← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 10929

تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين

أبو الحسن الصفاقسي

Полный текст (123 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عامر بحذفها فيه مصدر أَلِفَ ثلاثيا وقرأ أبو جعفر بحذفها في إيلاَفِهِمْ وقرأ باقي الأربعة عشرْ بإثباتها، ومنها نقصها من كلمة هي فيها نحو فَأنْزَلَ إذ السَّكينَةَ عَلَيْهِمْ، ومنها مدها في نحو وعَلَيْهِمْ إلَيْهمْ وصلا أو وفقا وكذلك مد نحو اللَّيْلِ والصَّيْفِ وصلا أما وقفا فيجوز فيه الثلاثة القصر والبسط والطويل ومثله نحو الْقَوْلَ والْمَوْتَ فان تكررت سكن الثاني نحو يَسْتَحْيي ويُحْيِيِكُمْ وأحْيَيْنَا فلا بد من البيان لثقل اليا وزاد بالتكرير وأحرى إذا تكررت وإحداهما مشددة مكسورة لثقل الياء والتكرير الكسر نحو إنَّ ولِيّي اللهُ وإذا حُيِّيتُمْ والْعَشِي يُريدُونَ، ومنها إدغامها وهي حرف مد ولين نحو لَقد كاَنَ فِي يُوَسُفَ الذِي يُوَسْوسُ ويدلك على الإدغام ما تسمعه منهم من التشديد وهو لا يجوز ولم يقرأ به أحد وتخرج عن هذا المحذور إن تعطي الياء الأولى حقها من المد الطبيعي الذي لا تقوم ذات حرف المد إلا به، ومنها إبدالها همزة في نحو لاشِيةَ ومَعَايشِ وجميع ما حذرتك منه في جميع الحروف فاجتنبه وأمر غيرك على وجه النصح له ولكتاب الله سبحانه إن يجتنبه وقس عليه ما شاكله وإذا علمت ما هو الصواب من مخرج الحرف وصفته فجميع ما خالفه خطأ فان الخطأ ليس له أصل يبنى عليه ولا ضابط يرجع إليه بل هو أمر يجري على السنة الجاهلين والغافلين نسأله سبحانه إن يعلمنا ما جهلنا وان يصلح فساد قلوبنا والسنتا بمنه وكرمه أمين.

стр. 72

باب أحكام النون الساكنة والتنوين وهو باب مهم ولهذا لم يهمله أحد من أيمة القراءة والتجويد في تواليفهم لأن دور أحكامه على لسان التالي اكثر من غيره وكثرة الحكم تستلزم كثرة العمل وكثرة العمل تستدعي كثرة الثواب واليه الإشارة بقولِ الحصري: وفي النون والتنوين عندي مسايل ... بها تعْتَلي فوق السماكين والنسْر اعلم أولا إن النون الساكنة تكون في وسط الكلمة وفي اخرها وتكون في الاسم والفعل والحرف وفي الوصل والوقف وستأتي أمثلة ذلك، وأما التنوين فلا يكون من إلا في الاسم المنصرف العاري عن الألف واللام وعن الإضافة وإنما، يكون في الوصل لا في الوقف وفي اللفظ لا في الخط ودليله تكرر الحركة. وأحكام النون الساكنة والتنوين جعلها اكثر المؤلفين أربعة أقسام والتحقيق انها ثلاثة تتفرع إلى خمسة أظهار ولا تفريعَ فيه، وإدغام وهو يتفرع إلى قسمين إدغام محض وإدغام غير محض، وإخفاء وهو يتفرع أيضا إلى قسمين إخفاء مع قلب وإخفاء بلا قلب. أما الإظهار فهو الأصل ويكون عند حروف الحلق الستة هي الهمزة نحو يَنْئَوْنَ عنه ولا ثاني له مَنْ أمنَ كْلٌّ أَمَنَ، والهاء نحو منها وأنهار ومن هَادٍ وجُرْفٍ هَارٍ، والعين نحو أنْعَمْتَ، من عَمِلَ، عَذَابٌ عَظيمٌ، والحاء نحو وانْحَرْ، من حَيْثُ، عَليمٌ حَكيمٌ، والغين نحو فَسَيُنْغِضُونَ مَنْ غَلَّ، من إلهٍ غَيْرُهُ، والخاء نحو والْمنُخَنِقَةُ، مَنْ خَفَّتْ عَلِيمٌ خَبيرٌ ولا خلاف بين القراء في إظهار النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف الستة إلا ما وقع لأبى جعفر من القراء العشرة من الإخفاء عند الغين والخاء المعجمتين واستثنى بعض أهل الأداء له فَسَيُنغِضُونَ. وإنْ يَكُنْ غَنِيّاً والْمنْخَنِقَةُ فاظهر النون فيها كساير القراء.

стр. 73

واما الإدغام الكامل وهو الإدغام بلا غنة مع التشديد التام ففي اللام والراء نحو فإن لَّمْ تَفْعَلوا، هدىً لِّلمتقين، من رَّزَقْنَاهُ، ثَمَرةٍ رِّزْقاً هذا الذي عليه الجمهور من أهل الأداء ولم يذكر كل المغاربة وكثير من المشارقة في تواليفهم سواه وهو الذي عليه العمل في ساير الأمصار حتى أنهم يعدون غيره لحنا وتنفر منه طباعهم وبه قرأت على جميع من قرأت عليه من طريق التيسير والشاطبية وذهب كثير من أهل الأداء إلى الإدغام مع إبقاء الغنة وبالوجهين قرأت مع تقديم الأول على جميع من قرأت عليه من طريق طيّبة النشر لكل القراء. وأما الإدغام الناقص وهو الإدغام مع الغنة والتشديد الناقص ففي أربعة أحرف الياء والواو والميم والنون ويجمع ذلك قولك يؤْمنُِ نحو مَنْ يَّشتري ويومئذ يَّفرح، منْ وَّلِيّ ولا، رَعْدٌ وبرق، مِنْ مَّاء، مَثَلاً ما بعوضة، عنّ نَّفسِ مَلِكاً يُقَاتِلْ فلا خلاف بين القراء في إدغامها على الوجه المذكور إلا ما رواه خلف عن حمزة من الإدغام في الواو والياء ادغاما كاملا بلا غنة واختلف عن الدُّوري عن الكسائي في الياء فروى الجمهور الإدغام بغنة كالجماعة وروى عنه أبو عثمان الضرير الإدغام بغير غنة وبالاول فقط قرأت له من طريق التيسير والشاطبية وبالوجهين مع تقديم الاول من طريق النشر واجمعوا على إظهار النون الساكنة عند الواو والياء إذا اجتمعتا في كلمة واحدة نحو صِنْوانٍ وقِنْوانٍ ونحو الدُّنْيَا وبنيْانٍ لئلا يشتبه بالمضعف نحو صَوَّان وبيَّإن. وأما القلب فعند حرف واحد وهو الباء نحو انْبعَثَ، أن بورِكَ، صُمٌ بُكْمٌ فيقلبان ميما خالصة مع الغنة فهو في الحقيقة إخفاء الميم المقَلوبة لأجل الباء قال في النثر فلا فرق حينئذ في اللفظ بين أن بُورِكَ وبَين يَّعْتَصم بِالله. وأما الإخفاء وهو كما قال الداني حال بين الإظهار والإدغام وهو عار عن التشديد فيكون عند باقي الحروف وهي في خمسة عشر حرفا وهي التاء والثاء

стр. 74

والجيم والدال والذال والزاي والطاء والظاء والكاف والصاد والظاد والفاء والقاف والسين والشين وقد جمعها أبو البقاء علي العدوي المعروف بابن القاصح في أوائل هذه الكلمات فقال: تَلاَ ثُمَّ جَادَرٌّ ذَكَا زَادَ سَلْ شَذَا ... صَفَا ضَاعَ طَلٌّ ظَلْ فتى قام كمّلا وهي على ترتيب الحروف على مصطلحهم وان شئت ترتيبها على ترتيب الحروف عند المغاربة فَقُلْ: تلا ثم جادر ذكا زاد طِبْ ظنا ... كَفَى يرفُّ ضَنّ فَازَقِفْ سَآء شَمَّلا ولا خلاف بين القراء في إخفاء النون والتنوين عند هذه الحروف وسواء اتصلت النون بهن في كلمة أو انفصلت عنهن في كلمة أخرى إلا انه إذا كانا من كلمة فالحكم في الوصل والوقف سواء وان كانا من كلمتين فالحكم مختص بالوصل، وأما التنوين فمن المعلوم انه لا يكون إلا منفصلا وأمثلتها على ترتيبها في البيت الثاني كنتُم ومِنُ تَحْتِهَا وجَنَّاتٍ تَجْرِي والأنْثَى بالأنْثَى مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً قَوْلاً ثَقِيلاً أنْجَيْنَا إنْ جَاءَكُمْ خَلْقا جَدِيداً أنْدَاداً مِنْ دُونِ كَأساً دِهَاقاً أنْذَرْتهمْ مِنْ ذَكَر وسِرَاعاً ذَلك أنزلنا فإنْ زَلَلْتُمْ صَعِيداً زَلَقاً يَنْطِقُونَ وإنْ طَايِفَتَانِ وقَوْماً طَاغِينَ يَنْظُرُونَ من ظَهِير ظِلاًّ ظَلِيلاً يَنْكُثُونَ مَنْ كَانَ كِتَابٌ كَرِيمٌ الأنْصَارِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ جِمَلاتٌ صُفرٌ مَنْضُودَ إنْ ضَلَلْتُ وكُلاًّ ضَرَبْنَا فَانْفَلَقَ مِنْ فَضْلِهِ خالداً فِيها خالد فيها مُنْقَلِبُون

стр. 75

وَلَيِنْ قُلْتَ، شَيْءٍ قدِيرٌ الإنْسَانْ مِنْ سُوءِ، وَرَجُلاً سَلَماً، فأنَْشرْنَا مَنْ شَاءَ، غَفُورٌ شَكُورٌ. فوا ئد الاولى اخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف ليس على حد السواء بل يختلف على قدر القرب والبعد منها فاخفاؤهما عند الجيم والشجن أقوى منه عند القاف والكاف، قال الداني إن النون والتنوين لم يقربا من هذه الحروف كقربهما من حروف الإدغام فيجب إدغامهما فيهن من أجل القرب ولم يبعدا منهن كبعدهما من حروف الإظهار فيجب إظهارهما عندهن من اجل البعد فلما عدم القرب الموجب للإدغام والبعد الموجب للإظهار أخفيا عندهن فصاراَ لا مُدْغمين ولاَ مظهرين الا إن إخفاءهما على قدر قربهما منهن وبعدهما عنهن فما قربا منه كانا عنده اخفى مما بعدا عنه قال والفرق عند القراء والنحويين بين المخفى والمدغم أن المخفي مخفف والمدغم مشدد انتهى. الثانية اتفق أهل الأداء على إن الغنة مع الياء والواو غنة المدغم ومع النون غنة المدغم فيه واختلفوا في الميم فذهب الجمهور وهو الصحيح إلى إن الغنة غنة الميم لا غنة النون والتنوين لانهما انقلبا إلى لفظهما وذهب ابن كيسان النحوي وابن مجاهد المقرئ وغيرهما إلى إن الغَنة للنون المدغمة. الثالثة يقع الخطأ في هذا الباب من اوجه منها إظهار النون الساكنة والتنوين عند الراء واللام نحو مِنْ رِّبَّكَ، أمَّةً، رَّسُولُهَا، مُحَمَّدُ رَسوُلُ اللهِ، يَكُن

стр. 76

لهُ، أنْدَادًا لِّيُضلُّوا وهذا لا يقوله قارئ ولا نحوي، ومنها ترك الإخفاء والإدغام بغنة فإن كثيرا من الناس يتركهما ويَقْرَؤَهُماَ بالإظهار وهو لحن وتغير لأن مخرج النون الساكنة والتنوين مع ما يدغمان فيه ومع حروف الإخفاء الخمسة عشر من الخيشوم فقط لا عمل للسان كعمله فيهما مع ما يظهران عنده ومن أظهرهما عند حروف يومن وحروف الإخفاء الخمسة عشر فقد اعمل اللسان فيهما وذكر في النشر إن مخرجها مع ما يدغمان فيه بغنة لا يتحول والصواب ما ذكرناه ومنها توليد حرف عند إرادة الغنة في نحو إنَّ اْلأبْرَارَ إن كُنْتُمْ فان كثيرا من الناس يزيد ياء بين الهمزة والنون وواوًا بين الكاف والنون، ومنها ما أشار إليه القسطلاني في لطايف الإشارات بقوله وليحترز من تثقيل النون بالصاق اللسان فوق الثنايا العليا عند الإخفاء فذلك خطأ وطريق الخلاص منه تجافي اللسان قليلا عن مخرج النون والله تعالى أعلم.

стр. 77

باب لأستعاذة قال الله تَعالى فإذَا قَرَأتَ الْقُرْءانَ فأَستعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيِم أي إذا أردت إن تقرأ كقوله تعالى إذا قُمْتُمْ إلىَ الصَلاَة الآية كقوله ﷺ إذا أكَلْتَ فسمّ الله فعبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل إقامة للمسبب مقام السبب وقد أجمعت الأمة على إثباتها قبل القراءة لا بعدها فالآية متروكة الظاهر إجماعا إذ لم يصحبه عمل ولم يقم عليه دليل وما روي عن بعضهم من الأخذ بظاهر الآية لم يثبت وقرأت وان كان لفظه ماضيا فهَو مستقبل المعنى لدخول إذا عليه وهكذا كل ماض دخل عليه الشرط وليست الاستعاذة من القرآن بإجماع وإنما هو دعاء بلفظ الخبر أمرنا الشارع إن نفتتح القراءة به، والأمر محمول على الندب عند جمهور العلماء فيكره ترك التعوذ عندهم عمدا وقال الثوري وعطاء وداوود وغيرهم بالوجوب وحملوا الأمر في الآية عليه فيحرم تركه عندهم، والمختار عند جمهور القراء وغيره إن لفظه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله العظيم ومن زاد فيه ما روي فيه كقوله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم فلا عتب عليه ويجوز فيها عند الابتداء بها إذا كانت مع البسملة لكل القراء أربعة اوجه وسواء كانت البسملة أول سورة أم لا الأول الوقف عليها وعلى البسملة وهو أجملها الثاني الوقف عليها ووصل البسملة بأول القراءة الثالث وصلها بالبسملة والوقف على البسملة والابتداء بالقراءة الرابع وصلها بالبسملة ووصل البسملة بالقراءة وان لم تكن مع البسملة ففيها وجهان الوقع عليها ووصلها بالقراءة إلا

стр. 78

إن يكون الأول القراءة اسمَ الجلالة قوله اللهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىَ والأولى إن لا يصل لما في ذلك من البشاعة وسوء الأدب ويجوز في الرحيم لدى الوقف عليه أربعة اوجه السكون مع الثلاثة المد والتوسط والقصر والروم مع القصر.

стр. 79

باب البسملة كل من له البسملة بين السورتين يجوز له ثلاثة اوجه الوقف على آخر السورة مع وصل البسملة بأول السورة وهو أحسنها، الثاني الوقف على البسملة وعلى أخر السورة، الثالث وصل أخر السورة بالبسملة مع وصل البسملة بأول السورة وكل من له تركها فله وجهان السكت بين السورتين والوصل والسكت مقدم لأنه المختار ومذهب الجمهور، ويجوز في السكت أحكام الوقف من الإسكان والرَّوم والاشمام وعدم النقل لمن له النقل في الوصل والبدلِ ويكون في ثلاثة أنواع الاسم المنصوب يوقف عليه بألالف بدلا من التنوين والاسم المؤنث بالتاء في الوصل يوقف عليه بالهاء بدلا من التاء الثالث إبدال حرف المد من الهمزة المتطرفة لكن هذا الحكم مختص بحمزة وهشام وليس لحمزة بين السورتين إلا الوصل والله أعلم.

стр. 80

باب القصر والمد وهو باب مهم واكثر أحكامه قواعد تجويدية تبرع القراء بذكرها في كتبهم لما اضطرهم الحال إلى ذكرها اختلف فيه القراء، والقصر هو الأصل ولذلك لا يحتاج إلى سبب والمدّ فرع ولذلك لا يكون إلا لسبب والمراد بالمد الزيادة على ما في حروف المد الطبيعي التي لا تقوم ذاتها إلا به والمراد بالقصر ترك تلك الزيادة، وقد تقدم إن حروف المد ثلاثة وهي الحروف الجوفية الألف ولا تكون إلا ساكنة ولا تكون قبلها إلا فتحة والواو الساكنة المضموم ما قبلها والياء الساكنة المكسور ما قبلها، ولا بد للمد من شرط وسبب ولا تجوز الزيادة في حرف من حروف المد من غير سبب فشرط المد وجود حرف من هذه الحروف الثلاثة والسبب أما لفظي وأما معنوي، واللفظي أما همز وأما سكون والهمز أما إن يكون متقدما على حرف المد نحو أمنَ وأوتُوا وإيمَان وقد انفرد ورش باعتباره دون ساير القراء أو متأخرا وهو على قسمين أحدهما إن يكونا معا في كلمة واحدة نحو أولئك وآباؤهم وأولياء وجاء وشاء ونحو سوء والسُّوء ونحو يُضيء وسيئت ويسمى واجبا إذ لم يقل بتركه أحد من القراء ومتصلا لاتصال شرط المد وسببه رسما بكونهما في كلمة واحدة. الثاني إن يكون حرف المد أخر كلمة والهمز أول كلمة أخرى نحو بِمَا أنْزلَ وقَالوُا أمنَّاَ وفي أنْفُسِكُمْ وسواء كان حرف المد ثابتا رسما كما مثل أم ساقطا منه نحو يأيُّهَا أمْرهُ إلىَ الله بِهِ إلا وعَلَيْكُمُ أنْفُسَكُمْ عند من ضم الميم، وخَشِيَ ربَّهُ إذا زُلْزلتِ عند من ترك البسملة بين السورتين ووصل ويسمى الجائز لاختلاف القراء فيه والمنفصل لوقوع حرف المد في كلمة والهمز في كلمة أخرى. وأما السكون فهو قسمان لازم وهو الذي لا يتحرك لا وصلا ولا وقفا وغير لازم ويسمى عارضا وهو الذي يسكن تارة ويتحرك أخرى وكل منهما مدغم

стр. 81

وغير مدغم فاللازم المدغم نحو الضَّالينَ ودابَّة وآمِّينَ والذَّكَرَيْن عند من أبدل والَّذَان وهَاذانّ فَذانّك وتامرونّي وأتَعِذانّي عند من شدد النون ونحو والصّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرْاً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً فالْمُغيرات صُبْحاً عند حمزة يدغم ونحو ولا تَيَمَّمُوا ولا تَّعَاوَنُوا وعَنْهُ تَلَهَّى وكُنْتُمُ تَمَنَّوْنَ وفَظَلْتُمُ تفكَّهُونَ عند البزي لأنه يشدد التاء وغير المدغم نحو مَحْيَايْ في قراءة من سكن الياء واللاي عند من أبدل الهمزة ساكنة ياء ونحو أآنْذَرْتَهُمْ وآ اشْفَقْتُمْ وجا أآمْرُنَا عند من أبدل الهمزة الثانية الفا ونحو هَؤُلاء إن كنتم عند من ابدل الهمزة الثانية يا ونحو صاد كاف سين قاف نون في فواتح السور فأن تحرك الساكن نحو آلم اللهُ فاتحة أل عمران وآلم أحَسِبَ النَّاسُ فاتحة العنكبوت على قراءة النقل جاز القصر اعتدادا بالحركة العارضة والمد لعدم الاعتداد بها والساكن العارض غير المدغم نحو الرَّحِيمْ والدّينْ ونَسْتَعِينْ ونحو يُنْفِقُونْ وشَكُورْ ويُؤمنُونْ ونحو الْمِهَادْ والْعِقَابْ وأنَابْ حالة الوقف بالسكون أو الاشمام فيما يصح فيه. وأما المدغم فنحو قاَلَ لهُم، قال رَبُّكَ، يَقُولُ لَهُ، فيه هُدىً، يُريدُ ظُلْماً والصّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرْاً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً فالْمُغيرات صُبْحاً، عند أبي عمروَ لدى إدغامه لها فان قلت قد تقدم التمثيل بالصافات صفا وما عطف عليه فيما سكونه لازم وذكرته هنا فيما سكونه عارض وهذا تناقض قلت هو تحقيق لا تناقض وافترقا من جهة العزو للمدغم ففي الأول لحمزة وفي الثاني للبصري وإدغام حمزة واجب عنده لا يجوز فيه الإظهار ابدأ فصار مثل دآبة والحاقة والطامة والصاخة ولذلك لا يجوز الروم كما قال الشاطبي: " وصفا، وزجرا، ذكرا، ادغم حمزة وذووا بلا روم ". وإدغام أبي عمرو جائز روي عنه فيه الإظهار كما روي عنه الإدغام فصار سكونه عارضا مثل سكون غفور وكبير والغفار إذا وقفت عليها ولذلك يجوز له فيه روم فهذه أنواع اجتماع شرط المد وسببه وقد أجمعت القراء

стр. 82

على المد في المتصل وفي السكون اللازم بقسميه واختلقوا في المنفصل وفي السكون العارض ومذهب الجمهور إن المد للساكن اللازم لا تفاوت فيه لكل القراء ووقع في عبار كثيرة حكاية الإجماع عليه وكأنهم لم يعتبروا خلاف المخالف القائل بأن مراتبه تتفاوت كتفاوت مراتب المتصل والحققون منهم انه الاشباع من غير إفراط وهذا هو الحق الذي لا شك فيه وبه قرأت على جميع شيوخي لجميع القراء من جميع الطرق. وأما المتصل فذهب كثير من أهل الأداء إلى انه كذي السكون اللازم لا تفاوت فيه قال في النشر: اتفق عليه أيمة الأداء من أهل العراق إلا القليل منهم وكثير من المغاربة نص على ذلك أبو الفتح ابن شيطا وأبو الطاهر بن سوار وأبو العز القلانسي وأبو محمد الخياط وأبو علي البغَدادي وأبو معشر الطبري وأبو محمد مكي بن أبي طالب وأبو العباس المهدوي والحافظ أبو العلا الهَمَذَانِي وغيرهم. انتهى - وذهب ءاخرون كابن غلبون والداني

стр. 83

وابن بليمة وابن الباذش إلى تفاوت مراتبه كالمنفصل ثم اختلفوا فذهب الداني وغيره إلى انه أربع مراتب إشباع من غيرُ إفحاش لحمزة وورش من طريق الازرق ودونه لعاصم ودنه لابن عامر والكسائي وخلف في اختياره ودونه لقالون والمكي وأبي عمر ووأبي جعفر ويعقوب، وغالب عمل مشايخنا الإقراء بها وذهب الاستاذ أبو بكر بن مجاهد والطرسوسي وجماعة إلى انه مرتبتان الاشباع لورش وحمزة والتوسط اللباقين وهذا هو المختار عندي وبه أقرئ غالبا ليسره وقربه وهو أقرب لقول من قال لا تفاوت فيه وبه كان الشاطبي رحمه الله تعالى يقرأ قال تلميذه السخاوي ﵀ عنه: إنه كان يأخذ في هذا النوع بمرتبتين طولى لورش وحمزة ووسطى للباقين ويعلل عدوله عن المراتب الأربع التي ذكرها الداني وغيره بأنها لا تتحقق ولا يمكن الاتيان بها في كل مرة على قدر السابقة. انتهى - وهو ظاهر والحس يصدقه وقوله لا يمكن أي عادة وليس المراد به الإمكان العقلي ولا يعكر علينا كلام الجعبري فانه قال بعد إن نقل كلام السخاوي قلت: فان حمل هذا على انه كان يقري به فهو خلاف ما عليه التيسير وساير النقلة ولعله استأثر بنقله وقوله إن المراتب لا تتحقق فمر تبناه أيضا كذلك. انتهى - فانه غير مسلم وفيه أيضا قصور يعلم ذلك من كلام المحقق ابن الجزري قال في نثره: يجري في المتصل الإشباع والتوسط يستوي في معرفة ذلك اكثر الناس ويشترك في ضبطه غالبهم وتُحكم المشافهة حقيقته ويبين الأداء كيفيته ولا يكاد تخفي معرفته على أحد وهو الذي استقر عليه رأي المحققين من ايمتنا قديما وحديثا وهو

стр. 84

الذي اعتمد الإمام أبو بكر بن مجاهد وأبو القاسم الطرسوسي وصاحبه أبو الطاهر بن خلف، وبه كان يأخذ الامام أبو القاسم الشاطبي، وبه كان يأخذ الأستاذ أبو الجود غياث بن فارس وهو اختيار الأستاذ المحقق أبي عبد الله محمد بن القصاع وقال: هو الذي ينبغَي إن يؤخذ به ولا يكاد يتحقق غيره قلت وهو الذي أميل إليه وآخذ به غالبا وأعول عليه. انتهى - فصدر هذا الكلام يرد قوله فمرتباه أيضا كذلك وعجزه يرد كلامه الأول. واما المنفصل فالقراء فيه على ثلاثة مذاهب، منهم من قصره من غير خلاف وهما المكي وأبو جعفر، ومنهم من اختلف عنه فروي عنه المد وروي عنه القصر وهم قالون وأبو عمرو ويعقوب والاصبهاني عن ورش وحفص وهشام، ومنهم من مده من غير خلاف وهم ورش من طريق الازرق وشعبة وابن ذكوان وحمزة والكسائي وخلف في اختياره وهم فيه على التفاوت في المراتب والمرتبتين كما تقدم في المتصل وهذه المراتب قدرها علماء الأداءِ بالالفات فقالوا المرتبة الأولى مقدار ألف ونصف والثانية مقدار الفين والثالثة مقدار الفين ونصف والرابعة ثلاث ألفات هذا إن قلنا بأربع مراتب وان قلنا باثنتين وهو المختار عندنا فالأولى مقدار ألفين والثانية مقدار ثلاثة لكن قال في النشر: واعلم إن هذا الاختلاف في تقدير المراتب بالألفات لا تحقيق وراءه بل يرجع إلى إن يكون لفظيا وذلك إن المرتبة الدنيا وهي القصر إذا زيد عليها ادنى زيادة صارت ثانية ثم كذلك حتى تنتهي إلى القصوىَ وهذه الزيادة بعينها إن قدرت بألف أو بنصف ألف هي واحدة فالمقدر غير محقق إنما هو الزيادة وهذا مما تحكمه المشافهة وتوضحه الحكاية ويبينه الاختيار ويكشفه الحس قال الحافظ

стр. 85

أبو عمرو ﵀ وهذا كله جار على طباعهم ومذهبهم في تفكيك الحروف وتخليص السواكن وتحقق القراءة وحدرها وليس لواحد منهم مذهب يسرف فيه على غيره اسرافا يخرج عن المتعارف في اللغة والمتعالم في القراءة بل ذلك قريب بعضه من بعض والمشافهة توضح حقيقة ذلك والحكاية تبين كيفيته. وأما المد للسكون العارض بقسميه ففيه لجميع القراء ثلاثة اوجه الإشباع والتوسط والقصر اختار كل واحد جماعة وأكثرهم على اختيار التوسط وهو المختار عندي إذ فيه مراعاة اجتماع الساكنين ولكون الساكن عارضا نزلنا به عن رتبة الساكن اللازم ولا يكاد تسمع من يتقن القراءة غيره كأنهم جبلوا عليه. وأما السبب المعنوي وهو قصد المبالغة في النفي وسبب قوي من مقواصد العرب ومما حسنت به كلامها ومنه مد التعظيمِ في كل ما اثبت الألوهية لله تعالى ونفاها عن غيره نحو لا إلهَ إلا اللهُ، لا إله إلاَ أنْتَ لآ، إلَهَ إلاَّ هوُ فكل من له القصر في المن فصل روي عنه المد في لا اله إلا الله لقصد المبالغة في النفي نصَّ على ذلك غير واحد من أيمة الأداء كالطبري والهذلي وابن مهران والجاجاني وهو مقصد جليل وغرض جميل وقد قرأت به على جميع من قرأت عليه من طرق الطيبة وهو الذي أختاره في نون في وأقرأ به في الصلاة وغيرها ويؤيده ما روي مرفوعا عن ابن عمر ﵄ إن رسول الله ﷺ قال من قال لا اله إلا الله ومد بها صوته اسكنه الله دار الجلال دار اسمى بها نفسه فقال ذو الجلال والإكرام ورزقه النظر إلى وجهه، وما روي عن انس مرفوعا أيضا

стр. 86

من قال لا اله إلا الله ومدها هَدَمَت له أربعة آلاف ذنب وقد استحب العلماء المحققون مد الصوت بلا اله إلا الله فقال النووي ﵀ في الأذكار: المراد من الذكر حضور القلب فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر تحصيله ويتدبر ما يذكر وما يعقل معناه فالتدبير مطلوب في الذكر كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مد الذاكر قول لا اله إلا الله لما فيه مِن التدبر، وأقوال السلف وأيمة الخلف في هذه مشهورة. انتهى. فصل وأما حرفا اللين وهما الياء والواو المفتوح ما قبلهما فان وقع بعدهما همزه وهما في كلمة نحو شَيْءٌ وسَوْءَ ةٌ فاعتبر ذلك ورش من طريق الأزرق فله في ذاك الإشباع والتوسط على تفصيل مبين في كتب القراءات وإن كانا في كلمتين نحو ابْنَيْ أَدَمَ، وخَلَوْا إلَى، فلم يعتبر ذلك أحد من القراء واتفقوا على القصر وأن وقع بعدهما سكون فتارة يكون لازما وتارة يكون عارضا، وكل منهما أما مشدد أو مخفف فاللازم المشدد وقع منه في القرآن حرفان هَما هَاتَيْنّ في القَصص، والّذَيْنَ في فصلت على قراءة ابن كثير بتشديد النون، وأما المخفف فجاء في حرف واحد وهو عَين من فاتحة مريم والشورى، أما الساكن العارض المشدد فنحو حَيثَ ثَقِفْتُمُوهُمْ الْمَوْتِ تَّحْبِسُونَهُمَا في قراءة الإدغام، وأما المخفف فنحو اللَّيلْ والمْيَلْ والنخيلْ والعينْ بالعينْ والموت والْخَوْفْ والطًّوْلْ إذا وقف عليها بالسكون والإشمام فيما يجوز فيه فهذه أربعة أنواع يجوز في كل منها ثلاثة اوجه الإشباع والتوسط والقصر إلا ورشا من طريق الأزرق فليس له في عَيْن فاتحة مريم والشورى إلا الإشباع والتوسط ولا يجوز له القصر لأن سبب السكون أقوى من سبب الهمز ولا يجوز له فيما سببه الهمزة وشيء وسو القصر فهذا أولى ولو قصر للزم عليه إن يمد للأضعف ويقصر للأقوى فهو باطل.

стр. 87

تنبيهات الأول ما جزمنا به من إن نحو الليل والحُسْنَيَيْن والموت فيه الثلاثة لدى الوقف، والإدغام هو الحق ونص عليه غير واحد من أيمة الأداء والمختار منها لدّى الوقف التوسط وهو اختيار الداني وبه كان الشاطبي يقرئ واختار أيضا جماعة القصر وحكَى بعضهم الإجماع عليه وهو قول كافة النحويين وهو المختار أدى الإدغام للمكي في هَاتَيْنِ والَّذَيْنِّ ولمن ادغم في نحو اللَّيْل لِّبَاسّا وعليه أهل الأداء فلم يعتبروا حرف اللِّين وجعلوه كالصحيح وهي أيضا لورش إلا فيما فيه الهمزة متطرفة نحو شَيْء والسَّوء فأن القصر يمتنع له في ذلك من طريق الأزرق وقول الجعبري وتبعه على ذلك غيره لم اقف على نص في اللِّين نحو الْقَول لَّعَلَّكُمْ والمفهوم من الشاطبية القصر فيه نظر بل المأخوذ من الشاطبية الثلاثة كما يفهم ذلك من " وإن تسكن اليَا بَيْنَ فتح وهمزة " إلى قوله: وورشهم يوافقهمْ في حَيْثُ لا هَمْزَ مُدْ خَلا. وغاية ما فيه إن يقال إن الشاطبي إنما تكلم على المسكن للوقف والجعبري تكلم على المسكن للإدغام والجواب أنّهُ لا خلاف بين أهل الأداء إن المسكن للوقف كالمسكن للإدغام بجامع إن كُلاًّ منهما مسكن سكونا عارضا. الثاني من ذهب إلى القصر في نحو يَعْلَمُونَ فلا يُمد له نحو اللَّيل والخوف ومن له فيه التوسط فلا يُقرأ بالإشباع لأن من لم يعتبر حرف المد فحرف اللين أولى. الثالث إذا تغير السبب لأجله جاء المد لعدم الاعتداد بالعارض ومراعاة الأصل والقصر اعتدادا بما عرض من التغير والمذهبان صحيحان

стр. 88

مرويان قرأت بهما على جميع شيوخي في المتواتر والشاذ مع تقديم المد لأنه الراجح عند غير واحد قال الشاطبي: " والْمَدُّ ماَ زَالَ أعْدَ لا " وقال الجعبري في النزهة: وَماَ مُدَّ قَبْلَ الهمز إنْ خُفَّفَ اقْصُرَنْلِسَبْعَتِهِم والْمَدُّ مَا زالَ أشْهَرَا وقال ابن الجزري والتحقيق في ذلك إن يقال إن الاولى فيما ذهب فيه السبب بالحذف القصر، وفيما بقي له اثر يدل عليه كالتسهيل المد ترجيحا للموجود على المعدوم انتهى بالمعنى وعليه فما ذهب فيه اثر السبب يقدم فيه القصر وما بقي فيه الأثر يقدم فيه المد وهو الذي استقر عليه امرنا في الإقراء والله أعلم وسواء كان السبب سكونا أو همزا فتغير الساكن بحركة كما تقدم، وأما تغير الهمز فتارة يكون بالتسهيل نحو س هَؤُلآء إنْ، أؤلِيآء أولئِكَ ولا ثاني له في رواية قالون والبَزّي، أو بالحذف نحو جَا أمْرُنَا والسَفَهَا أمْوَالكمْ على قراءة البصري وغيره، أو بالإبدال كالوقف على السَّمَاء في قراءة حمزة وهشام، أو بالنقل كَالآخِرة في قراءة ورش لكن الذي قرأتَ به وجرى به عمل المقرئين في جميع الأمصار عدم الاعتداد بالعارض في هذا فإذا قرأت له نحو قوله تعالىَ أمَنَّا بالله وبَالْيَوْم الآخر فيأتي في الآخر من المد والتوسط والقصر ما يأتي في آمَنا المد مع المد والتوسط مع التوسط والقصر مع القصر ولو اعتددنا بعارض النقل في الآخر لم يأت فيه إلا القصر خاصة. الرابع إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل، ووقع ذلك في القرءان العظيم في ثلاث كلمات في ستة مواضع وهي الذَّكَرَيْن في موضعي الإدغام والآن وقد وقع في موضعي يونس وآ اللَهَُ إذِنَ لَكمْ بها، واللهُ خَيْرٌ في النمل هذا على قراءة الجماعة ويزاد على قراءة البصري وأبي جعفر وهو آلسِّحْر

стр. 89

بيونس أيضا فأجمع القراء على تحقيق همزة الاستفهام ولهم في همزة ألوص وجهان جيدان الأول إبدالها ألفا خالصة فيمد لالتقاء الساكنين مشبعا وهذا قول الجمهور والثاني تسهيلها بين بين من غير إدخال ألف بينها وبين همزة الاستفهام. الخامس يقع الخطأ للقراء في هذا الباب من أوجه منها قصر الممدود وهو لحن لا يحل وقد ورد في ذلك حديث جيد رجال إسناده ثقات رواه الطبراني في معجمه الكبير عن مسعود بن يزيد الكندي قال كان ابن مسعود يقرئ رجلا فقرأ الرجل إنما الصَّدقاَتُ لِلْفقرَاءِ والْمَسَاكِين مرسلة أي غير ممدودة فقال ابن مسعود ما هكذا أقرانيها رسول الله ﷺ فقال كيف أقرأها يا أبا عبد الرحمان، قال أقرانيها إنما الصَّدقاَتُ لِلْفقرَآءِ والْمَسَاكِين فمدها وليحذر من عدم إعطاء المد حقه فمن له ثلاث ألفات يقرأ له بنحو ألف وهذا وإن كان أخف من الأول إلا انه لا ينبغي واكثر الناس وقوعا في هذا والذي قبله أهل المغرب الأقصى لأنهم يقرءون لورش من طريق الأزرق وهو من أطول القراء مدا كما تقدم في الغالب لا يمدون له طويلا لا سيما المتعلم وقت قراءته في لوحه بل كثير منهم يقصرون المدود لا سيما المنفصل فيقرءون نحو بما انزلَ ولا يمدون ويضمون ميم الجمع إذا جاورت الهمزة ولا يمدون وهو من باب المنفصل وكان وُدِي لوَ أسعفوني إن يقرءوا من رواية قالون فان أبوا إلا رواية ورش فمن طريق الأصبهاني وليس ذلك لضعف في طريق الأزرق بل هي من أصح الطرق عن ورش قرأ عليه عشرين ختمة بعضها وهو مقيم بمصر وبعضها وهو يرابط معه بالإسكندرية وإنما هو ليسلموا من الخطأ الذي خاضوا فيه والتخليط الذي ارتكبوه مما لا يرض به ذو دين.

стр. 90

ومنها البتر ويسميه بعضهم الإدماج وهو حذف حروف المد وهو كثيرا ما يجري على السنة الناس نحو أفَلاَ تَعْقِلونَ، بَلَى منْ أوفىَ بِعَهدِهِ وَاتَّقَى، بِهِ شَيئاً، مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأصْلَحوا، لاسيما إن تكرر حرف المد نحو شَيَاطِينهِمْ وجَاَءاناَ والعْالَمِين وهو لحن فاحش يغير اللفظ والمعنى قال الداني ﵀ والبتر مكروه قبيح لا يعمل عِليه ولا يؤخذ به إذ هو لحن لا يجوز بوجه ولا تحل القراءة به وقال الجعبري في حروف المد مَد اصْلِي وفي حرفي اللين مد ما يضبط كل منهما بالمشافهة، والإخلال بشيء منه لحن وهذا معنى قول مكي في حرفي اللين والمد بعض ما في حروف المد وقد نص عليه سيبويه. ومنها مد ما لا مد فيه نحو معَايِشَ وحاَمٍ وهو لحن لا تحل القراءة به فأحذر من ذلك ولا تكن من الغافلين. ومنها الزيادة على المد السايغ وبعض الناس ابتدع في قراءة القرآن أصواتا كأصوات الغنا مأخوذة عندهم من الموسيقى لأجلها يمدون للمقصور ويقصرون للممدود ويزيدون في مده ما لم يقل به قارئ ولا نحوي وربما سكنوا المتحرك وحركوا الساكن وحذفوا حروف المد وهذا كله حرام كما ذكره غير واحد من فقهاء المذاهب الأربعة وحكى النووي في تبيانه الإجماع عليه، أما تحسين الصوت بالقراءة من غير إخراج القراءة عن وجهها المنقول فيها فيقرأ لكل راوَ بما صح له من مد أو قصر أو توسط الإدغام أو تفكيك أو همز أو تخفيف أو فتح أو إمالة فهو أمر مطلوب مستحسن مندوب لا سيما إن كان من ذي صوت حسن ونغمة حلوة فانه يجْرح القلب ويجري الدموَع وَتحصل معه الإنابة والخشوع وقد قال ﷺ زَيِّنوا القرآن بِأصْوَاتِكمْ رواه أبو داود

стр. 91

والبهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة وهو عند الخطابي وأبي عبد الله وجماعة من باب القلب أي زينوا أصواتكم بالقرآن وهكذا رواه عبد الرزاق وقال ﷺ زينوا القرآن بأصواتكم فأن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا وفي حديث أبن عباس لكل شيء حلية وحلية القرآن حسن الصوت ولكن من وفقه الله لا يجتزي بإتقان اللفظ وإصلاح اللسان ويترك التدبر في معانيه والتفكر في غوامضه والتحري في مقاصده وترك النفس وقت تلاوته قال تعالى أفلاَ يَتَدبَّرونَ القرآن أمْ على قلُوبٍ أقْفَالُهَا وقال ليدَّبَّرُوا آياته وليَتَذَكَّر أولُوا الألْبَابِ وقال علي بن أبي طالب لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها وكان بعض السلف إذا قرأ آية ولم يحضر قلبه أعادها وما أحسن هذا لمن وفق إليه، ومثل من يترك التدبر في كتاب الله ويشتغل بحديث النفس كمثل من هو في رياض عجيب أشجاره مختلفة الأنواع يانعة الثمار عظيمة المقدار حصباؤه الدر والياقوت وعن بعيد منه جيف وقذارات فصار يتطلع إلى تلك الجيف والقذارات ويترك التنزه فيما هو حالٌّ فيه حمق وحرمان أعظم من هذا وقيل. لبعض الموفقين إذا قرأت القرآن أتتحدث في نفسك بشيء؟ قال أي شيء أحب إلي من القرآن أحدث به نفسي، والكلام فنسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق أمين.

стр. 92

باب المشدد اعلم إن المشدد دوَره في القرآن كثير فيجب على القاري معرفته ومعرفة كيفيته ورتبته لأن من علم عمل إن وفقه الله تعالى ومن لَمْ يعلم لا يرجى منه خير أبدا لا لنفسه ولا لغيره وكل حرف مشدد قايم مقام حرفين أولهما ساكن والثانَّي متحرك فلا بد من بيان التشديد وإعطائه حقه حتى يتميز عما ليس بمشدد فان من ترك التشديد فقد ترك حرفا من القرآن وهو لا يحل ولذلك اعتنى العلماء بتعداد تشديدات الفاتحة وحذروا من تركها. والمشدد أربعة أقسام الأول الذي لم يتكرر نحو الرَّحمن الرَّحيم وإيَّاك ومبيَّنة وبين وعَلَّمَ والجَنَّة كلاَّ بل رَّان، الثاني ما تكرر مرتين نحو اطَّيَّرنا وذُرّيَّة وازّيَّنَتْ ويصَّعَّد ويذَّكَّرُون من مُّدَّكِر وهذا أعسر من الأول لعسر التشديد المكرر ولهذا ترى كثيرا من الناس يترك التشديد الثاني ولا يعطيه حقه وهو لحن لا يجوز. الثالث ما تكرر ثلاث مرات وإنما يكون ذلك بين كلمتين فاكثر نحو دُرّيٌّ يوقد وعلى أمم مّمّن مّعك، الرابع ما تكرر في أربع مرات نحو في بَحْر لّجّيّ يَغشاهُ وجعل مكي الأقسام ثلاثة وجعل هذا مما تكرر فيه التشديد ثلاث مرات والصواب ما ذكرناه. فان قلت مذهب الداني هو المشهوَر عند أهل الرسم إن علامة التشديد لا توضع ألا على أربعة أحرف التي يجمعها قولك " لم نر " وهي اللام والميم النون والراء تنبيها على أن لفظ التنوين أدْغم في ذلك الحرف إدغاما تاما قلب لأجله التنوين وصار من جنس ذلك الحرف وأما حرفا الإدغام الناقص وهما الواو والياء فلا تقع علبهما علامة التشديد ويا يغشاه من هذا لم تقع عليها عِلامة التشديد وَلهذا لم يعده مكي، فالجواب أن يا يَغْشَاهُ وإن لم توضع عليها علامة التشديد فقد وقع التشديد في اللفظ وأيضا فقد عُدَّ مما تكرر فيه التشديد ثلاث مرات قوله تعالى دُرِّيُّ يُوقَدُ ويا يوقد كبا يغَشَاهُ بلا شك بل قد صرح بالتشديد في ذلك حيث قال وتشدد الثالث وهو اليا من يُوقدُ ويغَشَاهُ -

стр. 93

انتهى - فإذا اجتمعت في الفظ ثلاث مشدات متواليات فهي في مقام ستة أحرف وإذا اجتمع أربع مشددات فهي في مقام ثمانية أحرف فيجب على القاري إن يبين ذلك في لفظه مع تمهل وترتيل من غير تلوُّك ولا تعويج كما يفعله من لا خبره له ويعطي كل مشدد حقه ولا يتجاوز به رتبته ولا يقصر به دونها. ثم إن التشديد بعضه أبلغ من بعض ولذلك إلى ثلاثة أعلى وأدنى ومتوسط بينهما فأعلاه تشديد الرا فيجب إظهار التشديد فيه إظهارا بينا ليتمكن من إخفاء التكرير الذي فيه وهو في التشديد أمكن من غيره وكذلك حرفا العلة وهما الواو والياء في كلمة أو كلمتين نحو حَفِيٌّ ووَلِيٌّ وعَدُوُّ وآوَوْا ونَصَرُوا واتَّقَوْا وأمَنُوا فيجب إظهار بينا لثقل التشديد فيهما اكثر من غيرهما وكذلك إذا وقع التشديد بعد ألف نحو الطَّامَّةُ والصَّاخَّةُ وأمِّينَ والضَّالِّينَ فلا بد من التشديد البليغ والمدّ الطويل ولا يجوز الاخلال بأحدهما وكذلك اللام مفخما فيجب بيان التشديد فيه ليظهر التفخيم المقتضي للتعظيم والاجلال في اسم الجلالة هذا اعلاه، ادناه الإدغام مع الغنة نحو من يقول من وَلِّيّ ومنْ معه من نَصِيرٍ أو مع الإطباق في نحو أحَطْتّ وبسطتّ أو مع الاستعلاء على القول بإبقائه في ألّم نَخْلُقكُّمْ، والمتوسط بينهما هو باقي ما يشدد على القاري إن يبين ذلك في لفظه ويعطي كل حرف حقه وما هو الصواب فيه فَشُدَّ يَدَكَ على ما ذكرت لك ولازمه في قراءتك حتى يصير لك الصواب سجية وطبعا والله الموفق ويقع الخطأ في هذا الباب من أوجه. منها تخفيف المشدد نحو إياك وهو لحن إذ فيه نقصان حرف من القرآن ومنها تشديد المخفف نحو لِنُرِيَهُ ورَقَبَةٍ والْعَقَبَةُ والْحُطَمَةُ وحُمِلَتِ الأرْضُ وهو لا يجوز إذ فيه زيادة حرف، ومنها تحريكه لدى الوقف عليه وهو خطأ كما سيأتي ذلك في باب الوقف إن شاء الله تعالى.

стр. 94

باب ألفات الوصل وهو باب مهم تكلم عليه القراء والنحويون ومرجعه إلى أصلين تمييز همزة الوصل من همزة القطع وكيفية التلفظ بها حالة الابتداء أو الوصل، أما الأصل الأول وهو تمييزها من همزة القطع فبثلاثة أشياء ضابط جملي فضابط تفصيلى وبتعداد ما همزته همزة وصل في كتاب الله تعالى، أما الضابط الجملي فهو أن نقول كل همز ثبت في الابتداء وسقط في الدَّرْج فهو همز وصل وكل همز ثبت في الابتداء وفي الدرج فهو همز قطع، وأما الضابط التفصيلي فاعلم أن كلام العرب كله نثرا ونظما محصور في ثلاثة أنواع الأسماء والأفعال والحروف فالذي همزته همزة وصل من الأسماء مصادر للفعل الخماسي والسداسي ولها أحد عشر بناء وليست كلها في كتاب الله ولا نتكلم إلا على ما في كتاب الله إذ غرضنا التحرز كل من الخطأ في كتاب الله تعالى فمثال مصادر الخماسي ابتِغاَء واتَبَاعَ وأفْترِآء وَلاَ انْفِصَامَ ومثال مصادر السداسي اسْتَكْبَاراً واسْتِبدَالَ فكذا أسماء محفوظة الموَجود منها في كتاب الله أسْمُ وابنٌْ وَابْنَتَ وَامْرِؤٌ وَامْرَأةٌ واثْتاَنِ وَاثْنَتَا وكل ما عدا هذا من الأسماء فهمزته همزة قطع إذ هو الأصل في الأسماء لتحرك اوايلها غالبا ولا تكون همزة الوَصل إلا في كلمة سكن أولها فيوتي بهمزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بذلك الساكن ولكونه الأصل في الأسماء قالوا إذا سمي بما همزته همزة وصل من الأفعال نحو أنْطَلَقَ وَاستخرجَ تصير همزته همزة قطع أجراء له على نظايره من الأسماء لبعده عن أصله. وأما ما همزته وصل من الأفعال فمنها للفعل الخماسي والسداسي ولهما تسعة أوَزان وليست كلها في كتاب الله تعالى جل ذكره فمثال الأول اسْتَوَى وافْتَرَى ومثال الثاني اسْتَسْقَى واسْتَيْسَرَ واسْتَمْسَك وكذلك أوامرهما فمثال أمر الخماسي انْتَظِرُوا ومثال أمر السداسي اسْتَغْفِرُوا فإن دخلت همزة الاستفهام على الفعلين الماضين ثبتت مفتوحة وَسقطت همزة الوصل لأنها

стр. 95

إنما جيء بها للتوصل بالنطق بالساكن وَقد استغني عنها بهمزة الاستفهام وَمثال ذلك أفْتَرَى على اللهِ كَذِباً، قُلْ أتَّخَذتُمْ عَنْدَ اللهِ عَهْداً، أطَّلَعَ الغيب وَسيأتي إن شاء الله بيان ما اختلف فيه، ومنها أمر الفعل الثلاثي المجرد من الزوايد الساكن ثاني مضارعِه فان تحرك ثاني مضارعه لفظا ولو سكن تقديرا فلا يحتاج إلى همزة الوصل لتحرك أوله، بيان ذلك أن أمر الفعل الثلاثي هو فعل مضارع مجزوم سقط منه حرف المضارعة فنظر مثلا مضارعِه المجزوَم لم ينظر فإذا أزلت الجازم وحرف المضارعِة وجدت كلمة أوَلها ساكن وَلا يمكن الابتداء بالساكن فاجتلبت همزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن وَكان حقها السكون لان الحروف مبنية وحق البناء السكون إلا انهم اضطروا إلى تحريكها لأجل الابِتداء بها وسيأتي حكم حركتها إن شاء الله تعالى. هذا إذا كان الفعل صحيح الفاء والعين نحو سمع وجلس وبعد فان كان معتل الفاء نحو وَعَدَ ووَهَبَ أو معتل العين نحو قاَلَ وباَعَ فلا يحتاج أمره لهمزة الوَصل لان مضارعه يَعِدُ ويَهَبُ ويَقُومُ ويَقولُ ويبيعُ فما بعد حرف المضارعة متحرك لفظا فإذا سقط حرف المضارعة وصار أمرا فتقول عِدْ وَهَبْ وقُلْ وَقمْ وبِعْ فلا يحتاج إلى همزة الوصل وإنما قلنا متحرك لفظا لان أصل يَعِدُ ويَهَبُ يَوْعِدُ ويَوْهَبُ فثقلت الواو وحذفت واصل يقُوم وَيقول يقْوُم ويقوُل بسكوَن القاف وضم الواو فقلت الضمة على الواو فنقلت إلى القاف وسكنت الواوَ فتحذف في المضارع المجزوَم فرارا من الجمع بين الساكنين فتقول لم يقم ولم يقل فإذا جعلته أمرا وحذفت حرف المضارعة قلت قُمْ وقلْ وَاصل يبيع يبْيع بسكون الياء وكسر الياء فنقلت الكسرة إلى الياء وحذفت الياء كما تقدم في الواوي وهكذا كل ما ماثلهما، فإن قلت أكل وأخذ وأمر مضارع مما يأكل ويأخذ ويأمر والامر كما تقدم مضارع مجزوم حذف منه حرف المضارعة فقياس الامر منها اُ أكل واُ أخذواُ أْمر بهمزتين الاولى مضمومة والثانية ساكنة بوزن انصر والموجود في كتاب الله تعالى وفي كلام العرب كُل وخُذْ ومُرْ بوزن قل، قلت حذفت الهمزة من أوائل أمر هذه الكلمات لكثرة دورها وثقل الهمزة وبقي ما

стр. 96

بعد الهمزة على أصله بالضم ولكثرة دور كل وخذ وكذا مر كان الحذف فيهما واجبا وفيه جايزا قال الله تعالى وأمر أهْلَكَ باِلصلاة وفي الحديث مُرهُ فَلْيُراجعها وسأل مثل أمر فيجوز في أمر سَلْ بحذف الثانية ونقل حركتها إلى السين واستغني بذلك عن همزة الوصل واسْئلْ بإثبات الهمزتين على الأصل ووقع في القرآن العظيم على ثلاثة أنواع: أمر للمواجه وَلم يسبقه واو ولا فاء نحو سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ وسَلْهمْ أيُّهم فهذا لا خلاف بين القراء في حذف همزة الوصل منه ونقل حركة الهمزة الثانية إلى السين استثقالا لاجتماع همزتين ولا سيما مع كثرة دور الكلمة، الثاني أمر المواجهة وقبله واو أو فاء وسواء خلا من الضمير البارز أو اتصل به نحو وسْئَلْ مَنْ أرْسَلْناَ وسْئلَوا الله مِنْ فَضْلِهِ فَسْئَلِ الَّذيِن يَقْرَءُونَ فَسْئَلوُا أهل الذّكْر فَسْئلُوهُمْ إنْ كانوا فهذا اختلف فيه القراء فقرأ ابن كثير والكسائي وخلف وابن محيصن بنقل حركة الهمزة الثانية إلى السين وحذف همزة الوصل وقرأ الباقون بإسكان السين وإثبات الهمزة الثانية وتوصل للنطق بالساكن بحركة حرف العطف فأغنت عن همزة الوصل، والثالث أمر الغائب نحو ولْيَسْئَلُوا ما أنْفَقُوا وهذا لا خلاف بين القراء في ترك النقل فيه لقلة استعمال الأمر للغائب فأن قلت أرسل مضارعه يرسل ولو حذفنا حرف المضارعه منه لنصره أمرا لوجدنا الراء ساكنا وَكان الأصل انا نأتي بهمزة الوصل للتوصل للنطق بالساكن وقد أجمع القراء والنحويون إن همزته همزة قطع قال الله تعالى وأرْسِلْ في الْمدآئِنِ فالجواب أن أصله يُؤَرْسِلُ بياء مضمومة بعدها همزة مفتوحة فجاء الأمر على هذا الأصل ومثله أكرم وأخبر، وأما الحروَف فليس فيها ما همزته همزة وصل إلا ال وسواء قلنا إن حرف التعريف أل والهمزة أصلية وهي همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال وهو مذهب الخليل أم اللام وحدها ولسكونها اجتلبت لها همزة الوصل وهو قول سيبويه عند جمهور المتأخرين. بياء مضمومة بعدها همزة مفتوحة فجاء الأمر على هذا الأصل ومثله أكرم وأخبر، وأما الحروَف فليس فيها ما همزته همزة وصل إلا ال وسواء قلنا إن حرف التعريف أل والهمزة أصلية وهي همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال وهو مذهب الخليل أم اللام وحدها ولسكونها اجتلبت لها همزة الوصل وهو قول سيبويه عند جمهور المتأخرين. فهذا ما همزته همزة وصل من الأنواع الثلاثة ولا تكوَن في فعل مضارع مجرد أو مزيد لأنه مبدوءٌ بحروف المضارعة وهي متحرُكة أبدا فلا يحتاج لهمزة

стр. 97

الوصل ولا في ماضي ثلاثي أو رباعي ولا في غير الاسماء المحفوظة ولا في حرف إلا ال وسواء كانت حرف تعريف أو موصولة أو زائدة. فصل وأما كيفية النطق بها حال الوصل والابتداء ففي حال الوصل تنتقل تنتقل من أخر الكلمة التي قبل الكلمة التي أولها همزة وصل إلى ما بعد همزة الوصل كأن الحرفين بكلمة واحدة مثال ذلك أنُ اشْكُرْ فتنطق بنون مضمومة أو مكسورة على اختلاف القراءتين بعدها شين ساكنة لَهُمُ اتَّبعُوا تأتي بميم مضمومة بعدها تاء مشددة فَقَدِ استْمسَك تأتي بدال مكسورة بعدها سين ساكنة الذي اؤتُمنِ تلفظ بذال مكسورة بعدها همزة ساكنة ويا صَالِحُ ائْتِناَ تأتي بحاء مضمومة بعدها همزة ساكنة، قاَلَ ائْتوَُنِي تأتي بلام مفتوحة بعدها همزة ساكنة فان قرأت بالإبدال لورش والسُّوسي فتبدل في الأول ياء وفي الثاني واوًا وفي الثالث ألفا وهذه قاعدة إبدال الهمزة فتبدل بعد الفتحة ألفا وبعد الكسرة ياء وبعد الضمة واوا ومخالفة هذا لحن فظيع ولا يضرنا مخالفة المرسم كما في أوتُمنَ وغيره فان الكلمة ترسم بصورة لفظها حال الابتداء بها والوقوف عليها. وأما الابتداء بها فاعلم إن همزة الوصل تحرك في الابتداء ليتوصل بحركتها إلى الساكن بعِدها وحركتها باعتبار الأنواع الثلاثة مختلفة فتكسر في ابتداء الاسم وسواء كان من الأسماء المحفوظة أم من المصادر وتفتح في الحرف نحو الرَّحْمن والَّذِينَ وفي الفعل تفصيل فتكسر في أمر الثلاثي المكسور العين نحو اضْرِب واهْبِطُوا واهدِنَا والمفتوح نحو أعْمَلُوا واعْلَمُوا أو ارْكَبُوا واذْهَبُوا وإنما لم تفتح في هذا خوفا من الالتباس بالمضارع نحو أعْلَمُ حالة الوقف وكانت كسرا دون ضم لأنه الأصل في همزة الوصل وهو أخف من الضم وكذلك تكسر في أول الفعل الخماسي والسداسي إذا كانا مبنيين للفاعل وتضم فيهما إذا بنيا للمفعول وفي أمر الثلاثي المضموم العين نحو اذْكُرُوا نِعمَتي، اقْتلُوا

стр. 98

أنَفْسَكُمْ، واخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، انْقُضْ مِنهُ، اسْجُدُوا، فحركة همزة الوصل في الافعال مبنية على حركة الحرف الثالث منها الذي هو عين الفعل فنضم إذا انضم وتكسر إذا انكسر أو انفتح فأن اختلفت القراءة في الكلمة نحو وإذا قيل انْشُزُو فَانْشُزُوا قرئ الشين وكسرها فأجرها على هذا فمن قرأ بضم الشين ابتدأ بضم همزة الوصل ومن قرأ بالكسر ابتدأ بالكسر. فأن قلت ما حركة همزة الوصل من امْشُوا وابْنُوا واقْضُوا حال الابتداء قلت حركتها الكسر. فان قلت هذا مناقض للقاعدة التي ذكرت لان الثالث مضموم قلت لا تناقض لان الحرف الثالث وأن كان مضموما بحسب الظاهر فهو مكسور في الحقيقة باعتبار الأصل فأصل امشوا امشيوا وكذا أبنوا واقضوا فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الحرف قبلها بعد سلب حركته فسكنت الياء فحذفت لالتقاء الساكنين والكلام في همزة الوصل واسع تركناه خشيه الإطالة، وأما تعداد ما همزته همزة وصل فعزمنا أولا على ذلك ووصلنا إلى سورة الفتح ثم رأينا إن ذلك طول وهذا الضابط يغني عنه والقلوب بيد اللهُ كيف يشاء. فان قلت إذا كانت هذه القواعد المأخوذة هذا الضابط تكفي ولا تنَخرِمُ فمن أين جاء الخلاف الواقع بين القراء في بعض الهمزات فجعلها بعضهم همزة وصل وبعضهم همزة قطع كقوله تعالى بالبقرة فَلَمَّا تَبَيَّن لَهُ قَالَ اعْلَمُ قرئ بوصل الهمزة مع إسكان الميم وبقطعها مع ضم الميم وكقوله تعالى فَاسْرِ بهود والحجر والدخان وأن اسْرِ بطه والشعراء وقوله تعالى رَدْماً آئتُوني اتُونِي أفرغ - بالكهفَ قلت ليس الخلاف الواقع بين القراء في هذا وأمثاله لخلل في تلك القواعد بل لاختلاف مداركهم إلى أي القواعد ترجع أما أية البقرة فقراءة الجزم على انه أمر الثلاثي وهمزته همزة وصل، وقراءة الرفع على انه فعل مضارع وهمزته همزة قطع، وأما فاسر وان أسر فهو فعل

стр. 99

أمر أما من سرى الثلاثي فهمزته همزة وصل أو من أسرى الرباعي فهمزته همزة قطع واسرى وسرى بمعنى وقيل الأول لأول الليل والثاني لآخره وسَارَ مختصٌّ بالنهار، وكذلك ايتوُنِي أمر إما من أتى الثلاثي أو من أتى الرباعي بمعنى أعطى. فصل ويقع الخطأ في هذا الباب للقراء من اوجه منها قطع ما همزته همزة وصل نحو وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ الله افْترَاءً عَلَى الله وما كان اسْتِغْفَارُ إبْراهِيم، ولو يُعَجِّل اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ اسْتعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ، ومنها وصل ما همزته همزة قطع نحو منْهُمَا أتَّبِعْهُ أنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ، فَجَاءَتْ إحْدَاهُمَا، الرَّحِيمِ ألْهاكُم أو حَامِية ألْهاكُمُ، ومنها فتح أو ضم ما يجب كسره في الابتداء نحو ارْجِعْ إلَيْهِمْ اضْرِبْ بعَصَاك ونحو قَالُوا ائْتِنَا، ومنها كسر أو فتح ما يجب ضمه نحوا اعْبُدُوا، اأسْلُكْ أدْعُ ومنها كسر أو ضم ما يجب فتحه نحو الذِينَ الخَبِير الصّادِقينْ ونحو الرَّحْمن الله والخطأ في هذا الباب كثير وكل ما خالف تقدم فهو خطا فاحترز منه وحذر غيرك مع إخلاص نيتك والله الموفق.

стр. 100

باب الوقف والابتداء اعلم أهلني الله وإياك للوقوف بين يديه جعلنا ممن رضي عنه واحسن إليه ان الوقف هو قطع النطق عن آخر الكلمة والابتداء هو الشروع في الكلام بعِد قط م أو وقف، ومعرفة الوقف والابتداء متأكد غاية التأكيد اذ لا يتبين معنى كلام الله ويتم على اكمل وجه الا بذلك فربما قارئ يقرأ ويقف قيل تمام المعنى فلا يفهم هو ما يقرأ ومن يسمعه كذلك ويفوت بسبب ذلك ما لاجله يقرا كتاب الله تعالى ولا يظهر مع ذلك وجه الاعجاز بل ربما يُفهم من ذلك غير المعِنى المراد وهذا فساد عِظيم ولهذا اعتنى بعمله وتعليمه والعمل به المتقدمون والمتأخرون والفوا فيه من الدواوين المطولة والمتوسطة والمختصرة ما لا يعد كثرة ومن لم يلتفت لهذا ويقف أين شاء فقد خرق الاجماع وحاد عن أتفان القراءة وتمام التجويد وهو الغالب في قراء زماننا فإياك وإياك، وفي حديث ابي بكرة ان جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال اقرأ القرءان على حرف فقال ميكائيل استزده ففال اقرأ على حرفين فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال كل شاف كاف ما لم يختم ءاية عذاب بآية رحمة أو ءاية رحمة بآية عذاب وروي عن أبن عِمر ﵄ قال لقد غشينا برهة من دهرنا وان أحدنا ليوتى الأيمان قبل القرءان وتزل السورة على النبي ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وامرها وزجرها وما ينبغي ان يوقف عنده منها، وقال علي ﵁ لما سئل عن قوله تعالى ورتل القرءان ترتيلا الترتيل معرفة الوقوف وتجويد الحروف، وقال ابن عباس ﵄ يوقف عند قوله تعالى

стр. 101

أنْهُمْ أصْحَابُ النَّارْ في سورة المؤن مقدار ما يشرب من الماء، وقال غيره مقدار ما يقال أعوذ بالله من النار ثلاث مرات أو سبع مرات وروي ان عمر بن عبد العزيز ﵁ كان إذا دخل شهر رمضان قام أول ليلة من خلف الإمام يريد ان يشهد افتتاح القرءان فاذا ختم أتاه أيضا ليشهد ختمه فقرأ الإمام إنما نحن مصلحون وركع فعابه عِمر وقال قطعت قبل تمام القصة ولَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ وقد مثلوا قاريَ القرءان بالساير في الارض. قال ابن مسعود ﵁ الوقف منازل القرءان، ولا يخفى ان من له نَّظُر سديد لا يعِدل عن النزول بموضع مأمون من المخاوف خصب كثير الماء والكلا وما يقيه من ألحر أو القر إلى ما هو بالعكس اللهم الا ان يعلم انه إذا سار يجد بين يديه ما هو مثله أو خير منه، وقال صاحب النشر فيه بعد أن ذكر ما قدمناه عن علي وأبن عمر ففي كلام علي ﵁ دليل على وجوب تعلم الوقف والابتداء ومعرفته وفي كلام ابن عمر برهان على ان تعلمه اجماع من الصحابة ﵃ أجمعين وصح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي هو من أعِيان التابعين وصاحبِه الامام نافع بن أبي نَّعيم وأبي عمرو بن العلا ويعقوب الحضرمي وعاصم بن أبي النجود وغيرهم من الايمة وكلامهم في ذلك معروف ونصوصهم عليه مشهورة من الكتب ومن ثم اشترطه كثير من ايمه الخلف على المجيزأن لا يجيز أحدا الا بعد معرفته الوقف والابتداء وكان ايمتنا يوقفوننا عند كل حرف ويشيرون الينا فيه بالأصابع سنة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين رحمة الله عليهم أجمعين انتهى. إذا علمت هذا فاعلم إن الكلام على الوقف والابتداء ينحصر في بابين الأول معرفة ما يوقف عليه ويبتدأ به ومرجع هذا إلى فهم

стр. 102

المعني ومراعِاة الأحكام النحوية فلا يوقف على العامل دون المعمول ولا المعول دون العامل وسواء كان العامل اسما ام فعلا ام حرفا وسواء كان المعمول مرفوعا ام منصوبا ام مخفوضاً عمدة أو فضلة متحدا أو متعددا ولا على الموصول دون صلته ولا على ما له جواب دون جوابه ولا على المستثنى منه قبل المستثنى ولا على المتبوع دون التابع ولا على ما يستفهم به دون ما يستفهم عنه ولا على ما اشير به دون ما أشير إليه ولا على الحكاية دون المحكي ولا على القسم دون المقسم به وغير ذلك مما لا يتمُّ المعنى الا به ولا يتمكن القاري من هذا الا بمعرفة العربية ولهذا كان تعلمها من اوكد ما عليه لان من لا يعرفها لا يوثق بعلمه ولا يعِول عِلى رأيه وفهمه ولا يقال كما يقوله من جهل وغفل ان الصحابة كانَّوا لا يعرفون العِربية ولا يعرفون الفاعل والمفعول وأنما حدثت بعِدهم لان هذا حمق وغرور واستدلال بباطل على باطل بل هم فرسانها ولهم الباع الطويل فيها وكانت لهم سجية منةً من الله عِليهم فلا يحتاجون في تحصيلها مثلنا إلى كبير تكلف وقد روي عِنهم فيها وفي الثنا عِليهم ما ليس هذا محل ذكره كيف وهم الذين استنبطوها وأسوا قواعدها واظهروا مخبّآتها واشادوها. الثاني معرفة كيفية الوقف من جهة التلفظ بآخر الكلمة بالسكون أو الاشمام أو الروم أو الحذف والاثبات وتفخيم الراءات وترقيقها وغير ذلك مما اتفق عليه القراء أو اختلفوا فيه وجرى عمل كثيرُ منهم بإيراد الأول بالتأليف والثاني يجعلونَّه بابا في كتب القراءات وقلّ من جمع بين البابين في كتابه وانا ان شاء الله اذكرهما بكلام سهل يسيرُ ويليق بالمبتدئين والقاصرين والله اعِلم. أما الباب الاول فقد اختلف الناس في أقسامه فمنهم من أطنب واكثر فجعلها ثمانية أقسام كاملا وتاما وكافيا وصالحا ومفهوما وحائزا وناقصا ومتجاذبا، ومنهم من اجحف وقصر فجعلها قسمين تاما وقبيحا وبعضهم توسط وحرر وأمعن النظر وتدبر فجعلها أربعة أقسام تاما وكافيا وحسنا وقبيحا وربما يتفقون

стр. 103

على العِدد ويختلفون في التسمية فبعضهم يسمى التام كاملا وبعِضهم يسميه حسنا وبعضهم كافيا وبعضهم مطلقا وبعِضهم مختارا وبعضهم يسمي الكافي حسنا والحسن كافيا وبعضهم يسمي الكافي بالجائز والصالح بالمفهوم وليس هذا خلافا في الحقيقة بل لكل مصطلح مشى عليه وتقسيم منسوب إليه والمختار عِندي تبعا للداني وابن الجزري وغيرهما من المحققين أنها أربعِة أقسام تام وكاف وحسن وقبيح لكن التحقيق ان كل قسم منها ينقسم إلى قسمين فتام وأتم وكاف وأكفى وحسن وأحسن وقبيح وأقبح والله أعلم. فصل في الوقف التام والاتم لا يكومن وقفك تاما ألا إذا وقفت على كلام لا تعلق له بما بعِده لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، والاتم ادخل في كمال المعنى من التام اذ التام قد يكون له تعاق بما بعده على احتمال مرجوح أو يكون بعِده كلام فيه تنبيه وحث على النظر في عواقب من هلك بسوء فعله فيكون الوقف عليه أتم من الوقف عِلى آخر القصة نحو وبِالَّيْلِ أفلاَ تَعْقلُونَ الوقف على وباليل تام وعلى تعْقلون أتم واكثر ما يوجد في رؤوس الآي وتمام القصص وءاخر السور وقد يوجد التام قبل تمام الفاصلة نحو وجَعَلوُا أعزَّةَ أهلِهَا أذِلةً هو وقف تام عند الجمهور اذ به انَّقضى كلام بلقيس وقال أبو حاتم هو من الوقف المروي عن ابن عباس وقوله بعده وكذلِكَ يفَعلوُنَ هو من كلام الله جل ذكره تصديقا لها أي الأمر كما ذكرت وقيل انه من كلام بلقيس وعليه جماعة من المفسرين منهم البيضاوي فهو تأكيد وتقرير لما وصفته من حالهم وعليه فلا يوقف عليه والوقف على يفعلون وهو رأس الآية بإجماع وهو كاف وكذلك لقد أضَلَّنِي عَنِ الذكْرِ بَعْدَ إذْ جآءنِي هو وقف تام عند

стр. 104

الجمهور واجمعوا على أن راس الاية خَذُولاً بعده لان كلام الظالم انتهى عِند جَاءَنِي ثم قال الله تعالى وَكاَنَ الشَّيْطَانُ لِْلإنْسَانِ خَذولاً تقريرا وببانا لما قبله وقيل انه من تمام كلام الظُالم على انَّه سَمَّى خليله شيطانا لأنه قد أضله والاضلال اخص وصف الشيطان أو انه أراد الشيطان الذي هو ابليس لأنه هو وسوسه وغَوَّاهُ وصده عن متابعة الرسول الصادق ودعاه إلى طريق المهالك وكأن يعده ويمنيه النفع فلما وقع في المهالك والورطات العظام فر عنه وخذله وعلى هذا فلا وقف على جاَءَنِي وإنما هو على خذُولاً وهو تام والمراد بالظالم عُقُبَةُ بنُ أبي مُعَيْط كما قاله السهيلي والبغوي وجماعة كبيرة من المفسرين وغيرهم وقال الدانَّي هو أُبَىُّ بن؟ خَلَف وقلده في ذلك بعض من ألف بعِده والصواب الأول نعم هو المكنى عنه بفلان على أحد قولين والأصح انَّه أخوه أمية بن خلف واصل القضية إن عقبة كان من عادته أنَّه لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما ودعا إليه أشراف قريش فقدم ذات يوم وصنع الطعام على عادته ودعا إليه الأشراف ودعا النبيء ﷺ فلما قرب الطعام قال رسول الله ﷺ لا آكل حتى تشهد أن لا اله ألا الله وأني رسول الله فتشهد فأكل النبيء ﷺ طعامه وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف أو لأخيه أمية فلما اخبر بذلك تغيظ لذلك فلقي عقبة فقال له صبأت قال لا ولكن دخل عليَّ رجل فأبى إن يأكل إلا إن اشهد له فاستحييت إن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فقال له لا أرضى حتى تمضي له وتبزق في وجهه وتقول له كذا وكذا ففعل عدو الله ما قال له خليله فقال له النبي ﷺ لا القاك خارج مكة إلا عِلوت رأسك بالسيف فأستر يوم بدر فأمر النبيء ﷺ عليا فقتله وقيل قتله عاصم بن ثابت

стр. 105

الأنصاري قال الضحاك لما بزق عقبة في وجه رسول الله ﷺ عاد بزاقه على وجهه فأحرق خديه وكان اثر ذلك فيه حتى مات فهذه عقوبة عجلت له في الدنيا وعقوبة الآخرة أشد وأعظم ولهذا لشدة ما يراه من العذاب ويلحقه من الندم والحسرة يعض على يديه فقال عطاء يأكل يديه حتى بلغ مرفقيه ثم ينبتان فيأكلهما وهكذا ابدا. وقد يوجد التام بعِد تمام الفاصلة نحو وإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِيَن وَبالَّيْلِ هو تام اتفاقا والفاصلة مُصْبِحِيَن قبله ونحو وَمَعَاَرِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وزُخْرُفاً هو تام عند الجمهور والفاصلة يَظْهَرُونَ قبله وقد يكون على قراءة دون قراءة كقوله إلى صِرَاطِ االْعزِيزِ الْحَميدِ هو تام على قراءة كل من رفع الجلالة بعده وعلى قراءة الخفضُ حسن وقد يكون على تأويل دون تأويل كقوله وَماَ يعْلَمُ تأوِيلهُ إلاَّ الله مذهب الجمهور إن المتشابه لا يعلم تأويله ألا الله وعليه فالوقف على الجلالة تام وما بعِده مستأنَّف ويشهد له ما في مصحف ابن مسعود ويقول الراسخون وما رواه طاوس قال ذكر لابن عباس االخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن فقال يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابه وقرأ وَماَ يعَلَمُ تَأوِيلَهُ إلا اللهُ ويقوُلُ الراسخُونَ في الْعِلْمِءَامَناَ بِه وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود وعائشة وعروة بن الزبير والحسن وأكثر التابعين ومالك بن أنس ونافع والكسائي ويعقوب واختاره القراء والأخفش وأبو حاتم وابن كيسان وأبو عبيد وابن الانباري والطبري وأبو عبيده والبغوي وذهب قوم إلى أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه والواو للعطف وجملة يقولون في موضع الحال وهذا قول مجاهد والربيع ورواه غير طاوس عن ابن عباس واختاره ابن الحاجب وقال قوم حملنا المتشابه على ما استأثر الله بعلمه كمدة بقاء الدنيا ووقت قام الساعة وخواص الأعداد كأعداد الزبانية أو ما دل القاطع على ان ظاهره غير المراد ولم يقم دليل على ما هو المراد منه فالاول وعليه الوقف على الجلالة وان حملناه على ما لا يتضح مقصوده لاجمال أو مخالفة ظاهره لمحكم ولا يتوصل إلى معناه بالفحص والنظر الدقيق وأتعاب القرايح والفهم الثاقب فالثاني وعلى هذا فخلاف الأولين في حال وترجع المسالة إلى الوفاق والله اعِلم، مثال التام الدّين ونَسْتَعين بالفاتحة ويُكَذّبون وَيَشْعُرُون وللِكَافِرِين والْخَاسِرُون وترجِعون بالبقرة ومثال الاتم الضَّالَّينَ بالفاتحة والْمُفُلحُونَ وعَظِيم وقَديِر وخالِدُونَ بالبقرة ولا خلاف بينهم انه يجوز الوقف عليه والابتداء بما بعِده. شة وعروة بن الزبير والحسن وأكثر التابعين ومالك بن أنس ونافع والكسائي ويعقوب واختاره القراء والأخفش وأبو حاتم وابن كيسان وأبو عبيد وابن الانباري والطبري وأبو عبيده والبغوي وذهب قوم إلى أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه والواو للعطف وجملة يقولون في موضع الحال وهذا قول مجاهد والربيع ورواه غير طاوس عن ابن عباس واختاره ابن الحاجب وقال قوم حملنا المتشابه على ما استأثر الله بعلمه كمدة بقاء الدنيا ووقت قام الساعة وخواص

стр. 106

الأعداد كأعداد الزبانية أو ما دل القاطع على ان ظاهره غير المراد ولم يقم دليل على ما هو المراد منه فالاول وعليه الوقف على الجلالة وان حملناه على ما لا يتضح مقصوده لاجمال أو مخالفة ظاهره لمحكم ولا يتوصل إلى معناه بالفحص والنظر الدقيق وأتعاب القرايح والفهم الثاقب فالثاني وعلى هذا فخلاف الأولين في حال وترجع المسالة إلى الوفاق والله اعِلم، مثال التام الدّين ونَسْتَعين بالفاتحة ويُكَذّبون وَيَشْعُرُون وللِكَافِرِين والْخَاسِرُون وترجِعون بالبقرة ومثال الاتم الضَّالَّينَ بالفاتحة والْمُفُلحُونَ وعَظِيم وقَديِر وخالِدُونَ بالبقرة ولا خلاف بينهم انه يجوز الوقف عليه والابتداء بما بعِده. فصل في الوقف الكافي والاكفى هو ما وقفت عِلى كلام لا تعلق له بما بعده من جهة اللفظ بان يتصل الفاعل بفعله والمبتدأ بخبره والنعت بمنعوته والمفعول بفاعله والمستثنى بالمستثنى منه والتمييز بمميزه وغير ذلك من أبواب النحو وله تعلق به من جهة المعنى كتمام قصه أو وعد أو وعِيد أو حكم أو احتجاج أو إنكار أو الأحبار عن حال قوم وهو كالتام في جواز الوقف عِليه والابتداء بما بعده واحتج له الداني بما في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال لي النبي ﷺ أقرأ علي القرآن فقلت أقرأ عليك وعليك أنْزِلَ قال فإني أحب ان اسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت فَكَيفَ إذا جئْنَا مِنْ كُلّ أمةَ بِشَهيد وَجئنا بِكَ على هؤلاءَ شِهِيداً قال أمْسِكْ، فإذا عيناه تذرِ فان انتهى. وهو بالذال المعجمة وكسر الراء من ذرف الدمع بفتح الراء أي سال وهو استدلال ظاهر جلى باهر لان القطع ابلغ من الوقف وقد أمر به رسول الله ﷺ ابن مسعود عند انتهائه إلى شهِيداً والوقف عليه كاف وقيل تام والأول هو المشهور ومذهب

стр. 107

الجمهور وعليه اقتصر ابن الانباري والداني والُعماني والقسطلاني وغيرهم وهذا هو الظاهر لأن ما بعده مرتبط به من جهة المعنى لأن الآية مسوقة لبيان حال الكفار يوم المجيء حتى أنهم من شدة الهول وفظاعة الأمر يودون انهم كانوا ترابا وصاروا هم والأرض شيئا واحدا ولا يتم هذا المعنى إلا بما بعد يومئذ فلو كان الوقف عليه غير سايغ ما أمر به ﷺ مع قرب التام المجمع عِليه. منه وهو حديثا بعده، فمثال الكافي قَاموُا، وبِناَءً، ورزقاً لَكُمْ، والأنْهَار، وفوْقَهَا، ومِن رَّبِهِمْ، ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وجَمِيعاً، وسَمَاواتٍ، وصَادِقِين، ومثال الاكفىَ حَذرَ اَلْموتِ بسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ ومُتَشَابهاً، وكله بالبقرة وكثيرا ما يختلفون في التام والكاف فتقول جماعة انه تام وجماعة انه كافٍ وتارة يكون القول بالأول هو المشهور وتارة القول بالثاني وسبب ذلك كله اختلاف الأنظار في المعنى وكلما أختلُف فيه هل هو تام أو كاف إن لم نَقُلْ انه تام فهو اكفى ولا يكون الاتمِ ومثال المختلف فيه يُنْفِقُون، ويُوقِنُون، ولاَ يُؤْمِنُون، ويُكَذّبُون، ولا يَشعُرُون، ولاَ يَعْلَموُن، ويَعْمَهُون، ومُهْتَديِنْ، ولاَ يُبْصرُون، وبِالْكَافرِين، وتَعْلَموُنْ، وصَادِقِينْ، ولِلْكَافِرِينْ كله بالبقرة. فصل في الوقف الحسن والأحسن هو ما وقفت به على كلام مفيد في نفسه بحيث لو لم يذكر ما بعده لأُخذ منه معنى مفيد فان حصلت الفائدة كأَن أخذ الفعل فاعله والمبتدأ خبره والشرط جوابه فهو حسن فأن زادت الفائدة بذكر وصف أو غيره نحو احسن مثال ذلك الوقف على الْحَمْدُ للهِ، وعلى رَبّ الْعَالَمِين، وعلى الرَّحْمن، وعلى الرَّحِيمْ، وعلى إيَّاكَ نَعْبُدْ، وعلى

стр. 108

الْمُسْتَقِيمْ، وعلى عَلَيْهِمْ فيوقف على هذه الحاجة إلى ذلك كضيق النفس إلا أنه لا يبتدأ بما بعده لتعلقه بما وقفت عليه فإذا وقفت على الْحَمْدُ للهِ وابتدأت رب العالمين فقد فصلت بين النعت والمنعوت وابتدأت بمجرور ولا يجوز ذلك لأن المجرور معمول والعامل والمعمول كشيء واحد ولكنك إذا ابتدأت بشيء فقد عريته عن العوامل والمعرى عن العوامل اللفظية هو المبتدأ والمبتدأ مرفوع وهذا مخفوض إلا أن يكون الموقوف عليه راس آية فلا يعيد ما وقف عليه لأنهن في افسهن مقاطع ولان النبي (كان إذا قرأ قطَّع ويقف عليها ولم يفرق بين ما هو متعلق بما بعده وغيره بل جعل جماعة الوقف على رؤوس الاي سنة واستدلوا على ذلك بالحديث الذي رواه الترمذي وغيره من طرق متعددة وسنده صحيح إن النبي (كان إذا قرأ قطَّع قراءته أية أية يقول بسم الله الحمن الرحيم يقف ثم يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول ملك يوم الدين وإنما ذكروا هذا الحسن ليتسع الأمر على القاري فربما ضاقت نفسه قبل الوصول التام والكافي لا سيما من كان ضيق الحنجرة لا يستطيع إن يتكلم بكلام كثير في نَفَسٍ واحد فيقف على الجائز فهو أولى من الوقف على كلام لم تحصل لسامعه فائدة، غالاصل يندب للقاري الوقوف على الاتم فأن لم يمكنه ذلك أو يمكنه إلا انه بمشقة وتعب فعلى التام وإن لم يمكنه فعلى الاكفى، وإن لم يمكنه فعلى الكافي فأن لم يحصله فعلى الجائز ويعيد ما وقف عليه إلا إن يكون رأس آية ولا يعدل عن هذه إلى المواضع التي يكره الوقوف عليها إلا من ضرورة كانقطاع نفس ويرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده فأن لم يفعل عوتب ولا اثم عليه والله أعلم. فصل في الوقف القبيح والأقبح اعلم إن الوقف القبيح هو الوقف على كلام لا يفهم منه معنى مثل الوقف على بِسْمِ وعلى الحَمْدُ وعلى رَبّ وعلى مَلِكِ لخلو الأولين عن الفائدة وفصل الأخيرين عن المضاف إليه وهو

стр. 109

والمضاف كشيء واحد وهكذا كل ما لا يعرف المراد منه فيقبح في حق القاري الوقوف عليه واقبح من هذا ما يفسد المعنى لا يهامه خلاف المقصود كقوله تعالى وإنْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ ولأبَوَيْهِ إن وقف على أبويه لأنه يوهم إنْ النصف للبنت والأبوين وليس كذلك بل البنت لها النصف والأبوان لكل واحد منهما السدس على التفصيل المأخوذ من الآية فالوقف على النصف وهو أكفى ومثله إنما يَسْتَجِيبُ الَّذيِنَ يَسْمَعُونَ والْمَوْتَى إن وقف على الموتى إذ يوهم إن الموتى يسمعون وليس كذلك بل الموتى يستأنف وسواء جعلته مفعولا لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور أي ويبعث الله الموتى أو مبتدأ وما بعده خبر بل الوقف على يَسْمَعُونْ، وهو أكفى وقيل ومثله ومَا مِنْ دَابَّةٍ في الأرضِ ولا طَايرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إن وقف على بِجنَاحَيْهِ لأنه يوهم نفي وجود ما مشاهد وهو مكابرة وجحد للضرورة وليس بمراد بل المراد تشبيه هذه الحيوان الدابة والطائرة ببني آدم في ضبط أحوالها وتقدير أرزاقها وآجالها فهو دليل على كمال قدرة الله وعموم علمه وسعة تدبيره فيكون كالدليل لما قبله وهو قادر على أنْ يُنَزّل أيةً فالوقف على أمْثَالُكُمْ وهو كاف في غايته ومثله فَوَيْلٌ للْمُصَلِّينْ إن وقف عليه لأنه يوهم إن العذاب لكل مصل وليس للمصلين الموصوفين بما ذكر بعده وليس في سورة الماعون وقف إلا على المسكين وهو تام أو في آخرها وهو أتم وسئل النبي ﷺ عن قوله الذين عن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ فقال هم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وأقبح من هذا ما أوهم فساد المعنى وفيه سوء أدب مع الله تعالى كقوله تعالى فَبُهِتَ الذي كَفَر واللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الظالمين إن وقف على الجلالة إذ ما فيه من فساد المعنى وسوء الأدب ظاهر لا ينبغي لأحد التفوه به بل الوقف على كفر أو الظالمين وكل منهما أكفى، ومثله لِلذيِنَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخِرِةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولله المثل الأعلى إن وقف على ولله وقبحه حلي بل الوقف على السوء وهو أكفى أو تام على الأعلى وهو كاف ومثله إن الله لا يستحي بل الوقف

стр. 110

على فَوْقَهَا وهو أكفى وقيل تام وقال بعضهم يوقف على مَثَلاً وقيل على مَا وهو فاسد لارتباط الكلام بعضه ببعض كما لا يخفى. ومثل هذا في القبح أو أقبح منه أن يقف على النفي الذي يأتي بعده الإيجاب وفي الإيجاب إثبات وصف له جل وعلا أو لرسله عليهم الصلاة والسلام نحو فَاعْلَمْ أنهُ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ إن وقف على إلهَ وقبحه جلي بل الوقف على المؤمنات وهو تام ومثله ومَا مِنْ إلهَ إلا اللهُ إن وقف على اله بل الوقف على الجلالة وهو اكفى ومثله وَما أرْسلناك إلا مُبشِّراً ونَذِيراً إن وقف على أرسلناك لما يؤدي إليه من نفي رسالته (بل الو قف على نَذِيراً وهو تام ومثله ومَا أرْسَلْنَا من رَّسوُلٍ إلاَّ بلِسانِ قَوْمهِ ليُبَيِّنَ لَهُمْ إن وقف على رسول إذ يصير معناه يعِطي نفي رسالة جميع الرسل عِليهم الصلاة والسلام وقبح هذا جلي فأن دعته ضرورة إلى الوقوف على هذا وما ماثله وجب عليه أن يرجع ويبتدئ الكلام من أول وان تعمد ذلك أثِمَ وكان من الخطأ العظيم هذا إن سلم الاعِتقاد، والقلب مطمئن بالإيمان ووقع منه ما وقع بما لجهل أو عدم حضور وألا فقد خرج عن دين الإسلام أعاذنا الله من ذلك. فصل في الابتداء أعلم إن الابتداء يطلب فيه ما يطلب في الوقف فلا يكون إلا بمستقل بالمعنى موف بالمقصود يستفاد منه معنى صحيح بل هو آكد إذ اعتبار حسن مطالع الكلام وأوائله أولى من منتهاه وآخره ولأنه لا يكون ألا اختياريا بخلاف الوقف فربما ندعو إليه ضرورة، وتفاوت مراتبه كتفاوت مراتب الوقف من التام والأتم والكافي والأكفى فكذلك يكون الابتداء قبيحا كالوقف، وتفاوت مراتبه كتفاوت مراتب الوقف فلو وقف على مَرض، أو على ماَ، أو وعدَناَ اللهُ ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحا وبوَعدَنا اقبح منه وبما أقبح منهما وقد يكون من الابتداء أشد قبحا من الوقف كما إذا وقف على قالوا من
следующие страницы →