وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (١).
نلاحظ أنه جاء في الآيات الكريمة ذِكر الشمس والقمر، وذُكر فيها أيضًا الاستدلال بهما في علم الحساب، إذًا الأمر واضح في علاقة الشمس والقمر بعلم الحساب.
و"الحسبان" في كلام العرب جمع "حِساب"، كما "الشُّهبان" جمع شهاب، وقد قيل إن "الحسبان"، في هذا الموضع مصدر من قول القائل: "حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا". وحكي عن العرب: "على الله حُسْبان فلان وحِسْبته"، أي: حسابه (٢)، فالمعنى هنا يدل على الحساب كمعنىً عامٍّ.
بماذا نستفيد من هذه المعلومة في الربط بين علاقة رؤيا يوسف ﵇ وبعض المواقف التي حصلت له؟ وما كان له من أمور كثيرة في حياته! !
стр. 107
العجيب أن رؤياه ﵇ تدل على أنه سيكون حسابيًّا بارعًا! وهذا ما كان بالفعل، فكيف يكون ذلك؟
هناك عدة قرائن تساعدنا في تحليل هذه المسألة، منها:
١ ـ أن يوسف ﵇ طلب تولي خزائن مصر، ولا شك أن من يريد أن يتسنم مثل هذا المنصب عليه أن يكون على دراية بعلوم كثيرة، وعلم الحساب أحد تلك العلوم، على الأقل معرفة لا بأس بها، لا سيما أن يوسف ﵇ واجهته مشكلة اقتصادية كبيرة في مصر، والتي من بعض حلولها علم الحساب.
٢ ـ ومما لا شك فيه أن أي نبيٍّ من أنبياء الله ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ لن يطلب أمرًا إلا وهو متمكن منه، ويعلم تمامًا كيف يتعامل معه، ويلاحظ أن هذا الأمر دنيويٌّ، وهم ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يجعلون الأمر الدنيوي في طاعة الله (١).
стр. 108
٣ ـ ومن جانب آخر فلن يقبل ملك من الملوك على وضع أي شخص في مكان حساس إلا إذا كان متأكدًا من خبرته وباعه الطويل، فلعل ذلك رابط بين رؤياه ﵇ وبين ما كان له، وما حصل له في جزئية من حياته.
٤ ـ قرينة أخرى في قوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، قال بعض المفسرين ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب (٢)، فالأمانة وحدها لا تكفي في تولي مثل هذا الأمر، ويقول الشيخ عبدالرحمن حبنّكة ـ يرحمه الله: عليم: أي: كثير العلم المؤهل للقيام بهذا المنصب الخطير (٣).
ولعل خبرته ﵇ في علم الحساب مع خبرته في علوم الزراعة كان لها أثر في نصيحة لملك مصر عندما فسر رؤياه مع استعانته بالفراسة والذكاء، والله أعلم.
стр. 109
المطلب الثاني: تأثير الزمن في تعبير الرؤيا
أن الشمس والقمر تعبران عن أصل الزمان:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١)
فهما منظومة واحدة لا يفترقان، ويعبران عن الليل والنهار، واللذان هما الزمان (٢)، فالشمس للنهار الذي فيه الكد والتعب وطلب الرزق ... ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، والقمر لليل الذي جعله الله للراحة والسكون والهدوء ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وهذا واضح بيّن.
لكن ما علاقة هذا بتفسير الأحلام وربطها بتعبير الرؤيا؟
يقول رسول الله ﷺ : (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن) (٣)، لاحظ هنا ـ تحديدًا ـ إذا اقترب الزمان، وعلاقة آخر الزمان بصدق الرؤيا، وشراح الحديث لهم في معنى اقتراب الزمان ثلاثة أقوال:
стр. 110
أحدها: أنه قرب القيامة.
والثاني: أنه تقارب زمان الليل (القمر) والنهار (الشمس) وقت استوائهما (١)، أيام الربيع أو الخريف، وذلك وقت تعتدل فيه الأمزجة، فحينئذٍ تكون الرؤيا سليمة في الغالب من الأخلاط.
والثالث: أنه زمان التكهل؛ لأن الكهل قد بعد عنه تخايل الظنون الفاسدة، وركدت عنده نوازع الشهوات، فكانت نفسه أقبل لمشاهدة الغيب، ومن هذا الباب قوله: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا)) (٢).
فالرؤيا تتأثر بالزمن (والذي أصله متعلق بالشمس والقمر) والوقت، كما جاء في استنباط الفوائد من الحديث الشريف السابق.
وما نقصده هنا أن اقتراب الزمان من ساعات لا بد له من قياس، وقياسه يكون عن طريق الشمس والقمر.
ورؤيا الشمس والقمر لها إشارات لعدة معاني في سورة يوسف ﵇ منها ما يدل على الجانب الجمالي، ومنها ما يدل على جانب الصعاب والشقاء والحَرّ والحرق، وسوف نفصّل في ذلك ـ إن شاء الله تعالى، وإعطاء الكلمة أكثر من معنى يعتبر من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.
стр. 111
المطلب الثالث: النَّصَبُ والتعب والشقاء من الإشارات التي ترمز لمعاني الشمس
يقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (٢) ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣) وهّاجًا: يعني وقّادًا مضيئًا (٤) ولا شك أن الشيء المتوقد سوف يتولد منه حرارة وحر وحرق، وبعد ذلك يتولد منه المشقة والتعب والصعاب، فالشمس حارقة حتى في النظر إليها وليس فقط بحرارتها.
وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، يقول الشيخ الشعراوي ـ يرحمه الله: (ونحن نرى الشمس فيها ضياءٌ، والقمر فيه نور، فما الفرق بين الضياء والنور؟ الضياء: فيه نور وفيه حرارة. والنور: فيه ضوء وليس فيه حرارة (٥).
стр. 112
المطلب الرابع: الأهوال والشدائد من الإشارات التي ترمز لها معاني الشمس
بل إن من أول علامات القيامة طلوع الشمس من مغربها بحسب بعض النصوص الصحيحة (١)، والشمس من الكواكب، وهنا تعبّر عن الأهوال والشدائد، فنستطيع أن نعبر بها عن الأهوال والشدائد.
الدليل: قوله ﷺ : (إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها .... ) (٢).
وقال ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده) (٣). وكل هذا السرد للأدلة حتى نبين أن الشمس والقمر معناهما شيء عظيم جدًّا؛ لأنهما من مخلوقات الله العظيمة.
الشدة والرخاء في حياة يوسف ﵇
стр. 113
ومن الملاحظ أن الشمس جاءت قبل القمر (١) في رؤيا يوسف ﵇، فلعل في هذا إشارة إلى أن هناك أهوالًا وأمورًا صعبة سوف تأتيه، وقلنا أموراً صعبة لأن الشمس حارقة، ويأتي منها الحر والشقاء، فلعلها تأتي بمعنى الصعاب التي لاقاها يوسف ﵇ في بداية حياته، وفيها كثيرٌ من المشاق، سواء النفسية أو البدنية أو الاجتماعية، وبعد ذلك سوف تسير الأمور على ما يرام، وتمهّد وتهدأ؛ لأن من إشارات معاني القمر أنه يرمز للهدوء والراحة، وخصوصًا أن تسلسل ترتيبه جاء بعد الشمس.
من تلك المواقف التي كان يمر بها يوسف ﵇ وكان فيها شدة وصعوبة:
ـ حلم ثقيل عليه نصيحة يعقوب ﵇ له. ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢)
ـ بغض إخوته له والاجتماع عصبة عليه مع حبه هو لهم ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ (٣)
стр. 114
ـ موقف امراة العزيز. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ (١).
ـ سجنه ﵇ ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (٢).
ونثني بالهدوء الذي خيّم على القصة، والراحة والعلو اللذين حصلا في قصته ﵇ ووصل إليهما:
وتتضح في المواقف التالية:
أولى تلك المواقف في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٣) هنا بدأت حقوقه تعود له، ومنها محاسبة ومساءلة الذين كانوا السبب في حبسه ﵇ وهذا يعبر عن انفراجة ليست بالهينة، وتحول كبير في حياته ﵇ وهذا الموقف الأول الذي تبدأ فيه حياته للتغيير للأفضل، في الآية رقم واحد وخمسين.
لاحظ هنا رقم الآية (واحد وخمسين)! !
стр. 115
والملاحظ أن قصة يوسف ﵇ انتهت في الآية رقم ١٠٠، في السورة الكريمة عند قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، فعند هذه الآية تكون القصة انتهت، فلا أحداث بعدها وكأن الأمر استقر وانتهت الآلام بهدوء وسلام.
العدد مائة هو رقم زوجي يقبل القسمة على اثنين (خمسون مضافة إلى خمسين) بل هو يعبر على نسبة كاملة النصاب!
تمامًا مثل اليوم الذي نمر به فهو ينقسم إلى قسمين قسم فيه شمس وهو النهار والذي يعبر عن المشقة، ونصفه الآخر هو الليل الذي فيه القمر فيضفي على أجواء اليوم نوعًا من الراحة والهدوء، وتتقارب من التساوي عدد ساعات النهار مع عدد ساعات الليل إذا كان الفصل ربيعًا، وهو أفضل فصل في الرؤى التي يراها الإنسان في وضوحها وصدقها (٢).
وهكذا كانت قصة يوسف ﵇ وحتى الآية (خمسون) حياته كلها كانت صعاب ومشقة، وابتداء من الآية (واحد وخمسين) بدأت
стр. 116
الأمور تتحسن وتهدأ، وتتحقق الأماني، ويستقر الحال، وظلت القصة على هذا السياق وحتى الآية رقم مائة، وهذه الآية هي نهاية القصة، وكأنه سكون الليل بعد مشقة النهار.
ومن تلك المواقف التي كان فيها رخاءٌ ليوسف ﵇ موافقة الملك له أن يكون على خزائن الأرض.
وأيضًا قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (١) لاحظ اللفظ ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ وكأنه اعتذار على ما كان من قبل، فهذا موقف علو، إذ إن الملك يسأله شخصيًّا.
стр. 117
المطلب الخامس: من الإشارات الأخرى لمعاني الشمس والقمر أنهما يرمزان للجمال أيضًا
وننوه إلى أن الرموز التي تدل على الجمال تكررت في رؤيا يوسف ﵇ ولنا وقفة حول ذلك في نهاية هذا البحث (١).
دعونا نستحضر الآثار التي تصف وجه رسول الله ﷺ وتشبهه بالشمس والقمر من جماله ﵇ بأبي هو وأمي، فهذا استدلالٌ واضحٌ.
وصف الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وجه رسول الله ﷺ بقولهم: (بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا) (٢).
ويقول ﵇: (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) (٣).
стр. 118
ومن معاني الشمس منفردة (أنه يُسْتَبْشَرُ بها)؛ فقد وصف ﵇ موقف الملائكة وهي تأتي للمؤمن في قبره (كأن وجوههم الشمس) (١) من نضارتها واستبشارًا بها.
وحتى في نضرة الصباح واليوم الجديد فيها استبشار وإشراق.
ومن جمالهما وإشراقهما شبهت بكثير من المبشرات ـ من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ـ فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن أناسًا في زمن النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ : نعم، هل تضارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة ضوء ليس فيها سحاب؟ ، قالوا: لا، قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب؟ : قالوا: لا، قال النبي ﷺ : ما تضارُّون في رؤية الله يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) (٢) هنا أيضًا استبشارٌ برؤية الله ـ تعالى وتقدس وتعظم، دون حائل أو حجاب.
стр. 119
المطلب السادس: الإفحام والتحدي (١) وذكر الشمس
هاكم مثالاً على هذا المعنى: تحدي إبراهيم ﵇ للنمرود (٢) يقول رب العزة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ
وقوع معنى التحدي في قصته ﵇ فكانت له تحديات كثيرة تتجلى في عدة مواقف، نكتفي بذكر موقفين:
الموقف الأول:
بعد ما هددته امرأة العزيز بأن يفعل بها ما تريد، فلم يستجب لها وتحداها واختار السجن مع أنه اختيار صعب: قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
بل وتحدى نفسه لإرغامها على البعد عن المعصية.
الموقف الثاني:
يتجلى في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٢).
стр. 122
في قوله تعالى: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يقول صاحب مفاتيح الغيب: فعاد الشرابي (١) إلى يوسف ﵇ قال: أجب الملك، فأبى يوسف ﵇ أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه (٢).
فهذا أيضًا تحدٍّ، بل إن رسول الله ﷺ امتدح موقفه وكأنه ﵇ تحيطه الغرابة من تصرف يوسف ﵇: (لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٤)، فقال رسول الله ﷺ : (لو كنت أنا، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر) (٥).
стр. 123
وفي ذلك يقول المصطفى ﷺ : (لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات، لو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب) (١).
стр. 124
المطلب السابع: الشمس تشير إلى ظهور الحقائق
رؤيا الشمس تشير إلى ظهور الحقائق، فقد أذهبت ظلام الليل فأصبحت الأمور أوضح، يعني أن هناك حقائق اختفت سوف تظهر بل ستكون واضحة كوضوح الشمس ويكون ذلك بعد طمس للحقائق.
وقصة يوسف ﵇ مع إخوته ومع امرأة العزيز كان فيها طمس للحقائق مما يوحي أنه لا بد من ظهور الحقيقة كوضوح الشمس، حيث أن أخاهم لم يأكله الذئب، وهم من رموه في الجب، فكانت ملابسات القصة غير واضحة عند يعقوب ﵇ ... ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١)، ولكن فيما بعد ظهرت حقيقة الأمر وبان الكيد ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، ووضحت بعد ذلك كوضوح الشمس.
وموقف آخر .. الذي كان مع زوجة العزيز، كانت تحتاج تلك القضية إلى ظهور للحقائق ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا
стр. 125
رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، وهناك مثال مشهور حين يريد أحدهم ضرب المثل في الوضوح وعدم الخفاء فيقول: كوضوح الشمس في رابعة النهار (٢)، والمعبر يلجأ أيضًا أحيانًا للأمثال وأبيات الشعر العربية لتعبير الرؤيا وهذه مناسبة ذكر المثال هنا.
стр. 126
المطلب الثامن: رمز السجود وعظمة شأن يوسف ﵇ وفيه فائدتان
في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (١).
السجود لغةً: التطامن والخضوع والتذلل، يقال: سجد البعير إذا خفض رأسه عند ركوبه، وسجد الرجل إذا وضع جبهته على الأرض.
والسجود في الاصطلاح: وضع الجبهة أو بعضها على الأرض، أو ما اتصل بها من ثابت مستقر على هيئةٍ مخصوصةٍ في الصلاة (٢).
ولنا في هذا المبحث وقفات:
الوقفة الأولى: آيتان ذكر فيهما موقف السجود في سورة يوسف ﵇:
الآية الأولى: في رؤيا يوسف ﵇ في قوله ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٣).
الآية الثانية: تحقق الرؤيا ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (٤)
стр. 127
في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ما هو معنى السجود هنا؟ وكيف كان؟
أعدل الأقوال أن يوسف ﵇ رآهم يسجدون له كما يسجد البشر لربهم، وما دام أن الرؤيا جاء تحققها في نهاية السورة بسجود إخوته له ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (١)، فلعل لهذا دلالة أنه رأى الكواكب والشمس والقمر على هذه الهيئة في منامه.
الوقفة الثانية: نقف مع رمز السجود من وجهين:
أولاً: إخوة يوسف وأبوه وأمه سجدوا ليوسف ﵇: إذًا هم سيكونون خاضعين له.
ثانيًا: أن يوسف ﵇ سُجد له في الرؤيا إذاً ... هو سوف يكون عظيمًا وذا شأن.
والسجود (٢) كان للعظماء والملوك والوجهاء في زمنهم لتعظيمهم.
стр. 128
وليس لعبادتهم والشرك بهم مع الله (١).
سجود الكواكب ليوسف ﵇ يعني أن شأن يوسف سوف يكون أعظم من إخوته (هذا في العلاقة بينه وبين إخوته فقط، والأمور الأعظم فصلناها في باقي الكتاب)، وهذه الكواكب سجدت ليوسف في منامه فهذا معناه أن عبادًا سوف يخضعون له وسيكونون تحت إمرته، مما يدل على أنه سيكون أعظم منهم، والسجود هنا ليس للعبادة، ولكن للمنصب الأعلى منهم مرتبة، فكان نبيًّا ـ وهذا الأعلى على جميع المراتب (٢)، وكان ملكًا ومفسرًا للرؤى (٣).
стр. 129
الفصل الثالث
كيف نتعلم تفسير الأحلام من خلال رؤيا يوسف ﵇ ؟
وفيه مباحث:
المبحث الأول: يا بني لا تقصص رؤياك! !
المبحث الثاني: (قواعد يسيرة في تفسير الأحلام وفوائده)
стр. 130
المبحث الأول
يا بني لا تقصص رؤياك ! !
стр. 131
وبعد أن انتهينا من الوقوف على رموز رؤيا يوسف ﵇ نعرج على نصيحةٍ مهمّةٍ قالها يعقوب ﵇ لابنه، وتتمثل في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ (١)، كانت تلك النصيحة في غاية الرحمة والشفقة والحكمة من يعقوب ﵇ مخافة وقوع الضرر على يوسف ﵇ أو الحسد الذي سوف يأتي بما بعده من حقدٍ عليه وأذية له (٢)، مع العلم أيضا أن بداية هذه الآية دليل قاطع على جواز قص الرؤيا على من يحسن التعبير وتتوفر فيه شروط المعبر المحسن.
وفي الحقيقة هذه النصيحة ليست خاصة ليوسف ﵇ فقط، بل هي نصيحة لكل من كان عنده رؤيا ويريد أن يتحدث عنها.
وإذا علمنا أن التحذير من الحسد في هذا الجانب جاء مع أول آية رؤيا في القرآن الكريم، وأنه كان أول ما أجاب عنه يعقوب ﵇ فنصح وحذر.
وكل أمر يأتي في البداية له أهمية تفوق ما سواه، بل إنه ﵇ لم يعبر الرؤيا ولكن نصح وحذر، ومن هذا الموقف يتضح لنا أهمية هذه النصيحة النبوية، وألا نقص الرؤيا على أي أحد، وبالأخص من كان فيه داء الحسد، حتى وإن كان بارعًا في باب التعبير.
стр. 132
ولو بحثنا في الأحاديث النبوية الشريفة لوجدنا أن رسول الله ﷺ حذرنا كثيرًا من قص الرؤيا على أي أحد.
وميراثنا النبوي اهتم بهذا الجانب والتنبيه عليه:
فقال ﵇ في الحديث الشريف: (لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح) (١).
وفي حديث آخر: (ولا يَقُصُّهَا إِلا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ) (٢).
وقال ﵇ أيضًا: (فلا تحدث بها إلا عالمًا، أو ناصحًا، أو حبيبًا) (٣).
وقال: (وَلا يُحَدِّثُ بِهَا إِلا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا) (٤).
فالرؤيا الحسنة يحسد عليها المرء؛ لأنها لا تكون لأي أحد، ولا تأتي لأي إنسان، فهي من الله يرسلها لمن يشاء من عباده، يقول رسول الله ﷺ : (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله ... ) (٥)، فدل الحديث على أنها من الله، وكأنها هبة وهدية لعباده، فعلى
стр. 133
المرء أن يحافظ عليها وكأنها سر من أسراره، لا يخرجه إلا لأمين، فموضوع قص الرؤيا والتعامل معها موضوع في غاية الحساسية، والكثير يتهاون في أمر قص الرؤيا فيقصها على جاهل أو حاسد، وهذا خطأ كبير.
بل وحتى من يفسرون الرؤى يُحْسَدُون على ذلك؛ لأنهم أُعطوا ما لم يأخذه غيرهم، فالرؤيا وتفسيرها محاطة بالحسد فليتنبه لذلك.
стр. 134
المبحث الثاني
(قواعد يسيرة في تفسير الأحلام وفوائده)
كيف نتعلم تفسير الأحلام من خلال رؤيا يوسف عليه السلام
стр. 135
في هذا المبحث سنتعرف على بعض طرق وقواعد التعبير اليسيرة (١)، والمستنبطة من رؤيا يوسف ﵇ منها ما يفيد المعبّر في تحليل الرؤيا، ومنها قواعد عامة يستفيد منها الرائي والعامة.
أولاً: الرؤيا عالم غيبي والإيمان بها من صلب العقيدة (٢):
إن الأحلام والرؤى هي من باب الغيبيات التي لا يكاد يستوعبها عقل؛ لأنها من عالم لا نراه ولكن نؤمن به، سواء من الرؤيا أو في تعبيرها، (وخصوصًا تلك التي هي من النوع المرموز (٣) الغير واضحة المعالم)، فلا يوجد في الواقع أن الكواكب تسجد لأحد، لكن هذا مقبول في الرؤى والأحلام؛ لأن لها معنىً خاصًّا وبعيدًا، وتسلسل الآيات كان في سياق ذكر الغيبيات (٤).
ثانيًا: تذكير الرائي بعد سماع الرؤيا أن مافيها من فضل فهو من الله، فليحمد الله عليها، ولا يظن أن الرؤيا مقدسة لذاتها، ولكن لأنها من الله ـ جل وعلا ـ ولا ينسى المعبر ذلك لما فيه من أثر في تربية المرء
стр. 136
على التوكل على الله والإيمان به، يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ (١) فيعقوب ﵇ ذكّر يوسف ﵇ بأن الاجتباء الذي سوف يكون له من الله، كما هو واضح في الآية، علماً أنه لم يحدد ما هو هذا الاجتباء! ! .
ثالثًا: من علامات الرؤيا الصحيحة ترابط رموزها ومعانيها ترابطًا واضحًا جليًّا، وهذا أول ما على المعبّر أن ينظر إليه.
رابعًا: على المعبّر أيضًا الاجتهاد في تحليل تلك الروابط ، والنظر في كيفية الجمع بين رموز الرؤيا في نقطة تقابل واحدة أو بقدر ما يستطيع؛ لأن ذلك يساعد كثيرًا في تفسير الرؤيا، بل ويظهر الأمر الأهم والمفترض أن يسلط عليه الضوء في التعبير.
وهذا مثالٌ حيٌّ ندرسه، وهو رؤيا يوسف ﵇ فكل رموز رؤياه موجودة في السماء؛ الكواكب، والشمس، والقمر، كلها أجرامٌ سماوية، فهذا دليل على أنها مترابطة، إلا رمزًا واحدًا وهو السجود الذي يختلف عن باقي الرموز، على الرغم أنه يتقابل معها في المعنى والمغزى، كما سنوضح ذلك في ملحق النماذج آخر الكتاب.
стр. 137
خامسًا: إذا رأى المرء في أحلامه شيئًا غريبًا وغير مرتب ، ورموزه غير مترابطة مع بعضها البعض، فهذه لا تكون رؤيا صحيحة، بل تكون أقرب لأضغاث الأحلام وحديث النفس.
سادسًا: تكرار المعنى له دلالة خاصة:
هناك معانٍ تتكرر في الرؤى، لعلها تتكرر في رؤيا واحدة أو أكثر من رؤيا.
وفي القرآن الكريم يمكن أن يكون المعنى واحدًا لعدة كلمات (١)، وإن أردتَّ فقل مجموعة من الكلمات تدل على معنىً واحدٍ، ولعلنا نستفيد من ذلك في باب التعبير.
بمعنى أن يكون رمزان مختلفان لهما نفس المدلول ولهما معنىً واحدٌ، وهذا له دلالة على أمرين:
أولاً: تأكيدٌ لأمرٍ ما ! !
ثانيًا: له دلالةٌ على زيادةٍ في هذا الأمر كزيادةٍ في المال أو في الجمال .... إلخ .
стр. 138
نذكر مثالاً توضيحيًّا، ولنبدأ بثاني (١) رموز رؤيا يوسف ﵇ وهي (الكواكب):
دلت على العظمة (٢)، ودلت على الجمال (٣)، ودلت على الدراية بأمور الزراعة (٤)، ودلت على الهمة العالية (٥).
وكذلك رمز الشمس، كان له أكثر من معنى، وكثير من المعاني كان لها وقفات في حياة يوسف ﵇.
فدلت على الشدة (٦)، والأهوال (٧)، والجمال (٨)، والبشارة (٩)، والتحدي (١٠)، والتخويف (١١)، وفي موضع آخر على العظمة (١٢).
ألم ترَ أن يوسف ﵇ كان رسولاً وكان ملكًا، فكان له قمة العظمة، وتكرار المعنى في رموز الرؤيا يدل على ذلك، وكما ذكرنا
стр. 139
سابقًا أن معنى العظمة هو المعنى الركيز في رؤيا يوسف ﵇ والذي تدور حوله معاني باقي الرموز.
إذًا في رؤيا يوسف ﵇ هناك تأكيدٌ لأمورٍ عدة، وثانيًا الدلالة على زيادةٍ في هذه الأمور، فكان جميلاً وكان جماله زائدًا، وكان له أكثر من منصب، وكانت تلك المناصب عظيمة.
стр. 140
سابعًا: الرؤيا فيها البشارة وفيها التحذير:
وبالوقوف على رؤيا يوسف ﵇ نجد أنه جاء فيها التحذير وذلك بالوقوف على رمز أحد عشر (١)، ونجد فيه الحدث المستقبلي الذي يدل على البشائر أيضاً وذلك من عدة أوجه:
١ ـ أن أغلب ما رآه يوسف ﵇ أجرام سماوية وهذا يستبشر به.
٢ ـ سجود أعظم الكواكب على وجه المنظومة الكونية له (الشمس والقمر).
وفي الرؤى يأتي التحذير والتبشير، وهنا جاءا في رؤيا واحدة.
ثامنًا: ننوه على فائدة التجاهل في الرؤيا، فلعل يوسف ﵇ لم يكن له أخت:
بل كانوا كلهم ذكورًا، إذ لم يذكر في الرؤيا التي رآها ما يدل على رموز تدل على الأخوات الإناث، وهذا يؤخذ منه أحيانًا بعض الأمور، فإما أن هذا عنصر غير موجود في حياته، لا سيما أنه جاء في رؤيا تجمع جميع أفراد العائلة، فجاء فيها، إخوته، والأم، والأب، فلعل عدم وجود أخوات له ﵇ من الأصل سبب من أسباب عدم ذكر أخوات إناث في الرؤيا.
стр. 141
وإما أن أمرًا حدث كأنها ليست معهم في الدنيا، أو أنها ماتت، أو فقدت، والله أعلم.
وهناك تلميح وقرينة، وهي أن الذي لم يكن في الرؤيا فهو ليس معهم في الواقع.
ولم يذكر في السورة الكريمة شيءٌ يدل على أن له أختًا، ولو حتى آية واحدة، لا سيما أيضًا أن الكواكب ترمز للذكور فقط.
وأيضًا غير ذلك، أن كلمة إخوتك التي في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١)، تدل على الذكور دون الإناث، ومع كل هذه القرائن نكاد نقترب من أن يوسف ﵇ لم يكن له أخوات إناث.
ومن هنا نستدل أن رواية التوراة كلها تحريف وتلفيق وكذب من أصلها (حتى وإن كانت نظرية التجاهل في الرؤيا غير صحيحة)، وما جاء في التوراة من قصة أختهم كان ركيكًا بل فاضحًا (٢) عياذًا بالله، ومن
стр. 142
الواجب أن لا يصدق ما كتب في التوراة، فهي بنت نبي ـ هذا إن كان له بنت ـ وكان ذلك صحيحًا. وأيضًا ثقتنا وتصديقنا لما في القرآن هو الأساس (١).
стр. 143
تاسعًا: الصلاح والتقوى له أثرٌ كبيرٌ في الرؤيا:
فانظر كيف كانت رؤيا يوسف ﵇ ذات سمو وعلو، فهو كما قال رسول الله ﷺ : (الكريمُ ابنُ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ ﵈ (١). وكثرة الرؤى الطيبة الصالحة، تدل على معدن الإنسان الطيب، وتوحي بصلاحه وتقواه (٢).
عاشرًا: وفي الجانب الآخر إذا كثرت أضغاث الأحلام وحديث النفس عند الرائي فهذا تنبيه بأن عليه أن يقترب من الله أكثر وأن يصفي نفسه ويربيها.
الحادي عشر: التعبير بإجمالي معنى رموز الرؤيا:
مثالٌ على ذلك: نجد أن من سمات الكواكب أنها تفترق، وتتقارب، وتتقابل، ولعل هذا ما حصل مع يوسف ﵇ فقد افترق عن إخوته وتقابل معهم مرة أخرى.
الثاني عشر: إن ظهر شيء غير جيد في الرؤيا فلا يفسَّر ، وعدم تفسير المنامات بدرجة تقلق الرائي، وقد فصلنا هذا في بداية المؤلَّف (٣).
стр. 144
الثالث عشر: الاهتمام برؤى أهل المناصب وخصوصًا الدينية:
لأن ذلك له أثر في الرؤيا، وكان بعض العلماء والمعبرين أكثر ما يسمعون الرؤى من أهل المناصب والوجاهة، والناظر لرؤيا يوسف ﵇ يجد أنها رؤيا لابن نبي، وهذا منصب رفيع جدًّا، ويزداد هذا المنصب أهمية إذا علمنا أنه كان صالحًا وتقيًّا، بل أصبح نبيًّا بعد ذلك.
الرابع عشر: الاهتمام بأمر الرؤيا وإن جاءت لمرة واحدة فقط:
في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ (١)، في رؤيا ملك مصر معناها التكرار في الرؤيا رآها أكثر من مرة، ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في رؤيا يوسف بمعنى رأيتها مرة واحدة فقط (٢)، ومع ذلك كان الاهتمام بها.
الخامس عشر: على الرائي أن يقص الرؤيا بنفسه:
وهو الأفضل فيوسف ﵇ هو بنفسه من قص الرؤيا على يعقوب ﵇ لأنه لعله يُحسَد عليها، ولعل الرؤيا مع النقل تفقد كثيرًا من رموزها مما يؤثر على تعبيرها، وهذا ما يحصل في الغالب من واقع التجربة، وغيرها من الأمور.
стр. 145
السادس عشر: التركيز على الأعداد والأرقام في الرؤيا وعدم إهمالها .
بدأت رؤيا يوسف ﵇ برقم، أو رقم مركب وهو ... ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾، وهذا يوحي أن الأرقام في الرؤى من الأهمية بمكان، فعلى المعبر أن يتنبه لها، وأن يتفرس في معناها، فلعلها تدل على وقوع أمرٍ مهمٍّ في وقتٍ معين تحدده تلك الأرقام إن تعامل معها المعبر بتفرسٍ وتركيز، وذكر في القرآن الكريم ثلاثة رؤى اهتمت بالعدد، سواء بذكر رقم في نفس الرؤيا كرؤيا يوسف ﵇ ورؤيا ملك مصر، أو بذكر ما يستدل بها على الكثرة والقلة في العدد، كرؤيا رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١).
فالوقوف على العدد يستفيد منه الرائي والمعبّر فليتنبه لذلك.