Полный текст (260 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ثم قال: وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إني لأعجب كثيراً من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس: نحن المتكلمون، ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا، بنا كثر وانتشر وصح وظهر! كأن سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام؟ لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت! أما يتكلم يا قوم الفقيه، والنحوي، والطبيب، والمهندس، والمنطقي، والمنجم، والطبيعي، والآلهي، والحديثي، والصوفي؟ قال: وكان يلهج بهذا، وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولاً وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومتناولاً من عرضها، وإن كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى.
قال: وكان يصل هذا كثيراً بقوله: والدليل على أن النحو، والشعر، واللغة ليس بعلم، أنك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحا محرما، لم ير حضرياً ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعيه الإبل وانبثاث المناهل وهو مع قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وإن كلف، فقلت له: هل عندك علم؟ لقال: لا. هذا، وهو يسير المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما إذا سمعه واحد من الحاضرة وعاه، واتخذه أدباً ورواه، وجعله حجة.
وكان يقول: هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت الزمان، لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه لأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الآلهي والإقناع الفلسفي! قد بين هذا الباب أرسطو طاليس في الكتاب الخامس، وهو الجدل، كل ما في الإمكان من التعليق به والاحتجاج منه، مع التمويه والمغالطة، بل كثير من المتكلمين لا يصلون إلى غايات ما كشفه ورسمه وحذر منه وأبان عنه، وإن أنضوا مطيهم، وأبلوا جهدهم، سوى ما أتى عليه قبل هذا الكتاب وبعده مما هو شفاء الصدور وقرة الأعين وبصيرة الألباب؟ والكلام في هذا طويل.
стр. 107
المقابسة التاسعة والأربعون
في أن صورة الحركة واحدة وإن وجدت في مواد كثيرة
قال يحيى بن عدي: الحركة صورة واحدة لكنها توجد في مواد كثيرة ومحال مختلفة، وبحسب ذلك تولى أسماء مختلفة، وقد يظن من أجلها أنها في نفسها ليست واحدة، وأن لها أخوات ونظائر. والبحث الفلسفي قد قرن واحدة بواحدة على ما دل الاسم عليه في الأصل، وذلك أنه يقال: الحكة كون وفساد، ونمو ونقصان، واستحالة وإمكان؛ وإنما تباينت هذه الأسماء لمعان تحققت في النفس بالاعتبار الصحيح. فالحركة في النار لهب، وفي الهواء ريح، وفي الماء موج، وفي الأرض زلزلة. هذا باب كما ترى قد حصل في الاستقصات ولم يغادر منه شيء. ثم إن الحركة بعد ذلك في العين طرف، وفي الحاجب اختلاج، وفي اللسان منطق، وفي النفس بحث، وفي القلب فكر، وفي الإنسان استحالة، وفي الروح تشوف، وفي العقل إضاءة واستضاءة، وفي الطبيعة كون وفساد، وفي العالم بأسرة شوق إلى الذي به نظامه، وبوجوده قوامه، وإليه توجهه، وبه تشبهه، ونحوه تولهه وتدلهه.
ثم قال: وهذا بين الحجة، وكل شاد من الفلسفة شيئاً يسلم بهذه الإشارة ويتوصل بها إلى ما هو من جنسها اقتداء بما يتراءى منها ويشيع عنها. والكلام في الحركة في غاية الشرف لأنه دال على كل ما قد اشتمل العالم عليه من العلويات والسفليات، ولا مانع من تقصيه إلا العجز عن جله، والكسل عن بعضه، وبين هذين ذهاب العلم وضلال الفهم. وهكذا حكم من قلت دواعيه إلى الشيء، وكثرت صوارفه عنه.
стр. 108
إلى الله نلتجئ فيما دهمنا وفيما نزل بنا من غيرنا، فما خسر من لاذ به في السراء، ولا خاب من عاذبه في الضراء، إنه نعم الرب والكافي، والمعين والكالئ، والمرشد والناصر، به يوجد كل مطلوب، ويملك كل محبوب، وينجي من كل أذية، ويتعرى عن كل رزية، لطيف التدبير، عجيب التقدير، خبير بجميع الأمور، لا تنكر ذاته، ولا يدرك كنهه، جل معبوداً وعز موجوداً مشهوداً.
المقابسة الخمسون
في الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب
سئل أبو سليمان عن الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب، وعن التنجيم وما يقدر به على أحكام المستقبل، وعن النبوة التي هي في محلها الأعلى ومكانها الأشراف؟ فتصرف في الجواب أحسن تصرف، على سعة من اللفظ والمعنى. ولكن لو نقلت كثيراً منه لنسبوه للكفر وقلة العناية. ومقدار الحاصل منه قد أثبته في هذا الموضع خوفاً من أن يذهب نسياً. فإن وافتني فيه معاندة حاصلة، أو حصلت لي محالة محتملة، فما على إلا الجهد وبذل المطاق، وإذا عذرني المتكلم المنصف، لم أحفل بالمتعنت المسرف، والله يعين أهل الحق بلطفه.
قال: الكهانة قوة إلهية توجد في شخص بعد شخص بسهام سماوية، وأسباب فلكية، وأقسام علوية، فإذا توسطت صارت في منصف البشرية والربوبية، فحينئذ يكون ما يبدو بها مشيراً إلى غيب أمور الدنيا وإلى غيب أمور الآخرة على حد يكون على سواء. والغلب مع ذلك لأمور الدنيا، لأن الإنسان بالطبيعة أكثر منه بغيرها، في الأعم الأغلب والشائع الأشمل، فإن تحدرت هذه القوة قليلاً كانت الإشارة إلى أمور عالية شريفة. ومحل النبوة بين أبناء هذه القوة بالترقي والتحدر، وكلما كان
стр. 109
التباس النفس بالمزاج الموافق، وكان النور المقتبس من هذه القوة أسطع وأعلى، فعلى هذه تتبع قوة المنجم لآثار الكواكب تتبعاً ضعيفاً، لأن الآلة لا تساعده والصبر لا يوافيه، وذلك أنه يتلقى هذه الأمور المنتشرة من تلقاء نفسه ومن ناحية اختياره وقصده وبحثه وليست قوى الكاهن كذلك، أعني ليست تتبع بل هي كالإلقاء والوحي والسانح والطارئ فإن اجتمعت القوتان، أعني قوة التتبع بالصناعة وقوة الاقتباس بالكهانة، ظهر له كل أمر عجيب، وسمع كل قول غريب.
ثم قال: وعلى ما تبين فإن الكهانة أقوى إذا كان صاحبها لا يشوبها بشيء من الحس، وألقاها على صفائها ونقائها، لأن قوتها تنسكب من المحل الأعلى بنسبتها بالعلة الأولى تامة قوية وصحيحة واضحة.
قلت له: فهل يخطئ الكاهن كما يخطئ المنجم؟ فقال: نعم، وليس الخطأ محالاً منه، لأن قوته لا تبلغ الغاية في الخلاص أبداً بسبب تركيبه الذي هو سبب استحالة ما يحاوره بنفسه.
قال له أبو العباس البخاري: فهل يخطئ صاحب النبوة؟ قال: لا، ولكن يسهو، كما في حديث ذي اليدين وسهوه وخطاؤه لا يقدحان في الحال التي رشح لها، ووشح بها، جعل سفيراً إلى الخلق من أجلها! بل يحرس حراسة إن لم تنف عنه كل الظنة لم تعلقه كل قرفة.
قلت له في هذا الموضع: فهل يخطئ بقوة النبوة من غير أن يستقرها ويعرض للخلق من أحلها؟
стр. 110
فقال: لا ولكن يعرض له خيال كما في حديث تأبير نخل الأنصار ثم رجع عن رأيه، وقال لهم: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ولا مانع من ذلك. ولولا هذه القوة التي على حدودها ومائيتها في أشخاص العلماء والبررة ما كان يصح حدس، ولا تصدق نفس، ولا تتحقق ظن، ولا يتوضح وهم. بل هذا أمر في غاية الغلبة والظهور، حتى في كثير من أنفس العوام.
ثم حكى هذا الفاضل، أن رجلاً كان له خدام، وكان مكارياً صاحب حمير، ويخدمه عليها غلمان ويثق به في عمله تجار كبار، وأنه في بعض طرقه وأسفاره سيب الحمير وطرح الأثقال وقال: ليأخذ من شاء ما شاء! وعاد إلى بيته على وله شديد لا ينطق بحرف، ولا يتعلق بأمر، ولا يستوضح خياله شيء، فساء أهله ذلك ومعارفه فعاتبوه وأطالوا عليه، فلما كان في بعض الأيام وقد احتوشوه بكل قول، ورموه عن كل قوس، توجه نحو الحائط وقال: يا قوم مالكم ومالي! وما هذا التعجب والإكثار؟ أما رأيتم من كان قاعداً على مزبلة فنبعت من بين يديه عين صافية بماء كالزلال عذب حلو فشرب منها وتبجح بها وعاشت نفسه بمجاورتها وكانت سبب ريه الذي لا ظمأ بعده وطهره الذي لا دنس معه؟! هذا تمام الحكاية.
قال قائل عند هذا الفصل لأبي سليمان: حدثنا عن قلبه في هذا الموضع، فإنه قد جرى ما لا مزيد عليه ولا تقصير معه، ولا بد من انتهاز كل فرصة يحتملها هذا الباب؟ فقال: الكلام الذي يأتي به صاحب هذه القوة يظهر محتملاً للطعن وهدفاً للتهمة، وطريقاً إلى الغاية الشنيعة.
فقال: هذا بالواجب إن صاحب هذه القوة يرسل الكلام إرسالاً بحدة قوته مرة، وبتوسطها أخرى، ولها في نفسها شأن بالإضافة إلى مزاج صاحبها، بل بالإضافة إلى كل حال عارضة، وإلى كل سبب واقع. والسنة عاملة عملها، والبشرية جارية على خاصتها، فحينئذ يخرج
стр. 111
ذلك الكلام بين مراتب ثلاث: في الغاية التي لا غاية وراءها، وفي الوسط الذي يعتدل فيه، وفي الطرف الأدنى، وفيما بين ذلك كله بالأرجح والأنقص والأقل والأكثر. والتأويل يركب منشورها، والظن يسري في أطرافها، والقلة تجد سبيلاً إلى التشنيع عليه. فلذلك وأشباهه يكون ذلك. على أن هذا إذا تؤمل بالنصفة مقيساً إلى الطبائع المختلفة، والعادات المتباينة، والأعراض المتشعبة، كان في نصاب الحكمة ثابتاً، وعلى مدارجها جارياً، وإلى أصولها وفروعها نازعاً. ولولا ضيق أعطعان الناظرين في هذه الغوامض عن التبت والإنصاف لكان يتجلى هذا كل التجلي، ويزول عنه الخلاف كل الزوال.
قلت لأبي سليمان: أليس لو صفت الحال ها هنا من عارض خطأ وسانح تأويل ومضروب مثل، كانت أبلغ في المعنى وأنفى للتهمة من القذى؟ قال: بلى، ولكن ليس كل ما شهد به العقل بصفائه وطهارته وبعده من الدنس والدرن في أفقه وعالمه، يجوز أن يوجد ذلك على كماله في عالم الحس المشوب الكدر الذي لا ثبات له ولا مستقر. وكيف يجوز أن يوجد كل ما هو بالقوة في كل شيء بالفعل في حال واحدة؟ كأنك تريد أن تعري البشرية! وهذا ما لا يكون ولا يجوز أن يكون. بل تتفاوت مراتب أصحاب هذه القوة بحسب أنصابهم منها حين انقسمت عليهم فتحلوا بها على مقادير مزاجهم وطباعهم ونهوضهم واحتمالهم، وذلك التفاوت هو الذي يعلي حال هذا عن هذا، ويحط شأن هذا عن هذا، إلى أخر أفق الإنسانية المحتملة لغاية هذه القوة العالية الشريفة. ثم إن الأخلاق والألفاظ تابعة لها على ما يبدو به من ضعف العقل والقوة والبيان واللغز والتوسط.
ثم قال: والبلاء الأعظم في أمر الأنبياء أن من الناس من يظن بهم أنهم كذبة أصحاب حيل، ومنهم من يظن أنه لا يجوز أن يقع منهم شيء من القول والفعل يتعلق بما يوجب التهمة ويجلب الشك، وكان وراء هذين
стр. 112
الرأيين من هذين الصنفين القول الحق الذي لا يكون بعده تلبيس ولا تأويل، وذلك أنه ينبغي أن يعلم أن الشخص المخصوص بهذه القوة على الدرجة بها، رفيع المكان معها، ما دام يخبر بها وعنها ولا يمزجها بغيرها، فإنه حينئذ ينبئ عن أعيان الأمور وقلوب الأحوال وعواقب الأيام. فأما إذا عاد إلينا مفارقاً للاقتباس، داخلاً في عادة ذوي الإحساس، فهو كواحد من ضربائه ولداته، إن أصاب فبفطنته، وإن أخطأ فبفطرته. لأنه في مسلك غيره من البشر، ومسلوب من الطين الأول، ذو طبائع أربع متعادية، وعناصر متشابكة، لا فرق بينه وبين غيره البتة ما دام الحال على ما وصفنا وحددنا، وإنما إذا انبعثت القوة بسلطانها، وانبجست النفس ببرهانها، فإن هذا الشخص يأتي بكل ما يهدي العقول، ويصلح الأحوال، ويقنع النفوس، وينظم المصالح، ويقوم الأخلاق، ويهذب الطبائع، ويكون نوراً للعالمين ورحمة للخلق أجمعين.
ثم خرج من سياجه هذا للفرق بين الشريعة والفلسفة. وحضر الجماعة المساء ولم يستوف ذلك على حقه. ولعلي أعود على هذه المقابسة فآتي بما يكون محيطاً بأكثر قوله في موضع آخر عن غير قصد يغلب حداً، بالكلام الذي يعقد أوله بآخره، وساء تأليفه من جميع حواشيه، وبان التقصير في نشره وروايته. على أنك أدام الله حياتك لو علمت على أي حال نقل هذا القدر، وفي أي وقت قلب، ومع أي شغل، لا ستكثرت قليله، وحمدت الموافق له. وما أكثر ما أخذت نفسي بتحويل ذلك كله إلى نمط آخر بطراز آنق من هذا الطراز، واحتراز أشد من هذا الاحتراز، إذا أذن الله بزوال ما هم النفس والبال، وانحسار ما دهم الصغار والكبار، بمنه الشائع وفضله المشهور.
стр. 113
المقابسة الواحدة والخمسون
في أن تقرير لسان الجاحد أشد من تعريف قلب الجاهل
قلت لأبي سليمان: لم قيل لسان الجاحد أشد من تعريف قلب الجاهل؟
فقال: لأن تعريفك يوصل إلى قلبه مرادك من غير أن يقدر على محاجزتك بالمنع والامتناع، وذلك أنه لا حجاب على قلبه ولا حاجز دون عقله، وليس هكذا تقريرك للسانه، لأنه ينكر به ما يعرف بقلبه، ويميل إلى البهت، شراداً على الحق، وذهاباً مع العنت، واللسان يطاوعه على السكوت، والقلب لا يطاوعه على الجحود.
قيل له: قد يكون دون القلب أيضاً كن الجهالة، وغطاء الغباوة وضباب البلادة، فلا يكون تعريفك موصلاً إليه مرادك.
فقال: متى كان الأمر على هذا لا يكون قلبه جاحداً، إنما يكون بما يرد عليه جاهلاً، وإنما استقام الكلام الأول على قلب عرف فعرف، فكان التعريف أسهل على القلب من الإقرار على اللسان، واستشهد فكذب، فكانت ذات برهان واضح، فمن المحال أن يقال بعد هذا: قد يكون دون القلب مانع، كما يكون دون اللسان مانع، لأن ما حددنا به المسألة قد فصل الحال، وبين المراد.
стр. 114
المقابسة الثانية والخمسون
في هل دون فلك القمر فلكان هما سبب المد والجزر ؟
سمعت غلام زحل ببغداد يقول: ألسماء هي الجسم الذي فيما بين نهاية كرة فلك القمر التي تلينا إلى نهاية العالم، وجميع كرات السماء على ما صح عند الحكماء تسع كرات أقربها إلينا كرة القمر.
وسمعت بعد هذا ابن بكير يقول: دون فلك القمر فلكان، هما سبب المد والجزر، يقطعان الفلك في كل يوم وليلة مرتين.
وكان هذا من آراءه التي تفرد بها، ولم أجد أحداً يوافقه على شيء منها، وخاصة هذا الرأي. ولأنه ليس لنا في هذه الصناعة مدخل ولا منفذ لم نقصد الرد عليه، ولكنا عجبنا من مخالفته الأوائل الذين قد أقاموا البرهان على خلاف دعواه. والصناعة برهانية. فليت شعري أي برهان قام له على هذه الدعوى؟ والبرهان معروف وهو القياس الذي يعطي صورة الحق غير مشوبة ولا حاملة؟ وله أيضاً أشياء أخر أنشأها من تلقاء نفسه وانتحلها ودعا إليها وأعجب بها إعجاباً شديداً. والطبيعيات والآلهيات قد ذكرناها في رسالة إلى بعض الناس، ولهذا لا عائدة في حكايتها ها هنا.
ومات هذا الرجل، أعني أبا سعيد صاحب هذه الأقوال لسبع خلون من ذي القعدة سنة ٣٨٦ ست وثمانين وثلثمائة.
стр. 115
المقابسة الثالثة والخمسون
في علة اختلاف الأجوبة في المسائل العلمية
قيل لأبي بكر الصيمري: لم لم يكن لكل مسألة من العلم جواب واحد؟ فقال: من المسائل ما هو كذب، ومن المسائل مسائل لها توجهات وحواش، فيختلف الجواب من المجيبين بحسب نظرهم من تلك الجهات والحواشي، أو بحسب العبارات التي تجزل مرة وتضعف أخرى؟ قال: وبعد، فالأشياء متشاهدة متعاضدة، أعني أن بعضها يشهد لبعض، وبعضها يعضد بعضاً، لأن الفيض الأول والجود العام، واصلان إلى كل شيء بمقدار ملائم لكل شيء، فإذا وقع بحث عن شيء مجهول وتعاضدت الأدلة فيه. وتشاهدت المشابهة له، وتقاطرت النظائر عليه، فصار الجواب من رجه مخالفاً لجواب آخر من وجهن فلهذا وأمثاله كان ما سألت عنه وطالبت به، وليس الحق مختلفاً في نفسه، بل الناظرون إليه اقتسموا الجهات فقابل كل منهم من جهة ما قابله، فأبان عنه تارة بالإشارة إليه، وتارة بالعبارة عنه، وظن الظان أن ذلك اختلاف صدر عن الحق، وإنما هو اختلاف ورد من ناحية الباحثين عن الحق.
стр. 116
المقابسة الرابعة والخمسون
في فضيلة العقل وقيمة الحياة ومزية العافية
سمعت عيسى يقولك لو أن الأولين اجتمعوا في صعيد واحد واعتبر كل واحد قوة الباقين لم يجدوا العقل مصيبين مسهلين، ووجدوا شعاعه ونوره، وشرفه وبهاءه ونبله وكماله، وبهجته وجماله، وزينته وفعاله، لما بلغوا منه حداً ولا استوعبوا من ذلك جزأً. أنظر إلى من فقده ولم يوهب له شيء منه كيف يرفض ويخذل، ويعادي ويسترذل، ويهرب منه، ويستوحش من قربه وكلامه، وحتى الذي قد ولده وفصل منه ويجري مجراه؟ قال: فأما الحياة فإنها ينبوع للفرح والهم، واللذة والمعرفة، والحس والحركة، لا تمام للإنسان إلا بها، ولا قوام إلا معها، ولذلك إذا نظر إلى الميت استوحش منه، وتبرم به، وعوجل به إلى القبر، وأبعد في الأقطار. لأن الحياة التي كانت مهاد الأنس، ورباطاً بين النفس والنفس، فقدت.
قال وتجري العافية بعد هذين مجراهما، وذلك أن العليل متى طالت علته واشتدت وعظمت تلكأ عنه آنس الناس به، وهرب منه أحدب الناس عليه. فالعقل والحياة والعافية أثا في النعمة الكبرى، ودعائم العطية الأولى، وكل ما عاداهن فهو دونهن، وكلما فارقهن يسقط عنهن. والحياة وعاء، والعقل متاع، والعافية استعمال.
ثم قال: نسأل الله حياة طيبة، وعقلاً نافعاً، وعافية متصلة.
قيل له: لم لم يذكر الفقر وهو من قبيل الموت، ولا الغنى وهو من حيز الحياة؟
стр. 117
فقال: كل هذه الأشياء بعد الحياة والعقل والعافية، فروع. فإن الإنسان بعقله يصبر على الفقر، وبعقله يجتلب الغنى، وبعافيته يبلغ الغاية ويكتسب السعادة، والعقل في جميع أحواله. فيتصرف بثمرة الراحة مرة، وبالصبر مرة ويريه الحكمة فيما فشا وسر، ويؤديه إلى السعادة في كل ما أقبل وأدبر، لأن العقل متى حل شخصاً أضاءه وأناره، ومتى فارق شخصاً كدره وأباره.
والكلام في العقل مضطرب جداً، خاصة إذا ترنم بتمجيده من وفر الله حظه منه، وصبغ كله أو بعضه به، وغمس ظاهره وباطنه فيه، وبسط سداه ولحمته عليه. ولا بأس مع هذا الاعتراف بشرفه أن أكتب لك في هذا الموضع ما يغذو روحك ويحدث الأريحية في نفسك، ويشحذ ما كل من ذهنك، وينزح ما غار من فهمك، ويفتح تغميض بصرك، ويطرد سنة قلبك، ويؤلف بينك وبين حقك.
اعلم أن العامة وكثيراً من الخاصة، لا يعرفون العقل ولا يحقون حده، ولا يتصرفون في وصفه، ويكتفون في معرفته بأن يقولوا: هو عرض أو جسم أو آلة بها يتميز هذا التمييز، ومن أجلها يتكلف هذا التكليف، أو يكيف هذا التكيف، وربما قال الحاذق منهم: هو مأخوذ من العقال. وسمعت البصري المنبز بجعل يقول: العقل هو مجموع علوم هذه اللفظة. والعبارة عن العقل أكرمك الله مقسومة على قدر ما يريك منه ويلحظ به ويؤكد السبيل إليه، فإما أن يقال إنه موجود ومكشوف، فهو سعة الكلام واقتدار القائل وتقريب المعرف. وسمعت في بعض ما يقال أيضاً في وصفه أنه مطبوع ومصنوع. هذا قريب من الذي تقدم. والذي يقربك من الحق في هذا ويدنيك إلى اليقين ويلبسك جلباب السكون، أن تعلم أن العقل بأسره لا يوجد في شخص إنسي، وإنما يوجد منه قسط بالأكثر والأقل، والأشد والأضعف. والموجود في العامة وأشباه العامة إنما هو قوة متصاعدة عن الطبيعة قليلاً بعد التباسها بها قد فاءت عليها بظل النفس الناطقة، على
стр. 118
ضعف دون ضعف، وتزايد، وبها باينوا كل حيوان دونها مباينة تامة من وجه، وضارعوا مع ذلك كل حيوان دونها مضارعة مختلفة من وجه. فأما وجه المباينة فظاهر بالشكل والتخطيط وانتصاب القامة وسائر الخواص الدالة على ذلك، فله الجزء الذي هو للجنس بالنظر المنطقي. وأما المضارعة المختلفة فمعترف بها بشهادة التصفح وثمرة الاستقراء، ألا ترى أن الإنسان يوجد له زهو كزهو الفرس، وتيه كتيه الطاوس، وحكاية كحكاية القرد، ولقن كلقن الببغاء، ومكر كمكر الثعلب، وسرقة كسرقة العقعق، وعيافة كعيافة الغراب، وجرأة كجرأة الأسد، وجبن كجبن الصفرد، وإلف كألف الكلب. وأشياء من هذا النحو تكثر، وهي تجاه العيون وإزاء العقول؟ فقد بان ووضح القدر الذي حصل لهذه الطائفة وما هو وكم هو، بهذا التعريف والتمثيل.
ثم إن هذه القوة قد ترقى ترقياً بعد ترق حتى تلتبس بالنفس الناطقة التباساً ما، إلا إنه يكون معها ظل من الطبيعة على قلة وكثرة وزيادة ونقصن فيكون الصواب أغلب، العرفان أقرب، والوجدان أكثب، والثقة أكثر، والإستبانة به أخص. وهذه هي قدر ما حصل لجميع من فضل عن العامة في حاله وعلمه.
ثم إن هذه القوة تصفوا في تلك الخطط والمعاني التي هي العقل فيلحظ صاحبها الأمور بحقائقها، مستوعبة بحدودها، مخلصة من موادها، على خاص ما لها من بسائطها. وها هنا يقال: إن الولاية للخبر الآلهي والمعنى الربوبي. وعند ذلك تكون القوتان الأخريان ضعيفتين، أعني قوة الشهوة وقوة الغضب. والجملة تكون الطبيعة معزولة وحكمها كحكم بعض الرعية المسوسة بعزة الساكان الملك العدل. وهذه حال من وصل إليها وحصل عليها، فقد أوفى على رياض القدس وحاز ذخائر النفس، ونقى من أدناس الأنس.
وذكرت ها هنا كلمات تلتاط بما سلف، كنت سمعت أبا سليمان تناقل بها
стр. 119
في عروض حديثه عند طيب نفسه. قلت له: لم نسمع من المجنون الحكمة بعد الحكمة؟
فقال: أتسمع من الذي ليس بمجنون الحماقة بعد الحماقة؟ فالبادر من هذا كالبادر من ذاك.
فقال له البخاري: فما هذه الأشباه، وما الجزء فيها وما العلة الجالبة لها؟ فقال: المجنون من جنس العقلي، فبحق هذه المشابهة ما ينطبق بالفائدة ويسبق إلى الحكمة ويطلع على البديهة. وكذلك الغافل من جنس المجنون، فبحق هذا الشبه أيضاً ما يهذي في وقت ويزل في آخر، وينطق بالخطأ وينصر الباطل، وهذا منسوب للذي فيه من حصة الهيولى، يبدر منه هذا النقص، ولذلك القسط الذي فيه من صفة الصورة يبدر منه ذلك الفضل، إلا أن هذين البادرين في هذين الشخصين لا يرفعان الحالين الظاهرين على الشخصين، أعني أن المجنون بقدر ما بدر منه لا يكون عاقلاً، والعاقل بقدر ما بدر منه لا يكون مجنوناً، ثم أيضاً جميع العقلاء والمجانين مختصين على هذا المنهاج.
ثم قال: فهذا الذي يقول به أهل الكلام في طرائقهم، ليس بعقل، وإنما هو شبيه به أو شيء معه ظله أو حكمته وخياله، ولهذا ما ما خالطهم الهوى واستحوذ عليهم التعصب، وحسن عندهم التقليد ودب في نظرهم، وخذلهم اللجاج والصياح، وانفتح باب الحيرة عليهم، وسد باب اليقين عنهم. قال: ولهذا قل تألههم وتنزههم، وصاروا بتكافؤ الأدلة متجاهرين ومتساترين على هذا وجدنا أعلامهم وكبراءهم، ولولا إبثار التقي لذكرت لك أعيانهم وأسماءهم.
سمعت ابن عباد بالري سنة خمسين يقول: طبع العقل على أن يشهد للباطل كما يشهد للحق، ولهذا اختلف العقلاء في جميع أمر الدين والدنيا وهذا أبقاك الله كلام خبيث، وقد تكلمت عليه في كتاب النوادر مع
стр. 120
جميع علائقه وغواشيه، ولولا ذلك لكان يجب أن لا يثبت هذا القول ها هنا على وجهه، ولعمري إن عقله وعقل ضربائه كذلك، ولا أزيد على تهجينه بما يخرج عن حد الأدب المرضي، ويزايل أحكام الخلق الزكي، وقد جرى هذا الكتاب في ترتيب العقل وتحقيق المعقول وبلوغهما إلى ما يكون به العاقل عقلاً ومعقولاً ما يشفي الغلة، فانتبه واسعد به.
المقابسة الخامسة والخمسون
في أن بعض المسائل توجد بالفكر والروية
وبعضها بالخاطر والإلهام
سئل أبو سليمان فقيل له: لم وحد فينا شيء لا يبرز إلا بالروية والفكر والتصفح والقياس، وشيء بالخاطر والبديهة والإلهام والوحي والكلفة حتى كأنه كان حاضراً بنفسه مترصداً لبروزه؟ فقال: لأن البديهة تحكي الجزء الآلهي بالانبجاس، وتزيد على ما يغوص عليه القياس ويسبق الطالب والمتوقع. والروية تحكي الجزء البشري، وكذلك الفكر والتتبع والإستمداد والتوقع، فمن أجل انقسام الإنسان بين شيء ينبعث به مسشتاقاً إلى مطلوبه، وبين شيء يبعثه شائقاً إلى مطلوبه، ما وجب أن يكون له روية، وهي به، وبديهة هي إليه. وكان يقول: ولهذا لا تتوفر القوتان معاً بالإنسان الواحد، أي لا يوجد الإنسان غاية في البديهة غاية في الروية، لأن إحدى القوتين إذا اشتغلت قمعت الأخرى وحاجزتها عن بلوغ الغاية القصوى.
قلت له: فأي القوتين أشرف؟ فقال: كلتاهما على غاية الشرف، إلا أن البديهة أبعد من معاني الكون
стр. 121
والفساد، وإغنى عن ضروب الاجتهاد والاستدلال، والروية ألصق بكمال الجوهر وأشد تصفية للطينة من الكدر.
ثم قال: والروية والبديهة تجريان من الإنسان مجرى منامه ويقظته، وحلمه وانتباهه، وغيبته وشهوده، وانبساطه وانقباضه، ولا بد من هاتين الحالتين، ومن ضعف فيهما فاته الحظ المطلوب في الحياة والثمرة الحلوة من السعي.
فقال: ليس حكمهما في اللسان أظهر من حكمهما في القلب، فإن للقلب بديهة بالسانح، وروية بالاستقرار، أحدهما في حيز الهيولى والثاني في حيز الصورة. ولما كان الإنسان متقوماً بهما كانت نسبته فيما يفرغ إليه على حد حصته فيما تأهل عليه.
ثم قال: على الإنسان حالات بحسب المواد الحاضرة والأسباب المؤثرة والقابلة، تعتدل بديهته ورويته فيها، أو يسبق أحدها ثم يستمر ذلك الاستمرار ولا يدوم ذلك السبق، وهما قوتان آلهيتان إلا أن إحداهما متصلة به والأخرى واصلة إليه، وليس كل متصل به ينفصل بسهولة، ولا كل واصل إليه يصل بسرعة.
ثم قال له في هذا الموضع أبو زكريا الصيمري: الكمال عزيز؟ قال له: أو تدري لم؟ قال: أفدنا أبقاك الله على عادتك ولا تندمنا نقصنا بمطالبتك.
قال: لأن الكون والفساد واسطة لهما، فالمقوم بها لا كمال له، لأن الكمال في الوسط لا في الطرف، ولكن ليس الرقي كالهوى، ولا الهبوط كالصعود، ولا ما يزان به مثل ما يشان به، ولا ما نعذب به مثل ما نثاب عليه، إنك لعلى جدد لو كان لي منك مدد.
واندفع في هذا وشبهه حتى فرق بينه وبيننا المساء، فسقى الله تيك الساعات التي كانت تتضمن بهذه الراحات، أنظر إلى بقاياها المرسومة بالخط، المدونة بالقلم، المحكية باللفظ، والله إن مساربها في النفس والعقل والروح كانت تنسي كل
стр. 122
حال مشهودة، وتسلى عن كل غاية محدودة، ومذ ضرب الزمان بالإسداد دون هذه الرياض والأنوار، كبا كل زند؛ وخاب كل أمل، وخبت كل جمرة، وكل كل حد، وحتى لو أعدنا النظر في هذا القدر المذكور دارسين، لخرجنا منه عارين، وانقلبنا من الخاسئين، وإلى الله الشكوى فهو المعين.
المقابسة السادسة والخمسون
في مراتب الإضافة
قلت لأبي سليمان: أحب أن أسمع كلاماً في مراتب الإضافة التي هي مستولية في جمل حالاتها مثل قولي: هذا، وهذا لي، وهذا مني، وفي، وعلي، وإلي، ولدي، وعندي، وما ضارع ذلك؟ فقال: أما تعلم أن الإضافة في هذا الموضع كلها إلى الجزء الآلهي؟ لأن الإنسان محدود بأنه حي ناطق مائت، فالحي في أحد الطرفين في السكون والمائت في الطرف الآخر بالدثور، والحال المفروضة بين الطرفين تكون إنساناً، وهذا الاسم هو له بالحقيقة ما دام في الكليات، أعني الطبائع والعناصر والشمائل، وبه يكمل هذا النوع من الكمال، فإذا أضاف هذا الإنسان شيئاً إلى نفسه فإنما يضيفه إلى الآلة التي تستحق الإضافة كلها بالإطلاق، لأن مراتب الإضافة مختلفة من مرتبتين الحائط، وماء النهر، وسرج الدابة، إلى يد الإنسان، إلى فضل زيد، إلى ما لعمرو، إلى كوكب الفلك، إلى العلة الأولى. فمحار كل هذا إلى شيء واحد، ولكن الصوادر عنه متباينة، والقوابل منه مختلفة، وكيف كان ذاك فقد بان ووضح أن إضافة الإنسان
стр. 123
إنما هي إلى شيء مستحق للإضافة، وليست على باب التحريف والإضافة.
ثم قال: إن مبدأ المضيف إلى المضاف إليه للمضاف، ومبدأ المضاف إلى المضاف إليه هو مبدأ المضيف، ومبدأ المضيف هو مبدأ الإضافة. ألا تعجب أن الحال في هذا المقول دائرة متى فرضت شيئاً منها كان مفروضاً على ذلك؟ لأنك تجد مطلوبك من أي ناحية التمسته، وتلقى محبوبك من أي جهة أتيته قال: وهذا لأن الكل هو، وهو الكل والكم.
المقابسة السابعة والخمسون
في الحظوظ والأرزاق
قال أبو العباس البخاري لأبي سليمان وقد جرى كلام في الحظوظ والأرزاق: لعل الذي عنى لي في أن العالم والأدبة؟ في الحكمة والتبين والاستنباط هو الذي إليه هذا الأمر دون غيره من الأمور، فلما تولاني بما هو إليه بلغ بي، فأما ماعدا هذا من الحظ والرزق والكفاية فلعله إلى غيره فلذلك ما تركت مهملاً في شيء وتوليت ملقنا في آخر، ولوعني في صاحب المال لبلغت غاية الكمال، ولو كنت أغني عن ملاحاة الرجال، وعن إعادة القيل والقال؟ فقال له: ليس كذلك، بل المعنى بهما واحد، وإنما تختلف هذه الحكمة ويشكل القضاء عليه في عالم الحس وعرصة الزخرف وأرجاء الماء والطين. والدليل على ذلك أن الحائك لا يزرع القطن، والخياط لا ينسج الثوب، والخباز لا يذبح الشاة، والعطار لا يدبغ الجلد، والزفان لا يضرب بالعود،
стр. 124
ولو أمكن لفعل كل واحد جميع ذلك، وكان الإنسان يكمل بوفائه بكل شيء وإتمامه لكل شيء، وبالواجب خالف حكم الحس حكم العقل في المعقول. كل مختلف متفقاً، وكل كثير واحداً، وكل بعيد قريباً؛ وكل متعذر سهلاً، وكل عصي سمحاً؛ وكل مظنون متيقناً. وذلك لأن الوحدة العقلية في الكثرة الحسية مدمجة ولو استوى الطرفان لسقط البحث وزال المراء، ولكان لا يشتاق الغريب إلى وطنه، ولا يحن إلى معدنه؟ ثم أنشد في هذا الموضع بيتاً ولم أدر من قائله وهو:
حن الغريب إلى أوطانه طرباً ... إن الغريب إلى الأوطان حنان
قال: فعلى هذا موليك في العلم حتى منحك ما تراه هو موليك في الرزق حتى زوي عنك ما تتمناه؟ لإبائك قبول الكمال في الحاشيتين، لا لانقطاع الجود عنك في الوجهين. وهذا الإباء ليس لك فيه ذنب، وذلك الفيض ليس فيه عجز، ولكن هكذا هو؛ وأنا أستحسن بيتاً يأتي على أصل الباب وفرعه لقائله ولله دره وهو:
فإن تصبرا فالصبر خير مغبة ... وغن تجزعا فالأمر ما تريان
ثم قال: على أنه وإن كان قد شرفك بما منحك من الحكمة، فقد نظر لك فيما قلل حظك منه، وكفاك مؤنة سياستة ومؤنة الأسف عليه، وخلصك فصرت أربح الساعين وأغبط المجدودين بما تعلمه أنك مفضل فيه على كثير من بني جنسك ولداتك الناشئين معك، والضاربين بسهمك، فلا تكثر الأسى على شيء هو الظل الزائل، والحلم الباطل، وعليك في حياتك بما يكملك في الجملة، وبحملك من الأدب، ويفضلك من البيان وينبل من ألخلق، ودع ما سوى ذلك فإنه جلل.
стр. 125
المقابسة الثامنة والخمسون
في أننا نساق بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة
سمعت أبا سليمان يقول: نحن نساق بالطبيعة إلى الموت، ونساق بالعقل إلى الحياة، لأن الذي هو بالطبيعة قد أحاطت به الضرورة، والذي بالعقل قد أطاف به الاختيار، ولهذا الفرق الذي استبان وجب أن نستسلم لأحدهما ونتحرم للآخر، ولا يصح الاستسلام إلا بطيب النفس فيما لا حيلة في دفعه، ولا يتم التحرم إلا بإيثار الحد فيما لا ينال إلا به، والضروري لا يسعى له لأنه واصل، والاختياري لا يكسل عنه لأنه غير حاصل لديك، فانظر أين تدع توكلك فيما ليس إليك، ومن أين تطلب ثمرة اجتهادك فيما هو متعلق بك.
ثم قال: نحن نقضي ما علينا، ونجتهد في ما لدينا، ويجري الدهر بما شئنا أو أبينا.
ثم قال أيضاً في هذا الفصل على تقطع علائق الحديث ومحادثة بعض الحاضرين: الإنسان مسجون بالضرورة والاختيار، وعلى ذلك فمعاده إلى غايته التي هو متوجه إليها من جهة اختياره، ومتوجه به نحوها من جهة اضطراره. وهذه كالحيرة ولا سبيل إلى محيرها واستبانة كنهها بحق ما عرض، لأن الصورة عنونت الاختيار، والهيولى رسمت الاضطرار، والذي يكونه بهما يضرب على حديهما ووتيرتيهما، وإنما كا الاختيار منسوباً إلى الصورة بحق الشرف، وإنما كان الاضطرار منسوباً إلى الهيولى بحسب الخسة. والإنسان كالإناء لهما، وبالتباسه بهما والتباسهما به ما عرض هذا الصراخ والعويل، واحتيج فيه إلى القال والقيل، والله المستعان في كل ما عز وهان، فليكن هذا مقنعاً إن لم يكن شافياً، والسلام.
стр. 126
المقابسة التاسعة والخمسون
في أن الحس قد يحتد بالنفس الغضبية
سمعت عيسى بن علي بن عيسى يقول: لما كان الحس يحتد بالنفس الغضبية حتى ترى لصاحبه تعدي محسوسه بالحياة كرجل يتعرض للسيف والحرب، والمقام الصعب، ليفشو ذكره، ويطير صيته، ويعلو شأنه، ويشار إليه بالإصابع، ويتحدث بحديثه في المجامع. لم يكن للعقل أن يشرق بالحق ويستنير بالخير، ويلتذ بالصدق، ويتملى بالصواب، وتستملي النفس عنه حقائق الموجودات، ويشرف به على عواقب المطلوبات والمقصودات، حتى يجد صاحبه تعدى معقوله بهذه الحياة المموهة الباطلة، لينال حياة تامة كاملة دائمة خالدة لا إثم فيها ولا تبعة ولا كدر ولا مشقة. هي حدة إلهية، ونهاية عقلية، وهيئة وجدية، وجال ليس عليها بيان موصوف، بلفظ مستور أو مكشوف.
وتكلم بهذا عند حديث رواه في الوقت بعض الحاضرين: زعم أنه رأى رجلاً قد ضربه السلطان بالسياط، بالجناية، وأنه كان يطاف به وهو عريان على جمل بين الأشهاد، فبلغ مكاناً وقف فيه الجمل لعارض، فدنا منه صبي وشاوره بشيء، فقام المضروب هذا على ظهر الجمل قائماً وبسط يده على حائط كان إلى جانبه ثم سمرها بيده الأخرى بخنجر وبقي معلقاً، وعبر الجمل وهو كذلك، فتعجب الناس من نفسه ومرارته ومن الأمر الذي هجم به على ذلك وزينه في عينه! فأفادنا بعقب هذا الحديث هذه الفائدة ومدارها على أن صاحب العقل الذي لحظ به الرتبة الكبرى، وأشرف به على الغاية
стр. 127
القصوى، واستهان من اجله بالحياة الدنيا، أجدر أن يفزع عن خلائقه ووتائره التي قد ارتبطته وأورطته، وأنه أهلا لذلك وهو به أليق وعليه أقدر وفيه أعذر، وأن الصواب موكل به وناصر له، بقدر ما كان الخطأ مؤكلاً بالأول وواضعاً منه.
المقابسة الستون
في النثر والنظم وأيهما أشد أثراً في النفس
قال أبو سليمان، وقد جرى كلام في النظم والنثر: النظم أدل على الطبيعة، لأن النظم من حيز التركيب. والنثر أدل على العقل، لأن النثر من حيز البساطة. وإنما تقبلنا المنظوم بأكثر مما تقلبنا المنثور لأنا للطبيعة أكثر منا بالعقل، والوزن معشوق للطبيعة والحس؛ ولذلك يفتقر له عند ما يعرض استكراه في اللفظ. والعقل يطلب المعنى، فلذلك لا حظ للفظ عنده وإن كان متشوقاً معشوقاً. والدليل على أن المعنى مطلوب النفس دون اللفظ الموشح بالوزن المحمول على الضرورة؛ أن المعنى متى صور بالسانح والخاطر وتوفي الحكم لم يبل بما يقويه من اللفظ الذي هو كاللباس والمعرض والإناء والظرف. لكن العقل مع هذا يتخير لفظاً بعد لفظ، ويعشق صورة دون صورة، ويأنس بوزن دون وزن، ولهذا شقق الكلام بين ضروب النثر وأصناف النظم. وليس هذا للطبيعة؟ بل الذي يستند إليها ما كان حلواً في السمع، خفيفاً على القلب، بينه وبين الحق صلة، وبين الصواب وبينه آصرة، وحكمها مخلوط بإملاء النفس، كما أن قبول النفس راجع إلى تصويب العقل.
ثم قال: ومع هذا ففي النثر ظل النظم، ولولا ذلك ما خف ولا حلا ولا طاب ولا تحلا، وفي النظم ظل من النثر، ولولا ذلك ما تميزت
стр. 128
أشكاله، ولا عذبت موارده ومصادره، ولا بحوره وطرائقه، ولا ائتلفت وصائله وعلائقه.
وقال كلاماً أكثر من هذا وقد أخرته إن شاء الله لرسالة معدودة في الكلام على الكلام، ثمرة هذا بتمامه فيها مع سائر ما يكون له بشرح تام وعناية بالغة، إن ساق الله إلى غايتها، ورفع هذا الفساد الذي قد منع من كل ما تهم النفس به من الخير، وصد عن كل ما يكون سبباً للسعادة. ولا ملجأ إلا إلى الله في كشف هذه الضراء، وإماطة هذه الأواء، فهو أول كل خير، وميسر كل طالب وناصره.
المقابسة الواحدة والستون
في أن النفس قابلة للفضائل والرذائل والخيرات والشرور
قال أبو سليمان، وأنا أقرأ عليه كتاب النفس للفيلسوف سنة ٣٧١ إحدى وسبعين وثلثمائة بمدينة السلام.
إن النفس قابلة للفضائل والرذائل، والخيرات والشرور، والأخلاق التي تعسر من وجه في تهذيبها ويتأتى ذلك من وجه آخر لعلة عجيبة، ولذلك أن الحيوانية منه للإنسان أخلاقاً، وهي لا تستحيل ولا تتغير. ولناطقة أيضاً أخلاق تترقى بها وتكمل، فما أخذ من الأخلاق في طريق الطهارة والصفاء، فهو في قبيل القوى الناطقة، وما صعب منها، فهو في قبيل الحيوانية. وليس يجب على الناظر المتحرز، والمجتهد المتعزز، أن ييأس من صلاح ما يمكن صلاحه لتعذر ما لا يمكن ذلك فيه. وقد شفي الكلام في هذا الباب أبو زيد البلخي في كتابه الذي سماه باختيار السيرة ومن استوعب ذلك بفهمه وتذوقه بعلمه لحظ من هذا الباب أبعد مرام، وفاز
стр. 129
منه بأوفر السهام، وعلى كل حال فاقصد مؤثر، والاجتهاد مثمر، والراية منصوبة، والطريق جدد، والشوق باعث، والنزاع متصل، والنداء عال، والاستجابة ممكنة، والتقرير أخذ الأهبة وتقديم العدة. فلعلك ترتقي بطهارة أخلاقك، وتهذيب سيرتك، وإصلاح حركاتك، وتمييز نومك من يقظتك، إلى معادن عزك، ومعدن فوزك، حيث لا حاجة ولا مذلة، ولا كثرة ولا قلة، حيث يكتنفك الغبطة والسرور، ويعمرك الروح والحبور، حيث لا تحتاج إلى ذكر، لأنه لا يعتريك نسيان، ولا تفزع إلى طبيب، لأنه لا يصيبك داء، ولا تتمنى شيئاً، لأنه لا يفوتك محبوب. ذاك محل لولاه ما اندفع الخطيب المصقع والعاقل المبين دهراً ودهراً لتنظيف بهجته وزينته، وشرفه وكرامته، ورفعته وسناه. ولم يلم بأدنى حقائقه، ولا بأخف ما يتشتت الوهم به، وإن أعانه بنو جنسه وفتحوا عليه أبواباً فوق أبوابه. وكيف لا تكون تلك الغاية نفيسة، وتلك النهاية عزيزة، وتلك العرصة مأنوسة، وتلك العقوة مقدسة، ولا شرع إلا وهو مشوق إليها، ولا عقل إلا وهو يحث عليها، ولا بال إلا وهو منوط بها، ولا لسان إلا وهو آثر عنه، ولا روح إلا وهو متعلق به طمعاً فيها، فكل ما دونها سراب وكل سعي دون تحصيلها تباب، وكل تجارة في غيرها خاسرة، وكل أمنية دونها خائبة. والله لو أن أحدنا حاول وصلة بينه وبين أحد يشرف بجده عنده، وعز يناله به، وراحة يتعجلها منه، بكل عزم وجد، وكل كذح وجهد، مع يقينه بزواله واضمحلاله، إذا نال وأدرك، كان غير ملوم في سعيه، ولا معذول عن غدوه ورواحه، ولا يهجن الرأي في ملتمسه؟ فكيف إذا قصر همه على طلب الزلفة في دار الخلود، ونزع إلى مواصلة من به وجد كل موجود؟ والسلام.
стр. 130
المقابسة الثانية والستون
في كلمات قبلت في الطبيعة والصورة والهيولى
على نمط كلمات لبطليموس
هذه المقابسة أثارها قولنا لأبي سليمان المنطقي: ما أحسن كلمات لبطليموس في الثمرة؟ فإنها كالشذور المنتخبة، والدرر الثمينة، والأعلاق النفيسة، ولقد شرفها أناس أفادوا فيها وأفادوا منها، وما أحوجنا إلى إخراجهن في الفلسفة الآلهية والطبيعية! فإنها توعي وتحفظ، وتروي وتلفظ، وتصير كالجواهر التي تصلح للذاخر، والأشجار التي تثمر في كل إبان، والمواد التي خير فيها الإنسان؟ فقال: خذوا إذاً من ذلك ما يسمح به الوقت، ويجود به واهب العقل، فإن فسح الزمان كررنا عليه بالتنقيح والإصلاح، وما يكون له كالشرح والإيضاح.
ثم قال: الطبيعة عش الكون والفساد؛ والكون والفساد ركبا من البقاء الكاذب، والبلي الصادق. والنفس معدن الفكر والوهم، وهما بابا التمييز والذهن والفهم. العقل نهاية الشرف والكمال، به يكون نيل السعادة الكبرى من العلة الأولى. والطبيعة كذوب لا تصدقك إلا بإكراه النفس. والنفس صدوق لا تكذبك إلا بإكراه الطبيعة، والعقل رقيب يحفظ، وشاهد يؤدي، وثقة يؤمن؛ فمن استشاره منتصحاً أصاب، ومن أضرب عنه مغتراً طاح وخرج عن إصابة الحق. وبين الفساد فيه فرق يفيت أو يفيد، فنظر أمراً لنفسه ذلك عدمان بهما يكون ويفسد ذلك وجود واحد به يبقى ويسعد. إنما دخل الخلل الإنسان من ناحية اعتداده في عالمه هذا
стр. 131
حتى نسي بطبيعته ما كان يزود نفسه من عالمه ذاك. أعرف حقائق الأمور بالتشابه فإن الحق واحد، ولا تستفزك الأسماء وإن اختلفت فتقول: مات غير نام. وفني غير بلي. وبطل غير ذهب. وعدم غير تحول. وفقد غير غاب. فِإن السرور هو الفرح، والغم هو الهم، والمعرفة هي العلم، والقول هو الكلام، والبيان هو الإيضاح؛ لكن بدرجة ودرجة. وهيئة وهيئة، ومكان ومكان، وزمان وزمان، ومعرض ومعرض. شكول في هذا العالم في أغشية متكافئة بين أهوال مختلفة على طرق محفوفة. فأشكل عليك بلدك الذي أنت منه فانتسبت في الغربة لبلد لست من أهله، وأخذت بعادة كنت غنياً عنها لو عرفت مرماك فيها، فإذا نبهت فخذ في إصلاح ما يرحك إلى مقرك حتى تستريح من هذا القلق الدائم، ومن هذا الهول القائم.
فخذ عليك بذاتك ولا تبخل بما لا بال به فيفوتك ما لا بد لك منه. اعرف تركيبك ثم اطلب به بسيطك، فإن لكل مركب بسيطاً إليه ينتهي. لست طيناً وإنما أنت طيني فانتف مما أنت به منقوص، وانتسب إلى ما أنت به موفور. شقاؤك في انفعالك في الأول والثاني، وإن عجزت عن ارتجاع ما فاتك فلا تعجز عن حفظ ما معك، ولا ينفعك الآن جهدك، فبذلك تتصل بالأجرام التي لا ينفعك إلا مكان وجد، فإن وجه إليك وتوجه وراءك فتوجه أمامك وتغافل عما ورائك، فإن الذي وراءك في حكم ما ليس لك، فمتى التفت إليه فاتك، ومتى رجعت إلى الآخر فبه.
الناموس الحق يعترف بأكثر مما يعرف به، وأنت مجموع معادن إن انسبكت حصلت، وإن تركت فسدت. الصورة غنية عن الانفعال، والهيولى محتاجة إلى الصورة، فانفعالها على قدر حاجتها: الصورة نوبة والهيولى بحسب العلة الأولى، معادن النفس إذا كانت خالصة ولها إليه عزوة، فهي أوثق من
стр. 132
جميع الوثائق والأواصر. الإنسان حي ناطق مائت، فمن أبرز هذا الحد بالفعل كما حواه بالقوة لم يرتق عن أن يكون إنساناً كيف تقلبت حاله، ومن تطاول إلى إحراز ما هو به ناطق على تهاون بما هو به حي مائت، علا عما هو به إنسان، وصار جرماً علوياً وجوهراً نقياً. ولا مثال له عندنا إلا المشتري وما هو في شكله. الهيولى في عالم الكون والفساد أقوى، لأنها في محل عزها، والصورة في عالم الحق أعلى لأنها في معدن كمالها. الفلسفة حب الحكمة ولا يصح حب الحكمة والطبيعة فيما يؤثره الإنسان. إذا غلبت الصورة على الهيولى بطلت حكمة الهيولى. العلم ثمرة العقل. العقل سلم إلى الله. بدء الخير كدورة.
الإنسان موزون بكفتي العقل والطبيعة، والرجحان بعد هذا بالسيرة المقتناة، وكذلك النقصان. الطبيعة بالرياضة خادم العقل، وبالوضع منشئ لذي العقل. النفس عقل بعد الاستنارة، والعقل نفس بعد الفكرة، والطبيعة مميزة بالنظر في الأول محرفة بالنظر في الثاني. لا تبلى الهيولى ولا تبيد، لكنها أبداً في الإحالة والاستحالة والتأثير والقبول، والمتقوم بهما هو المكفي بينهما. لا فتور في النفس. لا كدر في العقل. لا حقيقة في شيء من العلة الأولى، لأن كل شيء بما هو به مخلوط بحكمة الباري وبما هو مشبه به مرفوع إلى الباري، لأنه محل الاعتدال في عالم الكون والفساد، لأنه لا واسطة. شرف الإنسان في تراثه في الهواء والهواء أشرف الإنسان من تركيبه وهو انفعال خسيس. قبول الحق انفعال أيضا، ولكن في غاية الوجوب، وفي ذروة الشرف، وفي نظام ما ينبغي.
العلم شرح العقل بالتفصيل، والعمل شرح العلم بالتحصيل. العمل عملان: عمل القلب لا تملك إلا أحد طرفيه، وعمل المباشرة أنت مالك له، فمتى
стр. 133
حسن إيثارك للحق صنع لك في الذي لا تملك لوفاتك بحق ما تملك. الهيولى عاشقة للصورة مع المنافاة بينهما، لأنها بها تكمل، والصورة قابلة للهيولى، لأنها بها تحسن، إلا أن يكون المقوم منها وافر النصيب من الأول. الخذلان كل الخذلان في الحرص على سماع الحكمة مع مخالفتها. الإصرار على الشر مع تمني الإقلاع عنه زيادة في الشر. العكوف على الخير مع الشك خسران العاجلة والآجلة. تمني الخير في الظاهر مع ملابسة الشر في الباطن معاندة. تقبل الاهتمام بالخير مبدأ، والاهتمام بالشر غاية، المعطي لا يتبع المعطى ولا العطاء.
قيل له في هذا الفصل زدنا شرحاً؟ فقال: محال أن تكون قوى الأجرام العلوية في الإنسان الجزئي تابعة في البيود والبطلان. لا يستجيب شكل المادة لطابع العقل، فلذلك يوجد الزيغ في كل معقول ومحسوس. المحل محل نقص بالبيوس، فلا جرم متى وجدت عالماً وجدته خفيف المال، ومتى وجدت موسراً وجدته خفيف البصيرة، فإن ندر شيء فذاك خارج عن القياس، كالعلم بين الناس. ليس لنا إلا الآليهة والبشرية، فإذاً لا بد من سنن آليهة لتصير إنساناً، وسلاليم وعلائق بين البشرية والآليهة يرقى منها العاجز ويكمل بها الناقص. إنما أحوجت إلى غيرك لنقصك، وشوقت إلى من هو أشرف منك بنفسك، فاكمل تغن، وافن تبق، واغضض تبصر، أنسى تذكر، واعرف تنج، وخاطر تحرس.
واعلم في الجملة أنك داؤك، ولكن فيك دواؤك، فإذا تسلط داؤك على دوائك غار داؤك بدوائك. إنك واضح فلا تشكل، ونير فلا تظلم. للصورة سرار لا يفهم إلا بتأييد العقل، والهيولى خلافة لا يتخلص منها إلا بتشمير النفس. العقل سرح النفس مرعاها فيه، والنفس قليب الطبيعة مستقاها منه، والطبيعة صراط الإنسان مد له غيه. حاكم الطبيعة إلى النفس
стр. 134
يحكم لك، وبلغ إلى العقل ما يفهمه عن النفس يردك. وإعرف الشر لئلا تقع فيه جاهلاً به. الشر شران: شرنا شيء منك فأنت قادر على قمعه بموارزة الخير المؤثر عليه، وشر وارد عليك أنت محتاج إلى دفعه بمعاونة أهل الخير الكارهين له. الشر عدم فمتى لبسته عدمت، والخير وجود فمتى لا بسته ظفرت وبقيت. ومن خلط الخير بالشر وقف بين العدم والوجود وساء عيشه، ومن رجح به الشر باد، ومن فاز بالخير نال السعادة. لين الشر أكثر من عدم الخير، ولين الخير أكثر من معرفة الحق، والعمل به. قد يعرف الشيء منكوراً وينسى مذكوراً، فأما عرفانه فمن ناحية ظهوره وغلبته، وأما نكرته فمن ناحية حجبه ووسائطه. الموجود فيه ظل المعقول بدلالة الواجب له، وهذا يلم، لأن الموجود جلبه لغيره منه.
صحح توحيدك بالمعرفة، وصف معرفتك بنفي ما يخامر سرك. هو الأول والآخر، والظاهر والباطين، والشاهد والغائب. أول بلا مبدأ، وآخر بلا نهاية، وظاهر بلا تحصيل، وباطن بلا فكرة، وشاهد بلا ملابسة، وغائب بلا مشافهة، وإياك أودع سره، وعليك أقام بره، ومنك استعارك، ولك أعار ما أعارك، ليكون أزجا منك ذلك، أو لا يكون بد إذا جار عليك بذلك. من الحيف أن تجحده وهو يناغيك في ضميرك، ويستولي عليك في ظاهرك، ومن الجهل أن تسمه بنقصك، وتصفه بحد نفسك، وتخبر عنه كما تخبر عما تركب عنك وفصل منك فيك. لعمري فمن الضعف أن تكون ذا طبيعة صم تروم أن تكون ذا معرفة، ولكن ليس لك ذلك بحال لأنك متى محوت آثارها وجلوت أصداءها أبصرت ما بين طرفك عنها، وتسأل إلفك منها، أو ترقيك إلى المحل الأشرف الأسنى.
كن بطبيعتك إنساناً فاضلاً، وبنفسك جرماً عالياً، وبعقلك إلهاً غنياً. والطريق إلى هذه الغاية أمم إن حركت همتك، وقوية شوقك، ونفيت
стр. 135
الشك عن قلبك، وصحبت القين بعقلك، وهجرت الحس الذي يكذبك وواصلت الناصح لك، ولزمت فناءه، واستعنت وأعنت، وعرفت واعترفت. من غمس نفسه في غمار الطبيعة هلك وطاح، ومن احتلي نفسه بزينة العقل طرب وارتاح، ومن صمد للغاية بجده وجهده نشر وباح، ومن تهاون بتحصيل ما له وعله خسر وناح. لا يسخرنك ما يرجرج لعينك عما يبهج لعقلك. لا تتمن الموت طلباً للراحة مما أنت مخنوق به مسحوب عليه دون أن تثق بما تستريح إليه، فإنك متى أهملت هذا النظر حقت عليك أن تكون استراحتك مما أنت فيه بالموت طريقاً إلى شقوتك فيما بعد الموت، فمن أخس منك إذاً؟ لا عيب على من جهل النفس الفاضلة أن يخدم الطبيعة الجاهلة، إنما العيب على من لحظ العيب في معدنه، وشعر بالخير من متوجهه. ثم أعرض عنه سادراً، ورضى أن يرحل عن هذه الدنيا حائراً بائراً. أقرق بين متحرك من كذا وكذا، وبين متحرك من كذا إلى كذا، حتى يصفو عزمك في طلب ما لا بد لك منه، ثم لا تقف حتى يلحظ المتحرك على كذا وكذا فيه شرفك الأعلى، وإليه كان سعيك الأدنى والأقصى.
ألطبيعة شائعة في الأجسام ومحركة لها مبدية قواها فيها، فأما النفس فإنها تتحرك في الأرواح النقية، والجواهر الصافية، وهناك يبرز عينها بالحدس والظن، والعلم واليقين، والحق والصواب، ثم العقل بعد هذا كله حركة أخرى في البسائط العالية والغايات البعيدة، وبهذا تنال السعادة ويستحق الخلود ويصار إلى ما لا يحويه وصف، ولا يرسمه رصف، هناك يقف الشوق عن الإزعاج، ويحاز الشرف كله بلا ممارسة ولا علاج.
حركة الطبيعة في الأجسام نقش موموق، وحركة النفس في الأرواح الشريفة وشيء معشوق، وحركة العقل في الأنفس الفاضلة معنى أنيق.
العفة خليفة النفس الناطقة عند الطبيعة المغضبة، والعدالة كمال للجميع
стр. 136
صحة جسدك بإزاء عفة نفسك، وشجاعة نفسك بإزاء قوة جسدك، وتمام جسدك بازاء حكمة نفسك، وعدالة نفسك بإزاء حسن جسدك، فلا تقطع بين هذه القرائن فبها شرفك وإليها توجهك. أنت من نفس وبدن، تبيد بالبدن وتخلد النفس، فاقصر سعيك على ما يبقى ولا تلتفت إلى ما تبيد معه. أنت صورة لنفسك وبدنك إلا أنك مستقيم من حقيقة ورثتها من نفسك ومجاز داخل عليك من بدنك، فوفر عنايتك على مستخلص حقيقتك من مجازك وتفضي به إلى شرف غايتك. أخذ النفس أكثر من إعطائها للطبيعة، وتقبل الباري أكثر من فيضه على النفس، وبروز العقل بالطبيعة أشد من استجابتها للنفس، وذو النفس والطبيعة في جهاد دائم وكدح متصل. يقبل العقل والفعل ولكن في الأفق الأعلى، وشوق النفس انفعال ولكن في الرتبة الوسط، وبث الطبيعة انفعال ولكنه في السياح الأول من ذي الطبيعة. كذب روائك الخمس إلا إذا شهد لدعواها العقل الرضي. كنت بددا في حكم المعدوم. فنظمت بعيداً من العيب مشهوداً له بالعجب، فلست إلا لأمر هو أعجب منك، فإن شبهت معادك بمبدئك بشهادة الحس أخطأت، وإن رجحته على ذلك فيوشك أن تكون مصيباً. لك وجودك الثاني على هذا الشرح وجودك الأول، فكذا لا يشبه وجودك الثالث هذا الذي أنت عليه. الطبيعة تسوس مزاج البدن، والنفس تسوس دواعي الطبيعة، والعقل يسوس سكان النفس بالنظام المحم ولكن المنتظم مستهدم، أنت مسكن لغيرك فاجتهد أن لا يتحول عنك ساكنك كارهاً لك، واعلم أنه إن اصطفاك حولك معه. الإنسان الجاهل ميت، والعالم المتجاهل عليل، والمؤثر للخير حي صحيح. إذا كنت تجد حياً تحكم عليه بالموت بسبب اقتضى ذلك فلا تنكر أن تجد ميتاً تحكم له بالحياة بسبب يقتضي ذلك. لا تتخذ مراد الطبيعة مقيلاً فإنك تزعج عنه أهدأ ما تكون
стр. 137
فيه، وأسر ما تكون منه، فبدنك طبيعي فتهاون به، ونفسك عقيلة فتوفر عليها. احرص على أن تعلم جيداً، لا على أن تقول جيداً، وعلى أن تهوى خيراًن لا على أن تحب خيراً، وعلى أن تعمل بما ينبغي، لا على أن تدعي ما ينبغي. فيك درة الحق فلا تخدع عنها، ومعك رائد الشرف فلا تعيبه، وإليه رشدك فلا تفت نفسك ما لها ألهمك. ملكت مالا تستحق فأحسن سياسته حتى يستحقك. في التجارب مرآى النفس فاستكثر منها فإنها أنجع من كل دواء، وأبلغ من كل شفاء، إن احتميت دامت لك الصحة، وإن شرهت حالفك السقم، وأفضى بك إلى الندم. ما حمد المتواني عاقبة حاله، ولا ذم الرصد فرصة غب أمره. ارحم نفسك قبل أن تسترحم غيرك، فإنها إذا رحمتها أكرمتك، وإذا استرحمت غيرك لم يرحمك، فإن رحمك أهانك وأمتن عليك، فلا تنفك عن غصة تهون عليك الموت وتسوقك إلى العدم. كن عاقلاً حتى لا تغتر، وخبيراً حتى لا تغر، وفي الجملة كاملاً حتى لا تنقص، فإن قلت: أني لي بالكمال؟ فاعلم أن كمالك في نفي نقصك بما تعمره لا بما تزيله، لأن نقصك من جهة التركيب لا من جهة البساطة. لا تنم بين الإيقاظ، ولا تغفل عن الرقباء، ولا تدع عنها المكذبين، ولا ترجي ما لك اليوم إلى غد، فإن غداً ليس لكن فإن كان لك فإنه شاغلك عن يومك. ساء ما منتك نفسك أن تنال لذتك وتبلغ شهوتك ثم تدرك بعد هذا سعادتك؟ ليتك إذا دفنك التراب، وغسلك الماء، ولطفك الهواء، وأحرقك النار، وتقلبت بك الأستقصات، وعاد سفلك علوا، ودرنك نقاء، وظاهرك باطناً، وصرت مقبولاً بكل شكل، ومرقى إلى كل فضل، ومجلوا على كل عين، ومذكوراً بك لسان، ومتمني بكل قلب، ومعهوداً بكل إصبع، ومقدساً بكل مجد، ومدعي في كل زمان، وآوياً إلى كل مكان، وموجوداً في كل أوان، ومخبراً عنه بكل عيان، كنت أهلاً للبقاء والخلود والكرامة
стр. 138
والغبطة، ومشاكهة ما لا يزول ولا يحول ولا يبور ولا يحور، ولا يصل إليك شيء إلا ممزوجاً، ولا تضل إلى شيء إلا مكدوداً، لأن الواصل إليك من العلو يخرق حجباً يتشبث به ما يمر به ويتعلق هو ما يجتاز عليه، وأما الكيف الذي يصحبك فلأنك في مركز يتطاول إلى المحيط. وهذه حال خطر وغرر إلا أن يكون الجد صاحبك، والتوفيق كافلك. أنت سماء فيك كواكب تزهر، وأرض فيك يجور تزخر، وهواء فيك رياح تهب، وجبل فيك عيون تنبع. أقصد بكثرتك قلة، وبقلتك توحداً، وبتوجهك بقاء سرمداً، لا راحة لمخوف دون الأمن، ولا دعة لراج دون المطلوب، ولا سكون لمحتاج دون الغني، ولا غري
دون درك المنى. ما أجهد الطبيعة في غمر البلاء بك. ما ألطف النفس في إهداء النصيحة إليك، وما أشرف العقل فيما يجود به عليك، افرج عن الطبيعة يفرج عنك. أي لا تسمح لها بالهواء فإنها لا تعتدل، الطبيعة تستهوي ذا اللب الوافر، وتخدم الحازم الموفور، وتفل غرب المدل الجسور، لها في البدن صلاح وفساد، فقط، إذا اعتبرت أفعال الله وجدت القدرة في وزن الحكمة، والحكمة في وزن القدرة، وفي بعضها تجد القدرة والحكمة خافيتين، وفي بعضها تجدهما ظاهرتين، فلهذا وأشباهه أشكلت المطالب، وثارت الشبه، واختلفت الطرق والمظان، وصار الباحث وإن كان حريراً نقاباً يزل من شق إلى شق، ويميل من جانب إلى جانب، ولو استتب بالبحث على جدده، واستتب القول في صدده، كان العرفان على قدر الوجدان، والبيان على قدر العرفان، إنما أشكل المطلوب لأنك أردت أن تجد بالحس ما لا يوجد إلا بالعقل، وتجد في العقل ما لا يوجد في الحس، ولو رتبت كل شيء موضعه ووفيته، لم يسم المطلوب أن يكون يقيناً، ولم يسم اليقين أن يكون مظنوناً، إلا بعكس حدك في ترتيبه. واحفظ نظامك منه فإن تمامك به. أحي بالطبيعة غير بطر، وتصفح بالنفس غير ملون، ونل بالعقل كل ما تريد،
стр. 139
فبهذا تسعد وبه تدرك بقاء الأبد. مت بالطبيعة قامعاً لها، تحي بالنفس رفيعاً بها. لا تستشر العقل ملتطخا بأوساخ الطبيعة، فإنه يعافك ولا ينصحك، ولكن توجه إليه طاهراً من كل دنس، عارياً من كل فساد، ثم اسمع منه فإنك لا ترى إلا الرشد ولا تجني إلا الغبطة. الاختيار مركب من قوى النفس والطبيعة، ولذلك كان معنى الانفعال فيه بالواجب أظهر من معنى الفعل منه بالإمكان، لأنه في انتسابه إلى النفس ذو صورة، وقيامه بالطبيعة ذو هيولى، وعلى هذا فنونه الأفعال كلها إلا ما بان في أوليته عنها.
وفي هذا الكلام إشباع لعله يقع في موضع آخر.
المقابسة الثالثة والستون
في سبب عدم صفاء التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون
قلت لأبي سليمان يوما: لم لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون وأمثلة الألفاظ، كما صفا ذلك في الفلسفة؟ وقد سمعناك تقول غير مرة: إن الشريعة إذا كانت حقاً لا تكون كذلك إلا بقوة الآلهية وبعائد النمط الذي قد ورد وانتشر وصار عقد الدهماء ونحلة الجمهور، وحتى صار في غمار هؤلاء من يشبه التشبيه الفاحش، ويشير إليه الإشارة الخفية؟
فقال في الجواب: قد قلنا مراراً في المذكرات التي سلفت، والمعاني التي سنحت وعرفت، إن الكلام الذي يراد به إستصلاح العامة، واستجماع الكافة، لا بد أن يكون مرة مبسوطاً، ومرة موجزاً، ومرة مستقصى بالإيضاح والإفصاح، ومرة مجموعاً بالرمز والتعريض، ومرة مرسلاً على الكنانة والمثل، ومرة مقيدا بالحجج والعلل، وعلى فنون كثيرة لا وجه
стр. 140
لاستيفائها إذا بان المراد في عرضها وأثنائها، وإذا استقر هذا مفهوماً وتوضح بياناً، فالواجب كان جميع ما يحديه الشرع من هذا الضرب ليجد الخاصى فيه إشارة تشفيه، والعامي عبارة تكفيه.
فقال بعض الحاضرين: إنا قد وجدنا للأوائل في التوحيد كلاماً كثيراً متقارباً، ولم يكن صفا لهم أيضاً ما كدر على غيرهم، وهذا يدل على أن ماس نطق به الناموس، قريب مما يسنح في النفوس.
فقال: إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم وعرف حقيقة أقوال متقدميهم، بل كان في القوم من رآى رأي العامة وحط إلى ما حطت إليه، ولم يبن منهم كثير شيء مع قدم الزمان ولقاء المحقين الفاضلين. وهذا إذا حصل لا يكون قادحاً فيما نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به خلصان الحكمة وفرسان الصناعة. على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية، ومن العبرانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية، قد أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق، إخلالاً لا يخفى على أحد. ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع. وتصرفها الواسع، وإفتنانها المعجز، وسعتها المشهورة، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، وكاملة بلا نقص. ولو كنا نفقه عن الأوائل إغراضهم بلغتهم كان ذلك أيضاً ناقعاً للغليل، وناهجاً للسبيل، ومبلغاً إلى الحد المطلوب. ولكن لا بد في كل علم وعمل من بقايا لا يقدر الإنسان عليها، وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها؛ وهذا لكي يكون الله تعالى ملاذاً للخلق ومعاذاً للعالم، وهذا الذي سرى بين الجميع في الانقياد والطاعة حتى حصل هذا مستجيباً لما هو صامد له بطباعه، وهذا صائر إلى ما هو مدعو إليه، فإنه وكنه. هذه العيوب معترف به في الجملة، ومسلم إليه في التفصيل.
стр. 141
فقال له البخاري: فعلى هذا أفدنا كلاماً في التوحيد؟ فقال: أما من اعترف بالوحدانية ثم شبه فقد ارتجع ما قال، ونقض ما اعتقد. وأما من ذكر أكثر من واحد فقد ضل عن الحق كل الضلال. وأما من أشار إلى الذات فقط بعقله البري السليم، من غير تورية باسم، ولا تحلية برسم، مخلصً مقدساً، فقد وفي حق التوحيد بقدر طاقته البشرية، لأنه أثبت الآنية، ونفى الآنية والكيفية، وعلاه عن كل فكر وروية.
ثم قال: لقد أحسن من قال: إن حاولت وصفه فات فوتاً بعيداً، وإن أزمعت جحوده بان فيك موجوداً مشهوداً.
وكان ذيل الكلام أطول من هذا ثمرته خوفاً من جناية اللسان في الحكاية، ونزوة القلم في الكتابة، وإيثاراً للحياطة فيما يجب على الإنسان إذا نشر حديثاً، وروى خبراً، وأثار دفيناً، وأوضح مكنوناً. خاصة إذا كان ذلك في شيء غامض، ومعنى عويص، ولفظ مشترك، وغرض متوزع، ينبو عنه كل قول فان، ويتجافى عنه كل نازع وإن أغرق.
المقابسة الرابعة والستون
في أن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه
ولا أخطاؤه في كل وجوهه
سمعت أبا سليمان يقول: قال أفلاطن: إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه، ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب منه كل إنسان جهة. قال: ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل واحد منهم جارحة منه فجسها بيده ومثلها في نفسه، فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مدورة شبيهة بأصل الشجرة وجذع النخلة، وأخبر الذي مس
стр. 142
الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة العالية والرابية المرتفعة، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق يطويه ونشره. فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك، وكل ما يكذب صاحبه ويدعي عليه الخطأ والغلط والجهل فيما يصفه من خلق الفيل. فانظر إلى الصدق كيف جمعهم، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم؟
وكان يقول، أعني أبا سليمان: هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيل، ويؤيدها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلاً في مذهب يقول شيئاً إلا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه، والملائم لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق والغلج بالتدبير.
المقابسة الخامسة والستون
في نوادر مفيدة في الفلسفة العالية
هذه مقابسة نذكر فيها نوادر سمعناها في الفلسفة العالية من أبي سليمان مفيدة، وإذا وهب الله نشاطاً وتمكيناً عدنا إلى نظائرهن فرويناهن فإنها كثيرة نافعة غريبة.
سمعته يقول: نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين.
وقال أيضاً: إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض، وإنما تظهر النار من الحجر بالقدح، وإنما تستبان النجابة من الإنسان بالتعليم، والمعدن لا يعطيك ما فيه إلا بالكدح، والغاية لا تبلغها إلا بالقصد. ومن نشأ بالراحة الحسية فاتته الراحة العقلية، والعاجلة تتصرم والآجلة تدوم.
стр. 143
وقال: الحرف الذي يدعي في العربية وينسب إلى الأدب موروث من العرب، وذلك أن أرضها ذات جدب، والخصب فيها عارض، وهم من أجل ذلك أصحاب فقر وضر، وربما دفعوا إلى وصال وطي وكل من تشبه بهم في كلامهم وطريقتهم وعبارتهم إرتضخ ما هو غالب عليهم من الحرف والإخفاق اللذين عليهما إلفهم، ألا ترى أن الشبع غريب عندهم، والرعب مذموم منهم؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة والبادية، وقد زادتهم جزيرتهم شراً لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة، والبيان الرائع، والتصرف المفيد، والاقتدار الظاهر، لأن أجسامهم نقيت من الفضول، ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول، وصار المنطق الذي بان به غيرهم بالاستخراج مركوزاً في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات متميزة، بل فشا فيهم كالإلقاء والوحي، لسرعة الذهن وجودة القريحة.
وقلت له: قد صنف أبو اسحق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم؟ فقال: قد كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له: النثر أشرف جوهراً، والنظم أشرف عرضاً. قال: وكيف؟ قلت: لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة أقرب. فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، لأن الواحد أول والتابع له ثان.
فقلت له: فلم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ فقال: لأنا منتظمون، فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة، فلذلك إذا أنشدنا ترنحنا، هذا في أغلب الأمر وفي أعم الأحوال، أو في أكثر الناس. وقد نجد مع ذلك أيضاً في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند فصل منثور، وما يهدي لهذا
стр. 144
الذي نصرناه والمعنى الذي اجتبيناه، أن الكتب السماوية وردت بألفاظ منثورة، ومذاهب مشهورة، حتى إن من اصطفى بالرسالة في آخر الأمر غلبت عليه تلك الوحدة، فلم ينظم من تلقاء نفسه، ولم يستطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الآلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه، بإسلوب حير كل سامع، وبرد غلة كل مصيخ، وأرشد كل غاو، وقوم كل معاند، وأفاد كل لبيب وأوجد كل طالب، وخسأ كل معرض، وهدى كل ضال، ورفع كل لبس، وأوضح كل مشكل، ونشر كل علم، وأقاد كل شارد، وقمع كل رديء وهذا لا يكون، ولا يجب أن يكون إلا في الشخص المخصوص الذي يؤهل لنظم الكلمة المنتثرة، بإظهار الدعوة الغريزية في أيام السعادة المنتظرة بين خير أعوان. ثم يكون لهذا كله زمان محدود ينتهي إليه على السياح الأول مع العوارض التي تختلف من عجائب الزمان وأفانين الدهر، فإذا كان كذلك كر على سالفه بتجديد شأن شبيه بالدارس إلى أن تعود نضرته المعهودة فتزول خلوقته العارضة.
المقابسة السادسة والستون
في حكم بعض الحكماء
وفي بيان حال العالم غير العامل
نعود في مقابسة أخرى إلى أشياء لأبي سليمان فنأتي بها على وجهها ونذكر في هذه حكما سمعناها من الحراني أبي الحسن وغيره، فقد كانت المجالس لا تتصرم إلا عن فوائد كثيرة فلسفية وغير فلسفية.
قال الحراني: قال بعض السلف من الحكماء الصلحاء والفضلاء: العلم
стр. 145
ما تمت فضيلته بالعمل به، على أن العالم وإن لم يعمل، حرى أن تتوق نفسه إلى حال من الأحوال، إلى محاسن من علم وحفظ. والجاهل منقطع النسب منه، والعالم ينفع وإن لم يعمل، وليس ذلك للجاهل، والعالم كاسب على الجاهل والجاهل كاسب للعالم.
قال ابن زرعة: قال بعض القدماء: العقل دال على الفضيلة، فمن أتاها استحقه لعلمه بدلالته، وذام للرذيلة، فمن آثرها استحق اسم الجهل، فما كان مميزاً لتركه العمل بدلالته.
وقال الصابي: قال الأولون: الشكر الإقرار بالنعمة للمعبود، وأجزاؤها بالحسنى في الضمير والقول والفعل، فأما أجزاء الضمير فالنية والمحبة والطاعة، وأما أجزاء القول فالثناء والدعاء والنشر، وأما أجزاء الفعل فالصبر والسعي فيما يرضى المنعم.
قال: والشكر ثلاث طبقات: لمن فوقك بالطاعة والنصيحة، ولأكفائك بالمكافأة، ولمن دونك بالتفضل عليه. والشاكر إن قصر عن ثلث لم يشكر، ويحتاج إلى معرفة وطباع وعمل، فبالمعرفة يعرف كنة النعم وقدر ما يجب عليه من الشكر، وبالعمل يبلغ كنه ما هو عليه، وبالطباع يكون الدوام على ما وجب عليه. والشكر مراتب: فشاكر قصر عن قدر النعمة ولا عذر له إلا أن يكون ذلك منتهة طاقته، وشاكر اقتصر على السوية فأتى كفاء ما أوتى إليه وليسى بمحسن إن أطاق الزيادة، وشاكر زاد تنفلاً وكرماً، فهذه أعلى مراتب الشكر.
قال القومسي: السلطان في تدبير الرعية كالشمس في تفصيل الأزمان، والجند كالريح في التلقيح، والعلماء من الجميع كالنبت والحيوان، والعوام في نقل الأمور كالأرض في حمل الأنام، وما يكون منه منافع الإنسان.
وقال علي بن عيسى: ليس يري مجد الحكمة إلا من كان بصر عينيه
следующие страницы →