النوع الخامس من الأدلة: إرسال جبريل ﵊ بعد خلق الجنة والنار للنظر إليهما، فشاهدهما، وما حف بكل منهما، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب، فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها) وقال في النار مثل ذلك.. الحديث.
هذه خمسة أنواع من الأدلة، كلها تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وتحت كل نوع أفراد من الأدلة، أما المنكرون لخلقهما الآن، وهم المعتزلة والقدرية، فإنهم يقولون: إن الله ينشؤهما، ويخلقهما يوم القيامة، وأنكروا وجودهما الآن.
حجتهم في ذلك:
هذا المذهب مبني على أصلهم الفاسد، الذي حملهم على الإنكار، وأصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة للرب فيما يفعله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وهو الحسن والقبح العقليين، وقياس الله على خلقه في أفعاله، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة، التي وضعوها لله، وهي مسألة الحسن والقبح العقليين، وصرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا، وبدلوا من خالف شريعتهم، فقالوا: -هذه شبهتهم العقلية- قالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا متطاولة، والعبث محال على الله.
هذه حجتهم: العقل، قالوا: خلق الجنة والنار الآن قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا طويلة، ما فيها أحد، والعبث محال على الله.
بتعبير آخر قالوا: وجودهما اليوم ولا جزاء نوع من العبث، والعبث محال على الله.
الرد عليهم:
أولا بإبطال أصلهم الفاسد: الذي وضعوا به شريعة للرب، وهو تحكيم عقولهم قبحا وحسنا، وقياس الله على خلقه.
ويقال ثانيا: ليستا معطلتين من قال إنهما معطلتان ليستا معطلتين، بل هما مشغولتان، فإن الروح تنعم في الجنة، أو تعذب في النار، قبل يوم القيامة، كحديث: (إنما مثل روح المؤمن كطائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة) فهذا صريح في دخول الروح الجنة، قبل يوم القيامة، وحديث البراء بن عازب في قصة العبد المؤمن والكافر، وأنه يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، أو يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها.
ويقال ثالثا في الرد عليهم: أن الاتعاظ والتذكر فيهما إذا كانتا موجودتين الآن أشد وأبلغ منه فيما إذا قيل: إن الله ينشؤهما يوم القيامة، فإن الإنسان إذا علم بوجود الجنة اجتهد في تحصيلها، وإذا علم بوجود النار اجتهد في الهرب والبعد منها، أكثر مما لو كانت غير موجودة.
ومن أدلتهم الشرعية، من شبههم الشرعية:
استدلوا بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وجه الاستلال من الآيتين: أن كلا من هذين الآيتين، تدل على أن المخلوقات صائرة إلى الفناء، ولو كانت الجنة والنار مخلوقتان الآن، لوجب اضطرارا أن تفنيا يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيهما، ويموت فيموت الحور العين التي في الجنة والوالدان، وقد أخبر الله -سبحانه- أن الدار دار خلود، ومن فيها مخلدون لا يموتون فيها، وخبر الله -سبحانه- لا يجوز عليه خلف، فدل على أنهما تخلقان يوم القيامة، هذه دليلهم.
أجيب عن الآيتين بأجوبة منها: أن المراد بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ مما كتب الله عليه الفناء، والهلاك هالك وأما الجنة والنار، فخلقتا للبقاء لا للفناء، فلا يلزم من وجودهما الآن الفناء يوم القيامة، وكذلك العرش لا يفنى، فإنه سقف الجنة، وقيل المراد كل شيء هالك إلا ملكه، وقيل المراد إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إن الآية وردت للرد على الملائكة، وذلك أن الله تعالى أنزل كل من عليها، فإن فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى عن أهل السماء والأرض، أنهم يموتون فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت، والذي حمل أهل السنة على تأويل هاتين الآيتين، إنما فعلوا ذلك توفيقا بينهما وبين النصوص المحكمة الدالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار، أيضا.
الدليل الثاني للمعتزلة: في أن الجنة والنار ليستا موجودتين الآن، استدلوا بحديث بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لقيت إبراهيم ﵊ ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ومثله حديث جابر ﵁ عنه مرفوعا (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) .
ووجه الاستدلال: أن القيعان لشيء غير موجود، ولو كانت مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا، ولم يكن لهذا الغراس معنى، ولقال: طيبة الثمرة، ولم يقل: طيبة التربة.
стр. 317
هذا دليلهم، وأجيب بأن قوله: (طيبة التربة وعذبة الماء وقيعان) دليل على وجودها، فتربتها موجودة، والحادث إنما هو غرسها فقط، فالحديث صريح صريح في أن أرض الجنة مخلوقة، وأن الذكر ينشئ الله -سبحانه- لقائله منه غراسا في تلك الأرض.
ومن أدلتهم: قول الله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ ووجه الدلالة: أنها قالت "ابن لي بيتا" ولم تقل: بيتا مبنيا، فدل على أنها لم تخلق، إذ من المحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوابا، انسج لي ثوبا.
وأجيب: بأن غاية ما تدل عليه الآية، أنه لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنه لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، ولا تدل على أنها الآن معدومة، بل إن أرضها مخلوقة وبناء الغروس فيها بالأعمال المذكورة، والعبد كلما وسع في أعمال البر وسع الله له في الجنة، وكلما عمل خيرا غرس له به هناك غراسا، وبني له بناء وأنشئ له من عمله أنواع مما يتمتع به، ويجاب عن شبهتهم بجواب إجمال، وهو أن يقال: إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة، بمنزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده المعلوم بالضرورة من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا تزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون، أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وهو ما تشهد له الأدلة، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القول.
مكان الجنة: معروف أن مكان الجنة في السماء، وأنه فوق السماء السابعة، وأن السقف عرش الرحمن، والنار في الأرض في أسفل سافلين، وتبرز يوم القيامة، فهذا في وجود الجنة والنار.
أما أبدية الجنة والنار:
فللعلماء في هذه المسألة أقوال، يعني: هل الجنة والنار تبقيان، أو لا تبقيان، مستمرتان؟.
فيه أقوال للعلماء:
القول الأول: أن الجنة والنار لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان مدى الدهور باقيتان بإبقاء الله لهما، وهذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف.
الثاني: أن الجنة باقية لا تفنى، أما النار فتفنى ولو بعد حين، وهذا قول جماعة من السلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرهما.
القول الثالث: أنهما تفنيان جميعا. الجنة والنار تفنيان جميعا، وهذا قول الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، هذا قول منكر، قول الجهم، يقول: إن الجنة والنار تفنيان أبدا.
شبهة الجهم:
يقول: الجنة والنار حادثتان، وما ثبت حدوثه ثبت فناؤه هذه قاعدة عنده، يعتمد على العقل، الجنة والنار حادثتان، وما ثبت حدوثه ثبت فناؤه، واستحال بقاؤه، إذ لو بقيتا شاركتا الله في بقائه، وما لم تك تفنيان، لو قلنا: إنهما مستمرتان باقيتان شاركتا الله في بقائه، والذي يبقى هو الله، ويرد عليه بأن بقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل لإبقاء الله لهما، وأما بقاء الله -سبحانه- فهو واجب لذاته.
وشبهة الجهم مبنية على أصله الفاسد، الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، وهذا الأصل هو عمدة أهل الكلام المذموم، الذي استدلوا به على حدوث الأجسام، وحدوث ما لا يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم.
النار، في أبدية النار ودوامها خاصة مداخل: وهي ترجع إلى قول السابقين:
القول الأول: إن النار دائمة مؤبدة، لا تفنى، ولا تبيد، وهذا قول الجماهير.
القول الثاني: إن الله يخرج من النار من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيهما، فإنه جعل لهما أمدا تنتهي إليه، أما القول الأول، فإن الله يخرج منها من يشاء، وهم عصاة الموحدين، ويبقي فيها الكفار بقاء سرمديا لا انقضاء له، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وأما الذين قالوا: إنها لا تبقى استدلوا بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وقالوا -أيضا-: وكل نص يقتضي الخلود في النار، فهو قابل لأن يسلط عليه الاستثناء.
ومن أدلتهم: قالوا: التعذيب والخلود مراد به طول المكث، ومن أدلتهم قالوا: غلبة الرحمة للغضب. ومن أدلتهم: التعبير عن مدة العذاب بما يفيد التحديد.
والدليل الخامس: من أدلتهم دوام الجنة، قالوا: دوام الجنة مقتضى الحكمة بخلاف النار، وقالوا من أدلتهم الدليل السادس: الإحسان مقصود لذاته، والعذاب مقصود لغيره، وما كان مقصودا لغيره، فإنه ينتهي، أما أولئك، فهناك أقوال أخرى: في النار من الناس من قال إنها يدخلها قوم، ثم يخرجون منها ويخلفهم آخرون، وهذا قول اليهود، ومنهم من قال: إنها تفنى وهذا قول الجهم، ومنهم من قال: تفنى الحركات، وهذا قول أبي الهذيل العلاف.
стр. 318
وهذه كلها أقوال باطلة، والصواب القول الأول، وهو أن النار مؤبدة باقية لا تفنى أبد الآباد؛ لأن الله أخبر بذلك قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ﴾ وقال سبحانه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) ﴾ والأحقاب المدد الطويلة، التي لا تنتهي، كلما انتهى حقب، يعقبها حقب، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من السلف من أهل السنة، وهو الذي عليه الصحابة والتابعون. نعم.
معتقد أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا، ولا تبيدان، وإن الله - تعالى- خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلا.
نعم هذا معتقد أهل السنة والجماعة أن الله خلق الجنة والنار وأبقاهما، وخلق لهما أهلا، وهذا القدر السابق، الله تعالى، قدر أهل السعادة وأهل الشقاوة، كتب الله في اللوح المحفوظ، أهل السعادة وأهل الشقاوة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) .
أهل السعادة مقدر سعادتهم، وأهل الشقاوة مقدر.. ولكن الله يسر كلا لما خلق له، فأهل السعادة يسر الله لهم عمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يسر لهم عمل أهل الشقاوة، كما قال سبحانه:: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ . نعم.
стр. 319
فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه
стр. 320
وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له
стр. 321
والخير والشر مقدران على العباد
стр. 322
والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق، الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن، وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال -تعالى- ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
стр. 323
إذن نقول: المذاهب في هذه المسألة ثلاثة: الجبرية: أثبتت الجبرية قدرة واحدة، وهي الأولى بمعنى التوفيق، فقالوا: لا تكون القدرة إلا مع الفعل، وهذا مذهب الجهمية والأشعرية والماتريدية، والمذهب الثاني: للقدرية والمعتزلة، أثبتوا قدرة واحدة، وهي الثانية التي بمعنى توفر الأسباب والآلات، فقالوا: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل، والمذهب الثالث: مذهب أهل السنة والجماعة، أثبتوا القدرة بنوعيها التي بمعنى التوفيق، والتي بمعنى توفر الأسباب والآلات.
من أدلة الجبرية: استدلوا بقول الله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) ﴾ قوله سبحانه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ يعني لم يوفق هذه الاستطاعة بمعنى القدرة الموافقه للفعل ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) ﴾ فقوله سبحانه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) ﴾ يعني ما كانوا يقدرون ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ يعني سمع القرآن والمواعظ يعني سمع التنفيذ والعمل، يعني ما كانوا يستطيعون ذلك؛ لأن الله لم يوفقهم، ما كانوا يقدرون على ذلك؛ لأن الله ما وفقهم؛ لأن الله خذلهم، فلم يوفقهم لسماع القبول والتنفيذ، فهم لا يقدرون؛ لأن الله لم يوفقهم.
نقول: هذا صحيح، نثبت النوع الأول للقدرة، لكن هناك نوع آخر أثبتته الأدلة الأخرى، وكذلك قول الله تعالى عن موسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) ﴾ قول الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) ﴾ هل موسى ما عنده أسباب وآلات يستطيع بها الصبر؟ لا عنده، والمعنى إنك لن تقدر، أن تسكت؛ لأن ما تراه مخالفا لظاهر الشرع، فموسى ما صبر. قال له الخضر: اصبر قال له موسى: سأصبر، قال له الخضر: لا ما تستطيع الصبر؛ ولذلك ما صبر موسى لما رآه خرق السفينة وقتل الغلام، وأقام الجدار أنكر؛ لأن موسى من شدة غيرته ما يسكت، فهو يرى أن ما فعله الخضر مخالفا لظاهر الشرع؛ ولذلك أنكر عليه، وليس المعنى أنه ليس معه استطاعة، وليس معه آلات.
وأما المعتزلة، فاستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: فهذه الاستطاعة بمعنى توفر الأسباب والآلات، ولو كان المراد بها الاستطاعة كما تقول الجبرية التي مع الفعل، لم يكن الله قد أوجب الحج إلا على من حج، وأما من لم يحج، فلا يطالب بالحج، هذا باطل، فدل على أن المراد بالاستطاعة بمعنى توفر الأسباب والآلات، ومثله -أيضا- قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أوجب الله التقوى على المستطيع، والمراد بالمستطيع الذي معه القدرة على التقوى، وليس المراد المستطيع الذي فعل التقوى في الحال، وإلا لما أوجب الله، وإلا لم تكن الاستطاعة واجبة إلا على من اتقى بالفعل، فدل على أن المراد بالاستطاعة، الاستطاعة بمعناها توفر الأسباب والآلات.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ المنافقون في غزوة تبوك تأخروا، فلما أنكر عليهم المسلمون قالوا: ما نستطيع ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ هل عندهم أسباب وآلات، يستطيعون الخروج أم ما عندهم؟ عندهم، فلو كان المراد بالاستطاعة نفس الفعل، لما كذبهم الله في قوله: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) ﴾ فدل على أن المراد بالاستطاعة معنى: الأسباب والآلات، عندهم قدرة، استطاعة، يستطيعون، يتجهزون، ويمشون مع المسلمين، لكن الله خذلهم.
والجواب: أجاب أهل السنة بأن الأدلة التي استدل بها الجبرية تثبت النوع الأول من القدرة، والأدلة التي استدل بها القدرية والمعتزلة تثبت النوع الثاني، وكل من الاستطاعتين حق، وقالوا لهم: أنتم أيها الجبرية أثبتم نوعا من الاستطاعة، واستدللتم له بالأدلة، وهذا حق، لكن الباطل كونكم أنكرتم النوع الثاني من الاستطاعة، وقالوا للقدرية والمعتزلة: أنتم أثبتم نوعا من القدرة والاستطاعة، وهي الاستطاعة بمعنى توفر الأسباب، وهذا حق، والنوع الأول لم تثبتوه، وهذا باطل، وأما نحن، فنثبت نوعي الاستطاعة، ونستدل بأدلتكم -أيها الجبرية- على النوع الأول، ونستدل بأدلتكم -أيها المعتزلة والقدرية- على النوع الثاني، وبذلك تتفق الأدلة ولا تختلف. نعم.
والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل.
стр. 324
نعم هذه الاستطاعة التي يجب بها الفعل، يعني يوجد بها الفعل من نحو التوفيق يعني: معناه معنى التوفيق والتسديد للفعل، هذه ليست صفة المخلوق، بل هي صفة لله، الله هو الموفق هذه الاستطاعة، التي يجب بها الفعل، يعني يوجد بها الفعل متي يوجد الفعل؟ إذا وفقك الله، فإن لم يوفقك، فلا يوجد الفعل، والتوفيق ممن؟ من الله، إذن الاستطاعة التي يجب بها الفعل، ويوجد بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به، وإنما هو وصف لله، فالله هو الموفق، وهو الهادي، وهو الذي يخلق الهداية في القلوب، ويجعل الإنسان يختار الحق، ويرضى به، ويريده، ويخلق الله الإرادة والهداية في قلبه، فيوجد الفعل. نعم.
стр. 325
وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب
стр. 326
وهو كما قال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
стр. 327
وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد
стр. 328
يقولون: إن أفعال العباد كلها اضطرارية، استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وهذا في غزوة بدر، لما أخذ النبي ﷺ قبضة من تراب، ثم رمى بها نحو الكفار، لم يبق كافر إلا، وقد أصابه من هذه القبضة شيء، ودخل في عينيه وفمه ومنخره، فأنزل الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قالوا: إن الله نفى عن نبيه الرمي، فدل على أن العبد لا اختيار له، الله قال: ما رميت، ولكن الله رمى.
إذن: نفى الرمي عن نبيه، وأثبته لنفسه، فدل على أن العبد لا فعل له، ولا اختيار، وأن الأفعال أفعال الله. واضح هذا؟.
أجاب أهل السنة والجماعة، أهل الحق قالوا:
أنتم -أيها الجبرية- أغمضتم أعينكم عن الحق، وفتحتم أعينكم لما يناسبكم من الآية، الآية الآن فيها إثبات الرمي للرسول، ونفي الرمي قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ إذن نفى عن نبيه رميا، وأثبت لنبيه رميا، فدل.. الرمي نوعان: نوع يكون للمخلوق، ونوع يكون للخالق، نوع أثبته الله لنبيه، ونوع نفاه الله عن نبيه، فالنوع الذي أثبته الله لنبيه الحذف، الرسول حذف، والنوع الذي نفاه عن نبيه الإصابة، فابتداء الرمي هذا حذف، وانتهاؤه الإصابة هذا رمي، فالله أثبت لنبيه الحذف، ونفى عن نبيه الإصابة، وتقدير الآية، وما أصبت إذ حذفت، ولكن الله أصاب ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وما أصبت إذ حذفت، ولكن الله أصاب.
قالوا -أيضا- الجبرية: ومما يدل على أن أفعال العباد، لا اعتبار لها، وأن الله تعالى، لا يعتد بأفعال العباد، قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ووجه الدلالة: قالوا الباء في قوله: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله) باء السبب والتقدير: لن يدخل أحدكم الجنة بسبب عمله، فالله تعالى ما اعتبر العمل شيئا، ولم يعتبره سببا، وإنما دخول الجنة بفضل الله، فدل على أن العباد ليس لهم أفعال؛ لأن النبي ﷺ نفى دخول الجنة بالعمل، وإنما دخول الجنة بالفضل والرحمة، ما دل على أن الأفعال ليست أفعالا لهم، واضح هذا؟ .
أما القدرية والمعتزلة، الذين يقولون: العباد خالقون لأفعالهم، والله تعالى لا يقدر عليها، استدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾ قالوا: الآية دليل على أن هناك خالقين مع الله، إلا أن الله أحسنهم وأجودهم خلقا، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾ يعني أجود الخالقين وأحسنهم، فدل على أن العباد خالقين مع الله، أن العباد خالقون مع الله إلا أن الله أحسن خلقا وأجود، فدل على أن العباد خالقون لأفعالهم.
وقالوا: مما يدل على أن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم قول الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ قالوا: الباء باء العوض، والمعنى ادخلوا الجنة عوضا عن عملكم، فدل على أن الأعمال عوض؛ لأن العباد خلقوها وأوجدوها باختيارهم، فوجب على الله أن يعوضهم عنها الثواب، كما يعوض الأجير أجرته.
ماذا أجاب أهل السنة؟ قالوا: أنتم -أيها المعتزلة والقدرية- ضللتم في تفسير هاتين الآيتين، كما أن إخوانكم من القدرية ضلوا أيضا، أما قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾ فالخلق نوعان:
النوع الأول: الإنشاء والاختراع، هذا لا يقدر عليه إلا الله، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
النوع الثاني: من الخلق التصوير والتقدير، وهذا هو الذي يثبت للمخلوق، ومعنى الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ﴾ يعني أحسن المقدرين المصورين، لا المنشئين المخترعين.
الإنشاء والاختراع ما يكون إلا لله، لكن التقدير والتصوير، يقدر عليه المخلوق، وكما قال الله -تعالى- عن عيسى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ تخلق: يعني تقدر وتصور، فعيسى ﵇ يصور ويقدر الطين كهيئة الطير، وينفخ فيه، فالله - تعالى- يخلق فيه الروح، فيصير؛ ولهذا قال الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت *** وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
معنى تخلق: يعني: تقدر، يخاطب الشاعر يقول: أنت تقدر، ثم تنفذ ما تقدر، وبعض الناس يقدر، ولا ينفذ، هو يمدح الشاعر، يقول: "ولأنت تفري" يعني: تنفذ ما خلقت، يعني: ما قدرت وصورت، وبعض القوم يخلق، ثم لا يفري.
فإذن: الخلق يطلق، ويراد به التقدير والتصوير، ويطلق، ويراد به الإنشاء والاختراع، والأول ثابت للمخلوق، والثاني لا يقدر عليه إلا الله، الإنشاء والاختراع.
стр. 329
وأما الباء -فأنتم أيها المعتزلة- ضللتم كما ضل إخوانكم الجبرية، فإن الباء التي تأتي في الإثبات غير الباء التي تأتي في النفي، فالباء التي تكون في الإثبات، هي باء السببية، والباء التي تكون في الجملة المنفية، هي باء العوض، فباء العوض في الجملة المنفية، كما في الحديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) هذه باء العوض؛ لأنها في جملة منفية، والمعنى: لن يدخل أحدكم الجنة عوضا عن عمله، فيستحق الجنة، كما يستحق الأجير أجره، بل الدخول برحمة الله، وأما الباء التي تكون في الجملة المثبتة، فهي باء السبب، قوله سبحانه: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ يعني: بسبب ما كنتم تعملون، فيكون دخول الجنة برحمة الله، ولكن له سبب، وهو العمل، فمن جاء بالسبب نال الرحمة، ومن لم يأت بالسبب لم ينل الرحمة.
فالنصوص يضم بعضها إلى بعض فقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ هذه دعوى السببية، هذه بسبب عملكم، لكن هذا السبب، لكن الدخول لا يكون بالسبب، الدخول لا يكون إلا بالرحمة، الدخول برحمة الله، دخول الجنة، لكن هذه الرحمة لها سبب، وهو العمل، فمن جاء بالسبب نالته الرحمة ومن لم يأت بالسبب لم تنله الرحمة، فتكون الآية ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ هذه باء السببية، والباء في الجملة المنفية باء العوض، لا يدخل أحدكم الجنة عوضا عن عمله، لكن الدخول برحمة الله، إلا أن له سبب، وهو العمل كما جاء في النصوص الأخرى ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) ﴾ وبذلك تتفق النصوص ولا تختلف. نعم.
(وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد)
هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أفعال العباد خلق من الله وكسب من العباد، فهي بالنسبة إلى الله ينسب إلى الله الخلق والتقدير والإيجاد، وينسب إلى العبد الكسب والتسبب والمباشرة. نعم.
стр. 330
ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون
стр. 331
ولا يطيقون إلا ما كلفهم
стр. 332
وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 333
نقول لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله
стр. 334
وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره
стр. 335
غلبت مشيئته المشيئات كلها
стр. 336
وغلب قضائه الحيل كلها
стр. 337
يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا
стр. 338
قالوا: فهذا لا يسأل عما يفعل فهو يفعل بقدرته ومشيئته أي بقهره وسلطانه، والجواب أن نقول معنى الحديث، معنى الآية لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته، وأما العباد فهم يسألون؛ لأنهم مأمورون، منهيون عباد مكلفون. أما الرب فلا يسأل لكمال حكمته وعدله .
واستدلوا بحديث ابن مسعود: (ما أصاب العبد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاءك أسألك اللهم بكل اسم هو لك - إلى قوله- إلا أذهب الله همه وغمه وأبدل مكانه فرحا) .
وجه الاستدلال قالوا: إن قول النبي ﷺ (عدل في قضاءك) يشمل كل قضاء يقضيه الله لعبده، وهذا يعم قضاء المصائب وقضاء المعائب وقضاء العقوبات على الجرائم، وكذلك استدلوا بحديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والحاكم في مستدركه، وفيه: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم) .
الجواب أن نقول: معنى قوله: (لو عذبهم لو عذب العباد لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) الجواب: أن معنى الحديث أن الله لو وضع عدله على أهل سماواته فحاسبهم بنعمه عليهم وأعمالهم لصاروا مدينين له، وحينئذ لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم لكنه لا يفعل هذا سبحانه، إنما يبتدرهم بِنِعَم جديدة.
المعنى أن الرب لو وضع عدله في عباده فحاسبهم بأعمالهم ونعمه عليهم لصاروا مدينين فحينئذ لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لو حاسب الله العباد بنعمه عليهم وعدله فيهم لكانت النعمة الواحدة نعمة البصر تحيط بجميع أعمالك كلها وحينئذ تكون مدين تكون هالك، لكن الله لا يفعل هذا، بل هو لطيف بعباده لو وضع عدله في عباده لحاسبهم بنعمه عليهم وبأعمالهم لصاروا مدينين له، وحينئذ لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
وأما قوله: (عدل في قضائك) لا شك أن ما يقضيه الله للعبد كله خير ورحمة مبني على الحكمة.
المذهب الثالث القدرية قالوا: تعريف الظلم كل ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون من الله ظلما وقبيحا لو فعله، فالظلم عندهم الظلم الذي يصدر من العباد هو الظلم الذي يصدر من الرب لو فعله، كل ما يسمى ظلما من العبد يسمى ظلما من الرب، فهم مثلوا الله بخلقه، فقالوا: الظلم إضرار غير مستحق أو عقوبة العبد على ما ليس منه أو عقوبته على ما هو مفعول معه.
فالظلم عندهم هو الذي حكم العقل أنه إن صدر من العبد ظلم فهو من الله ظلم إن صدر منه، قالوا: فلو كان الرب خالقا لأفعال العباد مريدا لها قد شائها وقدرها عليهم ثم عاقبهم عليها كان ظالما، ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول بأنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان ولا شائها، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئة الله وإرادته كما فعلوه بغير إذنه وأمره.
وعندهم أن الله لو وفَّق شخصا وخذل آخر لكان ظالما، ولو نسخ الله حكما بحكم لكان جاهلا ظالما، ويجب على الله عقلا أن يثيب المحسن وأن يعذب المسيء فهذا من أبطل الباطل؛ لأن هذا مبني على التحسين والتقبيح العقليين والصواب أن الله ، أن الظلم كما سبق ليس كما يقول هؤلاء: إنه ما كان مماثل للعبد بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه فهذا هو الموافق للغة العربية كما سبق.
ولذلك الله نفى الظلم عن نفسه في قوله ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) ﴾ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) ﴾ ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ نفى خوف الظلم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) ﴾ حرم الظلم على نفسه.
وهذا يدل على أنه ممكن الوقوع، ولو كان لا يمكن لما حرمه على نفسه الإنكار بهمزة الاستفهام على من حسب خلق الخلق عبثا قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ فتنزه سبحانه عن خلق الخلق عبثا، إنكار التسوية بين المسلمين والمجرمين وهذا يدل على إنكار التسوية كما في قوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ﴾ ﴿أَمْ نجعل الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أم نجعل الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) ﴾ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نجعلهم كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
وكل هذا إنكار من الله على مَن جوَّز أن يسوي بين هذا وهذا، وهذا يدل على إنكاره، وإنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو ما ينزه الرب عنه، وبهذا يبطل مذهب الطائفتين الضالتين الجبرية والقدرية، نعم.
стр. 339
تقدس عن كل سوء وحين
стр. 340
وتنزه عن كل عيب وشين
стр. 341
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
стр. 342
وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات
стр. 343
الصوم الواجب يقضى عنه، الذي مات وعليه أيام من رمضان، أو مات وعليه صوم نذر أو كفارة، هذا يقضى عنه؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح حديث عائشة الذي رواه الشيخان: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) إذا كان عليه صيام نعم، أما تصوم تطوع وتنوي ثوابه للميت ما عليه دليل واضح.
هذا، فإذن المسألة فيها هذه المذاهب الثلاثة: مذهب الشافعية، والمالكية قالوا: لا ينتفع إلا بثواب الأعمال المالية بالإضافة إلى ما تسبب به في الحياة.
من أدلة أهل البدع والمعتزلة على أن الميت لا ينتفع إلا بما تسبب به في الحياة قول الله تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) ﴾ قالوا: وجه الدلالة أن الله حصر ملكية الإنسان لسعيه فدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره.
وأجيب عنه بجوابين:
الأول من وجهين: أحدهما: أن الإنسان بسعيه وملاطفته وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس فترحموا عليه ودعوْا له، وأهدوا له ثواب الطاعة فكان ذلك أثرَ سعيه. الثاني: أن دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين تَعُمُّه.
الجواب الثاني: وهو أقوى من الأول أن المنفي الملك لا الانتفاع، فالقرآن في قول الله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) ﴾ لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فاللام في قوله: ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ للملك.
الدليل الثاني: استدلوا بقول الله تعالى ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) ﴾ .
ووجه الدلالة: أن الله حصر الجزاء في العمل للشخص نفسه فدل على عدم انتفاعه بعمل غيره.
وأجيب بأن سياق هذه الآية يدل على أن المنفيَّ عقوبةُ العبد بعمل غيره بدليل صدر الآية ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ولم تنف الآية انتفاع الإنسان بعمل غيره.
الدليل الثالث: استدلوا بقول الله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ .
وجه الدلالة: قالوا إن الله حصر كسب الإنسان واكتسابه عليه فدل على عدم انتفاعه بكسب غيره.
وأجيب بأن الآية أثبتت ملك الإنسان لكسبه، ولم تنف انتفاعه بكسب غيره بل إن كسب غيره ملك لكاسبه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء يبقيه لنفسه.
واستدلوا أيضا -الدليل الرابع- بما ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به)
وجه الاستدلال أن النبي ﷺ أخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب به في الحياة، وما لم يكن تسبب به في الحياة فهو منقطع عنه.
وأجيب بأن النبي ﷺ أخبر بانقطاع عمله ولم يخبر بانقطاع انتفاعه بعمل غيره بل إن عمل غيره لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمله، فالمنقطع شيء، والواصل إليه ثوابه شيء آخر.
واستدل المالكية والشافعية على أن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة والحج فقط استدلوا بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الدعاء فاستدلوا عليه بأربعة أنواع:
النوع الأول: نصوص أدعية الناس بعضهم لبعض كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ .
وجه الاستدلال: أن الله أثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء، ولو كان غير نافع ما استحقوا الثناء.
النوع الثاني: إجماع الأمة على الدعاء في صلاة الجنازة.
النوع الثالث: نصوص الدعاء للميت بعد الدفن، كما في حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل) .
النوع الرابع: نصوص الدعاء للأموات عند زيارة قبورهم كما في حديث بريدة بن حصين ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية) .
واستدلوا على وصول ثواب الصدقة بما في الصحيحين عن عائشة ﵂ (أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتَتْ نفسها -يعني ماتت فجأة- وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها قال نعم)
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ (أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط المصرافة صدقة عنها)
стр. 344
واستدلوا على عدم وصول العبادات البدنية للميت بما روى النسائي بسنده عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة) واستدلوا على القياس على الحياة فكما أن هذه العبادات لا تدخلها النيابة في الحياة، فلا يفعلها أحد عن أحد ولا ينوب فيها عن فاعلها غيرها كذلك في الممات لا يفعلها أحد عن أحد ولا ينوب فيها عن فاعلها غيرها بل يختص ثوابها بفاعله لا يتعداه إلى غيره.
وأما الحنابلة والأحناف فردوا على المالكية والشافعية وقالوا: كيف تفرقون بين العبادات المالية والبدنية، وهذا تفريق بغير دليل فالنبي ﷺ لم يفرق بينهما بل شرع الصوم عن الميت كما في حديث عائشة: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) مع أن الصوم عبادة بدنية لا تجزيء فيها النيابة في الحياة.
لكن أجاب المالكية والشافعية هذا صوم واجب وما عداه فلم يأت دليل. قالوا: وأما استدلالكم بحديث ابن عباس: (لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد) فهذا الحديث موقوف على ابن عباس فلا يقاوم حديث عائشة: لا سيما وقد ثبت الخلاف عن ابن عباس.
وثانيا: أن الحديث مطعون في سنده، وحديث عائشة صحيح الإسناد، وأما استدلالكم بالقياس على الحياة، فيجاب عنه بأنه قياس مع النص، فإن النبي ﷺ شرع الصوم عن الميت، مع أن الصوم لا تدخله النيابة، وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء الفروض، فروض الكفايات فإذا فعله واحد ناب عن الباقين في فعله وسقط عنه المأثم.
وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بالأجر لفاعل نائبه، وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما؛ ولأن هذا ثواب وليس من باب النيابة.
وقالوا: من الأدلة على وصول ثواب الصوم حديث عائشة كما سبق، ومن الأدلة على وصول ثواب الحج أدلة كثيرة منها (أن امرأة من جهينة قد جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أَفَأَحُج عنها؟ قال: حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)
لكن أجاب الجمهور بأن هذا نذر واجب والحج أيضا وردت فيه النيابة قال الحنابلة والأحناف فجازت النيابة في الحج، والحج عبادة مركبة من المال فدل على جواز، على وصول ثواب الأعمال البدنية.
وكذلك أيضا قالوا: من أدلتنا أن المسلمون أجمعوا على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته كما في حديث أبي قتادة حينما ضمن الدينارين.
وأيضا قالوا إن أدلتنا القياس، فنقيس هبة ثواب العمل للميت على هبة المال للحي فكما أن الإنسان إذا وهب ماله للحي فلا بأس فكذلك نقيس عليه ثواب عمله للميت، والثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لا يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه منه بعد مماته.
وقالوا: من أدلتنا القياس على الأجير الخاص والأجير الخاص هو الذي يشترط أن يباشر الفعل بنفسه فنقيس هبة ثواب العمل للميت مع أنه لا يستنيب أحدا عنه في عمله على أجرة الأجير الخاص، فله أن يعطيها من يشاء مع أنه ليس له أن يستنيب في الفعل الذي استأجر عنه أحد، ولكن إذا نظرنا إلى هذا وجدنا أن الحنابلة والأحناف ما معهم إلا القياس ما عندهم أدلة على أن ثواب الصلاة وقراءة القرآن والذكر ما عندهم إلا القياس.
والمالكية والشافعية قالوا: إنا نقف عند النصوص، النصوص جاءت بوصول ثواب الدعاء والحج وكذلك الصدقة والصوم، إذا كان صوما واجبا نقف مع النصوص وندور معها إن دارت، وأما أنتم أيها الحنابلة والأحناف ما عندكم تقيسون، تقيسون ونحن لا، ما نقيس العبادات، ما فيها قياس، نتوقف عند النصوص، وبهذا يترجح مذهب من؟ المالكية والشافعية يجوز أن تهدي للميت تدعو للميت هذا يصل ثوابه، تتصدق عنه يصل الثواب، تحج عنه يصل، تعتمر يصل، تقضي عنه الصوم الواجب من رمضان أو نذر يصل، وما عدا ذلك فلا.
أما تصلي ركعتين تنوي ثوابها للميت ما عليه دليل، وإن قال الحنابلة والأحناف تصوم يوم تطوع تنوي ثوابه للميت ما عليه دليل، تطوف بالبيت سبعة أشواط تهدي ثوابها للميت ما عليه دليل، تذكر الله وتسبح وتهدي ثوابه للميت ما عليه دليل، تقرأ القرآن أو سورة تهدي ثوابها للميت ما عليه دليل والواجب على المسلم أن يتقيد بالنصوص.
стр. 345
هناك مسائل تابعة لهذا البحث: مثل استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت، ومثل الأجرة على التلاوة، ومثل الاستئجار على التعليم، وأخذ الأجرة عليه، ومثل إعطاء قارئ القرآن ومعلمه ومتعلمه معونة بدون شرط أو رصد من بيت المال ومثل الوصية بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ على قبره ومثل قراءة القرآن وإهدائها للميت طبعا بغير أجرة، ومثل الإهداء إلى رسول الله ﷺ ومثل قراءة القرآن عند القبور هذه مسائل كلها تحتاج إلى بحث، ولكن لا نستطيع بحثها، ولعل الله أن ييسر فيما بعد نسجلها، إن شاء الله، ونلحقها بهذا البحث.
انتفاع الأموات بسعي الأحياء قلنا: إن هناك مسائل تابعة لهذا البحث هذه المسائل أولا:
المسألة الأولى: استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت وأخذ الأجرة عن التلاوة.
ثانيا المسألة الثانية: الاستئجار على التعليم يعني تعليم القرآن وأخذ الأجرة عليه.
الثالثة: إعطاء قارئ القرآن ومعلمه ومتعلمه معونة بدون شرط أو رصدا من بيت المال.
الرابعة: الوصية بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره
الخامسة: قراءة القرآن وإهدائها للميت طوعا بغير أجرة.
السادسة: الإهداء إلى رسول الله ﷺ .
السابعة: قراءة القرآن عند القبور.
أما المسألة الأولى: وهي استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت، فإن هذا لا يجوز بلا خلاف، بل هو عمل بدعي؛ لأنه لم يفعله واحد من السلف؛ لأنه لم يرشد إليه النبي ﷺ ولم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رسول الله ﷺ وأخذ الأجرة عن نفس التلاوة غير جائز؛ لأن تلاوة القرآن وأخذ الأجرة على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف؛ لأن تلاوة القرآن عبادة، والعبادات لا تؤخذ الأجرة عليها كالحج والصلاة والأذان فلا يصح أخذ الأجرة، والثواب لا يصل إلى الميت، إلا إذا كان العمل لله خالصا.
وهذا الذي أخذ أجرته لم يقع عبادة خالصة فلا يكون له من ثوابه ما يهديه إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصلي من يصوم ويصلي ويهدي ثوابه للميت، إذن فلا يجوز له بعد أخذ الأجرة أن يهديه للميت؛ لأن التالي أخذ أجرته فلا ثواب له، فكيف يهب شيئا لا ثواب له.
المسألة الثانية: الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير وأخذ الأجرة عليه، اختلف العلماء فيه على قولين: فقيل لا يصح أخذ الأجرة على تعليم القرآن قيل: لأنه عبادة، استدلوا بأنه عبادة، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ (أنه علَّم رجلا من أهل الصفة آيات من القرآن، فأعطاه قوسا فسأل النبي ﷺ فقال: إن أحببت أن تطوق قوسا من نار فاقبلها)
القول الثاني: أنه يجوز الاستئجار على تعليم القرآن، ويصح أخذ الأجرة عليه لما يأتي: - أولا ما ورد أن النبي ﷺ زوج رجلا من الصحابة امرأة على أن يعلمها آيات من القرآن، وقال: (زوجتك بما معك من القرآن) رواه البخاري. ولحديث البخاري الآخر: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) وهذا هو الصواب، هو الراجح أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
وأما ما استدل به المانعون من حديث عبادة فهو حديث ضعيف لا يقاوم حديث البخاري ولو صح فيحمل المنع فيه على أحد أمرين: أولا: أنه أن النبي منعه لفقره؛ لأنه إما لفقر أهل الصفة، وإما لكونه متبرعا بذلك فنهاه لئلا يفسد أجره.
المسألة الثالثة: وهي أخذ المعلمين والمتعلمين والقارئين والمقرئين من بيت المال والتبرعات ما يعينهم على ذلك، أخذ المعلمين والمتعلمين والقارئين والمقرئين والأئمة والمؤذنين والقضاة ورجال الحسبة من بيت المال أو التبرعات ما يعينهم على ذلك جائز لا بأس به؛ لأن هذا من جنس الصدقة عنهم فيجوز وكذلك إعطائهم أرزاق من بيت المال جائز لا محذور فيه؛ لأن بيت المال فيه كفالة هؤلاء، إنما الممنوع الاستئجار كونه يستأجر شخصا يؤذن أو يستأجر شخصا يصلي بالناس وما أشبه ذلك، فهذا هو الممنوع.
أما إعطائه شيئا معونة بدون اشتراط أو إعطائه من بيت المال فهذا ليس فيه شيء؛ لأن بيت المال فيه كفالة المسلمين جميعا، قال بعض العلماء: إنه إذا اضطر إلى الاستئجار فلا حرج إن تعطل المسجد، ولم يوجد إلا بأجرة فلا بأس للضرورة.
أما المسألة الرابعة: وهي الوصية بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة؛ لأنه غير مشروط، استئجار من يقرأ القرآن على قبره؛ لأنه فيه معنى الأجرة وكذلك لو وقف على من يقرأ عند قبره فالتعيين باطل؛ لأنه غير مشروع؛ والوقف ماض، فيصرف في غير المصرف الذي عينه من جهات البر الأخرى.
أما المسألة الخامسة: وهي التطوع بقراءة القرآن وهبة الثواب للميت بأن يقرأ القرآن ويختمه ويهدي ثوابه للميت أو يقرأ سورة ويهدي ثوابها للميت، ومثله لو سبح وهلل وأهدى ثوابها للميت فهذه المسألة مختلف فيها:
стр. 346
فقيل: يصل إليه ثواب القراءة كما يصل إليه ثواب الصوم والحج، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف وكثير من المتأخرين، واستدلوا بالقياس على الدَّيْن وعلى الأجير الخاص، وعلى الأضحية وعلى الصوم والحج والصدقة.
القول الثاني: المنع وقالوا لا يصل إليه ثواب قراءة القرآن وهذا مذهب طائفة من أهل السنة من المالكية والشافعية، واستدلوا بأن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت لم يكن معروفا عند السلف، ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصهم على الخير، ولا أرشدهم النبي ﷺ إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه ولكانوا يفعلونه.
أجاب المجيزون أهل القول الأول قالوا: إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء، إن كان قائل ذلك معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلونه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام، وإن لم يكن معترفا بوصول ذلك تلك إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.
أجاب المانعون: بأن رسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة ولم يرشدهم إلى القراءة.
أجاب المجيزون بأن النبي ﷺ لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصدقة عنه فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
أجاب المانعون: بأن النبي ﷺ أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج ولم يشرع لهم ما سوى ذلك، والأصل في العبادات الحظر والمنع وهي توقيفية، فلا نقيس عليه القراءة والذكر حتى يرد الدليل؛ ولأنه لا قياس في العبادات، وإنما القياس في المعاملات، وبهذا يتبين أن الصواب المنع، وأنه يقتصر في إهداء الثواب للميت على الدعاء والصدقة والحج والعمرة، وكذلك الصوم الواجب، لقول النبي ﷺ في حديث البخاري الذي روته عائشة: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) سواء كان صوم نذر أو كفارة أو صوم من رمضان، وليس ذلك بواجب على الولي، لكن إن أحب ذلك أن يصوم وإن لم يرغب في الصيام فإنه يطعم عن كل يوم مسكين.
المسألة السادسة: وهي إهداء ثواب القراءة، أو العمل إلى رسول الله ﷺ ففيها خلاف، فيها خلاف، من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومن العلماء من رآه بدعة، وهذا هو الصواب لأمرين:
الأمر الأول: أن الصحابة لم يكونوا يفعلونه.
الأمر الثاني: أن النبي ﷺ له مثل أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيئا؛ لأنه ﷺ هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعى إلى الهدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أم لم يهده، وهذا هو الصواب أنه لا يهدى إلى النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ له مثل أجر الأمة فلا حاجة للهبة.
المسألة السابعة: وهي قراءة القرآن عند القبور، اختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد،
أولها: الكراهة مطلقا.
الثاني: الجواز مطلقا.
الثالث: الجواز وقت الدفن والكراهة بعده.
ولعل المراد بالكراهة هنا التحريم، كراهة التحريم؛ لأنها هي المعروفة عند السلف.
الأول: الكراهة مطلقا يعني التحريم أنه لا يجوز القراءة، قراءة القرآن عند القبور وهذا، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة ومالك، واستدلوا بما يأتي:
أولا: أن قراءة القرآن عند القبور مُحْدَث لم ترد به السنة، فلم يرد أن النبي- ﷺ قرأ عند القبور، ولم يأمر به.
الثاني: أن القراءة كالصلاة، فالقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها، فكذلك القراءة فتقاس القراءة على الصلاة.
الثالث: أن الأصل في العبادات المنع والحظر حتى يرد الدليل على الجواز بخلاف المعاملات، فالأصل فيها العمل حتى يرد المنع.
الرابع: أن القراءة وسيلة للعكوف عند القبور، أن القراءة وسيلة للعكوف عند القبر وتعظيمه فتمنع سدا لذريعة الشرك.
القول الثاني: الجواز مطلقا، والمراد بالإطلاق يعني وقت الدفن أو بعد الدفن، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو قول محمد بن الحسن الصاحب الثاني لأبي حنيفة، واستدلوا بما نقل عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتيمها.
стр. 347
ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة، وقال: إنها قربة وفيها أدعية، ومع أن الدليل خاص بوقت الدفن، الدليل خاص بوقت الدفن، أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن، مع أن الدليل خاص بوقت الدفن إلا أن هؤلاء توسعوا فأجازوا القراءة مطلقا وقت الدفن وبعده.
القول الثالث: الجواز وقت الدفن والكراهة بعده، وهذه رواية عن الإمام أحمد، دليلهم هو دليل أهل القول السابق ما نقل عن ابن عمر، وبعض المهاجرين ما نقل عن ابن عمر أنه أمر أن يقرأ على قبره وقت الدفن فواتح سورة البقرة وخواتيمها، وما نقل عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة.
وهذا هو القول الثالث هو الذي يرجحه ابن أبي العز شارح الطحاوية وقال: إن فيه جمعا بين القولين، والصواب القول الأول والصواب الكراهة والتحريم مطلقا، ويجاب عن دليل المذهبين الثاني والثالث:
أولا يحتاج النقل عن ابن عمر إلى الثبوت إذا احتاج إلى صحة النقل، وكذلك ما روي عن بعض المهاجرين.
ثانيا: إذا صح ما نقل عن ابن عمر فيقال بأن هذا اجتهاد منه خالف ابن عمر غيره من الصحابة، فلا حجة في قوله، خالفه فيه كبار الصحابة كأبي بكر وأبيه عمر وغيرهم هذا إذا صح، أولا يُطالب هؤلاء بصحة النقل. وثانيا: إذا صح فإنه يجاب عنه بأن هذا اجتهاد من ابن عمر خالفه فيه كبار الصحابة.
وبهذا يتبين أرجحية القول بالمنع مطلقا سدا لذريعة الشرك؛ ولأن القراءة على القبور وسيلة إلى العكوف عندها وتعظيمها؛ لأن القراءة عند القبور وسيلة للعكوف عندها وتعظيمها؛ ولأن الأصل في العبادة الحظر والمنع، وكما أن الصلاة ممنوعة عند القبور فكذلك القراءة، أما القراءة بعد الدفن كالذين يذهبون إلى القبر للقراءة فيه للقراءة عنده فهذا ممنوع مطلقا ليس محلا للخلاف، القراءة بعد الدفن كالذين يأتمون القبور، ويأتونها مرات بعد مرات ويقرءون القرآن عند القبور، فهذا ممنوع؛ لأنه لم تأت به السنة، ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا، والله أعلم، نعم.
стр. 348
والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضى الحاجات
стр. 349
ومشروعية الدعاء فيه رد على أهل الطبائع، وعلى عُبَّاد النجوم من يقول بالطبائع، أي أن الطبائع فاعلة بطبعها، يعني بذاتها لا بجعل الله، يعلم أن النار لا يقال لها كفي، ولا النجم يقال له أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا، فشرع الله الدعاء وصلاة الاستسقاء؛ ليبين كذب أهل الطبائع والذين يعبدون النجوم إنما يعبدونها في زعمهم لكونها رمزا للملائكة الذين يفعلون، فمشروعية الدعاء فيه رد عليهم.
الذين قالوا إن الدعاء نافع وغير مفيد، الدعاء غير نافع وغير مفيد وغير مشروع وهم الفلاسفة وغالية الصوفية والمعتزلة لهم شُبَه لهم شبه عقلية، ليس عندهم شيء من أدلة الشرع:
الشبهة الأولى قالوا: المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء، فعلى التقديرين الدعاء عبث؛ لأن الإرادة والمشيئة ضد الدعاء يقولون: إن اقتضت المشيئة وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء؛ وإن لم تقتض المشيئة حصول المطلوب فلا فائدة في الدعاء.
ويجاب عن هذه الشبهة بجوابين:
الأول: إجمالي، وهو منع الحصر في المقدمتين، فإن الحصر في هاتين المقدمتين غير مسلم به، بل ثَمَّ مقدمة ثالثة، وقسم ثالث وهي أن يقال أن تقتضي المشيئة وجود المطلوب بشرط ولا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه كما تقتضي المشيئة الثواب مع العمل الصالح ولا تقتضيه مع عدمه، وكما تقتضي المشيئة الشبع والري عند الأكل والشرب ولا تقتضيه مع عدمهما، وكما تقتضي المشيئة حصول الولد بالوطء وحصول الزرع بالبذر.
فإذا قدر وقوع المدعو بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب. الثاني الوجه الثاني: أن يقال قول هؤلاء الذين ينكرون فائدة الدعاء قولهم مخالف للشرع وللحس وللفطرة، وطرد دليلهم يلزمه الفوضى في الوجود وتعطيل المصالح، إذ يمكن أن يقال إن شاء الله لي الشبع فلا فائدة في الأكل، وإن لم يشاء فلا حاجة إليه، وإن شاء الله لي الولد فلا حاجة للزواج فكذلك إذا شاء الله لي حصول المطلوب فلا فائدة في الدعاء.
قول هؤلاء لو طرد لصار فيه فوضى في الوجود وتعطيل للمصالح الجواب الثاني عن هذه الشبهة، قولكم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة للدعاء. يقال بل إن الدعاء تكون إليه حاجة من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة من اكتساب الأجر والعبودية والتضرع والتعرف إلى الله وزيادة الإيمان، والحصول على الجنة، ومن دفع مضرة أخرى عاجلة كمرض وسوء، وآجلة كعذاب النار، وقد يعطيه الله غير طلبه ففيه فائدة على كل حال.
وقولهم: إن لم تقتضه فلا فائدة فيه. يقال: بل فيه فوائد عظيمة من جلب المنافع ودفع المضار مما يعجل للعبد في الدنيا من معرفته بربه وإقراره به، وبأنه سميع قريب عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع من العلوم العلية والأحوال الذكية التي هي أعظم المطالب كما نبه عليه النبي ﷺ في الحديث الذي ما معناه: (لا يسأل اللهَ عبدٌ إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يعطيه من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها مثل ذلك)
الشبهة الثانية للمانعين من الدعاء: قالوا إذا كان إعطاء الله معللا بفعل العبد كما يعقل من إعطاء المال للسائل بسؤاله، كان السائل قد أثر في المسئول حتى أعطاه يعني يقولون: لو كان الدعاء مفيد للزم من ذلك أن يكون الداعي قد أثر في الله حتى أعطاه سؤله وجواب هذه الشبهة أن يقال: إن الرب سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه فمنه الدعاء وعليه التمام فهذا الخير منه سبحانه وتمامه عليه كما قال عمر بن الخطاب ﵁ "إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه".
فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء ويجعلها سببا للخير ليعطيه إياه فما أثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو جعل ما يفعله في عبده من الدعاء سببا لما يفعله فيه من الإجابة كما في العمل والثواب، فالله هو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه.
الشبهة الثالثة للمانعين من الدعاء قالوا: إن الداعي قد لا يجاب بالمرة وقد يجاب بغير المطلوب فكيف يجمع بين ذلك وبين الوعد بالإجابة، وبعبارة أخرى يقولون: إن من الناس من يسأل الله فلا يُعْطَى سؤاله، أو يعطى غير ما سئل، فلا يستجاب له ولا يحقق له المطلوب فكيف يجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
стр. 350
وأجيب عن هذه الشبهة بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: أن المراد بالدعاء في الآية العبادة، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ يعني اعبدوني أن المراد بالدعاء في الآية العبادة وبالإجابة الثواب، وعلى ذلك فلا تعارض بين الآية وبين كون السائل لا يعطى أو يعطى غير ما سأل؛ لأن معنى الآية اعبدوني أثبكم، ولم تتعرض الآية لإعطاء السائل. الجواب الثاني: أن المراد بالدعاء العموم الشامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة وإجابة دعاء السائل أعم من إعطاء المسئول، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل، والداعي أعم من السائل، ولهذا فرَّق النبي ﷺ بين الدعاء والسؤال وبين الإجابة والإعطاء في قوله ﵊: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له)
وهو فرق بالعموم والخصوص فالإجابة إن كان المراد بالدعاء العبادة فمعناها الثواب وإن أريد بالدعاء السؤال فيجاب بما فيه مصلحة، ولو لم يكن بعين مطلوبه كما في الحديث: (ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها) فيجاب في الجملة إذا وُجِدَتْ الشروطُ وانتفتِ الموانعُ. الجواب الثالث: أن يقال: إن الدعاء سبب مقتضٍ لنَيْل المطلوب والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل بل يحصل غيره، ومن الفوائد في هذا المقام أن الأدعية والتعوذات والرُّقَى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده، فمتى كان السلاح سلاحا تاما، والساعد ساعدا قويا والمحل قابلا، والمانع مفقودا حصلت به النكاية في العدو.
ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة: السبب في ذاته، ووجود المعين، وفقد المانع: تخلف التأثير كذلك الدعاء إذا كانت نفسه غير صالحة كأن يكون بإثم أو قطيعة رحم أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمَّ مانع من الإجابة كأكل الحرام وكثرة السيئات لم يحصل الأثر.
وبعض الصوفية، بعض الصوفية يخص منع الدعاء بخواص العارفين يقول خواص العارفين ما يحتاجون الدعاء، أما عامة الناس يحتاجون الدعاء قد يخص بعض الصوفية منع الدعاء بخواص العارفين، ويجعل الدعاء علة في مقام الخواص يعني مرض في مقام الخُلَّص الذين وصلوا إلى الله وتمكنوا من العبادة بزعمهم.
والجواب هذا من غلطات بعض الشيوخ، شيوخ الصوفية فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر أنشئت عليه تجارب الأمم حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات؛ لأن الأفلاك عندهم مدبرة فاعترفوا هذا وهم مشركون اعترفوا بفائدة الدعاء الأسباب، والدعاء سبب من الأسباب، الإنسان له أحوال معينة، إما أن يركن إليها وإما أن يلغيها بالكلية وإما أن يعترف بها ويعرض عنها، وإما أن يعمل بها على أنها سبب.
حكم الالتفات إلى الأسباب فقط، ما حكم الالتفات إلى الأسباب فقط؟ وما حكم إلغائها بالكلية؟ وما حكم الإعراض عنها مع الإقرار بها؟ وما مذهب أهل السنة في ذلك؟ ، الالتفات إلى الأسباب والركون إليها شرك في توحيد الربوبية كون الإنسان يعتمد على السبب وينسى الله، الالتفات إلى الأسباب والركون إليها شرك في توحيد الربوبية وذلك كركون المعتزلة وعلماء الطبيعة القائلين بالتفاعل بين الماءين والقائلين بأن النار محرقة بطبعها، فهم يقولون علماء الطبيعة الولد يحصل بالتفاعل بين الماءين، والنار محرقة بطبعها وذاتها، هذا شرك في الربوبية.
وإلغاء الأسباب بالكلية ومحوها أن تكون أسبابا نقص في العقل، وتكذيب للمحسوس. والإعراض عن الأسباب بالكلية مع الاعتراف بها قدح في الشرع؛ لأن الله ربط دخول الجنة والنجاة من النار بأسباب.
ومذهب أهل السنة لا بد من الاعتراف بالأسباب ولا بد من اعتقاد أنها جعلية، أي بجعل الله لها أسبابا لا لذاتها، ولا بد من الأخذ بها، والعمل بمقتضاها مع التوكل والرجاء، فمعنى التوكل والرجاء يتألف من وجود التوحيد والعقل والشرع والفرق بين التوكل على الله ورجائه، وبين العجز والغرور هو أن الأول الأخذ بالأسباب مع تفويض الأمر إلى الله والطمع في النتائج.
والثاني ترك الأسباب والطمع في حصول نعمة الله وخيره والدعاء أعم من السؤال والاستغفار، والدعاء أعم من السؤال، والاستغفار أخص من الاثنين، نعم.
стр. 351
ويملك كل شيء ولا يملكه شيء
стр. 352
ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين
стр. 353
ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين
стр. 354
والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى
стр. 355
شبهتهم قالوا: لو تعلقت صفات الأفعال بمشيئة الله لكان محلا للحوادث وبعبارة أخرى يقولون: لو كانت حادثة في وقت دون وقت واتصف بها لكان محلا للحوادث وبعبارة أخرى يقولون: إن صفات الأفعال حادثة والصفات القائمة بالذات قديمة، والقديم ليس محلا للحوادث؟ الرد عليهم: أن نقول بل هي صفات أفعال ولا تسمى حوادث فكما سميتم الصفات الذاتية صفات فسموا الصفات العليا صفات ولا تسموها حوادث.
تأويل النفاة من الجهمية والكلابية والأشعرية وغيرهم لصفة الرضى الغضب ونحوها، وشبهتهم والرد عليهم أوَّلوا الرضى أوَّلوا صفة الرضى في إرادة الإحسان وأولوا صفة الغضب في إرادة الانتقام شبهتهم قالوا: إن الرضى الميل والشهوة والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وذلك لا يليق بالله تعالى لأنها من صفات المخلوقين الذين هم محل الأعراض والحوادث.
الرد عليهم ومناقشتهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاءه وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط ويغضب لما أراده. الوجه الثاني: أن غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب وليس هو الغضب، والميل والشهوة في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الرضى وليس هو الرضا. الوجه الثالث أن يقال: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ أيها النافي وهو الإرادة كالمعنى الذي صرفت عنه اللفظ وهو الرضى والغضب سواء، فإن جاز وصفه بالإرادة جاز وصفه بالرضى والغضب، وإن امتنع وصفه بالغضب والرضى امتنع وصفه بالإرادة.
فإن قالوا الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة، الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة. قيل لهم: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف للرضى والغضب الذي يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.
وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله لامتناع مسمى ذلك في المخلوق فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود فإن وجود العبد كما يليق به لا يستحيل عليه العجب، ووجود الباري كما يليق به يستحيل عليه العجب، ويقال أيضا للمؤول والنافي يلزمك في تأويلك للصفات ونفيها ثلاثة محاذير: المحذور الأول: صرف اللفظ عن ظاهره. المحذور الثاني: تعطيل الرب عن صفاته. المحذور الثالث: يلزمك من المحذور فيما فررت إليه مثل ما ادعيته فيما فررت عنه.
وبهذا التلخيص يتضح معنى هذا الموضوع وهو صفات الذات وصفات الأفعال نعم.