← Тафсир

Тафсир · id 109

تأملات في رؤيا يوسف عليه السلام

أحمد قشوع

Полный текст (157 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يحملونه عليه ﵇ ومع هذا الحسد المتجذر في نفوس إخوته لابد أن يحصل أمرٌ يخشى منه، ولعل الأمر إذا اتضح ليوسف وفصل يعقوب ﵇ في تعبيره لما يؤول إليه الحال مع إخوته، لعل هذا يجعل يوسف في حيرة من أمره، وفي صراع نفسي وعدم ارتياح، ويَقوَى الاحتمال الأول إذا علمنا أن الحاسد إذا عرف أنك تعرف أنه يحسدك، وقد تعرفت على طرقه للوشاية بك، يجعله يأخذ أسلوبًا آخر في التعامل معك، يتلوى به، ويكون أسلوبًا أشد مما كان يفكر فيه من قبل، فبدلاً من أن يضيعك أو يضايقك، يكون أسلوبه في التنكيل أشد، مثل التفكير بأن يسحرك، أو يتخلص منك بالقتل مثلاً، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الرأي كان مطروحًا للتخلص من يوسف ﵇ فلا أفضل من أن يترك الأمر للقدر. وهذا يظهر لنا باستقراء القصة، ومن الوهلة الأولى لقراءة رؤيا يوسف ﵇ لا نستطيع استنتاج هذا الأمر إلا إذا تمعنا وتدبرنا في إشارات الرموز، وفك ألغاز هذه الرؤيا العظيمة، وكم من رؤيا ظلت رموزها طي الكتمان، ولو عبرت رموزها من معبر متفرس لأظهرت لأصحاب الرؤيا أشياء عظيمة تتحقق في حياتهم، فانظر رحمك الله إلى هذه الإشارات الدقيقة التي غابت عن الكثير.

стр. 72

المطلب الثاني: رمز الكواكب وإشاراتها العميقة، وفيه ستة فوائد . وبعد أن علقنا تعليقًا يسيرًا على معنى الأحد عشر (وهو عدد إخوة يوسف ﵇ سواه (فجميعهم اثنا عشر مع يوسف)، ينتظرنا سؤال آخر من ضمن أسئلة كثيرة تحيط برؤيا يوسف ﵇ والجواب مكنون في فك رمز الكواكب والبحث في إشاراتها لأن لها أكثر من إشارة وليس إشارة واحدة فقط. وهل هذا الرمز يرمز لإخوته فقط؟ ! وعلى ماذا يدل تشبيه إخوة يوسف بالكواكب؟ ! لا بد أن هناك عالم آخر من الفوائد تدل عليه هذه الكلمة وهذا الرمز العميق! ولا بد أن هناك حكمة من إطلاق كلمة الكواكب في هذه الآية الكريمة، فما هي؟ دعونا نتعمق سويًّا ونبحث وندقق بحيث نصل إلى نقاط نشبع فيها رغباتنا الإيمانية وفضولنا الفكري:

стр. 73

الكواكب أو (النجوم) (١)، ترمز لمعانٍ كثيرةٍ في المنام، ولكنني سوف أقرب الفكرة أكثر، ونرى ما الذي تشير إليه الكواكب في رؤيا يوسف ﵇، مستدلاً بصريح آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، في ذكر الكواكب بين طياتهما. شبه إخوة يوسف ﵇ في الرؤيا بالكواكب، ورأى يوسف أن هذه الكواكب تسجد له. إذًا من حيثيات هذه الرؤيا نأخذ عدة إشارات ودلالات لهذين الرمزين (الكواكب والسجود)، ومن هذه الدلالات ما هو مقرونٌ بيوسف ﵇ لأنه هو صاحب الرؤيا. ومنها ما هو مقرون بإخوته لأنهم هم من شُبِّهوا بالكواكب. بمعنى أن هناك بعض الدلالات التي كان إخوته يتصفون بها ويتشاركون فيها مع بعض (إشارات) صفات الكواكب. ودلالات أخرى كان يتصف بها يوسف ﵇ وأمور مستقبلية سوف تأتيه وتكون من صفاته، ودلالةٌ على مكانته التي تشير إليها بعض معاني الكواكب أيضًا، ووجه الاستدلال بأنه رأى الكواكب في رؤياه

стр. 74

أنها سجدت له، ومن العجيب أن هذين الرمزين وغيرهما من الرموز في رؤيا يوسف ﵇ تحتمل أكثر من إشارة، فهذا معنى يدل على الجمال، وآخر على المشقة والتعب والشدة، وسوف نسردها هنا بالتفصيل إن يسر الباري. ولنبدأ بالإشارات التي تُحْمَلُ على المحملِ الحسن. ولنجعلها بدايةً بالدلالات والصفات التي تكون ليوسف ﵇ ونثني بعد ذلك بالصفات التي تكون لإخوته.

стр. 75

أولاً: (الوصول للعظمة) من أول هذه الإشارات لمعنى الكوكب وهو الرمز الركيز (١) في رؤيا يوسف ﵇: كيف يكون معنى العظمة مستوحى من رمز الكواكب؟ وهل هناك دليل على ذلك؟ يتبين ذلك عندما نعلم أن رب العزة ـ تعالى وتعظم ـ لما وصف نوره ـ جل وعلا ـ ذكر الكوكب، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (٢) (من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل)، والله ـ جل وعلا ـ عظيم وذو سلطان، فلعل ذكر الكوكب له أثر على المنصب العظيم والسلطة أيضًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)، والعظيم سبحانه لا يصف نفسه إلا لعظمته سبحانه وما يتناسب مع تلك العظمة، والمستقرئ لقصة يوسف ﵇ يجد أن السلطة والعظمة تحققتا ليوسف ﵇ في عدة مواقف، منها على سبيل المثال:

стр. 76

ـ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (١). ـ وفي قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). ومن الأدلة على عظم الكواكب أن الله أقسم بالنجم الذي هو الكوكب، والقسم لا يكون إلا للشيء العظيم (٣) والذي له أهمية ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٤) والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه (٥) ولا يكون ذلك للبشر. وإن قال قائلٌ: لماذا إشارة العظمة لا تأتي بأن إخوة يوسف ﵇ كانوا عظماء، فنقول: الرمز لا يؤخذ لوحده ولكن بقرائن، وهذه القرائن لا تجعلنا نقيس العظمة لهم، غير ذلك أن هذه الكواكب سجدت،

стр. 77

والعظمة لا تكون لمن يسجد للآخر، ولكن يكون السجود للمعظم، وتحليل آخر؛ أنهم كانوا من عظماء قومهم ولكن عظمتهم لا تساوي شيئًا أمام العظمة التي سوف تكون ليوسف ﵇. وكوكب وكواكب ذكرت في عدة مواضع في كتاب الله كلها في مواقف عظيمة، وكل هذا يدل على أن الكواكب تشير للعظمة. والكواكب تدل على إشارات أخرى غير العظمة منها على سبيل المثال: ـ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (١). ـ وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ (٢)

стр. 78

والآية الكريمة: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١)، دلت هنا على الزينة والجمال (٢) ... ﴿وَحِفْظًا﴾. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٣)، دلت هنا على العلامة والدلالة والاستدلال، ولأنه من المخلوقات التي تبهر بعظمة خلقها. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (٤)، وجاءت هنا للتعبير عن أهوال يوم القيامة فهي علامة من علاماتها. والتفكر في خلق السماء يتكرر كثيرًا في كتاب الله؛ لعظمتها وعظم ما فيها من الآيات، ومنها الكواكب، يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥).

стр. 79

وهناك لطيفة جميلة ذكرها الإمام السمعاني في تفسيره: شبهه بالكواكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر؛ لأن الشمس والقمر يلحقهما الكسوف والخسوف، والكواكب لا يلحق بها (١).

стр. 80

ثانيًا: من إشارات معنى الكواكب الهمة العالية، والطموح الكبير ـ إن من معاني رؤياها في المنام ما يدل على الهمة العالية، والطموح الكبير. يقول المتنبي (١) متمثلاً ببيتٍ جميل يَقرِنُ فيه الهمة العالية مع ذكر النجوم: إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فالنجوم يضرب بها المثل على الهمة العالية. ألم يذكر في الآية الكريمة أن الكواكب تسجد له؟ ومن البلغاء من عرف الكواكب بأنها النجوم، وها هو المتنبي يربط الهمة العالية بالنجوم؛ لأنها من الأشياء التي تعلو علينا، والوصول لها يحتاج إلى مشقة وهمة وجهد كبير، فجمع ذلك بين الهمة العالية والطموح الكبير اللذين يتمتع بهما يوسف ﵇ لا محالة. ولو لاحظنا قياسًا علميًّا وفلكيًّا، سنجد أن الكواكب فوقنا وأعلى مِنَّا، والوصول إليها لا يكون إلا بالنظر ونحن على الأرض، والطلوع لها إن صح يكون بجهد كبير جدًّا، وهمة عالية وتكلفة ضخمة للغاية تصل إلى ملايين المصروفات.

стр. 81

ـ وقوع معنى دلالة الهمة العالية والطموح الكبير ليوسف ﵇ في قصته: لو قارنَّا ذلك بما كان ليوسف ﵇ سوف نجد أن هذا ما حصل له بالفعل، فكانت همته عالية وطموحه كبيرًا، ويدل على ذلك طلبه من ملك مصر في ذلك الوقت أن يجعله على خزائن الأرض، ويتضح هذا في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، ولا يتقدم لمثل هذا الطلب إلا من كان طَموحًا وذا همةٍ عالية. ومن طموحه الكبير أيضًا أنه صار له مناصبٌ عدة، حتى وصل به الأمر أنه ﵇ كان هو الآمر الناهي في مصر (٢). ومن قبل ذلك نصيحته للسجناء، فمن له القدرة على النصح وهو سجين محروم بين جدران معدودة إلا من كان ذا همةٍ عالية؟ ! . فتبين بعد التحقيق أن من إشارات رؤيا الكواكب ما يدل على المناصب العالية في الدنيا، وهي المناصب التي وصل إليها يوسف ﵇ هذا غير همته ﵇ بالصبر على الابتلاءات التي مرت به من ظلم إخوته، والسجن الذي تعرض له.

стр. 82

ورأس الأمر، أن همته العالية جعلته يقف على قدميه من جديد، ولم يجعل من تلك المواقف ما يؤثر عليه سلبًا.

стр. 83

ثالثًا: الشهرة وانتشار الصيت ومن الدلالات والإشارات التي تؤخذ من معنى الكواكب الشهرة وانتشار الصيت: يقول ﷺ وهو يصف الحوض: (حوضه ما بين صنعاء والمدينة) فقال له المستورد: ألم تسمعه؟ قال: الأواني؟ قال: لا، قال المستورد: (ترى فيه الآنية مثل الكواكب) (١). يقول صاحب كتاب عمدة القارئ: فِيهِ الآنِية مثل الْكَوَاكِب، أَي: كَثْرَة وضياء (٢). الشاهد هنا، أن لفظة الكواكب أشارت هنا للكثرة والضياء وأن هذا من معانيها. يلاحظ أن من الميزات الأخرى في الكواكب لمعانها وانتشارها، فالكواكب تلمع في السماء وتكون منتشرة، ونراها كذلك ونحن بعيدون عنها على سطح الأرض، بل صار هذا اللمعان صفة من صفات يوسف ﵇ فكان مشهورًا لامعًا في الأرض، كما أن الكواكب لامعة في السماء، وانتشر صيته وقصته أيضًا.

стр. 84

وقوع دلالة الشهرة وانتشار الصيت على يوسف ﵇: حتى يومنا هذا، الكثير يعرف قصته بالتفصيل وبدقائقها، وليس عندنا نحن المسلمين فقط، بل تعدى ذلك كثيرًا من الديانات، وما أكثر المصنفات التي درست قصة يوسف ﵇ التي تعد بالعشرات، والفوائد منها بالمئات بل بالآلاف، وكل هذا يدل على الشهرة التي يرمز لها في كثير من الأحيان باللمعان، فرؤية الكواكب تدل على أن سمعة الإنسان سوف تكون مشهورة .. لامعة .. ومضيئة، ألم تقرأ عن إعجاب العاملات والوصيفات به، وانتشار خبر حب امرأة العزيز له، وكل هذا من الشهرة: ... ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١)، وهذا ما كان؛ فسيرته ﵇ على كل لسان، وسمعته مضيئة مثل الذهب في لمعانه، والعجيب أن اللمعان يظهر أكثر وسط السواد والذي يعبر عن ضوء الكوكب وسط السماء الذي لعله يعبَّر عن الأيام العصيبة التي عاشها ﵇ وهو كان مضيئًا فيها. حتى وإن كان الموقف في غير صالحه، فإنه يدل على شهرته في القصر بجماله أمام العاملات. والكواكب لإضاءتها؛ سماها المولى بالمصابيح:

стр. 85

في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ (١)، وهذا على أن الكوكب هو النجم. وسنذكر حديثًا لعله يستشهد به على ضوء الكواكب والذي يزيدها لمعانًا، يقول الرسول ﷺ : (لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطّلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم) (٢)، الحديث يعني أن النجم له ضوء، ولعل هذا الضوء هو سبب اللمعان (سواء كان هذا الضوء يصدر منها أو منعكسًا من إضاءة أخرى). وهذا ما تنبه له البلغاء الأولون أن الكوكب له ضوء، يقول البحتري الشاعر الفحل في إضاءة الكوكب في وسط الليل الدامس؛ أي لمعانه في الليل: كالكوكب الدري أخلص ضوؤه ... حلك الدجى حتى تألق وانجلى

стр. 86

وتوحي إلينا كلمة تألق بفائدة أخرى من الفوائد المتعلقة بالكواكب: وهي التألق والجمال، وهذا ما سيوحي لنا بفائدة في قمة الروعة، والتي سوف نذكرها في طيات هذا البحث، ولكن بعدما ننتهي من القسم الذي يتعلق بيوسف ﵇.

стр. 87

رابعًا: الانتصار يؤخذ من الكواكب: في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (١) وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا (٢) لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ انظر (٣) الكواكب ترجم الشياطين فالله ـ جل وعلا ـ أرسلها لتكون سببًا لتدحض الباطل، وهذا ما حصل فدحضت كثيراً من الباطل، وهذه الآية تعطينا إشارة لمعنى آخر للنجوم حيث إن الشيطان لا يأتي إلا بالباطل؛ فهو يوسوس للإنسان بعصيان ربه، بل الكفر بربه، وهو يسترق السمع ليجعل الناس في ظنهم أنهم يعلمون الغيب، والله جعل الكواكب سببًا لإزالة هذا الباطل وإظهار الحق، بمعنى الانتصار للحق، فالله الجليل جعلها رجومًا للشياطين.

стр. 88

خامساً: الدراية في أمور الزراعة تؤخذ من معاني رمز الكواكب يقول تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١). ولو أمعنا النظر ودققنا الفكر لوجدنا أن رؤيا الكواكب تدل على أمر يتعلق بالخبرة الزراعية، فدراسة أوقات زراعة الثمر وحصاده يحتاج إلى خبرة في مواقيتها، والتي تؤخذ من الكواكب كعلم للتسيير وليس للتأثير (٢)، فكل ثمرة لها وقت معين، إما شتاءً أو صيفًا، بل بعض الفواكه

стр. 89

تحتاج دقة في وقت زراعتها، ولعل يوسف ﵇ كان خبيرًا في الزراعة، وخبرته كانت كبيرة جدًّا. بل إن من معاني الكوكب اللغوية: شيء في النبات، عن أَبي حَنِيفَةَ. قَالَ: إِنما الكَوْكَبُ نَبَاتٌ مَعْرُوفٌ (١). وقوع دلالة معنى الرمز على قصة يوسف ﵇: تفسير رؤيا ملك مصر في ذاك الوقت دليلٌ بيّن، بل إن هناك دقائق لا يعرفها إلا من كان له باعٌ كبيرٌ في مجال الزراعة والمحصول، وهي نصيحته ﵇ لما قال لهم: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ (٢)، ولعل من أسباب هذه النصيحة الخبرة السابقة في الزراعة، بل إن هذه المشورة تبين مدى الخبرة الكبيرة بمعرفة تخزين المحاصيل أيضًا، ولو كان في زمننا لأُعطي أصحاب اكتشاف كهذا جوائز جمّة،

стр. 90

وعمومًا بنو إسرائيل الذي من سلالتهم يوسف ﵇ قوم يعلمون الزراعة بدقائقها، بل لعلهم لا يضاهَوْن في هذا العلم.

стр. 91

سادسًا: الهداية الشرعية والهداية الكونية يؤخذ من رمز الكواكب (النجوم) الإشارة للهداية الشرعية والهداية الكونية: يقول تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١). التفكر فيها، وفي خلقها، والإيمان بخالقها ـ لا يستفيد منه إلا الموحد، أو مَن في قلبه هداية تقوده إلى الهداية الشرعية. إن ما تقدم من خَلْق الله هو علامات تدلُّ على ضرورة أنْ تروا المنافع التي أودعها الله فيما خلق لكم؛ وتهتدوا إلى الإيمان بإله مُوجِد لهذه الأشياء لصالحكم (٢). ومن الهداية الكونية الاستدلال بمعرفة الفصول، ومنها الاستفادة في أوقات الزرع والحرث وقد تقدم ذلك، ومنها الاستدلال بها في معرفة الجهات (٣) التي تدل الإنسان على الأماكن، ووجهاته الصحيحة في السفر، فهذه يستفيد منها المؤمن والكافر.

стр. 92

ومن العجيب أن الرؤيا التي رآها يوسف ﵇ ليس فيها كوكب واحد أو نجم واحد، بل ذكر فيها ثلاثة عشر كوكبًا أو نجمًا، وهذا يدل على معلومة أخرى؛ حيث إن معرفة الفصول أو الجهات في الغالب لا يعتمد فيها على دارسة كوكبٍ واحدٍ فقط، بل على مجموعة من الكواكب، كتحديد جهة الشمال أو الجهات عمومًا، وهكذا. والذي يستفيد من علم النجوم لمعرفة الطريق سوف يصل بدقة، ولعلها إشارة إلى الوصول الموفق للهدف المنشود. ويوسف ﵇ وصل إلى أهداف كثيرة بنجاح ومهارة وتوفيق، ولعل رؤيا النجوم في المنام بشارة على الوصول إلى الهدف المنشود. فقد رسم يوسف ﵇ لنفسه خططًا لمستقبله ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١) فكان له هداية التوفيق والنجاح، غير أنه خطط لمصر وتطويرها، وكان مصيبًا في ذلك ﵇ وقد وصل إلى طريق صحيح ورفعة عالية.

стр. 93

ولو عدنا لكتاب الله لوجدنا أن أكثر الآيات التي تحضنا على التفكر في خلق السماوات التي في طياتها الكواكب والنجوم والشمس والقمر، لما فيها من بديع صنع الخالق وآياته ودلائل كونية عظيمة يقف العقل عاجزًا أمامها، فيا ترى ما السر وراء كل ذلك؟ إلى هنا ونحسب أن الخواطر التي تتعلق بقياس بعض صفات الكواكب ليوسف ﵇ قد أخذت وقتًا لا بأس به، وليسمح لنا قارئنا الكريم أن ننتقل بعد ذلك إلى علاقة بعض صفات الكواكب بإخوة يوسف، وهو المحور الثاني من هذا المبحث.

стр. 94

المبحث الثاني الصفات المتعلقة بإخوة يوسف

стр. 95

المطلب الأول: إخوة يوسف والجمال والكواكب جاء ذكر الكواكب في آيات القرآن الكريم وفي أحاديث كثيرة في السنة النبوية أيضًا، ولعل من المناسب ربط هذه الأحاديث مع الآيات حتى تتضح الصورة أكثر، منها على سبيل الذكر لا الحصر: الكواكب ترمز للجمال والزينة يقول تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ (١)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٢). وقال الإمام قتادة ـ يرحمه الله ـ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (٣) خلق هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به (٤). وقد مر معنى بيت للبحتري (٥) يقول فيه: كالكوكب الدري أخلص ضوؤه ... حلك الدجى حتى تألق وانجلى

стр. 96

وهذا يدل أيضًا على أن جميع إخوة يوسف ﵇ كان فيهم جمالٌ قياسًا على أن الكواكب تزين السماء وتجعلها جميلة، وهم وصوفوا بالكواكب، ولكن مما لا شك فيه أن أشدهم جمالاً هو يوسف ﵇. ومن التعاريف اللغوية للكوكب أنه يعني: الغلام الحسن، قيل: غلامٌ كَوْكَبٌ ممتلئٌ إِذا تَرَعْرَعَ وحَسُنَ وجهُه؛ وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ لَهُ: بَدْرٌ (١).

стр. 97

وقوع دلالة الجمال على إخوة يوسف: ولعل بشرتهم كانت بيضاء أيضًا، إذ هذا من الجمال، وهذا من كلام العرب (البياض في سواد العين) (١)، وهو من معاني الكوكب وهذا قمة الجمال. وهناك عدة قرائن (٢) أخرى لصحة نظرية (جمال إخوة يوسف) منها: ١ ـ أن الإخوة أحيانًا يكونون شبيهين ببعضهم، وما دام أن يوسف ﵇ كان في قمة الجمال، فإخوته سيكونون قريبين منه. ٢ ـ غير ذلك أن راحيل أم يوسف ﵇ كانت جميلة أيضًا بل كانت هي الأجمل من بين أخواتها (٣). ومما يستأنس به، جزء من حديث ذكره الإمام البيهقي ﵀: يقول ﷺ : (ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا

стр. 98

برجل أحسن ما خلق الله قد فضل عن الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب. قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه فسلمت عليه .... ) (١).

стр. 99

لاحظ المقارنة بين القمر والكواكب والدلالة على الحسن ! ! ما يدل على أن في الاثنين جمالاً، وفيهما نور، ولكن القمر جماله أكثر ونوره أعظم، فدل ذلك على أن الكواكب فيها جمال، ولكن جمالها أقل من جمال القمر، وفيها نور ولكن نورها أقل من نور القمر. ٣ ـ ومن القرائن تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (١)، قال بعض المفسرين: لجمالهم (٢) خاف عليهم من العين والله أعلم، وهنا أيضًا نكتة، أن الكلام عن الحسد ذكر مرتين في هذه السورة الكريمة عندما نصح يعقوب ﵇ ابنه يوسف ﵇ بألا يقص الرؤيا على

стр. 100

إخوته، وأخرى في الآية الآنفة الذكر، وسيكون لنا وقفة مع الحسد وعلاقته بالرؤيا في آخر المؤلَّف إن يسر الباري (١). ولا مقارنة بين جمال يوسف وإخوته، يقول الشاعر (٢): ألم ترَ أن السيف ينقص قدره إذا ... قيل أن السيف أمضى من العصا ولاحظ أن الحديث السابق جاء فيه ذكر القمر والكواكب، وكذلك رؤيا يوسف ﵇ فيها ذكر للقمر والكواكب.

стр. 101

المطلب الثاني: إخوة يوسف عبّادٌ موحدون .. ليسوا علماءَ ولا أنبياءَ ! ! يقول ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) (١). ومن هذا الحديث الشريف الصحيح نستنتج مسألة بل هو أول ما يظهر لنا بوضوح، إن لم تكن قاعدة، وهي: أن التشبيه بالقمر يكون للعالم، والعابد يشبه بالكواكب، لذلك لعل إخوة يوسف ﵇ كانوا عبّادًا ولم يكونوا أنبياء ولا علماء، بعكس ما نص على ذلك بعض المفسرين (٢). والله أعلم، قياسًا على أن العابد يشبه بالكواكب، والعابد يدخل عليه الشيطان في كثيرٍ من الأمور، بخلاف العالم، وقصة يوسف ﵇ مع إخوته واضحة، كيف أن الشيطان وسوس لهم برميه في الجب، ومعاذ الله أن يكون هذا التفكير لنبي من الأنبياء، ولاشك أن هذه قرينة ليست بالهينة، وأيضًا لعل القول الذي يرجح أن القمر يرمز للأب (٣) له اعتبار لا يستهان به، وما نستطيع أن نستخلصه من هذه الدراسة، أن الكواكب لها أكثر من معنى، منها ما هو ليوسف ـ عليه

стр. 102

السلام ـ (بدلالات سجودها له ﵇ مثل الجمال، والرئاسة، والعظمة، والوجاهة في الدنيا، ومنها ما هو لإخوته. وهكذا كثيرٌ من كلمات القرآن الكريم لها أكثر من معنى وأكثر من مدلول.

стр. 103

المبحث الثالث الشمس والقمر والسجود

стр. 104

وبعد أن سردنا الكثير عن الكواكب، وليس كل ما يتعلق بها، وهو رمز من بعض رموز الرؤيا. ننتقل إلى رمزين آخرين مهمَّين في نفس رؤيا يوسف ﵇ وهما الشمس والقمر، فيا ترى ما الإشارت الأخرى لرمزَي الشمس والقمر؟ وهل معناهما الأب والأم فقط، أم أن هناك أسراراً ومعانيَ أُخرى لهما؟ ! . ويظهر لنا هنا تساؤل: لماذا جمعنا الرمزين الشمس والقمر في مبحث واحد؟ أو في دراسة واحدة؟ بينما كان في دراسة الرموز السابقة دراسة كل رمز على حدة؟ والجواب على ذلك: أن هذين الرمزين لهما علاقة مع بعضهما، والعلاقة تقدر بالوطيدة جدًّا، ذكرت الشمس مع القمر في كتاب الله في سبعة عشر موضعًا، ولها عدة معانٍ، ولعل هذا من أسرار اختيار هذين الرمزين للأب والأم على أن يكونا من معانيهما، فالأب والأم متلازمان ودائمًا مع بعضهما، هذا في الوضع الطبيعي، وأيضًا لهما طبيعة تختلف عن بعضهما، وهناك معانٍ خاصة لكلٍ من الشمس والقمر، كل على حدة، سنبينها من خلال هذه الدراسة اليسيرة.

стр. 105

المطلب الأول: يوسف ﵇ حسابيٌّ بارع الشمس والقمر وهما مجتمعان يشيران إلى (علم الحساب). ولما جاء ذكر الشمس والقمر مجتمعان مع بعضهما، كان لذلك دلالاتٍ منها (١): ما يستفاد منه في علم الحساب. يقول تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٢). وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (٣).

стр. 106

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (١). نلاحظ أنه جاء في الآيات الكريمة ذِكر الشمس والقمر، وذُكر فيها أيضًا الاستدلال بهما في علم الحساب، إذًا الأمر واضح في علاقة الشمس والقمر بعلم الحساب. و"الحسبان" في كلام العرب جمع "حِساب"، كما "الشُّهبان" جمع شهاب، وقد قيل إن "الحسبان"، في هذا الموضع مصدر من قول القائل: "حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا". وحكي عن العرب: "على الله حُسْبان فلان وحِسْبته"، أي: حسابه (٢)، فالمعنى هنا يدل على الحساب كمعنىً عامٍّ. بماذا نستفيد من هذه المعلومة في الربط بين علاقة رؤيا يوسف ﵇ وبعض المواقف التي حصلت له؟ وما كان له من أمور كثيرة في حياته! !

стр. 107

العجيب أن رؤياه ﵇ تدل على أنه سيكون حسابيًّا بارعًا! وهذا ما كان بالفعل، فكيف يكون ذلك؟ هناك عدة قرائن تساعدنا في تحليل هذه المسألة، منها: ١ ـ أن يوسف ﵇ طلب تولي خزائن مصر، ولا شك أن من يريد أن يتسنم مثل هذا المنصب عليه أن يكون على دراية بعلوم كثيرة، وعلم الحساب أحد تلك العلوم، على الأقل معرفة لا بأس بها، لا سيما أن يوسف ﵇ واجهته مشكلة اقتصادية كبيرة في مصر، والتي من بعض حلولها علم الحساب. ٢ ـ ومما لا شك فيه أن أي نبيٍّ من أنبياء الله ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ لن يطلب أمرًا إلا وهو متمكن منه، ويعلم تمامًا كيف يتعامل معه، ويلاحظ أن هذا الأمر دنيويٌّ، وهم ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ يجعلون الأمر الدنيوي في طاعة الله (١).

стр. 108

٣ ـ ومن جانب آخر فلن يقبل ملك من الملوك على وضع أي شخص في مكان حساس إلا إذا كان متأكدًا من خبرته وباعه الطويل، فلعل ذلك رابط بين رؤياه ﵇ وبين ما كان له، وما حصل له في جزئية من حياته. ٤ ـ قرينة أخرى في قوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، قال بعض المفسرين ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب (٢)، فالأمانة وحدها لا تكفي في تولي مثل هذا الأمر، ويقول الشيخ عبدالرحمن حبنّكة ـ يرحمه الله: عليم: أي: كثير العلم المؤهل للقيام بهذا المنصب الخطير (٣). ولعل خبرته ﵇ في علم الحساب مع خبرته في علوم الزراعة كان لها أثر في نصيحة لملك مصر عندما فسر رؤياه مع استعانته بالفراسة والذكاء، والله أعلم.

стр. 109

المطلب الثاني: تأثير الزمن في تعبير الرؤيا أن الشمس والقمر تعبران عن أصل الزمان: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١) فهما منظومة واحدة لا يفترقان، ويعبران عن الليل والنهار، واللذان هما الزمان (٢)، فالشمس للنهار الذي فيه الكد والتعب وطلب الرزق ... ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، والقمر لليل الذي جعله الله للراحة والسكون والهدوء ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وهذا واضح بيّن. لكن ما علاقة هذا بتفسير الأحلام وربطها بتعبير الرؤيا؟ يقول رسول الله ﷺ : (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن) (٣)، لاحظ هنا ـ تحديدًا ـ إذا اقترب الزمان، وعلاقة آخر الزمان بصدق الرؤيا، وشراح الحديث لهم في معنى اقتراب الزمان ثلاثة أقوال:

стр. 110

أحدها: أنه قرب القيامة. والثاني: أنه تقارب زمان الليل (القمر) والنهار (الشمس) وقت استوائهما (١)، أيام الربيع أو الخريف، وذلك وقت تعتدل فيه الأمزجة، فحينئذٍ تكون الرؤيا سليمة في الغالب من الأخلاط. والثالث: أنه زمان التكهل؛ لأن الكهل قد بعد عنه تخايل الظنون الفاسدة، وركدت عنده نوازع الشهوات، فكانت نفسه أقبل لمشاهدة الغيب، ومن هذا الباب قوله: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا)) (٢). فالرؤيا تتأثر بالزمن (والذي أصله متعلق بالشمس والقمر) والوقت، كما جاء في استنباط الفوائد من الحديث الشريف السابق. وما نقصده هنا أن اقتراب الزمان من ساعات لا بد له من قياس، وقياسه يكون عن طريق الشمس والقمر. ورؤيا الشمس والقمر لها إشارات لعدة معاني في سورة يوسف ﵇ منها ما يدل على الجانب الجمالي، ومنها ما يدل على جانب الصعاب والشقاء والحَرّ والحرق، وسوف نفصّل في ذلك ـ إن شاء الله تعالى، وإعطاء الكلمة أكثر من معنى يعتبر من الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.
следующие страницы →