← Тафсир

Тафсир · id 109

تأملات في رؤيا يوسف عليه السلام

أحمد قشوع

Полный текст (157 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أحسن القصص القرآني، ورؤيا يوسف ﵇ أجمل قصة في السورة الكريمة. ولا يَظنَّ الظانُّ أن ترتيب القرآن الكريم وترتيب آياته جاء هكذا عبثًا (١)! ! حاشا لله، بل كل حرف من حروف القرآن له معنى (٢)، بل كل تشكيل له مغزى، فنهايات الآيات لها دلالة، وبداياتها لها دلالة، وهناك ربط بين نهايات الآيات وبداياتها، وهناك رابط معهن ومع نفس السورة الكريمة (٣). وقصص الرؤيا مشوقة أكثر من غيرها من القصص، بل وتحتوي على فوائد عدة، ورسول الله ﷺ كان كثير السؤال عن الرؤيا بعد الصلاة، وذلك لما يكون فيها من فوائد ولأهميتها (٤).

стр. 37

المبحث الخامس الرؤيا المرموزة، سمة لما رآه يوسف ﵇ في منامه ! !

стр. 38

يقول الله تعالى في محكم تنزيله في قصة يوسف ﵇ وهو يروي رؤياه لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (١) فالناظر في رؤيا يوسف ﵇ يجد أنها رؤيا من النوع المرموز (٢)، بمعنى أنها تحتاج إلى التعبير والتأويل ليُتعرف على مكنوناتها، فهي غير واضحة، ولكي تعبر هذه الرؤى، يكون ذلك بعرضها على خبير بنوعية هذه الرؤى، أو عالم متخصص بها، حتى يفك رموزها ويتعرف على ماذا تدل، ليصل إلى ما تشير إليه هذه الرؤيا، وما تؤول إليه. وكون رؤيا يوسف ﵇ مرموزة، فهذا بحد ذاته يعطي انطباعًا أكثر بأهمية تفسير الأحلام، فوقعها يكون أشد للرائي من ناحية شد انتباهه واهتمامه، إذ إن الرؤى المرموزة تحتاج إلى من يحللها، فتحتاج إلى معبر قوي ليعرف معناها ومآلها ولا يكون ذلك للرؤى الواضحة البينة.

стр. 39

ولعل الحكمة من ذلك أن يوسف ﵇ لما رأى هذه الرؤيا لم يكن نبيًّا بعد، ولم تكن هذه الرؤيا وحي نبوة (١)، فرؤى الأنبياء لا تأتي مرموزة على حسب السياق القرآني! !

стр. 40

ويظهر هذا جليًّا عندما نقارن (١) رؤيا يوسف ﵇ برؤى الأنبياء ـ عليهم من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ على حسب السياق القرآني. وسنجد أن رؤى الأنبياء جاءت صالحة صادقة (٢)، بمعنى أنها لا تحتاج إلى تعبير، فهاتان رؤيتان لنبينا وحبيبنا محمد ـ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم: يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ

стр. 41

اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) ويقول تعالى: ... ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣). ورؤيا أبي الأنبياء إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤). يلاحظ أن جميعها رؤى نبوية، وجميعها صادقة، بمعنى أنها لا تحتاج إلى تأويل ولا تعبير، فقد تحققت على الواقع مثل ما كانت في المنام تمامًا، غير أن رؤياهما ـ عليهما أفضل الصلاة والسلام ـ لم يكن بينها

стр. 42

وبين تحققها وقت طويل (١)، بخلاف رؤيا يوسف ﵇ فقد تحققت رؤياه بعد أربعين سنة (٢)، لذلك يظهر لنا أن يوسف ﵇ لم يكن نبيًّا عندما رأى رؤياه، ولم تكن رؤياه رؤيا نبوية؛ لأنها كانت على عكس ما عليه الرؤى النبوية الأخرى في باقي سور القرآن الكريم، وكانت أيضًا تحتاج إلى فك للرموز وتأويل تلك الرموز، والقرآن الكريم له سياق معين في آياته الكريمة، ولا شك أن هذا السياق سوف يتشابه إذا كان يحمل نفس المدلول وليس المعنى فقط، بل هناك

стр. 43

قرينة أخرى، وهو صغر سنه ﵇ لما رأى تلك الرؤيا (١)، والله أعلم. ونلاحظ أن رؤيا ـ يوسف ﵇ لم يكن فيها شيء من جنس الأرض بتاتًا، فكلها أمور متعلقة بالسماء والأجرام السماوية التي من إشاراتها ما يدل على العلو والارتفاع والارتقاء وغيرها من الإشارات الأخرى (٢). وهذا حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من الأصول التي يستدل بها في علم تعبير الرؤى، على أن أول ما يرى النبي ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ الرؤى الصادقة، لا الرؤى المرموزة، ويظهر ذلك في هذا الحديث العظيم التي ترويه أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (كان أول ما بُدِئَ به رسول الله ﷺ ، الرؤيا

стр. 44

الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١)، ثم حُبّب إليه الخلاء، ....... الحديث) (٢). والأمور التي سوف أركز عليها وأذكرها، هي بعض اللمسات البيانية والتدبرية في هذه الآية الكريمة من كتاب الله العظيم، وهي ليست تفسيرًا.

стр. 45

المبحث السادس هل عبرت رؤيا يوسف ﵇؟ (تحقيق وتدقيق)

стр. 46

وكانت هذه نقطة البداية! ! فقد لوحظ أن رؤيا يوسف ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (١). كان لها ما يميزها عن غيرها من باقي الرؤى التي ذكرت في نفس السورة، هذا بالنسبة لتفسيرها وتعبيرها، فإما أنه لم يذكر لها تعبير في السورة الكريمة؛ سورة يوسف ﵇ ولم يعبرها أبوه يعقوب ﵇ له، أو أن تعبيرها كان يخفي كثيرًا من الأمور لمصالح عظيمة (٢)، وإذا كان تعبيرها في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (٣) فما معنى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٤) بعد أن سجد له إخوته، علمًا أن بعض المفسرين قالوا أيضًا أن هذه الآية هي تعبير لرؤيا يوسف ﵇! ! ـ

стр. 47

وليس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ كما ذكر ذلك بعض المفسرين أيضًا (١)، غير أن هذه المسألة لم تفصل في كثير من الكتاب. علمًا أنه لم يذكر في جميع السورة أن يعقوب ﵇ كان من تفسيره لرؤيا يوسف ﵇ أن إخوته سوف يسجدون له! ! هذا غير المواضع الأخرى مثل ابتلائه ومعاناته وحبسه! ! مع أن هذه المواقف من المواقف المهمة والتي عليها تسليط ضوء بكم هائل في قصته ﵇ فلماذا لم تذكر في تعبير الرؤيا؟ ! ! وقبل أن نسرد كثيرًا من التحليلات في هذا الجانب، علينا أن نقف عدة وقفات ونتأمل في آيتين كريمتين لنقترب أكثر من هذه المسألة: التأمل في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (٢). التأمل في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٣).

стр. 48

فأصل المسألة يعتمد على تلكما الآيتين، فالآية الأولى قيل إنها تفسيرٌ لرؤياه ﵇ والآية الثانية، قيل إنها تفسيرٌ، وقيل إنها تحققٌ لما رأى، وشتان بين الأمرين. وحتى يكون الحديث في هذا الجانب مفصلاً، سوف نستعرض بعض أقوال المفسرين التي قيلت في تلكما الآيتين الكريمتين، ولن أستطيع أن أسرد جميع الآراء والأقوال، ولكن سأذكر بعض الأمثلة لتتضح الصورة، وسنقسمها على مطلبين:

стр. 49

المطلب الأول: نبدأ بالآية الكريمة ونتأمل في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ (١). يقول الإمام الطبري ـ يرحمه الله ـ في هذه الآية في معنى يجتبيك (٢): بمعنى يصطفيك. وينقل في تفسيره ـ يرحمه الله ـ أيضًا زيادة على الاصطفاء (٣) في معنى الآية السابقة (٤): وعلّمه من عبر الأحاديث، وهو تأويل الأحاديث وهو قول عن الإمام قتادة. ويقول ـ يرحمه الله (٥) ـ عن ابن زيد قال (٦): تأويل الكلام: العلم والحُكمُ، وكان يوسف أعبر الناس. وقرأ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٧). انتهى، ولعل هذا أقرب الأقوال. والإمام البغوي ـ يرحمه الله ـ له نفس النقل (٨).

стр. 50

ويلخص الإمام ابن الجوزي ـ يرحمه الله ـ آراء بعض المفسرين (١)، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾. قال الزجاج، وابن الأنباري: ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة، يختارك ربك ويصطفيك من بين إِخوتك. وقد شرحنا في الأنعام معنى الاجتباء (٢). وقال ابن عباس: يصطفيك بالنّبوّة. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تعبير الرؤيا، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، فعلى هذا سمي تأويلاً؛ لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إِليه. والثاني: أنه العلم والحكمة، قاله ابن زيد. والثالث: تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتاب، ذكره الزّجّاج. قال مقاتل: و «مِن» ها هنا صلة. يقول صاحب أضواء البيان: (الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء، والعلم عند الله تعالى) (٣).

стр. 51

إذًا لعل القول في تفسير الآية فيه خلاف، والخلاف واضح وجلي (١). وقد أعطى الله يوسف ﵇ الملك والحكمة، والعلم، وتفسير الرؤى، والجمال، فلم يكن نبيًّا فقط، ولم يكن معبرًا للرؤى ومفسرًا للأحلام فقط (٢)! !

стр. 52

المطلب الثاني: التأمل في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (١) يقول الإمام الطبري ـ يرحمه الله (٢): قال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا السجود الذي سجدتَ أنت وأمّي وإخوتي لي ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها، وهي رؤياه التي كان رآها قبل صنيع إخوته به ما صنعوا: أنَّ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدون ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، يقول: قد حقّقها ربي، لمجيء تأويلها على الصحَّة (٣). وينقل ـ يرحمه الله ـ عن ابن زيد (٤) في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ (٥)، قال: "يأتي تحقيقه. وقرأ قول الله تعالى: ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦)، قال: هذا تحقيقها. وقرأ قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٧)، قال: ما يعلم حقيقته ومتى يأتي إلا الله تعالى".

стр. 53

وإذا سلمنا (أن رؤيا يوسف ﵇ عبرت) نجد أن ذلك العكس بالنسبة لباقي الرؤى التي ذكرت في سورة يوسف، فكل رؤيا جاء معها التعبير الخاص بها، ولم ترد رؤيا في سورة يوسف إلا وعبرت، عدا رؤيا يوسف ﵇ فتعبيرها كان مغايرًا، فها هي رؤيا السجينان عبرتا في نفس السورة، يقول تعالى في محكم تنزيله: ... ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وبعدها بخمس آيات جاء التفسير في قوله تعالى: ... ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٢).

стр. 54

أريد من القارئ الكريم ملاحظة عدة أمور منها: ١ ـ أن يوسف ﵇ لما عبر رؤيا السجينين، ذكر ما هو المآل الذي سوف يحدث لهذين السجينين بالضبط، مثلاً: السجين الأول، تأويل رؤياه: أنه سيسقي ربه خمرًا، بمعنى أنه سيكون ساقي الملك والمقرب منه، وفي الواقع حصل هذا الأمر، كما فسره يوسف ﵇ بحذافيره. إذًا هنا نستطيع أن نسمي هذا تفسيرًا؛ لأنه فيه المآل الذي سوف يصل إليه صاحب الرؤيا بدقة متناهية. وهناك أمر آخر، إذ إن تعبير النبي أو الرسول يكون في غاية الدقة، ويكون بتفاصيل كثيرة، على سبيل المثال ننظر كيف عبر يوسف ﵇ رؤيا السجينين، وذكر فيها بعض التفاصيل، فإذا قارنّا هذا التعبير للرؤيا، وتعبير يعقوب ﵇ (بحسب اجتهاد بعض المفسرين)، نجد أن رؤيا يوسف تعبيرها كان مغايرًا، وليس فقط عندما نقارن رؤيا يوسف ﵇ بل إذا قارنّا باقي الرؤى التي ذكرت في سورة يوسف. ومثالٌ آخر في نفس السورة، وهي رؤيا ملك مصر أيضًا عبرت، وعبرها يوسف ﵇ بل إنه ﵇ أسهب في تعبيرها وشرحها وبيانها. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ

стр. 55

وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وهنا جاء التعبير مباشرة من غير فاصل: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (٢). نعود للنقطة التي ذكرناها سابقًا، لو قارنّا هذا التعبير بتعبير رؤيا يوسف ﵇ لوجدنا أن رؤيا يوسف ﵇ تعبيرها كان مغايرًا. إذًا نستطيع أن نقول أن رؤيا يوسف ﵇ كان تعبيرها مختلفاً، مع العلم أنه جاء تحققها (٣).

стр. 56

يقول صاحب أضواء البيان في تعليقه على الآية التي ذكر فيها رؤيا يوسف ﵇: "لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا (١)، والعجيب أنه قال: "ولكنه بينه في هذه السورة في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ (٢). ويقول الإمام السعدي ـ يرحمه الله ـ في معنى الآية السابقة الذكر (فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت) (٣)، بمعنى أنه ليس تعبيرًا ولكن تحققًا للرؤيا.

стр. 57

وإذا دققنا نجد أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ (١)، يستدل به على تحقق رؤيا يوسف ﵇ لا تعبيرًا لرؤياه، فهناك فرق بين تعبير الرؤيا وبين تحقق الرؤيا، ويدل على ذلك عدة أمور منها: ١ ـ أن يوسف ﵇ لما قال ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ لم يقلها ﵇ إلا بعد تحقق رؤياه (بمعنى أن الموقف هنا تحقق للرؤيا التي رآها) مع العلم أنه كانت هناك بوادر في تحقق رؤياه عندما عبر رؤيا السجينين ورؤيا الملك؛ فقد جاء أن يعقوب ﵇ بشره بأنه سيكون معبرًا بحسب أقوال بعض المفسرين، لماذا لم يتذكر في هذا الموقف تعبير يعقوب ﵇ وتبشيره؟ !

стр. 58

أيضًا في الآية الكريمة ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ لم يذكر تعبير الرؤيا التي رآها. أو أنه قال هذا تأويل رؤياي بعد تحقق كل التعبير بإجماله، أو أن المقصود ليس تعبير الرؤيا في تعليق يعقوب ﵇ على رؤيا يوسف ﵇ كما أوردنا في بحثنا هذا، ولعل الموقف لما رأى أباه كان أولى بأن يتذكر تعبير رؤياه والله أعلم. ٢ ـ قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ الإشارة هنا تدل على أن الرؤيا صارت حقيقة على أرض الواقع (وليس التعبير)، فنعود للشرح الأول، أن المقصود هنا هو تحقق للرؤيا والله أعلم، لذلك ذكر الإمام الطبري في الأقوال في تفسيرها قوله (هذا تحقيقها) (١) أي تحققًا لرؤياه ﵇ على الواقع. غير أن هناك مواقف كثيرة لم تذكر في تعبير يعقوب ﵇ لرؤيا يوسف ﵇ بتفاصيل واضحة ودقيقة، فلم يذكر في تفسيره أنه سيكون ملكًا ومسئولاً كبيرًا مثلاً، وأنه سوف يتعرض للفتن أو يسجن.

стр. 59

وكأن الموقف يحكي فصلاً من المحادثة التي كانت بين يوسف ويعقوب ﵉ أن هذا الحدث هو تحقق لرؤياي التي رأيتها قبل أربعين سنة. وكان هذا أول ما لفت انتباهي (لماذا تعبير رؤيا يوسف ﵇ كان مغايرًا) وبدأت أبحث في هذا الموضوع وكنت أفكر، يا ترى ما الخطب؟ وبدأت الأسئلة والأفكار تتزاحم في ذهني، وبدأت أقف وقفات المتأني لأتعرف على الأمور بدقائقها حسب استطاعتي وجهدي جهد المقل.

стр. 60

المطلب الثالث: لماذا تعبير رؤيا يوسف ﵇ كان مختلفًا أو غير واضح ؟ وإجابة تفصيلية على السؤال السابق نجد أن هناك عدة أسباب: الأول: أن قول يعقوب ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، أن هذا جزء فقط من تعبير الرؤيا في أقوى الاحتمالات ـ إن لم يكن تعبيرًا. فضلاً على أن هناك رأي آخر لمفسرين أفذاذ (١)، لا يرون في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، أنها تعبير لرؤيا يوسف ﵇. الثاني: أن تعبير الرؤى في القرآن الكريم يأتي واضحًا، وهذا يتضح بالرجوع إلى باقي الرؤى في نفس سورة يوسف ﵇ وفي غيرها. الثالث: أن تعبير الرؤى يأتي بعد سرد الرؤيا. الرابع: لعل تعليق يعقوب ﵇ في هذه الآية من وحي النبوة، وليس تعبير تفَرُّسٌ منه، فقال ما وجب عليه فقط فلم يزد. الخامس: لم يكن هناك تفصيل في تعبير الرؤيا حتى لا يصاب يوسف ﵇ بشيء في نفسه على إخوته، فالرؤيا تسر ولا

стр. 61

تغر، فلم يبين له أنه سوف يكون أفضل إخوته أو فوقهم، أو سوف تكون أنت الأعلى منهم. السادس: ولعل التفصيل في التعبير ليس صحيحًا، ويكتفى بالاختصار. السابع: لعل من الأسباب أن ذلك يحكي القصة نفسها، لأن رؤياه ﵇ جاءت اختصارًا لما سيحدث وما سيكون عليه الحال، فإذا عبرت رؤياه بإسهاب، ألغى ذلك أسلوب التشويق لمعرفة ما ستؤول إليه القصة، لأن تأويلها سوف يكون بعد سرد رؤياه ﵇ مباشرة، بمعنى أنه سيكون تعبيرها في بداية السورة، وهذا يلغي أسلوب ترغيب القارئ، وتشويقه لمتابعة الأحداث التي امتدت من بداية السورة وحتى نهايتها، ولا شك أن ذلك يقوى لو علمنا أن من أساليب القرآن الكريم أسلوب التشويق وخصوصًا في القصص. الثامن: يحتمل أن تعبير رؤيا يوسف ﵇ كان مغايرًا لكي لا يحسد، فإخوته علموا شيئًا يسيرًا عن أمره فحسدوه، فما بالكم لو علموا الكثير؟ لعلهم كانوا قتلوه.

стр. 62

التاسع: أن يعقوب ﵇ ذكر الأمور التي تعبر تعبيرًا حسنًا، وتجاوز عن تعبير الأمور المزعجة (١). العاشر: أن تعبير الرؤيا مبنيٌّ على الظن لا اليقين فلا نستطيع الجزم (٢). الحادي عشر: ولعل يعقوب ﵇ ركز على أهم معنى للرؤيا التي رآها يوسف ﵇ ولم يلتفت لغيره من المعاني. وبعد أن ذكرنا بعض الأسباب التي تدل على أن تعبير رؤيا يوسف ﵇ كان مغايرًا، أو عدم وضوح تعبيرها، سنقف مع رؤيا يوسف ﵇ وقفات يسيرة؛ كلمة كلمة، ورمزًا رمزًا، ونربط ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وسوف نجد أن هذا الدين العظيم دين مترابط ببعضه ارتباطًا وثيقًا، بل إن كثيرًا من المواضيع لها علاقة ببعضها، ولكن ينقصنا من يجتهد ليجد العلاقة بين تلك النصوص ويربط بينها، ونسأل الله أن يوفقنا لذلك. وسنربط كل إشارة من إشارات الرموز في رؤياه ﵇ بقصته وحياته والمواقف التي عاشها.

стр. 63

ولكي نشبع النص بالفوائد سنجعل رؤيا يوسف ... ﵇ على أقسام ونشرح كل قسم على حدة، ولنجعل هذا هو القسم الأول وسنسلط الضوء عليه ... رأى يوسف ﵇ أحد عشر كوكبًا ....

стр. 64

الفصل الثاني معاني رموز يوسف ﵇ وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإشارات الخاصة بيوسف ﵇ المبحث الثاني: الصفات المتعلقة بإخوة يوسف ﵇ المبحث الثالث: الشمس والقمر والسجود

стр. 65

المبحث الأول الإشارات الخاصة بيوسف ﵇

стр. 66

المطلب الأول: الإشارة من معنى العصبة والعدد أحد عشر ؟ فيا ترى ما الذي ترمز إليه جملة أحد عشر، وهل ترمز لعدد إخوته فقط؟ ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ ما فوق العشرة، أو العشرة وما فوقها وحتى العدد الأربعين، في اللغة يعني العصبة (١). وأقرب الأقوال في مقدارها قول الإمام مجاهد ـ يرحمه الله: إنه من عشرة إلى خمسة عشر (٢). ورمز العصبة رمز قوي وله دلالات كثيرة، وبداية لا يستهان بها للتعرف على أسرار ومكنونات رؤيا يوسف ﵇ ولا سيما أن هذا الرمز جاء في بداية الرؤيا، وهو رمز يخص إخوة يوسف. ومما يعنيه هذا الرمز أن إخوة يوسف ﵇ كانوا يدًا واحدة متكاتفين مع بعضهم متعصبين لأنفسهم (٣)، فلعبهم وأكلهم وذهابهم وإيابهم كل ذلك يكون وهم سويَّة.

стр. 67

وقوع معنى رمز العصبة (المستنبط من جملة أحد عشر) على لمحات من قصة يوسف ﵇: وبالاستقراء لقصة يوسف ﵇ نجد أن إخوته كانوا عصبة عليه (أي ضده)، بمعنى أنهم جميعهم كانوا متفقين على كرهه، وبين طيات السورة الكريمة تجد ذلك واضحًا، يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) وقوله تعالى: (إذ قالوا) (يعني: كلهم؛ فقالوا تستعمل للجمع دون الفرد)، والعجيب أن أحدًا لم يعارض ذلك، كلهم يفكرون تفكيرًا واحدًا، فهم عصبة، والسياق القرآني دقيق جدًّا، فجاء بلفظ قالوا على تعاونهم جميعًا، ولم يذكر في قصة يوسف أن أحدًا من إخوته كان على خلاف هذا التفكير الذي كان يتوجه للانتقام من يوسف ﵇ بطريقة أو بأخرى، والغاية عندهم إبعاد يوسف عن أبيهم بأية وسيلة. وآية أخرى تظهر لنا التزامهم بالتنكيل بيوسف ﵇ بالكذب على أبيهم؛ يقول تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ

стр. 68

عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (١) وهنا أيضًا جميعهم اتفقوا عليه، ولاحظ كلمة عصبة التي تعني العدد الذي يساوي العشرة فأكثر، وقد تكررت مرتين في هذه السورة الكريمة، في الآية السالفة الذكر، وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)، لو كان عدد إخوة يوسف ﵇ أقل من العشرة أو الأحد عشر كما جاء في بداية رؤياه ﵇، لما استُعملت لفظة عصبة، ولكانت لفظة أخرى تنوب عنها، لكن القرآن دقيق جدًّا فسبحان من أنزله. والذي يتمعن ويستقرئ القصة يجد أن إخوة يوسف ﵇ حتى في تجارتهم كانوا مع بعضهم يسافرون سويًّا من شدة تمسكهم ببعضهم بعضًا، ولم تذكر الآيات الكريمة شيئًا على حزنهم لفراقهم لأخيهم يوسف ﵇ ولم يتذكروه، وذلك من شدة حسدهم له وسعادتهم باختفائه عن أبيهم. ويجدر بالذكر هنا التنبيه على أن يكون الإنسان محتاطًا عندما يعاشر الأشخاص الجدد أو الجماعات التي لها وقت مع بعضهم بعضًا، وتحمل فكرًا معينًا سيكون هو دخيلاً عليهم، وستكون لهم مبادئ غير

стр. 69

مبادئه، وتفكيره غير تفكيرهم، مما سيجعل احتواءهم صعبًا، والتفاهم معهم أبعد ما يكون، فيحصل ما لم يكن بالحسبان من إسقاطه والعداوة له، وكثيرٌ من الأمور التي تعبر عن عدم رضاهم عنه. ومن هنا يتبين لنا أن الرؤيا دلت على تحذير مما سيتعرض له يوسف من إخوته، وأنه ستكون عداوة فيما بعد، وهذا فقط باستقراء الإشارت في قوله تعالى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾، والذي يرمز للعصبة. وإن قال قائل: لماذا لم ينبه يعقوب ﵇ ابنه يوسف لعلمه من رؤياه أنه سوف يصيبه ضرر من إخوته؟ وقد كان ذلك لعدة أمور لعل منها: أن تعبير الرؤيا بالظن، والظن يخطئ ويصيب (١)، ولعله خشي من الخصومة بين الإخوة، ولعل ذلك خلاف المصلحة، فلم يحذر يوسف ﵇ مما سوف يحصل له، وياليت أن يتنبه مفسرو الرؤى لهذه النقاط، فلا يفسرون الشيء السيئ، ولا ما يفرق بين الزوجة وزوجها، والأخ وأخيه، والله المستعان. ولعل من أسباب عدم وضوح تعبير يعقوب لرؤيا يوسف ﵇ أن فيها أمورًا لا يوجد لها محملٌ حسنٌ (٢). ولنا وقفة مع قياس

стр. 70

تعبير رؤيا يوسف على المحمل الحسن لملك مصر، وأيضًا بعض الأحاديث التي تدل على ذلك، وهذا دليل على أن الرؤيا لا تعبر إلا على المحمل الحسن استشفافًا من كلام ربنا . وجود الرمز أحد عشر في الرؤيا، يدل أنه لا بد على يوسف ﵇ أن يكون حذرًا في التعامل مع إخوته، وهذا الذي لم يكن منه ﵇ فكان تعامله مع إخوته على سجيته؛ لبراءته وطفولته وطيب نفسه ليقضي الله أمر كان مفعولاً، فهو رضي بالذهاب معهم ولم يعترض، وكان سعيدًا بذلك لحبه لإخوته، لكن الأمر كان واضحًا ليعقوب ﵇ بتفاصيل أكثر وأعمق. وكثير من الدلالات توحي أنه كان يخاف من حدوث شيء ما ... ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١). ولعل هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت يعقوب ﵇ ينصح يوسف ﵇ بألا يقص رؤياه على إخوته، وفي نفس الوقت هو لم يفصل في تعبيرها لأنها تدل على أن إخوته سوف يكونون عصبة ضده فيعرف يوسف ﵇ نواياهم كخطوة استباقية للأحداث التي كانت منهم، وبمجرد معرفتهم لهذه النقطة سيزيد ذلك من حقدهم عليه، ولو عبرت الرؤيا سيتبين من تعبيرها أنه عرف نواياهم وعرف قدر الحسد الذي

стр. 71

يحملونه عليه ﵇ ومع هذا الحسد المتجذر في نفوس إخوته لابد أن يحصل أمرٌ يخشى منه، ولعل الأمر إذا اتضح ليوسف وفصل يعقوب ﵇ في تعبيره لما يؤول إليه الحال مع إخوته، لعل هذا يجعل يوسف في حيرة من أمره، وفي صراع نفسي وعدم ارتياح، ويَقوَى الاحتمال الأول إذا علمنا أن الحاسد إذا عرف أنك تعرف أنه يحسدك، وقد تعرفت على طرقه للوشاية بك، يجعله يأخذ أسلوبًا آخر في التعامل معك، يتلوى به، ويكون أسلوبًا أشد مما كان يفكر فيه من قبل، فبدلاً من أن يضيعك أو يضايقك، يكون أسلوبه في التنكيل أشد، مثل التفكير بأن يسحرك، أو يتخلص منك بالقتل مثلاً، مع الأخذ بالاعتبار أن هذا الرأي كان مطروحًا للتخلص من يوسف ﵇ فلا أفضل من أن يترك الأمر للقدر. وهذا يظهر لنا باستقراء القصة، ومن الوهلة الأولى لقراءة رؤيا يوسف ﵇ لا نستطيع استنتاج هذا الأمر إلا إذا تمعنا وتدبرنا في إشارات الرموز، وفك ألغاز هذه الرؤيا العظيمة، وكم من رؤيا ظلت رموزها طي الكتمان، ولو عبرت رموزها من معبر متفرس لأظهرت لأصحاب الرؤيا أشياء عظيمة تتحقق في حياتهم، فانظر رحمك الله إلى هذه الإشارات الدقيقة التي غابت عن الكثير.

стр. 72

المطلب الثاني: رمز الكواكب وإشاراتها العميقة، وفيه ستة فوائد . وبعد أن علقنا تعليقًا يسيرًا على معنى الأحد عشر (وهو عدد إخوة يوسف ﵇ سواه (فجميعهم اثنا عشر مع يوسف)، ينتظرنا سؤال آخر من ضمن أسئلة كثيرة تحيط برؤيا يوسف ﵇ والجواب مكنون في فك رمز الكواكب والبحث في إشاراتها لأن لها أكثر من إشارة وليس إشارة واحدة فقط. وهل هذا الرمز يرمز لإخوته فقط؟ ! وعلى ماذا يدل تشبيه إخوة يوسف بالكواكب؟ ! لا بد أن هناك عالم آخر من الفوائد تدل عليه هذه الكلمة وهذا الرمز العميق! ولا بد أن هناك حكمة من إطلاق كلمة الكواكب في هذه الآية الكريمة، فما هي؟ دعونا نتعمق سويًّا ونبحث وندقق بحيث نصل إلى نقاط نشبع فيها رغباتنا الإيمانية وفضولنا الفكري:

стр. 73

الكواكب أو (النجوم) (١)، ترمز لمعانٍ كثيرةٍ في المنام، ولكنني سوف أقرب الفكرة أكثر، ونرى ما الذي تشير إليه الكواكب في رؤيا يوسف ﵇، مستدلاً بصريح آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، في ذكر الكواكب بين طياتهما. شبه إخوة يوسف ﵇ في الرؤيا بالكواكب، ورأى يوسف أن هذه الكواكب تسجد له. إذًا من حيثيات هذه الرؤيا نأخذ عدة إشارات ودلالات لهذين الرمزين (الكواكب والسجود)، ومن هذه الدلالات ما هو مقرونٌ بيوسف ﵇ لأنه هو صاحب الرؤيا. ومنها ما هو مقرون بإخوته لأنهم هم من شُبِّهوا بالكواكب. بمعنى أن هناك بعض الدلالات التي كان إخوته يتصفون بها ويتشاركون فيها مع بعض (إشارات) صفات الكواكب. ودلالات أخرى كان يتصف بها يوسف ﵇ وأمور مستقبلية سوف تأتيه وتكون من صفاته، ودلالةٌ على مكانته التي تشير إليها بعض معاني الكواكب أيضًا، ووجه الاستدلال بأنه رأى الكواكب في رؤياه

стр. 74

أنها سجدت له، ومن العجيب أن هذين الرمزين وغيرهما من الرموز في رؤيا يوسف ﵇ تحتمل أكثر من إشارة، فهذا معنى يدل على الجمال، وآخر على المشقة والتعب والشدة، وسوف نسردها هنا بالتفصيل إن يسر الباري. ولنبدأ بالإشارات التي تُحْمَلُ على المحملِ الحسن. ولنجعلها بدايةً بالدلالات والصفات التي تكون ليوسف ﵇ ونثني بعد ذلك بالصفات التي تكون لإخوته.

стр. 75

أولاً: (الوصول للعظمة) من أول هذه الإشارات لمعنى الكوكب وهو الرمز الركيز (١) في رؤيا يوسف ﵇: كيف يكون معنى العظمة مستوحى من رمز الكواكب؟ وهل هناك دليل على ذلك؟ يتبين ذلك عندما نعلم أن رب العزة ـ تعالى وتعظم ـ لما وصف نوره ـ جل وعلا ـ ذكر الكوكب، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (٢) (من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل)، والله ـ جل وعلا ـ عظيم وذو سلطان، فلعل ذكر الكوكب له أثر على المنصب العظيم والسلطة أيضًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)، والعظيم سبحانه لا يصف نفسه إلا لعظمته سبحانه وما يتناسب مع تلك العظمة، والمستقرئ لقصة يوسف ﵇ يجد أن السلطة والعظمة تحققتا ليوسف ﵇ في عدة مواقف، منها على سبيل المثال:
следующие страницы →