← Акыда

Акыда · id 1094

شرح العقيدة الطحاوية - عبد العزيز الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (416 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين

стр. 212

أما أعداء الله من الفلاسفة وغيرهم، فلهم تفصيلات في هذه الأصول الستة، وحقيقتهم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالملائكة ولا بالكتب ولا بالرسل ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره، ومعتقدهم في ذلك وتفصيلاته يؤجل إن شاء الله.فيما بعد. أصول الإيمان عند الفلاسفة سبق الكلام على أصول الإيمان عند أهل السنة، وأن أهل الحق يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأن هذه الأصول أصول الدين جاءت بها الرسل والكتب المنزلة، وأجمع عليها المسلمون، ومن أنكر شيئا منها فهو خارج عن ملة الإسلام، وليس في عداد المسلمين بإجماع المسلمين، لكن الفلاسفة المتأخرين أرسطو واتباعه وابن سينا ملاحدة زنادقة ينتسبون إلى الإسلام، وهم براء منه، وتأثر بهم كثير من أهل الكلام من المبتدعة وغيرهم، حتى إن ابن سينا يقدسه يعظمه كثير من الناس، ويسمونه الفيلسوف الإسلامي، وهو كما قال.. كما نقل عنه ابن القيم ﵀ في غزل الأحوال أنه قال: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي، والحاكم العبيدي رافضي خبيث، لا يؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولا القدر. فالفلاسفة ينتسبون إلى الإسلام، والإسلام بريء منهم، ولم يجرءوا على على إنكار أصول الدين صراحة؛ لأنهم لو أنكروا أصول الإيمان لعرف الناس كفرهم ووضح كفرهم، لكنهم لبسوا لأنهم منافقون ذنادقة يتسترون بالإسلام، فهم يثبتون هذه الأصول في اللفظ، يقولون: أصول الدين خمسة الإيمان بالله ويدخل فيها الإيمان بالقدر والإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب المنزلة والإيمان بالرسل والإيمان باليوم الآخر في اللفظ، لكن في الحقيقة لا يثبتون هذه الأصول، فهم لم يؤمنوا في الحقيقة بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا باليوم الآخر. أما إيمانهم بالله وهو أصل الدين، فمذهبهم أن الله -سبحانه- موجود وجودا مطلقا يعني موجود في الذهن لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم جزيئات بأعيانها إذ لو علم جزيئات للحقه الكلل والتعب من تصور تلك المعلومات، ولكان كاملا بنفسه لا بغيره، بل يعلم الكليات، والكليات أمر ذهني ولا يسأل عندهم بقدرته ومشيئته، وليس له صفة البتة لا يثبتون له السمع ولا البصر ولا العلم ولا القدرة، وليس العالم مخلوقا لله بمشيئته وقدرته، بل العالم عندهم لازم لله أزلا وأبدا، لا يستطيع انفكاكا عنه، فليس العالم مخلوقا بقدرته ومشيئته، بل العالم مقارن لله ليس متقدما عليه ينكرون أن يكون متقدما عليه في الزمان، بل هو مقارن له، وهو العلة المحرك لهذا العالم، وهو أول هذا العالم، والعالم ملازم لله أزلا وأبدا، فهو لازم له كلزوم النور للسراج هذا مذهبهم في الإيمان بالله، وحقيقة مذهبهم الإيمان بالله أنهم لم يثبتوا وجودا الله إلا في اللفظ، وفي الذهن فقط، لم يثبتوا ربا هذا رب الفلاسفة، ربهم معدوم لا وجود له؛ لأن الموجود لا بد أن يتصف بصفة ولا بد أن يكون له اسم وهؤلاء يسلبون جميع الأسماء والصفات، فتبين بهذا أنه لا وجود له إلا في الذهن، وفي اللفظ وأما الملائكة، فإنهم لا يثبتون الملائكة على أنهم أشخاص محسوسة، تنزل وتذهب وترى وتجيء، وتخاطب الرسول وتصفه عند ربها، وتكتب أعمال العباد ولها وظائف كما جاء في الكتاب والسنة، بل يقولون: إنها هي العقول، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا هي أشخاص تتحرك وتصعد وتنزل، وتدبر وتكلم وتكتب أعمال العبد، وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وإذا تقربوا إلى أهل الإسلام، وإذا تقرب بعضهم إلى أهل الإسلام قالوا: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد والشياطين، هي القوى الشريرة الرديئة هذا إذا تقربوا إلى أهل الإسلام، وإلا فإنهم يقررون أن الملائكة عبارة عن أشكال نورانية، يتصورها النبي في نفسها أشباح وأشكال نورانية، وإذا تقربوا إلى أهل الإسلام قالوا: هي أمور عقلية، فالأمور العقلية تبعث على الخير وعلى الإحسان وعلى الشجاعة وعلى الإيثار. والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة التي تبعث على الإيذاء وعلى الظلم وعلى الطغيان وعلى العدوان أمور عقلية ليست معنوية، هذا إذا تقربوا إلى أهل الإسلام وإلا فهم يقررون أنها أشخاص وأشباح وأشكال نورانية يتصورها النبي في ذاته، وأما الإيمان بالكتب فإنهم لا يثبتون الكلام لله ولا يثبتون أن الله تكلم بكلام أنزله على أنبيائه ورسله، ولم يكن لله كلام لا يثبتون لله كلاما ولا كتبا أنزلها، ولا يصفون الله بالكلام فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر، يعني أمورا معاني تفيض معاني، ليس بحرف ولا صوت معاني تفيض من العقل الفعال على قلب بشر ذاك النفس طاهر متميز عن النوع الإنساني متميز عن النوع الإنساني بخصائص.

стр. 213

وهذا هو الرسول، وهو الإيمان بالرسل، فلا يؤمنون بأن الله تعالى اصطفى أنبياءه ورسله، بل يقولون: إن الرسالة ليست هبة من الله وليست محنة، بل هي صنعة من الصناعات وكسب يكسبه الإنسان وسياسة من السياسات، ولها ثلاث خصائص ثلاث خصائص من توافرت فيه فهو نبي، فالنبي رجل عبقري متميز عن غيره بهذه الخصائص. الخصيصة الأولى قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم مما يناله غيره رجل ليس عاديا، بل هو رجل عبقري ذكي عنده سرعة الإدراك والحفظ لينال من العلم أكثر مما يناله غيره. الثاني الصفة الثانية: قوة النفس أو قوة التأثير، ليؤثر بها في سيول العلم بقلب صورة إلى صورة، يعني يكون عنده قوة تأثير يشبه الساحر بحيث يقلب ما ارتسم في ذهنك من صورة إلى صورة، وأنت لا تشعر من قوة تأثيره من قوة نفسه، فإذا ارتسم في ذهنك صورة كذا وكذا، نوعها كذا وكذا استطاع أن يقلبها من صورة إلى صورة بقوة تأثيره وقوة نفسه. الصفة الثالثة: قوة التخيل وقوة التخيل قوة التخيل، حتى يتخيل الملائكة الذين هم العقول، يتخيلهم في صورة شيء محسوس أمامه، كأن أمامه رجل يخاطبه، فيتخيل أن الملائكة أشخاص، وقد يقوى الوهم فيسمع أصواتا تخاطبه. جزى الله فضيلة الشيخ خيرا على ما قدم، وجعله في ميزان حسناته. وأما الإيمان بالكتب فإنهم لا يثبتون الكلام لله ولا يثبتون أن الله تكلم بكلام أنزله على أنبيائه ورسله، ولم يكن لله كلام، لا يثبتون لله كلاما ولا كتبا أنزلها، ولا يصفون الله بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر، يعني أمورا، معاني تفيض، معاني ليس بحرف ولا صوت، معاني تفيض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر متميز عن النوع الإنساني، متميز عن النوع الإنساني بخصائص، وهذا هو الرسول وهو الإيمان بالرسل، فلا يؤمنون بأن الله -تعالى- اصطفى أنبياءه ورسله، بل يقولون: إن الرسالة ليست هبة من الله، وليست محنة، بل هي صنعة من الصناعات، وكسب يكسبه الإنسان، وسياسة من السياسات، ولها ثلاث خصائص، ثلاث خصائص من توافرت فيه، فهو نبي، فالنبي رجل عبقري متميز عن غيره بهذه الخصائص. الخصيصة الأولى قوة الإدراك وسرعته؛ لينال من العلم أعظم مما يناله غيره، رجل ليس عاديا، بل هو رجل عبقري ذكي، عنده سرعة الإدراك والحفظ؛ لينال من العلم أكثر مما يناله غيره. الثاني... الخصيصة الثانية: قوة النفس أو قوة التأثير؛ ليؤثر بها في سيول العلم بقلب صورته إلى صورة، يعني يكون عنده قوة تأثير، يشبه الساحر بحيث يقلب ما ارتسم في ذهنك من صورة إلى صورة، وأنت لا تشعر من قوة تأثيره، من قوة نفسه، فإذا ارتسم في ذهنك صورة كذا وكذا، نوعها كذا وكذا، استطاع أن يقلبها من صورة إلى صورة بقوة تأثيره وقوة نفسه. الصفة الثالثة: قوة التخيل، وقوة التخييل قوة التخيل حتى يتخيل الملائكة الذين هم العقول، يتخيلهم في صورة شيء محسوس أمامه، كأن أمامه رجل يخاطبه، فيتخيل أن الملائكة أشخاص، وقد يقوى الوهم فيسمع أصواتا تخاطبه، وليس لذلك حقيقة، وقوة التخييل، يعني يستطيع أن يخيلها للآخرين، حتى يرونها ويسمعون خطابها، فإذا وجدت هذه الخصائص، فهو نبي، وقالوا: إن النبوة لا كل أحد يستطيع أن يدركها بالمراس والكسب والخبرة، وقالوا: إن النبوة ليست بالدرجة العالية، بل هناك ما هو أعلى منها؛ لأن النبوة سياسة العامة، ولكن الفلسفة أعلى منها لأنها سياسة الخاصة، ولهذا فإن بعض الفلاسفة لا يرضون بها بالنبوة، ويقولون هي مرتبة ليست عالية، وإنما أعلى منها الفلسفة، ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب ابن هود وابن سبعين وغيرهما، هذا إيمانهم بالرسل، فالرسول أو النبي رجل عبقري، توفرت فيه هذه الخصائص، أما وهذه الخصائص أي تحصل بالاكتساب، ولهذا طلب النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين وابن هود وأضرابهما، قالوا والنبوة صنعة من الصنائع، بل من أشرف الصنائع كالسياسة، بل هي سياسة العامة عندهم، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول الفلسفة نبوة الخاصة، والنبوة فلسفة العامة. وأما الإيمان باليوم الآخر، فهم من أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في الأعيان وفي الخارج، فعندهم أن هذا العالم لا يخرج، ولا تنشق السماوات، ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم، ويبعثون إلى جنة ونار، وكل هذا عندهم لا حقيقة له، بل هي أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل، يقول هذه من تخييلات هذا العبقري من سياسته، فيسوس الناس ويخبر أن هناك بعث وجزاء وجنة ونار حتى يتعايش الناس بسلام، وحتى لا يعتدي أحد على أحد، هذا من سياسته، وهو يكذب، لكن يكذب لهم ولا يكذب عليهم، قالوا: لا بأس هو يكذب لهم، ولا يكذب عليهم.

стр. 214

فرق بين من يكذب لك، ومن يكذب عليك، فهو يكذب للناس لأجل مصلحة الناس، وإلا فليس هناك بعث ولا جزاء ولا نشور ولا جنة ولا نار، هذا مذهب الفلاسفة في أصول الإيمان، وبهذا يتبين أنهم ملاحدة زنادقة، ينتسبون إلى الإسلام نفاقا، فيكون من المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، ونعوذ بالله إذا ماتوا على ذلك، نسأل الله السلامة والعافية. الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. يعني هذه الأصول هي أصول الدين أصول الإيمان وأركان الإيمان، من لم يؤمن بها فهو كافر خارج من ملة الإسلام، الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالقدر خيره وشره. نعم.

стр. 215

ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين

стр. 216

ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله

стр. 217

ولا نجادل في القرآن

стр. 218

ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 219

ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين

стр. 220

ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله

стр. 221

فيقولون: لا نطلق عليه.. لا نعطيه اسم الإيمان المطلق، ولا نسلبه مطلق الإيمان، فلا يعطى الإيمان المطلق، فلا يقولون: هو مؤمن ولا يقولون: ليس بمؤمن، عند أهل السنة العاصي كالزاني والسارق وشارب الخمر، ماذا يقولون له؟ يقولون: مؤمن، ما يقولون: مؤمن ويسكتوا، ولا يقولون: ليس بمؤمن، لا بد من التقييد في الإثبات والنفي، فإذا أثبت تقول: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي النفي ما تقول: ليس بمؤمن وتسكت، تقول: ليس بمؤمن حقا، ليس بصادق الإيمان، فالعاصي ومرتكب الكبيرة عند أهل السنة إذا قلت: مؤمن وسكت تكن مخطئا، وإذا قلت: ليس بمؤمن، وسكت تكن مخطئا، ماذا تعمل؟ قيد في النفي وفي الإثبات، في الإثبات تقول: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ضعيف الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، في النفي ليس بصادق الإيمان ليس بمؤمن حقا، أما الأدلة والمناقشات والردود يأتي الكلام عليها فيما بعد -إن شاء الله- ستسجل فيما بعد. أهل الكبائر، أهل الكبائر، حكم أهل الكبائر والفساق والعصاة وأهل البدع من أهل القبلة ومذاهب الناس فيهم، قلنا: إن للناس في هذا مذاهب سبق استعراض المذاهب. وإن المذهب الأول مذهب المرجئة، تنفي التكفير نفيا عاما، فتعمم النفي والسلب، فتقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، وهذا قول غلاة المرجئة، ولهم شبة ومن شبههم وأدلتهم عموما نصوص الوعد. نصوص الوعد، مثل: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق) ومثل حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) . ومثل حديث البطاقة، وفيها: (يؤتى برجل فيخرج له تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر سيئا، ثم يخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة) ومنها أحاديث الشفاعة كحديث: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وحديث أبي هريرة: (أنه قال للنبي ﷺ من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه) . ويناقش المرجئة في قولهم: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يناقش أصل مذهبهم أولا، نقول: قولكم: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، يرد عليه بأمرين: الأمر الأول: أن في أهل القبلة المنافق، أن في أهل القبلة المنافقين الذين يتظاهرون بالشهادتين، ويتجهون إلى القبلة في الصلاة والذبح، ويتظاهرون ببعض ما يمكنهم إظهاره من شعائر الإسلام، وفيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ فقولكم: لا نكفر من أهل القبلة أحدا بذنب، يلزمكم أن لا تكفروا المنافقين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، هم من أهل القبلة. ثانيا: أنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمة، أو المحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا؛ لأنه أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، أنكر وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب الحج، أو أنكر تحريم الزنا أو تحريم الربا، فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا، ويرد أيضا عليهم بنصوص الوعيد، فإن نصوص الوعد تدل على بقاء الإيمان معهم، ونصوص الوعيد تدل على أن الإيمان يضعف وينقص، فقولكم: لا يتأثر إيمانه، هو كامل الإيمان، باطل ترده نصوص الوعيد. المذهب الثاني: مذهب الخوارج والمعتزلة، يطلقون التكفير، فيكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنبا ما ليس بذنب، فإنهم يقولون: يكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترة، ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه الارتداد عندهم مالا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهم، وكفروا أهل صفين الطائفتين، في نحو ذلك من المقالات الخبيثة لهم، ومستندهم شبهتهم نصوص الوعيد، مثل حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) .

стр. 222

فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) ﴾ ويرد عليهم أولا بنصوص الوعد التي استدل بها المرجئة، فيرد على الخوارج بنصوص الوعد التي استدل بها المرجئة، فإنها تدل على بقاء الإيمان تدل على بقاء الإيمان، وأنهم لا يكفر، كما أنه يرد على المرجئة القائلين بأنه مؤمن كامل الإيمان بنصوص الوعد التي استدل بها الخوارج، تدل على أن الإيمان يضعف وينقص، ويرد أيضا على الخوارج في تكفيرهم أهل الكبائر، نقول: إن الله أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرا مرتدا لوجب قتله، ولا يقام عليه الحد؛ لأن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إسلام وزنا بعد إحصان وقتل نفس يقتل بها) وأمر الله بجلد الزانيين وجلد القاذف، وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر، ولم يقتله، فلو كان من ارتكب الكبيرة كافرا؛ لوجب قتله، ولا تقام عليه الحدود، ويرد عليهم أيضا بالإجماع الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة وانتحلوا دعوة الإسلام من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال، فلو كان الزاني والسارق وشارب الخمر كافرا لما ورث، لما ورث من أقاربهم المستقيمين، فكونهم يرثون يدل على أنهم ليسوا كفارا، كما يقول هؤلاء الخوارج، ويرد عليهم أيضا أنه ثبت أن النبي ﷺ نهى عن لعن رجل يشرب الخمر، وكان اسمه حمارا، وكان يضحك النبي ﷺ وكان كلما أتي به إليه جلده، فأتي إليه مرة فلقيه فلعنه رجل، فقال النبي ﷺ (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) فنهى عن لعنه في عينه، وشهد له بحب الله ورسوله مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها) لكن بالخصوص بعينه لا يلعن، ويرد عليهم -أيضا- بأن الله -تعالى- قال: ﴿وَإِنْ طائفتان مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقد وصفهم الله بالإيمان والإخوة، وأمر بالإصلاح بينهم مع أنهم يقتتلون، وهذا من الكبائر، والقتال من الكبائر، فدل على أن على أن الكبيرة لا تخرجه من الإسلام. الطائفة الثالثة: الذين يفرقون بين البدعة بين الأقوال المبتدعه بين البدعة وبين الأقوال وبين الأعمال، فيقولون: إذا ارتكب إذا ارتكب بدعة، أو قال قولا مبتدعا، فإنه يكفر أما إذا أما إذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب، فإنه لا يكفر. فيفرقون بين الأعمال وبين الاعتقادات البدعية، وهذا ينسب إلى طوائف من أهل الكلام والفقه والحديث، يفرقون بين الأعمال وبين الاعتقادات البدعية، فلا يكفرون الذين يعملون الكبائر ويكفرون أصحاب الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها متأولا، فيقولون يكفر من قال هذا القول، يكفر من قال هذا القول لا يفرقون بين مجتهد بين مجتهد مخطئ وغيره، أو يقولون يكفر كل مبتدع، شبهتهم قالوا: إن البدعة مظنتها البدعة مظنتها النفاق والردة، فهي أصل البدع، مظنتها النفاق والردة، فهي أصل وسببه، فحملوا النصوص على هذا، وقالوا إنه إذا ارتكب بدعة أو قال قولا مبتدعا يكفر، أما إذا فعل كبيرة عملية فلا يكفر. ويرد عليهم. أولا أن البدع الاعتقادية من جنس الأعمال، لا فرق بينها، فإن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا، لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال: إن إيمانه يحبط بمجرد ذلك الاعتقاد أو العمل بغير دليل شرعي، بل هذا يوافق قول الخوارج والمعتزلة، ولا يقال: لا يكفر، بل يفرق بين المقالة والقائل. ثانيا: أن نصوص كثيرة قد دلت على أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وهذا يشمل الاعتقادات والأعمال، ولهذا فإن مذهب أهل السنة: ألا يقال لا نكفر أحدا بذنب، ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بكل ذنب، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب الذين يعممون السلب، فيقولون يكفر بكل ذنب أو بكل ذنب كبير.

стр. 223

ثالثا: سلك أهل السنة مسلكا عدلا، هو الوسط، وهو الفرق بين الأقوال والقائل المعين، فالأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفى ما أثبته الله ما أثبته الرسول، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر به، يقال فيها الحق ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال من قالها فهو كافر، وهذا عام لا يعين شخصا بعينه كالقول بخلق القرآن والوعيد في الظلم في النفس والأموال، فيقال من قال بخلق القرآن، فهو كافر، وأما الشخص المعين، فلا نشهد عليه أنه من أهل الوعيد، وأنه كافر إلا بأمر تجوز معه الشهادة، كأن يعلم بأنه منافق، أو ينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويستتاب فلا يتوب؛ لأن الحكم عليه بالكفر بدون دليل من أعظم البغي، من أعظم البغي أن نشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه، بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت، كما بوب أبو داود في سننه باب النهي عن البغي، وذكر فيه قصة الرجلين المتواخيين من بني إسرائيل أحدهما مذنب والآخر مجتهد في العبادة فالشهادة ...إلى آخر الحديث، وأن المجتهد كان يأتي المذنب، ويقول: (اتق الله فرآه يوما على ذنب، فقال له: اتق الله فغضب المذنب، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا، فقال المجتهد: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال: من ذا الذي تألى علي ألا أغفر لفلان إني قد غفرت له، وأحبطت عملك، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) . فالشهادة على المعين بالكفر من البغي. وثانيا: لأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له. وثالثا: يمكن أن يكون لم يبلغه ما وراء ذلك القول من النص من النصوص، فيكون معذورا لجهله بالنصوص. ورابعا: يمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر الله للذي قال: (إذا مت فاسحقوني، ثم أذروني) ثم غفر الله له من خشيته، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته أو شك في ذلك. وهذا في الصحيحين قصة الرجل الذي من بني إسرائيل الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في البحر لما حضرته الوفاة جمع أهله وأخذ عليهم العهد والميثاق أن يحرقوه ويذروه، وقال: (إن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا) وفي بعض ألفاظ الحديث أنهم سحقوه وأحرقوه، وأنه قال: (ذروا بعضي في البحر وبعضي في البر، ففعلوا ذلك فأمر الله البحر فجمع ما فيه، والبر فجمع ما فيه، فقال: قم فإذا هو قائم قال الله: ما حملك على ذلك، قال: خشيتك) قال: في الحديث (فما تلافاه بل رحمه) قال العلماء: إن هذا الرجل إنما فعل ذلك عن جهل ليس معاندا ولا مكذبا ولا متعنتا، ولكن فعله عن جهل، وحمله على ذلك الخوف العظيم، أما لو أنكر البعث أو أنكر ثم أيضا، هو لم ينكر البعث، بل هو معترف مقر بالبعث، ولم ينكر قدرة الله، لكن ظن أنه إذا وصل إلى هذه الحالة وأحرق وسحق وذري في البحر والبر، إنه يفوت على الله، وإلا فهو معترف ومصدق بأنه لو ترك على حاله لبعثه الله. وإن الله يقدر عليه، لكن هذه مسألة دقيقة خفيت عليه، ولهذا قال العلماء: وأن من أنكر أمرا دقيقا مثله يجهله؛ يكون معذور فلا يكفر في هذه الحالة، أما لو كان متعمدا أنكر البعث متعمدا عن عناد وعن تكذيب، فهذا لا شك في كفره، لكن هذا الرجل ما فعل ذلك عامدا ولا متعنتا، ولكن فعل ذلك عن جهل، وحمله عليه الخوف العظيم، فلهذا ما يحكم على الشخص المعين بالكفر إلا بعد التثبت ومعرفة حاله. وخامسا: قد يكون حديث الإسلام، وحديث عهد بالإسلام، قد يكون نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام، ولكن التوقف في أمر الآخرة في أهل البدع لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه، إذا كان مستحقا للقتل، ثم إذا كان القول في نفسه كفرا، قيل: إنه كفر، والقائل له يكفر إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، أما معتقد أهل السنة والجماعة، فكما سبق أنهم لا يكفرون بالكبائر كما يفعل الخوارج والمعتزلة أو الخوارج، ولا يخرجونهم من الإيمان كما تفعل الخوارج، ولا يقولون: إنه كامل الإيمان كما تقول المرجئة، بل يقولون: إنه مؤمن، يثبتون له أصل الإيمان، وينفون عنه مطلق الإيمان، يثبتون أصل الإيمان، وهو مطلق الإيمان، وينفون عنه الإيمان المطلق، فيقولوا مطلق الإيمان ثابت له، والإيمان المطلق منفي عنه، فلا بد من التقييد، فيقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن عاص، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وكذلك في النفي لا ينفون عنه الإيمان، ويسكتون، بل لا بد من التفصيل ليس بصادق الإيمان، ليس بمؤمن حقا، كما هو الأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنة والله أعلم.

стр. 224

ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله

стр. 225

نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفوا عنهم

стр. 226

ويدخلهم الجنة برحمته

стр. 227

وقال بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده، فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده، فهو خارجي، ومن عبده بالرجاء وحده، فهو مرجئي، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، والله أثنى على المؤمنين الذين يعبدونه بالخوف والرجاء فقال -سبحانه- من الأدلة على مدح الله وثنائه على من جمع بين الخوف والرجاء قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) ﴾ وقول الله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقائماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) ﴾ وقد دلت الادلة على مدح أهل الخوف والخشية والرهبة والثناء عليهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ﴾ وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) ﴾ وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ﴾ وقد مدح الله أهل الإحسان مع الخشية والخوف، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) ﴾ . ومن السنة ما في المسند والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: (قلت: يا رسول الله، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال لا يابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه) قال الحسن ﵀ عملوا والله بالطاعة واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا. نعم. الأسباب التي تسقط بها عقوبة جهنم عن فاعل السيئات ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم. وهناك أسباب تسقط بها عقوبة جهنم عن فاعل السيئات، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة، يعني المؤمن، هناك أشياء إذا فعلها إحدى عشر تسقط بها عقوبة جهنم عنه. الأول: التوبة: والتوبة النصوح هي الخالصة، وهي الخالصة لا يختص بها ذنب دون ذنب، وكون التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها مما لا خلاف فيه بين الأمة، وليس شيء يكون سببا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة، قال الله تعالى: ﴿* قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) ﴾ وهذا لمن تاب. وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين، وقال بعدها: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ وقال بعدها: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ . الثاني: السبب الثاني الاستغفار، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) ﴾ لكن الاستغفار تارة يذكر وحده وتارة يقرن بالتوبة، فإن ذكر وحده دخلت معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار، والتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، فكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق. وأما عند الاقتران، وأما عند اقتران أحدهما بالآخر، فيفسر الاستغفار بطلب وقاية شر ما مضى، والتوبة تفسر بالرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ونظير هذا الفقير والمسكين والإثم والعدوان والبر والتقوى والفسوق والعصيان والكفر والنفاق والإيمان والإسلام، كل هذه الأمور إذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى. الثالث: الحسنات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال ﷺ (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) . رابعا: المصائب الدنيوية، وفي الحديث ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه. خامسا: عذاب القبر، يعني قد يعذب الإنسان في قبره ثم تسقط عنه عقوبة جهنم.

стр. 228

سادسا: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة، وبعد الممات، قد يكون الإنسان مستحقا للعذاب، ثم يغفر الله له بسبب دعاء المسلمين واستغفارهم له. سابعا: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج أو نحو ذلك، إذا أهداه صدقة تصدق عنه، قد تسقط عنه عقوبة جهنم. ثامنا: أهوال يوم القيامة وشدائده، قد يخفف عنه تسقط عنه عقوبة جهنم، تصيبه أهوال وشدائد في موقف القيامة، فتسقط بها عقوبة جهنم عنه. تاسعا: اقتصاص المؤمنين بعضهم من بعض، حينما يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار بعد عبور الصراط إذا كان لك مظلمة على شخص، ثم أخذت حقك قبل دخول الجنة سقطت عنه عقوبة جهنم. عاشرا: شفاعة الشافعين قد يشفع له، فلا يدخل جهنم. حادي عشر: عفو أرحم الراحمين، قد يعفو الله عن بعض الناس بدون شيء، عفوه أرحم الراحمين من غير شفاعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ويعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، وإذا كان كذلك فلا يقطع لأحد معين من الأمة بالجنة أو النار، إلا من شهد له الرسول ﷺ لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين نعم اقرأ العبارة قبل الآخر نعم.

стр. 229

ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم

стр. 230

الأسئلة: س: فضيلة الشيخ يكثر السؤال عن رؤية الملائكة ربهم في الدنيا. ج: لا يرى الله أحد في الدنيا لا الملائكة ولا غيرهم ما يستطيع أحد يرى الله ما سمعت الحديث الذي مر مر ذا الحديث حديث أبي ذر: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) الملائكة خلق من خلقه أو لا؟ كذلك لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه الملائكة وغيرهم ، الله -تعالى- لا يراه أحد في الدنيا في اليقظة، لكن في النوم يمكن أما في اليقظة فلا يراه أحد، ما يستطيع أحد، ولا يستطيع أحد أن يثبت لرؤية الله، لما تجلى الله للجبل ماذا حصل للجبل؟، تدكدك وهو صخر جبال، الجبل الأصم القاسي تدكدك، فكيف بالمخلوق الضعيف. نعم. س: أحسن الله إليكم، هل ثبت في الكرسي حديث صحيح؛ لأن بعض العلماء يقول: إن أثر ابن عباس أخذه عن بني إسرائيل. ج: نعم حديث قوله: (الكرسي هوعلمه) هذا ما في الصحيح، أما قوله: (الكرسي موضع القدمين) يحتمل نقله ولكن ليس بصحيح، العلماء اعتمدوا هذا، ولكن سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن باز -وفقه الله- كان يرى أنه يحتمل أن يكون أخذه من بني إسرائيل، وعلى هذا نقول: الكرسي مخلوق دون العرش، العرش مخلوق والكرسي مخلوق، أما العلماء كالدارمي وغيره، فهم اعتمدوا ما ثبت عن ابن عباس، أنه قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله) نعم. أما ما ورد عن ابن عباس أن الكرسي هو علمه، فهذا لم يثبت حقا ليس بصحيح الكرسي ليس هو العلم. نعم. س: أحسن الله إليكم، يقول: إن التفكر في عظم خلق العرش والكرسي يورث الخشية لله تعالى، فهل يصح أن يجعل الإنسان في ذهنه صورة تخيلية لهما. ج: ما دام الكرسي والعرش مخلوق ما يضر الكلام، لا ينبغي لك أن يعني تبحث في كنه الصفات، كنه ذات الرب كنه الصفات، أما المخلوقات لك أن تتصور ما تشاء، المخلوقات لا بأس مخلوق عظيم، لكن ما نعرف ما نعلم العرش مخلوق من أي شيء ما ندري ذات العرش، ما ندري ما ندري، هل هو حديد ولا ذهب ولا فضة ولا رصاص ولا هواء؟ ما ندري الله أعلم، إذا كان المخلوق ما ندري كيفية كنه ذلك، كيف بالخالق وكيف بصفاته، لكن تخيل أنه مخلوق عظيم، وأنه مقبب فوق العرش، وأنه سقف هذه المخلوقات إذا تخيلت ما يضرك التخيل، المخلوقات تخيل منها ما تشاء، لكن ليس لك أن يعني تشبه الخالق، وتمثل الخالق بشئ من مخلوقاته. ولا تكيف ذاته ولا تكيف صفاته . نعم. س: أحسن الله إليكم هل محبة الرسول ﷺ لذاته أم لله تعالى. نعم. ج: يقول هل محبة الرسول ﷺ لذاته أو لله تعالى، محبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله، تابعة لمحبة الله، الذي يجب لذاته هو الله ، أما محبة الرسول فهي تابعة لمحبة الله، ومحبة المؤمنين كذلك، لكن محبة الرسول ينبغي أن تكون فوق محبة الأولاد فوق محبة النفس التي بين جنبيك، هكذا. نعم هذا هو الأكمل، وهذا هو الأفضل، أما إذا أحب أحدا أكثر، يعني قدم محبة غيره على محبة الرسول، يكون هذا نقص، نقص وضعف في الإيمان كما توعد الله من قدم شيئا من ذلك ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) ﴾ فمن قدم محبة الأبناء أو الأباء أو التجارة أو المساكن على محبة الله ورسوله فهو فاسق ضعيف الإيمان، فالكمال أن تقدم محبة الله ورسوله على كل شيء. نعم. س: أحسن الله إليكم يقول: إن العلو يختلف في الاتجاه بحسب كل إنسان على سطح الأرض فتكون جهة العلو في كل اتجاه ما هو توجيهكم لهذا القول. ج: نعم العلو ما كان فوق السماوات والأرضين الأفلاك بل الأفلاك كلها مالها إلا جهتان جهة علو وجهة سفل مالها إلا جهتان مثل الأرض الآن الأرض كروية الشكل الأرض هكذا كروية الشكل مثل أيش، مثل الحبحب من كل جهة الحبحب لها جهتان جهة العلو وجهة السفل، فهذه جهة العلو من جميع الجهات، فأنت هنا وفيه شخص هنا هو يتصور أنك تحته

стр. 231

وأنت تتصور أنك تحته، وهو يتصور أنك تحته، وكلكم على في العلو، كلكم على وجه الأرض، أما السفل فهو المركز في وسط الأرض بحيث لو انخرق من هنا خرق، وانخرق من هنا خرق، ونزل من هنا ونزل من هنا التقت رجلاهما في مركز واضح، هذا إذ الأرض والسماء ما لها إلا جهتان، جهة العلو والسفل، أما المخلوق المتحرك أنا وأنت والمخلوقات المتحركة لها ستة، أنا لي ست جهات أمام وخلف ويمين وشمال وفوق وتحت، هذا يكون لمن هذا للمخلوقات المتحركة، أنا الآن المسجد الآن أمامي هنا، فإذا تغيرت صار هذا هو الخلف وهذا هو الأمام على حسب الحركة، وإذا تغيرت صار هذا الأمام وهذا الخلف. المخلوقات المتحركة لها ست جهات فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف، أما المخلوقات الثابتة السماوات والأراضين والأفلاك كلها ما لها إلا جهتان العلو والسفل، فالعلو ما كان على سطحها جميع الجهات هذا هو العلو، والسفل محط الأثقال بحيث إنه لو كان إنسان هنا وإنسان هنا، ثم خرق خرق من هنا، وخرق خرق من هنا التقت رجلاهما في المركز الذي هو محط الأثقال واضح، هذا لكن هذا على وجه الأرض، وفيه آخر على وجه الأرض هنا، أنت تتصور أنه تحتك، وهو يتصور أنت تحته، والواقع أنت على وجه الأرض، وهو على وجه الأرض، أنت في العلو، وهو في العلو، لكن هذا تتصورأنه تحتك لماذا لأنك متحرك بحيث لو انتقلت من مكان لآخر جئت هنا، صار بالعكس فأنت تتصور أنه تحتك، وهو يتصور أنت تحته، والواقع أن كلا منكما في العلو واضح هذا، فالجهات الأفلاك السماوات والأرض ما لها إلا جهتان العلو والسفل، وأما الحيوانات المتحركة هي التي لها ست جهات: فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشمال، وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 232

والأمن والإياس ينقلان عن الملة وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة

стр. 233

فاليائس اليائس من روح الله، يدعو الإنسان إلى عدم العمل؛ لأنه لا يرجو رحمة الله، فهو يرى أنه هالك، فلا فائدة في العمل، فلا يعمل وكذلك الآمن من مكر الله ليس عنده خوف، ليس عنده خوف يحسه على العمل، فالأمن من مكر الله إذا لم يكن عند الإنسان خوف، فلا يعمل ولا يبالي يفعل الجرائم والمنكرات ولا يبالي ولا يؤدي الواجبات، ولا ينتهي عن المحرمات؛ لأنه ليس عنده خوف يحجزه، وكذلك اليائس المتشائم يرى أنه هالك، وأنه لا يفيده أي عمل، فلا يعمل، فلا يؤدي الواجبات ولا ينتهي عن المحرمات، وإذا صدق اليائس من روح الله، إذا كان عنده إيمان وتصديق بالقلب. وكذلك الآمن من مكر الله، لا يفيده التصديق بالقلب الإيمان والتصديق بالقلب لا يفيد وحده؛ لأنه لا بد لهذا التصديق من عمل يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، إبليس مصدق قال رب أنظرني فرعون مصدق وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم لكن لا يعمل إبليس لم يعمل ليس عنده عمل امتنع عن السجود وفرعون ليس عنده عمل، فكونه يعرف ربه بقلبه تصديق مجرد هو المعرفة، كونه يعرف ربه بقلبه ولا يعمل، لا يكون هذا إيمانا؛ لأن الإيمان والتصديق بالقلب، لا بد له من إنقياد من إنقياد بالجوارح بالعمل حتى يتحقق هذا الإيمان، كما أن الذي يعمل يصلي ويصوم ويحج، لا بد لهذا العمل من تصديق في الباطن يصحح هذه الأعمال، وإلا صار كإسلام المنافقين المنافق يعمل، ولكن ليس عنده إيمان يصحح عمله فبطل عمله وإبليس وفرعون كلا منهما مصدق بالباطن وعارف، لكن لم يتحقق هذا التصديق بعمل ليس عندهم عمل. ولذلك صار اليائس من روح الله ما يعمل لأنه يرى أنه هالك، لا يؤدي الواجبات ولا يمتنع عن المحرمات، والآمن من مكر الله ليس عنده شيء من الخوف، فلا يعمل؛ لأنه لا ليس عنده شيء من الخوف إطلاقا، والذي ليس عنده شيء من الخوف لا يعمل لا يؤدي الواجبات، ولا يمتنع عن المحرمات، ولو زعم أنه يحب الله، وأنه مصدق، ما يكفي هذا لا بد من الخوف والرجاء، لا بد من الخوف حتى لا يكون الإنسان آمنا من مكر الله، ولا بد من الرجاء حتى لا يكون الإنسان يائسا من روح الله، فإذا فقد الخوف صار آمنا من مكر الله، وإذا فقد الرجاء صار يائسا من رحمة الله ولا يتم التوحيد والإيمان إلا بالمحبة والخوف والرجاء؛ ولهذا أثنى الله على عباده؛ لأنهم يعبدونه بالخوف والرجاء، قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧) ﴾ ويرجون رحمته ويخافون، رجاء وخوف، وقال سبحانه ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ هذا الخوف والرجاء الطمع هو الرجاء ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) ﴾ وقال سبحانه لما ذكر الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل واليسع وهود، قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ هذا الرجاء ورهبا هذا الخوف، فإذا فقد الخوف وفقد الرجاء لم يكن هناك إيمان لا يكون هناك إيمان، ولا يكون هناك توحيد، التوحيد والإيمان لا بد فيه من ثلاث أركان. الركن الأول: المحبة في القلب، والمحبة ما تكون إلا عن تصديق. والثاني: الخوف الذي يحجب الإنسان عن محارم الله وعن الشرك. الركن الثالث: الرجاء الذي يحمل الإنسان إلى الطمع يدعو الإنسان إلى الطمع في ثواب الله وفي رحمة الله، فإذا لم يكن عنده خوف صار آمنا من مكر الله، لا يبالي بالمعاصي ولا بالكفر، وإذا كان يائسا من روح الله صار متشائما قانطا مسيئا للظن بالله، فلا يعمل لأنه يرى أن العمل لا يفيده، لأنه يرى أنه هالك وكونه يعبد الله بالتصديق بالحب فقط، هذا لا يكفي، ولهذا قال العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، هذه طريقة الصوفية من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، يعني خارجي من الخوارج خارجي، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، إذا لا بد من المحبة والخوف والرجاء، ولهذا يقول العلامة ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: وعبادة الرحمن غاية حبه *** مع ذل عابده هما له قطبان وعليهما فلك العبادة دائر *** ما دار قام حتى دارت القطبان

стр. 234

فإذا عبادة الرحمن هي العبادة غاية الحب مع غاية الذل، وغاية الحب مع غاية الذل لا بد فيها من العبادة، يعني يتعبد الله بغاية الذل مع غاية الحب، فالذليل هو الخاضع لله الخائف الذي يتعبد لله، وهو ذليل والآمن من مكر الله ما ليس عنده ذل ما عنده ذل كما أن اليائس من رحمة الله أيضا ليس عنده طمع في ثواب الله، فكيف يكون مؤمنا، ولهذا اختار الأمن من مكر الله ينقل عن ملة الإسلام وكذلك اليأس من روح الله ينقل من ملة الإسلام، والحق بينهما بين الخوف والرجاء سبيل الحق لأهل القبلة بين الرجاء والخوف، وأن تعبد الله بالحب والخوف والرجاء تكون خائفا من الله حتى لا تسترسل في المعاصي، وتكون راجيا رحمة الله وثوابه حتى لا تيأس من روح الله، فلا بد من التعبد لله بالمحبة والخوف والرجاء وهذا هو معنى قول المؤلف: والأمن والإياس ينقلان من ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة. نعم.

стр. 235

ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه

стр. 236

كم نوع خمسة أنواع، لكن بشرط أن يكون الإنسان لم يفعل هذا ليس جاهلا جهلا يعذر فيه لو فعل الإنسان شيئا، وهو جاهل ما يدري كما لو عاش في بلاد بعيدة، ولا عرف أن الربا حرام، وأنكر تحريم الربا ما يكفر حتى يعرف يعرف، وتقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة كفر، أما إذا كان مثله لا يجهل هذا إنسان يعيش بين مسلمين، وأنكر ما يقبل منه، وقال أنا جاهل ما يقبل منه لا بد أن يكون مثله، يجهل هذا كذلك أيضا لا بد من القصد قصد الفعل، وقصد القول يقصد السجود للصنم، يقصد أن يتكلم بهذه الكلمة ولا يشترط أن يعتقد بقلبه، لو ما اعتقد بقلبه يشترط أن يكون قاصدا لهذا الفعل، أما إذا كان جرى على لسانه ما قصد، كقصة الرجل الذي فقد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة الدهشة، ومن شدة الفرحة، (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) يخاطب ربه، هل هذا قاصد ليس قاصد جرت على لسانه من غير قصد بسبب الدهشة، ما قصد القول لا بد أن يكون قاصدا لو جاء إنسان، ووضع رأسه أمام صنم، ما رأى الصنم، ولا علم أنه صنم ليستريح، جبهته ورأسه وجعه فوضعها، يؤلمه فوضعها على الأرض، ما قصد ما علم أنه الصنم هذا، ما قصد، لكن إذا قصد السجود للصنم كفر بهذا العمل، ولو لم يجحد بقلبه، انتبهوا لهذه المسألة العظيمة. ترى فيه وفي أناس كثير الآن يقررون مذهب المرجئة، بعض العلماء الآن يقررون مذهب المرجئة، يقولون: لا يكون الكفر إلا بالقلب، ولا يكون الإيمان إلا بالقلب ويرجعون الجهل، ويرجعون النطق، يقولون: إذا سجد للصنم ما يكون كافرا، لكن هذا دليل على الكفر، دليل على ما في القلب إذا كان قلبه مكذبا صار كافرا، وإلا السجود ما هو كفر، السجود دليل على الكفر، إذا سب الله وسب الرسول، يقول هذا ليس بكفر، لكن دليل الكفر دليل على ما في قلبه، هذا قول المرجئة، يقول السجود نفس السجود كفر، ليس دليل على الكفر، نفس القول والسبب هو الكفر، نفس الشك كفر، انتبهوا لهذا. فالذي يقول: إن القول دليل الكفر، أو يقول: السجود للصنم دليل الكفر، هذا قول المرجئة المرجئة ما يكون عندهم كفر إلا ما كان في القلب يرجعون إلى القلب والإيمان، لا يكون إلا في القلب والكفر لا يكون إلا في القلب، وهذا غلط، الإيمان يكون تصديق في القلب وقول باللسان، النطق بالشهادتين كما سيأتي -إن شاء الله- في صفحة الإيمان بعده، ويكون أيضا عمل بالجوارح وبالقلب. والكفر أيضا كما سبق يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالعمل، ويكون بالشك، ويكون بالترك والإعراض هذه المسألة مسألة مهمة، ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة منها، هذا هو قول الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء وجماهير أهل العلم، أما القول بأن الكفر لا يكون إلا بالجحود، والإيمان لا يكون إلا بالقلب هذا هو غلط، غلط فيها المرجئة. والمرجئة طائفتان، كما سيأتي مرجئة محضة، الجهمية وغيرهم، ومرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه، كلهم غلطوا في هذا، والمؤلف الطحاوي مشى على قول المرجئة: الكفر لا يكون إلا بالقلب: والإيمان لا يكون إلا بالقلب، وهذا غلط كبير، وهناك من العلماء في العصر الحاضر من يقرر هذه المسألة في أشرطة وفي مؤلفات، يقررون مذهب المرجئة، يقولون: الإيمان لا يكون إلا بالقلب، والسجود للصنم إن هذا دليل على الكفر إذا كان القلب مكذبا صار كافرا، وإلا نفس السجود ما يكون كفرا، إذا سب الله وسب الرسول، هذا دليل على ما في قلبه ليس كفرا، ننظر إلى قلبه إن كان مكذبا جاحدا كفرناه، وإلا نقول هذا ليس بكفر هذا غلط كبير. نعم.

стр. 237

والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان

стр. 238

المذهب الخامس: مذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية، ذهبوا إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب، أي معرفة الرب بالقلب، والكفر هو الجهل بالرب، يعني هو جهل الرب بالقلب، مذهب الجهم يقول الإيمان معرفة الرب بالقلب، إذا عرف ربه بقلبه، فهو مسلم، وإذا جهل ربه بقلبه فهو كافر، وهذا القول أظهر فسادا مما قبله أفسد ما قيل، وأظهر ما قيل في الفساد في مسمى الإيمان، هو مذهب الجهم ويلزم عليه، أي يلزم على مذهب الجهم أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا ربهم بقلوبهم، وعرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بصائر﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) ﴾ فيكون إذا فرعون على مذهب الجهم مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه. وأيضا أهل الكتاب اليهود والنصارى مؤمنون على مذهب الجهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، فقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ . وهؤلاء كفرة بإجماع المسلمين، ومع ذلك يلزم على مذهب الجهم أن يكونوا مؤمنين كذلك أبو طالب عم النبي ﷺ يكون مؤمنا عند الجهم، لأنه عرف ربه حيث قال في قصيدته المشهورة. ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحا في ذاك مبينا بل إن إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان، فإنه لم يجهل ربه بل هو عارف بربه قال الله تعالى عن ابليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) ﴾ إذا ابليس عارف بربه. فيكون مؤمنا على مذهب الجهم، والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب، الكفر عند الجهم، هو أن يجهل ربه بقلبه، يقول العلماء: ولا أحد أجهل من الجهل بربه، فإنه جعل ربه الوجود المطلق، ومعنى الوجود المطلق الذي لم يقيد باسم ولا صفة، لم يثبت وجودا لله الجهم إلا فى الذهن؛ لأنه سلب عن الله جميع الاسماء والصفات، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون الجهم كافرا بشهادته على نفسه يكون الجهم كافرا من تعريفه، نأخذ من تعريفه أنه كافر؛ لأنه عرف الكفر: هو الجهل بالرب ولا أحد أجهل منه بربه، حيث جعل ربه الوجود المطلق الذي لا اسم له ولا صفة، فيكون الجهم كافرا بشهادته على نفسه. المذهب السادس: مذهب الخوارج يقولون: الإيمان جماع الطاعات كلها جميع الطاعات كلها إيمان، لكن من قصر في واحد منها كفر إذا عق والديه كفر، إذا شهد الزور كفر، إذا ترك طاعة من الطاعات خرج من الإيمان، ودخل في الكفر. المذهب السابع: مذهب المعتزلة قالوا: الإيمان جماع الطاعات كلها، كما قال الخوارج، لكن قالوا من قصر عن شيء منها فهو فاسق، لا مؤمن ولا كافر. المذهب الثامن: روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد، وتوقف في نقصانه، ولكن روى عنه عبد الرازق بن نافع أنه يزيد وينقص، وعلي هذا فمذهبه يوافق مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد لله. والخلاصة في المذاهب في مسمى الإيمان: إنها ترجع إلي أن الإيمان هو إما أن يكون ما يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، وهذا مذهب السلف والأئمة وأهل السنة والجماعة. المذهب الثاني: ما يكون بالقلب واللسان دون الجوارح، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وكثير من أصحابه، وهذا المشهور عن الإمام أبي حنيفة وهذا الذي ذكره الطحاوي. المذهب الثالث: الإيمان ما يكون بالقلب وحده، وهو المعرفة وهذا مذهب الجهم أو التصديق، وهو مذهب الماتردية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة، أو ما يكون باللسان، وهو مهذب الكرامية، طيب الأحناف الآن، الآن الأحناف أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإيمان هو التصديق، الآن النزاع الآن بين جمهور أهل السنة وبين أبي حنيفة وأصحابه. أما المذاهب الأخرى باطلة معروفة، مذهب الخوارج ومذهب المعتزلة ومذهب الجهم هذه المذاهب باطلة، لكن الذي يحصل به اللبس والاشتباه ولا سيما في هذا الزمن اشتبه على كثير من طلبة العلم حتى صاروا يفتون بمذهب الجهم، بعض العلماء أو بعض المحدثين في هذا العصر يفتي بمذهب أبي حنيفة بمذهب المرجئة، ويقول الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، والكفر هو ما يكون إلا في القلب. فلا بد لطالب العلم أن يكون على إلمام وبصيرة بشبه، لهم شبه من شبه الإمام أبي حنيفة، الأدلة التي استدلوا بها لهم أدلة، الدليل الأول للإمام أبي حنيفة للمرجئة على أن الإيمان لا يكون إلا بالقلب، قالوا: الإيمان في اللغة.

стр. 239

الدليل الأول: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، الدليل إذا قالوا: اللغة دليلهم، اللغة العربية معني الإيمان هو التصديق إذا لا يكون الإيمان إلا بالقلب، قالوا عندنا دليلنا اللغة، الإيمان هو التصديق بالقلب، قال الله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدق لنا، ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك. إذا الدليل الأول قالوا: عندنا المعني اللغوي للإيمان هو التصديق، والدليل الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي بمصدق، إذا الإيمان هو التصديق، فلا يكون التصديق إلا بالقلب، أما قول اللسان وأعمال الجوارح، فلا تدخل في مسمى الإيمان أجاب الجمهور عن هذا الدليل بجوابين أحدهما بالمنع، والثاني بالتسليم. الجواب الأول بالمنع، قالوا: نمنع الترادف بين التصديق والإيمان، ولو صح الترادف في موضع، فلا يوجب ذلك الترادف مطلقا، إذ أن هناك فرقا بين الإيمان والتصديق من وجوه، أولا التعدية أنه يقال للمخبر إذا صدق المخبر في خبره صدقه، وصدق به، ولا يقال: آمنه ولا آمن به، بل يقال آمن له، كما في قوله تعالى: ﴿* فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ . الثاني: العموم والخصوص بين الإيمان والتصديق، فإن التصديق أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه، فإن التصديق يستعمل لغة في الخبر عن الشاهد والغائب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب. الوجه الثالث: أن لفظ التصديق يقابله التكذيب، وأما لفظ الإيمان فيقابله الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل هو أعم من ذلك، يشمل الكفر عن تكذيب، وعن جهالة وعن عناد. الجواب الثاني: جوابهم بالتسليم، قال أهل السنة: نسلم أن التصديق والإيمان مترادفان، لكن نقول: أولا: التصديق يكون بالأفعال كما يكون بالأقوال، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه) وقال الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في الصدور وصدقه الأعمال. ثانيا: سلمنا أن الإيمان والتصديق مترادفان لكن الإيمان تصديق مخصوص، كما أن الصلاة وإن كانت دعاء، فهي دعاء مخصوص. ثالثا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن التصديق التام بالقلب مستلزما لأعمال القلب والجوارح. رابعا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن لفظ الإيمان باق على معنى التصديق لغة، لكن الشارع زاد في أحكامه. خامسا: سلمنا أن الإيمان هو التصديق، لكن الشارع استعمل لفظ الإيمان في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية في معناه الشرعي، هو حقيقة شرعية. سادسا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن الشارع نقل لفظ الإيمان عن معناه اللغوي إلي معناه الشرعي، هذا كل الجواب عن الدليل الأول للأحناف. الدليل الثاني للأحناف على أن الإيمان هو التصديق، ولا يكون إلا بالقلب، قالوا: الإيمان ضد الكفر، الإيمان هو ضد الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود، والتكذيب والجحود لا يكون إلا بالقلب، فكذلك التصديق لا يكون إلا بالقلب، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فدلت الآية على أن القلب هو موضع الإيمان. أجاب الجمهور قالوا: قولكم: إن الكفر هو التكذيب والجحود ممنوع، فإن الكفر لا يختص بالتكذيب والجحود، بل أن الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، ولا الكفر التكذيب والجحود فقط، فلو قال أنا أعلم أن الرسول صادق، ولكن لا أتبعه، بل أعاديه وأبغضه وأخالفه لكان كافرا، ولو لم يجحد كان كافرا أعظم الكفر. الدليل الثالث: هو الدليل العقلي قال الأحناف الإيمان لو كان الإيمان مركبا من قول وعمل كما تقولون يا جمهور أهل السنة، لو كان الإيمان مركبا من قول وعمل لزال كله بزوال أجزائه، إذ الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة، فإنه إذا زال بعضها لم تبقى عشرة، وكذلك الأجسام المركبة، إذا زال أحد جزئيه زال عنه سوء التركيب، فإذا كان الإيمان مركبا من قول وعمل وتصديق وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها. أجاب الجمهور إن أردتم أن الحياة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت فمسلم، ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء، بل يلزم زوال الكمال كما أن بدن الإنسان إذا ذهب منه إصبع أو يد أو رجل لم يكن ليخرج عن كونه إنسانا بالاتفاق، وإنما يقال إنسان ناقص، فكذلك الإيمان يبقي بعضه ويزول بعضه. الدليل الرابع للأحناف: قالوا: إن الله تعالى فرق في كتابه بين الإيمان والعمل الصالح، فعطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، فقال تعالى في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فدل على أن العمل لا يكون داخلا في مسمى الإيمان.

стр. 240

أجاب الجمهور بأن اسم الإيمان ورد في النصوص على ثلاث حالات: تارة يذكر مطلقا عن العمل وعن الإسلام، وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فإذا ذكر الإيمان مطلقا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كما في حديث شعب الإيمان، وإذا قرن الإيمان بالعمل الصالح، وعطف عليه، فإن عطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراكهما في الحكم، والمغايرة على مراتب أعلاها أن يكونا متباينين. الثاني: أن يكون بينهما تلازم. الثالث: عطف بعض الشيء عليه. الرابع: عطف الشيء على الشيء باختلاف الصفتين، فهذا كله إذا قرن الإيمان بالعمل الصالح هناك أيضا. من أدلتهم دليل أيضاً خامس للأحناف، وهو حديث أبي هريرة استدلوا بحديث أبي هريرة، قال: (جاء وفد ثقيف إلي رسول الله- ﷺ فقالوا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص فقال لا الإيمان مكمل في القلب زيادته كفر ونقصانه شرك) ووجه الدلالة قالوا: هذا يدل على أن إيمان أهل السماوات والأرض سواء، وأن الإيمان الذي في القلوب، لا يتفاضل، وإنما التفاضل بينهم يكون بالعمل فقط. أجاب الجمهور بأن هذا الحديث لو صح لكان فاصلا في النزاع، لكن هذا الحديث كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ من رواية أبي الليث السمرقندي إلى أبي المطيع إلى أبي المهزم، سئل عنه الشيخ عماد الدين بن كثير، فأجاب بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي المطيع مجهولون، لا يعرفون، وأبو المطيع هو الحسن بن عبد الله بن الصرفي البلخي، وقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والبخاري وأبو داواد والنسائي وأبو حاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وعمرو بن على الخلاف، وأما أبو المهزم فقد ضعفه غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، واتهمه شعبة بالوضع، حيث قال لو أعطي فلسين لحدثهم سبعين حديثا، فهذا الحديث باطل، بل هو موضوع، كيف يستدل الأحناف بمثل هذا وأهل السنة، استدلوا بأدلة كثيرة تدل على هذا، تدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أدلة كثيرة، لا حصر لها منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ جعلهم مؤمنين بهذه الأعمال حصر المؤمنين بالذين توجل قلوبهم عند ذكر الله مع الأعمال، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) ﴾ ومنها قوله ﷺ (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) كل هذه شعب بضع وسبعون شعبة، كلها إيمان ومنها حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إلي النبي ﷺ وسألوه عن الإيمان قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) جعل هذا كله من الإيمان. حديث جبريل كذلك ذكر فيه الإيمان والإسلام، كذلك الأدلة كذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾

стр. 241

﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) ﴾ من السنة قوله ﵊ (النساء ناقصات عقل ودين) والدين إذا أطلق كالإيمان يشمل الإسلام كله، الأعمال كلها، وكذلك أيضا الأحاديث الأخرى والآثار عن الصحابة قول أبي الدرداء: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص، ومنه قول عمر لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا، فيذكرون الله تعالى، وكان ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها، وكان معاذ بن جبل يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة، وكذلك روي مثله عن عبد الله بن رواحة، وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: (ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه والإنفاق من إقتار وبذل السلام للعالم) ذكره البخاري في صحيحه معلقا، هذه كلها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص. نعم. (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان) هذا مذهب أبي حنيفة وهو مذهب المرجئة، وهو قول باطل أن الصواب أن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، هذا هو الذي عليه الصحابة والتابعون وأهل السنة والجماعة.

стр. 242

وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من الشرع والبيان كله حق

стр. 243

الناس لهم في تلقي النصوص طريقتان طريقة أهل السنة وطريقة أهل البدع، فمنهج أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة في تلقي الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة يقسمون الأخبار قسمين: متواتر وآحاد؛ فيقولون إن المتواتر وإن كان قطعي السند، فهو غير قطعي الدلالة؛ لأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين والعلم، ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات. وأما الآحاد فقالوا: إنها أخبار الآحاد لا تفيد العلم واليقين، فلا يحتج بها من جهة متنها كما لا يحتج بها من جهة السند، فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسماءه وصفاته وأفعاله، ثم أحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وأما أهل السنة فإنهم يتلقون النصوص ويقبلونها ولا يعدلون عن النص الصحيح ولا يعارضونه بمعقول من المعقولات ولا بقول فلان عملا بقول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . وخبر الواحد متي يفيد اليقين والعلم؟ يفيد خبر الواحد العلم اليقيني عند جماهير الأمة إذا تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا، وليس بين سلف الأمة في ذلك نزاع، وهو أحد قسمي المتواتر إذ المتواتر قسمان ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إلي أن ينتهي للمخبر عنه، وأسندوه إلي شيء محسوس سماع أو مشاهدة لا اجتهاد، والثاني خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، والتفصيل في هذا يأتي إن شاء الله، فيما بعد نعم.

стр. 244

والإيمان واحد وأهله في أصله سواء

стр. 245

والتفاضل بينهم بالخشية والتقي ومخالفة الهوي وملازمة الأولى

стр. 246

الثمرة الرابعة والمهمة: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فمرجئة الفقهاء من الأحناف يقولون: لا يجوز لك أن تستثني، حرام أن تقول أنا مؤمن إن شاء الله، لأنك تشك في إيمانك، تعرف نفسك أنك مصدق، فكيف تشك؟ فإذا قالوا: إن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو شاك في إيمانه، من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو شاك في إيمانه؛ لأن الإيمان هو التصديق أن تعرف نفسك أنك مصدق كما تعرف نفسك، أنك تحب الرسول، وأنك تبغض اليهود، هل تشك في إيمانك؟ هل تشك في الشيء الموجود؟ . قالوا: لا يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومن قال أنا مؤمن إن شاء الله، فهو شاك في إيمانه، ويسمون أهل السنة الشكاكة، أما أهل السنة والجماعة، هم قالوا: المسألة فيها تفصيل، يجوز الاستثناء في الإيمان في بعض الأحوال، ولا يجوز في بعض الأحوال، فإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصده الشك في أصل إيمانه، وهو التصديق فهذا ممنوع. أما إذا قال: إن شاء الله، وقصده الاستثناء راجع إلي الأعمال أعمال الإيمان، الواجبات كثيرة، والمحرمات كثيرة، فلا يجزم الإنسان بأنه أدى ما أوجب الله عليه، ولا يجزم الإنسان بأنه ترك كل ما حرم الله عليه، ولا يزكي نفسه، فهو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن الأعمال متشبعة كثيرة، لا يجزم بأنه أدى كل ما عليه، بل هو محل للتقصير والنقص، ولا يجزم بأنه ترك كل ما حرم الله عليه، بل قد يقترف شيئا من ذلك، فهو يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأنه لا يزكي نفسه؛ ولأن أعمال الإيمان متشعبة، فلا بأس أن يقول: إن شاء الله، كذلك إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله، وقصده تعليق الأمر بمشيئة الله للتبرك باسم الله، فلا حرج، وكذلك إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وأراد عدم علمه بالعاقبة، فلا بأس أما إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصده الشك في أصل إيمانه، فهذا لا يجوز. وبهذا يتبن أن الخلاف بين الأحناف والجمهور له ثمرة، كذلك أيضا مما يتعلق بالإيمان مسألة الإسلام أيضا الإسلام، والخلاف في مسماه، الناس اختلفوا في مسمى الإيمان على ثلاثة أقوال: طائفة قالت: الإسلام هو الكلمة، أي الشهادتان، وهذا مروي عن الزهري، وبعض أهل السنة قالوا الإسلام هو الكلمة، والإيمان هو العمل، المذهب الثاني: طائفة قالوا الإسلام والإيمان مترادفان، وهذا مروي عن بعض أهل السنة، ويتزعمهم البخاري، وهو أيضا ذهب إليه الخوارج والمعتزلة. المذهب الثالث: أن الإسلام هو العمل والإيمان هو التصديق والإقرار، جعلوا الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، واستدلوا بحديث جبريل، والصواب في المسألة أن الإيمان والإسلام تختلف دلالتهما بحسب الإفراد والاقتران، فإذا أطلق الإسلام وحده دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا اجتمعتا، فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، فإن جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان فسره بالأعمال الباطنة. هذا هو الصواب أن الإسلام إذا أطلق وحده دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، أما الأدلة والمناقشات يأتي الكلام عليها إن شاء الله. قلنا إن الناس في مسمى الإسلام لهم أقوال: القول الأول: من يقول: إن الإسلام هو الكلمة والإيمان هو العمل، يقول: مسمى الإسلام هو الكلمة، يعني الشهادتين، وهذا مروي عن الزهري وبعض أهل السنة، قالوا الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قالوا فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه هو المقتصد، هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم. والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه، ولكن وجهة نظر الزهري هي أن من أتي بالشهادتين صار مسلما، يتميز عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين. والزهري لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها؛ فإن الزهري أجل من أن يخضع لذلك، ولهذا فإن أحمد ﵀ في أحد أجوبته لم يجب بهذا، خوفا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة، وقد رد محمد بن نصر على من قال بهذا القول، فقال من زعم أن الإسلام هو الإقرار، وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة، فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من الإسلام كحديث جبريل، وفيه بني الإسلام على خمس، وذكر الأعمال الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج.

стр. 247

وأما الاستدلال بالآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ فليس فيها ما يدل على أن الإسلام هو مجرد الشهادة، وإنما فيها تقسيم الناس إلي مسلم ومؤمن ومحسن، فهذا موافق لحديث جبريل. المذهب الثاني القول الثاني القائلون من يقول: إن الإسلام مرادف للإيمان، وهذا يروي عن طائفة من أهل السنة ومنهم البخاري ﵀ ذهب إلي هذا في صحيحه في كتاب الإيمان، وذهب إلي هذا أيضا الخوارج والمعتزلة، وعلى هذا فيكون يشمل الأعمال كلها، فالإسلام والإيمان عندهم واحد، وعلي هذا القول يذهب التفاوت والمقامات، احتج هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) ﴾ وجه الدلالة أن الله وصفهم بالإيمان والإسلام، وهم أهل بيت واحد، فدل على أنهما مترادفان، وأجيب بأن الآية لا حجة فيها لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان، ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما، وقالوا: إن حديث جبريل لما سأله النبي ﷺ عن الإسلام قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله) قالوا: معني أن تشهد أن لا إله إلا الله، قالوا: على التقدير تقدير شعائر الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله لا مسماه، لكن يجاب بأن الأصل عدم التقدير. ومما أيضا يناقش به أهل هذا القول أنهم قالوا: الإسلام والإيمان مترادفان، ثم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب، وقالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد؛ فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة. ومن شبههم أنهم قالوا: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام، وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان كما في حديث جبريل، وحديث وفد عبد القيس، فحديث جبريل فسر الإسلام بالأعمال، وفي حديث عبد القيس فسر الإيمان بالأعمال، فإنه سأل ما الإيمان؟ قال: (الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده، شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان) وأجيب بأن الإسلام إذا أطلق وحده دخل فيه الأعمال، والإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الأعمال، أما إذا اجتمعا فيفرق بينهما. ومما يدل مما يشمل الفرق بين الإسلام والإيمان قول الله تعالى: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فنفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام، وهذا يدل على الفرق، وأما تسمية أحدهما بمسمى الآخر، فإنما يكون عند إفراد أحدهما، فيدخل فيه الآخر، وعند اجتماعهما يفرق بينهما، وأيضا يشهد الفرق بينهما حديث جبريل، فإنه فرق بينهما. وأما اعتراضهم على الآية آية الحجرات على الاستدلال بالآية، بأنما نقول: أسلمنا انقدنا ظاهرا، فهم منافقون في الحقيقة؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان، هذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية، وهو جواب البخاري ﵀ أجاب بأن هذه الآية في المنافقين، لكن أجاب الجمهور بأن القول الآخر في الآية، وهو أرجح من القول الذي أخرجوه أنهم ليسوا مؤمنين كاملي الإيمان، بل هم ضعفاء الإيمان، لا أنهم منافقون كما نفي الإيمان عنهم، كما نفى عن القاتل والزاني والسارق ومن لا أمانة له. ويؤيد هذا القول سياق الآية من وجوه، فإن سورة الحجرات من أولها إلي هنا في النهي عن المعاصي وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين، وكذلك أيضا ما قبل الآية وما بعدها حيث إن الله أثبت لهم الإيمان وأثبت لهم وقال: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ﴾ أثبت لهم طاعة لله ولرسوله ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ والمنافقون ليس لهم طاعة، لا تعتبر طاعة وليس لهم عمل حتى ينقص ثوابهم، ثم قال في آخر الآيات ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ فأثبت لهم الإسلام ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم الإسلام. القول الثالث المذهب الثالث: قول بعض العلماء جعلوا الإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، واستدلوا بحديث جبريل حينما أجاب النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام والإيمان حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأصول الخمسة، وأجيب بأن هذا عند الاقتران عند اقتران الإسلام بالإيمان.

стр. 248

والراجح والصواب في هذه المسألة أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان يختلف مسماهما عند الأفراد وعند الاقتران، فإذا قرن أحدهما بالآخر، فإنه فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر كما في حديث وفد عبد القيس إذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أطلق الإسلام وحده شمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال الباطنة، كما حديث جبريل. هذا هو الصواب وهو الراجح، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة أن الدلالة تختلف بالتجريد والاقتران، ومن فهم هذا انجلت عنه إشكالات كثيرة في كثير من المواضع التي حاد عنها كثير من الطوائف، فإن الإسلام أصله هو الانقياد والطاعة والإيمان، أصله هو ما في القلب من الاعتقاد وحقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينا، إذا خضع وذل. ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون ما سواه، والإسلام هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم فالإسلام في الأصل من باب العمل عمل القلب وعمل الجوارح، وأما الإيمان فأصله التصديق والإقرار، أصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب. والأصل فيه التصديق والعمل تابع له، فلهذا فسر النبي ﷺ الإيمان بإيمان القلب وخضوعه وفسر الإسلام بالأعمال. نعم.

стр. 249

والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن

стр. 250

والأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والأعمال داخلة في مسمى الكفر، استدل جمهور أهل السنة على هذا بأدلة كثيرة، منها قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) ﴾ فأثبت لهم إيمانا مع الشرك، والمراد بالشرك الذي لا يخرج من الملة، وهو الأصغر فدل على اجتماعهما في المؤمن، ومنها قوله تعالى: ﴿* قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فأثبت لهم إسلاما، أي طاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم فدل على اجتماعهما، والمراد بالإيمان المنفي عنهم الإيمان المطلق الذي هو الكامل الذي يستحقون به الوعد الكريم من دخول الجنة والنجاة من النار، وإن كان معهم أصل الإيمان الذي يخرجهم من الكفر. ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ فهذه الأدلة تدل على تفاضل الناس في الإيمان وفي الكفر والنفاق الذي هو مبني في تفاضلهم في ولاية الله وفي تفاضلهم في عداوة الله، وأن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه وقسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه. ومن الأدلة ما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان، وإذا عاهد غدر) فدل على أن من الناس من يكون معه إيمان وفيه شعبة من النفاق، وقال ﷺ (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لا يخلد في النار، وإن كان معه الكثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من النفاق أو الشرك أو الكفر، ثم يخرج من النار. والمراد من الكفر والنفاق الشرك الأصغر، أما الأكبر فإنه ينافي الإيمان، ومنها ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية، فقال يا رسول الله، أعلى كبر سني. قال: نعم) وأبو ذر من خيار المؤمنين، ومع ذلك صار فيه شيء من الجاهلية، وثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهم الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم) فدل على وجود هذه الخصال في المؤمنين من هذه الأمة. وذكر البخاري عن ابن أبي مليكة أنه قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه) وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وفي صحيح مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) فدل على أنه يكون في المؤمن النفاق، وأنه قد يجتمعان في المؤمن قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ فجعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، وهم مخلطون وكفرهم أقوى، وغيرهم يكون مخلطا وإيمانه أقوى، فهذه الأدلة كلها تدل على أنه يجتمع في الشخص الواحد شيء من شعب الإيمان، ومن شعب الكفر، ومن شعب النفاق، فيكون عدوا لله بحسب ما فيه من الشعب، ويكون وليا لله بحسب ما فيه من الإيمان.
следующие страницы →