• فوائد أصولية تتعلق بالقاعدة:
الأولى: أن الكتابة أو الإشارة هل تسمى أمراً أم لا؟ قولان.
الثانية: فعل النبي ﷺ ، هل يسمى أمراً حقيقة أم لا؟
قول إمامنا وأصحابه والجمهور: لا يسمى أمراً حقيقة بل مجازاً.
وقيل: يسمى أمراً حقيقة (١).
الثالثة: إذا قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الوجوب، إلا أن تصرفه قرينة، فإطلاق التوعد لفعل ما توعد عليه، أو إطلاق الوجوب، أو الفرض، هل يكون ذلك نصًّا في الوجوب لا يقبل التأويل أم لا؟ قولان.
والأظهر: أنه نصٌّ في الوجوب لا يقبل التأويل؛ إذ يمتنع وجود الشيء بدون ثبوته.
الرابعة: إذا صُرِف الأمر عن الوجوب، جاز أن يحتج به على الندب أو الإباحة (٢).
стр. 107
الخامسة: إذا كان المأمور به بعضه واجباً، وبعضه مستحبًّا؛ كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وقوله ﷺ : «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك» (١)، ونحو ذلك، وهو كثير في الكتابة والسنة، فقال أبو العباس ابن تيمية: هذا الأمر أريد به الواجب في الواجبات، والمستحب في المستحبات (٢).
السادس: لفظ الأمر، إذا أريد به الندب، فهو حقيقة فيه على المذهب، وقيل: هو مجاز.
стр. 108
وإن أريد به الإباحة، فعند أبي البركات وغيره: أنه مجاز. وقال القاضي: يكون حقيقة (١). …
стр. 109
القاعدة الرابعة والأربعون
إذا ورد الأمر المجرد الدال على الوجوب بعد الحظر، فماذا يقتضي (١)؟ في المسألة مذاهب:
أحدها: الإباحة، هذا قول جمهور أصحابنا.
والثاني: الاستحباب.
والثالث: الوجوب، كما لو لم يتقدمه حظر.
والرابع: أن حكمه حكم ما كان قبل الحظر، فإن كان مباحاً كان مباحاً، وإن كان واجباً أو مستحباً كان كذلك. (٢)
والخامس: إن كان بعد الحظر أمر صريح بلفظه، كما لو قال: أمرتكم بالصيد إذا حللتم، فيقتضي الوجوب، بخلاف صيغة (افعل). (٣)
стр. 110
• فروع القاعدة:
الأولى: الأمر بزيارة القبور للرجال، قال غير واحد من أصحابنا: إنها مباحة، بناء على القاعدة.
ولكن المذهب: أنها مستحبة، وذكره بعضهم إجماعاً؛ لأنه وإن كان بعد حظر لكنه علله ﷺ بتذكر الموت والآخرة (١)، وذلك أمر مطلوب شرعاً.
الثانية: لا يجب على الزوج أن يخرج مع امرأته إلى الحج في أصح الروايتين عن أحمد؛ لأنه وإن كان قد جاء الأمر به، لكنه أمر بعد حظر؛ لأن المأمور كان قد اكْتُتِبَ في غزاة، فتعين عليه، ثم لما أمره النبى ﷺ بالخروج مع امرأته صار أمراً بعد حظر. (٢)
стр. 111
والرواية الأخرى: يجب عليه الخروج؛ أخذاً بظاهر الأمر. لكن هذا فيه نظر.
الثالثة: الأمر بقبول الحوالة على المليء في قوله ﷺ : «مَطْل الغني ظلم وإذا أُتبِع أحدُكم على مليء فليتبع» (١)، قال طائفة من العلماء: إنه أمر بعد حظر؛ لأن ذلك بيع دَينٍ بدَين، وذلك لا يجوز.
وهذا فيه نظر، فإن الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع.
الرابعة: الأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، قال طائفة من أصحابنا: هو أمر بعد حظر؛ لأن الكتابة بيع الرجل ماله بماله، فإن العبد مالُه، وكَسْبَه من ماله، فبيع بعضه ببعض أكلُ مال بالباطل، فيدخل في النهي عن أكل المال بالباطل، وإذا كانت الكتابة محظورة في الأصل، فالأمر بها بعد ذلك أمر بعد حظر، فلا يفيد الوجوب بناء على القاعدة.
وفي قول: أن الكتابة في هذه الحال واجبة، وما قيل من أنه أمر ورد بعد حظر، فلا يصح، وإنما غاية ما يقال فيه: إنه
стр. 112
رخصة؛ لأنه شرع مع قيام السبب المحَرِّم لعذر، وهو الحاجة إلى تخليص رقبته من الرق، وليست الرخص من قاعدة الأمر بعد الحظر.
الخامسة: أمره ﷺ بالنظر إلى المخطوبة، هو أمر بعد حظر، فيقتضى الإباحة، بناء على القاعدة.
والوجه الثاني: استحباب النظر إلى المخطوبة؛ لأنه وإن كان أمراً بعد حظر، لكنه معلل بعلة تدل على أنه أريد بالأمر الندب، وهي قوله ﷺ : «فهو أحرى أن يؤدم بينكما» (١).
السادسة: الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾، قال طائفة من الأصحاب: حمله في الصلاة في غير صلاة الخوف محظور، فهو أمر بعد حظر، وهو للإباحة، لكن قالوا باستحبابه.
وهذا فيه نظر، إذ لم يقم دليل على كراهته فضلاً عن تحريمه، فليس من الأمر بعد الحظر.
واختار طائفة من أصحابنا: الوجوب. (٢)
стр. 113
القاعدة الخامسة والأربعون
الأمر المجرد المتيقن للوجوب، إذا وجد بعد استئذان؛ فإنه لا يقتضي الوجوب، بل الإباحة. (١)
• إذا تقرر هذا: فلا يستقيم الاستدلال على نقض الوضوء بلحم الإبل، بقوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم، لما سئل عن التوضؤ من لحوم الإبل، فقال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل» (٢).
•فرع: الأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال التعليم لا يقتضي الوجوب؛ لأنه شبيه في المعنى بالأمر بعد الاستئذان.
وحينئذ؛ فلا يستقيم استدلال أصحابنا على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، بما ثبت عن النبي ﷺ أنه
стр. 114
قيل له: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (١).
стр. 115
القاعدة السادسة والأربعون
الأمر لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا ورد مقيَّداً بالمدة أو التكرار: فيُحمل عليه، ولم أر فيه خلافاً.
الحالة الثانية: إذا ورد مطلقاً لم يقيد بشيء، فما يقتضي؟ في ذلك مذاهب:
أحدها: يقتضي التكرار، وهو المذهب.
الثاني: لا يدل على المرة ولا على التكرار، بل يفيد طلب الماهية من غير إشعار بتكرار أو مرة، إلا أنه لا يُمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به، واختاره ابن قدامة.
الثالث: أنه يدل على المرة.
الرابع: التوقف.
الحالة الثالثة: إن ورد معلقاً على شرط:
فإن قلنا: المطلق يقتضي التكرار، فالمعلق على شرط عند
стр. 116
تكرار شرطه يقتضي التكرار بطريق الأولى.
وإن قلنا: المطلق لا يقتضي التكرار، فهل يقتضيه هنا أم لا؟ مذهبان (١).
من ذلك: إذا سمع مؤذناً بعد آخر، فهل تستحب إجابة الجميع، لقوله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» (٢)؟
ظاهر كلام الأصحاب: يستحب، وبناؤه على ذلك متجه. (٣)
•مسألة: إن علق على علة ثابتة، وجب تكراره بتكرارها، اتفاقاً.
стр. 117
•مسألة: إذا تكرر لفظ الأمر، وقلنا: الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فهل يقتضي التأكيد أم التأسيس؟ مذهبان (١).
وعلى هذا: إذا قال الرجل لزوجته المدخول بها: أنت طالق أنت طالق، فإن أراد التأسيس أو التأكيد أو الإفهام حُمل عليه.
وإن أطلق، فالمعروف في المذهب: حمله على التأسيس.
•فائدة: جزم النحْويون بأن فائدة التأكيد بـ (كل) ونحوها، هو رفع احتمال التخصيص.
• ويتفرع على ذلك:
إذا قال: كلُّ عبدٍ لي أو في ملكي حرٌ، فإنه يَعْتِقُ عليه جميع عبيده، نوى العموم أم لم ينوِ، نوى بعضَهم دون بعض أم لا؛ لأن النية لا أثر لها في الصريح على الصحيح.
стр. 118
القاعدة السابعة والأربعون
إذا قلنا: الأمر المطلق يقتضي التكرار: فيقتضي الفور اتفاقاً.
وإن قلنا: لا يقتضي التكرار، فهل يقتضي الفور أم لا؟ في ذلك مذاهب:
أحدها: أنه يقتضي الفور، وهذا قول أصحابنا. (١)
الثاني: أنه لا يقتضي الفور ولا التراخي، بل يدل على طلب الفعل.
الثالث: أنه يفيد التراخي، أي: جوازاً. (٢)
стр. 119
• فرع: اختلف القائلون بالتراخي إلى متى يجوز التأخير؟ على أقوال (١).
• فرع: واختلف القائلون بالتراخي:
- فمنهم من قال: لا يجوز التأخير إلا إلى بدل، هو العزم على أدائه في المستقبل؛ ليفارق المندوب.
- وقيل: العزم ليس بدلاً، بل شرط في جواز التأخير.
• فرع: القائلون بالتراخي اختلفوا، هل هو في الواجب خاصة، أم يعم الواجب والمندوب؟ (٢)
• فروع القاعدة:
الأولى: قضاء الصلوات المفروضات، فإنه يجب على
стр. 120
الفور؛ لإطلاق الأمر به، هذا هو المذهب (١).
الثانية: أداء الزكاة مع القدرة، يجب على الفور (٢).
ولنا قول: لا يجب على الفور.
الثالثة: أداء النذر والكفارة، وفي لزوم الفورية وجهان، المذهب: اللزوم.
الرابعة: أداء الحج والعمرة، فالمذهب: لزوم الفورية؛ لإطلاق الأمر.
وفي وجه: على التراخي.
الخامسة: أداء ديون الآدميين عند المطالبة، فإنه واجب على الفور.
وبدون المطالبة هل يجب على الفور أم لا؟ وجهان،
стр. 121
المذهب: أنه لا يجب (١).
السادسة: إذا أودَعَ شخص شخصاً وديعة في السوق، وقال: احرِزْها في بيتك، فتركها في السوق إلى وقت المصير إلى منزله، فعدمت؛ فإنه يضمن؛ بناء على القاعدة.
وصحح الحارثي: أنه لا ضمان؛ إذ عادة الإيداع في السوق إمساكها في حانوته إلى وقت المصير إلى منزله، فصار كالمأذون فيه نطقاً.
السابعة: الأمر بتعريف اللقطة حولاً، فإنه يجب على الفور، لو أخَّر مع الإمكان، فلا إشكال في الإثم واستقرار الضمان.
стр. 122
القاعدة الثامنة والأربعون
الأمر بالشيء نهيٌ عن أضداده.
والنهي عنه أمر بأحد أضداده ، من طريق المعنى دون اللفظ (١).
وهل يعم الواجب والندب أم يختص الواجب؟ قولان، أصحهما: أنه لا فرق، فيعم الواجب والندب.
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا قال لزوجته: إن خالفتِ أمري فأنت طالق، ولا نية، ثم نهاها، فخالفته، فلأصحابنا في وقوع الطلاق ثلاثة أوجه (٢).
стр. 123
الوجه الثالث: إن كان الحالف عارفاً بحقيقة الأمر والنهي لم يحنث، وإلا حَنِث، ولعل هذا أقرب إلى الفقه والتحقيق. (١)
الثانية: وجوب النكاح، مبني على هذه القاعدة، فالمكلف منهي عن الزنى، فيكون مأموراً بضده وهو النكاح، والأمر يقتضي الوجوب، فيكون النكاح واجباً.
وهذا فيمن كان له شهوة وخاف على نفسه الوقوع في الزنى، فإن الوطء المباح يتعين دون بقية الأضداد، إذ ليس غيره يقوم مقامه في كسر الشهوة.
أما من لا شهوة له، فيمكنه ترك الزنى بغير النكاح، والاستعفاف مع العزوبة.
стр. 124
القاعدة التاسعة والأربعون
إذا طُلِب الفعلُ الواجب من كل واحد بخصوصه، أو من واحد معين؛ كخصائص النبي ﷺ ، فهو: فرض العين.
وإن كان المقصود من الوجوب إنما هو إيقاع الفعل، مع قطع النظر عن الفاعل، فيسمى: فرضاً على الكفاية (١).
• وتحرير الفرق بين فرض العين والكفاية: أن فرض العين ما تكررت مصلحته بتكرره؛ كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لله وتعظيمه ومناجاته والتذلل له والمثول بين يديه، وهذه الآداب تكثر كلما كررت الصلاة.
وفرض الكفاية ما لا تتكرر مصلحته بتكريره؛ كإنقاذ الغريق إذا شاله إنسان، فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصِّل شيئاً، فجعله صاحب الشرع على الكفاية؛ نفياً للعبث في الأفعال.
•فرع: فرض الكفاية والأعيان كما يتصور في الواجبات، يتصور في المندوبات؛ كالأذان والإقامة،
стр. 125
والتشميت، والتسليم، وما يفعل بالأموات من المندوبات، فهذه على الكفاية.
والذي على الأعيان؛ كالوتر، وصيام الأيام الفاضلة، وصلاة العيدين، والطواف في غير النسك، والصدقات.
• مسائل تتعلق بفرض الكفاية:
الأولى: هل هو واجب على الجميع ويسقط بفعل البعض، أم على بعض غير معين؟ قولان:
أحدهما، وهو الذي نص عليه أحمد: أنه واجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض.
والثاني: أنه واجب على بعض غير معين.
إذا قلنا بالأول، فلا فرق بين فرض الكفاية وفرض العين في الابتداء، وإنما يفترقان في ثاني الحال.
الثانية: فرض الكفاية: إذا فعله الكل كان كله فرضاً (١).
وأما إذا فعله البعض بعد البعض، ففي كون الثاني فرضاً وجهان.
стр. 126
وينبني عليها: جواز فعل صلاة الجنازة بعد الفجر والعصر مرة ثانية.
الثالثة: أيما أفضل، فاعل فرض العين أو فاعل فرض الكفاية؟ قولان (١).
الرابعة: أن فرض الكفاية هل يلزم بالشروع أم لا؟ قولان.
الخامسة: أنه يكفي في سقوط فرض الكفاية غلبة الظن، فإذا غلب على ظن طائفة أن غيرها قام به سقط عنها.
السادسة: أن فاعل فرض الكفاية أفضل من غير فاعله؛ ضرورة أنه حصَّل مصلحته دون غيره.
نعم هما سيان في الخروج عن العهدة، لكن هذا خرج بفعله، وذاك خرج لانتفاء القابل لفعله.
стр. 127
القاعدة الخمسون
يجوز أن يأمر الله تعالى المكلف بما يعلم الله منه أنه لا يفعله، خلافاً للمعتزلة (١).
وفائدة جواز التكليف: إظهار المطيع من العاصي.
• من فروع القاعدة:
من أفسد صوم يوم من رمضان بما يوجب الكفارة ثم مات، لم تسقط عنه الكفارة؛ لأنه قد بان عصيانه بإقدامه على الإفساد، فحصلت فائدة التكليف، فلا يقدح فيه انتفاء صحة صوم اليوم بموته.
•فائدة: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً به مع عدم الدليل عليه.
وحينئذ، فلا يستقيم استدلال من استدل من الأصحاب
стр. 128
على مراجعة الحائض إذا طُلِّقت في الحيض بأمر النبي ﷺ عمر أن يأمر ابنه ﵄ بمراجعة زوجته لما طلقها وهي حائض (١).
стр. 129
القاعدة الحادية والخمسون
صيغة (لا تفعل) من الأعلى للأدنى، إذا تجردت عن قرينة فهي نهي (١).
وماذا يقتضي إطلاق النهي؟ في المسألة مذاهب (٢):
أحدها: الأصل في إطلاقه التحريم، وهو المذهب.
والثاني: كراهة التنزيه.
والثالث: أنه للقدر المشترك بين التحريم والكراهة، وهو مطلق الترك.
•فوائد أصولية:
منها: نُقِل عن الإمام أحمد أنه قال: ما أَمَر به النبي ﷺ عندي أسهل مما نهى عنه.
ومنها: أن النهي يقتضي التكرار، ولو قيل: إن الأمر لا يقتضيه.
стр. 130
ومنها: صيغة النهي بعد سابقة الوجوب، فيه وجهان:
الأول: أنه يفيد التنزيه.
الثاني: التحريم.
وقيل: الإباحة.
•مسألة: إطلاق النهي هل يدل على الفساد أم لا؟ فيه مذاهب:
أحدها: أنه يدل على الفساد مطلقاً. (١)
والثاني: لا يدل عليه مطلقاً. (٢)
والثالث: يدل عليه في العبادات دون المعاملات.
والرابع: أنه يدل عليه مطلقاً في العبادات، وكذلك في المعاملات، إلا إذا رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له بل ينفك عنه؛ كالنهي عن البيع يوم الجمعة وقت النداء، فإن النهي إنما هو لخوف تفويت الصلاة لا لخصوص البيع، إذ الأعمال كلها كذلك، والتفويت غير لازم لماهية البيع.
стр. 131
• فائدة: إذا قام دليل على أن النهي ليس للفساد، لم يكن مجازاً؛ لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه، وإنما انتقل عن بعض موجبه، فصار كالعموم الذي خرج بعضه، فإنه يبقى حقيقة فيما بقي.
وكذلك إذا قامت الدلالة على نقله عن التحريم، فإنه يبقى نهياً حقيقة على التنزيه، كما إذا قامت دلالة الأمر على أنه ليس على الوجوب.
• إذا تقرر هذا، فالتفريع على دلالة النهي عنه كثيرة في المذهب جدًّا في العبادات والمعاملات وغيرهما، وفي المذهب فروع منهي عنها لم يقولوا فيها بالفساد، ادعى الأصحاب أنها خرجت بدليل، وفيه نظر.
стр. 132
فصل
في العموم والخصوص
جمهور العلماء على أن العرب وضعت للعموم صيغاً تخصه، فإن استعملت في الخصوص كان مجازاً.
وعكس آخرون، وقالوا: تلك الصيغ حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم.
стр. 133
القاعدة الثانية والخمسون
المفرد المحلى بالألف واللام، يقتضي العموم إذا لم يكن هناك قرينة عهد، وسواء كان المعهود عرفيًّا أم شرعيًّا.
• فروع القاعدة:
الأولى: دعوى أن الأصل جواز البيع في كل ما يُنتفع به ولم يُنه عنه، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، حتى يُستدل به مثلاً على جواز بيع لبن الآدميات ونحوه مما وقع فيه الخلاف، وجمهور العلماء على أنه للعموم.
وهل هو من العموم المخصوص، أو من العام الذي أريد به الخصوص؟ قولان (١).
وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال به على إباحة البيوع المختلف فيها، ما لم يقم دليل التخصيص على إخراجها من العموم.
стр. 134
وكذلك الاستدلال على بطلان ما فيه غرر بحديث: «نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر» (١).
وكذلك الاستدلال على بطلان بيع اللحم بالحيوان - مأكولاً أو غير مأكول - بحديث: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان» (٢).
الثانية: إذا قال الزوج: الطلاق يلزمني، أو أنت الطلاق، فهل يلزمه ثلاث أو واحدة إذا لم ينوه؟ روايتان:
الأولى: لزوم الثلاث؛ بناء على المحلى.
والثانية: ولزوم الواحدة؛ بناء على تقديم المعهود على العموم، إذ معنى المعهود سُنِّيٌّ، وهو أن السنة أن يطلقها واحدة. (٣)
الثالثة: دعوى أن الأصل في الأبوال كلها النجاسة؛ استدلالاً بقوله ﷺ : «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٤).
стр. 135
ولكن أصحابنا حملوا الألف واللام هنا على العهد، وهو بول الآدمي بقرينة.
الرابعة: دعوى جواز التكبير في الصلاة بقول المصلي: (الله الأكبر) أو (الله الكبير)؛ استدلالاً بقوله ﷺ : «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١).
والمذهب: لا يجزئه إلا قول: (الله أكبر)، فتكون الألف واللام للعهد؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كبَّر بغيرها، وقد جاء الخبر في نفي قبول الصلاة بغير: (الله أكبر)، والمعنى الموجود فيها لا يوجد في غيرها.
الخامسة: دعوى جواز السلام للخروج من الصلاة، بقوله: (عليكم السلام) (٢)، و (سلام عليكم)، بغير تعريف (٣)، وفي المسألتين خلاف.
стр. 136
ومُدْرَكُ الخلاف: هل المراد بالألف واللام العموم أو العهد؟
السادسة: لو حلف الحالف: لا أرى منكراً إلا رفعته إلى الوالي، من غير تعيين، فهل يتعين المنصوبُ في الحالِ، أم يبرأ بالرفع إلى كل من يُنْصَبُ بعده؟ وجهان؛ لتردد الألف واللام بين الجنس والعهد (١).
السابعة: إذا نوى المتيمم بتيممه الصلاة وأطلق، ولم ينو فرضاً ولا نافلة، فهل يتناول تيممه الفرض والنفل بالقاعدة، أم النفل خاصة؛ تنزيلاً له على الأدنى؟ قولان، أشهرهما: الثاني.
الثامنة: إذا قال السيد لعبده: إذا قرأت القرآن فأنت مدبَّر، فقرأ بعضه؛ لا يصير مدبَّراً؛ حملاً لها على الاستغراق، إلا بدليل.
стр. 137
القاعدة الثالثة والخمسون
المفرد المضاف يعم .
• فروع القاعدة:
الأولى: إذا قال: زوجتي طالق، وعبدي حر، ولم ينو معيناً؛ فالمنصوص عن أحمد: أنه تطلق جميع زوجاته، ويَعْتِقُ جميع عبيده.
واختار ابن قدامة: أنه تطلق إحداهن، ويَعْتِقُ أحدهم، ويخرج بالقرعة. (١)
الثانية: إذا نذر ذبح ولده، وقلنا: يلزمه ذبح كبش (٢)، فكان له أولاد، فإنه يلزمه أن يذبح عن كل واحدٍ كبشاً.
الثالثة: إذا أوصى لحمل امرأة، فولدت ذكراً أو أنثى؛ فهما سواء.
стр. 138
الرابعة: إذا قال: إن كان حملك ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن كان أنثى فطلقتين، فولدت ذكراً وأنثى؛ لا تطلق، وعللوه: بأن حملها ليس بذكر ولا أنثى، بل بعضه هكذا وبعضه هكذا، وهو موافق لكون المضاف للعموم.
الخامسة: إذا وقف على ولده، فإنه يتناول جميع أولاده الذكور والإناث.
السادسة: إذا قال: وقفت على ابني وقرابتي؛ فإنه يتناول الجميع.
стр. 139
القاعدة الرابعة والخمسون
النكرة في سياق النفي تعم ، سواء باشرها النافي، نحو: (ما أحد قائماً)، أو باشرها عاملها، نحو: (ما قام أحد)، وسواء كان النافي، نحو: (ما) أو (لم) أو (لن) أو (ليس) أو غيرها.
فإذا قلت: ما جاءني أحد، حصل العموم، وإذا قلت: ما جاءني من أحد، كانت (مِنْ) مؤكدةً للعموم لا مُنْشِئةً للعموم.
• فروع القاعدة:
الأولى: صحة الاستدلال على منع الحائض والجنب من قراءة القرآن ولو دون آية، بقوله ﷺ : «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» إذا صححنا الحديث (١).
الثانية: إذا قال المدعي: لا بينة لي، ثم أتى ببينة، فالمذهب المنصوص: أنها لا تسمع بينته.
ولنا قول: أنها تسمع.
стр. 140
القاعدة الخامسة والخمسون
النكرة في سياق الإثبات:
- إن كانت للامتنان: عمَّت .
- وإن لم تكن النكرة المثبتة للامتنان: فإنها لا تعم.
• من فروع القاعدة:
الأولى: إذا حلف لا يأكل فاكهة؛ فإنه يحنث بأكل التمر والرمان، لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (١).
الثانية: الاستدلال على طهورية كل ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، بقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾.
стр. 141
القاعدة السادسة والخمسون
النكرة في سياق الشرط تعم .
• من فروع القاعدة:
الأولى: إذا قلت: من يأتني بأسير فله دينار؛ فإنها تعم كل أسير، وكذلك ما أشبهه.
الثانية: إذا قال الموصي: إن ولدتِ أنثى فلها مائة، وإن ولدتِ ذكراً فله ألف، فولدت ذكرين وأنثيين، فإنه يشرَّك بين الذكرين في الألف، وبين الأنثيين في المائة (١).
стр. 142
القاعدة السابعة والخمسون
المتكلم من الخلق يدخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين، سواء كان أمراً أو نهياً أو خبراً أو إنشاء.
وقيل: لا يدخل مطلقاً.
وقيل: يدخل إلا في الأمر.
• من فروع القاعدة:
الأولى: هل كان للنبي ﷺ أن يتزوج بلا ولي ولا شهود وفي زمن الإحرام؟ وجهان (١).
الثانية: الواقف مَصْرِفاً لوقفه، كما إذا وقف على الفقراء، ثم افتقر، فإنه يدخل على المذهب.
الثالثة: لو انقطع مصرف الوقف، وقلنا: يرجع إلى أقاربه
стр. 143
وقفاً (١)، فكان الواقف حيًّا، هل يرجع إليه؟ على روايتين (٢).
الرابعة: لو وقف على أولاده وأنسالهم أبداً، على أن من توفي منهم عن غير ولد رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه، فتوفي أحد أولاده عن غير ولد، والأب الواقف حي، فهل يعود نصيبه إليه، لكونه أقرب الناس إليه أم لا؟ تُخرَّج على ما قبلها.
الخامسة: إذا قال الرجل: إن دخل أحد الدار فامرأتي طالق، فدخل هو؛ لم تطلق امرأته، وهو مخالف للقاعدة لدليل، وهو أن قرينة حال المتكلم تدل على أنه إنما يحلف على غيره ويمنع من سواه، فيخرج هو من العموم.
стр. 144
القاعدة الثامنة والخمسون
المخاطَب، هل يدخل في العمومات الواقعة معه ؟
قاعدة المذهب: تقتضي عدم الدخول.
ولكن المرجَّح عند أكثر الأصوليين: أن الخطاب العام، مثل قوله: (يا أيها الناس)، يتناول الرسول.
وقال طائفة من الفقهاء والمتكلمين: لا يتناوله.
وقد يقال: إنما كانت قاعدة المذهب مخالِفة لقاعدة الأصول هنا لدليل، وهو: أن خطاب الشارع المراد به التعبد، وهو عام، إذ قد تقرَّر من أصلنا: أن الخطاب الثابت للصحابة ثابت للنبي ﷺ .
وأما قاعدة المذهب: فهي في أقوال غير الشارع، وقد تقرَّر أن المكلف لا يلزم إذا قال شيئاً أو حكم بشيء لعلة أن يتعدى، بخلاف الشارع.
• من فروع القاعدة:
الأولى: إجابة المؤذن نفسه، المنصوص عن أحمد: أنه يجيب، وهذا مخالف لقاعدة المذهب لدليل، وهو الحث على
стр. 145
جمع الأجرين له: الدعاء والإجابة.
الثانية: إذا وكل عبده أو غريمه بإعتاق عبيده أو إبراء غرمائه، هل يملك عِتْقَ نفسه وإبراءَها؟ قولان، المذهب: أنه لا يملك عتق نفسه ولا إبراءَها.
وكذلك إذا قال لزوجته: طلقي نسائي، هل تطلِّق نفسها أم لا؟
الثالثة: الوكيل في البيع، هل له الشراء من نفسه؟ روايتان، المذهب: ليس له ذلك.
الرابعة: المأذون له أن يتصدق بمال، هل له أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة؟ المذهب: أنه لا يجوز (١).
الخامسة: الأموال التى تجب الصدقة بها شرعاً؛ كالمغصوب، والودائع، هل لمن هي في يده الأخذ منها أم لا؟
المنصوص عن أحمد: أنه لا يجوز.
وأفتى أبو العباس ابن تيمية في الغاصب إذا تاب: بالجواز. (٢)