القاعدة السادسة والخمسون
النكرة في سياق الشرط تعم .
• من فروع القاعدة:
الأولى: إذا قلت: من يأتني بأسير فله دينار؛ فإنها تعم كل أسير، وكذلك ما أشبهه.
الثانية: إذا قال الموصي: إن ولدتِ أنثى فلها مائة، وإن ولدتِ ذكراً فله ألف، فولدت ذكرين وأنثيين، فإنه يشرَّك بين الذكرين في الألف، وبين الأنثيين في المائة (١).
стр. 142
القاعدة السابعة والخمسون
المتكلم من الخلق يدخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين، سواء كان أمراً أو نهياً أو خبراً أو إنشاء.
وقيل: لا يدخل مطلقاً.
وقيل: يدخل إلا في الأمر.
• من فروع القاعدة:
الأولى: هل كان للنبي ﷺ أن يتزوج بلا ولي ولا شهود وفي زمن الإحرام؟ وجهان (١).
الثانية: الواقف مَصْرِفاً لوقفه، كما إذا وقف على الفقراء، ثم افتقر، فإنه يدخل على المذهب.
الثالثة: لو انقطع مصرف الوقف، وقلنا: يرجع إلى أقاربه
стр. 143
وقفاً (١)، فكان الواقف حيًّا، هل يرجع إليه؟ على روايتين (٢).
الرابعة: لو وقف على أولاده وأنسالهم أبداً، على أن من توفي منهم عن غير ولد رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه، فتوفي أحد أولاده عن غير ولد، والأب الواقف حي، فهل يعود نصيبه إليه، لكونه أقرب الناس إليه أم لا؟ تُخرَّج على ما قبلها.
الخامسة: إذا قال الرجل: إن دخل أحد الدار فامرأتي طالق، فدخل هو؛ لم تطلق امرأته، وهو مخالف للقاعدة لدليل، وهو أن قرينة حال المتكلم تدل على أنه إنما يحلف على غيره ويمنع من سواه، فيخرج هو من العموم.
стр. 144
القاعدة الثامنة والخمسون
المخاطَب، هل يدخل في العمومات الواقعة معه ؟
قاعدة المذهب: تقتضي عدم الدخول.
ولكن المرجَّح عند أكثر الأصوليين: أن الخطاب العام، مثل قوله: (يا أيها الناس)، يتناول الرسول.
وقال طائفة من الفقهاء والمتكلمين: لا يتناوله.
وقد يقال: إنما كانت قاعدة المذهب مخالِفة لقاعدة الأصول هنا لدليل، وهو: أن خطاب الشارع المراد به التعبد، وهو عام، إذ قد تقرَّر من أصلنا: أن الخطاب الثابت للصحابة ثابت للنبي ﷺ .
وأما قاعدة المذهب: فهي في أقوال غير الشارع، وقد تقرَّر أن المكلف لا يلزم إذا قال شيئاً أو حكم بشيء لعلة أن يتعدى، بخلاف الشارع.
• من فروع القاعدة:
الأولى: إجابة المؤذن نفسه، المنصوص عن أحمد: أنه يجيب، وهذا مخالف لقاعدة المذهب لدليل، وهو الحث على
стр. 145
جمع الأجرين له: الدعاء والإجابة.
الثانية: إذا وكل عبده أو غريمه بإعتاق عبيده أو إبراء غرمائه، هل يملك عِتْقَ نفسه وإبراءَها؟ قولان، المذهب: أنه لا يملك عتق نفسه ولا إبراءَها.
وكذلك إذا قال لزوجته: طلقي نسائي، هل تطلِّق نفسها أم لا؟
الثالثة: الوكيل في البيع، هل له الشراء من نفسه؟ روايتان، المذهب: ليس له ذلك.
الرابعة: المأذون له أن يتصدق بمال، هل له أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة؟ المذهب: أنه لا يجوز (١).
الخامسة: الأموال التى تجب الصدقة بها شرعاً؛ كالمغصوب، والودائع، هل لمن هي في يده الأخذ منها أم لا؟
المنصوص عن أحمد: أنه لا يجوز.
وأفتى أبو العباس ابن تيمية في الغاصب إذا تاب: بالجواز. (٢)
стр. 146
السادسة: الوكيل في نكاح امرأة، ليس له أن يزوجها لنفسه على المذهب.
فأما من ولايته بالشرع؛ كالولي والحاكم، فله أن يزوج نفسه.
السابعة: إذا قال الرجل لآخر: إن دخل دارك أحد فعبدي حر، فدخلها صاحبها، فقال القاضي وغيره: لا يَعْتِقُ. (١)
الثامنة: الوصي في إخراج حجة، ليس له صرفها إلى نفسه بدون إذن، نص عليه أحمد.
стр. 147
القاعدة التاسعة والخمسون
العبيد يدخلون في مطلق الخطاب ، إلا أن يدل دليل على إخراجهم.
وقيل: لا يدخلون.
وادعى الأصحاب في صور كثيرة أنها خرجت عن القاعدة بدليل، وفي كون ذلك دليلاً مُخْرِجًا نَظَرٌ.
والأظهر: جعله كالحرِّ في جميع أحكامه، إلا ما أجمع على خلافه، أو صح الحديث بخلافه.
• من فروع القاعدة (١):
الأولى: لا فرق بين الحر والعبد في وجوب صلاة الجماعة عند الأكثرين من أصحابنا (٢).
الثانية: الحج والجهاد لا يجبان عليه.
الثالثة: هل يجري الربا بين العبد وبين سيده؟ المذهب المنصوص: أنه لا يجري.
стр. 148
الرابعة: هل يملك العبد بالتمليك أم لا؟ روايتان، أشهرهما: أنه لا يملك.
الخامسة: هبته، هل تصح أم لا؟ المنصوص عن أحمد: أنها تصح بإذن سيده لا بدونها.
السادسة: هل يكون العبد وليًّا في النكاح على موليته أم لا؟ المذهب: أنه لا يكون وليًّا.
وفي رواية: أنه يكون وليًّا، وهي الأظهر.
السابعة: هل للعبد حضانة أم لا؟ المذهب: لا حضانة له.
وصحح ابن القيم: منع التفريق؛ للأحاديث. (١)
الثامنة: الحدود، فإنه على النصف من حد الحر في الزنى وشرب الخمر والقذف، ولا يغرَّب في حد الزنى.
التاسعة: هل يجب الحد على قاذفه أم لا؟ المذهب: أنه لا يجب ولكن يعزر.
وقيل: يحد.
العاشرة: هل يصح توليته القضاء أم لا؟ المشهور في المذهب: أنه لا يصح توليته القضاء.
وقيل: يصح.
стр. 149
فوائد أصولية
•الأولى: دلالة العام على أفراده، هل هي بطريق الظهور، أو بطريق التنصيص على كل فرد من الأفراد؟ مذهبان، المشهور عند أصحابنا: الأول.
•الثانية: العام هل يقصر على مقصوده أم لا؟ الجمهور: أنه لا يقصر. وقيل: يقصر (١).
• الثالثة: قول الشافعي ﵀: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال؛ كساها ثوب الإجمال، وسقط منها الاستدلال.
ونقل عنه أيضاً: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال؛ ينزل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال.
стр. 150
اختلفت أجوبة الفضلاء عن ذلك، وجمع القرافي بينهما:
أن المراد في الجملة الأولى: إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع.
والمراد بالجملة الثانية: إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل (١).
•الرابعة: الأمر بالمطلق، هل يكون أمراً بمفرداته، ويكون عامًّا؟ قولان:
أحدهما: العموم، وهو قول الأكثرين.
والقول الثاني: أن المفردات ليس مأموراً بها، لكن متى أتى بالمأمور أجزأ، فلا يأتي به إلا مقروناً ببعض المفردات (٢).
من أمثلة ذلك على القول الأول:
الأولى: جواز القضاء في المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ولم يفرق بين أن يحكم في المسجد وبين أن يحكم
стр. 151
في غيره، فهذا أمر بالحكم في عموم الأمكنة والأزمنة، إلا ما خصَّه الدليل.
الثانية: جواز إقامة الحدود على الملتجئ إلى الحرم، بآية القصاص والسرقة والزنى، فالأمر بذلك في تلك الآيات مطلق في الأمكنة والأزمنة.
وأجاب عنه أصحاب القول الثاني: بأنها تتناول مكاناً ضرورة إقامته، فيمكن في غير الحرم.
•الخامسة: إذا ذكر العام، وذكر بعده أو قبله اسم لو لم يصرح به لدخل في العام، فهل إفراده يقتضي عدم دخوله في العام أم لا؟
مذهبان للأصوليين والنحاة.
وقاعدة المذهب: تقتضي عدم الدخول.
•السادسة: العام في الأشخاص عام في الأحوال، هذا هو المعروف عند العلماء.
وقيل (١): إنه يكون مطلقاً في الأحوال. وأبطل هذا
стр. 152
المذهب ابن دقيق العيد (١).
•السابعة: قول الصحابي: (كان رسول الله ﷺ يفعل كذا)، هل يفيد التكرار أم لا؟ قولان.
•الثامنة: مفهوم المخالفة، هل هو عام فيما سوى المنطوق أم لا؟ مذهبان:
أحدهما: أنه عام فيما سوى المنطوق، يجوز تخصيصه بما يجوز به تخصيص العام.
الثاني: أنه لا يعم، وأنه يكفي المخالفة بصورة ما (٢).
стр. 153
القاعدة الستون
ألفاظ الجموع المنكرة؛ كـ (مسلمين) و (مشركين)؛ لا يفيد العموم في إحدى الروايتين.
والأخرى: يحمل على العموم (١).
وإذا قلنا: بعدم العموم، فيحمل على أقل الجمع.
وأقل الجمع ثلاثة. وقيل: اثنان (٢).
• من فروع القاعدة:
إذا نذر الصدقة بدراهم، أو نذر عتق عبيد، أو صوم أيام، أو أن يتوضأ مرات، أو يتمضمض بغرفات، أو حلف بالطلاق
стр. 154
ليتزوجنَّ زوجات، أو علَّق طلاق زوجته على إعطاء عبيد أو دراهم أو ثياب:
فإنه يُحمل على ثلاث على قول الأكثرين، بناء على القاعدة.
ويحمل على اثنين على قول غيرهم.
стр. 155
القاعدة الحادية والستون
إذا ورد دليل عام مستقل، ولكن على سبب خاص، فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ في ذلك مذهبان.
وكون العبرة بعموم اللفظ هو قول أحمد وأصحابه (١).
وأما محل السبب؛ فلا يجوز إخراجه بالاجتهاد إجماعاً.
• من فروع القاعدة:
الأولى: أن الأفضل عندنا في السفر الفطر مطلقاً، سواء وجد مشقة أو لم يجد، أخذاً بعموم قوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر» (٢).
الثانية: أن متروك التسمية لا يحل عندنا، أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
стр. 156
القاعدة الثانية والستون
الاستثناء: إخراج بعض الجملة بـ (إلا) - وهي أم الباب - أو ما قام مقامها، وهي: غير، وليس، ولا يكون، وحاشا، وخلا، وعدا، وسوى، وما عدا، وما خلا.
والاستثناء هو: إخراج ما لولاه لوجب دخوله لغة.
• فرع: الاستثناء على قول الأكثرين: تخصيص.
• مسائل تتعلق بالاستثناء:
الأولى: أنه لا يجوز أن يستثنى الأكثر من عدد مسمًّى.
وفي قول: جواز استثناء الأكثر.
ولنا في النصف، وجهان (١).
ولا خلاف في جواز استثناء الأكثر إذا كانت الكثرة مفهومة من دليل خارجي لا من اللفظ.
وأما الاستثناء المستغرق؛ فباطل إجماعاً.
стр. 157
ومحل امتناع الاستثناء في غير الصفة، أما في الصفة فإنه يجوز استثناء الأكثر والكل.
الثانية: لو أوصى بثلثه إلا شيئاً، أو بألف إلا شيئاً:
فعلى المذهب: له النصف وأدنى متمول.
وعلى القول باستثناء الأكثر: له أدنى متمول.
الثالثة: لا فرق في الاستثناء بين الطلاق وغيره، هذا المذهب.
وقيل: لا يصح الاستثناء في الطلاق.
الرابعة: يشترط للاستثناء الاتصال لفظاً، أو حكماً؛ كانقطاعه بتنفس ونحوه، عند الأئمة الأربعة وغيرهم (١).
стр. 158
وفي رواية: يصح الاستثناء في اليمين منفصلاً في زمن يسير.
الخامسة: يشترط نية الاستثناء، هذا المذهب.
وفي محلها ثلاثة أقوال:
أحدها: أول الكلام.
والثاني: أنه يصح ولو بعده، واختاره أبو العباس ابن تيمية، وقال: لا يضر فصل يسير بالنية. (١)
والثالث: أن محله قبل تكميل المستثنى منه.
السادسة: لا يجوز تقديم المستثنى في أول الكلام؛ كقولك: إلا زيداً قام القومُ، كحرف العطف.
السابعة: أنه يصح الاستثناء من الاستثناء، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
стр. 159
الثامنة: هل يرجع الاستثناء إلى ما يملكه المكلف أو إلى ما تلفظ به؟ وجهان (١).
التاسعة: الاستثناء من غير الجنس، لا يصح عند أحمد وأصحابه.
وفي قول: يصح.
العاشرة: الاستثناء إذا تعقب جملاً عطف بعضها على بعض بالواو، ويصلح عوده إلى كل واحد منها؛ فإنه يعود إلى جميعها إلا أن يرد دليل بخلافه.
مثال ذلك:
أولاً: قول النبي ﷺ : «لا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله، ولا يجلس على تكرِمته، إلا بإذنه» (٢)، فالاستثناء عائد على الكل.
стр. 160
وقالت الحنفية: يعود إلى الأخيرة.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] تضمنت الآية الكريمة: أن القذف يتعلق به ثلاثة أحكام: وجوب الجلد، ورد الشهادة، وثبوت الفسق.
فمن رأى أن الاستثناء يعود إلى الأخيرة فقط - وهو أبو حنيفة -، قال: إذا تاب القاذف زال فسقه، ولم تقبل شهادته إذا جلد.
وأما من رأى عوده إلى الجميع، فقال جماعة منهم: مقتضى هذا الأصل أن يعود إلى الفسق ورد الشهادة والحد، لكن منع من عوده إلى الجلد الإجماع، فإن حد القذف لا يسقط بالتوبة بالإجماع، فيبقى الباقي على مقتضى الأصل.
ودعوى الإجماع لا تصح.
•فرع: الشرط، إذا قُيِّد به أحد المتعاطفين، فإن الحنفية قد وافقونا على عوده إلى الجميع، ومن أمثلة ذلك:
الأول: إذا قال: أنتِ علي حرام، والله لا أكلمك، إن شاء الله تعالى؛ أن الاستثناء يعود إليهما.
стр. 161
الثاني: لو حلف: لأضربنَّ زيداً ثم عمراً ثم بكراً، إن شاء الله؛ أنه للجميع في كلام بعض أصحابنا (١).
الثالث: وإن قال لمدخولٍ بها: إن دخلتِ الدار فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت؛ وقع ثلاثاً.
•فرع: التخصيص بالصفة، نحو: (أكرِمْ بني تميم الداخلين)؛ يعود إلى الجميع.
•فرع: عطف البيان والتوكيد والبدل ونحو ذلك من الأسماء المخصصة، والجار والمجرور مثل أن يقول: على أنه، أو بشرط أنه، ونحو ذلك؛ فإنه ينبغي أن يتعلق بالجميع؛ كالاستثناء.
مثل لو قال: أكرم بني تميم، أو بني أسد، أو بني غطفان، بشرط أن يكونوا مؤمنين، أو على أن يكونوا مؤمنين، فهو متناول للجميع (٢).
•فرع: التخصيص بالغاية؛ كـ (أكرم بني تميم حتى يدخلوا)، كالاستثناء بعد جمل في العود.
стр. 162
•فرع: الإشارة بلفظ (ذلك) بعد الجمل؛ يعود إلى الجميع.
•فرع: التقييد بالتمييز بعد العطف؛ يعود إلى الجميع.
مثاله: إذا قال: له علي ألف وخمسون درهماً؛ فالجميع دراهم.
•فرع: الضمير يعود إلى جميع ما تقدم، كقولك: أدخل بني هاشم، ثم بني المطلب، ثم سائر قريش، وأكرمهم.
الحادية عشرة: الاستثناء من الإثبات نفي، كقولك: قام القوم إلا زيداً، فإنه يكون نفياً للقيام عن زيد.
وأما الاستثناء من النفي، نحو: ما قام أحد إلا زيد، فعندنا وعند الجمهور: يكون إثباتاً لقيام زيد.
وقال أبو حنيفة: لا يكون إثباتاً بل دليلاً على إخراجه عن المحكوم عليهم، وحينئذ فلا يلزم منه الحكم بالقيام.
• من فروع هذه المسألة:
الأولى: إذا حلف الحالف: لا يَلْبَسُ إلا الكتان، فهل الكتان محلوف على لبسه، فإذا جلس عُرياناً حَنِث، بناء على قاعدة الاستثناء من النفي إثبات؟ أو لا يحنث؛ لأن المقصود
стр. 163
أنه يمتنع من لبس كل شيء إلا الكتان، فإنه لا يمتنع من لبسه فلا يكون محلوفاً عليه؟ قولان.
الثانية: إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثاً، فشاءت الثلاث؛ لم تطلق في أحد الوجهين، بناء على أن الاستثناء من الإثبات نفي.
الثالثة: لو قال: امرأتي طالق إن كنت أملك إلا مائة، ولم ينو شيئاً، وكان يملك أكثر أو أقل؛ حنث.
• مسألة: الاستثناء بالمشيئة على نوعين:
النوع الأول: أن يكون بصيغة التنجيز؛ كقوله لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، ولعبده: أنت حر إن شاء الله، فالمذهب: الوقوع (١).
стр. 164
النوع الثاني: صيغة التعليق والقسم؛ كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله تعالى، أو أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله، أو أنت طالق لا تدخلين الدار إن شاء الله، ونحو ذلك، فهذا فيه نزاع معروف في مذهب الإمام أحمد على قولين:
القول الأول: عدم صحة الاستثناء مطلقاً، سواء كان الحلف بصيغة القسم أو بصيغة الجزاء.
القول الثاني: التفريق بين الحلف بالطلاق بصيغة القسم والتعليق على شرط يقصد به الحض والمنع فيصح فيه الاستثناء، وبين التعليق على شرط يقصد به وقوع الطلاق بنية، فلا ينفع فيه الاستثناء؛ كقوله: أنت طالق إذا طلعت الشمس إن شاء الله. (١)
• تنبيه: حيث قلنا: يفيد الاستثناء بالمشيئة، فسواء كان متقدماً على الجزاء أو متأخراً عنه.
•فرع: لا بد في الاستثناء من نطقه، إلا أن يكون مظلوماً خائفاً؛ فيصح استثناؤه في نفسه.
стр. 165
وحيث قلنا: يجب نطقه، فهل يجب إسماع نفسه أو يكفي الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها؟
•فرع: تعتبر نية الاستثناء على الصحيح.
وقيل: يصح من غير نية.
وتظهر فائدة الخلاف: فيمن سبق الاستثناء على لسانه عادة أو أتى به تبركاً.
•فرع: إذا شك الحالف في الاستثناء؛ فالأصل عدمه.
وقال أبو العباس ابن تيمية: إلا مَنْ عادتُه الاستثناء، واحتج بالمستحاضة تعمل بالعادة. (١)
стр. 166
القاعدة الثالثة والستون
إذا بَطَل الخصوص، هل يبطل العموم ؟ في ذلك خلاف بين العلماء.
• من فروع القاعدة:
الأولى: إذا نسخ الوجوب فيبقى الجواز.
وقيل: لا يبقى دليلاً على الجواز، بل يرجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب، من البراءة الأصلية، أو الإباحة، أو التحريم، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن.
الثانية: إذا ظن دخول وقت صلاة فريضة، فأحرم بفرض، فبان قبل وقته؛ لا يجزئه عن الفرض جزماً.
وهل ينعقد نفلاً أم لا؟ روايتان، المذهب: أنه ينعقد نفلاً.
الثالثة: إذا نوى المتيمم رفع الحدث، وقلنا على المذهب: التيمم مبيح، ففي صحة تيممه وجهان؛ لأن نية الرفع تستلزم الإباحة، وصحح طائفة: عدم الصحة (١).
стр. 167
الرابعة: لو أحرم بفرض، ثم نقله تطوعاً، هل يبطل أم لا؟ قولان (١).
وبيان تخريج هذه المسألة على القاعدة: أن نية الفرض تشتمل على نية الصلاة من حيثُ الجملةُ، وخصوصُ الفرض، فإذا بَطَل خصوصُ الفرض، بقي أصل نية الصلاة (٢).
الخامسة: إذا ظن رب المال أن عليه زكاة فأخرجها، ثم بان أن لا شيء عليه، لم يرجع بها على المسكين؛ لوقوعها نفلاً.
السادسة: إذا نذر صوم يوم العيد؛ صح نذره، ولزمه يوم آخر، في إحدى الروايتين (٣).
السابعة: لو نذر الطواف على أربع - يعني: على رجليه ويديه -، لغا خصوص الطواف على الهيئة المنهي عنها، ولزمه الطواف على الوجه المشروع - وهو الطواف على رجليه فقط - (٤).
стр. 168
الثامنة: لو نذر العبادة على وجه منهي عنه؛ كنذره الصلاة عُرياناً، أو في مكان منهي عنه، والحجَّ حافياً حاسراً، والمرأة تحج حاسرة؛ فقياس المذهب: الوفاء بالطاعة على الوجه المشروع، وإلغاء تلك الصفة (١).
التاسعة: لو وقف على مسجدٍ قنديلَ ذهب أو فضة؛ لم يجز، وبَطَل خصوص الوقف.
وهل يبطل عموم الصدقة به على المسجد؟ قولان:
أحدهما: بطلان الوقف، وبقاء الموقوف على ملك مالكه (٢).
الثاني: أنه يزول ملك الواقف عنه، ويكسَّر ويصرف في مصالح المسجد وعمارته. ذكره في المغني (٣).
العاشرة: إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام؛ لزمه إتيانه حاجًّا أو معتمراً.
стр. 169
القاعدة الرابعة والستون
المطلق: ما يتناول واحداً غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه؛ نحو قوله تعالى: (تحرير رقبة) [البقرة: … ].
والمقيد: ما يتناول معيناً أو موصوفاً بزائد على حقيقة جنسه، نحو قوله تعالى: (تحرير رقبة مؤمنة).
• فرع: إن ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو من أحوال:
الحالة الأولى: أن يختلف حكمهما: فلا يحمل أحدهما على الآخر.
سواء اتفق السبب؛ كالتقييد بالتتابع في الصيام في كفارة الظهار وإطلاق الإطعام فيها.
أو اختلف؛ كتقييد الصيام بالتتابع في كفارة اليمين وإطلاق الأحكام في كفارة الظهار.
الحالة الثانية: أن يتحد حكمهما ويتحد سببهما: فلها حالتان:
стр. 170
الأولى: أن يكونا مثبتين؛ نحو: أعتق في الظهار رقبة، ثم قال: أعتق في الظهار رقبة مؤمنة: حمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة، وذكره أبو البركات إجماعاً (١).
الثانية: أن يكونا نهيين؛ نحو: لا تُعتِق مكاتباً، لا تُعتِق مكاتَباً كافراً، أو: لا تكفِّر بعتق، لا تُعتق مكاتَباً كافراً، فالقيد دل بالمفهوم، فهل يعمل بالمقيد، أو يعمل بالمطلق؟ قولان (٢).
فمن لا يراه حجه، أو لا يخص العموم به: فإنه يعمل بمقتضى الإطلاق.
стр. 171
ومن يراه حجة ويخص العموم به: فإنه يعمل بالمقيد (١).
الحالة الثالثة: أن يتحدا حُكماً ويختلفا سبباً؛ كالرقبة المؤمنة في القتل، والرقبة المطْلَقة في الظهار، فعلى روايتين:
إحداهما: يحمل المطلق على المقيد من طريق اللغة.
والثانية: لا يحمل.
•فرع: حَمْل المطلق على المقيد بعلة جامعة بينهما: جائز عندنا.
•فائدة: إذا أطلقت الصورة الواحدة، ثم قيدت تلك الصورة بعينها بقيدين متنافيين، كقوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (٢)، فإنه قد ورد في رواية:
стр. 172
«إحداهن بالتراب» (١) وفي رواية: «أولاهن بالتراب» (٢)، وفي الأخرى: «السابعة بالتراب» (٣).
فلما كان القيدان متنافيين تساقطا، ورجعنا إلى الإطلاق في إحداهن؛ لأنهما لما تعارضا ولم يكن أحد القيدين أولى من الآخر؛ تساقطا وبقي التخيير.
•فائدة: إن المطلق من الأسماء يتناول الكامل من المسميات في الإثبات، لا في النفي.
•فائدة: إذا قلنا: يحمل المطلق على المقيد؛ فإنما محله إذا لم يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن استلزمه حمل على إطلاقه.
أمثلة ذلك:
الأول: إطلاق النبي ﷺ لبس الخفين بعرفات، وكان معه الخلق العظيم من أهل مكة والبوادي واليمن، لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فإنه لا يقيد بما قاله في المدينة، وهو قطع الخفين.
стр. 173
الثاني: قول النبي ﷺ لمن سألته عن دم الحيض؟ «حُتِّيهِ ثم اقْرُصيهِ ثم اغسليه بالماء» (١)، ولم يشترط عدداً، مع أنه وقت حاجة، فلو كان العدد شرطاً لَبَيَّنه، ولم يُحِلْها على ولوغ الكلب، فإنها ربما لم تسمعه، ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل وَلُوغِه.
стр. 174
القاعدة الخامسة والستون
المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
• فأما مفهوم الموافقة: فهو أن يكون المسكوت عنه موافقاً في الحكم للمنطوق وأولى منه.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾، وكتأدية ما دون القنطار من قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وهذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، وما قبله بالأدنى على الأعلى.
• فرع: وهو حجة، ذكره بعضهم إجماعاً.
واختلف في دلالته:
فقيل: دلالته لفظية. وقيل: هو قياس جلي.
•وأما مفهوم المخالفة: فهو على أقسام:
الأول: مفهوم الصفة: وهو أن يقترن بعامٍّ صفةٌ خاصةٌ، كقوله ﷺ : «في الغنم في سائمتها الزكاة» (١) مفهومه: لا زكاة
стр. 175
في معلوفة الغنم.
ولم يقل بمفهوم الصفة جماعة من الفقهاء.
• فرع: لمفهوم الصفة صورتان:
أحدهما: أن يقترن بعامٍّ صفةٌ خاصة، أو يُقْسَم اللفظ إلى قسمين، ويذكر صفة مع كل قسم من القسمين، نحو حديث: «الثيِّب أحق بنفسها، والبكر تستأذن» (١).
والثانية: أن تفرد الصفة بالذكر؛ كقوله: «الثيب أحق بنفسها من وليها»، وهذه الصورة دون التي قبلها في القوة. (٢)
الثاني: مفهوم الشرط: نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾.
وهو أقوى من الصفة، فلهذا قال به جماعة ممن لم يقل بمفهوم الشرط.
стр. 176
ويتفرع على مفهوم الصفة والشرط فروع كثيرة: في الوقف، والوصايا، والتعاليق، والنذور، والأيمان.
الثالث: مفهوم الغاية: نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾.
وهو أقوى من الشرط، فلهذا قال به جماعة ممن لم يقل بمفهوم الشرط.
الرابع: مفهوم العدد الخاص: كقوله تعالى: (ثمانين جلدة).
ونفاه جماعة من الفقهاء.
الخامس: مفهوم اللقب: وهو تخصيص اسم بحكم.
وهو حجة عند أكثر أصحابنا وغيرهم من الفقهاء.
ونفاه أكثر العلماء (١).
وقيده بعضهم: بغير المشتق (٢).
стр. 177
وجعل بعض أصحابنا مفهوم اللقب حجة في اسم جنس لا اسم عين.
• فرع: شروط العمل بمفهوم المخالفة:
الأول: أن لا يظهر في المسكوت عنه أولوية ولا مساواة، فإن ظهر أولوية أو مساواة، كان المسكوت عنه موافقاً للمنطوق.
الثاني: أن لا يكون خرج مخرج الغالب.
وعلى القول الأول بأنه ليس بحجة: إذا خرج مخرج الغالب، فهل يكون عامًّا في المسكوت عنه والمنطوق أم لا؟ كلام الأكثرين من أصحابنا يدل على أنه ليس بعام.
الثالث: أن لا يخرج جواباً لسؤال.
الرابع: أن تكون الصفة التي علق الحكم بها، قصد بها تعليق الحكم بها، فإن علق بصفة غير مقصودة، مثل قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فلا دليل له؛ لأن الصفة لم تذكر
стр. 178
لتعليق الحكم بها، وإنما قصد بها رفع الجناح عمن طلق قبل المسيس، وإيجاب المتعة على وجه التبع، فصار كأنه مذكور ابتداء من غير تعليق على صفة.
•فائدة: قال بعض أصحابنا: إن العام إذا خُصَّ بعض أفراده، فهل يخص العموم بمفهوم تخصيص الحكم بهذا الفرد؟
الأكثرون: أنه لا تخصيص، ويكون تخصيص الفرد لتأكيد الحكم فيه ونحوه (١).
•فائدة: تخصيص العموم بالمفهوم إنما هو في كلامين منفصلين من متكلم واحد، أو في حكم الواحد ككلام الله ورسوله، لا في كلام واحد متصل، ولا متكلمين يجب اتحاد مقصودهما، كبينة شهدت: أن جميع الدار لزيد، وأخرى شهدت: أن الموضع الفلاني منها لعمرو، فإنهما يتعارضان في ذلك الموضع (٢).
стр. 179
القاعدة السادسة والستون
إجماع الخلفاء الأربعة مع مخالفة مجتهد صحابي لهم على حكم، ليس بإجماع ولا حجة عند أحمد وأكثر الفقهاء.
وفي رواية: أنه إجماع.
وفي رواية: أنه حجة لا إجماع.
• فرع: وأما الصحابي غيرهم، إذا قال قولاً وانتشر، ولم يُنكر قبل استقرار المذهب: فإجماع عند أحمد وأصحابه.
وإن لم ينتشر، فعن أحمد في ذلك روايتان:
إحداهما: أنه حجة مقدمة على القياس.
والثانية: ليس بحجة، ويقدم القياس عليه (١).
• فرع: إذا قال الصحابي قولاً يخالف القياس؛ فإنه يجب العمل به، ويجعل في حكم التوقيف، بحيث يعمل به وإن
стр. 180
خالفه قول صحابي آخر.
وقيل: لا يحمل على التوقيف، بل حكمه حكم مجتهداته.
• فرع: إذا قلنا قول الصحابي حجة، فهل يُخص به العموم أم لا؟ في ذلك مذهبان:
أحدهما، وهو المنصوص عن أحمد وقاله جمهور أصحابنا: أنه يخص.
والثاني: لا يخص مطلقاً.
وقال أبو العباس ابن تيمية: إن كان الصحابي سمع العام وخالفه، قوي تخصيص العموم بقوله، أما إذا لم يسمع فقد يقال: هو لو سمع العموم لترك مذهبه؛ لجواز أن يكون مستنده استصحاباً، ودليل العام أقوى منه، وقد يقال: لو سمعه لما ترك مذهبه؛ لأن عنده دليلاً خاصًّا مقدماً عليه. (١)