فتعينت التاء فقالوا: تُرَاث١، وتُجَاه٢، وتُكاءة٣، وتقوى٤، وتوراة٥، وتالله٦، وتخمة٧، وتولج٨ غير ذلك.
فلمَّا ثبت إبدال التاء من الواو في هذه المواضع وأشباهها مع انتفاء تعذُّر التصحيح وتطرق التغيير قبل الإبدال واجتماعها مع ما يضاد وصْفُه وَصْفَها، واسْتِلْزَامِ مخَالَفَةِ بعض الفروع الأصلَ تعين إبدالها منها في الافتعال الذي فاؤه واو؛ لثبوت هذه الأمور كلها فيه.
أمَّا تعذُّر التصحيح فَبَيِّنٌ؛ لأنَّ الواو ساكنة وقبلها كسرة.
وأمَّا تطرُّق التغيير فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ "فَعَلَ" أصل لافْتَعَل، فلو لم يكن فيه تغيير إلاَّ تسكين فائه لكفى في تطرق التغيير.
وأمَّا اجتماع الواو مع ما يُضاد وَصْفُه وَصْفَها فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ الواو مجهورة والتاء مهموسة.
стр. 177
وأمَّا استلزام مخالفة بعض الفروع الأصْلَ فَبَيِّنٌ - أيضاً - لأنَّ المصدر أصلٌ للفعل ولاسم الفاعل ولاسم المفعول١، فلو لم تبدل فاء الاتصال تاءً لقيل فيه: ايتصال، بقلب الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها وكان يوافقه في ذلك الفعل الماضي والأمر لوجدان الكسرة، فيقال: اِيتَّصَل، وإِيتَصِلْ، و "يخالفه"٢ المضارع واسما الفاعل والمفعول؛ لعدم الكسرة فيقال: يوتصل ومُوتَصِل ومُوتَصَل إليه، فكرهوا هذه المخالفة حين أمكن التخلص منها ولم يبالوا بها في نحو: أوجد إيجاداً؛ إذ ليس بعد الواو هنا ما يضاد وَصْفُه وَصْفَها. ومع هذا فقد حملتهم النفرة عن هذه المخالفة على أن أبدلوا "في"٣ "أَتْلَجَه" و "اتْكَأَه" بمعنى أوْلَجَه وأَوْكَأَه.
وأمَّا إبدال التاء من الياء إذا كانت في الافتعال وفروعه فحمل على الافتعال الذي فاؤه واو٤.
فإنْ كانت الواو والياء التي قبل تاء الافتعال بدلاً من همزة لم يجز إبدالها تاءً إلاَّ على لغةٍ رديئة نحو: "اِتَّمَنَ" في أوتمن، و "اتَّزر" في إيتزر٥.
стр. 178
فصل [حكم الفاء الثاء مع تاء الافتعال]
الثاء حرف رخو، والتاء حرف شديد، وهما مشتركان في الهمس، ومخرجاهما متقاربان (١) ، فإن اجتمعا في الافتعال وفروعه/ (١٦/ب) وتقدَّمت الثاء ثقل تلاقيهما؛ لأنَّهما مثلان من وجه وضدان من وجه (٢) ، فخففا بجعل الثاء تاءً أو التاء ثاءً، وإدغام أحدهما في الآخر ك "الاثِّرَادِ والاتِّرَادِ" وهو اتخاذ الثريد، وأصله: اثْتِرَاد، فمن قال: "اثِّرَاد" غَلَّب جانب الثاء؛ لأصالتها وتقدمها، ومَنْ قال: "إتِّرَاد" غَلَّب جانب التاء؛ لشدَّتها ولكونها مزيدة لمعنى (٣) .
стр. 179
فصل [حكم الفاء الذال مع تاء الافتعال]
فلو كان فاء الافتعال ذالاً كالافتعال من الذكر ثقل أيضاً اجتماعهما سالمين؛ لأنَّ الذال حرف مجهور والتاء حرف مهموس، فَعُدَِل أمرهما بأن أبدل من التاء شريكها في المخرج وعدم الاستعلاء وهو الدال؛ فخف النطق لزوال بعض التنافي ولكن بقي بعضه؛ لأنَّ الذال رخوة والدال شديدة فَكُمِّل التخفيف " بجعلهما " (١) ذالين إنْ رُوْعِيَت الأصالة والسبق، أو دالين إنْ رُوْعِيَت القوة والدلالة على معنى، فقيل ادِّكار واذَّكار، ويجوز فك الذال من الدال فيقال اذدكار.
стр. 180
فصل [حكم الفاء الدال مع تاء الافتعال]
ولو كانت فاء الافتعال دالاً كالافتعال من الدلجة (١) كان استثقال سلامة التاء أشد؛ لأنَّ اجتماع متضادين في الوصف يهون عند تباعد المخرجين، ويصعب عند تقاربهما، ويكاد يعجز عند اتحاد المخرج كالدال والتاء (٢) ، ويظهر ذلك بتكلف النطق بالادّلاج على أصله وهو الادتلاج، فوجب التخلص من هذا الثقل بإبدال التاء دالاً وتعين الإدغام فقيل ادِّلاج.
стр. 181
فصل [حكم الفاء الزاي مع تاء الافتعال]
ولو كانت فاء الافتعال زاياً كالافتعال من الزجر أبدلت التاء - أيضاً - دالاً فقيل: ازدجار؛ لأنَّ التاء مهموسة والزاي مجهورة والدال مجهورة (١) ، واجتماع مجهورين أخف من اجتماع مجهور ومهموس، ويتبين ذلك بتكلف أصل ازدجار وهو: ازتجار.
стр. 182
فصل [حكم الفاء الجيم مع تاء الافتعال]
فلو كانت فاء الافتعال جيماً كالاجتماع، فمن العرب مَنْ يستثقل سلامة التاء فيجعلها دالاً كالاجدماع (١) . وعلى ذلك قول الشاعر (٥) :
فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجدز شيحا (٦)
أراد: واجتز.
стр. 183
فصل [حكم الفاء السين مع تاء الافتعال]
فلو كانت الفاء "سيناً" (١) لم يحتج إلى الإبدال لمساواتها التاء في الهمس وعدم الاستعلاء والإطباق، لكن بينهما بعض منافاة فإنَّ السين رخوة والتاء شديدة، إلاَّ أنَّ في السين صفيراً يقاوم الشدة ويفضُل عليها، ولذلك أدغمت التاء في السين (٢) نحو: "بِتْ سَالِماً" وجاز أن تبدل التاء سيناً في "استمع" ونحوه مع التزام الإدغام (٣) . وامتنع العكس نحو: " احبس تلك "؛ لأنَّ الصفير يشبه المدّ فساواه في جعله مانعاً من الإدغام إلاَّ في صفيري.
стр. 184
فصل [حكم الفاء الطاء مع تاء الافتعال]
فلو كانت فاء الافتعال طاء كالافتعال من الطلوع كانت سلامة التاء بعدها أشق من سلامتها بعد الدال؛ لاتحاد المخرج وزيادة التضاد، وذلك أنَّ الدال إنَّما باينت التاء بالجهارة والطاء تباينها بها وبالاستعلاء والإطباق، فإبدالها بعد الطاء آكد فجعلت مثلها فقيل اطلاع، وأصله اطتلاع.
стр. 185
فصل [حكم الفاء الظاء مع تاء الافتعال]
وكذلك يفعل بها إذا كانت الفاءُ ظاءً كالافتعال من الظلم.
стр. 186
فصل [حكم الفاء الضاد مع تاء الافتعال]
وإذا/ (١٧-أ) كانت الفاء ضاداً كالافتعال من الضرب، لكن إذا أبدلت طاءً بعد الظاء جاز الفك والإدغام على أن يجعل الطاء ظاء، أو (١)
стр. 187
بالعكس فيقال: اطِّلام (١) واظِّلام واظطلام.
وإذا أبدلت طاء بعد الضاد جاز الفك والإدغام على أن يجعل الطاء ضاداً فيقال: اضطراب واضِّراب، وشذا العكس فقيل في اضطجع اطَّجع (٢) .
ولو كانت فاء الافتعال صاداً استثقلت سلامة التاء أيضاً؛ لأنَّ الصاد وإن ساوتها في الهمس فإنَّها تضادها بالإطباق والاستعلاء مع تقارب المخرجين، فالتزموا التخفيف بإبدال التاء طاء كاصطبار، أو بجعل التاء صاد كالإصلاح لغة في الاصطلاح (٣) ، وامتنع إبدال الصاد تاء؛ لأجل صفيرها وترجحها بالاستعلاء والإطباق (٤) .
стр. 188
فصل
من الإعلال الواجب تحريك الفاء الساكنة بحركة العين التي هي ياء أو واو نحو: "يَبِيع" ويقول: "وأصلهما يَبْيِع وَيَقْوُل" (١) ، فإنْ جانست الحركة العين كما اتفق في يَبْيِع ويَقْوُل، فلا يزاد على ما فُعل بهما من
стр. 189
تحريك ما كان ساكناً وإسكان ما كان متحركاً، وهو المسمى نَقْلاً (١) .
فإن لم تكن الحركة مجانسة نقلت ووليها مجانسها بدل العين نحو: يهاب، ويخاف، ويقيم "أصلهن:" يَهْيَب، ويَخْوَف، ويُقْوِم" ففعل بهنَّ ما ذكر.
فإنْ كانت الحركة ضمة والعين ياء في غير مفعول (٢) . أبدلت الضمة كسرة وسلمت الياء في قول سيبويه وعكس ذلك قول الأخفش (٣) .
стр. 190
فصل: [الإعلال السابق مستحق لكل فعل ما عدا فعلي التعجب]
...
فصل
الإعلال المذكور مستحق لكل فعل ما عدا فعلي التعجب نحو: "ما أجوده، وأجود به" (١) . و "يَعْوَر فلان وأعْوَره الله (٢) . وكذلك ما
стр. 191
تصرف منه وما يشبهه كَمِعْوَر ومُعْوَرِ.
ويستحق هذا الإعلال أيضاً كل اسم غير جارٍ على فعلٍ مصحح إن وافق الفعل في وزنه وخالفه بزيادته أو بالعكس. فالأول نحو: مَقَام ومُقِيم ومُقَام. أصلهنَّ: مَقْومٌ ومُقْوِم ومُقْوَم. فهنَّ على وزن يَعْلَم ويُعْلِم
ويُعْلَم، وإنَّما حصلت المخالفة بالمزيد قبل الفاء١. وأمَّا عكس ذلك وهو أن يوافقه في الزيادة ويخالفه في الوزن فنحو أن تبني من بَيْعٍ وَقَوْلٍ مثل: تِحْلِئ"فيقال"٢: تِبْيِع وتِقْيِل، وأصلهما: تِبْيِع وتِقْوِل، ثُمَّ فُعِلَ بهما ما ذكر؛ لأنَّهما وافقا الفعل في الزيادة؛ لأنَّ التاء "زيادة"٣ مشتركة وخالفاه في الوزن؛ لأنَّ "تِفْعِلاً" مفقود في الأفعال٤. ولو بُنِي من بيع مثل: تفعُل لقيل على مذهب سيبويه تَبْيُع وعلى مذهب الأخفش تَبْوُع٥. فلو كان الاسم موافقاً للفعل في زيادته ووزنه معاً وجب أن يصحح ليمتاز من الفعل، فإنَّ اسوَدَّ مثال لو أعل فقيل فيه أساد، ظُنَّ أنَّه فُعِل وذلك مأمون في نحو مقامٍ وتِبيِع، فإنَّهما قد (١٧-ب) امتازا من الفعل بالزيادة التي لا تكون فيه وهي الميم، وبالوزن الذي لا يكون فيه وهو تِفْعِل، فلا حاجة إلى الإخلال بالإعلال، فإنَّ في استعماله إجراءً للنظائر على طريقة واحدة فلا يعدل عنه إلاَّ لمانع من خوف لبس أو غيره.
стр. 192
فلو كان الاسم منقولاً من فعل نحو: "يَزِِيد" لم يغير عن ما كان عليه من الإعلال إذا كان فعلاً١.
ومن موانع الإعلال مناسبة ما فيه سببه لما وجب تصحيحه كما فعل في التعجب نحو: ما أجوده فإنَّه صحح حملاً على أفعل، وكالاسم المزيد أوله ميم مكسورةٌ كـ "مِخْيَطٍ، ومِجْوَلٍ"٢ فإنَّ فيه ما في مقام من موافقة الفعل من وجه ومخالفته من وجه، فكان هذا يقتضي إعلاله، لكنه أشبه لفظاً ومعنىً المخالف في الوزن والزيادة المستحق للتصحيح وهو مِفْعَال كَمِغْوَارٍ٣ ومِهْيَافٍ٤ فحمل عليه في التصحيح٥.
أمَّا شبهه به في اللفظ فظاهر لأنَّهما لا يختلفان إلاَّ بإشباع فتحة العين.
وأمَّا شبهه به في المعنى فلأن كلا منهما يكون آلةً كمِحْمَلٍ وَمِكْيَالٍ، وصفةً مقصوداً بها المبالغة كمِهْمرٍ٦ ومِحْضَارٍ، فَسُوِّيَ بينهما في
стр. 193
التصحيح كما فُعِلَ بعَوِر واعورَّ، يَعورُّ ويُعَوَرُّ.
ومن موانع هذا الإعلال اعتلال اللام أو تضعيفها نحو: يَقْوَى وَيَزْوَرُّ١. فلابدَّ من تصحيح هذين النوعين؛ لأنَّ إعلال الأول يلزم منه توالي إعلالين على الوجه الذي لا يغتفر ولا سبيل إليه، وإعلال الثاني يلزم منه التباس مثال بمثال، فإنَّه لو نقلت حركة العين من " ازورَّ " إلى فائه لانقلبت هي ألفاً فاستغنى عن همزة الوصل لتحرك الزاي فقيل: زارَّ، فيتوهم أنَّه فاعل من الزَّرِّ٢، فاجتنب لذلك.
стр. 194
فصل: [في وجوب إعلال مفعول معتل العين حملاً على فعله]
...
فصل
"و" (١) يجب الإعلال المذكور أيضاً لما اعتلت عينه من مفعول حملاً على فعله، فتسكن عينه وبعده الواو ساكنة، فتحذف هي في قول سيبويه؛ لزيادتها وقربها من الطرف. وتحقق الاستثقال معها، ومذهب الأخفش عكس ذلك (٢) . فإن كان مفعول من ذوات الواو فلا مزيد على ما ذكرته من النقل والحذف كمَقُول، وإن كان من ذوات الياء ضم إلى ذلك إبدال الضمة كسرة لتسلم الياء كمبيع (٣) .
стр. 195
ومذهب بني تميم تصحيح هذا النوع كمبيوع (١) .
ولا يُصحح مفعول من ذوات الواو إلاَّ ما شذَّ من من قول بعضهم في مصون ومذوق: مصوون ومذووق (٢)
.
стр. 196
فصل: [في وجوب إعلال المصدر الذي على إفعال أو استفعال حملاً على فعله]
...
فصل
يجب الإعلال المذكور أيضاً لما اعتلت عينه من مصدر على إفعال أو استفعال حملاً على فعله فتسكن العين حين تنقل حركتها وتنقلب ألفاً لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها؛ فتلتقي مع الألف الزائدة قبل اللام فيُعَامَلاَن معاملة الواوين من مفعول الذي عينه واو ولامه صحيحة، ويعوض من المحذوف (١٨-أ) هاء التأنيث كإقامة واستقامة وهما في الأصل: إقوام واستقوام، ثُمَّ فُعِلَ لهما من النقل والقلب والحذف والتعويض ما ذكر (١)
وإنَّما تُرِكَ التعويض في مفعول؛ لأنَّه صفة معرضة لأن يقصد بها مذكر ومؤنث، فلو لحقته الهاء تعويضاً أوهمت قصد التأنيث عند إرادة التذكير وذلك منتفٍ من المصدرين المذكورين؛ لانتفاء الوصف بهما.
стр. 197
فصل: [في ترك الإعلال فيما يستحقة طلباً للتخفيف]
...
فصل
لَمَّا كان الباعث على إعلال ما أُعِلَّ طَلَبُ التخفيف وكان الثقل الحاصل بترك هذا الإعلال أهون من غيره لسكون ما قبل حرف العلة تُرِك في كثير مِمَّا يستحقه تنبيهاً على ذلك، وأكثر ما تُرِك في الإفعال مصدراً، والاستفعال "وفروعهما"١ كالإغيال٢ والاستحواذ٣ حتى رآه أبو زيد الأنصاري مقيساً٤، وشذ العمل به مع وجود مانع كقولهم في جمع فواق٥: أفْيِقَة، واللائق به أفْوِقَة، حتى يصح كما صحت نظائره كأجوبة وأسودةٍ؛ لأنَّه موافق الفعل في وزنه وزيادته، لكن السماع لا يرد٦.
стр. 198
فصل [الإعلال بالحذف]
من وجوه الإعلال الحذْفُ وهو مطرد " وغير مطرد "١ فالمطرد كحذف الواو الكائنة فاءً في " يَصِف ويَعِد " ونحوهما٢؛ لاستثقالها بين ياء مفتوحة وكسرة لازمة، فلو كانت الياء مضمومة لثبتت الواو لِتقَوِّيها بأنْ وَلِيَتْ ما يجانسها من الحركات نحو: يُوعِدُ.
فلو كان بدل الكسرة ضمة أو فتحة ثبتت الواو أيضاً نحو: يَوْضُؤُ وَيوْجَل؛ لأنَّها في " يَوْضُؤ " بين أجنبي ومجانس، وفي " يَوْجَل " بين مستثقل ومستخف.
وبنو عامر٣ رهط جميل بن معمر٤ يقولون في مضارع " وَجَد" "يَجُد"٥.
стр. 199
فلو وليتها فتحة في موضع كسرة حذفت الواو أيضاً نحو: " يَضَع " وأصله: " يَوْضِع " فحذفت الواو، ولابدَّ لحذفها من سبب فإمَّا أن تكون الياء وحدها أو مع الفتحة الموجودة أو مع ضمة منوية أو مع كسرة منوية، منع من الأول والثاني ثبوت الواو في " يَوْجَل " ونحوه، ومنع من الثالث ثبوتها مع الضمة الموجودة في " يَوْضُؤ " ونحوه؛ لأنَّ الموجود أقوى من المنوي فتعين الرابع وهو أن يكون سبب حذف الواو الياء والكسرة المنوية، فكان وضع يضع في الأصل من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ فَفُتِحَتْ عينُ مضارعه؛ لأجل حرف الحلق كما صُنِعَ بمضارع " يقع " وشبهه. وأمَّا " وَسِعَ يَسَعُ " فكان في الأصل من باب حَسِبَ يَحْسِبُ فَفُتِحَت عينه أيضاً ونوى كسرها فلذلك حُذِفَت واوها، ولولا ذلك لقيل يَوْسَع كما قيل يَوْجَد (١) .
стр. 200
فصل: [في حمل ذي الهمزة وذي النون وذي التاء على المضارع ذي الياء]
...
فصل
لَمَّا وجب حذف الواو المذكورة من المضارع ذي الياء حمل عليه ذو الهمزة وذو النون وذو التاء فقيل: أعِدُ ونَعِدُ وتَعِدُ، كما قيل: يَعِدُ إجراء لبعضهنَّ على حكم بعض؛ ولأنَّ الياء كالأصل لسائرها إذ يعبَّر به كما يعبَّر عنه بكل منها نحو أن تَقُول: مَا يَفْعَلُ إلاَّ أنا وإلاَّ نحن، وإلاَّ أنت / (١٨-ب) فوجب أن تكون أخواته ملحقةً به فيما وجب له (١) .
стр. 201
ولَمَّا كان من مواقع ذي الياء الأمر نحو قولك: لِيَعُدْ فلانٌ فلاناً حُمِلَ عليه الموضوع للأمر لتوافقهما معنىٍ ووزناً نحو قولك: عِدْ فُلاناً١، ولولا الحمل على المضارع لقيل: " أيْعِدْ ".
ولما أعلَّ المضارع والأمر بالإعلال المذكور حمل عليهما المصدر المكسور الفاء الساكن العين فحذفت فاؤه وحركت العين بحركتها ولزم آخره هاء التأنيث عوضاً من " الفاء "٢ المحذوفة وذلك نحو: زِنَةٍ وعِدَةٍ، وكانا في الأصل: وِزْناً ووِعْداً٣، ثُمَّ فعل بهما ما ذكر؛ لأنَّ المصدر يصح لصحة فعله، ويعتل لاعتلاله. وربما فُعِلَ ذلك بالمفتوح الفاء نحو: سَعَةٍ وَدَعَةٍ٤، وقد ألحق الياء بالواو في هذا الإعلال من قال في "يَيْئِس ": "يَئِس٥ فلو توسطت الواو المذكورة بين الياء والكسرة في اسم مرتجل لم تحذف كِيَوْعِيد، وهو مثال يَقْطِين٦ من الوعد.
стр. 202
فصل [من مواضع حذف الهمزة]
من الحذف المطرد حذف همزة أفعل من المضارع واسم الفاعل واسم
стр. 203
المفعول كقولك: أكْرَمَ يُكْرِمُ فهو مُكْرِمٌ ومُكْرَمٌ. والأصل أن يقال: يُؤَكْرِم ومُؤَكْرِم ومُؤَكْرَمٌ١، لكن حذفت الهمزة من أكرم استثقالاً لتوالي همزتين في صدر الكلمة، ثُمَّ حُمِلَ على ذي الهمزة أخواته، والْمُفْعِل والْمُفْعَل لتجري النظائر على سننٍ واحدٍ. ولم يستعمل الأصل إلاَّ في الضرورة كقول الشاعر:
فإنَّهُ أَهْلٌ لأَنْ يُؤكْرَمَا٢ ... ... ... ...
وشذَّ قولهم في السعة: أرض مُؤَرْنِبَة - بكسر النون - أي: كثيرة الأرانب، وكذلك قولهم: كساء مُؤَرْنَب٣ إذا خلط صوفه بوبر الأرنب.
فلو غيرت همزة " أفْعَل " بقلبها هاءً أو عيناً لم تحذف للأمن من التقاء همزتين. ومن ذلك قولهم: هَرَاقَ الماءَ يُهَرِيقُه فهو مُهَرِيق والماءُ مُهَرَاق
فصل [من الحذف اللازم غير المقيس عليه]
ومن الحذف اللازم غير المقيس عليه حذف فاءات خُذْ وكُلْ ومُرْ١، والأصل: أُوْخُذْ وأُوْكُل وأُوْمُر؛ لأنَّهنَّ من الأخذ والأكل والأمر، ولكنها خففت لكثرة الاستعمال ولا يقاس عليها غيرها٢. كالأمر من أجرَ الأجيرَ، وأسر الأسيرَ؛ لانتفاء كثرة الاستعمال، وقد
стр. 206
اسْتُعْمِل " مُرْ " على الأصل دون أخويه١؛ لأنَّه أقل استعمالاً منهما، قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاَةِ﴾ ٢.
ومن هذا القبيل حذف همزة " أفْعَل التفضيل " في قولهم: هو خيرٌ من هذا وشرٌّ من ذاك. والأصل: أخْيَر، وأشرُّ. وربما استعملا كذلك٣.
وقال أيضاً بعض العرب في التعجب: ما خَيْرَ هذا٤.
وقد شبه بعض العرب بخُذ وبابه الأمر من " أتى " فقال:
تِ لي آل زيد وانْدُهْم لي جَمَاعَةً ... وَسَلْ آلَ زَيْدٍ أيُّ شَيْءٍ يَضِيْرُهَا٥
стр. 207
فصل: [من الحذف الذي لايطرد]
...
فصل / (١٩-أ)
ومن الحذف ما لا يطرد ولا يلزم كحذف عين فاعل المعتل مثل قولهم في " هَائِر وشَائِك ": هَارٍ١ وَشَاكٍ٢. ويمكن أن يكون المحذوف من هذين ونحوهما إنَّما هو الألف الزائدة٣ كما حذفت في فاعل المضاعف كقولهم في " رَابٍّ وبارٍّ وسارٍّ وقَارٍّ ": رَبٌّ وبَرٌّ وسَرٌّ وقَرٌّ٤. وقد استعمل في فاعل المعتل العين التحويل كثيراً فقالوا: هارٍ وشاكٍ، فجعلوا العين موضع اللام، واللام موضع العين؛ ليكون الاعتلال في الآخر إذ هو به أولى٥. وقد يحملهم الاعتناء بظهور الإعراب على عكس هذا التحويل كقولهم في " تَرَاقٍ " جمع تَرْقُوَة: ترائِق٦.
стр. 208
فصل في الإدغام ١
إذا التقى المثلان وأولهما ساكن٢ وجب إدغامه " نحو "٣: قُلْ لِزَيْدٍ: نَبِّهْ هَرِماً، وَسِرْ رَاشِداً، وَاصْحَب بَرّاً، ودَعْ عَاذِلاً، ودُمْ مَاجِداً، وَجُدْ دَائِماً.
فإن كانت هاء السكت لم تُدْغَم؛ لأنَّها مخصوصة بالوقف، فإنْ ثبتت وصلا فالوقف عليها منوي والابْتِدَاء بما وليها منوي أيضاً فيتعين الفك كقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَك﴾ ٤.
فإنْ كان٥ همزة لم يَجُز الإدغام إلاَّ أن تلي الفاء كما هي في سأَّال٦
стр. 209
ونحوه، على ما ذكر في باب الهمزة١، وإنَّما لم تدغم الهمزة؛ لأنَّ تضعيفها أثقل من تضعيف غيرها، ولذلك أهمل كون العين واللام همزة واستعمل ذلك في سائر الحروف، وأيضاً فللهمزة عن الإدغام مندوحة٢ - " أي سعة وجه " -٣ فيما اطرد من التخفيف الخاص بها كإبدالها ساكنة بمدة تجانس حركة ما قبلها، فيقال على هذا في " أكلا أحمد " ونحوه: " أكلا لأحمد " إن أوثر الإبدال، و " أكلأَ أَحمد " إن أوثر تحريك الساكنة بحركة المتحركة٤. وإن كان أول المثلين حرف مد متطرفاً لم يجز الإدغام أيضاً نحو: يُعْطِي يَاسِرٌ، ويَغْزُو وَاقِدٌ٥؛ لأنَّ المدَّ الذي في حرف المد قائم مقام حركة ولذلك جاز التقاء الساكنين إذا كان أولهما ممدوداً باطراد في نحو: دَابَّة وآالغلام قال؟.
وبغير اطراد في نحو " الْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبِطَان "٦.
فكما امتنع إدغام المتحرك امتنع إدغام الممدود إلاَّ أنَّ المدّ ألزمُ للمدود من الحركة للمتحرك، فلذلك سُوِّيَ بينهما في التزام زوالهما توصلاً إلى: " إدغام "٧ المتصل؛ لأنَّه أهمُّ من إدغام المنفصل نحو:
стр. 210
" رَادٍّ، ومدعوٍّ " ما لم يكن أولهما بدلاً من مدة فيتعين الفك نحو: " قُووِل " لئلا يلتبس فَاعَل بفَعَّل١؛ ولأنَّ الواو الأولى بدل من ألفٍ فكان اجتماعها بالثانية عارضاً، فلو كان الأول مبدلاً من غير مدة بدلاً لازماً تعين الإدغام نحو: أُوُّبٍ، وهو مثال: أبْلُمٍ من أوَّبٍ، وأصله: أُؤْوُبٌ بهمزتين فأبدلت الثانية واواً على سبيل اللزوم٢ لما تقدم، فأشبهت الواو المزيدة في مثال جَوْهَر من " قول " فقيل أوَّب / (١٩-ب) كما قيل: قَوَّل.
فلو كان الأول مبدلاً من غير مَدّة بدلا غير لازم جاز فيه الإدغام والفك كقوله تعالى: ﴿أثَاثاً وَرِئْيًا﴾ ٣ في وقف حمزة٤، فإنَّه يبدل الهمزة ياء٥، وللآخذ بروايته أن يقول: " رِيَّا " بالإدغام، و " رِيْيَا " بالفك، وفُرِّقَ بين الممدود مع مثله، والمتحرك مع مثله في المنفصل فجاز الوجهان في المتحرك نحو: قَعَدَ دَاوُدُ، وتعين المنع في الممدود نحو: " صَلُّوا وَاحِداً " ما لم يكن جارياً بالتحريك مجرى الحرف
стр. 211
لصحيح كـ ﴿يَاْتِيَ يَوْمٌ﴾ ١ و ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
стр. 212
فصل: [إذا تحرك المثلان في كلمة وجب تسكين أولهما وإدغامه]
...
فصل
فإنْ تحرَّك المثلان في كلمةٍ وجب تسكين أولهما وإدغامه نحو: اشْتَدَّ فهو مُشْتَدُّ، والأصل: اشْتَدَدَ فهو مُشْتَدِدٌ.
وتنقل حركة المدغم إلى ما قبله إن كان ساكناً نحو: أجَدَّ فهو مُجِدٌّ (١) .
فإنْ كان الساكن حرف مد أو ياء تصغير كحَاجَّ وتُحُوجَّ، ودُوَيّبة (٢) ، فلا نقل إذ لا حاجة إليه لقيام المدَّة (٣) مقام الحركة في التوصل إلى الإدغام؛ ولأنَّ الحرف المجلوب للمد لا يحرك لئلا يفوت ما جلب لأجله.
وياء التصغير تشبه ألف التكسير في السكون واللين والزيادة لمعنىً متجددٍ ثالثةً بعد فتحة مطلقاً، وقيل كسره فيما يكسر ما بعد ألف تكسيره فلم يحرك لذلك؛ ولذلك لم يجز لمن قال في " كفء ": كفٌ بالنقل أن يقول في كَفِئٍ كَفِى.
وإن كان الساكن حرف لين غير ما ذكر جرى مجرى الصحيح في نقل حركة المدغم إليه نحو: أودُّ فلاناً وأنتَ أوَدُّ منه (٦) .
فإنْ تصدَّر المثلان امتنع الإدغام إلاَّ أن يكون أولهما تاء المضارعة فقد
стр. 213
اتدغم بعد مَدَّة أو حركة نحو: ﴿ولا تَّيَمَّمُوا﴾ ١، و ﴿تَكَادُ تَّمَيَّزُ﴾ ٢.
ويمنع من الإدغام أيضاً كون المثلين المتحركين واوين في آخر كلمة كَقَوِى؛ لأنَّ الثانية قد نالها الإعلال٣.
وكذلك إن كانا ياءين غير لازم تحريك ثانيتهما نحو: " يحيى"٤ وربما نال الإدغام هذا النوع أنشد الفراء:
وكَأَنَّها بَيْن النِّسَاءِ سَبِيكةٌ ... تَمْشِي بِسُدَّة بَيْتِِهَا فَتُعِيُّ٥
стр. 214
ويمنع أيضاً من إدغام المثلين المتحركين في كلمة كون أحدهما للإلحاق نحو: " قَرْدَدٍ "١، فإنَّه ملحق بِجَعْفَر، فالدال الأولى بأزاء الفاء، والدال الآخرة بإزاء الراء، فلو أدغم لسكنت الدال الأولى ونقلت حركتها إلى الراء التي قبلها لئلا يلتقي ساكنان فلا يبقى حينئذٍ " موازن "٢ ما ألحق به، فيتعين فيه وفي أمثاله الفك ليتبين بذلك كونه ملحقاً٣.
وكذلك لو كان المثلان أصلين مسبوقين بمزيد للإلحاق نحو: " أَلَنْدَد " بمعنى الألَدَّ - وهو الشديدُ الخصومة -٤ فإنَّه ملحق بسفرجل، فيتعين فكه لئلا يصير بالإدغام مخالفاً لما ألحق به.
ومن موانع الإدغام كون الذي فيه المثلان اسماً مخالفاً وزن الفعل كـ " ذُلُل٥، وظُلَل، وكِلَل "٦.
стр. 215
وكذلك مثال: " إِبِل " لو بني من مضاعف لوجب فكه أيضاً لمخالفة وزنه وزن الفعل١، وقد منعوا إدغام " فَعَل " اسماً كـ " طَلَل " / (٢٠-أ) مع كونه على وزن الفعل٢، قصدوا بذلك التنبيه على فرعيَّة الاسم في الإدغام وعلى خفة الفتحة، وأنَّ المتحرك بها إن لم يكن فعلاً ولا اسماً مزيداً فيه مستغن عن التخفيف بالإدغام استغناءه عن التخفيف بالتسكين عند ملاقاة غير المثل، بخلاف المتحرك بالكسرة والضمة فإنَّه خفف بالتسكين مع غير المثل نحو: كَبِدٍ، وعَضُدٍ، فقيل فيهما: كَبْد٣وعَضْد٤، وذلك مطرد في لغة تميم. وكذلك يُصْنَع بالأفعال فيقال في " عَلِم، وظَرُف ": " عَلْمَ وظَرْفَ " وكذلك ما أشبههما٥.
فلمَّا خفف المتحرك بالكسرة أو الضمة بالتسكين عند ملاقاة غير المثل خفف بالإدغام.