Полный текст (260 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فقال له البخاري: فعلى هذا أفدنا كلاماً في التوحيد؟ فقال: أما من اعترف بالوحدانية ثم شبه فقد ارتجع ما قال، ونقض ما اعتقد. وأما من ذكر أكثر من واحد فقد ضل عن الحق كل الضلال. وأما من أشار إلى الذات فقط بعقله البري السليم، من غير تورية باسم، ولا تحلية برسم، مخلصً مقدساً، فقد وفي حق التوحيد بقدر طاقته البشرية، لأنه أثبت الآنية، ونفى الآنية والكيفية، وعلاه عن كل فكر وروية.
ثم قال: لقد أحسن من قال: إن حاولت وصفه فات فوتاً بعيداً، وإن أزمعت جحوده بان فيك موجوداً مشهوداً.
وكان ذيل الكلام أطول من هذا ثمرته خوفاً من جناية اللسان في الحكاية، ونزوة القلم في الكتابة، وإيثاراً للحياطة فيما يجب على الإنسان إذا نشر حديثاً، وروى خبراً، وأثار دفيناً، وأوضح مكنوناً. خاصة إذا كان ذلك في شيء غامض، ومعنى عويص، ولفظ مشترك، وغرض متوزع، ينبو عنه كل قول فان، ويتجافى عنه كل نازع وإن أغرق.
المقابسة الرابعة والستون
في أن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه
ولا أخطاؤه في كل وجوهه
سمعت أبا سليمان يقول: قال أفلاطن: إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه، ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب منه كل إنسان جهة. قال: ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل واحد منهم جارحة منه فجسها بيده ومثلها في نفسه، فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مدورة شبيهة بأصل الشجرة وجذع النخلة، وأخبر الذي مس
стр. 142
الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة العالية والرابية المرتفعة، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق يطويه ونشره. فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك، وكل ما يكذب صاحبه ويدعي عليه الخطأ والغلط والجهل فيما يصفه من خلق الفيل. فانظر إلى الصدق كيف جمعهم، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم؟
وكان يقول، أعني أبا سليمان: هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيل، ويؤيدها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلاً في مذهب يقول شيئاً إلا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه، والملائم لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق والغلج بالتدبير.
المقابسة الخامسة والستون
في نوادر مفيدة في الفلسفة العالية
هذه مقابسة نذكر فيها نوادر سمعناها في الفلسفة العالية من أبي سليمان مفيدة، وإذا وهب الله نشاطاً وتمكيناً عدنا إلى نظائرهن فرويناهن فإنها كثيرة نافعة غريبة.
سمعته يقول: نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين.
وقال أيضاً: إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض، وإنما تظهر النار من الحجر بالقدح، وإنما تستبان النجابة من الإنسان بالتعليم، والمعدن لا يعطيك ما فيه إلا بالكدح، والغاية لا تبلغها إلا بالقصد. ومن نشأ بالراحة الحسية فاتته الراحة العقلية، والعاجلة تتصرم والآجلة تدوم.
стр. 143
وقال: الحرف الذي يدعي في العربية وينسب إلى الأدب موروث من العرب، وذلك أن أرضها ذات جدب، والخصب فيها عارض، وهم من أجل ذلك أصحاب فقر وضر، وربما دفعوا إلى وصال وطي وكل من تشبه بهم في كلامهم وطريقتهم وعبارتهم إرتضخ ما هو غالب عليهم من الحرف والإخفاق اللذين عليهما إلفهم، ألا ترى أن الشبع غريب عندهم، والرعب مذموم منهم؟ وهذه هي الحال التي فرقت بين الحاضرة والبادية، وقد زادتهم جزيرتهم شراً لكنهم عوضوا الفطنة العجيبة، والبيان الرائع، والتصرف المفيد، والاقتدار الظاهر، لأن أجسامهم نقيت من الفضول، ووصلوا بحدة الذهن إلى كل معنى معقول، وصار المنطق الذي بان به غيرهم بالاستخراج مركوزاً في أنفسهم من غير دلالة عليه بأسماء موضوعة وصفات متميزة، بل فشا فيهم كالإلقاء والوحي، لسرعة الذهن وجودة القريحة.
وقلت له: قد صنف أبو اسحق الصابي رسالة في تفضيل النثر والنظم؟ فقال: قد كان منذ أيام سألني عنهما فقلت له: النثر أشرف جوهراً، والنظم أشرف عرضاً. قال: وكيف؟ قلت: لأن الوحدة في النثر أكثر، والنثر إلى الوحدة أقرب. فمرتبة النظم دون مرتبة النثر، لأن الواحد أول والتابع له ثان.
فقلت له: فلم لا يطرب النثر كما يطرب النظم؟ فقال: لأنا منتظمون، فما لاءمنا أطربنا، وصورة الواحد فينا ضعيفة ونسبتنا إليه بعيدة، فلذلك إذا أنشدنا ترنحنا، هذا في أغلب الأمر وفي أعم الأحوال، أو في أكثر الناس. وقد نجد مع ذلك أيضاً في أنفسنا مثل هذا الطرب والأريحية والنشوة والترنح عند فصل منثور، وما يهدي لهذا
стр. 144
الذي نصرناه والمعنى الذي اجتبيناه، أن الكتب السماوية وردت بألفاظ منثورة، ومذاهب مشهورة، حتى إن من اصطفى بالرسالة في آخر الأمر غلبت عليه تلك الوحدة، فلم ينظم من تلقاء نفسه، ولم يستطعه، ولا ألقى إلى الناس عن القوة الآلهية شيئاً على ذلك النهج المعروف، بل ترفع عن ذلك، وخص في عرض ما كانوا يعتادونه ويألفونه، بإسلوب حير كل سامع، وبرد غلة كل مصيخ، وأرشد كل غاو، وقوم كل معاند، وأفاد كل لبيب وأوجد كل طالب، وخسأ كل معرض، وهدى كل ضال، ورفع كل لبس، وأوضح كل مشكل، ونشر كل علم، وأقاد كل شارد، وقمع كل رديء وهذا لا يكون، ولا يجب أن يكون إلا في الشخص المخصوص الذي يؤهل لنظم الكلمة المنتثرة، بإظهار الدعوة الغريزية في أيام السعادة المنتظرة بين خير أعوان. ثم يكون لهذا كله زمان محدود ينتهي إليه على السياح الأول مع العوارض التي تختلف من عجائب الزمان وأفانين الدهر، فإذا كان كذلك كر على سالفه بتجديد شأن شبيه بالدارس إلى أن تعود نضرته المعهودة فتزول خلوقته العارضة.
المقابسة السادسة والستون
في حكم بعض الحكماء
وفي بيان حال العالم غير العامل
نعود في مقابسة أخرى إلى أشياء لأبي سليمان فنأتي بها على وجهها ونذكر في هذه حكما سمعناها من الحراني أبي الحسن وغيره، فقد كانت المجالس لا تتصرم إلا عن فوائد كثيرة فلسفية وغير فلسفية.
قال الحراني: قال بعض السلف من الحكماء الصلحاء والفضلاء: العلم
стр. 145
ما تمت فضيلته بالعمل به، على أن العالم وإن لم يعمل، حرى أن تتوق نفسه إلى حال من الأحوال، إلى محاسن من علم وحفظ. والجاهل منقطع النسب منه، والعالم ينفع وإن لم يعمل، وليس ذلك للجاهل، والعالم كاسب على الجاهل والجاهل كاسب للعالم.
قال ابن زرعة: قال بعض القدماء: العقل دال على الفضيلة، فمن أتاها استحقه لعلمه بدلالته، وذام للرذيلة، فمن آثرها استحق اسم الجهل، فما كان مميزاً لتركه العمل بدلالته.
وقال الصابي: قال الأولون: الشكر الإقرار بالنعمة للمعبود، وأجزاؤها بالحسنى في الضمير والقول والفعل، فأما أجزاء الضمير فالنية والمحبة والطاعة، وأما أجزاء القول فالثناء والدعاء والنشر، وأما أجزاء الفعل فالصبر والسعي فيما يرضى المنعم.
قال: والشكر ثلاث طبقات: لمن فوقك بالطاعة والنصيحة، ولأكفائك بالمكافأة، ولمن دونك بالتفضل عليه. والشاكر إن قصر عن ثلث لم يشكر، ويحتاج إلى معرفة وطباع وعمل، فبالمعرفة يعرف كنة النعم وقدر ما يجب عليه من الشكر، وبالعمل يبلغ كنه ما هو عليه، وبالطباع يكون الدوام على ما وجب عليه. والشكر مراتب: فشاكر قصر عن قدر النعمة ولا عذر له إلا أن يكون ذلك منتهة طاقته، وشاكر اقتصر على السوية فأتى كفاء ما أوتى إليه وليسى بمحسن إن أطاق الزيادة، وشاكر زاد تنفلاً وكرماً، فهذه أعلى مراتب الشكر.
قال القومسي: السلطان في تدبير الرعية كالشمس في تفصيل الأزمان، والجند كالريح في التلقيح، والعلماء من الجميع كالنبت والحيوان، والعوام في نقل الأمور كالأرض في حمل الأنام، وما يكون منه منافع الإنسان.
وقال علي بن عيسى: ليس يري مجد الحكمة إلا من كان بصر عينيه
стр. 146
في قلبه لا بصر قلبه في عينيه، وما أحسن ما فتق لسان البدوي بهذا المعنى في نظمه السائر:
ما الفضل فيما تريك عين ... بل هو فيما ترى القلوب
وقال علي بن عيسى: قال افلاطن: من اتصلت الحكمة بطباعه فتحتها أخرجت منها أنواع البيان المخالف لها في السكل والقوة والصورة.
وقال غيره: قال سقراط: كل مصغر ليس بمحمود ما أمكن منه الاختيار.
قال أبو سليمان، وقد سمع هذه الحكاية: ما أحسن ما قال بطليموس في كلماته في الثمرة حين قال: إذا طلب المختار المختار الأفضل فليس بينه وبين المطبوع فرق.
وقد شرح هذه الكلمة في أخواتها من الثمراة كاتب آل طولون وأربى على كل فائدة.
قلت لأبي سليمان: إذا كان في الاختيار انفعال لا محالة فلم لا يكون المطبوع أفضل منه، وإن سميته مضطراً؟ فقال: قد وضح لك قديماً أن الانفعال على ثلثة أنحاء: فنحو ينحط به المنفعل عن خاصية جوهره، باستحالة صورته، وانحلال كينونته؛ وضرب يتحرك به المنفعل على نفسه إما نقصاً لما اجتمع فيه أو استجلاباً لما انحل عنه؛ وضرب يتطاول به المنفعل إلى ما هو فوقه، مقتبساً بالقوة شوقاً إلى القدرة، جار على الشرك الواحد، فهو بالقوة الآلهية أفضل من المختار، ولكن شرف المختار عليه من جهة القدرة الموهوبة له يتخير بها، وفي هذا معنى التهليل؛ وشرف المطبوع من جهة القدرة الموجودة فيه يدوم عليها، وفي هذا المعنى العيش.
وقال آخر، وهو عيسى بن علي: قيل لبعض القدماء: كيف يكون المحرك ساكنا؟ فقال في الجواب: كالمغناطيس الذي يحرك الحديد، وكذلك الشهوة للبدن، فإن الحجر والشهوة ساكنان، وكذلك المعشوق فقال القومسي وغيره أيضاً من الحكماء البينة: قول الأول إنما يدرك
стр. 147
الشيء من جهة علته المحيطة به، فإذا لم يكن الشيء علة فلا محالة أنه غير مدرك.
وقال عيسى بم علي: الملك بحق من ملك رقاب الأحرار بالمحبة.
وقال الصابي: قال ثابت بن قرة: الخرافات توجد من أربعة أشياء، وهي: عجائب البحر، وحديث السحر، وحديث العشق، وحديث الجن.
المقابسة السابعة والستون
في أن البياض ينشر البصر والسواد يجمعه
قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعين: البياض ينشر البصر، لأنه من جنس النار. ولا سواد مجمع للبصر، لأنه من جنس الماء.
قال: وقال آخر: الفصل بين الجوهر والعرض أن الجوهر لا يقبل الزيداة ولا النقصان، والعرض يقبلهما.
وقال: كل خير حسن، وليس كل حسن خير.
وقال: كلما فعلته النفس بالأدب، فعلته الطبيعة بالعادة، وفعله العقل بالتقبل، وفعله الباري بالجود.
وقال: الغضب يتحرك من داخل إلى خارج، والحزن يتحرك من خارج إلى داخل.
وقال بعض الأوائل: معرفة الدواب أولادها بالرائحة، ومعرفة الطير أفراخها بالألوان، ومعرفة الناس بالصورة.
وقال: متى كانت الحركة بشوق طبيعي لم تسكن البتة، ومتى كانت باختيار جاز أن تتحرك مرة وتسكن أخرى.
وقال سقراط: إن لم تكن لي استطاعة فإني محرك غير محرك.
ثم قال أبو سليمان: هو محرك إذا كان محركا، لأنه محرك. فقيل له: قد نظن بالباري إذا كان محركا أن يكون محركا لأنه يحرك؟ فقال: لا يجب
стр. 148
هذا لأمرين: أحدهما أن في القسمة قد تبين أن ها هنا محركا، لأن في مقابلته محرك غير محرك، والثاني أن معقولنا من قولنا الباري محرك الأشياء لأنها تنحوه وتصمد إليه وتتشوقه وتفعل به وتنفعل له، لأنه تقدس وعلا يوسم ما يوسم به أصناف ما تحرك أو محرك.
وقال بعض الأوائل: العلم والعمل حدا الفلسفة، وكل واحد منهما بين ضين: فالعلم بين الصدق والكذب، والعمل بين الخير والشر. ثم قال: هذه الرذائل كلها إعدام هذا لفظه فمن ألفها واستعملها وانقاد لها وغلب عليها فقد أعدم نفسه وعدمها وعدم معها واضمحل فيها، والعدم حال سيئة مكروهة فاحشة، لا يأتي عليها نعت وإن كان بليغاً، ولا يحيط بها قول وإن كان شافياً. فأما الفضائل فعلى خلاف هذه كلها؟ هي موجودة ولها الوجود المستفاد من الوجود الأول. فمن اقتناها واستعملها وراض نفسه بها إليها، وأجرى عادته عليها، وألان عريكته لها، انقطاعاً عما عداها وانقطع إليها، وكمل مناقصه بالازدياد منها، بقي موجوداً بوجودها؛ وجوداً لائقاً به على قدر اشتماله عليها، وتصريفه لها، وإمعانه فيها، فما ظنك بحال توضح لك الفصل بين الموجود والمعدوم، وترشحك لنيل ملك عظيم، وتحليك للظفر بشأن جسيم، توقفك على صراط الله المستقيم؟ ثم قال: وليس في التحلي بالحكمة تعب كثير، قد والله شاهدنا قوماً تحملوا آلاماً كثيرة وركبوا أهوالاً عظيمة لسبب إغراض باطلة، وأعراض زائلة، لسبب هوى سول لهم، وقرين أغواهم، واعتقاد رديء غلب عليهم، وشيء حقير تعجلوه بشهواتهم! وطلب السعادة بإصلاح السريرة وانتحال الصواب أهون من ذلك أجمع. فلا يصدنك عن سلوك هذه المحجة البيضاء أمر مبهم، ولا حال مستعجمة، فإن فيما تدركه وتشرف عليه وتنال الروح به خلفاً كثيراً وفائدة عظيمة. فلا تكل نفسك إلى اختيار السوء، وإلى قرناء السوء، فإنك إن فعلت ذلك خسرت خسراناً مبيناً وضللت ضلالاً
стр. 149
بعيداً، وتحرقت أسفاً، وتقطعت ندماً، وإن نعشت نفسك، وأخذت يدك بيدك، واستمررت في أمرك، واستترت بدائك، ورفضت كل كل عنك، وعرفت المراد منك؛ فزت فوزاً عظيماً، ونلت ملكاً ونعيماً، وبقيت بقاء لا انقطاع، وسعدت سعادة بلا شقاء، وصفوت وعلوت، وعرفت وأنفت، وقدرت وظهرت، ومجدت وشرفت، ولظتك عين الجود غامرة، واكتنفتك الخيرات ظاهرة وباطنة. واحداً لا ينقسم، وناظراً لا يغمض، وموجوداً لا يعدم، وبيناً لا يخفى، وشاهداً لا يغيب، وحاضراً لا يفقد، وعلانية لا تنكتم، ومتصلاً لا ينقطع، وحبيباً لا يقلى، ومعشوقاً لا يخفى، وموصولاً لا يبعد، وصاحباً لا يمل، ومجموعاً لا يفترق، وآمنا لا يخاف، وساكناً لا يقلق، وناطقاً لا يعيى، وصحيحاً لا يسقم. أمر يجل عن نعت الناعتين، وحال تعلو قول الواصفين، وشأن تدق على خبر المخبرين. فاجمع أكرمك الله بالقبول أطرافك، وشمر إلى الغاية ذيلك، وكن رقيباً على نفسك، فلا مشفق عليك سواك، ولا ناظر في أمرك غيرك، وعلى الدعاء والتلطف، وعليك الاجتهاد والسعي. فما بعد نصح الداعي وقبول السامع إلا نيل الأماني وبلوغ الآمال.
المقابسة الثامنة والستون
في أن الوسط فيه الطرفان
قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعيين: الوسط فيه الطرفان، فإن الماء الفاتر توجد فيه الحرارة والبرودة. ثم قال: وهذا بيان قول الأوائل: الإنسان لب العالم، وهو في الوسط، لانتسابه إلى ما علا عليه بالمماثلة، وإلى ما سفل عنه بالمشاكلة. ففيه الطرفانِ، أعني فيه شرف الأجرام الناطقة بالمعرفة الإستبصار، ولا بحث والاعتبار؛ وفيه صفة الأجسام الحية الجاهلة التي
стр. 150
لم توشح بشيء من الخير ولا فيها انقياد له، فما أحرى من هذا حده وشأنه، ومقره ومكانه، أن ينجذب إلى ما يعز به ولا يذل، ويوجد به ولا يفقد، وينال به ولا يخفق؟ وما أشقى من هذا حديثه مع التمكين والاستطاعة، والقدرة والقوة، والتذكرة والتبصر، إن تردى من ربوته، وذهب في هوته وبقي خاسئاً حسيراً، ومقيد أسيراً، بلا فكاك ولا إطلاق، ولا رحمة ولا إشفاق؟! قال أيضاً: قال أفلاطن: من ملك منطقه سمي حليماً، ومن ملك غضبه سمي شجاعاً، ومن ملك شهوته سمي عفيفاً. قال: وقيل لأفلاطن: أي الأمرين أعلى درجة، أن يقول ما يعلم أو يعلم ما يقول؟ فقال: أن يقول ما يعلم، لا، مرتبة العلم فوق مرتبة القول. قال: وهذا كما قال؟ فالقول تابع للعلم، وهذا هو الحق ليكون العلم أولاً وأصلاً، وإذا علم ما يقول. فكأن العلم مقصور على قوله من غير أ، يكون قائماً بنفسه، ثابت في معدنه، جار من ينبوعه.
وهذا آخر ما فهمناه عنه في هذا الفصل، ولعل المطالبة بزيادة شرح ممكنة، فإن المغزى فيه لطيف، والبيان عنه عزيز.
وقال بعض الأوائل: الإنسان الذي لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة لا ثمر لها. وقال آخر: البخيل الغني كالجبان القوي. وقال آخر: من الصورة والهيولى يكون الحد، ومن الصورة والعلة يكون الإيضاح. ثم قال: وهذا صحيح، لأنه لا وجود لشيء إلا بصورته وهيولاه، فأما الهيولى بذاتها فغير موجودة، وكذلك الصورة، فكل ما يقوم قائماً يتقوم بهما ثم يصير ذلك المتقوم صورة أخرى محفوظة الظاهر والباطن إلى الأولين اللذين هما الهيولى والصورة. ثم على حسب ما عليه الصورة في هذا المتقوم يكون شرف جوهره لأنه يستفيد البساطة من الصورة، والتركيب من الهيولى، وذلك على حسب ما عليه هولاء فيه ضعة جوهره وسلان عنصره. فكل حيوان غير
стр. 151
ناطق عادم لشرف الصورة، وكل حيوان ناطق واجد لشرف الصورة، إلا إن الناطق ناطقان: ناطق في الذروة، وناطق في الوسط، فالذي في الذروة الأجرام الناطقة الحية النيرة العلوية، والذي في الوسط الإنسان الذي قد حوى بحده معنى النطق، ويظهر منه هذا المعنى في الطرفين بالفطرة التي له، فإنه يحس ويعقل، والآخر بالرياضة المحمودة، والإلف الحسن، والاختيار الجيد، والقبول الدائم. ولما علت الأجرام الناطقة عن هذه المهابط التي انتصف فيها الإنسان استغنت عن الرياضة والتحديد والطلب والاجتهاد والاختيار، ولما سفلت الأجسام الأخر التي هي في آخر الأطراف لم يطمع لها في ثمرة النظر وعاقبة الرياضة ما يفيد الاختيار ويتوقع بالقبول. وكما حصل الإنسان دون الجوهر الناطقة، كذلك حصل سائر الحيوان الذي هو دونه، دون الإنسان، إلا إن خساسة ما تباعد عن الإنسان من أصناف الحيوان أشد وأبين، لأنها خساسة طينية لا طمع في رفعها، ولا رجاء في دفعها. فأما ما حازه الإنسان في مكانه الذي هو كالمنتصف من النواطق العالية النيرة الشريفة الدائمة الأبدية، وبين ما سفل عنه من سائر الحيوان فهو على شرف الطبع في صلاحه واستجابته وانقياده، حتى يجود اختياره، ويذكو ذهنه، ويطهر عقله، ويصير ما هو في قوته كامن بادياً، وما هو معجون في طينته ظاهراً، وحينئذ إذا بلغ هذا المبلغ علم أنه ناصح من ناحية الطبيعة، وأنه متى نزع يده من يد الغاش ووضعها في يد الناصح، وثبت نسبه إلى الشرف، واستقرت قدمه على الصراط، وأبصرت عينه كل ما غاب، ووثقت نفسه بالكرامة، وارتاحت إلى ما بين يديها من الغبطة، ونسيت أن هذا الإنسان في هذه المنزلة الصعبة والمنزلة المخوفة، ما قد لا ينجع فيه الدواء، ولا يسري إليه الشفاء، فيعطب للذي من أجله صرنا نتنادى بشاهد التنادي، ونتحارس في هذا العالم هذا التحارس، ونتواصى هذا التواصي، لئلا يخطف فجأة إلى مهوى البلاء ومعدن الشقاء قد والله لجيء إلينا بالنجاة،
стр. 152
وصرح لنا بالحق، ونصب أمامنا العلم، وتلى علينا بيان الرشد والغي، ليكون جأشنا على يقظة وبيان، وتحولنا إلى مقام أمن ودار سلام، ونحن كما ترى ساهون لاهون، إلى الله المشتكى والسلام.
وقال أيضاً أبو سليمان: قال بعض الطبائعيين: منزلة الكواكب من الشمس منزلة الحديد من حجر المغناطيس، أما تراهن إذا بعدن تجذبهن إليها؟ قال بعض الحاضرين: وهذا القول فيه نظر. فقال أبو سليمان: كل من لا يعرف ما يجب عليه فلا يعرف. فقال: ليس هذا من كيسي. وقال آخر: الدين حجة لا يحتج عليها، وللشبهة سبيل لا يعرض لها.
المقابسة التاسعة والستون
في اختلاف العلماء بين بطلان الرقى والعزائم وبين صحتها
وفي شيء من أقوال الحكماء
سمعت القومسي أبا بكر يقول: قال بعض الأوائل: الرقي باطلة. فقيل له: بل هي حق، لأنا نرى الوعيد يقطع العرق، وإنما هي كلمات تدخلها النفس على الطبيعة فتشغلها بتلك الكلمات عن عملها. قال: وهكذا تفعل الرقى إذا كررت على الإنسان.
وقال أيضاً: قال بعض الأولين، في السياسة والأخلاق: من ملك حقيق أن يحصن عقله من العجب، ووقاره من الكبر، وعفوه من تعطيل الحدود.
وقال ابقراط: الحمية أن تدع الشهوة تقية. وقال بعض الأوائل: استضاءة الجسد من النفس كاستضاءة القمر من الشمس، واستضاءة النفس من العقل كاستضاءة النفس للنفس، واستضاءة الروح من الطبيعة كاستضاءة المركز
стр. 153
من المحيط، واستضاءة العقل من العقل الأول كاستضاءة العاشق من المعشوق وقد قال بعض الأوائل: لا يقال هذا حق ولكن يقال: هذا عدل بحق، لأن الحق أو العدل به وقد قيل لأفلاطون: فلان لا يعرف شيئاً من الشر؟ قال: فليس إذاً يعرف شيئاً من الخير. قال: فهذا مكشوف، لأنه يريد أن تكون الأمور متميزة عند الإنسان الفاضل. فإنه بعد تمييزها يختار منها، وفيها ما يجب أن يجتنب، وفيها ما ينبغي أن يكتسب. وإذا استعزت عليه ولم يوضحها التمييز بطل اختياره منها، وإذا بطل اختياره منها خيف عليه الهلاك فيها. قال بعض الطبيعيين: الدليل على أن الفعل غير الفاعل وغير المفعول، الصوت من اصطكاك الجرمين، والنغم من اليد والوتر. وقال بعض الأوائل: الطبيعة والعقل مكان النفس، والباري محيط بكل ذلك، وهو بكل مكان لا يخلو منه شيء، وهو العالم بكل شيء، لأنه علة كل شيء. ثم قال: وهذا على السعة المعروفة والمجاز المعتاد، وإلا فقولك علم ويعلم وعالم، خبر عن ضرب من ضروب الانفعال، والباري لا انفعال له بوجه البتة.
وقال: قال بعض الأوائل: حد الشيء الصناعي خارج عنه، وحد لشيء الطبيعي موجود فيه. قال: وإنما كان هذا لأن، الصناعي يصدر عن ذي هيولى بأداة جسيمة وآلة عملية، والطبيعي يبرز عماله صورة نفسية بأداة روحية وآلة لطيفة. فالطبيعة من الآلهة، لأنها تستملى عما فوقها وتملي على ما يتصل بها. وقال أيضاً: قال سقراطيس: لو قبل الماء السكون لكان أرضاً، ولو قبلت الأرض الحركة لكانت ماء، ولو كان الهواء حاد الزاوية لكان ناراً، ولو كانت النار منفرجة الزاوية لكانت هواء.
وسمعت أبا الحسن الحراني يقول: قرأت في كتبنا، يعني كتب الصابئين: إذا أردت أن تكثر النحل في مكان فضع نحلة من ذهب واجعلها في سقف
стр. 154
بيت النحل، فإن النحل يزيد ولا ينقص ولا يهرب.
قيل للقومسي: لم تقبل النادرة ولا ترد؟ فقال: كأن المعنى في هذا القول أن النادرة ليست مملولة، لأنها غير معهودة ولا مرددة، فهي لا تستحق الرد. ألا ترى أنها تعهد إذا قدرت، ولها حرمتان تقدمنها: حرمة الغريبة، وذمام الزائرة البعيدة، فهي لذلك ليست كأخرى قد عهدت وملت وقليت.
المقابسة السبعون
في أن التماس الرخصة عند المشورة خطأ
سمعت أبا سليمان يقول: من التمس الرخصة من الإخوان عند المشورة ومن الفقهاء عند الشبهة، ومن الأطباء عند المرض، أخطأ الرأي، وتحمل الوزر، وازداد سقماً. وسمعته أيضاً يقول: لا يجوز أن يصدر فعلان متضادان من جوهر واحد، ولا يجوز فعل واحد بالذات، من جوهرين مختلفين بالذات. وسمعته يقول: من أراد أن يجود على الناس كلهم فلينوي لكهلم خيراً.
وسألته عن الفرق بين المعرفة والعلم؟ فقال: المعرفة أخص بالمحسوسات والمعاني الجزئية: والعلم أخص بالمعقولات والمعاني الكلية.
قال غيره: ولهذا يقال في الباري: يعلم، ولا يقال يعرف ولا عارف وسئل عن الرطوبة واليبوسة فقال: الرطوبة كيفية سهلة التشكل بالأشكال الغريبة. واليبوسة كيفية عسرة التشكل بالأشكال الغريبة. وكل قابل لكيفية من الكيفيات فإنه يقبله إذا كان عادماً له.
وتكلم عشية يوم في التوحيد بكلام طال ودق فقلت له: هذا مشكل؟ فقال: إشكاله يدلك على وضوحه.
стр. 155
فلما خرجنا من بين يديه قال لي النوشجاني: أراد أن إشكاله على شواهد الحس تدل على وضوحه عند شواهد العقل؛ لأنه تجتمع إيضاح العقل والحس في معاني الآله، وذلك إن الحس يدرك ذا الأشكال فيكون الشكل مدركاً له بوساطة ذي الشكل. والعقل قد يجرد الأشكال عن عوامها وموادها فيلحظها، ولكن يلحظها متميزة، فإذا علا اللحظ عن الأشكال كما علا عن ذوي الأشكال حينئذ يصير العقل والمعقول شيئاً واحداً، وينتفي كل شكل لاستيلاء الوحدة فيعتاض كل بيان لاستيلاء الخيرة. فعلى هذا معنى قوله إشكاله يدل على وضوحه في نفسه بحسب حقه الذي في ذاته.
وصفيت هذا المقدار بعد استفهام كثير ومراجعة شديدة، لأن الإشارة غامضة والإيماء خفي، على سعة المواد، وتوضح المقصد، وقرب المأخذ، وانكشاف الغطاء، واستتار المسلك. وإذا أراد الله تيسير عسير وتقريب بعيد فعل إنه ماجد وهاب.
وقال أيضاً: النفس تدبر أولى الألباب، والطبيعة أولى الغفلات، والفكر في مرآة النفس يريها خيرها وشرها. وظنه العاقل كهانة. وخدم الملوك خزان أرواحهم. وإشفاق الإنسان يجب أن يكون على فناء الزمان ومن أحب ِأن يبقى في عالم الحس سليماً من آفات الدهر فليغن عن عقله فقد مات، ومن أحب أن لا تجري عليه أحكام الفلك فليجد سقفاً غير هذا السقف.
стр. 156
المقابسة الواحدة والسبعون
في حقيقة الضحك وأسبابه
سألت أبا سليمان عن الضحك: ما هو؟ فأملى فقال: الضحك قوة ناشئة بين قوتي النطق والحيوانية، وذلك أنه حال للنفس باستطراق وارد عليها. وهذا المعنى متعلق بالنطق من جهة، وذلك الاستطراق إنما هو تعجب، والتعجب هو طلب السبب والعلة للأمر الوارد، ومن جهة تتبع القوة الحيوانية عند ما تنبعث من النفس، فإنها إما أن تتحرك إلى داخل، وإما إلى خارج. فأما أن يكون دفعة فيحدث منها الغضب، وإما أولا وأولا باعتدال فيحدث السرور والفرح. فأما أن تتحرك من خارج إلى داخل دفعة فيحدث منها الخوف، وإما أولا فأولا فيحدث منها الإستهزال وإما أن تتجاذب مرة إلى داخل، ومرة إلى خارج، فيحدث منها أحوال أحدثها الضحك عند تجاذب القوتين في طلب السبب، فيحكم مرة أنه كذا ومرة أنه ليس كذا، ويسري في ذلك الروح حتى ينتهي إلى الغضب فتحرك الحركتين المتضادتين، وتعرض منه القهقهة في الوجه لكثرة الحواس، ويعلو الغضب واحداً واحداً منها.
стр. 157
المقابسة الثانية والسبعون
في حديث النفس وما يغلب عليها ويصير ديدناً لها
قال أبو زكريا الصميري يوماً لأبي سليمان في حديث النفس وما يغلب عليها ويصير ديدناً لها لا يفارقها ولا يزول عنها: أيها الشيخ، إني أجد في نفسي أشياء هي أركان فكري ودعائم همي وأسس وساوسي.
أحدها: حديث الوالدة، فإني لا أكاد أنساها ولا أذهل عن شأنها وشأني معها، هذا على بعد عهدي بها، وامتداد الزمان بيني وبينها، لأنها صارت إلى جوار الله وأنا غلام.
والثاني: حديث صاحب الشريعة، فإني أسبح فيه أيضاً متعجباً مما خص به وأفرد منه، مع ما عاناه من أقاربه وأباعده، ومع الذي نهض به من أعمال حاله وتدبير أصحابه، ونظم جل أمره ودقة ما كان يلقي، وهي الحال التي توحد بها من بين أهل عصره في نشر الغيب والدعاء إلى الرشد حتى صارت أعجوبة عند من أنكره، وبركة ورحمة على من عرفه ونصره، وسائر ما كان به مشهوراً من أمره الغالب، وشأنه المعجز، ومع الأحوال التي اختلفت وائتلفت ووضحت على الذين عاينوه وخبروه وجاوروه واستنبطوه مما يطول ذكره، وهو بارز لكل أحد، وموضوع على كل مرصد.
والثالث: الموت، وذلك أني ممنوع بتخيله عن كل استمتاع ولذة، أتخيله تخيلاً غالباً موحشاً، وربما غشي فؤادي من ذكره، وباشر صدي من كربه، ما يبلغ بي أني أتمناه لأستريح.
والرابع: الباري ، وأنه في أعلى أرجاء الفكر، وفي الحد الأقصى
стр. 158
من حديث النفس، لا يخلو من ذكره بالي وقلبي، ولا ينصرف عن مناغاته سري وجهري. على أنه لا صورة له عندي ولا عيار ولا تخيل. ولكن أبت علياؤه إلا شعوراً به، ووجداً ناله، وإعراباً عنه، وإيماء نحوه؟ فقال أبو سليمان: هذا خبر عن محل رفيع في الاستنارة، وشأن عجيب في حصول الطهارة، واتصال السفارة. وقد يظن من لا شرب له من هذه العين أن هذا وسواس يغلب من جهة المزاج إذا انحرف، والاعتدال إذا فقد، وليس كذلك، بل يوشك أن يكون مصطفى الغاية المتمناة، والنهاية المتواخاة.
لأن الوالدة يلحظ منها المبدأ الحسي فيعشق لذلك. ومن سجايا النفس الفاضلة، ومن عادة الفطرة النقية والطينة الحرة، أن يكون المبدأ ملحوظاً فيها وعندها. وهذا كله للشعور بالمبدأ الذي هو الأول بالإطلاق، مع أحوال تتناصر وتتشابه في خلال هذه الفكرة، تتفلل بها النفس تعللاً مؤنساً مطرباً ودافعاً للوقت موجباً.
قيل له: فلم لم تكن المنزلة دون الأم؟
فقال: الأم شأنها في الحس أعظم، وتدبيرها في المباشرة أظهر، وشفقتها بحسب ضعف قوتها أكثر، والأب هو الفاعل الحسي أيضاً، ولكن لا مباشرة له متصلة، ولا ولاية له متمادية. إنما هو أول فقط؛ والأم حاملة واضعة، وفاطمة ومرضعة، وحاضنة ومربية. فالكلفة عليها أغلظ وحسها للولد آلف، وهو بها أشعف.
ثم قال: وأما تخيل الموت فلأن النفس تلحظ المعاد وتنزع إليه وتتقلب نحوه، لأن المعاد هو المحيط الذي منه أبدأ وإليه يجب أن يكون المنتهى؛ ولاستعجام الحال في الثاني ما فتئ قلبه في الفكر فيه، فيعتريه السهر الشديد والفكرة الغالبة، نفوراً من الشقاء وتحسراً على ما يكاد يقرب من الخير؛ ولا سبيل للنفس إلى هذه العاقبة إلا بتخيله البدن الذي هو السور المانع
стр. 159
بينه وبين الخلاص من أسر هذا العالم وتدبيره بهذه الإستقصات. وهذه التخلية هي التي تسمى موتاً؛ وإنما هي تحول من مكان إلى مكان. فالفرق مصحوب، والخوف قائم، والظن مترجح، والأمل بين رياح عواصف. فكلما كان استعجام الحال أشد كان الأمل أضعف، وكلما كان الأمر أبين كان الشوق إليه أعظم.
فأما ما يتعلق بحديث الناموس الآلهي الشارع لطرق الخيرات القائدة إلى غاية السعادات، فإنه أيضاً إنما يشتد ذلك ويكثر ويتضاعف، لأن للنفس الفاضلة مباحث كثيرة في شأن من هذا نعته وكميته. تلك المباحث هي مسالك الخير المأمول، ومراقي السر المعلوم والمجهول، فالشغف والفكر والنظر إنما يتضاعف في شأن هذا الشخص ليقبس من نوره، ويهتدي بأمره ونهيه، ويظفر بتنقية النفس من جهته بقوله وفعله ويمنه وبركته.
فأما ما يرتقي عن هذه الحدود إلى الغاية الأولى والغاية القصوى، فذلك بطلب النفس وسكونها سكوناً لا قلق بعده، وطمأنينة لا يخطل بعدها. فبحق كانت هذه الخواطر سانحة، وهذه المشاعر فاتحة، وهذه الأواخر مشهودة، وهذه الأوائل موجودة. وبقدر تواليها وتعاقبها، وتوافيها وتقاربها، تكون نقطة الإنسان في اكتساب الآلهية الحسنة، والقنية الباقية، والأخلاق الآلهية من العلم والحمة، والجود والسماحة، والعفاف والهمة العالية، والشجاعة البينة، ولا خير والعدالة، والتقديس والنزاهة. فلا عدة للنفس الحكيمة، والطبيعة الكريمة، إلا هذه الفضائل التي هي ينابيع الخيرات، ومصابيح الغايات، وثمرات هذه الحياة. ثم قال: والله نسأل توفيقاً ندوم به على هذه المحجة البيضاء، واللقم الأفيح ثم نزداد بصيرة إلى التمسك بما عادت جدواه علينا عاجلاً وآجلاً، ببذل الغاية، وتقديم الحرص، ورفض الدنيا، ومجانبة قرناء البطالة وأبناء الهوى والشهوة، فإنه مجيب من دعاه، وكافي من استكفاه.
стр. 160
وأقول: ما أحوجنا جميعاً إلى أن نهب أنفسنا لكسب هذا المجد، وتشييد هذا البناء، واقتناء هذا الذخر؟ فوالله الذي لا إله إلا هو لو تزينا بهذه المقابسة وحدها من هذا الشيخ كانت زينة لنا إلى آخر الأبد، فكيف ولها أخوات تعضدها، وأمهات تشهد بصحتها؟
المقابسة الثالثة والسبعون
في بيانه الدهر وحقيقة وحده
أملى علينا أبو سليمان فقال: الدهر هو إشارة إلى امتداد وجود ذات من الذوات، وهو ينقسم قسمين: أحدهما مطلق، والآخر بسيط، من قبل أن الذوات إما أن تكون موجودة وجود إطلاق، أو بالحقيقة من غير أن تقترن بمبدأ نهاية، وإما أن تكون متناهية، إذا فهم منه وجود ذات لا ابتداء لها ولا انتهاء، فهو الدهر المطلق، وإذا فهم منه امتداد وجود ذات ذي نهاية فيكون الدهر الذي بالإضافة والشرط. مثال ذلك: أنا نقول إن فلاناً دهره يفعل كذا، أو كنت أفعل الدهر كذا. توأما المثال على الأول بالإطلاق فهو الذي يرجع منه إلى الذات التي هي أقدم الذوات وأتمها وأمدها إلى غير غاية ومن غير بدء. والزمان هو عدد حركة الفلك المشرقي بالتقديم والتأخير قال: ومن الناس من قال إنه مدة تعدها الحركة. وهذا الحد توهم أن الحركات كالمكيال للمعنى المفهوم من اسم الدهر، وليس هذا معنى الزمان على الحقيقة وجوده إنما هو في عدد الحركة معدودة ليس هو الدهر، وإنما هو الحركة. فالأشياء الحادثة على ضربين: منها ما هو جار مع الدهر ويتعلق في وجوده بالذات الأولى، وتلك لا يلزمها التناهي وغر التناهي، والقبل والبعد الذي من قبل
стр. 161
الزمان، بل التي تمن قبل المعنى الذي يتعلق بالتصور والإضافة إلى وجود الذات الأولى؟ والضرب الثاني الحادثة في الزمان، وهو محصور بين ظرفين بقبل وبعد. فإذا حقق النظر فيه رجع إلى فعل وانفعال، والجملة إلى حركات من الحركات، إما كون وإما فساد، وإما نقلة، وإما استحالة، وإما نمو، وإما اضمحلال. من غير أن يتعلق بوجود ذات من الذوات.
المقابسة الرابعة والسبعون
في الفرق بين الوحدة والنقطة
وإملاء علي أيضاً: الفرق بين الوحدة والنقطة أن الوحدة هي نقطة ما لا وبضع لها، والنقطة هي وحدة ما لها وضع. فالوحدة هي مبدأ الواحدية وهي الكم المنفصل بمنزلة العدد المؤتلف من الوحدات التي تجتمع من غير اتصال أحداتها بالأخرى. والنقطة هي مبدأ الكم المتصل بمنزلة الخط الذي يتصل أجزاؤه بعضها ببعض بجد مشترك هي النقطة. فالنقطة إذاً هي وحدة ما لها وضع، والواحد هو نقطة ما لا وضع لها. ولذلك ما كان وجود الوحدة موضوعها النفس في التوهم. ووجود النقطة موضوعها الجوهر الطبيعي. ومتعلقاً بالحس وإن كان متعلقها بتوسط الحس.
стр. 162
المقابسة الخامسة والسبعون
في بيان الفرق بين الفعل والعمل
سألت أبا سليمان عن الفرق بين الفعل والعمل فقال: الفعل يقال على ما ينقضي، والعمل يقال على الآثار التي تثبت في الذوات بعد انقضاء الحركة. قال: والفعل أيضاً يعم كل معنى صادر عن ذات، وحد الفعل أنه كيفية صادرة عن ذات، والانفعال كيفية واردة على ذات. فالفعل يقال على التحقيق على هذا المعنى، وهو الذي يقال إنه مقولة من القولات العشر. ويقال على العموم، أي على أي معنى صدر عن ذات.
المقابسة السادسة والسبعون
في أن النفس ليست قائمة بذاتها
لأنا لا نجدها إلا في الجسم المركب
قيل لأبي سليمان: النفس ليست قائمة بذاتها لأنا لا نجد النفس إلا في الجسم المركب.
فقال: هذا كلام من لا إلف له في هذا الفن، وقد يعرف الشيء من ناحية إعتياصه ودقته، وقد يعرف من ناحية بلادة الناظر فيه. إذا قلنا: النفس قائمة بذاتها، فإنا نريد بهذا أنه لا علاقة لها مع الجسم ولا صلة، ولا وصل ولا انفصال، ولا تحريك ولا تصريف. بل إن قلنا: إن النفس في الجسم فالمراد به أن قواها هي السابحة فيه أو بادية عليه. وإن قلنا: إن النفس قائمة من دون الجسم بذاتها فالمراد بذلك أيضاً أنها غير ملابسة له كملابسة الدهن
стр. 163
الماء؛ ومدار الخير على النفس والبدن، على تصفية المعقول منه، لا على تسلط الحس عليه، ونقل التمثيل والتشبيه إليه؛ ألا تعلم أن الشيء على فنون، كالسياسة في السائس، وكالسائس في السياسة، وكالماء في الحب، وكالحب في البيت، وكالبيت في الفضاء؛ فقد يلحظ الجوهر على خلاف ما يلحظ في الجوهر، ويلحظ البسيط في المركب على شكل غير شكل المركب في البسيط ثم بين الذي قسطه من البسيط على قدر آخر فرق بالضعف والقوة، وهكذا الحال في المركب والتركيب، وبهذا الفرض الموهوم حصل بين الشبيهين فرق غامض لا يقف عليه إلا من توغل وتغلغل، وحصل بين المتباينين شبه خاف لا يسبق إليه إلا من تخلل وتوصل؛ ولهذا صار جل النظر والبحث، بل الغالب الغامر إنما هو في إيضاح الفرق بين متماثلين لشدة تماثلهما، وإيضاح الشبه بين متباينين لشدة تباينهما، فليكن هذا من دعائم العلم عندك حتى يخف عليك طلب ما أشكل واستيضاح ما غمض.
وقد سلف في حديث النفس ما فيه شفاء النفس، وسيمر فيما بقي من الكتاب أيضاً ما يكون نافياً لكثير من الشبه، ودافعاً للكثير من الاعتراض، وهذا اللهج في حديث النفس إنما هو لغلبة عشق البقاء الدائم والحياة الصافية من الكدر، وكيف ما نعتنا النفس وأنبأنا عنها فإنها بائنة الشكل والحال، والظاهر والباطن، والفعل والانفعال، والحقائق ولخصائص، عما عليه البدن. أعني إن قلنا: إن النفس في البدن على سعة، عرض الحلول في مواضعه، أو قلنا مصرفة الجسم على سعة، عرض التصريف في مواقفه، أو قلنا الجسم منفعل لها أو بها على سعة، عرض الانفعال. واختلاف معان لها وبها. فعلى جميع هذه الوجوه قد وضح أن شأنها غريب، وأن سرها عجيب، والنظر في أمرها واجب، واليسير مما يستفاد من حديثها كثير، وإني لأعجب ممن يظن أنها تابعة للمزاج، فهلا نامت عند نوم الإنسان؟ فإن المزاج قد جبل على النوم
стр. 164
بحسب الضرورة التي دخلت على الجسم من اليقظة الكادة والحركة الجادة، بل الأمر كان بخلاف ذلك، فإنها عند النوم عطفت على ما هو أخص بها وأعشق لها فتصرفت فيه وأملت، وأنبأت عنه وأنذرت، فكيف يكون هذا الشأن مع شرفه وجلالته وشدة التعجب منه مجهولة القدر محمولاً على أحسن الوجوه؟ هذا ما لا يسمح به عقل من له معرفة في الصواب بسبب صحيح أو لصاحبه في مواصلة الحق رغبة تامة. وقال أبو سليمان في هذا الموضع: هذا ما جاء في الجواب، وهو حسرة الطبيب، والمهندس، والمنجم، والموسيقار، والمنطقي، والكلامي، وجميع أصحاب النظر والقياس.
المقابسة السابعة والسبعون
في استيلاء المحبة على الأجسام
واستيلاء الغلبة عليها ونتايج كل منهما
قرئ على أبي سليمان من كلام أبندقليس: إذا استولت المحبة على الأجسام
стр. 165
التي منها تركيب العالم كان منها العالم الكري، وإذا إستولت الغلبة كان منها الإستقصات، والعالم الكائن الفاسد.
فقال مفسراً: إنه أراد باستيلاء المحبة على العالم استيلاء القوة العقلية، فإنها هي التي تحيط بجميع الموجودات إحاطة كلية، وتؤلف بينها تأليفاً نظامياً موفقاً بين جميع أجزائها. وهذا الفعل منها شبيه بتأليف الأكر بعضها مع بعض، وإحاطة بعضها ببعض، حتى لا يتخللها شيء آخر. قال: ومعنى قوله: إذا استولت الغلبة حدث منها الإستقصات المتباعدة الأفطار، المتميزة بعضها من بعض، المباين كل واحد منها غيرها؟ وهذا تشبيه بالقوى الحسية المتشذبة المفارق بعضها بعضاً فيما يخصها من الإكدادات مع ما يقع فيه من الخطأ والغلط والزيادة والنقصان. وهذه صفة الأشياء المتغالبة والمتنافرة.
هذا آخر تفسيره، وليس به غنى عن بقية بها ينكشف فضل انكشاف ويغترف من سجلها أكثر من هذا الاغتراف، ولكني قد بلغت هذا الموضع من الكتاب وما بي طرف ولا معي ذهن، لأحوال إن شرحتها أثرت الشماتة من العدو، وأعنت العدو على المحب، وحركت ساكن الخصم الآن وأسأت الصديق بعض المساءة، وإن كان لا صديق، وإلى الله أشكو غربتي وكربتي ومعاداتي لمن لا يسمح ولا يوالي، فبيده تفريج ما ألقى وتسويغ ما أشقى، وهو المولى والمعين.
стр. 166
المقابسة الثامنة والسبعون
في التضاد بن السلب والإيجاب
أملى على أبو سليمان فيما أملى: السلب هو نفي شيء من شيء، والإيجاب هو إثبات شيء لشيء، والحد ليس فيه حكم ولا إثبات شيء لشيء، ونفي شيء عن شيء، لكنه قول دال على أمر دلالة مفصلة، كما أن الاسم دال عليه دلالة مجملة، مثال ذلك: النقطة، فإنه سواء قلت شيء ما لا جزء له، أو قلت نقطة من قبل أن قولي نقطة ليس فيه حكم، كذلك قولي شيء ما لا جزء له لا حكم فيه. وأما إن جعلت أحدهما موضوعاً والأخر محمولاً، حتى تقول النقطة هي شيء ما لا جزء له، وله يصير حينئذ الحد محمولاً على النقطة، وتختلف دلالته عما كان عليه.
المقابسة التاسعة والسبعون
في أن الطبيعة اسم مشترك يدل على معان
قال أو سليمان أيضاً إملاء: الطبيعة اسم مشترك يدل على معان: أحدها ذات كل شيء عرضاً كان أو جوهراً، أو بسيطاً أو مركباً، كما يقال: طبيعة الإنسان، وطبيعة الفلك، وطبيعة البياض، والحرارة معنى ذاته. ويقال أيضاً على المركب منها، ويقال على المزاج الأول اللاحق لكل مركب من الإستقصات، ويقال على المزاج العام بتنوع الإنسان الذي هو موضوع للنظر فيه، وقد يستعمله الطبيب على المزاج العام، ويقال على المزاج الخاص
стр. 167
بنوع الإنسان الذي موضوع للنظر فيه. وقد يستعمله الطبيب على المزاج الخاص بشخص شخص من نوع الإنسان، وأما بحسب النظر الطبيعي العام الذي يخص الفيلسوف الطبيعي فهو المعنى الذي حده أرسطو طاليس: بأنه مبدأ الحركة والسكون للشيء الذي هو فيه أولاً بالذات لا بطريق العرض. وهذا المعنى يعم مسمى المركب، أعني المادة والصورة. فإن المادة مبدأ للتحرك والسكون، والصورة مبدأ التحريك والتسكين. والأولى بهذا الاسم عند أرسطو طاليس الصورة دون المادة وعند قوم من القدماء مثل المادة دون الصورة بحسب النظر الفلسفي، وحد الطبيعة هو المعنى الذي يقال إنها حياة تنفذ في الأجسام فتعطيها التخلق والتصور بالصورة الخاصية بواحد واحد منها، وكأنها القوة السارية من المبدأ الأول إلى جميع الأشياء المنفعلة بها والقابلة لها، الرابطة بينه وبينها، وهي بوجه ما الصورة المؤتلفة من جزئي المركب التي هي غير كل واحد منهما على الإفراد، وبحسب موضوع اللغة هي فعيلة من الطبع، ولذلك ما صار أشبه بالصورة من المادة، وإن كان المطبوع هو المادة إلا أن الصورة هي الطابعة، وهي المعطية ذاتها لها وحاصلة فيها.
المقابسة الثمانون
في أن الموجود هو الذي من شأنه أن يفعل أو ينفعل
قال أبو سليمان أيضاً: الموجود هو الذي من شأنه أن يفعل أو ينفعل فكل ذات موجودة، فإما أن تكون فاعلة فقط، أو منفعلة فقط، أو فاعلة ومنفعلة، فالمنفعلة فقط هي المادة الموضوعة لقبول الصورة والفاعل فقط هو المعطي صورة كل ذي صورة، والفاعل المنفعل هو المركب من مادة
стр. 168
وصورة يفعل بصورته وينفعل لمادته. وقال أيضاً: كل موجود إما أن يكون بالقوة، وإما أن يكون بالفعل فقط، وإما أن يكون بالفعل من جهة وبالقوة من جهة. وإما أن يكون بالفعل فقط، وإما أن يكون بالفعل من جهة وبالقوة من جهة. فالمنفعل الذي بالقوة دائماً هو الهيولى المستحيل المتبدل الأحول بالصورة التي يعطيها الوجود بالفعل، والموجود بالفاعل دائماً من غير أن يشوبه شيء من القوة هو الذات الأبدية الوجود الذي هو سبب كل موجود بالقوة، والفعل الموجود بالقوة تارة وبالفعل أخرى هي المركبات من المادة الموجودة فإن لها القوة من جهة الهيولى، والفعل من جهة الصورة.
المقابسة الواحدة والثمانون
في أن الخير على الحقيقة هو المراد لذاته
والخير بالاستعارة هو المراد لغيره
وسمعت أبا سليمان يقول: الخير على الحقيقة هو المراد لذاته، والخير بالاستعارة هو المراد لغيره، والمراد لغيره، والمراد، منه ما يراد لذاته فقط وما يراد لغيره فقط، ومنه ما يراد لذاته ولغيره، والذي يراد لغيره فقط بمنزلة الدواء، والذي يراد لذاته فقط بمنزلة السعادة، والذي يراد لغيره بمنزلة الصحة.
المقابسة الثانية والثمانون
في أن الواحد اسم مشترك يدل على
стр. 169
معان كثيرة
وأملى أبو سليمان على جماعة، كنت أحدهم سنة إحدى وتسعين وثلثمائة وقد سئل عن الواحد فقال: الواحد أسم مشترك يدل على معادن كثيرة، أحدها وهو أحقها بهذا الاسم، فهو واحد بالعدد، وهو إما أن يوجد من حيث هو مطلق، وموضوعها النفس من غير أن يوجد معه أمر من الموجودات، وهو بهذا الوجه يعني المعاد، وعلى هذا سواء أخذ واحداً أو أخذت وحدة، ويكون مبدأ العدد الذي هو جمع الوحدات كما يقال فرس واحد، وإنسان واحد. وهذا الوجه يعني المعدود. قال: ويقال أيضاً الواحد على ما هو واحد في الجنس، كما يقال: إن الإنسان والفرس واحد في الحيوانية، ويقال أيضاً: واحد بالنوع كما يقال: زيد وعمرو واحد في الإنسانية، ويقال أيضاً واحد بمعنى أنه غير متجزئ بمنزلة النقطة، والآن وعلى هذا الوجه أيضاً يقال في الشخص إنه واحد وإنه متجزئ من قبل أنه جزئي فشذ؛ ويقال أيضاً واحد في الموضوع. وهذا الضرب يقال منه المتصل الذي هو واحد بالفعل، وكثير بالقوة، ومنه ما هو واحد في الذات وكثير في الحد، كما يقال إن زيداً لكاتب، إذا كان طبيباً أو منجماً أو ذا صناعات كثيرة، إنه الطبيب والكاتب والمنجم واحد في الموضوع من قبل أن الذي هو كائن هو بعينه فاسد وكثير في أحد، لأن حد الفاسد خلف حد الكائن، ويقال أيضاً على ما هو واحد في المناسبة، كما يقال: إن النقطة الواحدة وقلب الحيوان وعين النهر واحدة بالمناسبة، معناه إن نسبة كل واحد منها إلى ما له مثل نسبة واحدة. ويقال أيضاً على ما هو واحد في الحد وكثير في الاسم، كما يقال: إن الثوب والرداء والإنسان والبشر واحد في الحد، وكثير في الاسم، وكذلك الخمر والخندريس وسائر الأسماء المترادفة على معنى واحد. ويقال أيضاً على ما هو واحد في الاسم كثير في الحد، بمنزلة الكلب والعين، فإن الكلب يدل على النابح والكواكب وحديده الحداد، وكذلك العين على العضو الذي يبصر به، وعلى عين الذهب، وعين الماء، وعين الركبة. وأليق هذه المعاني أن يوصف به الموجود الأول ما كان واحداً بالموضوع
стр. 170
وكثيراً بالحد والصفة، إذ لا يجوز أن يكون واحداً بالعدد من حيث هو معدود، إذ الواحد على أنه واحد من هذا الوجه كانت الكمية لاحقة به، الذات الأولى متعالية عن أن يلحقها أو يحيط بها صفة ما لمحق غيره من الموجودات المفعولة له، وذلك أن القوة التي تلحظ شيئاً من الأشياء ومعانيها معلولة مفعولة، ولحظها لها إنما هو على سبيل ما يلحقه من الفيض وإفادة الوجود من تلك الذات، فثبتت عندها آنية ذلك فقط من غير أن يمكنها نقل شيء من أحكامها وأحكام ما يحيط بها مما هو بدونها إليها، والواحد بمعنى وهو ذات ما له معنى الوحدة، وهذا يوجب الكثرة، فأليق الأشياء التي يجوز أن يشار بها إليها من جميع معاني الوحدة والآحاد التي ذكرناها هو الوحدة المجردة التي لا توجد من حيث هي في النفس فتكون حاكمة عليها بها، ولا التي موضوعها أمر من الأمور الموجودة ليكون بها هو واحد وعلى هذا الترتيب يصير الواحد الذي هو أول موجود يستحق أن يوصف بما هو القوة الأولى التي ذكرناها أو لمعقول للذات الأولى، فيكون بتلك الأنية التي يلزمها الوحدة التي وصفنا، وهي الفعل، فيكون الترتيب الجاري على النظام اللازم في مراتب الموجودات أنها الوحدة المحضة، وتاليها في الوجود المحض الذي هو المفعول الثاني، وثالثها الأنيان المحضان التي هي النفس من قبل أنه حصل لها من الذات الأولى الوجود، ومن الذات الثانية الصورة التي صارت بها كمالاً لك موجود لما هو دونه؛ ولما كان الإنسان الذي هو الموجود الذي ينتهي إليه جميع القوى من الموجود الأول والثاني والثالث من الأجسام السماوية والإستقصات الكائنة الفاسدة، والغاية التي إليها تبلغ القوى، يسلك بما معه من جميع ما فوقه إلى مواصلة كل واحد منها بحسب الرباط الذي بينه وبينها إلى أن ينتهي إلى المبدأ الأول والذات الأولى، فيفصح عنه بما لحقه في ذاته عبارة جسمانية بالمنطق الخارج.
стр. 171
ويشير إليه إشارة روحانية بمطابقة عقله المفعول الأول حتى يصير هو هو، ويلحظ أثر الفيض الواصل إلى تلك الذات فقدر مشاركته إياه ونفي عنه جميع الصفات التي نفاها عنه المفعول الأول. ويقال لهذا الفعل منه توحيد، أي تجريد تلك الذات عن جميع الكثرات التي تتعلق على الذوات وتحيط بها من الصفات.
المقابسة الثالثة والثمانون
في أن اسم العقل يدل على معان كثيرة
قال أبو سليمان: اسم العقل يدل على معان، وتنقسم تلك المعاني إلى أقسام بحسب ما ينقسم كل ذي عقل. وذلك له ابتداء وانتهاء: واحدها وهو بمعنى الابتداء بالطبع، هو العقل الفعال، وهو الشبه الفاعل. والثاني بحسب الانتهاء، وهو العقل الإنساني ويسمى هيولانياً، وهو في نسبة المفعول. والثالث بحسب معنى الوسط وهو العقل المستفاد وهو في نسبة الفعل والعقل الإنساني الذي بمنزلة المفعول هو في حيز القوة التي يحتاج أن تخرج إلى الفعل، وحده أن الشيء الذي من شأن، الجزء منه أن يصير كلاماً، ومعناه أن في قوة كل واحد من هذه العقول الجزئية أن يدرك جميع المعقولات التي من شأنها أن تدرك. ولما كان الذي بالقوة يحتاج إلى شيء موجود بالفعل يخرجه إلى الفعل، كان ذلك الشيء هو العقل الفعال إذا اشتبه بفعل في شبيهه والمستفاد بمنزلة الفعل الملابس للقوة والفعل جميعاً.
стр. 172
المقابسة الرابعة والثمانون
في أن الخلاء يدل عند الأوائل عن مكان عادم جسما طبيعياً
أملى على أبو سليمان أيضاً فقال: الخلاء يدل عند الأوائل على مكان عادم جسماً طبيعياً. واختلفوا في وجوده فمنهم من قال: إنه تلا وجود لشيء ما هذه سبيله. منهم أرسطو طاليس وأصحابه، ومنهم من قال بوجوده. ومنهم من قال: هذا المعنى مبثوث في جميع العالم، به يكون الانقباض الانبساط للأجسام، والتخلل والتكاثف، والثقل والخفة، اللطافة والغلظ. ومن أجله يمكن حركة الأجسام، إذ لا يجوز أن يكون حركة في الملإ لما يلزم من مداخلة الأجسام بعضها بعضاً. ومنهم من قال: إن وجوده خارج العالم ولا نهاية له وسبقيته الأجسام التي في هذا العالم، فتعرض لها به المعاني التي ذكرناها. فأما بطلان وجوده عند من رأى ذلك المعنى.
بعداً أعني له طول وعرض وعمق يحصره أبعاد الجسم من قبل أن ينطبق طوله على طوله، وعرضه على عرضه، وعمقه على عمقه. والجسم إنما يشغل هذا المكان بهذه الأبعاد فقط، لا بأنه بارد أو حائر، وأبيض أو أسود، وثقيل أو خفيف، إذا كان أبعاد الجسم يحتاج إلى أبعاد المكان بما هي أبعاد، فأبعاد الخلاء إنما هي أبعاد يحتاج أيضاً أبعاده. ثم الكلام فيه إلى ما لا نهاية.
стр. 173
المقابسة الخامسة والثمانون
في الفرق بين الكلي والكل
سمعت أبا سليمان يقول: الفرق بين الكلي والكل أ، الكل متأخر عن أجزائه، والكلي متقدم على جزئياته، والفرق بين الأجزاء أن طبيعة الكلي بمنزلة العشرة فطبيعة غير موجودة في كل واحد من أجزائه بمنزلة الإنسان والفرس وأما الكل بمنزلة العشرة فطبيعة غير موجودة في كل واحد من أجزائه بطلت صورة الكل. وأما الكلي فإنه إن رفع جزئياته تبقى طبيعة الكلي محفوظة بمنزلة الحيوان فإنه إن رفع الإنسان أو أي واحد من الحيوان لم يبطل طبيعة الحيوان.
المقابسة السادسة والثمانون
في أن الجوهر اسم مشترك يدل على معان
قال: أملى على أبو سليمان: الجوهر اسم مشترك يدل على سبيل العموم على الذات، أي ذات كان، جوهراً كان أو عرضاً، كما يقال: جوهر الحرارة، وجوهر البياض، بمعنى ذات البياض، وذات الحرارة. وقد يقال على الخصوص لا على الذات التي وجودها ليس في موضوع. ومعناه أنه ليس يحتاج في وجوده إلى شيء يوجد به أو فيه، فينبغي أن يفهم هذا المعنى من الرسم الذي وصف به. وهو القائل: الجوهر هو الذي ليس في موضوع، وهذا الصنف ينقسم أقساماً بحسب معاني أحوالها في الموجود، فيقال: منه بسيط، ومنه
стр. 174
مركب، وهذه القسمة بحسب الوجود الطبيعي. ويقال: منه هيولى ومنه صورة، وهذا بحسب حالها في ذاتها وإضافة بعضها إلى بعض. ويقال: منه كائن وفاسد، ومنه غير كائن ولا فاسد، وهذه القسمة بحسب حالها فيما يقبل من التأثير ولا يقبل. ويقال: منه سرمدي ومنه حادث، وهذا بحسب امتداد وجودها في الزمان، ويقال: منه محسوس ومنه معقول، وهذا بحسب حالها عند الإدراك. ومنه أول وهو الشخص، ومنه ثان وهو الأجناس والأنواع. وهذه القسمة بحسب اعتيادنا في باب العموم والخصوص. وهذا الصنف هو الذي الواحد منه بالعدد قابل للمتضادات بتغيره في ذاته. على أن في هذا الصنف شكاً وهو هل الأشخاص العلوية، أعني الأفلاك والكواكب، هل يصدق عليها الرسم أم لا؟ فإن من الناس من رأى أن هذا الرسم مشتمل على جميع الجواهر الشخصية، ومنهم من قال أنه يخص الجواهر الشخصية المركبة من المادة والصورة التي تحت الكون والفساد.
المقابسة السابعة والثمانون
في مناظرة منامية بين أبي سليمان وبين ابن العميد
سمعت أبا سليمان يقول: رأيت فيما يرى النائم كأني أناظر ابن العميد أبا الفضل في مسائل من السماع الطبيعي، وبقينا نقسم الموجودات فقلت: الموجود أيضاً ينقسم بنوع آخر أن يكون إما خفي الذات خفي الفعل، أو ظاهر الذات ظاهر الفعل، أو خفي الذات ظاهر الفعل، أو ظاهر الذات خفي الفعل. ثم قلت: الأول هو الباري جل وعز، والثاني الحرارة والبرودة وما أشبههما، والثالث الطبيعة، والرابع الكواكب.
стр. 175
أعدنا هذه المقابسة على الشيخ المجتبى فقال: هذا والله لحكمة وفصل الخطاب، قسمة مستوفاة، وحقيقة ذات برهان، وكلمة ما عليها مزيد.
المقابسة الثامنة والثمانون
في ماهية البلاغة والخطابة
وهل هناك بلاغة أحسن من بلاغة العرب ؟
سألت أبا سليمان عن البلاغة ما هي، وقلت: أحببت أن أعرف قولاً على نهج هذه المطابقة لأن لهم كتاب الخطابة في عرض الكتاب الفيلسوف وقد بحثوا عن نهج هذه المطابقة لأن لهم كتاب الخطابة في عرض كتاب الفيلسوف وقد بحثوا عن مراتب اللفظ واللفظ وطبائع الكلمة والكلمة، موصلة ومفصلة، وخواتيم، أحق ما اعتمد؟ فقال: هي الصدق في المعاني مع ائتلاف الأسماء والأفعال والحروف، وإصابة اللغة وتحري الملاحة المشاكلة برفض الاستكراه ومجانبة التعسف.
فقال له أبو زكريا الصيمري: قد يكذب البليغ ولا يكون بكذبه خارجاً عن بلاغته؟ فقال: ذلك الكذب قد ألبس لباس الصدق، وأعير عليه حلة الحق، فالصدق حاكم، وإنما رجع معناه إلى الكذب الذي هو مخلف لصورة العقل الناظم للحقائق، المهذب للأعراض، المقرب للبعيد، المخضر للقريب.
فقلت لأبي سليمان: فهل بلاغة أحسن من بلاغة العرب؟ فقال: هذا لا يبين لنا إلا بأن نتكلم بجميع اللغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكما بريئاًً من الهوى والتقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه
стр. 176
إلا ذو عاهة؟ ولكن قد سمعنا لغات كثيرة من أهلها، أعني من أفاضلهم وبلغائهم، فعلى ما ظهر لنا وخيل إلينا لم نجد لغة كالعربية، وذلك لأنها أوسع مناهج، وألطف مخارج، وأعلى مدارج، وحروفها أتم، وأسماؤها أعظم، ومعانيها أوغل، ومعاريضها أشمل، ولها هذا النحو الذي حصته منها حصة المنطق من العقل، وهذه خصة ما حازتها لغة على ما قرع آذاننا وصحب أذهاننا من كلام أجناس الناس، وعلى ما ترجم لنا أيضاً من ذلك؛ ولولا أن النقص من سوس هذا العالم وتوسه لكان علم المنطق بهيئة الطبيعة بالعربية، وكانت بسوق العربية إلى طبائع اليونانية، فكانت المعاني طباقاً للألفاظ والألفاظ طباقاً للمعاني، وحينئذ كان الكمال ينحط إليه عن كثب، والجمال بصادفه بلا رغب ولا رهب.
قال أيضاً: أصل الدور بعد الدور، والكور بعد الكور، ينسيان هذا الذي شمناه لقوم يكونون بعد ما فات العالم، مشتاق إلى الكمال، ومشتاق إلى الجمال، عندهما يكون الغاية، وإليهما تقف النهاية.
وقال: ومما يوضح هذا المشكل، وبين هذا المجمل، صورة العالم، فكل وقت وساعة على حال لم يكن عليها قبل ذلك بما يفض عليه ويسري إليه من الحق الأول والوسائط الأولى بالجود الأعظم والأشمل، وإذا كان للعالم ولك ما فيه صورة محدودة وشكل فاضل يصير في كل وقت ولحظة إلى هيئة لم تكن عليها من قبل، فهل ذلك إلا لأن العالم متوجه نحو الكمال والجمال ينالهما حالاً فحال؟ ثم يكون له بجود الحق الأول مبتدأ به يتحدد ويسوقه وتمتد عليه نقلته من غير انفعال بتوسط ولا نحو أمر يعرض، وهذا المبدأ مفروض، وإلا فالحال متصلة اتصال الواحد بالواحد من حيث يلحظ ما هو واحد، واتصال الوحدة بالوحدة من حيث يلحظ ما له وحدة.
وقال أيضاً: وهو الذي أشرنا إليه: العالم إنما هون من ناحية قوله وانفعاله وما هو بسبيله، وإلا فالجود الأول هو الجود الثاني، والثاني هو الأول،
стр. 177
وإلى ما لا غاية معلومة ولا نهاية موهومة، إلا أن هذا لائق بالآله الذي له ينبغي وبه يليق، فأما العالم فتجدده وحسنه وكماله وتمامه فمضاف إليه وملحوظ فيه.
ولما دق كلامه، واعتاص لفظه، وتسلسل إيماؤه، وسقط عني إتقان جل ما كنت حويته ورأيت الحظ لي ولمن يرى رأيي أن لا أخل بما أمكن من ذلك، فأثبته على ما تجده من الفتق والرتق والرقع والخرق، وأنت أبقاك الله أولى من تدارك حله، وستر خلله، وأرجو أن لا تخرج من حسن الظن بي، ولا تغلط الفراسة فيك، ولا تدخل في غمار من لا يساوي عيانه خبرك ولا يلحق كله بعضك، كان الله لك ومعك، وهو حافظنا لك ودافعنا عنك ومؤنسنا بك.
المقابسة التاسعة والثمانون
في كلمات في الزهد وترك الدنيا
نذكر في هذه المقابسة أشياء سمعناها من أبي سليمان في مجالس الأنس إن لم تكن في صدد الفلسفة فإنها لا تخرج من جملتها، ولها فائدتها التي يحتاج إليها ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها، قلت له يوما: كيف أصبحت؟ قال: مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدواً، ولا التذ إلا عفواً، إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعاً، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط،
стр. 178
واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى.
وحدثنا يوماً قال: اجتزت بالري متوجهاً إلى سجستان سنة من السنين، وكان بها أبو جعفر الخازن فزرته فاضياً لحقه وسنه، لما انصرفت ابتعني برقعة يصحبها، يروي في الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم: من استحقر في قضاء حقوق الإخوان ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والإضاعة، لأن الأيام لا تكاد تسعف بكل المراد، ولا تزول من عادتها في الفساد.
وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون
стр. 179
كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعراً كما ترى، معدوداً في عصره ثم أنشدنا له مستحسناً:
وتأخذ من جوانبنا الليالي ... كما أخذ المساء من الصباح
أما في أهلها رجل لبيب ... يحس فيشتكي ألم الجراح؟
أرى التشمير فيها كالتواني ... وحرمان العطية كالنجاح
ومن لبس التراب كمن علاه ... وقد تخدعك أنفاس الرياح
وكيف يكد مهجته حريص ... يرى الأرزاق في ضرب القداح
ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.
وقلت لأبي سليمان يوماً: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه:
صدفت عن الدنيا على حبي الدنيا ... ولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا
وأدفعها عني بكفي ملالة ... وأجذبها جذب المخادع بالأخرى
فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب:
стр. 180
لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالت ليلي ... ولرعى النجوم كنت مخلاً
فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد:
إن يكن لا دري إلا المخلا ... لست تدري إن كنت تدري أم لا
أو تكن دارياً بذاك فهلا ... كنت تدري أطال ليلك أم لا؟
قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، والستر عليه أحسن بنا.
وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله:
لا تحسدن على تظاهر نعمة ... شخصاً تبيت له المنون بمرصد
أوليس بعد بلوغه آماله ... يفضي إلى عدم كان لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري ... حسد النجوم على بقاء سرمدي
فقال: ما أفلح البديهي قط إلا في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع القول.
فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة وخسارة، فمن قوله:
следующие страницы →