ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر
стр. 284
الجواب الأول: قالوا: نحمل قراءة الجر على المسح على الخفين، ونحمل قراءة النصب على غسل الرجلين مكشوفتين؛ لأن القراءة مع القراءة كالآية مع الآية، قالوا عندنا قراءتان قراءة النصب ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين، وقراءة الجر ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ محمولة على المسح على الرجلين المستورتين بالخف، أو الجورب فعلى هذا قراءة النصب محمولة على غسل الرجلين المكشوفتين، وقراءة الجر محمولة على المسح على الخفين.
الجواب الثاني: التوسع في لفظ امسحوا؛ فإن لفظ امسحوا في اللغة العربية يشمل المسح، ويشمل الغسل، ومعنى امسحوا المسح: يطلق على الغسل، يطلق على الإسالة والإفاضة وصب الماء، ويطلق على المسح كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، تمسحت: يعني توضأت بالماء، فالمسح يطلق ويراد به الصب والإفاضة، ويطلق، ويراد به المسح، فنقول: إن كلمة امسحوا في اللغة العربية يشمل الأمرين، فنقول: امسحوا برءوسكم إصابة إصابة، وامسحوا بأرجلكم إسالة، وإفاضة، وكلمة امسحوا في اللغة العربية شاملة للأمرينن، كما تقول العرب تمسحت للصلاة؛ لأن امسحوا: المسح في اللغة العربية يطلق على الغسل، ويطلق على المسح الخاص، فالمعنى امسحوا برءوسكم إصابة بإمرار اليدين على العضو مبلولة بالماء، وامسحوا برءوسكم إسالة وصبا للماء، الرافضة ماذا أجابوا على قراءة النصب؟
الرافضة قالوا: نجيب على قراءة النصب ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قالوا: أرجلكم معطوفة على محل برءوسكم؛ لأن رءوسكم محلها النصب إذا نزعت الخافض، الأصل ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فإذا حذفت الباء صارت وامسحوا رءوسكم، قال الرافضة: نقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ معطوفة على محل رءوسكم، والمعطوف على المنصوب منصوب.
أجاب أهل السنة: بأن العطف على المحل لا يجوز إلا إذا لم يتغير المعنى، وهنا يتغير المعنى، لا يجوز لغة العطف على المحل، شرطه أن لا يتغير المعنى إذا اختل المعنى، فلا يجوز، وهنا يختل المعنى إذا حذفت الباء تغير المعنى؛ لأن الباء تفيد معنى زائدا على المسح، وهو إمرار اليد على العضو مبلولة بالماء؛ لأن الباء للإلصاق، والمعنى ألصق بيدك شيئا من الماء، ثم امسح به الرأس، فإذا حذفت الباء وقلت: امسحوا رءوسكم دلت على أنك تمسح الرأس بدون ماء، وهذا يغير المعنى، وإذن، فلا يصح. أما لو كان لا يتغير المعنى، فيصح، ومثال ذلك قول الشاعر:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا ***...................
الباء زائدة هنا يجوز أن تعطف على المحل، وتذكر المعنى، فلسنا الجبال، ولا الحديدان لكن الباء في الآية الكريمة ليست زائدة، بل هي تفيد معنى زائدا، وهو الإلصاق، وهو أن تلصق شيئا من الماء بيدك، فتمرها على الرأس، فإذا حذفت الباء تغير المعنى، وصار المعنى إمرار يدك على الرأس بدون ماء، وبهذا يبطل دعوى الرافضة.
والرافضة يقولون: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ يقولون: المراد بالكعبين في كل رجل كعب واحد، وهو العظم الذي هو مجتمع الساق والقدم في ظاهر القدم، وأما أهل السنة فيقولون في كل رجل كعبان، وهما العظمان الناتئان من جانب القدم، كل رجل كعبان، لو نظرت إلى رجليك الآن تجد عظمين ناتئين من اليمين، ومن الشمال العظمان الناتئان، هما الكعبان، الرافضة أنكروا أن يكون في كل رجل كعبان.
قالوا: ليس في كل رجل إلا كعب واحد، ما هو هو هذا العظم الذي بين مجتمع الساق والقدم، وهو عظم خفي ليس بارزا، لكن قال العلماء هذا غلط ليس في كل رجل كعب، بل في كل رجل كعبان بدليل القاعدة المعروفة اللغوية التي تقول: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا.
معنى هذه القاعدة مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، المرافق قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قابل الجمع بالجمع، أيدي جمع والمرافق جمع، فقابل الجمع بالجمع، فالقسمة تقتضي آحادا تقتضي أن لكل يد مرفق، قابل الجمع بالجمع، أيديكم إلى المرافق، المرافق مجموعة، والأيدي مجموعة.
عند القسمة: كل يد لها مرفق، لكن هل قال في الرجلين، وأرجلكم إلى الكعاب، أو قال إلى الكعبين؟ إلى الكعبين. لو كان في كل رجل كعب كما تقول الرافضة لقال الله وأرجلكم إلى الكعاب؛ لأن مقابلة القسمة بالقسمة تقتضي آحادا، فلما قابل الله الجمع بالتثنية، دل على أنه في كل رجل كعبان، وفي كل يد مرفق. واضح هذا؟.
وبهذا يبطل مذهب الرافضة في القول في وجوب مسح ظهور القدمين، وعدم وجوب المسح على الخفين، والصواب ما عليه أهل الحق من أن الرجلين تغسلان، إذا كانتا مكشوفتين؛ فإن كانتا مستورتين بجورب، أو بالخف؛ فإنه يمسح عليهما إذا وجدت الشروط. نعم.
стр. 285
والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء، ولا ينقضهما
стр. 286
ثم أيضا الله تعالى قد عاب في كتابه من يدعو، ولا يستجاب له دعاؤه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) ﴾ ومن دعا، ومن خاطب معدوما كانت حالته أسوأ من حال من خاطب موجودا، وإن كان جمادا، فمن دعاء المنتظر الذي لم يخلقه الله، كان ضلاله أعظم من ضلال هولاء الذين يعبدون الأصنام؛ لأن الذين يعبدون الأصنام يشاهدون أمامهم، وأيضا تدخل الشياطين، وتخاطبهم، وتجيب بعض الطلبات، فهم منتفعون، لكن الذي يخاطب معدوما لا ينتفع لا دنيا، ولا دين، ثم أيضا هذا المهدي المنتظر الذي يدعون إليه لا سبيل إلى معرفته، ولا معرفة ما يأمر به، وما ينهى عنه، فإن كان أحدهم لا يصير سعيدا إلا بطاعة هذا الذي لا يعرف أمره، ولا نهيه لزم أن لا يتمكن أحد من طريق النجاة والسعادة وطاعة الله، وهذا من أعظم تكليف ما لا يطاق، وهم من أعظم الناس إحالة له، وإن قيل إذا خرج؛ فإنه يأمر بما عليه الإمامية إذا لا حاجة إلى وجوده، ولا شهوده؛ فإن هذا معروف سواء كان حيا، أو ميتا، وسواء كان شاهدا، أو غائبا.
وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكنا، بدون هذا الإمام المنتظر علم أنه لا حاجة إليه، ولا يتوقف عليه طاعة الله، ولا نجاة أحد، ولا سعادته، وحينئذ يمتنع القول بجواز إمامة مثل هذا، فضلا عن القول بوجوبه، وهذا أمر بين لمن تدبره، ولكن الرافضة من أجهل الناس. نعم.
стр. 287
ونؤمن بالكرام الكاتبين؛ فإن الله قد جعلهم علينا حافظين
стр. 288
ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين
стр. 289
ومن الأدلة -أيضا- قول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ﴾
وفيه ثلاثة أدلة:
أحدها: وصفها بالرجوع.
الثاني: وصفها بالدخول.
الثالث: وصفها بالرضى.
فهذه ثلاثة عشر دليلا، ومن السنة قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) ففيه دليلان:
أحدهما: وصفه بأنه يقبض. الثاني: أن البصر يراه، وهذا شأن الجسم.
ثانيا: قوله ﷺ (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة) فيه دليلان:
أحدهما: كونه طائرا.
الثاني: تعلقها بشجر الجنة وأكلها.
ثالثا: قوله ﵊ في حديث بلال: (قبض أرواحكم، ثم ردها عليكم) ففيه دليلان: وصفها بالقبض والرد.
ومن الأدلة: ما ثبت في عذاب القبر من خطاب ملك الموت لها، وأنها تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وأنها تصعد، ويوجد منها من المؤمن كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ريح، وأما الإجماع، فقد علم بالضرورة أن رسول الله ﷺ ما قد علم بالضرورة من أن النبي ﷺ جاء به وأخبر به الأمة، وأنه تنبت أجسادهم في القبور، فإذا نفخ في الصور، رجعت كل روح إلى جسدها، فدخلت فيه، فانشقت الأرض عنه، فخرج من قبره، ومن أدلة هذا الإجماع الحديث والآثار الدالة على عذاب القبر، ونعيمه إلى يوم البعث، ومعلوم أن الجسد يتلاشى، ويضمحل، وهذا من أدلة العقل.
الأحاديث والآثار الدالة على عذاب القبر، ونعيمه إلى يوم البعث، فمعلوم أن الجسد يتلاشى، ويضمحل، وأن العذاب والنعيم مستمران إلى يوم القيامة، إنما هو على الروح، وكذلك من أدلة العقل أن هذا البدن المشاهد محل لجميع صفات النفس، وإدراكاتها الكلية والجزئية، ومحل للقدرة على الحركات الإرادية، فوجب أن يكون الحامل لتلك الإدراكات والصفات هو البدن، وما سكن فيه.
وأما دليل الفطرة: فإن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان فإنه يشير إلى هذه البنية، وما قام بها لا يخطر بباله أمر مغاير لها مجرد ليس في العالم، ولا خارجه والعلم بذلك ضروري لا يكون شكا.
ومن مباحث الروح:
هل النفس، أو الروح شيء واحد، أو شيئان متغايران؟
اختلف الناس في مسمى النفس والروح هل هما مغايران، أو مسماهما واحد؟
فمن الناس من قال إنهما اثنان لمسمى واحد، وهذا قول الجمهور، ومن الناس من قال إنهما متغايران، والتحقيق أن كلا من النفس والروح تطلق على أمور، فيتحد مدلولهما تارة، ويختلف تارة، فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالبا ما تسمى نفسا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة، فتسمية الروح أغلب عليها، وأما الروح فلا تطلق على البدن لا بانفراده، ولا مع النفس، والنفس تطلق على أمور.
أولا: تطلق على الدم، فيقال: سالت نفسه أي دمه وفي الحديث (ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت، إذا مات فيه) .
ثانيا: وتطلق على الروح يقال: خرجت نفسه، أي روحه، وتطلق على الجسد.
قال الشاعر:
نبئت أن بني تميم أدخلوا *** أبناءهم تامور نفس المنذر
والتامور الدم، وتطلق النفس على العين يقال: أصابت فلانا نفس، أي عين.
خامسا: وتطلق النفس على الذات بجملتها كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) ﴾ .
والروح تطلق على أمور:
تطلق الروح على القرآن كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وتطلق الروح على جبريل كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) ﴾ وتطلق الروح على الوحي، الذي يوحيه الله إلى أنبيائه ورسله، كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وتطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان، وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو داعي الطاعة وواعظ القلب، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه، وإرادته، ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فالعلم روح، والإحسان روح، والمحبة روح، والتوكل روح، والصدق روح.
والناس متفاوتون في هذه الروح، فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحيا، ومنهم من يفقدها، أو أكثرها، فيصير أرضيا بهيميا، وأما ما يؤيد الله به من القوة والثبات والنصر، فهي روح أخرى كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ فهذا معنى سادس، السابع: تطلق الروح على عيسى ﵊ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ الثامن: وكذلك القوى التي في البدن؛ فإنها -أيضا- تسمى أرواحا، فيقال: الروح الباسط، والروح السامع، والروح الشام.
стр. 290
والفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات، وإنما سمي الدم نفسا؛ لأن خروجه الذي يكون معه الموت يلازم خروج النفس، وإن الحياة لا تتم إلا به كما لا تتم إلا بالنفس، ويقال: فاضت نفسه، وخرجت نفسه، وفارقت نفسه كما يقال: خرجت روحه وفارقت روحه.
ومن مباحث الروح:
هل الروح قديمة، أو محدثة مخلوقة؟
في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها قديمة غير مخلوقة.
الثاني: أنها محدثة مخلوقة.
الثالث: التوقف.
فلا يقال إنها مخلوقة، ولا غير مخلوقة، استدل أهل القول الأول القائلون بأنها قديمة غير مخلوقة، احتجوا أن الله .
أولا: أن الله تعالى أخبر أن الروح من أمر الله كقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وأمره غير مخلوق وأجيب بأنه ليس المراد هنا بالأمر الطلب، الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد أن الروح كلامه الذي يأمر به، فليس المراد به الأمر الكلامي حتى يكون قديما، وإنما المراد الأمر هنا المأمور، والمصدر يذكر، ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي مأموره الذي قدره وقضاه، وقال له: كن فيكون.
الدليل الثاني: أن الله أضاف الروح إليه كقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده، فكما أن هذه الصفات ليست مخلوقة، فكذلك الروح.
وأجيب بأن المضاف إلى الله -سبحانه- نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها: كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فهذه إضافة الصفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وإرادته وحياته صفات له غير مخلوقة، والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، فهذه إضافة المخلوق إلى خالقه، والمصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصا، وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره.
أما أهل القول الثاني القائلون بأن الروح مخلوقة محدثة، فهذا هو الصواب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، وهو الذي ذهب إليه الصحابة والتابعون.
ومن أدلة هذا القول: الإجماع: فقد أجمعت الرسل على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدث، وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين، قبل قول هذه الفئة إنها قديمة حتى نبغت هذه النابغة، وزعمت أنها قديمة، وممن نقل الإجماع على ذلك محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهم.
الدليل الثاني من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
ووجه الدلالة: أن هذا اللفظ عام لا تخصيص فيه بوجه ما، فيدخل في عمومه الروح، ولا يدخل في ذلك صفات الله؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال بذاته وصفاته.
ثانيا: قوله تعالى، الدليل الثاني من الكتاب قول الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) ﴾
ووجه الدلالة: أن هذا الخطاب لزكريا ﵊ لروحه وبدنه ليس لبدنه، فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم، ولا يخاطب، ولا يعقل، وإنما الذي يفهم، ويعقل، ويخاطب هو الروح.
الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) ﴾
ووجه الدلالة: أن الإنسان اسم لروحه وجسده.
الدليل الرابع: قوله ﵊ (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)
ووجه الدلالة: أن الجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
الدليل العقلي: هذه الأدلة من الكتاب، ومن السنة. الدليل الثالث: عقلي مأخوذ من الشرع، وهو أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوط.
أما أهل القول الثالث القائلون بالتوقف، توقف قوم فقالوا: لا نقول الروح مخلوقة، ولا غير مخلوقة، وهؤلاء لم يتبين لهم معاني النصوص، ولم يفهموها ولو تدبروها، وعرفوا معانيها، لظهر لهم أنها مخلوقة محدثة مربوبة.
ومن مباحث الروح:
هل الروح مخلوقة قبل الجسد، أم بعده؟ اختلف في الروح هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده؟
هذه مسألة للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره.
والقول الأول: أن الأرواح متقدم خلقها على خلق البدن، وممن ذهب إلى ذلك محمد بن نصر المروزي، وأبو محمد ابن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعا.
ومن أدلة هؤلاء -أولا- قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾
ووجه الدلالة: أن ثم للترتيب والمهلة، ودلت الآية على أن خلقنا مقدم على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم، ومعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك، فعلم أنها الأرواح.
стр. 291
ثانيا: استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
ووجه الدلالة: أن هذا الاستنطاق والإشهاد، إنما كان لأرواحنا إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، كما يؤيد ذلك الأحاديث الكثيرة التي تدل على أخذ الميثاق والإشهاد عليه، مما يدل على أن الله جعلهم أرواحا، ثم صورهم واستنطقهم، فتكلموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق.
القول الثاني: إن الأرواح تأخر خلقها عن الأجساد، واستدل هؤلاء بما يأتي -أولا- قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ .
ووجه الدلالة: أن هذا الخطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدل على أن جبلته مخلوقة بعد خلق الأبوين.
ثانيا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ .
وجه الدلالة: أن الآية صريحة في أن جملة النوع الإنساني أبدانا وأرواحا بعد خلق أصله، وهذا الدليل أصح من سابقه، وهذا القول الثاني هذا، هو الصواب أن الأرواح مخلوقة بعد الأجسام.
وأما أدلة الأولين القائلين بأن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد:
أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فإن الله رتب الأمر بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا، المراد خلق أبينا آدم، وتصويره، وجه الخطاب لنا؛ لأن آدم ﵊ هو أصل البشر، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ خطاب لليهود في زمن النبي ﷺ والمظلل عليه آباؤهم؛ لأن الأبناء لهم حكم الآباء.
وأما استدلالهم بآية الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، فيجاب عنه بأن الآية لا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم، ثم ردهم إلى أصلهم والذي صح إنما، هو إثبات القدر السابق، وتقسيمهم إلى شقي وسعيد.
وأما الآثار المذكورة، فلا تدل -أيضا- على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا، وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا، ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قال ابن حزم نعم يجيء جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق إليه التقدير أولا، فيجيء خلق الخارج مطابقا للتقدير السابق.
ومن مباحث الروح: هل تموت الروح؟ أم الموت للبدن وحده؟
اختلف الناس في هذا فقالت طائفة: تموت الروح، وتذوق الموت، واستدلوا بما يأتي:
أولا: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ والروح نفس، فلا بد أن تذوق الموت.
ثانيا: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ قد دلت الآيتان على أنه لا يبقى إلا الله وحده، وهذا يدل على أن الروح تموت.
ثالثا: قالوا إذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت، وهذا الدليل العقلي.
رابعا: استدلوا بقول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله -تعالى- عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وجه الدلالة: الموتة الأولى هذه المشهودة، وهي للبدن والأخرى للروح.
خامسا: قول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وهذا يدل على أن الأرواح تصعق عند النفخ، ويلزم من ذلك موتها.
القول الثاني: إن الأرواح لا تموت، وإنما تموت الأبدان، واستدلوا بما يأتي:
أولا: أن الأرواح خُلقت للبقاء، فلا تموت.
ثانيا: الحديث الدال على نعيم الروح وعذابها، بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح، لانقطع عنها النعيم والعذاب كحديث، (إن مثل روح المؤمن الطائر، يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده، يوم يبعثه) وحديث البراء بن عازب ﵁ وفيه قصة العبد الكافر، أنها تنتزع روحه نزعا شديدا، أو تخرج منها ريح خبيثة، وتطرح روحه إلى أرض الطرحات.
стр. 292
والصواب في المسألة أن يقال: موت النفوس، هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر كان هذا إيقاف الموت، وإن أريد أنها تعدم، وتفنى بالكلية، وتضمحل، وتصير عدما محضا، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم، أو عذاب، ويرجح هذا، ويدل له أنه -سبحانه- أخبر أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وتلك الموتة هي مفارقة الأرواح للأجسام.
والنصوص الدالة على بقائها تحمل على بقائها منفصلة عن الجسد، وبهذا تجتمع الأدلة، ولا تختلف.
وأما استدلال الأولين على موت الروح بقوله -تعالى- حكاية عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) ﴾ فالمراد أنهم كانوا أمواتا، وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحيهم يوم النشور، وليس في إماتة أرواحهم يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات.
وأما استدلالهم بآية الصعق، وهي قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، فيجاب عن استدلالهم بأن صعق الأرواح عند النفخ في الصور، لا يلزم من موتها، وأن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت، وكذلك صعق موسى ﵊ ولم يكن موتا، والذي تدل عليه الآية أن نفخة الصعق موت، كل مَن لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما مَن ذاق الموت، أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية.
ومن مباحث الروح:
تعلقها بالبدن، وأنواع تعلقها بالبدن:
الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، تتغاير في الأحكام، أي الخواص والآثار التي للبدن بسب هذا التعلق.
أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا، ويتعلق بهذا التعلق أحكام، وهو أنه ينمو الجنين، ويتحرك، ويحس، ولا يتنفس.
الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض، ومن أحكام هذا التعلق أنه يرضع، ويسمع الصوت، ويبصر، ويتكلم.
الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقه من وجه، ومن أحكام هذا التعلق، أنه يكتشف شيئا لا يراه في وقت اليقظة.
الرابع: تعلقها به في البرزخ، وهو ما بين الحياتين، حياة الدنيا وحياة الآخرة، فإنها وإن فارقته، وتجردت عنه إلا أنها لم تفارقه فراقا كليًّا، بحيث لا يبقى لها أيه التفات البتة، فإنه وإن ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، إلا أن هذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن، قبل يوم القيامة، فهي حياة خاصة بين حياتين حياتي الدنيا والآخرة.
ومن أحكام هذا التعلق: أنه يتهيأ له سماع خاص كسماع الملائكة، ويرى شيئا من الحقائق كان جاهلا بها، ولا يراها الحي كرؤيته المكان في الجنة أو النار.
الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد: وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، بل هي ضعيفة، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا، ولا نوما، ولا فسادا، إذن ما هو آخره الموت.
ومن أحكام هذا التعلق الصلاحية للبقاء الأبدي.
ثانيا: التمتع بنعيم الجنة، أو التألم بعذاب النار.
ومن الأحكام التي تتعلق بالروح: مبحث مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة.
اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة، هل هي في السماء أم في الأرض، وهل هي في الجنة أم لا، وهل توضع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها فتنعم، وتعذب فيها أم تكون مجردة؟
فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة على تفاوت درجاتهم في عليين، أو أقل، وأرواح الكفار في النار على تفاوت دركاتهم في الدرك الأسفل، أو بعده.
وهذا أرجح الأقوال وأولاها وأصحها، وهو الذي دلت عليه النصوص، قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) ﴾ فإنه قسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام، وهذا ذكره -سبحانه- عقب ذكر خروج الروح من البدن بالموت، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ﴾ الآيات.
стр. 293
قال غير واحد من الصحابة والتابعين: هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا، يبشرها ملك بذلك، وحديث البراء بن عازب ﵁ أن الملك يقول لها: عند قبضها: (أبشري بروح وريحان) وهذا من ريحان الجنة، أو يقول لها: (اخرجي إلى سخط من الله وغضب) وحديث (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة) هذا إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفوعنهم والرحمة بهم، هذا أصح الأقوال.
وهناك أقوال كثيرة أخرى.
قيل: إن أرواحهم بفناء الجنة على بابها.
وقيل: على أفنية قبورهم.
وقيل: إن الأرواح مرسلة.
وقيل: إن أرواح المؤمنين عند الله فقط، ولا مزيد.
وقيل: أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وروح الكافر ببراغوت بئر بحضرموت.
وقيل: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة.
وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفار ببئر براغوت.
وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله.
وقال ابن حزم: واستقروا من حيث كانت قبل خلق أجسادها.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم.
وهذه الأقوال كلها تخمين لا دليل، والصواب القول الأول، وهو أن أرواح المؤمنين في الجنة على تفاوت فيما بينهم، وأرواح الكفار في النار على تفاوت، ولها صلة بالجسد.
وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض أي تفنى بفناء الأجسام، وهذا قول من يقول إن النفس عرض من أعراض البدن كحياته وإدراكه، وهذا قول فاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين، وهو أن الأرواح تعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته، وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر سبب أخلاقها وصفاتها، التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح، فتصير النفس السبعية إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنية والصهرية إلى أبدان الحشرات.
وهذا قول التناسخية: طائفة يسمون التناسخية منكري المعاد، وهذا أخبث الأقوال والآراء، وهو كفر والعياذ بالله، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلها، والصواب كما سبق أن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار.
والذي تلخص من النصوص: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم التفاوت، فمنها: أولا: فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- وهم متفاوتون في منازلهم، ومنها أرواح بعض الشهداء لا كلهم؛ لأن من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة بدين عليه، كما في المسند عن عبد الله بن جحش، (أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولى قال: إلا الدَّيْن سارني به جبريل آنفا) .
ومن الأرواح من يكون محبوسا على أبواب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ (رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة) ومنهم من يكون محبوسا في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة كل هذا تشهد له السنة، والله أعلم.
ومن المباحث مباحث النفس هل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس نفس مطمئنة ونفس لوامى ونفس أمارة وأن منهم من تغلب عليه تغلب عليه الأخرى ويحتجون على ذلك بالآيات الثلاث قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ﴾ وقول الله: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾
والتحقيق أنها نفس واحدة ولكن لها صفات وتسمى باعتبار كل صفة باسم فهي أمارة بالسوء لأنها دفعته إلى السيئة وحملته عليها فإذا عرضها الإيمان صارت لوامة تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها وتلومه بين الفعل والترك فإذا قوي الإيمان ارت مطمئنة ولهذا قال النبي ﷺ (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) وقوله ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) .
ومن مباحث الروح في مسمى الإنسان: هل هو الروح، أو البدن، أو مجموعهما للناس في مسمى الإنسان، هل هو الروح، أو البدن، أو مجموعهما.
للناس في مسمى الإنسان أربعة أقوال: هل هو الروح، أو للبدن فقط أو مجموعها، أو كل واحد منها، والذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان، هو البدن والروح معا، وقد يطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة.
وكذلك اختلفوا في كلام الإنسان على أربعة أقوال: هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما، والصواب أن مسمى الكلام اللفظ، والمعنى معا.
стр. 294
ومن مباحث الروح: تتلاقى الأرواح، تلاقي أرواح الموتي، هل تتلاقى أرواح الموتى، وتتزاور، وتتذاكر، وتتلاقى؟ أرواح الأحياء والأموات أيضا؟
جواب هذه المسألة: أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى، وتتزاور، وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي، هو على مثل عملها، فروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى، والدليل على تزاورها، وتلاقيها قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ﴾ وهذه المعية ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث.
وقد أخبر الله عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وهذا يدل على تلاقيهم، وأما تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات، فشواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن تحصر، والحس والواقع شاهد بذلك، وتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات، تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها، ويدل على ذلك -أيضا- أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، هذا معنى ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب "الروح".
ومن مباحث الروح، تميز الأرواح عن بعضها:
بأي شيء تتميز الأرواح بعضها من بعض بعد مفارقتها الأبدان، إذا تجردت حتى تتعارف، وتتلاقى متى تتعارف، وتتلاقى، وهل تتشكل إذا تجردت بشكل بدنها الذي كانت فيه، وتلبس صورته أم كيف حالها؟
ويمكن جواب هذه المسألة:
لا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة، التي تظاهرت عليها أدلة الكتاب والسنة والآثار والاعتبار والعقل، وهو القول بأنها ذات قائمة بنفسها تصعد، وتنزل، وتتصل، وتنفصل، وتخرج، وتذهب، وتجيء، وتتحرك، وتسكن وعلى هذا أكثر من مائة دليل كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) ﴾ فأخبر أنه سوى النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ فهو سبحانة سوى نفس الإنسان، كما سوى بدنه، بل سوى بدنه كالقالب لنفسه، وتسوية البدن تابع لتسوية النفس والبدن موضوع له كالقالب لما هو موضوع له، ومن ها هنا يعلم أن النفس تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فإنها تتأثر، وتنتقل عن البدن كما يتأثر البدن، وينتقل عنها، فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها.
وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه، فأشد الأشياء ارتباطا، وتناسبا، وتفاعلا، وتأثرا من أحدهما بالآخر الروح والبدن؛ ولهذا يقال لها: اخرجي أيتها النفس الطيبة -إن كانت في الجسد الطيب- واخرجي أيتها النفس الخبيثة -إن كانت في الجسد الخبيث- والأعراض دري حالها، ولا تمسك، ولا تنقل من يد إلى يد، وإذا كان هذا شأن الأرواح، فكما يجوزها بعد المفارقة، يكون أظهر من تميز الأبدان والاشتباه بينهما أبعد من اشتباه الأبدان، فإن الأبدان تشتبه كثيرا، وأما الأرواح، فقلما تشتبه، وإذا كانت الأرواح العلوية، وهم الملائكة يتميز بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم، وكذلك الجن، فتميز الأرواح البشرية أولى. هذا معني ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب "الروح".
نعم وأيضا هذا من أنفع البحوث، تتعلق بالروح بحوث كثيرة تتعلق بالروح وحقيقة الروح وحقيقة النفس والأقوال في هذا، والصواب في هذا، وكذلك -أيضا- تعلقات الروح بالبدن وأقسامها، وأقسام النفس: مطمئنة ولوامة، وكذلك -أيضا- ما يتعلق بالروح، هل تموت، أو لا تموت؟. بحوث طويلة ما نتمكن من الكلام عليها، لكن تؤجَّل فيما بعد.
الإيمان بعذاب القبر وسؤال منكر ونكير
وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير، في قبره عن ربه ودينه ونبيه.
стр. 295
معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر، ونعيمه، وسؤال منكر، ونكير، وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة، وهل النعيم والعذاب يكون على النفس وعلى الروح، أو على البدن، أو عليهما جميعا.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة فقال: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس، وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون على الروح، هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة وأهل الكلام.
وفي المسألة أقوال شاذة، والقول الأول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم، ولا يعذب، وهذا قول الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم.
والقول الثاني: إن العذاب والنعيم على البدن والروح جميعا، وهو قول أهل السنة والجماعة، وأنه تعذب الروح منفردة، وتعذب الروح متصلة بالبدن، فالروح إما في نعيم، أو في عذاب؛ لأن روح المؤمن إذا ما فقدت إلى الجنة، ولها صلة بالبدن فالروح باقية إما في نعيم، أو في عذاب، والبدن له ما قدر له من العذاب والنعيم، والروح لها صلة بالبدن، لكن الأحكام على الروح أكثر، كما أن الأحكام في دار الدنيا على البدن أكثر، فالدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وكل دار لها أحكام، دار الدنيا التي نحن فيها الأحكام على البدن أكثر من الروح، فإذا تنعم الإنسان، أو تعذب تكون على البدن أكثر.
دار البرزخ بالعكس، وهي دار البرزخ من الموت إلى قيام الساعة، الأحكام على الروح أكثر، النعيم والعذاب على الروح أكثر، والبدن يناله ما قدر له، وفي دار الجزاء بعد البعث، يكون النعيم والعذاب للبدن والروح على حد سواء، كل من البدن والروح يأخذ حقه، وما فيه يأخذ قسطه وافيا من النعيم، أو العذاب، والمباحث في هذا طويلة. نعم.
стр. 296
وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر، ونكير في قبره عن ربه ودينه، ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم
стр. 297
وأما مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، فلهم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على الروح فقط، ويقول بهذا كثير من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وهو اختيار ابن حزم وطوائف من المسلمين من أهل الحديث وأهل الكلام.
الثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.
الثالث: أنه على البدن فقط.
أما مذهب سلف الأمة وأئمتها: فإن الميت إذا مات يكون في نعيم، أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقي بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقام الناس من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، فمن أنكر معاد الأبدان، فهو كافر بإجماع المسلمين، وبنص القرآن، واستدل أهل السنة وسلف الأمة على أن النعيم والعذاب، يحصل لروح الميت وبدنه بأدلة استدلوا بالكتاب والسنة، أما الكتاب:
أولا: قول الله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾
ووجه الاستدلال أن الله أخبر في أول الآية، أنهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، ثم قال في الختام: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾ فدل على أن العرض السابق إنما هو في القبر قبل يوم القيامة، وهذا يدل على إثبات عذاب القبر.
ثانيا: قول الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) ﴾
ووجه الدلالة: أن قوله: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيان وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرا منهم مات، ولم يعذب في الدنيا، أو أن المراد أعم من ذلك، فيشمل مجموع الأمرين عذابهم في الدنيا أو في البرزخ، وعلى كل حال، ففيه إثبات عذاب القبر.
وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر، ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، تواترت معنى لا لفظا، وهو يفيد اليقين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوفا على كيفيته، ومن هذه الأدلة:
أولا: حديث البراء بن عازب ﵄ وفيه (أعوذ بالله من عذاب القبر) وفيه في قصة العبد المؤمن، فيقول: (أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء) وفيه (فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها) وفيه قصة العبد الكافر فيقول: (أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده فينتزعها، كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول) وفيه (فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها) .
وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة، والحديث له شواهد من الصحيح منها: ما ذكره البخاري ﵀ عن سعيد عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم) إلى قوله: (فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول: له انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا) .
قال قتادة: وروي لنا أنه (يفسح له في قبره) وهذا هو الحديث الثاني.
الثالث: ما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) وروي عنه ...
رابعا: ففي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ (إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير..) الحديث.
خامسا: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ كان يعلمه هذا الدعاء كما يعلمه السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) .
أما المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، فلهم شبه:
стр. 298
تعلق المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت يجلس، ويقعد فيه، هؤلاء الذين أنكروا عذاب القبر، ونعيمه من الملاحدة والزنادقة، ومن تبعهم من أهل الكلام كالمعتزلة، تعلقوا بشبه عقلية، حكموا فيها عقولهم قاسوا فيها الغائب على الشاهد، وقاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فقالوا: إننا نكشف القبر، فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات، ولا ثعابين، ولا نيرانا تتأجج، ولو كشفناه في حالة من الأحوال، لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق، وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره، أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرنا، فلم يزد ولم ينقص، وكيف يتسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة؟ والصورة التي تؤنسه، أو توحشه؟
وقال أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم: كل حديث يخالف مقتضى العقول والحس، يقطع بتخطئة قائلة. قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل، ولا يجيب، ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان، ومدارج الرياح، كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها؟ وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟ وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة؟ أو حفرة من حفر النار؟ وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه.
والجواب عن هذه الشبه من وجوه:
أولا: أن الرسل لم يخبروا بما تخيلته العقول، وتقطع باستحالته، ولكن الرسل يخبرون بما تحار به العقول، فإن أخبارهم قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر، والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها، عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.
ثانيا: أن الله جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن، ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم الحشر وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا.
ثالثا: أن الله جعل أمر الآخرة، وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته؛ وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، وهب أن النار التي في القبر والخضرة، ليست من نار الدنيا، ولا من زرع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن الله -سبحانه- يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه، وتحته حتى يكون أعظم حرًّا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك الثاني في روضة من رياض الجنة، لا يصل روحها، ونعيمها إلى جاره.
خامسا: أن الله يحدث في هذه الدار ما هو أبلغ من ذلك، فقد أرانا الله فيها من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، من ذلك:
أولا: جبريل ﵊ كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلا، ويكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي ﷺ لا يراه، ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء.
ثانيا: الجن موجودون، ولا نراهم، ويتحدثون، ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم.
ثالثا: الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم، وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعونهم،.. كلامهم في غزوة بدر وغيرها.
رابعا: النخل والحنظل كل منهما يشرب من ماء واحد، ويختلف الطلع، كذلك -أيضا- مما وقع في العصر الحاضر الكهرباء،، تكهرب مَن على الأرض، ولا تكهرب من على الخشب، فهذه كلها أمور أراد الله إياها في الدنيا.
وطريقة المعتزلة في النصوص، إما أن يخطئوها من ناحية السند، أو يؤولوها من جهة المتن، كما قالوا في حديث البراء بن عازب قالوا: إنه آحاد فلا يحتج به في مسألة العقائد.
стр. 299
والجواب: أن هذه الشبه مبنية على قياس الفارق، وهو قياس الغائب على الشاهد، وقياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا ليس بصحيح، وهو خوض في أمر الغيب، فأحوال الآخرة مجهولة لنا، وأحوال الدنيا معلومة لنا، فكيف يقاس مجهول على معلوم؟ وكيف يقاس الغائب على الشاهد؟ فإن الله لا يقاس بخلقه، وسر المسألة أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار، التي في القبر ليست من جنس المعهود في هذا العالم، وعود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير المألوفة في الدنيا، والله إنما أشهد بني آدم ما كان فيها، ومنها فأما ما كان من أمر الآخرة، فقد أسبل عليه الغطاء؛ ليكون الإقرار به والإيمان سببا لسعادتهم، فإذا كشف عنهم الغطاء، صار عيانا مشاهدة.
ويجاب عن طعن المعتزلة في حديث البراء، بأنه يقال بأنه، وإن كان آحادا، فله شواهد يرتقي بها، ويقال: إن الأخبار تواترت معنى لا لفظا عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر، ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وتفيد اليقين، فتصلح للاحتجاج بها في العقائد، بل إنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ فإنه يحتج به في العقائد وغيرها، ولو كان خبر آحاد، وتقسيم الأخبار إلى قسمين: خبر آحاد، لا يحتج به في العقائد، وخبر متواتر يحتج به في العقائد هذا إنما ابتدعه أهل البدع من المعتزلة وغيرهم.
والحكمة في عدم اطلاع الثقلين على ما يحصل للمقبور في قبره:
قال العلماء: الحكمة في ذلك هي أن الله - تعالى- لو أطلع عباده على ما يحدث للمقبور في قبره، لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله، أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) ولما كانت الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته؛ ولأن الناس لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثير ممن أشهده الله ذلك صعق وأغشي عليه، ولم ينتفع بالعيش زمنا، وبعضهم كشف قناع قلبه، فمات.
الأسباب التي.. في عذاب القبر التي يعذب بها أصحاب القبور:
الأسباب نوعان: نوع مجمَل، ونوع مفصَّل:
أما المجمل: فإن الميت، فإن أهل القبور المعذبين، إنما يعذبون على جهلهم بالله -تعالى- وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب الله روحا عرفته، وأحبته، وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ولا بد إن كانت فيه أبدا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة، أثر سخط الله على عبده،، ومن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار، ثم لم يتب، فمات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، ومستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب.
وأما السبب المفصَّل: فهي كما ورد في النصوص، أن النميمة وعدم الاستبراء من البول، وأكل لحوم الناس، ومن صلى صلاة بغير طهور، ومن مر على مظلوم فلم ينصره، ومن كذب الكذبة، فتبلغ الآفاق، ومن يقرأ القرآن، وينام عنه بالليل، ولا يعمل به بالنهار، ومن تتثاقل رءوسهم عن الصلاة، ومن لا يؤدي زكاة ماله والزاني، ومن يقوم في الفتن بالكلام والخطب، والغلول من الغنيمة، وأكل الربا، وقد أخبر النبي ﷺ عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول، فهذا ترك الطهارة الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقا، وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان، أعظم عذابا، كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة، التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها، هو أشد عذابا وفي حديث شعبة (أما أحدهما، فكان يأكل لحوم الناس) فهذا مغتاب، وذلك نمَّام.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ الذي ضرب سوطا امتلأ القبر عليه نارا؛ لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور، ومرَّ على مظلوم فلم ينصره. وفي حديث سمرة في صحيح البخاري في تعذيب من يكذب الكذبة، فتبلغ الآفاق، وتعذيب من يقرأ القرآن، ثم ينام عنه بالليل، ولا يعمل به بالنهار، وتعذيب الزناة والزواني، وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي ﷺ في البرزخ. وفي حديث أبي هريرة، الذي فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر؛ لتثاقل رءوسهم عن الصلاة، والذين يسرحون بين الضريع والزقوم؛ لتركهم زكاة أموالهم، والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم، والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد؛ لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب.
وقد أخبر النبي ﷺ صاحب الشملة، التي غلَّها من المغنم، أنها تشتعل عليه نارا في قبره، هذا وله فيها حق، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه، وبالجملة، فعذاب له فيه، فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل والبدن كله.
الأسباب المنجية من عذاب القبر:
سببان: سبب مجمل، وسبب مفصَّل:
стр. 300
أما المجمل: فهو تجنب الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، ومن أنفعها أن يجلس الرجل -عندما يريد النوم- لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحا بينه وبين الله فينام على تلك التوبة، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبل للعمل مسرورا بتأخير أجله، حتى يستقبل ربه، ويستدرك ما فاته، وليس للعبد أنفع من هذه النومة، ولا سيما إذا عقَّب ذلك بذكر الله واستعمال السنن، التي وردت عن رسول الله ﷺ عند النوم، حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيرا وفقه لذلك، ولا قوة إلا بالله.
وأما السبب المفصل: فهو مما دلَّت عليه الأحاديث عن رسول الله ﷺ فيما ينجي من عذاب القبر، فمنها:
أولا: ما رواه مسلم في صحيحه عن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجرى عليه عمله، الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتَّان) .
ثانيا: في جامع الترمذي حديث فضاله بن عبيد عن رسول الله ﷺ قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر) .
وثالثا: ما روي عن النبي ﷺ (أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) ومنها قوله ﷺ في سورة الملك، هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر، ومنها ما في سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ رفعه: (مَن مات مقتولا، مات شهيدا، ووقي فتنة القبر) .
ومن مباحث عذاب القبر ونعيمه:
ما يتعلق بذلك السؤال في القبر من الملكيين:
هل هو للروح أم ماذا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأحاديث الصحيحة المتواترة، تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس، وأنكره الجمهور، وقابلهم آخرون، فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله بن مُرة وابن حزم، وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص، وترجيح مذهب الجمهور أنه للروح والبدن، قالوا: قد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه في أحاديث كثيرة: منها أولا:
حديث البراء بن عازب، وفيه (فتعاد الروح في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، وعملت به، وصدقت) وفي قصة العبد الكافر، (فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيقولان له من ربك فيقول: هاها لا أدري، ويقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاها لا أدري..) الحديث، وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة، والحديث بسائر الطوائف، قال ابن منده -بعد سياق حديث البراء-: هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في الكتب، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلا من أصول الدين في عذاب القبر، ونعيمه، ومسائلة، ومنكر، ونكير، وقبض الأرواح، وصعودها بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر.
ثانيا: ما ذكره البخاري عن سعيد عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم..) إلى قوله: (وأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا) .
ثالثا: وفي صحيح ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ (إذا قبر أحدكم، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير..) الحديث.
ومن مباحث السؤال في القبر:
هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار؟ أو يختص بالمسلم والمنافق؟
стр. 301
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "التمهيد": من الآثار الدالة، التي تدل على أن الفتنة في القبر، لا تكون إلا للمؤمن أو المنافق، أو كان منسوبا إلى أهل القبله، ودين الإسلام ظاهره بالشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يسأل عن ربه ودينه، ونبيه وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، فيثبت الله الذين آمنوا، ويرتاب المبطلون، والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم من ذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) ﴾ .
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم) وذكر الحديث، زاد البخاري (وأما المنافق والكافر، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت، ولا تليت، ويضرب بمطرقة من حديد، يصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين) هكذا في البخاري، (وأما المنافق والكافر) بالواو وفي حديث أبي سعيد الخدري: (كنا في جنازة مع النبي ﷺ فقال: يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتولى عنه أصحابه جاءه ملك، وفي يده مطرقة، فأقعده، فقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب إلى النار، فيقول هذا منزلك لو كفرت بربك، وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت، ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت، فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار) الحديث.
وفي حديث البراء بن عازب الطويل (وأما الكافر إذا كان في قُبُل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزل عليه الملائكة من السماء، معهم مسوح) وذكر الحديث إلى أن قال: (ثم تعاد روحه في جسده في قبره) وذكر الحديث، وفي بعض روايات حديث البراء: (وأما الفاجر) واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعا، وهذه الأدلة صريحة في أن السؤال للكافر والمنافق، كما رواه مسلم، وأما قول أبي عمر بن عبد البر ﵀: وأما الكافر الجاحد المنكر فليس ممن يسأل عن ربه ودينه، فيقال له ليس كذلك، بل هو من جملة المسئولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر الله في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) ﴾ وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) ﴾ فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يسألون في قبورهم.
من المباحث في عذاب القبر - لأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، ووجه تسميته برزخا..
ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ، ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَمِنْ ورائهم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) ﴾ وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمي عذاب القبر، ونعيمه، وأنه روضة، أو حفرة نار باعتبار غالب الخلق وعذاب القبر، يناله من هو مستحق له. هذا المبحث في أن عذاب القبر يناله من هو مستحق له قُبر أو لم يقبر، عذاب القبر، هو عذاب البرزخ، كل من مات، وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبر أو لم يقبر، فمن أكلته السباع، أو احترق حتى صار رمادا، ونشر في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وكذلك المصلوب، ومن أكلته الطيور لهم من عذاب البرزخ، ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله، حتى لو علق الميت على رءوس الأشجار في مهب الرياح لأصاب جسمه من عذاب البرزخ حظه، ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في تابوت من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه، فيجعل الله النار على هذا بردا وسلاما والهواء على ذلك نارا وسموما، فعناصر العالم، ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيفما يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده.
وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه، ونحو ذلك، فهو حق، ويجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو، ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمل، ولا يقصر به عن مراده ما قصده من الهدى والبيان، وكم حصل بإهمال ذلك، والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، وسوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، والله المستعان.
ومن المباحث في عذاب القبر:
هل هو دائم أو منقطع؟
стр. 302
والجواب: أنه نوعان: نوع دائم، وهو عذاب الكفار، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾ .
ثانيا: حديث البراء بن عازب ﵄ في قصة الكافر، (ثم يفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة) رواه الإمام أحمد، وفي بعض طرقه (ثم يخرق له خرقا إلى النار، فيأتيه من عذابها ودخانها إلى يوم القيامة) النوع الثاني: عذاب إلى مدة مؤقتة، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة، ثم يزول عنه العذاب،، ومنه.. وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو سبب حج تصل إليه من أقاربه أو غيرهم، وهذا كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا، فيخلص من العذاب بشفاعته، لكن هذه شفاعة قد لا تكون بإذن المشفوع عنده، والله -سبحانه- لا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأمن للشافع أن يشفع، إذا أراد أن يرحم المشفوع له.
ومن المباحث: في ضغطة القبر وضمته: وهل ينجو منها، ومن السؤال وفتنة القبر أحد؟
ورد في ضغطة وضمته لكل أحد، ورد أن ضغطة القبر وضمته لكل أحد، وكذلك السؤال والفتنة في القبر، جاءت النصوص بأن ضغطة القبر وضمته لكل أحد، وكذلك السؤال والفتنة في القبر، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد منها ناجيا نجى سعد بن معاذ) .
قال بعضهم: الفرق بين المسلم والكافر في ضمة القبر دوامها للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله، إى قبره، ثم يعود الانفساح له فيه، والمراد بضغطة القبر ارتفاع جانبيه على جسد الميت، قال بعضهم: سبب هذه الضغطة أنه ما من أحد إلا، وقد ألم بخطيئة ما، وإن كان صالحا، فجعلت هذه الضغطة جزاء لها، ثم تدركه الرحمة؛ ولذلك ضغط سعد بن معاذ ﵁ وأما الأنبياء فلا نعلم أن لهم في قبورهم ضمة، ولا سؤالا لعصمتهم؛ لأن السؤال عن الأنبياء، وما جاءوا به فكيف يسألون عن أنفسهم؟.
وأما الحياة التي اختص بها الشهداء، وامتازوا بها عن غيرهم في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) ﴾ هي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر، كما في حديث عبد الله بن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ (لما أصيب إخوانكم - يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، تلج أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، مظللة في ظل العرش) الحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود وابن عوانة في حديث ابن مسعود، رواه مسلم، فإنه لما بذلوا أبدانهم لله حتى أتلفها أعداء الدين، أعالهم عنها في البرزخ أبدانا خيرا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها؛ ولهذا كان نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين.
ففي الموطأ أن كعب بن مالك يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) فقوله: (نسمة المؤمن) يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: (هو في جوف طير خضر) ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير، صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر، وهو أنها طائر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكبر من نصيب غيرهم في الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فللشهيد نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في السنن.
وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنهم كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم حشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم، وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول.
وأما القول الفرق بين الميت على فراشه والشهيد: فالشهيد له خصوصية، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم كمحمد ﷺ أعلى من الشهيد من ناحية النبوة، وحمزة عم النبي ﷺ شهيد، فله امتياز غير ما يكون للنبي في ناحية، وإن كان أقل من نبيه، وإن كان أقل نبي أفضل من أي شهيد.
ومن المباحث التي تتعلق بعذاب القبر:
سؤال يردده بعض الناس، وهو ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به؟
والجواب من وجهين: مجمل، ومفصل:
стр. 303
أما المجمل: فهو أن الله أنزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ والكتاب، هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق الشرع، وما أخبر به النبي ﷺ فهو في وجوب تصديقه والإيمان به، كما أخبر الله به في كتابه، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم، قال النبي ﷺ (إني أوتيت الكتاب، ومثله معه) .
وأما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكوران في القرآن في غير موضع منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) ﴾ وهذا خطاب لنا عند الموت، وقد أخبرت الملائكة أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ومنها قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ .
القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
نعم هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فالمؤمن يكون روضة من رياض الجنة عليه، والكافر حفرة من حفر النار، نعوذ بالله، والعاصي بين بين على خطر. نعم.
стр. 304
ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض، والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب، والعقاب، والصراط، والميزان
стр. 305
ووجه التعارض: أن الآية تثبت جنس الحساب، والحديث يثبت هلاك من حوسب وأجاب النبي ﷺ أن المراد بالحساب في الآية العرض، وفي الحديث المناقشة لا مطلق الحساب، كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نوقش الحساب عذب، فقلت: أليس يقول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) ﴾ فقال: إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك) .
وقراءة الكتاب أي صحف الأعمال: جمع صحيفة، وهي الكتب التي كتبتها الملائكة، وأحسن ما فعله الإنسان من سائر أعماله القولية والفعلية وغيرها، وإنما يؤتى بالصحف إلزاما للعباد، ودفعا للجدل والعناد، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ك l جچّƒéعز وجل ur لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) ﴾ قال العلماء: معنى: طائره، عمله، وفي الآية الأخرى ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) ﴾ وهو القشر الذي يكون في شق النواة.
بعد هذا ننتقل إلى مبحث البعث والمعاد:
الإيمان بالمعاد مما يدل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فهو حق واقع يجب الإيمان به والتصديق، ومن لم يؤمن بالبعث، فهو كافر بنص القرآن وبإجماع المسلمين، فأخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على المنكرين في غالب سور القرآن، والقرآن بيَّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى، في غير موضع.
قال العلامة ابن القيم ﵀: معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، وقال الجلال الديواني: هو بإجماع أهل الملل وشهادة نصوص القرآن، والنصوص: نصوص البعث أكثر من النصوص التي في الصفات والأسماء، فالكلام في البعث في القرآن أكثر من الكلام في الرب، وسبب ذلك كثرة الإنكار للبعث، وقلة الإنكار للرب، وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري كلهم يقر بالرب فطرة إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون.
وزعم بعض الملاحدة أن أخبار البعث، ونصوصه من باب التخيير، ومنشأ هذا الزعم أن محمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء وكان قد بعث، هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، أي أنه قفى النبيين، فجاء بعدهم فكان ختامهم، بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، فإنها أجملت ولم تفصل فزاد محمد ﷺ على الأنبياء في تفصيل المعاد مما يتصل بالسؤال والشفاعة والحساب ودرجات أهل الجنة ودركات أهل النار؛ فلمجيء محمد ﷺ بالتفصيل، ومن سبقه بالإجمال ظن طائفة من المتفلسفة، ونحوهم أنه لم يفصح في معاد الأبدان إلا محمد ﷺ وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخيير والخطاب الجمهوري، أي الحجج التي ترضي الجمهور، وإن كانت غير واقعية.
والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء الملاحدة ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقولون إنه لم يخبر بذلك إلا محمد ﷺ على طريق التخيير والرد عليهم أن زعمهم هذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى موسى وعيسي، وغيرهم -عليهم الصلاة والسلام- من حين أهبط آدم قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) ﴾ والذي أخبر به محمد ﷺ ثلاثة أنواع: أقسام وإخبار وإنذار، فالأقسام كما في قوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وقال سبحانه: ﴿* وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ .
стр. 306
فهذه ثلاث آيات أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم فيها على البعث، وأخبر الله عن اقترابها بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) ﴾ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ﴾ ﴿سَأَلَ سائلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) ﴾ وذم الله المكذبين بالمعاد فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) ﴾ ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) ﴾ ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) ﴾ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) ﴾ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) ﴾ ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) ﴾ .
وقد أخبر الله بأنه أرسل الرسل مبشرين، ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) ﴾ وهذا اعتراف من أصناف الكفرة الداخلين جهنم، أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة، فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد، يذكر ذلك فيها في الدنيا وفي الآخرة.
ومن شبه المنكرين للمعاد: الجهل بالله، وزعمهم عدم إعادة العظام والرفات خلقا جديدا، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) ﴾ والله يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته، فإن شبه المنكرين للمعاد كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:
أحدها: اختلاط أجزاء بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز، ولا يحصل معه تميز شخص عن شخص.
الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك.
الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه، أو إنما الحكمة إنما اقتضت دوام هذا النوع الإنساني، شيئا بعد شيء هكذا، كلما مات جيل خلفه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله، ثم يحييه بعد ذلك، فلا حكمة في ذلك. فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:
أحدها: تقدير الكمال، علم الرب -سبحانه- كما قال في جواب من قال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) ﴾ وقال: ﴿وَإِن السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) ﴾ وقال ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ .
الثاني: تقدير كمال قدرته كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وقوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ﴾ ويجمع الله -سبحانه- بين الأمرين كما في قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) ﴾ .
стр. 307
الثالث: كمال حكمته كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) ﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) ﴾ وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ َ نجعلهم كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) ﴾ ولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب -تعالى- وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه، وتوجبه، وأنه منزه عما يقوله المنكرون، كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص.
والأدلة العقلية على البعث من القرآن الكريم:
والاستدلال بالقرآن من ناحيتين:
الأولى: الخبر من ناحية كونه صدر عن المعصوم.
الثانية: من ناحية الاستدلال بالآيات الكونية على قدرة الله -تعالى-.
ومن الأدلة العقلية على البعث قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) ﴾ وقد افتتح -سبحانه- هذه الحجة بسؤال أورده ملحد بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) ﴾ فإن الله افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) ﴾ اقتضى جوابا، فأجيب بجوابين الأول قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وهذا يفي بالجواب.
والثاني قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) ﴾ ولهذا فإن الثاني تأكيد للحجة وزيادة تقريرها ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على هذا، قدر على هذا، وأنه لو كان عاجزا عن الثاني لكان عن الأول أعجز وأعجز.
ثم أكد هذه الحجة بالحجة الثانية والدليل الثاني، وهو رد على شبهة ثانية لملحد آخر يتضمن الدليل: وهو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) ﴾ فإن هذه الآية تتضمن شبهة أوردها ملحد يقول: العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها حارة رطبة، فأجاب الله بالدليل والجواب معا ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) ﴾ فأخبر -سبحانه- بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، وهو النار من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام، وهي رميم.
الدليل الثالث: الاستلال بالكبير على الصغير في قوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ فهذا فيه الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل، فهو على ما دون ذلك بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار، فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا.
الدليل الرابع: أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات، بل ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ فهو يستقل بالفعل لا يحتاج إلى آلة، ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه، ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: كن، فإذا هو كائن كما شاءه وأراده.
стр. 308
الدليل الخامس: إخباره -سبحانه- بأن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله؛ ولهذا قال -سبحانه-: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) ﴾ ختم -سبحانه- هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله. ومن الأدلة استنكار على من ينكر البعث ببيان كمال الحكمة في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) ﴾ ومثل ذلك الاحتجاج في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) ﴾ ومثله ذكر قصة أصحاب الكهف وكيف أبقاهم ثلاثمائة سنة شمسية، وثلاثمائة وتسع سنين قمرية وقال فيها: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) ﴾ .
القائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط واضطراب، وهم فيه على أقوال، هم فيه على قولين:
القول الأول: من يقول تعدم الجواهر، ثم تعاد.
والقول الثاني: من يقول تفرق الأجزاء، ثم تجتمع، فعرض عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا، وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائما، فما الذي يعاد أهو الذي كان قبل الموت، فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض.
فأجاب بعضهم: أجيب عن هذا بجوابين:
الجواب الأول: أجاب بعضهم بأن الإنسان، فيه أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، وهذا القول لعامة المسلمين، ويدخل فيه المعتزلة والأشعرية، وجميع فرق الإسلام يقولون: إن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان، الذي أكله الثاني والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، وليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار المعاد.
القول الثاني: الذي عليه السلف وجمهور العقلاء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابا، ثم ينشؤها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما، ولحما، ثم أنشأه الله خلقا سويا، كذلك الإعادة يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، وفيه يركب) وفي حديث آخر: (إن الأرض تمطر مطرا كمني الرجال، ينبتون في القبور، كما ينبت النبات) .
فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان، ويتماثلان من وجه، ويفترقان، ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البدء فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره، فيستحيل فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصا، وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخا، علم أن هذا هو ذاك مع أنه دائما فيه تحلل واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، ومن رأى شجرة، وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة قال هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن الصفات هي المغيرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها، فانهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعا، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
стр. 309
أما العرض، فإنه روي أن عرضه سبعة أذرع، لكن الحديث فيه ضعف. والقائلون بأن الإنسان مركب من الجواهر، وهم أهل الكلام يقولون: إنه مركب من أجزاء من الجواهر الفردة، وهي أجزاء صغيرة غير قابلة للقسمة، ويسمونها بالجواهر الفردة، وهذا مذهب سائر المتكلمين، فإن الأجسام عندهم مركبة من هذه الجواهر المتماثلة، وإنما تتمايز الأجسام بما يخلقه الله فيها من الأعراض، وقد غلا المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة في التعويل على نظرية الجواهر الفردة، وهي في الأصل نظرية يونانية قديمة، قال بها ديموكريس الفيلسوف الطبيعي اليوناني، وقد بنوا عليها كثيرا من الأصول الإيمانية، فجعلوها عمدتهم في الاستدلال على حدوث العالم ووجود المحدث له، حتى أن أحد كبار الأشاعرة، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، قد أوجب الإيمان بوجود الجوهر الفرد، بناء على أن الإيمان بوجود الله متوقف على ثبوته، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب كما بنوا على تلك النظرية ما يترتب على حدوث العالم من أن الله، فاعل بالاختيار لا موجود بالذات، كما يقوله الفلاسفة، وأنه لا تأثير لشيء من الأسباب في مسبباتها، بل يخلق الله الأشياء عند وجود أسببابها لا بها، وهكذا انحرف المتكلمون عن الجادة واعتمدوا في استدلالهم على وهم كاذب، ربطوا به مصير العقائد الإيمانية كلها، والجوهر الفرد من العلماء من قال لا وجود له، ومنهم من قال: إنه له وجود، فصار الإيمان بالله عند أهل الكلام، والإيمان بالبعث والمعاد مرتبط بالجوهر الفرد، وهذا من بدع أهل الكلام، ولم يحل الله في الإيمان به والإيمان بالبعث والمعاد إلى الجوهر الفرد.
مما يتعلق بالإيمان بالبعث:
النفخ في الصور:
والنفخ في الصور جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا تخيروا بين الأنبياء) ثبت في الحديث في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تخيروني بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟) .
وجاء في الحديث الآخر (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله؟) (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله؟) .
فنشأ الإشكال في هذا الحديث، وسبب هذا الإشكال ناشئ من أنه دخل على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين، بيان ذلك أن قوله في الحديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟) جاء بعض الرواة، فروى الحديث هكذا: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟) وفي لفظ آخر: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله؟) .
ووجه الإشكال: أنه في أول الحديث قال: (يصعقون يوم القيامة) وهذا يدل على أن الناس قاموا من القبور، ووقفوا للحساب، وفي آخر الحديث قال: (فأكون أول من تنشق عنه الأرض) يدل على بدء الخروج من القبور، حيث تنشق عنه ﵊ الأرض، ولم يقف الناس بعد للحساب، فيفسد المعنى بذلك؛ لأن انشقاق الأرض قبل الموقف والصعق في الموقف، ومنشأ الإشكال الوهم من بعض الرواة بإدخال حديث في حديث.
وحل الإشكال رد الحديث إلى أصله، وهو أن صواب الحديث هكذا: (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق) وليس: فأكون أول من تنشق عنه الأرض. وإنما، وهم بعض الرواة، فأبدل قول، فأكون أول من يفيق بقوله، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، وحل الإشكال رد الحديث إلى أصله، الصواب أن هذا وهم من الرواة، وأن هذه اللفظة صوابها: فأكون أول من يفيق. لا، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، وكذلك أشكل في الحديث رواية بعض الرواة، فإنه روى في آخر الحديث: (لا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ؟) .
ووجه الإشكال: أنه في آخر الحديث، استثني من صعقة يوم القيامة؛ لأن أول الحديث: (إن الناس يصعقون يوم القيامة) أو هذا في موقف القيامة، ثم قال في آخره، (فلا أدري أفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله؟) فاستثني من صعقه يوم القيامة.
والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة، لا من صعقة يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة، فالصعق الذي استثنى الله فيه في سورة الزمر والنمل، ذلك الصعق صعق تخريب العالم، وسببه النفخ في الصور والفزع، والمستثنى قيل ملك الموت، وثلاثة ملائكة معه.
стр. 310
ومنشأ الإشكال الوهم من بعض الرواة، حيث اشتبه عليه أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة، وأن موسى داخل في من استثنى الله، فأبدل قوله: (فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور) بقوله: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله .
وحل الإشكال رد الحديث إلى أصله، فالمحفوظ الذي تواترت عليه الروايات الصحيحة هو: (فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور) وعليه المعنى الصحيح، فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده، إذا جاء لفصل القضاء، وموسى ﵊ إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل، فجعله دكا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم، وأما قوله: (فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله فلا يلتئم على مساق الحديث قطعا، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث، وكيف يقول: لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟
فتأمل، وممن نبه على هذا الحافظ أبو الحجاج المزي، والحافظ العلامة ابن القيم، والحافظ عماد الدين ابن كثير، نبهوا على هذا الوهم من الرواة، وأنه دخل على الرواة حديث في حديث، والصعق نوعان: صعق البعث، وسببه هو النفخ في الصور، ووقته يوم القيامة، والثاني: صعق التجلي، وسببه تجلي الله للخلائق، ووقته في موقف يوم القيامة.
والنفخ في الصور، نفختان على الصحيح، وقال بعضهم: ثلاث نفخات نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة الموت، والصواب: أن نفخة الفزع، ونفخة الصعق نفخة واحدة نفخة طويلة، يطولها إسرافيل أولها: فزع وآخرها موت، وأما الحديث الذي فيه إثبات ثلاث نفخات، فهو حديث ضعيف، فأولها النفخة الأولى، نفخة الفزع أولا، ويتغير بها هذا العالم، ويفسد نظامه، ويسير الله الجبال، وترتج الأرض بأهلها رجا، وتكون كالسفينة الموقرة في البحر تضربها الأمواج، وتميد الأرض بالناس على ظهرها، تذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتثور الشياطين هاربين من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة، وتضربها في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين، فينادي بعضهم بعضا وذلك قول الله تعالى: ﴿التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ وتتصدع الأرض، وتكون السماء كالمهل، فيرى الناس أمرا عظيما، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) ﴾ أي من رجوع، ومرد، وقوله ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: المستثنى ملك الموت وجبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل: غير ذلك، وإنما يحصل الفزع لشدة ما يقع من هول تلك النفخة، ثم يكون آخرها صعق وموت، وفيها هلاك كل شيء، كما قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وقد فسر الصعق بالموت.
النفخة الثانية: نفخة البعث والنشور، وقد جاء في الكتاب العزيز آيات تدل عليها كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) ﴾ وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) ﴾ وقوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) ﴾ قال المفسرون: المنادي إسرافيل ﵊ ينفخ في الصور، وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، والمكان القريب صخرة بيت المقدس، وبين النفختين أربعون.
والعرض أنواع: عرض أعمال، أو صحف، وعرض الناس على جهنم وعرض جهنم على الناس، وعرض على الله، قد يعرض بالعمل مع الصحيفة، وقراءة الكتاب، صحف الأعمال جمع صحيفة، وهي الكتب التي كتبتها الملائكة، وأحسن ما فعله كل إنسان من سائر عمله في الدنيا: القولية والفعلية، وغيرها وإنما يؤتى بالصحف؛ إلزاما للعباد ودفعا للجدل والعناد، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) ﴾ قال العلماء: معنى طائره: عمله وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) ﴾ وهو القسم الذي فيه شق النواة، وهذا يضرب مثلا للشيء الحقير.
وأما الصراط فهو لغة: الطريق الواضح، ومنه قول جرير:
أمير المؤمنين على صراط *** إذا اعوج الموارد مستقيما
стр. 311
وشرعا: جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، والأدلة على إثباته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ﴾ وفي الحديث الذي رواه البيهقي، عن مسروق، عن عبد الله بن عباس قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض، ومزلة، فيقال: لهم امضوا على قدر نوركم) .
وجاء في حديث عائشة (في جهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك)
قال العلماء في وصف الصراط: إنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر جاء هذا في أحاديث، وقد أنكر بعض الطوائف الصراط، وهم المعتزلة، وقالوا: ليس هناك صراط حسي، وقالوا: إن الصراط إنما هو المراد الصراط المعنوي، فأهل الحق يثبتون الصراط على ظاهره، من كونه جسرا ممدودا على متن جهنم، أحد من السيف وأنكر بعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أصحابه، ومن أتباعه. قالوا: ليس هناك صراط حسي، قال: والمراد بالصراط طريق الجنة، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) ﴾ وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) ﴾ .
شبهتهم:
قالوا: إنهم أنكروا الصراط الحسي، زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين يوم القيامة، والرد أن هذا تأويل باطل بوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء والطيران في الهواء، والوقوف فيه، وقد أجاب النبي ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك، والمراد بالورود في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ في أصح قولي العلماء: المرور على الصراط، وقال بعضهم: دخول جهنم، والصواب أن المراد به المرور على الصراط.
الصراط: كما سبق أنه لغة: الطريق الواضح، ومنه قول جرير
أمير المؤمنين على صراط *** إذا اعوج الموارد مستقيما
وشرعا: جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون بعد مفارقتهم مكان الموقف.
الأدلة على إثباته كثيرة: منها ما رواه البيهقي بسنده، عن مسروق، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض، ومزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم) ثانيا: ما أخرجه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (في جهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك..) الحديث، ثالثا: أخرج البيهقي عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الصراط كحد السيف..) الحديث.
وفي بعض الآثار أن طول الصراط مسيرة ثلاث آلاف سنة، والله أعلم، قال: ألف منها صعود، وآلف منها هبوط، وآلف منها استواء، والله أعلم بالصواب.
وصف الصراط:
قال العلماء: الصراط أدق من الشعرة، وأحد من السيف وأحر من الجمر، فقد أخرج الطبراني بإسناد حسن، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (يوضع الصراط على سواء جهنم، مثل حد السيف المرهف مدحضة، أي مزلة، أي لا تثبت عليه قدم، بل تزل عنه إلا من يثبته الله، عليه كلاليب من نار تخطف أهلها، فتمسك بهواديبها، ويستبقون عليه بأعمالهم، فمنهم من شده كالبرق، وذلك الذي لا ينشب أن ينجو، ومنهم من شده كالريح، ومنهم من شده كالفرس) .
الطائفة المنكرة للصراط، وشبهتها وتأويلهم للصراط والرد عليه: أهل الحق يثبتون الصراط على ظاهره، بكونه جسرا حسيا ممدودا على متن جهنم، أحد من السيف، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه، وأولوا الصراط فقالوا: المراد بالصراط طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) ﴾ وطريق النار المشار إليها بقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) ﴾ شبهتهم: أنكروا الصراط الحسي، زعما منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن، ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين يوم القيامة.
الرد عليهم: تأويلهم هذا باطل بوجوب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء، والطيران في الهواء والوقوف فيه، وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك.
هل هناك صراط آخر؟
قال القرطبي ﵀: اعلم -رحمك الله تعالى- أن في الآخرة صراطين:
стр. 312
أحدهما: مجاز لأهل الحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم، يجيزون عليه إلا من دخل الجنة بغير حساب، وإلا من يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر المذكور، ولا يخلص منه إلا المؤمنون، الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم، حبسوا على صراط آخر، خاص لهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد، -إن شاء الله تعالى- لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، التي يسقط منها من أوبقته ذنوبه، وزاد على الحسنات جرمه وعيوبه.
ويدل على هذا الصراط الثاني ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في هذه الآية: ( ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) ﴾ قال: يخلص المؤمنون من النار، فيجلسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا، ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا) .
قال القرطبي: هذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين، أما من دخلها، ثم أخرج، فإنهم لا يحبسون، بل إذا أخرجوا بقوا على أنهار الجنة.
المراد بالورود في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ﴾ اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في هذه الآية على قولين: فقيل: المراد به الدخول في النار، وهذا قال به ابن عباس وجماعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بعد قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فالتعبير بالإنجاء بعد الورود دليل على أنهم دخلوا، لكنهم نجوا، وأجيب بأن التعبير بالإنجاء لا يستلزم إحاطة العذاب بالشخص، بل يكفي في ذلك انعقاد أسبابه، ولو لم يهلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا هُودًا﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا صَالِحًا﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا شُعَيْبًا﴾ ولم يكن العذاب أصابه، ولكن أصاب غيره.
ثانيا: من ناحية اللغة أن الورود في اللغة... الدليل الثاني: استدلوا باللغة قالوا: الورود في اللغة يستلزم الدخول، والجواب يرد ذلك بالحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: -وهو في صحيح مسلم- (والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: ألم تسمعيه قال ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) ﴾ ) أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من النار لا تستلزم حصوله، بل تستلزم العقاب الشديد.
الدليل الثالث: استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) ﴾ فسمى دخول النار ورودا، وأجيب بأن هذه الآيات في الكفار، ويستلزم الورود إحاطة العذاب بهم، ودخولهم من أدلة أخرى لا من نفس الورود.
القول الثاني: أن المراد بالورود المرور على الصراط، وهذا هو الصواب، ويؤيد ذلك الحديث الصحيح، الذي رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال: ألم تسمعيه قال ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) ﴾ ) أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من النار لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، ولو لم يحصل الهلاك.
ثانيا: أن من طلبه عدوه؛ ليهلكوه، ولم يتمكنوا منه يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا هُودًا﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نجينا شُعَيْبًا﴾ ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا.
ثالثا: أن النبي ﷺ قد بين في هذه الإجابة المذكور أن الورود هو المرور على الصراط، وعن يعلى بن أمية عن رسول الله ﷺ أنه قال: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي) .
стр. 313
وأما الميزان، فإنه يجب الإيمان به كأخذ الصحف، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والأدلة على إثبات الميزان كثيرة قول الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) ﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) ﴾ واختلف العلماء هل في يوم القيامة ميزان واحد، أو موازين متعددة والأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، كِفتاه كأطباق السماوات والأرض، وقيل إنه لكل أمة ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان، ومن قال: إنه ميزان واحد أجاب عن الآيات بأن المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة.
وأهل السنة يؤمنون بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف الأعمال، وهو ميزان حسي، وذهب بعض المبتدعة كالمعتزلة وبعض الملحدين إلى أن الميزان أمر معنوي، قالوا: والمراد به العدل.
شبهتهم: قال المعتزلة: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، ومثلها يوزن بميزان معنوي، هو العدل، وإنما يقبل الوزن الأجسام، قالوا: والله لا يحتاج إلى الميزان، ولا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، أما الله فلا يحتاج إلى الميزان، هكذا المعتزلة حرفوا النصوص بأهوائهم، رد عليهم أهل السنة بأن الله يقلب الأعراض أجساما، كما في حديث البراء بن عازب، أن العمل يمثل في القبر لصاحبه إنسانا حسنا، أو قبيحا، مع أن العمل معنوي وكما في حديث أبي هريرة: (يؤتى بالموت كبشا أغر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة فيشرئبون، وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح الموت كالكبش) وهو معنوي، فكذلك الميزان، كذلك الله تعالى يقلب الأعمال أجساما، فتوزن، ويوزن الشخص، توزن الأعمال، ويوزن الشخص، يعني (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة) وقال النبي ﷺ (في دقتي ساقي ابن مسعود، إنهما، لهما في الميزان أثقل يوم القيامة من جبل أحد) ويوزن الشخص، وتوزن الأعمال، ومنشأ ضلال هؤلاء المعتزلة وغيرهم قياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال حسي له كفتان حسيتان مشاهدتان.
ومن ذلك حديث البطاقة أنه يؤتى برجل، ويخرج له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر سيئات، ثم يؤخذ له بطاقة فيها الشهادتان، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فتوضع السجلات في كفة، وتوضع البطاقة في كِفة، فطاشت السجلات من كثرة البطاقة، فنجي وسلم، وغفر الله له.
نعم.
والترتيب في الميزان والحوض والصراط والحساب، الصواب أن مراتب البعث والمعاد والصراط، أنها أولا المعاد والبعث والنشور، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال، ثم الميزان، ثم الورود على الصراط، ثم الجنة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة.
الميزان عند أهل الحق ميزان حسي له كفتان عظيمتان، والأدلة على إثبات الميزان منها قول الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) ﴾ وقوله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) ﴾ اختلف العلماء هل في موقف القيامة، ميزان واحد أم موازين متعددة؟ فالأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال كفتاه كأطباق السماوات والأرض، وقيل: إنه لكل أمة ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان. قال بعضهم: الأظهر إثبات موازين يوم القيامة، لا ميزان واحد استدلالا بالآية السابقة ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ومن قال إنه ميزان واحد، أجاب على الآيات بأن المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، فلا بد للمؤمن الإيمان بالميزان، الذي توزن به الحسنات والسيئات، وأنه حق وأن له لسانا وكفتين توزن به صحائف الأعمال.
الخلاف في الميزان هل هو حسي، أو معنوي؟
ذهب بعض المبتدعة كالمعتزلة وبعض الملحدين المعاندين إلى أن الميزان أمر معنوي، والمراد به العدل.
стр. 314
شبهتهم: أن الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، ومثلها يوزن بميزان معنوي، هو العدل وإنما يقبل الوزن الأجسام، والله لا يحتاج إلى الميزان، ولا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال.
الرد عليهم بأن الله يقلب الأعراض أجساما، كما في حديث البراء بن عازب أن العمل يمثل في القبر لصاحبه إنسانا حسنا، أو قبيحا مع أن العمل معنوي وكما في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بالموت كبشا أغر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة فيشرئبون، وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال خلود، فلا موت) فهذا الموت معنوي قلب جسما، وامتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات غير ملتفت إليه، ومنشأ ضلال المؤولين للميزان، هي قياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال حسي له كفتان حسيتان مشاهدتان، ومن أدلة ذلك حديث البطاقة وفيه (توضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة) .
ثانيا: وفي الترمذي في سياق آخر (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة) الحديث، وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، وهو دليل على أن الميزان له كفتان حسيتان.
ثالثا: روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، قال اقرءوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ﴾ ) وقال ﵊ في ساقي ابن مسعود (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) .
وقد وردت الأحاديث -أيضا- بوزن الأعمال أنفسها، منها حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) ومنها في الصحيح، وهو خاتمة كتاب البخاري: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) .
فهذه الأدلة السابقة تدل على وزن الأشخاص والأعمال وصحائف الأعمال بميزان حسي، له كفتان حسيتان، فثبت وزن الأعمال والعامل وصحف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.
الحكمة في وزن الأعمال بالميزان الحسي:
قال الثعلبي: الحكمة في ذلك تعريف الله عباده ما لهم عنده من الجزاء، من خير، أو شر، وقيل: بل الحكمة في وزن الأعمال ظهور عدل الله -سبحانه- في جميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين، ومنذرين، ومن الحكمة -أيضا- بيان فضل الله، وأنه يزن مثاقيل الذر من خير، أو شر قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) ﴾ وفيه إدخال البشر والسرور على المؤمنين، وراء ذلك أيضا من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه.
الترتيب في الحساب والميزان أيهما يكون قبل الآخر مع التوجيه؟
قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ وذلك لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها.
والترتيب في الميزان والحوض والصراط:
اعلم أن مراتب المعاد والبعث والصراط والحساب والحوض والميزان ما يلي معاد وبعث، ونشور، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال، ثم الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم الوقوف على القنطرة بين الجنة والنار، وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطا.
ثانيا: للمؤمنين خاصة، وليس يسقط فيه أحد في النار، فيكون الترتيب هكذا:
بعث، فقيام، فحوض، فحساب، فصحف، فميزان، فصراط، فقنطرة، فالجنة.
стр. 315
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان
стр. 316
النوع الخامس من الأدلة: إرسال جبريل ﵊ بعد خلق الجنة والنار للنظر إليهما، فشاهدهما، وما حف بكل منهما، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب، فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها) وقال في النار مثل ذلك.. الحديث.
هذه خمسة أنواع من الأدلة، كلها تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وتحت كل نوع أفراد من الأدلة، أما المنكرون لخلقهما الآن، وهم المعتزلة والقدرية، فإنهم يقولون: إن الله ينشؤهما، ويخلقهما يوم القيامة، وأنكروا وجودهما الآن.
حجتهم في ذلك:
هذا المذهب مبني على أصلهم الفاسد، الذي حملهم على الإنكار، وأصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة للرب فيما يفعله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وهو الحسن والقبح العقليين، وقياس الله على خلقه في أفعاله، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة، التي وضعوها لله، وهي مسألة الحسن والقبح العقليين، وصرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا، وبدلوا من خالف شريعتهم، فقالوا: -هذه شبهتهم العقلية- قالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا متطاولة، والعبث محال على الله.
هذه حجتهم: العقل، قالوا: خلق الجنة والنار الآن قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا طويلة، ما فيها أحد، والعبث محال على الله.
بتعبير آخر قالوا: وجودهما اليوم ولا جزاء نوع من العبث، والعبث محال على الله.
الرد عليهم:
أولا بإبطال أصلهم الفاسد: الذي وضعوا به شريعة للرب، وهو تحكيم عقولهم قبحا وحسنا، وقياس الله على خلقه.
ويقال ثانيا: ليستا معطلتين من قال إنهما معطلتان ليستا معطلتين، بل هما مشغولتان، فإن الروح تنعم في الجنة، أو تعذب في النار، قبل يوم القيامة، كحديث: (إنما مثل روح المؤمن كطائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة) فهذا صريح في دخول الروح الجنة، قبل يوم القيامة، وحديث البراء بن عازب في قصة العبد المؤمن والكافر، وأنه يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، أو يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.
ويقال ثالثا في الرد عليهم: أن الاتعاظ والتذكر فيهما إذا كانتا موجودتين الآن أشد وأبلغ منه فيما إذا قيل: إن الله ينشؤهما يوم القيامة، فإن الإنسان إذا علم بوجود الجنة اجتهد في تحصيلها، وإذا علم بوجود النار اجتهد في الهرب والبعد منها، أكثر مما لو كانت غير موجودة.
ومن أدلتهم الشرعية، من شبههم الشرعية:
استدلوا بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وجه الاستلال من الآيتين: أن كلا من هذين الآيتين، تدل على أن المخلوقات صائرة إلى الفناء، ولو كانت الجنة والنار مخلوقتان الآن، لوجب اضطرارا أن تفنيا يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيهما، ويموت فيموت الحور العين التي في الجنة والوالدان، وقد أخبر الله -سبحانه- أن الدار دار خلود، ومن فيها مخلدون لا يموتون فيها، وخبر الله -سبحانه- لا يجوز عليه خلف، فدل على أنهما تخلقان يوم القيامة، هذه دليلهم.
أجيب عن الآيتين بأجوبة منها: أن المراد بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ مما كتب الله عليه الفناء، والهلاك هالك وأما الجنة والنار، فخلقتا للبقاء لا للفناء، فلا يلزم من وجودهما الآن الفناء يوم القيامة، وكذلك العرش لا يفنى، فإنه سقف الجنة، وقيل المراد كل شيء هالك إلا ملكه، وقيل المراد إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إن الآية وردت للرد على الملائكة، وذلك أن الله تعالى أنزل كل من عليها، فإن فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى عن أهل السماء والأرض، أنهم يموتون فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت، والذي حمل أهل السنة على تأويل هاتين الآيتين، إنما فعلوا ذلك توفيقا بينهما وبين النصوص المحكمة الدالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار، أيضا.
الدليل الثاني للمعتزلة: في أن الجنة والنار ليستا موجودتين الآن، استدلوا بحديث بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لقيت إبراهيم ﵊ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ومثله حديث جابر ﵁ عنه مرفوعا (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) .
ووجه الاستدلال: أن القيعان لشيء غير موجود، ولو كانت مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا، ولم يكن لهذا الغراس معنى، ولقال: طيبة الثمرة، ولم يقل: طيبة التربة.
стр. 317
هذا دليلهم، وأجيب بأن قوله: (طيبة التربة وعذبة الماء وقيعان) دليل على وجودها، فتربتها موجودة، والحادث إنما هو غرسها فقط، فالحديث صريح صريح في أن أرض الجنة مخلوقة، وأن الذكر ينشئ الله -سبحانه- لقائله منه غراسا في تلك الأرض.
ومن أدلتهم: قول الله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ووجه الدلالة: أنها قالت "ابن لي بيتا" ولم تقل: بيتا مبنيا، فدل على أنها لم تخلق، إذ من المحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوابا، انسج لي ثوبا.
وأجيب: بأن غاية ما تدل عليه الآية، أنه لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنه لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، ولا تدل على أنها الآن معدومة، بل إن أرضها مخلوقة وبناء الغروس فيها بالأعمال المذكورة، والعبد كلما وسع في أعمال البر وسع الله له في الجنة، وكلما عمل خيرا غرس له به هناك غراسا، وبني له بناء وأنشئ له من عمله أنواع مما يتمتع به، ويجاب عن شبهتهم بجواب إجمال، وهو أن يقال: إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة، بمنزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده المعلوم بالضرورة من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا تزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون، أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وهو ما تشهد له الأدلة، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القول.
مكان الجنة: معروف أن مكان الجنة في السماء، وأنه فوق السماء السابعة، وأن السقف عرش الرحمن، والنار في الأرض في أسفل سافلين، وتبرز يوم القيامة، فهذا في وجود الجنة والنار.
أما أبدية الجنة والنار:
فللعلماء في هذه المسألة أقوال، يعني: هل الجنة والنار تبقيان، أو لا تبقيان، مستمرتان؟.
فيه أقوال للعلماء:
القول الأول: أن الجنة والنار لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان مدى الدهور باقيتان بإبقاء الله لهما، وهذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف.
الثاني: أن الجنة باقية لا تفنى، أما النار فتفنى ولو بعد حين، وهذا قول جماعة من السلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرهما.
القول الثالث: أنهما تفنيان جميعا. الجنة والنار تفنيان جميعا، وهذا قول الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، هذا قول منكر، قول الجهم، يقول: إن الجنة والنار تفنيان أبدا.
شبهة الجهم:
يقول: الجنة والنار حادثتان، وما ثبت حدوثه ثبت فناؤه هذه قاعدة عنده، يعتمد على العقل، الجنة والنار حادثتان، وما ثبت حدوثه ثبت فناؤه، واستحال بقاؤه، إذ لو بقيتا شاركتا الله في بقائه، وما لم تك تفنيان، لو قلنا: إنهما مستمرتان باقيتان شاركتا الله في بقائه، والذي يبقى هو الله، ويرد عليه بأن بقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل لإبقاء الله لهما، وأما بقاء الله -سبحانه- فهو واجب لذاته.
وشبهة الجهم مبنية على أصله الفاسد، الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، وهذا الأصل هو عمدة أهل الكلام المذموم، الذي استدلوا به على حدوث الأجسام، وحدوث ما لا يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم.
النار، في أبدية النار ودوامها خاصة مداخل: وهي ترجع إلى قول السابقين:
القول الأول: إن النار دائمة مؤبدة، لا تفنى، ولا تبيد، وهذا قول الجماهير.
القول الثاني: إن الله يخرج من النار من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيهما، فإنه جعل لهما أمدا تنتهي إليه، أما القول الأول، فإن الله يخرج منها من يشاء، وهم عصاة الموحدين، ويبقي فيها الكفار بقاء سرمديا لا انقضاء له، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وأما الذين قالوا: إنها لا تبقى استدلوا بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقالوا -أيضا-: وكل نص يقتضي الخلود في النار، فهو قابل لأن يسلط عليه الاستثناء.
ومن أدلتهم: قالوا: التعذيب والخلود مراد به طول المكث، ومن أدلتهم قالوا: غلبة الرحمة للغضب. ومن أدلتهم: التعبير عن مدة العذاب بما يفيد التحديد.
والدليل الخامس: من أدلتهم دوام الجنة، قالوا: دوام الجنة مقتضى الحكمة بخلاف النار، وقالوا من أدلتهم الدليل السادس: الإحسان مقصود لذاته، والعذاب مقصود لغيره، وما كان مقصودا لغيره، فإنه ينتهي، أما أولئك، فهناك أقوال أخرى: في النار من الناس من قال إنها يدخلها قوم، ثم يخرجون منها ويخلفهم آخرون، وهذا قول اليهود، ومنهم من قال: إنها تفنى وهذا قول الجهم، ومنهم من قال: تفنى الحركات، وهذا قول أبي الهذيل العلاف.
стр. 318
وهذه كلها أقوال باطلة، والصواب القول الأول، وهو أن النار مؤبدة باقية لا تفنى أبد الآباد؛ لأن الله أخبر بذلك قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) ﴾ والأحقاب المدد الطويلة، التي لا تنتهي، كلما انتهى حقب، يعقبها حقب، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من السلف من أهل السنة، وهو الذي عليه الصحابة والتابعون. نعم.
معتقد أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان، وإن الله - تعالى- خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلا.
نعم هذا معتقد أهل السنة والجماعة أن الله خلق الجنة والنار وأبقاهما، وخلق لهما أهلا، وهذا القدر السابق، الله تعالى، قدر أهل السعادة وأهل الشقاوة، كتب الله في اللوح المحفوظ، أهل السعادة وأهل الشقاوة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) .
أهل السعادة مقدر سعادتهم، وأهل الشقاوة مقدر.. ولكن الله يسر كلا لما خلق له، فأهل السعادة يسر الله لهم عمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يسر لهم عمل أهل الشقاوة، كما قال سبحانه:: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ . نعم.
стр. 319
فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه