Полный текст (216 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
السابع في الحيوانات وفيه كتاب طبائع الحيوانات. الثامن في النفس الحيوانية والقوى الدراكة وأن نفس الإنسان لا يموت بموت البدن وأنه جوهر روحاني يستحيل عليه الفناء.
وفروعها سبعة
أما فروعها فسبعة:
الأول الطب ومقصوده معرفة مبادئ بدن الإنسان وأحواله من الصحة والمرض وأسبابها ودلائلها ليدفع المرض ويحفظ الصحة. الثاني في أحكام النجوم وهو تخمين في الاستدلال من أشكال الكواكب وامتزاجاتها على ما يكون من أحوال العالم والملك والمواليد والسنين. الثالث علم الفراسة وهو استدلال من الخلق على الأخلاق. الرابع التعبير وهو استدلال من المتخيلات الحلمية على ما شاهدته النفس من عالم الغيب فخيلته القوة المتخيلة بمثال غيره. الخامس علم الطلسمات وهو تأليف للقوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليأتلف من ذلك قوة تفعل فعلاً غريباً في العالم الأرضي. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى الجواهر الأرضية ليحدث منه أمور غريبة. السابع علم الكيمياء ومقصوده تبديل خواص الجواهر المعدنية ليتوصل إلى تحصيل الذهب والفضة بنوع من الحيل.
لا نخالفهم شرعاً في شيء منها
وليس يلزم مخالفتهم شرعاً في شيء من هذه العلوم وإنما نخالفهم من جملة هذه العلوم في أربعة مسائل:
نخالفهم في أربعة مسائل
الأولى حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب
стр. 142
والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب.
الثانية قولهم إن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في الجسم وإن معنى الموت انقطاع علاقتها عن البدن بانقطاع التدبير وإلا فهو قائم بنفسه في كل حال. وزعموا أن ذلك عرف بالبرهان العقلي.
الثالثة قولهم إن هذه النفوس يستحيل عليها العدم بل هي إذا وجدت فهي أبدية سرمدية لا يتصور فناؤها.
والرابعة قولهم: يستحيل رد هذه النفوس إلى الأجساد.
المسألة الأولى: لإثبات المعجزات فقط وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث أنه ينبنى عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعباناً وإحياء الموتى وشق القمر. ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوماً ضرورياً أحال جميع ذلك. وأولوا ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا: أراد به إزالة موت الجهل بحياة العلم. وأولوا تلقف العصا سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية الظاهرة على يد موسى شبهات المنكرين، وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده وزعموا أنه لو يتواتر.
قولهم لا تكون المعجزات إلا في القوة المتخيلة
ولم يثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات إلا في ثلثة أمور: أحدها في القوة المتخيلة، فإنهم زعموا أنها إذا استولت وقويت ولم يستغرقها الحواس والاشتغال اطلعت على اللوح المحفوظ وانطبع فيها صور الجزئيات الكائنة في المستقبل وذلك في اليقظة للأنبياء ولسائر الناس في النوم، فهذه خاصية النبوة للقوة المتخيلة.
وفي القوة العقلية، لأن البعض ينتبهون في أسرع الأوقات وأقربها
الثانية خاصية في القوة العقلية النظرية وهو راجع إلى قوة الحدس وهو سرعة الانتقال من معلوم إلى معلوم. فرب ذكي إذا ذكر له المدلول تنبه للدليل
стр. 143
وإذا ذكر له الدليل تنبه للمدلول من نفسه وبالجملة إذا خطر له الحد الأوسط تنبه للنتيجة وإذا حضر في ذهنه حدا النتيجة خطر بباله الحد الأوسط الجامع بين طرفي النتيجة. والناس في هذا منقسمون فمنهم من يتنبه بنفسه ومنهم من يتنبه بأدنى تنبيه ومنهم من لا يدرك مع التنبيه إلا بتعب كثير. وإذا جاز أن ينتهي طرف النقصان إلى من لا حدس له أصلاً حتى لا يتهيأ لفهم المعقولات مع التنبيه جاز أن ينتهي طرف القوة والزيادة إلى أن ينتبه لكل المعقولات أو لأكثرها وفي أسرع الأوقات وأقربها.
ولا سيما النبي
ويختلف ذلك بالكمية في جميع المطالب أو بعضها وفي الكيفية حتى يتفاوت في السرعة والقرب. فرب نفس مقدسة صافية يستمر حدسها في جميع المعقولات وفي أسرع الأوقات. فهو النبي الذي له معجزة من القوة النظرية فلا يحتاج في المعقولات إلى تعلم بل كأنه يتعلم من نفسه، وهو الذي وصف بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور.
وفي القوة النفسية العملية وهي تنفعل بها أعضاء البدن
الثالث القوة النفسية العملية، وقد تنتهي إلى حد تتأثر بها الطبيعيات وتتسخر. ومثاله أن النفس منا إذا توهم شيئاً خدمته الأعضاء والقوى التي فيها فحركت إلى الجهة المتخيلة المطلوبة، حتى إذا توهم شيئاً طيب المذاق تحلبت أشداقه وانتهضت القوة الملعبة فياضة باللعاب من معادنها، وإذا تصور الوقاع انتهضت القوة فنشرت الآلة، بل إذا مشى على جذع ممدود على فضاء طرفاه على حائطين اشتد توهمه للسقوط فانفعل الجسم بتوهمه وسقط، ولو كان ذلك على الأرض لمشى عليه ولم يسقط، وذلك لأن الأجسام والقوى الجسمانية خلقت خادمة مسخرة للنفوس، ويختلف ذلك باختلاف صفاء النفوس وقوتها.
وقد يكون الانفعال حتى في غير البدن
فلا يبعد أن تبلغ قوة النفس إلى حد تخدمه القوة الطبيعية في غير بدنه لأن نفسه ليست منطبعة في بدنه إلا أن له نوع ونزوع وشوق إلى تدبيره خلق ذلك في جبلته فإذا جاز
стр. 144
أن تطيعه أجسام بدنه لم يمتنع أن يطيعه غيره، فيتطلع نفسه إلى هبوب ريح أو نزول مطر أو هجوم صاعقة أو تزلزل أرض لتخسف بقوم، وذلك موقوف حصوله على حدوث برودة أو سخونة أو حركة في الهواء، فيحدث في نفسه تلك السخونة والبرودة ويتولد منه هذه الأمور من غير حضور سبب طبيعي ظاهر، ويكون ذلك معجزة للنبي ولكنه إنما يحصل ذلك في هواء مستعد للقبول ولا ينتهي إلى أن ينقلب الخشب حيواناً وينفلق القمر الذي لا يقبل الإنخراق.
قولنا هذا لا ننكره، ولكنا نثبت معجزات غيرها يستثنونها
فهذا مذهبهم في المعجزات ونحن لا ننكر شيئاً مما ذكروه وأن ذلك مما يكون للأنبياء وإنما ننكر اقتصارهم عليه ومنعهم قلب العصا ثعباناً وإحياء الموتى وغيره فلزم الخوض في هذه المسألة لإثبات المعجزات ولأمر آخر وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون من أن الله قادر على كل شيء. فلنخض في المقصود.
стр. 145
مسألة الاقتران بين ما يعتقد في العادة
سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً
الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الرقبة والشفاء وشرب الدواء وإسهال البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه يخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه غير قابل للفرق بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحيوة مع جز الرقبة وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته.
مثلاً النار والقطن
والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالاً واحداً وهو الاحتراق في القطن مثلاً مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ونجوز حدوث انقلاب القطن رماداً محترقاً دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه.
قول الخصم فاعل الاحتراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع
وللكلام في المسألة ثلثة مقامات: المقام الأول أن يدعي الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط
стр. 146
وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار فلا يمكنه الكف عما هو طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل له.
قولنا فاعل الاحتراق ليس هو النار بل الله
وهذا مما ننكره بل نقول: فاعل الاحتراق بخلق السواد في القطن والتفرق في أجزائه وجعله حراقاً أو رماداً هو الله إما بواسطة الملائكة أو بغير واسطة، فأما النار وهي جماد فلا فعل لها.
وهذا يكون بالحصول عنده لا بالحصول به
فما الدليل على أنها الفاعل وليس له دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار؟ والمشاهدة تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به وأنه لا علة سواه، إذ لا خلاف في أن انسلاك الروح
стр. 147
والقوى المدركة والمحركة في نطفة الحيوانات ليس يتولد عن الطبائع المحصورة في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا أن الأب فاعل ابنه بإيداع النطفة في الرحم ولا هو فاعل حيوته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي هي فيه، ومعلوم أنها موجودة عنده، ولم نقل أنها موجودة به بل وجودها من جهة الأول إما بغير واسطة وإما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الأمور الحادثة، وهذا مما يقطع به الفلاسفة القائلون بالصانع والكلام معهم فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به.
فالأكمه إذا بصر فجأة ورأى الألوان لا يعلم أن نور الشمس هو السبب في انطباعها في بصره بل نبين هذا بمثال وهو أن الأكمه لو كان في عينه غشاوة ولم يسمع من الناس الفرق بين الليل والنهار لو انكشفت الغشاوة عن عينه نهاراً وفتح أجفانه فرأى الألوان ظن أن الإدراك الحاصل في عينه لصور الألوان فاعله فتح البصر وأنه مهما كان بصره سليماً ومفتوحاً والحجاب
стр. 148
مرتفعاً والشخص المقابل متلوناً فيلزم لا محالة أن يبصر، ولا يعقل أن لا يبصر حتى إذا غربت الشمس وأظلم الهواء علم أن نور الشمس هو السبب في انطباع الألوان في بصره. فمن أين يأمن الخصم أن يكون في المبادئ للوجود علل وأسباب يفيض منها الحوادث عند حصول ملاقاة بينها؟ إلا أنها ثابتة ليست تنعدم ولا هي أجسام متحركة فتغيب، ولو انعدمت أو غابت لأدركنا التفرقة وفهمنا أن ثم سبباً وراء ما شاهدناه، وهذا لا مخرج منه على قياس أصلهم.
وواهب الصور ... !
ولهذا اتفق محققوهم على أن هذه الأعراض والحوادث التي تحصل عند وقوع الملاقاة بين الأجسام وعلى الجملة عند اختلاف نسبها إنما تفيض من عند واهب الصور وهو ملك أو ملائكة، حتى قالوا: انطباع صورة الألوان في العين يحصل من جهة واهب الصور وإنما طلوع الشمس والحدقة السليمة والجسم المتلون معدات ومهيئات لقبول المحل هذه الصورة، وطردوا هذا في كل حادث، وبهذا يبطل دعوى من يدعي أن النار هي الفاعلة للاحتراق والخبز هو الفاعل للشبع والدواء هو الفاعل للصحة إلى غير ذلك من الأسباب.
قولهم الحوادث تفيض من المبادئ باللزوم والطبع
ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب
المقام الثاني مع من يسلم أن هذه الحوادث تفيض من مبادئ الحوادث ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، إلا أن تيك المبادئ أيضاً تصدر الأشياء عنها باللزوم والطبع لا على سبيل التروي والاختيار صدور النور من الشمس، وإنما افترقت المحال في القبول لاختلاف استعدادها فإن الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس ويرده حتى يستضيء به موضع آخر والمدر لا يقبل والهواء لا يمنع نفوذ نوره والحجر يمنع وبعض الأشياء يلين بالشمس وبعضها يتصلب وبعضها يبيض كثوب القصار وبعضها يسود كوجهه، والمبدأ واحد والآثار مختلفة لاختلاف الاستعدادات في المحل،
стр. 149
فكذى مبادئ الوجود فياضة بما هو صادر منها لا منع عندها ولا بخل وإنما التقصير من القوابل.
فلا يمكن لإبراهيم ألا يكون قد احترق
وإذا كان كذلك فمهما فرضنا النار بصفتها وفرضنا قطنتين متماثلتين لاقتا النار على وتيرة واحدة فكيف يتصور أن تحترق إحديهما دون الأخرى وليس ثم اختيار؟ وعن هذا المعنى أنكروا وقوع إبراهيم في النار مع عدم الاحتراق وبقاء النار ناراً وزعموا أن ذلك لا يمكن إلا بسلب الحرارة من النار وذلك يخرجه عن كونه ناراً أو بقلب ذات إبراهيم وبدنه حجراً أو شيئاً لا يؤثر فيه النار، ولا هذا ممكن ولا ذاك ممكن.
جوابنا إن الله يفعل بالإرادة
والجواب له مسلكان: الأول أن نقول: لا نسلم أن المبادي ليست تفعل بالاختيار وأن الله لا يفعل بالإرادة، وقد فرغنا عن إبطال دعواهم في ذلك في مسألة حدث العالم. وإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادته عند ملاقاة القطنة النار أمكن في العقل أن لا يخلق مع وجود الملاقاة.
قولهم أفلا أرى بين يدي سباعاً ضارية ؟
فإن قيل: فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكرت لزوم المسببات عن أسبابها وأضيف إلى إرادة مخترعها ولم يكن للإرادة أيضاً منهج مخصوص متعين بل أمكن تفننه وتنوعه فليجوز كل واحد منا أن يكون بين يديه سباع ضارية ونيران مشتعلة وجبال راسية وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له.
إذا وضعت كتاباً في بيتي أفلا أعلم أنه انقلب غلاماً ؟
ومن وضع كتاباً في بيته فليجوز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته غلاماً أمرد عاقلاً متصرفاً أو انقلب حيواناً، أو ترك غلاماً في بيته فليجوز انقلابه كلباً أو ترك الرماد فليجوز
стр. 150
انقلابه مسكاً وانقلاب الحجر ذهباً والذهب حجراً. وإذا سئل عن شيء من هذا فينبغي أن يقول: لا أدري ما في البيت الآن وإنما القدر الذي أعلمه أني تركت في البيت كتاباً ولعله الآن فرس وقد لطخ بيت الكتب ببوله وروثه، وإني تركت في البيت جرة من الماء ولعلها انقلبت شجرة تفاح، فإن الله قادر على كل شيء وليس من ضرورة الفرس أن يخلق من النطفة ولا من ضرورة الشجرة أن تخلق من البذر بل ليس من ضرورته أن يخلق شيء فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل، بل إذا نظر إلى إنسان لم يره إلا الآن وقيل له: هل هذا مولود:؟ فليتردد وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق قد انقلب إنساناً وهو ذلك الإنسان فإن الله قادر على كل شيء ممكن وهذا ممكن فلا بد من التردد فيه، وهذا فن يتسع المجال في تصويره وهذا القدر كاف فيه.
قولنا إن الله يخلق لنا علماً بأن هذه الممكنات لم يعلمها
والجواب أن نقول: إن ثبت أن الممكن كونه لا يجوز أن يخلق
стр. 151
للإنسان علم بعدم كونه لزم هذه المحالات. ونحن لا نشك في هذه الصور التي أوردتموها فإن الله خلق لنا علماً بأن هذه الممكنات لم يفعلها، ولم ندع أن هذه الأمور واجبة بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخاً لا تنفك عنه.
العلم بحدوث الممكن يجوز للنبي لا للعامي
بل يجوز أن يعلم نبي من الأنبياء بالطرق التي ذكرتموها أن فلاناً لا يقدم من سفره غداً، وقدومه ممكن ولكن يعلم عدم وقوع ذلك الممكن، بل كما ينظر إلى العامي فيعلم أنه ليس يعلم الغيب في أمر من الأمور ولا يدرك المعقولات من غير تعلم، ومع ذلك فلا ينكر أن تتقوى نفسه وحدسه بحيث يدرك ما يدركه الأنبياء على ما اعترفوا بإمكانه، ولكن يعلمون أن ذلك لم يقع، فإن خرق الله العادة بإيقاعها في زمان خرق العادات فيها انسلت هذه العلوم عن القلوب ولم يخلقها. فلا مانع إذن من أن يكون الشيء ممكناً في مقدورات الله ويكون قد جرى في سابق علمه أنه لا يفعله مع إمكانه في بعض الأوقات ويخلق
стр. 152
لنا العلم بأنه ليس يفعله في ذلك الوقت، فليس في هذا الكلام إلا تشنيع محض.
إن الله يغير صفة النار أو صفة إبراهيم
المسلك الثاني وفيه الخلاص من هذه التشنيعات وهو أن نسلم أن النار خلقت خلقة إذا لاقاها قطنتان متماثلتان أحرقتهما ولم تفرق بينهما إذا تماثلتا من كل وجه، ولكنا مع هذا نجوز أن يلقى نبي في النار فلا يحترق إما بتغيير صفة النار أو بتغيير صفة النبي فيحدث من الله أو من الملائكة صفة في النار يقصر سخونتها على جسمها بحيث لا تتعداه فيبقى معها سخونتها وتكون على صورة النار وحقيقتها ولكن لا تتعدى سخونتها وأثرها أو يحدث في بدن الشخص صفة ولا يخرجه عن كونه لحماً وعظماً فيدفع أثر النار.
من يطلي نفسه بالطلق لا يتأثر بالنار
فإنا نرى من يطلي نفسه بالطلق ثم يقعد في تنور موقدة ولا يتأثر به. والذي لم يشاهد ذلك ينكره. فإنكار الخصم اشتمال القدرة على إثبات صفة من الصفات في النار أو في البدن يمنع الاحتراق كإنكار من لم يشاهد الطلق وأثره. وفي مقدورات الله غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها، فلم ينبغي أن ننكر إمكانها ونحكم باستحالتها؟
إن الله يغير الأشياء في وقت أقرب مما عهد فيه
وكذلك إحياء الميت وقلب العصا ثعباناً يمكن بهذا الطريق وهو أن المادة قابلة لكل شيء فالتراب وسائر العناصر يستحيل نباتاً ثم النبات يستحيل عند أكل الحيوان دماً ثم الدم يستحيل منياً ثم المني ينصب في الرحم فيتخلق حيواناً، وهذا بحكم العادة واقع في زمان متطاول فلم يحيل الخصم أن يكون في مقدور الله أن يدير المادة في هذه الأطوار في وقت أقرب مما عهد فيه، وإذا جاز في وقت أقرب فلا ضبط للأقل فتستعجل هذه القوى في عملها ويحصل به ما هو معجزة النبي.
стр. 153
اعتراض أيصدر هنا من نفس النبي أم من مبدأ آخر ؟
فإن قيل: وهذا يصدر من نفس النبي أو من مبدأ آخر من المبادئ عند اقتراح النبي.
قولنا من الله لإثبات النبوة
قلنا: وما سلمتموه من جواز نزول الأمطار والصواعق وتزلزل الأرض بقوة نفس النبي يحصل منه أو من مبدأ آخر. فقولنا في هذا كقولكم في ذاك والأولى بنا وبكم إضافة ذلك إلى الله إما بغير واسطة أو بواسطة الملائكة. ولكن وقت استحقاق حصولها انصراف همة النبي إليه وتعين نظام الخير في ظهوره لاستمرار نظام الشرع فيكون ذلك مرجحاً جهة الوجود ويكون الشيء في نفسه ممكناً والمبدأ به سمحاً جواداً، ولكن لا يفيض منه إلا إذا ترجحت الحاجة إلى وجوده وصار الخير، متعيناً فيه، ولا يصير الخير متعيناً فيه إلا إذا احتاج نبي في إثبات نبوته إليه لإفاضة الخير.
هذا لائق بمساق كلامهم ولازم لهم
فهذا كله لائق بمساق كلامهم ولازم لهم مهما فتحوا باب الاختصاص للنبي بخاصية تخالف عادة الناس، فإن مقادير ذلك الاختصاص لا ينضبط في العقل إمكانه فلم يجب معه التكذيب لما تواتر نقله وورد الشرع بتصديقه.
تقبل الصور مختلفة بسبب اختلاف الاستعداد
وعلى الجملة لما كان لا يقبل صورة الحيوان إلا النطفة وإنما تفيض القوى الحيوانية عليها من الملائكة التي هي مبادي الموجودات عندهم ولم يتخلق قط من نطفة الإنسان إلا إنسان ومن نطفة الفرس إلا فرس من حيث أن حصوله من الفرس أوجب ترجيحاً لمناسبة صورة الفرس على سائر الصور فلم يقبل إلا الصورة المترجحة بهذا الطريق، ولذلك لم ينبت قط من الشعير حنطة ولا من بذر الكمثرى تفاح. ثم رأينا أجناساً من الحيوانات تتولد من التراب ولا تتوالد قط كالديدان ومنها ما يتولد ويتوالد جميعاً كالفار والحية والعقرب وكان تولدها من التراب ويختلف استعدادها لقبول الصور بأمور غابت عنا ولم يكن في القوة البشرية الإطلاع عليها، إذ ليس تفيض الصور عندهم من الملائكة بالتشهي ولا جزافاً بل لا يفيض
стр. 154
على كل محل إلا ما تعين قبوله له بكونه مستعداً في نفسه، والاستعدادات مختلفة ومبادئها عندهم امتزاجات الكواكب واختلاف نسب الأجرام العلوية في حركاتها.
مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب
فقد انفتح من هذا أن مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب حتى توصل أرباب الطلسمات من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم إلى مزج القوى السماوية بالخواص المعدنية فاتخذوا أشكالاً من هذه الأرضية وطلبوا لها طالعاً مخصوصاً من الطوالع وأحدثوا بها أموراً غريبة في العالم فربما دفعوا الحية والعقرب عن بلد والبق عن بلد إلى غير ذلك من أمور تعرف من علم الطلسمات.
لماذا لا يحصل هذا في أقرب زمان فتكون معجزة ؟
فإذا خرجت عن الضبط مبادىء الاستعدادات ولم نقف على كنهها ولم يكن لنا سبيل إلى حصرها فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد في بعض الأجسام للاستحالة في الأطوار في أقرب زمان حتى يستعد لقبول صورة ما كان يستعد لها من قبل وينتهض ذلك معجزة؟ ما إنكار هذا إلا لضيق الحوصلة والأنس بالموجودات العالية والذهول عن أسرار الله سبحانه في الخلقة والفطرة، ومن استقرأ عجائب العلوم لم يستبعد من قدرة الله ما يحكى من معجزات الأنبياء بحال من الأحوال.
اعتراض إذا حددتم المحال هكذا
فإن قيل: فنحن نساعدكم على أن كل ممكن مقدور لله وأنتم تساعدون على أن كل محال فليس بمقدور، ومن الأشياء ما يعرف استحالتها ومنها ما يعرف إمكانها ومنها ما يقف العقل فلا يقضي فيه باستحالة ولا إمكان. فالآن ما حد المحال عندكم؟ فإن رجع إلى الجمع بين النفي والإثبات في شيء واحد فقولوا إن كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا فلا
стр. 155
يستدعي وجود أحدهما وجود الآخر.
فالله قادر على خلق المحال
وقولوا إن الله يقدر على خلق إرادة من غير علم بالمراد وخلق علم من غير حيوة ويقدر على أن يحرك يد ميت ويقعده ويكتب بيد مجلدات ويتعاطى صناعات وهو مفتوح العين محدق بصره نحوه ولكنه لا يرى ولا حيوة فيه ولا قدرة له عليه، وإنما هذه الأفعال المنظومة يخلقها الله تعالى مع تحريك يده والحركة من جهة الله، وبتجويز هذا يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية وبين الرعدة فلا يدل الفعل المحكم على العلم ولا على قدرة الفاعل.
وعلى قلب الأجناس
وينبغي أن يقدر على قلب الأجناس فيقلب الجوهر عرضاً ويقلب العلم قدرة والسواد بياضاً والصوت رائحة كما اقتدر على قلب الجماد حيواناً والحجر ذهباً، ويلزم عليه أيضاً من المحالات ما لا حصر له.
جوابنا لا
والجواب أن المحال غير مقدور عليه والمحال إثبات الشيء مع نفيه أو إثبات الأخص مع نفي الأعم أو إثبات الاثنين مع نفي الواحد، وما لا يرجع إلى هذا فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور.
المحال أن يجمع بين السواد والبياض
وأن يكون الشخص في مكانين ... الخ
أما الجمع بين السواد والبياض فمحال لأنا لا نفهم من إثبات صورة السواد في المحل نفي هيئة البياض ووجود السواد فإذا صار نفي البياض مفهوماً من إثبات السواد كان إثبات البياض مع نفيه محالاً. وإنما لا يجوز كون الشخص في مكانين لأنا نفهم من كونه في البيت عدم كونه في غير البيت فلا يمكن تقديره في غير البيت مع كونه في البيت المفهم لنفيه عن غير البيت.
стр. 156
وكذلك نفهم من الإرادة طلب معلوم فإن فرض طلب ولا علم لم تكن إرادة فكان فيه نفي ما فهمناه. والجماد يستحيل أن يخلق فيه العلم لأنا نفهم من الجماد ما لا يدرك فإن خلق فيه إدراك فتسميته جماداً بالمعنى الذي فهمناه محال وإن لم يدرك فتسميته الحادث علماً ولا يدرك به محله شيئاً محال فهذا وجه استحالته.
إن الله لا يقدر على قلب الأجناس، لعدم وجود مادة مشتركة
وأما قلب الأجناس فقد قال بعض المتكلمين أنه مقدور لله فنقول: مصير الشيء شيئاً آخر غير معقول لأن السواد إذا انقلب قدرة مثلاً فالسواد باق أم لا، فإن كان معدوماً فلم ينقلب بل عدم ذاك ووجد غيره وإن كان موجوداً مع القدرة فلم ينقلب ولكن انضاف إليه غيره وإن بقي السواد والقدرة معدومة فلم ينقلب بل بقي على ما هو عليه. وإذا قلنا: انقلب الدم منياً أردنا به أن تلك المادة بعينها خلعت صورة ولبست صورة أخرى فرجع الحاصل إلى أن صورة عدمت وصورة حدثت وثم مادة قائمة تعاقب عليها الصورتان. وإذا قلنا: انقلب الماء هواء بالتسخين أردنا به أن المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقبلت صورة أخرى فالمادة مشتركة والصفة متغيرة. وكذلك إذا قلنا: انقلب العصا ثعباناً والتراب حيواناً وليس بين العرض والجوهر مادة مشتركة ولا بين السواد والقدرة ولا بين سائر الأجناس مادة مشتركة فكان هذا محالاً من هذا الوجه.
стр. 157
إن الميت إذا حرك الله يده يكتب
وأما تحريك الله يد ميت ونصبه على صورة حي يقعد ويكتب حتى يحدث من حركة يده الكتابة المنظومة فليس بمستحيل في نفسه مهما أحلنا الحوادث إلى إرادة مختار وإنما هو مستنكر لاطراد العادة بخلافه.
لكن الدليل في علم الفاعل .
وقولكم: تبطل به دلالة أحكام الفعل على علم الفاعل، فليس كذلك فإن الفاعل الآن هو الله وهو المحكم وهو فاعل به.
يفرق بين الحركة المختارة والرعشة في أنفسنا وفي غيرنا
وأما قولكم إنه لا يبقى فرق بين الرعشة والحركة المختارة فنقول: إنما أدركنا ذلك من أنفسنا لأنا شاهدنا من أنفسنا تفرقة بين الحالتين فعبرنا عن ذلك الفارق بالقدرة فعرفنا أن الواقع من القسمين الممكنين أحدهما في حالة والآخر في حالة، وهو إيجاد الحركة مع القدرة عليها في حالة وإيجاد الحركة دون القدرة في حالة أخرى. وأما إذا نظرنا إلى غيرنا ورأينا حركات كثيرة منظومة حصل لنا علم بقدرتها، فهذه علوم يخلقها الله تعالى بمجاري العادات يعرف بها وجود أحد قسمي الإمكان ولا يتبين به استحالة القسم الثاني كما سبق.
стр. 158
مسألة في تعجيزهم عن إقامة البرهان العقلي
على أن النفس الإنساني جوهر روحاني قائم بنفسه لا يتحيز وليس بجسم ولا منطبع في الجسم ولا هو متصل بالبدن ولا هو منفصل عنه كما أن الله ليس خارج العالم ولا داخل العالم وكذى الملائكة عندهم
مذهبهم في القوى وأقسامها القوى المدركة هي باطنة
والخوض في هذا يستدعي شرح مذهبهم في القوى الحيوانية والإنسانية.
والقوى الحيوائية تنقسم عندهم إلى قسمين: محركة ومدركة.
والمدركة قسمان: ظاهرة وباطنة.
والظاهرة هي الحواس الخمسة وهي معان منطبعة في الأجسام، أعني هذه القوى.
وأما الباطنة فثلثة:
والباطنة تنقسم إلى خيالية
إحديها القوة الخيالية في مقدمة الدماغ وراء القوة الباصرة، وفيه تبقى صور الأشياء المرئية بعد تغميض العين، بل ينطبع فيها ما تورده الحواس الخمس فيجتمع فيه، ويسمى الحس المشترك لذلك. ولولاه لكان من رأى العسل الأبيض ولم يدرك حلاوته إلا بالذوق فإذا رآه ثانياً لا يدرك حلاوته ما لم يذق كالمرة الأولى، ولكن فيه معنى يحكم بأن هذا الأبيض هو الحلو، فلا بد وأن يكون عنده حاكم قد اجتمع عنده الأمر أعني اللون
стр. 159
والحلاوة حتى قضى عند وجود أحدهما بوجود الآخر.
ووهمية
والثانية القوة الوهمية وهي التي تدرك المعاني، وكان القوة الأولى تدرك الصور. والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة أي جسم، والمراد بالمعاني ما لا يستدعي وجوده جسماً ولكن قد يعرض له أن يكون جسم كالعداوة والموافقة، فإن الشاة تدرك من الذب لونه وشكله وهيئته، وذلك لا يكون إلا في جسم، وتدرك أيضاً كونه مخالفاً لها. وتدرك السخلة شكل الأم ولونه ثم تدرك موافقته وملايمته ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الأم. والمخالفة والموافقة ليس من ضرورتها أن تكون في الأجسام لا كاللون والشكل ولكن قد يعرض لها أن تكون في الأجسام أيضاً فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية وهذا محله التجويف الأخير من الدماغ.
ومتخيلة-مفكرة
أما الثالثة فهي القوة التي تسمى في الحيوانات متخيلة وفي الإنسان مفكرة وشأنها أن تركب الصور المحسوسة بعضها مع بعض وتركب المعاني على الصور، وهي في التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني. ولذلك يقدر الإنسان على أن يتخيل فرساً يطير وشخصاً رأسه رأس إنسان وبدنه بدن فرس إلى غير ذلك من التركيبات وإن لم يشاهد مثل ذلك، والأولى أن تلحق هذه القوة بالقوى المحركة كما سيأتي لا بالقوى المدركة، وإنما عرفت مواضع هذه القوى بصناعة الطب فإن الآفة إذا نزلت بهذه التجويفات اختلت هذه الأمور.
وإليها تضم القوة الحافظة والقوة الذاكرة
ثم زعموا أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات بالحواس الخمس تحفظ تلك الصور حتى تبقى بعد القبول، والشيء يحفظ الشيء لا بالقوة التي بها يقبل، فإن الماء يقبل ولا يحفظ والشمع يقبل برطوبته ويحفظ بيبوسته
стр. 160
بخلاف الماء، فكانت الحافظة بهذا الاعتبار غير القابلة فتسمى هذه قوة حافظة. وكذى المعاني تنطبع في الوهمية وتحفظها قوة تسمى ذاكرة فتصير الإدراكات الباطنة بهذا الاعتبار إذا ضم إليها المتخيلة خمسة كما كانت الظاهرة خمسة.
والقوى المتحركة تنقسم إلى باعثة شهوانية وغضبية
وأما القوى المحركة فتنقسم إلى محركة على معنى أنها باعثة على الحركة وإلى محركة على معنى أنها مباشرة للحركة فاعلة.
والمحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية الشوقية وهي التي إذا ارتسم في القوة الخيالية التي ذكرناها صورة مطلوب أو مهروب عنه بعثت القوة المحركة الفاعلة على التحريك. ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية أو نافعة طلباً للذة، وشعبة تسمى قوة غضبية وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضاراً أو مفسداً طلباً للغلبة. وبهذه القوة يتم الإجماع التام على الفعل المسمى إرادة.
وفاعلة
وأما القوة المحركة على أنها فاعلة هي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة بالأعضاء
стр. 161
إلى جهة الموضع الذي فيه القوة أو ترخيها وتمددها طولاً فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف الجهة. فهذه قوى النفس الحيوانية على طريق الإجمال وترك التفصيل.
للنفس العاقلة قوتان عملية ونظرية
فأما النفس العاقلة الإنسانية المسماة الناطقة عندهم، والمراد بالناطقة العاقلة لأن النطق أخص ثمرات العقل في الظاهر، فنسبت إليه فلها قوتان: قوة عالمة وقوة عاملة، وقد يسمى كل واحدة عقلاً ولكن باشتراك الاسم. فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات المرتبة الإنسانية المستنبط ترتيبها بالروية الخاصة بالإنسان. وأما العالمة فهي التي تسمى النظرية وهي قوة من شأنها أن تدرك حقائق المعقولات المجردة عن المادة والمكان والجهات، وهي القضايا الكلية التي يسميها المتكلمون أحوالاً مرة ووجودها أخرى وتسميها الفلاسفة الكليات المجردة.
الأول ى تنقاد للبدن، والثانية مأخوذة من الملائكة
فإذن للنفس قوتان بالقياس إلى جنبتين: القوة النظرية بالقياس إلى جنبة الملائكة إذ بها تأخذ من الملائكة العلوم الحقيقية، وينبغي أن تكون هذه القوة دائمة القبول من جهة فوق. والقوة العملية لها بالنسبة إلى أسفل وهي جهة البدن وتدبيره وإصلاح الأخلاق، وهذه القوة ينبغي أن تتسلط على سائر القوى البدنية وأن تكون سائر القوى متأدبة بتأديبها مقهورة دونها حتى لا تنفعل ولا تتأثر هي عنها بل تنفعل تلك القوى عنها لئلا يحدث في النفس من الصفات البدنية
стр. 162
هيآت انقيادية تسمى رذائل بل تكون هي الغالبة ليحصل للنفس بسببها هيآت تسمى فضائل.
هذه كلها لا تنكر
فهذا إيجاز ما فصلوه من القوى الحيوانية والإنسانية وطولوا بذكرها مع الإعراض عن ذكر القوى النباتية إذ لا حاجة إلى ذكرها في غرضنا. وليس شيء مما ذكروه مما يجب إنكاره في الشرع فإنها أمور مشاهدة أجرى الله العادة بها.
اعتراضنا عليهم لأنهم يقصدون الدلالة
وإنما نريد أن نعترض الآن على دعواهم معرفة كون النفس جوهراً قائماً بنفسه ببراهين العقل. ولسنا نعترض اعتراض من يبعد ذلك من قدرة الله أو يرى أن الشرع جاء بنقيضه بل ربما نبين في تفصيل الحشر والنشر أن الشرع مصدق له، ولكنا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه.
فلنطالبهم بالأدلة ولهم فيه براهين كثيرة بزعمهم.
الأول
دليلهم الأول أن محل العلم لا ينقسم، فهو ليس جسماً
قولهم إن العلوم العقلية تحل محل النفس الإنساني وهي محصورة وفيها آحاد لا تنقسم فلا بد وأن يكون محله أيضاً لا ينقسم، وكل جسم فمنقسم فدل أن محله شيء لا ينقسم. ويمكن إيراد هذا على شرط المنطق بأشكاله ولكن أقربه أن يقال إن كان محل العلم جسماً منقسماً فالعلم الحال أيضاً منقسم لكن العلم الحال غير منقسم فالمحل ليس جسماً. وهذا هو قياس شرطي استثنى فيه نقيض التالي
стр. 163
فينتج نقيض المقدم بالاتفاق فلا نظر في صحة شكل القياس ولا أيضاً في المقدمتين فإن الأول قولنا إن كل حال في منقسم ينقسم لا محالة بفرض القسمة في محله وهو أولي لا يمكن التشكك فيه، والثاني قولنا إن العلم الواحد يحل في الآدمي وهو لا ينقسم لأنه لو انقسم إلى غير نهاية كان محالاً وإن كان له نهاية فيشتمل على آحاد لا محالة لا تنقسم. وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ولا نقدر أن نفرض زوال بعضها وبقاء بعض من حيث أنه لا بعض لها.
اعتراضنا لماذا لا يكون محل العلم جوهراً فرداً ؟
والاعتراض على مقامين: المقام الأول أن يقال: بم تنكرون على من يقول. محل العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم، وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين. ولا يبقى بعده إلا استبعاد وهو أنه كيف تحل العلوم كلها في جوهر فرد وتكون جميع الجواهر المطيفة بها معطلة مجاورة. والاستبعاد لا خير فيه إذ يتوجه على مذهبهم أيضاً أنه كيف تكون النفس شيئاً واحداً لا يتحيز ولا يشار إليه ولا يكون داخل البدن ولا خارجه ولا متصلاً بالجسم ولا منفصلاً عنه.
لكن هذه المسألة يطول حلها
إلا أنا لا نؤثر هذا المقام فإن القول في مسألة الجزء الذي لا يتجزى طويل ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ومن جملتها قولهم: جوهر فرد بين جوهرين، هل يلاقي أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر أو غيره؟ فإن كان عينه فهو محال إذ يلزم منه تلاقي الطرفين فإن ملاقي الملاقي ملاق، وإن كان ما يلاقيه غيره ففيه إثبات التعدد والانقسام، وهذه شبهة يطول حلها وبنا غنية عن الخوض فيها، فلنعدل إلى مقام آخر.
стр. 164
إن الشاة تدرك عداوة الذئب وهي لا تنقسم
المقام الثاني أن نقول: ما ذكرتموه من أن كل حال في جسم فينبغي أن ينقسم باطل عليكم بما تدركه القوة من الشاة من عداوة الذئب فإنها في حكم شيء وحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه، وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا تبقى بعد الموت. وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة.
قد يقال ليس الكلام عن العداوة المجردة
فإن قيل: الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة بل تدرك عداوة الذئب المعين المشخص مقروناً بشخصه وهيكله. والقوة العاقلة تدرك الحقائق مجردة عن المواد والأشخاص.
الإدراك لا ينقسم
قلنا: الشاة قد أدركت لون الذئب وشكله ثم عداوته، فإن كان اللون ينطبع في القوة الباصرة وكذى الشكل وينقسم بانقسام محل البصر فالعداوة بماذى تدركها؟ فإن أدرك بجسم فلينقسم وليت شعري ما حال ذلك الإدراك إذا قسم، وكيف يكون بعضه؟ أهو إدراك لبعض العداوة فكيف يكون لها بعض؟ أو كل قسم إدراك لكل العداوة فتكون العداوة معلومة مراراً بثبوت إدراكها في كل قسم من أقسام المحل. فإذن هذه شبهة مشكلة لهم في برهانهم فلا بد من الحل.
قد يقال لا شك في المقدمتين
فإن قيل: هذه مناقضة في المعقولات والمعقولات لا تنقض فإنكم مهما لم تقدروا على الشك في المقدمتين، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم، لم يمكنكم الشك في النتيجة.
جوابنا بينا أن أقوالهم تتناقض
والجواب أن هذا الكتاب ما صنفناه إلا لبيان التهافت والتناقض في كلام الفلاسفة، وقد حصل إذ انتقض به أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة أو ما ذكروه في القوة الوهمية.
стр. 165
ليس العلم كاللون
ثم نقول: هذه المناقضة تبين أنهم غفلوا عن موضع تلبيس في القياس ولعل موضع الالتباس قولهم إن العلم منطبع في الجسم انطباع اللون في المتلون، وينقسم اللون بانقسام المتلون فينقسم العلم بانقسام محله. والخلل في لفظ الانطباع إذ يمكن أن لا تكون نسبة العلم إلى محله كنسبة اللون إلى المتلون حتى يقال إنه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر في جوانبه فينقسم بانقسامه. فلعل نسبة العلم إلى محله على وجه آخر وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام عند انقسام المحل بل نسبته إليه كنسبة إدراك العداوة إلى الجسم. ووجوه نسبة الأوصاف إلى محلها ليست محصورة في فن واحد ولا هي معلومة التفاصيل لنا علماً نثق به، فالحكم عليه دون الإحاطة بتفصيل النسبة حكم غير موثوق به.
لا دليل لهم
وعلى الجملة لا ينكر أن ما ذكروه مما يقوي الظن ويغلبه وإنما ينكر كونه معلوماً يقيناً علماً لا يجوز الغلط فيه ولا يتطرق إليه الشك وهذا القدر مشكك فيه.
دليل ثان
دليلهم الثاني للعلم نسبة إلى العالم
قالوا: إن كان العلم بالمعلوم الواحد العقلي وهو المعلوم المجرد عن المواد منطبعاً في المادة انطباع الأعراض في الجوهر الجسمانية لزم انقسامه بالضرورة بانقسام الجسم كما سبق، وإن لم يكن منطبعاً فيه ولا منبسطاً عليه واستكره لفظ الانطباع فنعدل إلى عبارة أخرى ونقول: هل للعلم نسبة إلى العالم أم لا؟ ومحال قطع النسبة فإنه إن قطعت النسبة عنه فكونه عالماً به لم صار أولى من كون غيره عالماً؟
وهذه النسبة تكون من ثلاثة أقسام
إما إلى الكل أو إلى البعض أو لا تكون، وثلاثتها باطلة
وإن كان له نسبة فلا يخلوا من ثلثة أقسام: إما أن تكون النسبة لكل جزء من أجزاء المحل
стр. 166
أو تكون لبعض أجزاء المحل دون البعض أو لا يكون لواحد من الأجزاء نسبة إليه. وباطل أن يقال: لا نسبة لواحد من الأجزاء، فإنه إذا لم يكن للآحاد نسبة لم يكن للمجموع نسبة فإن المجتمع من المباينات مباين. وباطل أن يقال: النسبة للبعض، فإن الذي لا نسبة له ليس هو من معناه في شيء وليس كلامنا عنه. وباطل أن يقال: لكل جزء مفروض نسبة إلى الذات، لأنه إن كانت النسبة إلى ذات العلم بأسره فمعلوم كل واحد من الأجزاء ليس هو جزءاً من المعلوم كما هو فيكون معقولاً مرات لا نهاية لها بالفعل، وإن كان كل جزء له نسبة أخرى غير النسبة التي للجزء الآخر إلى ذات العلم فذات العلم إذن منقسمة في المعنى، وقد بينا أن العلم بالمعلوم الواحد من كل وجه لا ينقسم في المعنى، وإن كان نسبة كل واحد إلى شيء من ذات العلم غير ما إليه نسبة الآخر فانقسام ذات العلم بهذا أظهر وهو محال.
في الحس أقسام
ومن هذا يتبين أن المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس لا تكون إلا أمثلة لصور جزئية منقسمة، فإن الإدراك معناه حصول مثال المدرك في نفس المدرك، ويكون لكل جزء من مثال المحسوس نسبة إلى جزء من الآلة الجسمانية.
اعتراضنا وهذا شأن عداوة الذئب
والاعتراض على هذا ما سبق فإن تبديل لفظ الانطباع بلفظ النسبة لا يدرأ الشبهة فيما ينطبع في القوة الوهمية للشاة من عداوة الذئب كما ذكروه فإنه إدراك لا محالة وله نسبة إليه، ويلزم في تلك النسبة ما ذكرتموه
стр. 167
فإن العداوة ليس أمراً مقدراً له كمية مقدارية حتى ينطبع مثالها في جسم مقدر وتنتسب أجزاؤها إلى أجزائه، وكون شكل الذئب مقدراً لا يكفي فإن الشاة أدركت شيئاً سوى شكله وهو المخالفة والمضادة والعداوة، والزيادة على الشكل من العداوة ليس لها مقدار وقد أدركته بجسم مقدر. فهذه الصور مشككة في هذا البرهان كما في الأول.
قد يقال هلا تعترضون على الجوهر الفرد ؟
فإن قال قائل: هلا دفعتم هذه البراهين بأن العلم يحل من الجسم في جوهر متحيز لا يتجزى وهو الجزء الفرد.
جوابنا هذا البحث طويل لا فائدة فيه
قلنا: لأن الكلام في الجوهر الفرد يتعلق بأمور هندسية يطول القول في حلها. ثم ليس فيه ما يدفع الإشكال فإنه يلزم أن تكون القدرة والإرادة أيضاً في ذلك الجزء فإن للإنسان فعلاً ولا يتصور ذلك إلا بقدرة وإرادة ولا يتصور الإرادة إلا بعلم وقدرة الكتابة في اليد والأصابع، والعلم بها ليس في اليد إذ لا يزول بقطع اليد ولا إرادتها في اليد فإنه قد يريدها بعد شلل اليد وتتعذر لا لعدم الإرادة بل لعدم القدرة.
دليل ثالث
دليلهم الثالث الإنسان دون الجزء هو العالم
قولهم: العلم لو كان في جزء من الجسم لكان العالم ذلك الجزء دون سائر أجزاء الإنسان، والإنسان يقال له عالم والعالمية صفة له على الجملة من غير نسبة إلى محل مخصوص
جوابنا وهو المبصر !
وهذا هوس فإنه يسمى مبصراً وسامعاً وذائقاً، وكذى البهيمة توصف به وذلك لا يدل على أن إدراك المحسوسات ليس بالجسم بل هو نوع من التجوز كما يقال فلان في بغداذ وإن كان هو في جزء من جملة بغداذ لا في جملتها ولكن يضاف إلى الجملة.
стр. 168
دليل رابع
دليلهم الرابع قد يكون العلم والجهل في المحل الواحد
إن كان العلم يحل جزءاً من القلب أو الدماغ مثلاً فالجهل ضده فينبغي أن يجوز قيامه بجزء آخر من القلب أو الدماغ ويكون الإنسان في حالة واحدة عالماً وجاهلاً بشيء واحد، فلما استحال ذلك تبين أن محل الجهل هو محل العلم وأن ذلك المحل واحد يستحيل اجتماع الضدين فيه فإنه لو كان منقسماً لما استحال قيام الجهل ببعضه والعلم ببعضه لأن الشيء في محل لا يضاده ضده في محل آخر، كما تجتمع البلقة في الفرس الواحد والسواد والبياض في العين الواحدة ولكن في محلين.
الحواس لا ضد لإدراكاتها
ولا يلزم هذا في الحواس فإنه لا ضد لإدراكاتها ولكنه قد يدرك وقد لا يدرك فليس بينهما إلا تقابل الوجود والعدم. فلا جرم نقول: يدرك ببعض أجزائه كالعين والأذن ولا يدرك بسائر بدنه، وليس فيه تناقض.
في المحل الواحد بغير المجاز
ولا يغني عن هذا قولكم إن العالمية مضادة للجاهلية، والحكم عام لجميع البدن إذ يستحيل أن يكون الحكم في غير محل العلة فالعالم هو المحل الذي قام العلم به، فإن أطلق الاسم على الجملة فبالمجاز، كما يقال: هو في بغداذ وإن كان هو في بعضها، وكما يقال: مبصر، وإن كنا بالضرورة نعلم أن حكم الإبصار لا يثبت للرجل واليد بل يختص بالعين، وتضاد الأحكام كتضاد العلل فإن الأحكام تقتصر على محل العلل.
في المحل المهيأ لكل من العلم والجهل
ولا يخلص من هذا قول القائل إن المحل المهيأ لقبول العلم والجهل من الإنسان واحد فيتضادان عليه، فإن عندكم أن كل جسم فيه حيوة فهو قابل للعلم والجهل ولم تشترطوا سوى الحيوة شريطة أخرى، وسائر أجزاء البدن
стр. 169
عندكم في قبول العلم على وتيرة واحدة.
اعتراضنا ولا تكون الشهوة والنفرة في المحل الواحد
الاعتراض أن هذا ينقلب عليكم في الشهوة والشوق والإرادة فإن هذه الأمور تثبت للبهائم والإنسان، وهي معان تنطبع في الجسم، ثم يستحيل أن ينفر عما يشتاق إليه فيجتمع فيه النفرة والميل إلى شيء واحد بوجود الشوق في محل والنفرة في محل آخر، وذلك لا يدل على أنها لا تحل الأجسام وذلك لأن هذه القوى وإن كانت كثيرة ومتوزعة على آلات مختلفة فلها رابطة واحدة وهي النفس، وذلك للبهيمة والإنسان جميعاً، وإذا اتحدت الرابطة استحالت الإضافات المتناقضة بالنسبة إليه، وهذا لا يدل على كون النفس غير منطبع في الجسم كما في البهائم.
دليل خامس
دليلهم الخامس لولا ذلك لما عقل العقل نفسه
قولهم: إن كان العقل يدرك المعقول بآلة جسمانية فهو لا يعقل نفسه والتالي محال فإنه يعقل نفسه فالمقدم محال.
جوابنا ما الدليل عليه ؟
قلنا: مسلم أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم ولكن إذا ثبت اللزوم بين التالي والمقدم،، بل نقول: ما يسلم لزوم التالي وما الدليل عليه؟
قد يقال الإبصار لا يبصر
فإن قيل: الدليل عليه أن الإبصار لما كان بجسم فالإبصار لا يتعلق بالأبصار فالرؤية لا ترى والسمع لا يسمع وكذى سائر الحواس. فإن كان العقل أيضاً لا يدرك إلا بجسم فلم يدرك نفسه، والعقل كما يعقل غيره يعقل نفسه فإن الواحد منا كما يعقل غيره يعقل نفسه ويعقل أنه عقل غيره وأنه عقل نفسه.
جوابنا هذا يجوز بخرق العادات
قلنا: ما ذكرتموه فاسد من وجهين:
стр. 170
أحدهما أن الإبصار عندنا يجوز أن يتعلق بنفسه فيكون إبصاراً لغيره ولنفسه كما يكون العلم الواحد علماً بغيره وعلماً بنفسه. ولكن العادة جارية بخلاف ذلك وخرق العادات عندنا جائز.
فيكون حاسة منفردة
والثاني وهو أقوى أنا سلمنا هذا في الحواس ولكن لم إذا امتنع ذلك في بعض الحواس يمتنع في بعض؟ وأي بعد في أن يفترق حكم الحواس في وجه الإدراك مع اشتراكها في أنها جسمانية،؟ كما اختلف البصر واللمس في أن اللمس لا يفيد الإدراك إلا باتصال الملموس بالآلة اللامسة، وكذى الذوق ويخالفه البصر فإنه يشترط فيه الانفصال حتى لو أطبق أجفانه لم ير لون الجفن لأنه لم يبعد عنه، وهذا الاختلاف لا يوجب الاختلاف في الحاجة إلى الجسم فلا يبعد أن يكون في الحواس الجسمانية ما يسمى عقلاً ويخالف سائرها في أنها تدرك نفسها.
دليل سادس
دليلهم السادس لولا ذلك لما أدرك العقل القلب
قالوا: لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية كالأبصار لما أدرك آلته كسائر الحواس ولكنه يدرك الدماغ والقلب وما يدعى آلته، فدل أنه ليس آلة له ولا محلاً وإلا لما أدركه.
اعتراضنا كما سبق
والاعتراض على هذا كالاعتراض على الذي قبله. فإنا نقول: لا يبعد أن يدرك الإبصار محله ولكنه حوالة على العادة. أو نقول: لم يستحيل أن تفترق الحواس في هذا المعنى وإن اشتركت في الانطباع في الأجسام كما سبق؟ ولم قلتم أن ما هو قائم في جسم
стр. 171
يستحيل أن يدرك الجسم الذي هو محله ولم يلزم أن يحكم من جزئي معين على كلي مرسل؟
لا يحكم ببعض الحواس على جميعها
ومما عرف بالاتفاق بطلانه وذكر في المنطق أن يحكم بسبب جزئي أو جزئيات كثيرة على كلي حتى مثلوه بما إذا قال الإنسان إن كل حيوان فإنه يحرك عند المضغ فكه الأسفل لأنا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك، فيكون ذلك لغفلته عن التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى وهؤلاء لم يستقرئوا إلا الحواس الخمس، فوجدوها على وجه معلوم فحكموا على الكل به. فلعل العقل حاسة أخرى تجري من سائر الحواس مجرى التمساح من سائر الحيوانات، فتكون إذن الحواس مع كونها جسمانية منقسمة إلى ما يدرك محلها وإلى ما لا يدرك كما انقسمت إلى ما يدرك مدركه من غير مماسة كالبصر وإلى ما لا يدرك إلا باتصال كالذوق واللمس. فما ذكروه أيضاً إن أورث ظناً فلا يورث يقيناً موثوقاً به.
قد يقال على العقل أن يدرك القلب دائماً إما ألا يدركه أبداً
فإن قيل: لسنا نعول على مجرد الاستقراء للحواس بل نعول على البرهان ونقول: لو كان القلب أو الدماغ هو نفس الإنسان لكان لا يعزب عنه إدراكهما حتى لا يخلوا عن أن يعقلهما جميعاً كما أنه لا يخلوا عن إدراك نفسه، فإن أحداً لا يعزب ذاته عن ذاته بل يكون مثبتاً لنفسه في نفسه أبداً، والإنسان ما لم يسمع حديث القلب والدماغ أو لم يشاهد بالتشريح من إنسان آخر لا يدركهما ولا يعتقد وجودهما. فإن كان العقل حالاً في جسم فينبغي أن يعقل ذلك الجسم أبداً أو لا يدركه أبداً وليس واحد من الأمرين بصحيح بل يعقل حالة ولا يعقل حالة.
стр. 172
فهناك نسبة واحدة
وهذا التحقيق وهو أن الإدراك الحال في محل إنما يدرك المحل لنسبة له إلى المحل، ولا يتصور أن يكون له نسبة إليه سوى الحلول فيه فليدركه أبداً، وإن كان هذه النسبة لا تكفي فينبغي أن لا يدرك أبداً إذ لا يمكن أن يكون له نسبة أخرى إليه كما أنه لما أن كان يعقل نفسه عقل نفسه أبداً ولم يغفل عنه بحال.
جوابنا الإنسان يشعر بجسده
قلنا: الإنسان ما دام يشعر بنفسه ولا يغفل عنه فإنه يشعر بجسده وجسمه. نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته وشكله ولكنه يثبت نفسه جسماً حتى يثبت نفسه في ثيابه وفي بيته، والنفس الذي ذكروه لا يناسب البيت والثوب.
دائماً وإن على وجه غير معين
فإثباته لأصل الجسم ملازم له وغفلته عن شكله واسمه كغفلته عن محل الشم وإنهما زائدتان في مقدم الدماغ شبيهتين بحلمتي الثدي، فإن كل إنسان يعلم أنه يدرك الرائحة بجسمه ولكن محل الإدراك لا يتشكل له ولا يتعين وإن كان يدرك أنه إلى الرأس أقرب منه إلى العقب ومن جملة الرأس إلى داخل الأنف أقرب منه إلى داخل الأذن. فكذلك يشعر الإنسان بنفسه ويعلم أن هويته التي بها قوامه إلى قلبه وصدره أقرب منه إلى رجله فإنه يقدر نفسه باقياً مع عدم الرجل ولا يقدر على تقدير نفسه باقياً مع عدم القلب، فما ذكروه من أنه يغفل عن الجسم تارة وتارة لا يغفل عنه ليس كذلك.
دليل سابع
دليلهم السابع أن القوى الآلية يعرض لها من المواظبة على العمل كلال
قالوا القوى الدراكة بالآلات الجسمانية يعرض لها من المواظبة على العمل بإدامة الإدراك كلال لأن إدامة الحركة تفسد مزاج الأجسام فتكلها، وكذلك الأمور القوية الجلية الإدراك توهنها وربما تفسدها حتى لا تدرك عقيبها الأخفى الأضعف كالصوت العظيم للسمع والنور العظيم
стр. 173
للبصر فإنه ربما يفسد أو يمنع عقيبه من إدراك الصوت الخفي والمرئيات الدقيقة، بل من ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعده بحلاوة دونه.
والأمر في القوة العقلية بالعكس
والأمر القوة العقلية بالعكس فإن إدامتها للنظر إلى المعقولات لا يتعبها ودرك الضروريات الجلية يقويها على درك النظريات الخفية ولا يضعفها، وإن عرض لها في بعض الأوقات كلال فذلك لاستعمالها القوة الخيالية واستعانتها بها فتضعف آلة القوة الخيالية فلا تخدم العقل.
قولنا الحواس تختلف بعضها عن بعض
وهذا من الطراز السابق فإنا نقول: لا يبعد أن تختلف الحواس الجسمانية في هذه الأمور فليس ما يثبت منها للبعض يجب أن يثبت للآخر، بل لا يبعد أن تتفاوت الأجسام فيكون منها ما يضعفها نوع من الحركة ومنها ما يقويها نوع من الحركة ولا يوهنها وإن كان يؤثر فيها فيكون ثم سبب يجدد قوتها بحيث لا تحس بالأثر فيها. فكل هذا ممكن إذا الحكم الثابت لبعض الأشياء ليس يلزم أن يثبت لكله.
دليل ثامن
دليلهم الثامن العقل لا تعتريه الشيخوخة
قالوا: أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشو والوقوف عند الأربعين سنة فما بعدها فيضعف البصر والسمع وسائر القوى والقوة العقلية في أكثر الأمر إنما تقوى بعد ذلك.
يعوقه المرض
ولا يلزم على هذا تعذر النظر في المعقولات عند حلول المرض في البدن وعند الخرف بسبب الشيخوخة، فإنه مهما بان أنه يتقوى مع ضعف البدن في بعض الأحوال فقد بان قوامه بنفسه، فتعطله عند تعطل البدن لا يوجب
стр. 174
كونه قائماً بالبدن فإن استثناء عين التالي لا ينتج فإنا نقول: إن كانت القوة العقلية قائمة بالبدن فيضعفها ضعف البدن بكل حال والتالي محال فالمقدم محال. وإذا قلنا: التالي موجود في بعض الأحوال، فلا يلزم أن يكون المقدم موجوداً.
ولهذا الأمر مدلول
ثم السبب فيه أن النفس لها فعل بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يشغلها شاغل، فإن للنفس فعلين: فعل بالقياس إلى البدن وهو السياسة له وتدبيره وفعل بالقياس إلى مبادئه وإلى ذاته وهو إدراك المعقولات، وهما متمانعان متعاندان فمهما اشتغل بأحدهما انصرف عن الآخر وتعذر عليه الجمع بين الأمرين. وشواغله من جهة البدن الإحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع، فإذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل هذه الأشياء الأخر. بل مجرد الحس قد يمنع من إدراك العقل ونظره من غير أن يصيب آلة العقل شيء أو يصيب ذاتها آفة، والسبب في كل ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ولذلك يتعطل نظر العقل عند الوجع والمرض والخوف فإنه أيضاً مرض في الدماغ. وكيف يستبعد التمانع في اختلاف جهتي فعل النفس؟ وتعدد الجهة الواحدة قد يوجب التمانع فإن الفرق يذهل عن الوجع والشهوة عن الغضب والنظر في معقول عن معقول آخر.
إذا عاد المريض صحيحاً عاد العلم من غير استئناف تعلم
وآية أن المرض الحال في البدن ليس يتعرض لمحل العلوم، أنه إذا عاد صحيحاً لم يفتقر إلى تعلم العلوم من رأس بل تعود هيئة نفسه كما كانت وتعود تلك العلوم بعينها من غير استئناف تعلم.
стр. 175
اعتراضنا هناك أسباب كثيرة لزيادة بعض الحواس
والاعتراض أن نقول: نقصان القوى وزيادتها لها أسباب كثيرة لا تنحصر، فقد يقوى بعض القوى في ابتداء العمر وبعضها في الوسط وبعضها في الآخر وأمر العقل أيضاً كذلك. فلا يبقى إلا أن يدعى الغالب.
مثل الشم
ولا بعد في أن يختلف الشم والبصر في أن الشم يقوى بعد الأربعين والبصر يضعف وإن تساويا في كونهما حالين في الجسم، كما تتفاوت هذه القوى في الحيوانات فيقوى الشم من بعضها والسمع من بعضها والبصر من بعضها لاختلاف في أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه، فلا يبعد أن يكون مزاج الآلات أيضاً يختلف في حق الأشخاص وفي حق الأحوال.
والعقل
ويكون أحد الأسباب في سبق الضعف إلى البصر دون العقل أن البصر أقدم فإنه مبصر في أول فطرته ولا يتم عقله إلا بعد خمسة عشر سنة أو زيادة على ما يشاهد اختلاف الناس فيه، حتى قيل إن الشيب إلى شعر الرأس أسبق منه إلى شعر اللحية لأن شعر الرأس أقدم. فهذه الأسباب إن خاض الخائض فيها ولم يرد هذه الأمور إلى مجاري العادات فلا يمكن أن ينبنى عليها علم موثوق به لأن جهات الاحتمال فيما تزيد بها القوى أو تضعف لا تنحصر فلا يورث شيء من ذلك يقيناً.
دليل تاسع
دليلهم التاسع مهما تبدل الجسم فالإنسان يبقى بعينه ومعه علوم
قالوا: كيف يكون الإنسان عبارة عن الجسم مع عوارضه؟ وهذه الأجسام لا تزال تنحل والغذاء يسد مسد ما ينحل، حتى إذا رأينا صبياً انفصل من الجنين فيمرض مراراً ويذبل ثم يسمن وينموا فيمكننا أن نقول: لم يبق فيه بعد الأربعين شيء من الأجزاء التي كانت موجودة عند الانفصال بل كان أول وجوده من أجزاء المني فقط ولم يبق فيه شيء من أجزاء المني بل انحل كل ذلك وتبدل بغيره. فيكون هذا الجسم غير ذلك الجسم. ونقول:
стр. 176
هذا الإنسان هو ذلك الإنسان بعينه وحتى أنه يبقى معه علوم من أول صباه ويكون قد تبدل جميع أجسامه. فدل أن للنفس وجوداً سوى البدن وأن البدن آلته.
وكلك الشجرة
الاعتراض أن هذا ينتقض بالبهيمة والشجرة إذا قيست حالة كبرهما بحالة الصغر فإنه يقال إن هذا ذاك بعينه، كما يقال في الإنسان، وليس يدل ذلك على أن له وجوداً غير الجسم.
وتبقى الصور المتخيلة
وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة فإنه يبقى في الصبي إلى الكبر وإن تبدل سائر أجزاء الدماغ فإن زعموا أنه لم يتبدل سائر أجزاء الدماغ فكذى سائر أجزاء القلب وهما من البدن فكيف يتصور أن يتبدل الجميع؟
والإنسان يبقى منه شيء
بل نقول: الإنسان وإن عاش مائة سنة مثلاً فلا بد وأن يكون قد بقي فيه أجزاء من النطفة فأما أن تنمحى عنه فلا فهو ذلك الإنسان باعتبار ما بقي، كم أنه يقال: هذا ذاك الشجر وهذا ذاك الفرس، ويكون بقاء المني مع كثرة التحلل والتبدل.
مثل الماء الذي تصب عليه وتأخذ منه
مثاله ما إذا صب في موضع رطل من الماء ثم صب عليه رطل آخر حتى اختلط به ثم أخذ منه رطل ثم صب عليه رطل آخر ثم أخذ منه رطل
стр. 177
ثم لا يزال يفعل كذلك ألف مرة فنحن في المرة الأخيرة نحكم بأن شيئاً من الماء الأول باق وأنه ما من رطل يؤخذ منه إلا وفيه شيء من ذلك الماء لأنه كان موجوداً في الكرة الثانية، والثالثة قريبة من الثانية والرابعة من الثالثة وهكذى إلى الآخر. وهذا على أصلهم ألزم حيث جوزوا انقسام الأجسام إلى غير نهاية، فانصباب الغذاء في البدن وانحلال أجزاء البدن يضاهي صب الماء في هذا الإناء واغترافه عنه.
دليل عاشر
دليلهم العاشر في العقل كليات عامة
قالوا: القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون أحوالاً فتدرك الإنسان المطلق عند مشاهدة الحس لشخص إنسان معين وهو غير الشخص المشاهد فإن المشاهد في مكان مخصوص ولون مخصوص ومقدار مخصوص ووضع مخصوص، والإنسان المعقول المطلق مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه كل ما ينطلق عليه اسم الإنسان وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ومكانه، بل الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه، بل لو عدم الإنسان يبقى حقيقة الإنسان في العقل مجرداً عن هذه الخواص، وهكذى كل شيء شاهده الحس مشخصاً فيحصل منه للعقل حقيقة ذلك الشخص كلياً مجرداً عن المواد والأوضاع حتى تنقسم أوصافه إلى ما هو ذاتي كالجسمية للشجر والحيوان والحيوانية للإنسان وإلى ما هو عرضي له كالبياض والطول للإنسان والشجر، ويحكم بكونه ذاتياً وعرضياً على جنس الإنسان والشجر وكل ما يدرك لا على الشخص المشاهد،
стр. 178
فدل أن الكلي المجرد عن القرائن المحسوسة معقولة عنده وثابتة في عقله.
تجردها عن القرائن المحسوسة تتعلق بالنفس المجردة
وذلك الكلي المعقول لا إشارة إليه ولا وضع له ولا مقدار، فإما أن يكون تجرده عن الوضع والمادة بالإضافة إلى المأخوذ منه وهو محال فإن المأخوذ منه ذو وضع وأين ومقدار، وإما أن يكون بالإضافة إلى الآخذ وهو النفس العاقلة فينبغي أن لا يكون للنفس وضع ولا إليه إشارة ولا له مقدار، وإلا لو ثبت ذلك لثبت للذي حل فيه.
اعتراضنا ما يحل في الحس يحل في العقل، ولكن مفصلاً
والاعتراض أن المعنى الكلي الذي وضعتموه حالاً في العقل غير مسلم بل لا يحل في العقل إلا ما يحل في الحس ولكن يحل في الحس مجموعاً ولا يقدر الحس على تفصيله والعقل يقدر على تفصيله.
في العقل النسبة إلى جميع المفردات نسبة واحدة
ثم إذا فصل كان المفصل المفرد عن القرائن في العقل في كونه جزئياً كالمقرون بقرائنه، إلا أن الثابت في العقل يناسب المعقول وأمثاله مناسبة واحدة فيقال إنه كلي على هذا المعنى وهو أن في العقل صورة المعقول المفرد الذي أدركه الحس أولاً، ونسبة تلك الصورة إلى سائر آحاد ذلك الجنس نسبة واحدة فإنه لو رأى إنساناً آخر لم يحدث له هيئة أخرى كما إذا رأى فرساً بعد إنسان فإنه يحدث فيه صورتان مختلفتان.
ومثل هذا في الحس
ومثل هذا قد يعرض في مجرد الحس فإن من رأى الماء حصل في خياله صورة، فلو رأى الدم بعده حصلت صورة أخرى، فلو رأى ماء آخر لم تحدث صورة أخرى بل الصورة التي انطبعت في خياله من الماء مثال لكل
стр. 179
واحد من آحاد المياه فقد يظن أنه كلي بهذا المعنى. فكذلك إذا رأى اليد مثلاً حصل في الخيال وفي العقل وضع أجزائه بعضها مع بعض وهو انبساط الكف وانقسام الأصابع عليه وانتهاء الأصابع على الأظفار، ويحصل مع ذلك صغره وكبره ولونه. فإن رأى يداً أخرى تماثله في كل شيء لم يتجدد له صورة أخرى بل لا تؤثر المشاهدة الثانية في إحداث شيء جديد في الخيال، كما إذا رأى الماء بعد الماء في إناء واحد على قدر واحد وقد يرى يداً أخرى تخالفه في اللون والقدر فيحدث له لون آخر وقدر آخر ولا يحدث له صورة جديدة لليد، فإن اليد الصغير الأسود يشارك اليد الكبير الأبيض في وضع الأجزاء ويخالفه في اللون والقدر، فما يساوي فيه الأول لا تتجدد صورته إذ تلك الصورة هي هذه الصورة بعينها وما يخالفه يتجدد صورته.
وهذا لا يؤذن بثبوت كلي في العقل لا وضع له أصلاً
فهذا معنى الكلي في العقل والحس جميعاً فإن العقل إذا أدرك صورة الجسم من الحيوان فلا يستفيد من الشجر صورة جديدة في الجسمية كما في الخيال بإدراك صورة الماءين في وقتين، وكذى في كل متشابهين وهذا لا يؤذن بثبوت كلي لا وضع له أصلاً. على أن العقل قد يحكم بثبوت شيء لا إشارة إليه ولا وضع كحكمه بوجود صانع العالم، ولكن من أين أن ذلك لا يتصور قيامه بجسم؟ وفي هذا القسم يكون المنتزع عن المادة هو المعقول في نفسه دون العقل والعاقل. فأما المأخوذ من المواد فوجهه ما ذكرناه.
стр. 180
مسألة في إبطال قولهم إن النفوس الإنسانية يستحيل عليها العدم
بعد وجودها وأنها سرمدية لا يتصور فناؤها
فيطالبون بالدليل عليه. ولهم دليلان:
دليلهم الأول لا يكون بموت البدن
أحدهما قولهم إن عدمها لا يخلوا إما أن يكون بموت البدن أو بضد يطرى عليها أو بقدرة القادر. وباطل أن تنعدم بموت البدن فإن البدن ليس محلاً لها بل هو آلة تستعملها النفس بواسطة القوى التي في البدن، وفساد الآلة لا يوجب فساد مستعمل الآلة إلا أن يكون حالاً فيها منطبعاً كالنفوس البهيمية والقوى الجسمانية، ولأن النفس فعلاً بغير مشاركة الآلة وفعلاً بمشاركتها فالفعل الذي لها بمشاركة الآلة التخيل والإحساس والشهوة والغضب فلا جرم يفسد بفساد البدن ويفوت بفواته، وفعلها بذاتها دون مشاركة البدن إدراك المعقولات المجردة عن المواد ولا حاجة في كونه مدركاً للمعقولات إلى البدن بل الاشتغال بالبدن يعوقها عن المعقولات، ومهما كان لها فعل دون البدن ووجود دون البدن لم تفتقر في قوامها إلى البدن.
ولا بالضد
وباطل أن يقال إنها تنعدم بالضد إذ الجواهر لا ضد لها، ولذلك
следующие страницы →