَبٌّ، فكان التقاء الياء والواو في "أيْوَبَّ "شبيهاً بالتقائهما في "إيْوَاء٣، وبُويِع"٤ فلم يختلفا في الحكم.
فأمَّا لو كان التقاء الواو والياء في كلمتين فلابدَّ من التصحيح؛ لأنَّ التقاءهما حينئذٍ عارض، نحو: "لَوْ يَمَّمْت"و "لَدَيْ واصل"٥.
ومن العرب من يحمل التصغير على التكسير فَيَقُول: جُدَيْولِ في تصغير جَدْول٦ واللغة الجيدة جُدَيِّل٧، وكذلك ما أشبهه مما صحت
стр. 143
الواو في جمعه على مثال مفاعل (١) .
و"أمَّا ضَيْون (٢) ، ويَوْمٌ أَيْوَمٌ" (٣) ، ونحوهما فيحفظ على شذوذه (٤) ، ولا يقاس عليه ولا يغير عن حاله.
стр. 144
فصل [إبدال الواو ياء في الجمع على فُعُول]
إذا جمع ما لامُه واوٌ على فُعُول أبدلت لامه ياء ووجب للواو التي قبلها ما ذكر آنفاً من إبدالٍ وإدْغامٍ نحو:"دُلِيّ وعُصِيّ" في جمع"دَلْوٍ" و"عصا"، وفي الفاء التخيير بين الضم والكسر (١) .
стр. 145
وكذلك كل فاء مضمومة تليها ياء مدغمة في ياء هي لام ك "لُيٍّ "جمع "ألوى"١، وقد يجيئ هذا الجمع مصححاً كـ"أُبُوٍّ" و"نُحُوٍّ" في جمع "أبٍ، ونَحْو"٢. إن لم تكن عينه واواً كلامه كجوّ٣ لو جُمِعَ على فُعُول.
وشذ تغليب الواو في قولهم:"فُتِيٌّ وفُتُوٌّ"٤ "حكاه"٥ الفراء، ويمكن أن يكون فتوّ على لغة من قال في التثنية: فتوان حكاه يعقوب٦ فلام فتى على هذه /"١٣-أ) اللغة واو، والأعرف كونها ياء لإجماع العرب على فِتْيَة وفِتْيَان٧.
فإن كانت الواو لام "مَفعُول "أو لام "فُعُول "مصدراً أو عين "فُعَّل
стр. 146
"جمعاً جاز الإعلال. والتصحيحُ أكثر ك "مَعْدُوٍّ ومَعْدِيٍّ"١ و "عُتُوٍّ وعُتِيٍّ"٢، و"صُوَّمٍ وصُيَّم"٣.
وربما أُعِلَّ فُعَّال كـ"نُيَّام"٤؛ والتزم تصحيح فُعُول كـ"عُدُوٍّ"٥. و"عُفُوٍّ"٦٧؛ لأنَّه لو أعل الإعلال المذكور التبس بفَعِيل كـ"جَلِيٍّ"٨ و"زَكِيٍّ"٩بخلاف"فُعُول ومَفْعُول "فإنَّ التباسهما بغير بنائهما مأمون؛ إذ ليس في الكلام"فُعِيل، ولا مَفْعِيل" إلاَّ ما ندر كـ"مَسْكِين"١٠. فإذا ظُفِرَ بما يوازنهما عُلِمَ أنَّه مُغَيَّر عن أصله، ك"بُكِيٍّ"١١. "مَكنِيٍّ"١٢.
فإنْ كانت الواو في فُعُول أو مَفْعُول بدلاً من همزة امتنع الإعلال
стр. 147
المذكور نحو: قُرُوء في لغة مَنْ خَفَّف فقال: قُروٌّ ومَقْروُّ١. أمَّا قول الشاعر٢:
... ... ... ... ... ... كورهاء مَشْنِيٌّ إليها حليلها٣
فبناه على شَنِئَ بإبدال الهمزة ياءً٤؛ لأنَّها مفتوحة بعد كسرة، وقد حُكِيَ أنَّ من العرب مَنْ يقول: كَلَيْتُه بمعنى كلأته، ومَكْلِيٌّ بمعنى مَكْلُوٍّ٥ - أي محفوظ، فَشَنِئٍ أولى بذلك لكسر عينه، ولو جعل هذا مطرداً - أعني إبدال الهمزة ياءً إذا كانت لام مَفْعُول من فِعْلٍ على فَعِل كَشَنِئ - لكان صواباً.
وكذلك إذا بنى على "فُعِل" وكان أصله "فَعَل "- بفتح العين - فليس ذا بأبعد"٦ من قول مَنْ قال: "مَشيب، ومَهُوب" حملاً على
стр. 148
"شِيبَ١ وهُوبَ"٢ وهما من "الشوب والهيبة"٣.
وهذا مُنَبِّهٌ على أنَّ إعلال "معدوٍّ" ونحوه حمل على "عدى وعادٍ"، مع تقدير طرح المدة الزائدة فيشبه "أَدْلُواً "فيعامل معاملته حين قيل فيه: "أدلٍ"٤.
فإذا انضم إلى ذلك لزوم إعلال الفعل لكونه على فَعِل كـ "رَضِي" أوثر إعلال مَفْعُول على تصحيحه قال تعالى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ٥ ولم يقل مَرْضُوَّة؛ لأنَّ القرآن لم ينزل بغير الأوْلَى.
فإن كانت في مفعول مما عينه واو تعين الإعلال المذكور نحو: قُوِيَ على زيد فهو مُقْوِيٌّ عليه. أصله: مَقْوُوٌّ عليه، فاستثقل توالي ثلاث واوات بعد ضمة فلجئ إلى التخفيف بالإعلال٦.
стр. 149
وأيضاً: فإذا كان إعلالُ مَعْدُوّ جائزاً (١) مع أنَّ تصحيحه لا يوقع في بعض ما يوقع تصحيح مَقْوِيٍّ فإعلال مَقْوِيٍّ لإيقاعه فيما ذكر متعين لا محيص عنه (٢) .
وهذا الإعلال متعين أيضاً لكل ما آخره كآخر مفعول مبنياً مما عينه ولامه واو، وإن لحقته التاء فكذلك، ولا فرق بين تقدير لزومها وتقدير عروضها (٣) .
стр. 150
فصل: [من مواضع إبدال الواو ياء]
تبدل الياء من الواو الكائنة لام فُعْلَى صفة محضة كالعُلْيَا، أو جارية مجرى الأسماء كالدُّنْيَا (١) ،والأصل فيهما: العُلْوَى والدُّنْوَى، لأنَّهما من العلو والدنو، ولكنهما مؤنثاً الأعلى والأدنى، والواو في المذكر قد أبدلت
стр. 151
ياء، لتطرفها ووقوعها رابعة، فقلب في / (١٣/ب) المؤنث حملاً علىالمذكر، ولأن هذا الإعلال تخفيف فكان به المؤنث أولى، لما فيه من مزيد الثقل بالوصفية، والتأنيث بعلامة لازمة غير مغيرة في مثال مضموم الأول ملازم للتأنيث.
وإذا كانوا (١) يفرون من تصحيح الواو، لمجرد ضم الأول وكون التأنيث بعلامة ليس أصلها أن تلزم فقالوا في "الرَّغْوَة ": رُغاَيَة، فأبدلوا الواو ياء مع الضمة، ولم يبدلوها مع الكسرة حين قالوا: رغاوة (٢) ، لنقصان الثقل، ففرارهم من تصحيحها مع اجتماع المستثقلات المذكورة فإن كان "فُعْلَى"اسماً محضاً ك
стр. 152
هذا قول ابن السكيت، وقول الفراء، والوقع على وفقه. قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ (١) , وقال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (٢)
ان صفتان محضتان، والنحويون يقولون: هذا الإعلال مخصوص بالاسم ثُمَّ لايمثلون إلأَّ بصفة.
стр. 153
فصل [من شواذ الإعلال]
من شواذ الإعلال إبدال الواو من الياء في فَعْلَى اسماً كـ "الثَّنْوَى"١، و"البَقْوَى"٢، و"التَّقْوَى"٣، و "الفَتْوَى"٤. والأصل فيهنَّ الياء؛ لأنَّهن من الثَّنْي، والبُقْيَا، والتُّقى مصدر تقيت بمعنى اتقيت، والفُتْيَا.
وأكثر النحويين يجعلون هذا مطرداً٥، ويزعمون أنَّ ذلك فُعِل فرقاً
стр. 154
بين الاسم والصفة وأوثر الاسم بهذا الإعلال؛ لأنَّه مستثقل، فكان الاسم أحمل له لخفته وثقل الصفة١، كما أنَّهم حين قصدوا التفرقة بين الاسم والصفة في جمع فَعْلَة، حركوا عين الاسم وأبقوا عين الصفة على أصلها٢.
وألحقوا بالأربعة المذكورة الشَّرْوى٣، والطَّغْوَى٤، والعوَّى٥، والرَّعْوى٦ زاعمين أنَّ أصلها من الياء. والأولى عندي جعل هذه الأواخر من الواو سدّاً لباب التكثر من الشذوذ حين أمكن سده، وذلك أنَّ الشروى - معناه: المثل - ولا دليل على أنَّ واوه منقلبة عن ياء إلاَّ ادعاء مَنْ قال: إنَّه من شَريت٧، وذلك ممنوع؛ إذ هي دعوى مجردة عن الدليل، مع أنَّ
стр. 155
الشَّرْوَى إذا كان غير مشتق وافق / (٤-أ) كثيراً من نظائره كـ "النِّد"١، و "الحِتْنِ"٢، و "التِّنِّ"٣، و "الشَّيْعِ"٤، و "الصِّرْع"٥ معنى كل واحد من هذه كمعنى الشَّرْوى، ولا اشتقاق لها، فالأولى بالشرَّوَى أن يكون غير مشتق.
وأمَّا "الطُّغْوَى" فإنَّه قد روى في فعله "طَغَيْت طُغْيَاناً، وطَغَوْتُ طُغْوَاناً"٦ فَرَدُّ "الطُّغْوَى إلى طَغَوتُ" أولَى من ردِّه إلى "طَغَيْتَ" تجنُّباً للشذوذ.
وأمَّا "العَوّى "فهو من عَوَيْت الشيءَ إذا لويته٧. وقد روى منه"عَوَّة) ٨ بتغليب الواو على الياء كما فُعِلَ في "الفُتُوَّة"٩ فليس ذلك؛
стр. 156
لأنَّه على فَعْلَى. ويحتمل أن يكون عَوَّا مقصوراً"١ من عوَّاء فعَّال من عويت، فتكون واوه عيناً مضعَّفة كالواو في شَوَّاء إذا قصر فقيل فيه: شَوَّى، ومُنِعَ من الصرف لتأنيثه باعتبار كون مسماه مَنْزِلَةً٢.
ويحتمل أن يكون منقولاً من "عَوَّى" فَعَّلَ من "عويت" فسموا المنزلة بهذا الوزن" من الفعل"٣ كما سمى ب "شَمَّرَ"-٤ فرس- وب"بَذَّر"-٥ ماء - وب "عَثَّرَ"-٦ موضع.
ويعتذر"عن) ٧ دخول الألف واللام بما يعتذر عن دخولهما في"اليسع"٨.
стр. 157
وأمَّا "الرَّعْوَى" فهو من "ارعويت"١ لا من "رعيت"٢. وهذا قول أبي عليٍّ٣ ﵀ "تعالى"٤.
стр. 158
وهذا أولى من شذوذ يؤدي إلى قول من قال: أبدلت الواو من الياء في فَعْلَى اسماً مقاصة منها١ "إذ"٢ كانت هي المغلبة عليها في معظم الكلام.
وحسب هذا القول ضعفاً أنَّه يوجب أن يكون ما فُعِل من الإعلال المطرد الذي اقتضته الحكمة ظلماً وتعدّياً؛ إذ المقاصَّةُ لا تكون في غير تعد ٍ.
وقولهم: فُعِل هذا الإعلال فرقاً بين الاسم والصفة كما فرق بينهما في جمع فَعْلَة ليس بجيد أيضاً؛ لأنَّ الالتباس هناك واقع، كجَلَدَاتٍ، ونَدَبَاتٍ، وعَدَلاَت، وَحَشَرَات، فبتسكين عيناتها يعلم أنَّهن جمع"جَلْدة"- بمعنى شديدة -٣، و"ندبة"- بمعنى نشيطة -٤، و"عَدْلَة"- بمعنى ذات عدالة -٥، و "حَشْرَة" - بمعنى رقيقة - وبفتحها يُعْلَمُ أنَّهُنَّ جمع مرة من جَلَد ونَدَب، وَحَشَر٦ فظهرت فائدة الفرق هناك.
وأمَّا "الثنوى"٧وأخواتها فألفاظ قليلة يكتفى في بيان أمرها بأدنى قرينة لو خيف التباس، فكيف والالتباس مأمون، إذ لا توجد صفات توافق "ثَنْوَى"وأخواتها لفظاً.
стр. 159
ومِمَّا يبين أنَّ إبدال يائها واواً شاذ تصحيح ياء "الريَّا" -١ وهي الرائحة - و"الطُّغيا" - وهو ولد البقرة الوحشية تفتح طاؤه وتضم -٢ و"سعيا" - اسم موضع -٣. فهذه الثلاثة الجائية على الأصل، والتجنب للشذوذ أولى بالقياس عليها.
стр. 160
فصل [إبدال الياء والواو ألفاً]
إذا وقعت بعد فتحة ياءٌ أو واوٌ - متحركة - أبدلت"الياء أو الواو١ ألِفَاً٢ نحو: "ناب، وباب، وحصى، وعصا، وباع، وراع، وسبى،
стр. 161
وصبا" (١) أصلهن: "نَيَبٌ، وبَوَبٌ، وحَصَيٌ، وعَصَوٌ، وبَيَعٌ، ورَوَعٌ، وسَبَيٌ، وصَبَيٌ" /"١٤-ب) بدلالة قولهم: "أنياب، وأبواب، وحَصَيَات (٢) ، وعَصَوان (٣) ، وبَيْعٌ، وسَبْيٌ، وصَبْوَةٌ" (٤) .
فلمَّا انفتح ما قبل الياء والواو وتحركتا في الأصل قلبتا ألفين، ولو سكنتا في الأصل لصحتا كما صحتا في "سَيْف، وخَوْف".
وربَّما قلبتا (٥) بعد الفتحة - وإن سكنتا في الأصل- كقولهم في"دُوَيْبَّة: دَوَابَّة، وفي صَوْمة: صَامَة" (٦) .
стр. 162
أنشد ابن برْهَان١:
تُبْتُ إِلَيْكَ فَتَقَبَّلْ تَابِتي ... وَصُمْتُ رَبِّي فَتَقَبَّلْ صَامَتِي٢
فلو كانت الفتحة في كلمة والواو والياء في الأخرى لم يكن إلى هذا الإعلال سبيل نحو: إنَّ وَلدك يقظ٣.
وكذلك لو كانت الحركة عارضة كقول مَنْ قال في"جَيْأل"٤:"جَيَل".
"وإن"٥سكن ما بعدهما فكذلك نحو:"بَيَان٦، وعَوَان٧ وحَوِير٨،
стр. 163
وغَيور١ فإنَّهما لو أبدلا عند سكون ما بعدهما لالتقى ساكنان، وعند التقائهما يلزم أحد الأمرين: إمَّا حذف أحدهما فيَلتبس مثال بمثال؛ لأنَّ"بَيَاناً وَعَوَاناً" يصيران لو أُعِلاَّ:"بَانا وعَانا".
وإمَّا تحريك أحدهما وذلك رجوع إلى ما ترك من التصحيح، فتعين استصحابه٢.
فلو كانت الواو والياء لاماً مضمومة أو مكسورة قبل واو أو ياء ساكنة مفردة حذفت بعد قلبها ألفاً٣ نحو: جاءني الأعْلَون، ورأيت الأَعْلَيْن، والأصل "الأعْلَيُون، والأَعْلَيِيْن".
ولم يمنع إعلال هذه الياء ونحوها سكونُ ما بعدها؛ لأنَّها لام.
) وحَذْف) ٤ اللام لساكن منفصل كثير، فإذا حذفت لساكن متصل كما هو في الجمع المذكور فليس بمنكور.
وأيضاً فإنَّ اللام أقبل لتأثير أسباب الإعلال من العين، ولذلك صحَّت واو"عِوَض"وياء "عُيَبَة"٥ وأعلت واو "شَجِيَة"٦ وياء
стр. 164
"نَهُو"١ وهما من الشجو والنهية.
بل قد تتأثر اللام لضعفها بالكسرة المنفصلة نحو:"ابن عمي دِنْيَا" وهو من الدنُوِّ٢.
وأيضاً فإنَّ إعلال لام"الأعْلَيْن"ونحوه لا يُوقِع في لبس، بخلاف إعلال عين"غَيُور) وأمثاله.
فلو كانت اللام مفتوحة بعدها ألف صححت لخفة الفتحة والألف. ولأنَّ هذا النوع إمَّا مثنى نحو: "فَتَيَان"، أو غير مثنى كـ"صَمَيَان"٣.
فلو أعلت في المثنى التبس بالمفرد حين يضاف، ولو أعلت في غير المثنى التبس بفَعَال، فإنَّه كثير، وكلا الأمرين منتفٍ في الجمع المذكور إذا أُعِلَّ٤.
وكذلك ما أشبه هذا الجمع"في كون لامه"٥ ياءً أو واواً غير مفتوحة بعد فتحة وقبل واو ساكنة مثل: "عَنْكَبُوت" من "رمى" فإنَّ أصله:"رَمْيَيُوت" مثل"أَعْلَيُون" فتقلب الياء الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ثُمَّ تحذف لملاقاة الواو بعدها فيصير:"رَمْيَوتا"٦ وسهل ذلك أمن اللبس إذ ليس في الكلام "فَعْلَون ولا فَعْلَوت".
стр. 165
فلو كان بعد اللام المذكورة واوان أو ياءان أو واوٌ وياء جعلتا كياءي النسب وكسرت اللام مطلقاً، وقلبت واواً إن لم تكنها كبناء مثل: (عَضْرَفُوط) ١ من (غَزْو) أو (رَمْيٍ) فإنَّك تقول فيه من (غزو: غَزْوَوِيٌّ) والأصل: (غَزْوَوُووٌ:. ثُمَّ عُمِلَ به ما عُمِلَ باسم مفعول/٢ (١٥-أ) من (قوي) .
وتقول فيه من (رَمْيٍ) : (رَمْيَويُّ) والأصل: (رَمْيَيُويُّ) فقلبت الواو ياءً وأدغمت كما فعل باسم مفعول من (رمى) ٣ ثُمَّ استثقل توالي الياءات فأبدلت المكسورة واواً ابتداءً أو بعد قلبها ألفاً٤ وكذلك يفعل بكل ما قبل ياء مشددة من ألف رابع أو مزيد للإلحاق، فإنْ كان زائداً محضاً أو خامساً فصاعداً حذف، وقد تحذف ألف التأنيث إن سكن ثاني ما هي فيه رابعة (كَحُبْلَوِيّ) والحذف أجود، وربما قيل: (حبلاوي) ٥.
стр. 166
فصل
ويمنع من قلب الواو والياء ألفاً لتحركهما وانفتاح ما قبلهما خوف توالي إعلالين؛ لأنَّه إجحاف ومآله - أيضاً - إلى التقاء " الساكنين "١، وذلك نحو " هَوَى " أصله: هَوَيٌ٢، فكل واحد من الواو والياء متحرك مفتوح ما قبله، فلو أُعِلاَّ لزم المحذور الذي ذُكِر، ولزم بقاء الاسم على حرف واحد، وبقاء الفعْل على حرفين ثانيهما ألف٣.
ولو صححا أهمل مقتضى كل واحد من السببين فتعين تصحيح أحدهما وإعلال الآخر، وكان إعلال الآخر أولى؛ لأنَّه لو صُحِّحَ عُرِّض لحركات الإعراب الثلاث. وللكسر عند الإضافة إلى ياء المتكلم وللإدغام إن وليه مثله، والإدغام إعلال فيلزم حينئذٍ توالي إعلالين، وليس الأول معرضاً لشيء مِمَّا ذكر فكان بالتصحيح أولى٤.
وإن كان الإعلالان مختلفين اغتفر اجتماعهما إن كان مخلصاً من كثرة
стр. 167
الثقل١ ولم يوقع في محذور آخر كالتباس مثال بمثال ونحو ذلك، ولذا قيل في مصدر: "احواوى: احْوِيوَاء، واحْوِيَّاء"٢، والإعلال قول سيبويه والتصحيح قول المبرد٣.
ويمنع من الإعلال المذكور - أيضاً - كون حرف اللين عين " فَعِل " الذي يلزم صوغ الوصف منه على "أَفْعَلَ٤ وفَعْلاَء". أو عين مصدره نحو: عَوِر عَوْرَاء فهو أَعْوَر، وغَيِد فهو أَغْيَد٥.
وإنَّما لم تعل عين هذا النوع مع تحركها وانفتاح ما قبلها حملاً على
стр. 168
افْعَلَّ كاعْوَرَّ١، فإنَّهما مستويان في أن لا يستغنى عنهما أو عن أحدهما "أفعل" الذي مؤنثه فعلاء، فأرادت العرب أن يتوافقا لفظاً كما توافقا معنى، وذلك بحمل أحدهما على الآخر، وكان حمل "فَعِل" على "أفْعَلَّ" فيما يستحقه من التصحيح أولى من حمل "أفْعَلَّ" على "فَعِل" فيما يستحقه من الإعلال؛ لأنَّ التصحيح أصل والإعلال فرع.
وأيضاً فإنَّ "فَعِل" لا يلزم باب "أفعل وفعلاء" و "افْعَلَّ" يلزمه غالباً، فكان الذي يلزم المعنى الجامع بينهما أولى بأن يجعل أصلاً ويحمل الآخر عليه، وأيضاً فإنَّ إعلال اعْوَرَّ ونظائره يوقع في التباس؛ لأنَّه متعذر إلاَّ أن تُنْقَل حركة عينه إلى فائه وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها بحركة الفاء، فيصير اعورَّ - حينئذٍ - عَارَّ مماثلاً لفاعل من العرّ٢، وتصحيح عَوِر ونظائره لا يوقع في شيءٍ من ذلك، فكان متعيناً، وأمَّا العَوَر وغيره/ (١٥-ب) من مصادر "فعل" المذكور فصحح حملاً على فعله كما أعل "الغارّ" من الغيرة٣ حملاً على فعله.
ومن العرب مَنْ يقول في "عَوِر": "عار"٤ فمقتضى الدليل أن
стр. 169
يكون المصدر: "عَاراً"، ولو قيل: صحح العور حملاً على الأعور لكان صواباً.
ومِمَّا كُفَّ سببُ الإعلال فيه بالحمل على غيره في التصحيح " افتعل " الموافق تَفَاعل نحو: اجتوَر القوم١، فإنَّه بمعنى تجاوروا، فعوملا معاملة: عَوِر، واعورَّ.
وهذان أولى بتلك المعاملة؛ لأنَّ " تفاعل" بالدلالة على معنى لا يستغني بفاعل واحد كالتجاور أحق من افتعل، فيجب أن يتبعه في لفظه كما تبعه في معناه.
ويدل على أصالة "تفاعل" في المعنى المذكور وأولويَّته "به"٢ أنَّه لا يوجد "افتعل" دالاًّ عليه دون مشاركة تفاعل، ويوجد "تفاعل" دالاًّ عليه دون مشاركة افتعل نحو: تناظر القوم، وتجادلوا، وتنازعوا، وتكالموا، وتبايعوا، وتساءلوا، وتقابلوا، وتمالؤوا، وتداينوا، وأمثال ذلك كثيرة.
ويمنع - أيضاً - من الإعلال المذكور كون حرف اللين عين فَعَلان٣
стр. 170
كالجَوَلاَن١، والسيَلاَن٢. أو عَيْن فَعَلىكالصَوَرى٣، والحَيدى٤، وإنَّما صحَّ هذان المثالان٥؛ لأنَّ حركة عينهما لا تكون غير فتحة إلاَّ في الصحيح على قلة كـ "ظَرِبَان٦، وسَبُعَان"٧، والفتحة لخفتها لا يعل ما هي فيه. وليس بلازم إلاَّ فيما يوازن مكسوراً أو مضموماً ك " فعل " فإنَّه يوازن "فُعِل وفَعُل" فأُعِلَّ حملاً عليهما.
وليس لنا في المعتل العين "فَعْلاَن، ولا فُعِلاَن" فيحمل عليه "فَعَلاَن" ولا لنا "فَعُلَى ولا فُعِلَى" فيحمل عليه "فَعَلَى"٨ فوجب تصحيحهما
стр. 171
لذلك.
وأيضاً فإنَّ آخر كل واحد منهما زيادة توجب مباينة أمثلة الفعل فصححا تنبيهاً على أصالة الفعل في الإعلال، وأنَّ الاسم إذا باينه استوجب١ التصحيح.
وإنَّما كان الفعل أصلاً في الإعلال؛ لأنَّه فرع٢ والإعلال حكم فرعي فهو أحق به؛ ولأنَّ الفعل مستثقل والإعلال تخفيف فاستدعاؤه له أشد.
وأيضاً فإنَّ جَوَلاَناً ونحوه لو أُعِلَّ لالتبس بفَاعَال كَسَابَاط٣ وخَاتَام٤، فصُحِّحَ فِراراً من اللبس.
وقد شذَّ إعلال "فَعَلاَن" علماً كَـ "مَاهَان"٥ وإن باين الفعل كشذوذ التصحيح فيما وازن الفعل كـ "مدين" ومباينة فَعَلُول ونحوه أشد من مباينة "فَعَلاَن" و "فَعَلَى" فتصحيح عينه - أيضاً - متعين نحو "قَوَلُول"٦، وهو مثال: "قَرَبُوس"٧ من القول.
стр. 172
"وقد زعم المازني ﵀ أنَّ ماهان وداران١ أُعِلاَّ شذوذاً٢ وأصلهما فَعَلاَن"٣.
وقد صحَّحوا العين المفتوحة مع انتفاء الموانع المذكورة كـ "قَوَدٍ٤، وعَيَنٍ٥، وخَوَنةٍ، وحوكةٍ"٦ تنبيهاً على الأصل المتروك فيما جرى على القياس كـ "مَال، وقَادة، وإشعاراً بأنَّ الفتحة إنَّما أعل ما هي فيه حملاً على المكسور والمضموم.
وربَّما جاء ذلك في المكسور حملاً على المفتوح كـ "شَوِل" وهو الخفيف في قضاء الحاجة٧.
واندر من هذا كله قولهم: "عِفَوَة" في جمع "عِفْو" وهو الجحش٨، و"أَوَوٌ" في جمع "أَوَّةٍ" وهي الداهية من الرجال٩. حكاها
.
стр. 173
الأزهري (١) الأول عن أبي زيد الأنصاري (٢) / (١٦-أ) ، والثاني عن أبي عمرو الشيباني (٣)
стр. 174
فصل [في إبدال التاء من فاء الافتعال]
يجب في اللغة الفصيحة إبدال التاء من فاء الافتعال وفروعه١، إن كانت واواً نحو: اتصل اتصالاً فهو مُتَّصِل. أو ياء نحو: اتَّسَر٢ اتِّسَاراً
стр. 175
فهو مُتَّسِر.
أمَّا إبدالها من الواو فلأنهم استثقلوا الواو أولاً دون تاء تليها؛ لتعرضها لأن تبدل همزة كما فعل بأحَد وإِحْدَى١ و"أُقِّتَت"٢ مع استثقال الهمزة وبُعْدها منها مخرجاً ووصفاً، فحاولوا إبدال الواو حرفاً صحيحاً يقاربها وَصْفاً ومَخْرَجاً، وذلك إمَّا من حروف الشفة أو حروف الثنايا، فلم يكن باءً ولا فاءً ولا ثاءً "ولا ذالاً ولا ظاءً؛ لأنَّهُنَّ" لسن"٣ من حروف البدل المجموعة في قولي: وَجَد آمِنٌ "طِيَّتة "٤.
ولم يكن ميماً؛ لأنَّها تكثر زيادتها أولاً فخيف توهمها مزيدة غير "مبدلة" ٥، ولم يكن طاءً ولا دالاً؛ لأنَّ فيهما قلقلة يستثقلان بها،
стр. 176
فتعينت التاء فقالوا: تُرَاث١، وتُجَاه٢، وتُكاءة٣، وتقوى٤، وتوراة٥، وتالله٦، وتخمة٧، وتولج٨ غير ذلك.
فلمَّا ثبت إبدال التاء من الواو في هذه المواضع وأشباهها مع انتفاء تعذُّر التصحيح وتطرق التغيير قبل الإبدال واجتماعها مع ما يضاد وصْفُه وَصْفَها، واسْتِلْزَامِ مخَالَفَةِ بعض الفروع الأصلَ تعين إبدالها منها في الافتعال الذي فاؤه واو؛ لثبوت هذه الأمور كلها فيه.
أمَّا تعذُّر التصحيح فَبَيِّنٌ؛ لأنَّ الواو ساكنة وقبلها كسرة.
وأمَّا تطرُّق التغيير فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ "فَعَلَ" أصل لافْتَعَل، فلو لم يكن فيه تغيير إلاَّ تسكين فائه لكفى في تطرق التغيير.
وأمَّا اجتماع الواو مع ما يُضاد وَصْفُه وَصْفَها فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ الواو مجهورة والتاء مهموسة.
стр. 177
وأمَّا استلزام مخالفة بعض الفروع الأصْلَ فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ المصدر أصلٌ للفعل ولاسم الفاعل ولاسم المفعول١، فلو لم تبدل فاء الاتصال تاءً لقيل فيه: ايتصال، بقلب الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها وكان يوافقه في ذلك الفعل الماضي والأمر لوجدان الكسرة، فيقال: اِيتَّصَل، وإِيتَصِلْ، و "يخالفه"٢ المضارع واسما الفاعل والمفعول؛ لعدم الكسرة فيقال: يوتصل ومُوتَصِل ومُوتَصَل إليه، فكرهوا هذه المخالفة حين أمكن التخلص منها ولم يبالوا بها في نحو: أوجد إيجاداً؛ إذ ليس بعد الواو هنا ما يضاد وَصْفُه وَصْفَها. ومع هذا فقد حملتهم النفرة عن هذه المخالفة على أن أبدلوا "في"٣ "أَتْلَجَه" و "اتْكَأَه" بمعنى أوْلَجَه وأَوْكَأَه.
وأمَّا إبدال التاء من الياء إذا كانت في الافتعال وفروعه فحمل على الافتعال الذي فاؤه واو٤.
فإنْ كانت الواو والياء التي قبل تاء الافتعال بدلاً من همزة لم يجز إبدالها تاءً إلاَّ على لغةٍ رديئة نحو: "اِتَّمَنَ" في أوتمن، و "اتَّزر" في إيتزر٥.
стр. 178
فصل [حكم الفاء الثاء مع تاء الافتعال]
الثاء حرف رخو، والتاء حرف شديد، وهما مشتركان في الهمس، ومخرجاهما متقاربان (١) ، فإن اجتمعا في الافتعال وفروعه/ (١٦/ب) وتقدَّمت الثاء ثقل تلاقيهما؛ لأنَّهما مثلان من وجه وضدان من وجه (٢) ، فخففا بجعل الثاء تاءً أو التاء ثاءً، وإدغام أحدهما في الآخر ك "الاثِّرَادِ والاتِّرَادِ" وهو اتخاذ الثريد، وأصله: اثْتِرَاد، فمن قال: "اثِّرَاد" غَلَّب جانب الثاء؛ لأصالتها وتقدمها، ومَنْ قال: "إتِّرَاد" غَلَّب جانب التاء؛ لشدَّتها ولكونها مزيدة لمعنى (٣) .
стр. 179
فصل [حكم الفاء الذال مع تاء الافتعال]
فلو كان فاء الافتعال ذالاً كالافتعال من الذكر ثقل أيضاً اجتماعهما سالمين؛ لأنَّ الذال حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فَعُدَِل أمرهما بأن أبدل من التاء شريكها في المخرج وعدم الاستعلاء وهو الدال؛ فخف النطق لزوال بعض التنافي ولكن بقي بعضه؛ لأنَّ الذال رخوة والدال شديدة فَكُمِّل التخفيف " بجعلهما " (١) ذالين إنْ رُوْعِيَت الأصالة والسبق، أو دالين إنْ رُوْعِيَت القوة والدلالة على معنى، فقيل ادِّكار واذَّكار، ويجوز فك الذال من الدال فيقال اذدكار.
стр. 180
فصل [حكم الفاء الدال مع تاء الافتعال]
ولو كانت فاء الافتعال دالاً كالافتعال من الدلجة (١) كان استثقال سلامة التاء أشد؛ لأنَّ اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين، ويصعب عند تقاربهما، ويكاد يعجز عند اتحاد المخرج كالدال والتاء (٢) ، ويظهر ذلك بتكلف النطق بالادّلاج على أصله وهو الادتلاج، فوجب التخلص من هذا الثقل بإبدال التاء دالاً وتعين الإدغام فقيل ادِّلاج.