Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
هذا الإنسان هو ذلك الإنسان بعينه وحتى أنه يبقى معه علوم من أول صباه ويكون قد تبدل جميع أجسامه. فدل أن للنفس وجوداً سوى البدن وأن البدن آلته.
وكلك الشجرة
الاعتراض أن هذا ينتقض بالبهيمة والشجرة إذا قيست حالة كبرهما بحالة الصغر فإنه يقال إن هذا ذاك بعينه، كما يقال في الإنسان، وليس يدل ذلك على أن له وجوداً غير الجسم.
وتبقى الصور المتخيلة
وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة فإنه يبقى في الصبي إلى الكبر وإن تبدل سائر أجزاء الدماغ فإن زعموا أنه لم يتبدل سائر أجزاء الدماغ فكذى سائر أجزاء القلب وهما من البدن فكيف يتصور أن يتبدل الجميع؟
والإنسان يبقى منه شيء
بل نقول: الإنسان وإن عاش مائة سنة مثلاً فلا بد وأن يكون قد بقي فيه أجزاء من النطفة فأما أن تنمحى عنه فلا فهو ذلك الإنسان باعتبار ما بقي، كم أنه يقال: هذا ذاك الشجر وهذا ذاك الفرس، ويكون بقاء المني مع كثرة التحلل والتبدل.
مثل الماء الذي تصب عليه وتأخذ منه
مثاله ما إذا صب في موضع رطل من الماء ثم صب عليه رطل آخر حتى اختلط به ثم أخذ منه رطل ثم صب عليه رطل آخر ثم أخذ منه رطل
стр. 177
ثم لا يزال يفعل كذلك ألف مرة فنحن في المرة الأخيرة نحكم بأن شيئاً من الماء الأول باق وأنه ما من رطل يؤخذ منه إلا وفيه شيء من ذلك الماء لأنه كان موجوداً في الكرة الثانية، والثالثة قريبة من الثانية والرابعة من الثالثة وهكذى إلى الآخر. وهذا على أصلهم ألزم حيث جوزوا انقسام الأجسام إلى غير نهاية، فانصباب الغذاء في البدن وانحلال أجزاء البدن يضاهي صب الماء في هذا الإناء واغترافه عنه.
دليل عاشر
دليلهم العاشر في العقل كليات عامة
قالوا: القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون أحوالاً فتدرك الإنسان المطلق عند مشاهدة الحس لشخص إنسان معين وهو غير الشخص المشاهد فإن المشاهد في مكان مخصوص ولون مخصوص ومقدار مخصوص ووضع مخصوص، والإنسان المعقول المطلق مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه كل ما ينطلق عليه اسم الإنسان وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ومكانه، بل الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه، بل لو عدم الإنسان يبقى حقيقة الإنسان في العقل مجرداً عن هذه الخواص، وهكذى كل شيء شاهده الحس مشخصاً فيحصل منه للعقل حقيقة ذلك الشخص كلياً مجرداً عن المواد والأوضاع حتى تنقسم أوصافه إلى ما هو ذاتي كالجسمية للشجر والحيوان والحيوانية للإنسان وإلى ما هو عرضي له كالبياض والطول للإنسان والشجر، ويحكم بكونه ذاتياً وعرضياً على جنس الإنسان والشجر وكل ما يدرك لا على الشخص المشاهد،
стр. 178
فدل أن الكلي المجرد عن القرائن المحسوسة معقولة عنده وثابتة في عقله.
تجردها عن القرائن المحسوسة تتعلق بالنفس المجردة
وذلك الكلي المعقول لا إشارة إليه ولا وضع له ولا مقدار، فإما أن يكون تجرده عن الوضع والمادة بالإضافة إلى المأخوذ منه وهو محال فإن المأخوذ منه ذو وضع وأين ومقدار، وإما أن يكون بالإضافة إلى الآخذ وهو النفس العاقلة فينبغي أن لا يكون للنفس وضع ولا إليه إشارة ولا له مقدار، وإلا لو ثبت ذلك لثبت للذي حل فيه.
اعتراضنا ما يحل في الحس يحل في العقل، ولكن مفصلاً
والاعتراض أن المعنى الكلي الذي وضعتموه حالاً في العقل غير مسلم بل لا يحل في العقل إلا ما يحل في الحس ولكن يحل في الحس مجموعاً ولا يقدر الحس على تفصيله والعقل يقدر على تفصيله.
في العقل النسبة إلى جميع المفردات نسبة واحدة
ثم إذا فصل كان المفصل المفرد عن القرائن في العقل في كونه جزئياً كالمقرون بقرائنه، إلا أن الثابت في العقل يناسب المعقول وأمثاله مناسبة واحدة فيقال إنه كلي على هذا المعنى وهو أن في العقل صورة المعقول المفرد الذي أدركه الحس أولاً، ونسبة تلك الصورة إلى سائر آحاد ذلك الجنس نسبة واحدة فإنه لو رأى إنساناً آخر لم يحدث له هيئة أخرى كما إذا رأى فرساً بعد إنسان فإنه يحدث فيه صورتان مختلفتان.
ومثل هذا في الحس
ومثل هذا قد يعرض في مجرد الحس فإن من رأى الماء حصل في خياله صورة، فلو رأى الدم بعده حصلت صورة أخرى، فلو رأى ماء آخر لم تحدث صورة أخرى بل الصورة التي انطبعت في خياله من الماء مثال لكل
стр. 179
واحد من آحاد المياه فقد يظن أنه كلي بهذا المعنى. فكذلك إذا رأى اليد مثلاً حصل في الخيال وفي العقل وضع أجزائه بعضها مع بعض وهو انبساط الكف وانقسام الأصابع عليه وانتهاء الأصابع على الأظفار، ويحصل مع ذلك صغره وكبره ولونه. فإن رأى يداً أخرى تماثله في كل شيء لم يتجدد له صورة أخرى بل لا تؤثر المشاهدة الثانية في إحداث شيء جديد في الخيال، كما إذا رأى الماء بعد الماء في إناء واحد على قدر واحد وقد يرى يداً أخرى تخالفه في اللون والقدر فيحدث له لون آخر وقدر آخر ولا يحدث له صورة جديدة لليد، فإن اليد الصغير الأسود يشارك اليد الكبير الأبيض في وضع الأجزاء ويخالفه في اللون والقدر، فما يساوي فيه الأول لا تتجدد صورته إذ تلك الصورة هي هذه الصورة بعينها وما يخالفه يتجدد صورته.
وهذا لا يؤذن بثبوت كلي في العقل لا وضع له أصلاً
فهذا معنى الكلي في العقل والحس جميعاً فإن العقل إذا أدرك صورة الجسم من الحيوان فلا يستفيد من الشجر صورة جديدة في الجسمية كما في الخيال بإدراك صورة الماءين في وقتين، وكذى في كل متشابهين وهذا لا يؤذن بثبوت كلي لا وضع له أصلاً. على أن العقل قد يحكم بثبوت شيء لا إشارة إليه ولا وضع كحكمه بوجود صانع العالم، ولكن من أين أن ذلك لا يتصور قيامه بجسم؟ وفي هذا القسم يكون المنتزع عن المادة هو المعقول في نفسه دون العقل والعاقل. فأما المأخوذ من المواد فوجهه ما ذكرناه.
стр. 180
مسألة في إبطال قولهم إن النفوس الإنسانية يستحيل عليها العدم
بعد وجودها وأنها سرمدية لا يتصور فناؤها
فيطالبون بالدليل عليه. ولهم دليلان:
دليلهم الأول لا يكون بموت البدن
أحدهما قولهم إن عدمها لا يخلوا إما أن يكون بموت البدن أو بضد يطرى عليها أو بقدرة القادر. وباطل أن تنعدم بموت البدن فإن البدن ليس محلاً لها بل هو آلة تستعملها النفس بواسطة القوى التي في البدن، وفساد الآلة لا يوجب فساد مستعمل الآلة إلا أن يكون حالاً فيها منطبعاً كالنفوس البهيمية والقوى الجسمانية، ولأن النفس فعلاً بغير مشاركة الآلة وفعلاً بمشاركتها فالفعل الذي لها بمشاركة الآلة التخيل والإحساس والشهوة والغضب فلا جرم يفسد بفساد البدن ويفوت بفواته، وفعلها بذاتها دون مشاركة البدن إدراك المعقولات المجردة عن المواد ولا حاجة في كونه مدركاً للمعقولات إلى البدن بل الاشتغال بالبدن يعوقها عن المعقولات، ومهما كان لها فعل دون البدن ووجود دون البدن لم تفتقر في قوامها إلى البدن.
ولا بالضد
وباطل أن يقال إنها تنعدم بالضد إذ الجواهر لا ضد لها، ولذلك
стр. 181
لا ينعدم في العالم إلا الأعراض والصور المتعاقبة على الأشياء إذ تنعدم صورة المائية بضدها وهو صورة الهوائية، والمادة التي هي المحل لا تنعدم قط وكل جوهر ليس في محل فلا يتصور عدمه بالضد إذ لا ضد لما ليس في محل فإن الأضداد هي المتعاقبة على محل واحد.
ولا بالقدرة
وباطل أن يقال: تفنى بالقدرة، إذ العدم ليس شيئاً حتى يتصور وقوعه بالقدرة وهذا عين ما ذكروه في مسألة أبدية العالم وقد قررناه وتكلمنا عليه.
اعتراضنا الأول راجع ما سبق
والاعتراض عليه من وجوه: الأول أنه بناء على أن النفس لا يموت بموت البدن لأنه ليس حالاً في جسم، وهو بناء على المسألة الأولى فقد لا نسلم ذلك:
اعتراضنا الثاني حدوث النفس لا يكون إلا بحدوث البدن
الثاني هو أنه لا يحل البدن عندهم فله علاقة بالبدن حتى لم يحدث إلا بحدوث البدن. هذا ما اختاره ابن سينا والمحققون وأنكروا على أفلاطن أن النفس قديمة ويعرض لها الاشتغال بالأبدان بمسلك برهاني محقق.
كما تحقق الأمر
وهو أن النفوس قبل الأبدان، إن كانت واحدة فكيف انقسمت وما لا عظم له ولا مقدار لا يعقل انقسامه. وإن زعم أنه لم ينقسم فهو محال إذ يعلم ضرورة أن نفس زيد غير نفس عمرو ولو كانت واحدة لكانت معلومات زيد معلومة لعمرو فإن العلم من صفات ذات النفس وصفات الذات تدخل مع الذات في كل إضافة، وإن كانت النفوس متكثرة فماذى تكثرت؟ ولم تتكثر بالمواد ولا بالأماكن ولا بالأزمنة ولا بالصفات إذ ليس فيها ما يوجب اختلاف الصفة بخلاف النفوس بعد
стр. 182
موت البدن فإنها تتكثر باختلاف الصفات عند من يرى بقاءها لأنها استفادت من الأبدان هيئات مختلفة لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من الأخلاق والأخلاق قط لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من الأخلاق والأخلاق قط لا تتماثل كما أن الخلق الظاهر قط لا يتماثل، ولو تماثلت لاشتبه علينا زيد بعمرو.
والنفس تتعلق بالبدن المخصوص ببعض الوسائط
ومهما ثبت بحكم هذا البرهان حدوثه عند حدوث النطفة في الرحم واستعداد مزاجها لقبول النفس المدبرة ثم قبلت النفس لا لأنها نفس فقط، إذ قد تستعد في رحم واحد نطفتان لتوأمين في حالة واحدة للقبول فيتعلق بهما نفسان يحدثان من المبدأ الأول بواسطة أو بغير واسطة ولا يكون نفس هذا مدبراً لجسم ذاك ولا نفس ذاك مدبراً لجسم هذا فليس الإختصاص إلا لعلاقة خاصة بين النفس المخصوص وبين ذلك البدن المخصوص، وإلا فلا يكون بدن أحد التوأمين بقبول هذه النفس أولى من الآخر، وإلا فقد حدثت نفسان معاً واستعدت نطفتان لقبول التدبير معاً.
فإذا بطل البدن انعدمت النفس
فما المخصص؟ فإن كان ذلك المخصص هو الانطباع فيه فيبطل ببطلان البدن، وإن كان ثم وجه آخر به العلاقة بين هذه النفس على الخصوص وبين هذا البدن على الخصوص حتى كانت تلك العلاقة شرطاً في حدوثه فأي بعد في أن تكون شرطاً في بقاءه؟ فإذا انقطعت العلاقة انعدمت النفس ثم لا يعود وجودها إلا بإعادة الله على سبيل البعث والنشور كما ورد به الشرع في المعاد.
стр. 183
قد يقال ليست هذه العلاقة، إلا بطريق الشوق
فإن قيل: أما العلاقة بين النفس والبدن فليس إلا بطريق نزاع طبيعي وشوق جبلي خلق فيها إلى هذا البدن خاصة يشغلها ذلك الشوق بها عن غيره من الأبدان ولا يخليها في لحظة فتبقى مقيدة بذلك الشوق الجبلي بالبدن المعين مصروفاً عن غيره.
стр. 184
وذلك لا يوجب فساده بفساد البدن الذي هو مشتاق بالجبلة إلى تدبيره. نعم قد يبقى ذلك الشوق بعد مفارقة البدن إن استحكم في الحيوة اشتغالها بالبدن وإعراضها عن كسر الشهوات وطلب المعقولات فيتأذى بذلك الشوق مع فوات الآلة التي الشوق إلى مقتضاها.
وبمناسبة تخفى علينا
وأما تعين نفس زيد لشخص زيد في أول الحدوث فلسبب ومناسبة بين البدن والنفس لا محالة حتى يكون هذا البدن مثلاً أصلح لهذه النفس من الآخر لمزيد مناسبة بينهما فترجح اختصاصه، وليس في القوة البشرية إدراك خصوص تلك المناسبات، وعدم اطلاعنا على تفصيله لا يشككنا في أصل الحاجة إلى مخصص ولا يضرنا أيضاً في قولنا إن النفس لا تفنى بفناء البدن.
جوابنا قد تكون على وجه يحوج النفس في بقائها
قلنا: مهما غابت المناسبة عنا وهي المقتضية للاختصاص فلا يبعد أن تكون تلك المناسبة المجهولة على وجه يحوج النفس في بقائها إلى بقاء البدن
стр. 185
حتى إذا فسد فسدت، فإن المجهول لا يمكن الحكم عليه بأنه يقتضي التلازم أم لا، فلعل تلك النسبة ضرورية في وجود النفس فإن انعدمت انعدمت، فلا ثقة بالدليل الذي ذكروه.
اعتراضنا الثالث تنعدم بقدرة الله
الاعتراض الثالث هو أنه لا يبعد أن يقال: تنعدم بقدرة الله تعالى، كما قررناه في مسألة سرمدية العالم.
اعتراضنا الرابع لعل هناك طرق غيرها
الاعتراض الرابع هو أن يقال: ذكرتم أن هذه الطرق الثلث في العدم تنحسم، فهو مسلم. فما الدليل على أن عدم الشيء لا يتصور إلا بطريق من هذه الطرق الثلث؟ فإن التقسيم إذا لم يكن دائراً بين النفي والإثبات فلا يبعد أن يزيد على الثلث والأربع، فلعل للعدم طريقاً رابعاً وخامساً سوى ما ذكرتموه، فحصر الطرق في هذه الثلث غير معلوم بالبرهان.
دليلهم الثاني كل جوهر يستحيل عليه العدم
دليل ثان وعليه تعويلهم أن قالوا: كل جوهر ليس في محل فيستحيل عليه العدم، بل البسائط لا تنعدم قط. وهذا الدليل يثبت فيه أولاً أن موت البدن لا يوجب انعدامه لما سبق.
ما ينعدم ففيه قوة الفساد وحامله يبقى
فبعد ذلك يقال: يستحيل أن ينعدم بسبب آخر بسبب آخر لأن كل ما ينعدم بسبب ما أي سبب كان ففيه قوة الفساد، أي إمكان العدم سابق على الانعدام، كما أن ما يطرى وجوده من الحوادث فيكون إمكان الوجود سابقاً على الوجود ويسمى إمكان الوجود قوة الوجود وإمكان العدم قوة الفساد. وكما أن إمكان الوجود وصف إضافي لا يقوم إلا بشيء حتى يكون إمكاناً بالإضافة إليه فكذلك إمكان العدم، ولذلك قيل إن كل حادث فيفتقر إلى مادة سابقة يكون فيها إمكان وجود الحادث وقوته، كما سبق في مسألة قدم العالم، فالمادة التي فيها قوة الوجود قابلة للوجود الطاري والقابل غير المقبول فيكون القابل موجوداً مع المقبول عند طريانه وهو غيره. فكذلك قابل العدم ينبغي أن يكون موجوداً عند طريان العدم حتى يعدم منه شيء كما وجد فيه شيء ويكون ما عدم غير ما بقي ويكون ما بقي هو الذي فيه قوة العدم وقبوله وإمكانه
стр. 186
كما أن ما بقي عند طريان الوجود يكون غير ما طرى وقد كان ما فيه قوة قبول الطاري.
وهو كالمادة
فيلزم أن يكون الشيء الذي طرى عليه العدم مركباً من شيء انعدم ومن قابل للعدم بقي مع طريان العدم وقد كان هو حامل قوة العدم قبل طريان العدم ويكون حامل القوة كالمادة والمنعدم منها كالصورة.
لكن النفس غير مركبة
ولكن النفس بسيطة وهي صورة مجردة عن المادة لا تركيب فيها، فإن فرض فيها تركيب من صورة ومادة فنحن ننقل البيان إلى المادة التي هي السنخ والأصل الأول، إذ لا بد وأن ينتهي إلى أصل فنحيل العدم على ذلك الأصل وهو المسمى نفساً، كما نحيل العدم على مادة الأجسام فإنها أزلية أبدية، إنما تحدث عليها الصور وتنعدم منها الصور وفيها قوة طريان الصور عليها وقوة انعدام الصور منها فإنها قابلة للضدين على السواء وقد ظهر من هذا الوجود أن كل موجود أحدى الذات يستحيل عليه العدم.
إن قوة الوجود للشيء يكون لغير ذلك الشيء
ويمكن تفهيم هذا بصيغة أخرى وهو أن قوة الوجود للشيء يكون قبل وجود الشيء فيكون لغير ذلك الشيء ولا يكون نفس قوة الوجود. بيانه أن الصحيح البصر يقال أنه بصير بالقوة أي فيه قوة الإبصار، ومعناه أن الصفة التي لا بد منها في العين ليصح الإبصار موجودة، فإن تأخر الإبصار فلتأخر شرط آخر فيكون قوة الإبصار للسواد مثلاً موجوداً للعين قبل إبصار السواد بالفعل، فإن حصل إبصار السواد بالفعل لم يكن قوة إبصار ذلك السواد موجوداً عند وجود ذلك الإبصار إذ لا يمكن أن يقال: مهما حصل الإبصار فهو مع كونه موجوداً بالفعل موجود بالقوة، بل قوة الوجود لا يضام حقيقة الوجود الحاصل بالفعل أبداً.
لو انعدم الشيء البسيط
لاجتمع في الشيء الواحد قوة الوجود مع حصول الوجود
وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: لو انعدم الشيء البسيط لكان إمكان
стр. 187
العدم قبل العدم حاصلاً لذلك الشيء وهو المراد بالقوة، فيكون إمكان الوجود أيضاً حاصلاً فإن ما أمكن عدمه فليس واجب الوجود فهو ممكن الوجود، ولا نعني بقوة الوجود إلا إمكان الوجود فيؤدي إلى أن يجتمع في الشيء الواحد قوة وجود نفسه مع حصول وجوده بالفعل ويكون وجوده بالفعل هو عين قوة الوجود وقد بينا أن قوة الإبصار تكون في العين التي هي غير الإبصار ولا تكون في نفس الإبصار إذ يؤدي إلى أن يكون الشيء بالقوة والفعل وهما متناقضان، بل مهما كان الشيء بالقوة لم يكن بالفعل ومهما كان بالفعل لم يكن بالقوة، وفي إثبات قوة العدم للبسيط قبل العدم إثبات لقوة الوجود في حالة الوجود وهو محال.
راجع ما سبق في مسألة أزلية العالم
وهذا بعينه هو الذي قررناه لهم في مصيرهم إلى استحالة حدوث المادة والعناصر واستحالة عدمها في مسألة أزلية العالم وأبديته ومنشأ التلبيس وضعهم الإمكان وصفاً مستدعياً محلاً يقوم به. وقد تكمنا عليه بما فيه مقنع فلا نعيد فإن المسألة هي المسألة فلا فرق بين أن يكون المتكلم فيه جوهر مادة أو جوهر نفس.
стр. 188
مسألة في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد ورد الأرواح
إلى الأبدان ووجود النار الجسمانية ووجود الجنة والحور العين وسائر ما وعد به الناس
وقولهم إن كل ذلك أمثلة ضربت لعوام الخلق لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين هما أعلى رتبة من الجسمانية وهو مخالف لاعتقاد المسلمين كافة. فلنقدم تفهيم معتقدهم في الأمور الأخروية ثم لنعترض على ما يخالف الإسلام من جملته.
قولهم اللذة السرمدية لا تكون إلا بالعلم والعمل
وقد قالوا إن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمدياً إما في لذة لا يحيط الوصف بها لعظمها وإما في ألم لا يحيط الوصف به لعظمه، ثم قد يكون ذلك الألم مخلداً وقد ينمحى على طول الزمان. ثم تتفاوت طبقات الناس في درجات الألم واللذة تفاوتاً غير محصور كما يتفاوتون في المراتب الدنيوية ولذاتها تفاوتاً غير محصور، واللذة السرمدية للنفوس الكاملة الزكية والألم السرمدي للنفوس الناقصة الملطخة والألم المنقضي للنفوس الكاملة الملطخة، فلا تنال السعادة المطلقة إلا بالكمال والتزكية والطهارة والكمال بالعلم والزكاء بالعمل.
تلتذ بهما القوة العقلية
ووجه الحاجة إلى العلم أن القوة العقلية غذاؤها ولذتها في درك المعقولات كما أن القوة الشهوانية لذتها في نيل المشتهى والقوة البصرية لذتها في النظر إلى الصور الجميلة وكذلك سائر القوى. وإنما يمنعها من الاطلاع على المعقولات البدن وشواغله وحواسه وشهواته.
стр. 189
والنفس الجاهلة في الحيوة الدنيا حقها أن تتألم بفوات لذة النفس ولكن الاشتغال بالبدن ينسيه نفسه ويلهيه عن ألمه كالخائف لا يحس بالألم وكالخدر لا يحس بالنار، فإذا بقيت ناقصة حتى انحط عنه شغل البدن كان في صورة الخدر، إذا عرض على النار فلا يحس بالألم فإذا زال الخدر شعر بالبلا العظيم دفعة واحدة هجوماً.
والبدن يشغل عنها
والنفوس المدركة للمعقولات قد تلتذ بها التذاذاً خفياً قاصراً عما يقتضيه طباعه وذلك أيضاً لشواغل البدن وأنس النفس بشهواتها. ومثاله مثال المريض الذي في فيه مرارة يستبشع الشيء الطيب الحلو ويستهجن الغذاء الذي هو أتم أسباب اللذة في حقه فلا يتلذذ به لما عرض من المرض.
فإذا انحط عنها أعباء البدن، أدركت اللذة دفعة
فالنفوس الكاملة بالعلوم إذا انحط عنها أعباء البدن وشواغله بالموت كان مثاله مثال من عرض للطعم الألذ والذوق الأطيب وكان به عارض مرض يمنعه من الإدراك فزال العارض فأدرك اللذة العظيمة دفعة. أو مثال من اشتد عشقه في حق شخص فضاجعه ذلك الشخص وهو نائم أو مغمى عليه أو سكران فلا يحس به فتنبه فجأة فيشعر بلذة الوصال بعد طول الانتظار دفعة واحدة.
اللذات الروحانية تفهم بالجسمانية
وهذه اللذات حقيرة بالإضافة إلى اللذات الروحانية العقلية إلا أنه لا يمكن تفهيمه إلا بأمثلة مما شاهدها الناس في هذه الحيوة، وهذا كما أنا لو أردنا أن نفهم الصبي أو العنين لذة الجماع لم نقدر عليه إلا بأن نمثله في حق الصبي باللعب الذي هو ألذ الأشياء عنده وفي حق العنين بلذة الأكل الطيب مع شدة الجوع ليصدق بأصل وجود اللذة ثم يعلم أن ما فهمه بالمثال ليس يحقق عنده لذة الجماع وأن ذلك لا يدرك إلا بالذوق.
وهذه أحط من الأولى لعدم وجودها في الملائكة
والدليل على أن اللذات العقلية أشرف من اللذات الجسمانية أمران: أحدهما أن حال الملائكة أشرف من حال السباع والخنازير من البهائم
стр. 190
وليس لها اللذات الحسية من الجماع والأكل وإنما لها لذة الشعور بكمالها وجمالها الذي خص بها في نفسها في اطلاعها على حقائق الأشياء وقربها من ربي العالمين في الصفات لا في المكان وفي رتبة الوجود، فإن الموجودات حصلت من الله على ترتيب وبوسائط فالذي يقرب من الوسائط رتبته لا محالة أعلى.
ولكن الإنسان يفضلها على غيرها
والثاني أن الإنسان أيضاً قد يؤثر اللذات العقلية على الحسية، فإن من يتمكن من غلبة عدو والشماتة به يهجر في تحصيله ملاذ الأنكحة والأطعمة بل قد يهجر الأكل طول النهار في لذة غلبة الشطرنج والنرد مع خسة الأمر فيه ولا يحس بألم الجوع. وكذلك المتشوف إلى الحشمة والرئاسة يتردد بين انخرام حشمته بقضاء الوطر من عشيقته مثلاً بحيث يعرفه غيره وينتشر عنه فيصون الحشمة ويترك قضاء الوطر ويستحقر ذلك محافظة على ماء الوجه فيكون ذلك لا محالة ألذ عنده، بل ربما يهجم الشجاع على جم غفير من الشجعان مستحقراً خطر الموت شغفاً بما يتوهمه بعد الموت من لذة الثناء والإطراء عليه.
فالأفضلية هي للذات العقلية الأخروية
فإذن اللذات العقلية الأخروية أفضل من اللذات الحسية الدنيوية ولولا ذلك لما قال رسول الله ﷺ : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال تعالى: "لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" فهذا وجه الحاجة إلى العلم.
بعض العلوم نافعة
والنافع من جملته العلوم العقلية المحضة وهي العلم بالله وصفاته وملائكته وكتبه وكيفية وجود الأشياء منه وما وراء ذلك إن كان وسيلة إليه، فهو نافع لأجله وإن لم يكن وسيلة إليه كالنحو واللغة والشعر
стр. 191
وأنواع العلوم المفترقة فهي صناعات وحرف كسائر الصناعات.
النفس المواظبة على الشهوات تنال الأذى
وأما الحاجة إلى العمل والعبادة فلزكاء النفس، فإن النفس في هذا البدن مصدود عن درك حقائق الأشياء لا لكونه منطبعاً في البدن بل لاشتغاله ونزوعه إلى شهواته وشوقه إلى مقتضياته، وهذا النزوع والشوق هيئة للنفس تترسخ فيها وتتمكن منها بطول المواظبة على اتباع الشهوات والمثابرة على الأنس بالمحسوسات المستلذة، فإذا تمكنت من النفس فمات البدن كانت هذه الصفات متمكنه من النفس ومؤذية من وجهين.
فتكون عاجزة عن الاتصال بالملائكة
أحدهما أنها تمنعها عن لذتها الخاصة بها وهو الاتصال بالملائكة والإطلاع على الأمور الجميلة الإلهية ولا يكون معه البدن الشاغل فيلهيه عن التألم كما قبل الموت.
وعن اللذة الجسمانية
والثاني أنه يبقى معه الحرص والميل إلى الدنيا وأسبابها ولذاتها وقد استلب منه الآلة فإن البدن هو الآلة للوصول إلى تلك اللذات فيكون حاله حال من عشق امرأة وألف رئاسة واستأنس بأولاد واستروح إلى مال وابتهج بحشمة فقتل معشوقه وعزل عن رئاسته وسبي أولاده ونساؤه وأخذ أمواله أعداؤه وأسقط بالكلية حشمته فيقاسي من الألم ما لا يخفى، وهو في هذه الحيوة غير منقطع الأمل عن عود أمثال هذه الأمور فإن الدنيا غاد ورائح فكيف إذا انقطع الأمل بفقدان البدن بسبب الموت.
فالأولى أن يعرض عن الدنيا
ولا ينجي عن التضمخ بهذه الهيئات إلا كف النفس عن الهوى والإعراض عن الدنيا والإقبال بكنه الجد على العلم والتقوى حتى تنقطع علائقه عن الأمور الدنيوية وهو في الدنيا وتستحكم علاقته مع الأمور الأخروية، فإذا مات كان كالمتخلص عن سجن فالواصل إلى جميع مطالبه فهو جنته.
стр. 192
لكن الضرورات البدنية جاذبة إليها
ولا يمكن سلب جميع هذه الصفات عن النفس ومحوها بالكلية فإن الضرورات البدنية جاذبة إليها، إلا أنه يمكن تضعيف تلك العلاقة ولذلك قال تعالى: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيا". إلا أنه إذا ضعفت العلاقة لم تشتد نكاية فراقها وعظم الالتذاذ بما اطلع عليه عند الموت من الأمور الإلهية فأماط أثر مفارقة الدنيا والنزوع إليها على قرب، كمن يستنهض من وطنه إلى منصب عظيم وملك مرتفع فقد ترق نفسه حالة الفراق على أهله ووطنه فيتأذى أذى ما ولكن ينمحى بما يستأنفه من لذة الابتهاج بالملك والرئاسة.
ولذلك ورد الشرع بالتوسط في الأخلاق
وإذا لم يكن سلب هذه الصفات ورد الشرع في الأخلاق بالتوسط بين كل طرفين متقابلين لأن الماء الفاتر لا حار ولا بارد فكأنه بعيد عن الصفتين فلا ينبغي أن يبالغ في إمساك المال فيستحكم فيه حرص المال ولا في الإنفاق فيكون مبذراً ولا أن يكون ممتنعاً عن كل الأمور فيكون جباناً ولا منهمكاً في كل أمر فيكون متهوراً، بل يطلب الجود فإنه الوسط بين البخل والتبذير والشجاعة فإنها الوسط بين الجبن والتهور وكذلك في جميع الأخلاق، وعلم الأخلاق طويل والشريعة بالغت في تفصيلها ولا سبيل في تهذيب الأخلاق إلا بمراعاة قانون الشرع في العمل حتى لا يتبع الإنسان هواه فيكون قد اتخذ إلهه هواه بل يقلد الشرع فيقدم ويحجم بإشارته لا باختياره فتتهذب به أخلاقه.
فمنهم من يكونون تعساء ومنهم سعداء
على وجه كامل أو غير كامل
ومن عدم هذه الفضيلة في الخلق والعلم جميعاً فهو الهالك ولذلك قال تعالى: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". ومن جمع الفضيلتين العلمية والعملية فهو العارف العابد وهو السعيد المطلق
стр. 193
ومن له الفضيلة العلمية دون العملية فهو العالم الفاسق ويتعذب مدة ولكن لا يدوم لأن نفسه قد كمل بالعلم ولكن العوارض البدنية لطخته تلطيخاً عارضاً على خلاف جوهر النفس، وليس تتجدد الأسباب المجددة فينمحى على طول الزمان، ومن له الفضيلة العملية دون العلمية فيسلم وينجو عن الألم ولا يحظى بالسعادة الكاملة. وزعموا أن من مات فقد قامت قيامته.
في الشرع صور
وأما ما ورد في الشرع من الصور فالقصد ضرب الأمثال لقصور الأفهام عن درك هذه اللذات فمثل لهم ما يفهمون ثم ذكر لهم أن تلك اللذات فوق ما وصف لهم. فهذا مذهبهم.
جوابنا أكثر الأمور صحيحة ولكن لا تعرف إلا بالشرع
ونحن نقول: أكثر هذه الأمور ليس على مخالفة الشرع فإنا لا ننكر أن في الآخرة أنواع من اللذات أعظم من المحسوسات ولا ننكر بقاء النفس عند مفارقة البدن ولكنا عرفنا ذلك بالشرع إذ ورد بالمعاد ولا يفهم المعاد إلا ببقاء النفس، وإنما أنكرنا عليهم من قبل دعواهم معرفة ذلك بمجرد العقل.
فالشرع يعلمنا حشر الأجساد
ولكن المخالف للشرع منها إنكار حشر الأجساد وإنكار اللذات الجسمانية في الجنة والآلام الجسمانية في النار وإنكار وجود جنة ونار كما وصف في القرآن.
стр. 194
فما المانع من تحقيق الجمع بين السعادتين الروحانية والجسمانية وكذى الشقاوة،
стр. 195
وقوله: لا تعلم نفس ما أخفي لهم، أي لا يعلم جميع ذلك.
стр. 196
وقوله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت فكذلك وجود تلك الأمور الشريفة لا يدل على نفي غيرها بل الجمع بين الأمرين أكمل والموعود أكمل الأمور وهو ممكن فيجب التصديق به على وفق الشرع.
стр. 197
قد يقال هذه أمثال
فإن قيل: ما ورد فيه أمثال ضربت على حد أفهام الخلق كما أن الوارد من آيات، التشبيه وإخباره أمثال على حد فهم الخلق والصفات الإلهية مقدسة عما يخيله عامة الناس.
стр. 198
قولنا لا محل للتأويل
والجواب أن التسوية بينهما تحكم بل هما يفترقان من وجهين: أحدهما أن الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة وما ورد في وصف الجنة والنار وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغاً لا يحتمل التأويل فلا يبقى إلا خمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق وذلك مما يتقدس عنه منصب النبوة.
стр. 199
ولا للاستحالة
والثاني أن أدلة العقول دلت على استحالة المكان والجهة والصورة ويد الجارحة وعين الجارحة وإمكان الانتقال والاستقرار على الله سبحانه فوجب التأويل بأدلة العقول وما وعد من الأمور الآخرة ليس محالاً في قدرة الله تعالى، فيجب الجري على ظاهر الكلام بل على فحواه الذي هو صريح فيه.
стр. 200
قولهم هناك أمور محالة
فإن قيل: وقد دل الدليل العقلي على استحالة بعث الأجساد كما دل على استحالة تلك الصفات على الله تعالى.
فنطالبهم بإظهاره.
ولهم فيه مسالك
стр. 201
مسلكهم الأول إما أن يعاد البدن والحياة
المسلك الأول قولهم: تقدير العود إلى الأبدان لا يعدوا ثلثة أقسام. إما أن يقال: الإنسان عبارة عن البدن والحيوة التي هي عرض قائم به، كما ذهب إليه بعض المتكلمين، وأن النفس التي هي قائم بنفسه ومدبر للجسم فلا وجود له، ومعنى الموت انقطاع الحيوة أي امتناع الخالق عن خلقها فتنعدم والبدن أيضاً ينعدم، ومعنى المعاد إعادة الله للبدن الذي انعدم ورده إلى الوجود وإعادة الحيوة التي انعدمت أو يقال: مادة البدن تبقى تراباً ومعنى المعاد أن يجمع ويركب على شكل آدمي ويخلق فيه الحيوة ابتداء، فهذا قسم.
إما أن ترد النفس إلى البدن
وإما أن يقال: النفس موجود ويبقى بعد الموت ولكن يرد البدن الأول بجمع تلك الأجزاء بعينها،
стр. 202
وهذا قسم.
إما أن ترد النفس إلى بدن أياً كان
وإما أن يقال: يرد النفس إلى بدن سواء كان من تلك الأجزاء أو من غيرها ويكون العائد ذلك الإنسان من حيث أن النفس تلك النفس، فأما المادة فلا التفات إليها إذ الإنسان ليس إنساناً بها بل بالنفس.
وهذه الأقسام الثلثة باطلة.
وهذه الثلاثة باطلة
ففي الأول إيجاد لمثل ما كان لا إعادة عين ما كان
أما الأول فظاهر البطلان لأنه مهما انعدمت الحيوة والبدن فاستئناف خلقها إيجاد لمثل ما كان لا لعين ما كان، بل العود المفهوم هو الذي يفرض فيه بقاء شيء وتجد شيء، كما يقال: فلان عاد إلى الإنعام أي أن المنعم باق، وترك الإنعام ثم عاد إليه أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس ولكنه غيره بالعدد فيكون عوداً بالحقيقة إلى مثله لا إليه. ويقال: فلان عاد إلى البلد أي بقي موجوداً خارجاً وقد كان له كون في البلد فعاد إلى مثل ذلك فإن لم يكن شيء باق وشيئان متعددان متماثلان يتخللهما زمان لم يتم اسم العود، إلا أن يسلك مذهب المعتزلة فيقال: المعدوم شيء ثابت والوجود حال يعرض له مرة وينقطع تارة ويعود أخرى فيتحقق معنى العود باعتبار بقاء الذات ولكنه رفع للعدم المطلق الذي هو النفي المحض وهو إثبات للذات مستمرة الثبات إلى أن يعود إليه الوجود وهو محال.
فلا يعود الإنسان بعينه
وإن احتال ناصر هذا القسم بأن قال: تراب البدن لا يفنى فيكون باقياً فتعود إليه الحيوة. فنقول عند ذلك يستقيم أن يقال: عاد التراب حياً بعد أن انقطعت الحيوة عنه مرة، ولا يكون ذلك عوداً للإنسان ولا رجوع ذلك الإنسان بعينه لأن الإنسان إنسان لا بمادته والتراب الذي فيه إذ يتبدل عليه سائر الأجزاء أو أكثرها بالغذاء وهو ذاك الأول بعينه، فهو باعتبار روحه أو نفسه
стр. 203
فإذا عدمت الحيوة أو الروح فما عدم لا يعقل عوده وإنما يستأنف مثله، ومهما خلق الله حيوة إنسانية في تراب يحصل من بدن شجر أو فرس أو نبات كان ذلك ابتداء خلق الإنسان، فالمعدوم قط لا يعقل عوده والعائد هو الموجود أي عاد إلى حالة كانت له من قبل أي إلى مثل تلك الحالة، فالعائد هو التراب إلى صفة الحيوة.
وليس الإنسان قائماً ببدنه
وليس الإنسان ببدنه إذ قد يصير بدن الفرس غذاء الإنسان فيتخلق منه نطفة يحصل منها إنسان فلا يقال: الفرس انقلب إنساناً بل الفرس فرس بصورته لا بمادته وقد انعدمت الصورة وما بقي إلا المادة.
وأما الثاني فلا يمكن أن يرد البدن الفاسد
وأما القسم الثاني وهو تقدير بقاء النفس ورده إلى ذلك البدن بعينه فهو لو تصور لكان معاداً أي عوداً إلى تدبير البدن بعد مفارقته ولكن محال إذ بدن الميت ينحل تراباً أو تأكله الديدان والطيور ويستحيل دماً وبخاراً وهواء ويمتزج بهواء العالم وبخاره ومائه امتزاجاً يبعد انتزاعه واستخلاصه.
يستقبح جمع أجزاء الميت وحدها
ولكن إن فرض ذلك اتكالاً على قدرة الله فلا يخلوا إما أن يجمع الأجزاء التي مات عليها فقط فينبغي أن يكون معاد الأقطع ومجذوع الأنف والأذن وناقص الأعضاء كما كان، وهذا مستقبح لا سيما في أهل الجنة وهم الذين خلقوا ناقصين في ابتداء الفترة فإعادتهم إلى ما كانوا عليه من الهزال عند الموت في غاية النكال. هذا إن اقتصر على جمع الأجزاء الموجودة عند الموت.
ولا يمكن جمع جميع الأجزاء التي كانت في طول عمره
وإن جمع جميع أجزائه التي كانت موجودة في جميع عمره فيه فهو محال من وجهين: أحدهما أن الإنسان إذا تغذى بلحم إنسان، وقد جرت العادة به في بعض البلاد ويكثر وقوعه في أوقات القحط، فيتعذر حشرهما جميعاً لأن
стр. 204
مادة واحدة كانت بدناً للمأكول وصارت بالغذاء بدناً للآكل ولا يمكن رد نفسين إلى بدن واحد. والثاني أنه يجب أن يعاد جزء واحد كبداً وقلباً ويداً ورجلاً فإنه ثبت بالصناعة الطبية أن الأجزاء العضوية يغتذي بعضها بفضلة غذاء البعض فيتغذى الكبد بأجزاء القلب وكذلك سائر الأعضاء. فنفرض أجزاء معينة قد كانت مادة لجملة من الأعضاء فإلى أي عضو تعاد؟ بل لا يحتاج في تقرير الاستحالة الأولى إلى أكل الناس الناس فإنك إذا تأملت ظاهر التربة المعمورة علمت بعد طول الزمان أن ترابها جثث الموتى قد تتربت وزرع فيها وغرس وصار حباً وفاكهة وتناولها الدواب فصارت لحماً وتناولناها فعادت بدناً لنا، فما من مادة يشار إليها إلا وقد كانت بدناً لأناس كثيرة فاستحالت وصارت تراباً ثم نباتاً ثم لحماً ثم حيواناً. بل يلزم منه محال ثالث وهو أن النفوس المفارقة للأبدان غير متناهية والأبدان أجسام متناهية فلا تفي المواد التي كانت مواد الإنسان بأنفس الناس كلهم بل تضيق عنهم.
وأما الثالث فهو محال، فالأنفس هي متناهية
وأما القسم الثالث وهو رد النفس إلى بدن إنساني من أي مادة كانت وأي تراب اتفق فهذا محال من وجهين: أحدهما أن المواد القابلة للكون والفساد محصورة في مقعر فلك القمر لا يمكن عليها مزيد وهي متناهية والأنفس المفارقة للأبدان غير متناهية فلا تفي بها.
فليس هناك طرق مقبولة
والثاني أن التراب لا يقبل تدبير النفس ما بقي تراباً بل لا بد وأن تمتزج العناصر امتزاجاً يضاهي امتزاج النطفة، بل الخشب والحديد لا يقبل
стр. 205
هذا التدبير ولا يمكن إعادة الإنسان وبدنه من خشب أو حديد بل لا يكون إنساناً إلا إذا انقسم أعضاء بدنه إلى اللحم والعظم والأخلاط، ومهما استعد البدن والمزاج لقبول نفس استحق من المبادئ الواهبة للنفوس حدوث نفس فيتوارد على البدن الواحد نفسان.
ولا يسلم بالتناسخ
وبهذا بطل مذهب التناسخ وهذا المذهب هو عين التناسخ فإنه رجع إلى اشتغال النفس بعد خلاصها من البدن بتدبير بدن آخر غير البدن الأول. فالمسلك الذي يدل على بطلان التناسخ يدل على بطلان هذا المسلك.
اعتراضنا أن نختار القسم الثالث وهو لا يخالف الشرع
والاعتراض هو أن يقال: بم تنكرون على من يختار القسم الأخير ويرى أن النفس باقية بعد الموت؟ وهو جوهر قائم بنفسه وأن ذلك لا يخالف الشرع بل دل عليه الشرع في قوله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم" وبقوله ﵇: أرواح الصالحين في حواصل طير خضر معلقة تحت العرش، وبما ورد من الأخبار بشعور الأرواح بالصدقات والخيرات وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر وغيره وكل ذلك يدل على البقاء.
وفيه عود محقق
نعم قد دل مع ذلك على البعث والنشور بعده هو بعث البدن. وذلك ممكن بردها إلى بدن أي بدن كان سواء كان من مادة البدن الأول أو من غيره أو من مادة استؤنف خلقها، فإنه هو بنفسه لا ببدنه إذ يتبدل عليه أجزاء البدن من الصغر إلى الكبر بالهزال والسمن وتبدل الغذاء ويختلف مزاجه مع ذلك وهو ذلك الإنسان بعينه فهذا مقدور لله ويكون ذلك عوداً لذلك النفس فإنه كان قد تعذر عليه أن يحظى بالآلام واللذات الجسمانية بفقد الآلة وقد أعيدت إليه آلة مثل الأولى فكان ذلك عوداً محققاً.
стр. 206
النفوس ليست غير متناهية
وما ذكرتموه من استحالة هذا بكون النفوس غير متناهية وكون المواد متناهية محال لا أصل له فإنه بناء على قدم العالم وتعاقب الأدوار على الدوام ومن لا يعتقد قدم العالم فالنفوس المفارقة للأبدان عنده متناهية وليست أكثر من المواد الموجودة، وإن سلم أنها أكثر فالله تعالى قادر على الخلق واستئناف الاختراع وإنكاره إنكار لقدرة الله على الأحداث. وقد سبق إبطاله في مسألة حدث العالم.
أما التناسخ فلا مشاحة في الأسماء
وأما إحالتكم الثانية بأن هذا تناسخ فلا مشاحة في الأسماء فما ورد الشرع به يجب تصديقه فليكن تناسخاً وإنما نحن ننكر التناسخ في هذا العالم. فأما البعث فلا ننكره سمي تناسخاً أو لم يسم.
والله قادر على تدبير الأمر
وقولكم إن كل مزاج استعد لقبول نفس استحق حدوث نفس من المبادئ رجوع إلى أن حدوث النفس بالطبع لا بالإرادة وقد أبطل ذلك في مسألة حدث العالم. كيف ولا يبعد على مساق مذهبكم أيضاً أن يقال: إنما يستحق حدوث نفس إذا لم يكن ثم نفس موجودة فتستأنف نفس؟ فيبقى أن يقال: فلم لم تتعلق بالأمزجة المستعدة في الأرحام قبل البعث والنشور بل في عالمنا هذا؟ فيقال: لعل الأنفس المفارقة تستدعي نوعاً آخر من الاستعداد ولا يتم سببها إلا في ذلك الوقت. ولا بعد في أن يفارق الاستعداد المشروط للنفس الكاملة المفارقة الاستعداد المشروط للنفس الحادثة ابتداء التي لم تستفد كمالاً بتدبير البدن مدة، والله تعالى أعرف بتلك الشروط وبأسبابها وأوقات حضورها وقد ورد الشرع به وهو ممكن فيجب التصديق به.
مسلكهم الثاني كما أن قلب الحديد ثوباً
يقتضي تعدد الاستحالات
المسلك الثاني أن قالوا: ليس في المقدور أن يقلب الحديد ثوباً منسوجاً بحيث يتعمم به إلا بأن تحلل أجزاء الحديد إلى العناصر
стр. 207
بأسباب تستولي على الحديد فتحلله إلى بسائط العناصر ثم تجمع العناصر وتدار في أطوار في الخلقة إلى أن تكتسب صورة القطن ثم يكتسب القطن صورة الغزل ثم الغزل يكتسب الانتظام المعلوم الذي هو النسج على هيئة معلومة. ولو قيل إن قلب الحديد عمامة قطنية ممكن من غير الاستحالة في هذه الأطوار على سبيل الترتيب كان محالاً. نعم يجوز أن يخطر للإنسان أن هذه الاستحالات يجوز أن تحصل كلها في زمان متقارب لا يحس الإنسان بطولها فيظن أنه وقع فجأة دفعة واحدة.
هذا ما يقتضيه أيضاً تجدد بدن الإنسان لترد النفس إليه
وإذا عقل هذا فالإنسان المبعوث المحشور لو كان بدنه من حجر أو ياقوت أو در أو تراب محض لم يكن إنساناً بل لا يتصور أن يكون إنساناً، إلا أن يكون متشكلاً بالشكل المخصوص مركباً من العظام والعروق واللحوم والغضاريف والأخلاط، والأجزاء المفردة تتقدم على المركبة فلا يكون البدن ما لم تكن الأعضاء ولا تكون الأعضاء المركبة ما لم تكن العظام واللحوم والعروق ولا تكون هذه المفردات ما لم تكن الأخلاط ولا تكون الأربعة ما لم تكن موادها من الغذاء ولا يكون الغذاء ما يكن حيوان أو نبات وهو اللحم والحبوب ولا يكون حيوان ونبات ما لم تكن العناصر الأربعة جميعاً ممتزجة بشرائط مخصوصة طويلة أكثر مما فصلنا جملتها. فإذن لا يمكن أن يتجدد بدن إنسان لترد النفس إليه إلا بهذه الأمور.
وهذا محال من جميع الوجوه
ولها أسباب كثيرة: أفينقلب التراب إنساناً بأن يقال له كن؟ أو بأن تمهد أسباب انقلابه في هذه الأدوار وأسبابه هي إلقاء النطفة المستخرجة من لباب بدن الإنسان في رحم حتى يسمد من دم الطمث ومن الغذاء مدة حتى يتخلق مضغة ثم علقة ثم جنيناً ثم طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً.
стр. 208
فقول القائل: يقال له كن فيكون، غير معقول إذ التراب لا يخاطب وانقلابه إنساناً دون التردد في هذه الأطوار محال. وتردده في هذه الأطوار دون جريان هذه الأسباب محال فيكون البعث محالاً.
اعتراضنا هذا لا بد منه ولو في زمان طويل
والاعتراض أنا نسلم أن الترقي في هذه الأطوار لا بد منه حتى يصير بدن الإنسان كما لا بد منه حتى يصير الحديد عمامة فإنه لو بقي حديداً لما كان ثوباً بل لا بد وأن يصير قطناً مغزولاً ثم منسوجاً. ولكن ذلك في لحظة أو في مدة ممكن ولم يبن لنا أن البعث يكون في أوحى ما يقدر إذ يكون جمع العظام وإنشاز اللحم وإنباته في زمان طويل وليس المناقشة فيه.
وهذا يحصل بقدرة الله إما من غير واسطة
وإنما النظر في أن الترقي في هذه الأطوار يحصل بمجرد القدرة من غير واسطة أو بسبب من الأسباب، وكلاهما ممكنان عندنا كما ذكرناه في المسألة الأولى من الطبيعيات عند الكلام على إجراء العادات، وإن المقترنات في الوجود اقترانها ليس على طريق التلازم بل العادات يجوز خرقها فيحصل بقدرة الله تعالى هذه الأمور دون وجود أسبابها.
أو بواسطات غريبة
وأما الثاني فهو أن نقول: ذلك يكون بأسباب ولكن ليس من شرط أن يكون السبب هو المعهود بل في خزانة المقدورات عجائب وغرائب لم يطلع عليها ينكرها من يظن أن لا وجود إلا لما شاهده، كما ينكر طائفة السحر والنارنجات والطلسمات والمعجزات والكرامات وهي ثابتة بالاتفاق بأسباب غريبة لا يطلع عليها.
стр. 209
من استنكر قوة المغناطيس ثم شاهدها
تعجب منها فهكذا يتعجبون
بل لو لم ير إنسان المغناطيس وجذبه للحديد وحكي له ذلك لاستنكره وقال: لا يتصور جذب للحديد إلا بخيط يشد عليه ويجذب فإنه المشاهد في الجذب، حتى إذا شاهده تعجب منه وعلم أن علمه قاصر عن الإحاطة بعجائب القدرة. وكذلك الملحدة المنكرة للبعث والنشور إذا بعثوا ورأوا عجائب صنع الله فيه ندموا ندامة لا تنفعهم ويتحسرون على جحودهم تحسراً لا يغنيهم ويقال لهم: "هذا الذي كنتم به تكذبون" كالذي يكذب بالخواص والأشياء الغريبة.
إن الإنسان لو خلق عاقلاً لأنكر خلق الإنسان من النطفة
بل لو خلق إنسان عاقلاً ابتداء وقيل له إن هذه النطفة القذرة المتشابهة الأجزاء تنقسم أجزاؤها المتشابهة في رحم آدمية إلى أعضاء مختلفة لحمية وعصبية وعظمية وعرقية وغضروفية وشحمية فيكون منه العين على سبع طبقات مختلفة في المزاج واللسان والأسنان على تفاوتهما في الرخاوة والصلابة مع تجاورهما وهلم جرا إلى البدائع التي في الفطرة لكان إنكاره أشد من إنكار الملحدة حيث قالوا: أئذا كنا عظاماً نخرة الآية.
فيجب عدم إنكار ما لم يشاهد
فليس يتفكر المنكر للبعث أنه من أين عرف انحصار أسباب الوجود فيما شاهد ولم يبعد أن يكون في إحياء الأبدان منهاج غير ما شاهده. وقد ورد في بعض الأخبار أنه يعم الأرض في وقت البعث مطر قطراتها تشبه النطف وتختلط بالتراب فأي بعد في أن يكون في الأسباب الإلهية أمر يشبه ذلك ونحن لا نطلع عليه ويقتضي ذلك انبعاث الأجساد واستعدادها لقبول النفوس المحشورة، وهل لهذا الإنكار مستند إلا الاستبعاد المجرد؟
стр. 210
قد يقال إن الفعل الإلهي لا يتغير وهو دوري
فإن قيل: الفعل الإلهي له مجرى واحد مضروب لا يتغير ولذلك قال تعالى: "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" وقال: "ولن تجد لسنة الله تبديلا" وهذه الأسباب التي أوهمتهم إمكانها إن كانت فينبغي أن تطرد أيضاً وتتكرر إلى غير غاية وأن يبقى هذا النظام الموجود في العالم من التولد والتوالد إلى غير غاية. وبعد الاعتراف بالتكرر والدور فلا يبعد أن يختلف منهاج الأمور في كل ألف ألف سنة مثلاً ولكن يكون ذلك التبدل أيضاً دائماً أبدياً على سنن واحد فإن سنة الله لا تبديل فيها.
ويصدر عن الإرادة وهي غير متعينة
وهذا لمكان أن الفعل الإلهي يصدر عن المشيئة الإلهية والمشيئة الإلهية ليست متعينة الجهة حتى يختلف نظامها باختلاف جهاتها فيكون الصادر منها كيف ما كان منتظماً انتظاماً يجمع الأول والآخر على نسق واحد كما نراه في سائر الأسباب والمسببات.
وستكون الآخرة والقيامة
فإن جوزتم استمرار التوالد والتناسل بالطريق المشاهد الآن أو عود هذا المنهاج ولو بعد زمان طويل على سبيل التكرر والدور فقد رفعتم القيامة والآخرة وما دل عليه ظواهر الشرع إذ يلزم عليه أن يكون قد تقدم على وجودنا هذا البعث كرات وسيعود كرات وهكذى على الترتيب.
ولا يمكن انقسام الحالات إلى ثلاثة
وإن قلتم إن السنة الإلهية بالكلية تتبدل إلى جنس آخر ولا تعود قط هذه السنة وتنقسم مدة الإمكان إلى ثلاثة أقسام: قسم قبل خلق العالم إذ كان الله ولا عالم وقسم بعد خلقه على هذا الوجه وقسم به الاختتام وهو المنهاج البعثي، بطل الاتساق والانتظام وحصل التبديل لسنة الله وهو محال فإن
стр. 211
هذا إنما يمكن بمشيئة مختلفة باختلاف الأحوال أما المشيئة الأزلية فلها مجرى واحد مضروب لا تتبدل عنه لأن الفعل مضاه للمشيئة والمشيئة على سنن واحد لا تختلف بالإضافة إلى الأزمان؟
وهذا لا يناقض القول بأن الله "قادر على كل شيء "
وزعموا أن هذا لا يناقض قولنا إن الله قادر على كل شيء فإنا نقول إن الله قادر على البعث والنشور وجميع الأمور الممكنة على معنى أنه لو شاء لفعل، وليس من شرط صدق قولنا هذا أن يشاء ولا أن يفعل. وهذا كما أنا نقول إن فلاناً قادر على أن يجز رقبة نفسه ويبعج بطن نفسه ويصدق ذلك على معنى أنه لو شاء لفعل ولكنا نعلم أنه لا يشاء ولا يفعل.
ولا يناقضه أنه "لا يشاء ولا يفعل "
وقولنا: لا يشاء ولا يفعل لا يناقض قولنا إنه قادر بمعنى أنه لو شاء لفعل فإن الحمليات لا تناقض الشرطيات كما ذكر في المنطق إذ قولنا: لو شاء لفعل، شرطي موجب وقولنا: ما شاء وما فعل، حملتان سالبتان والسالبة الحملية لا تناقض الموجبة الشرطية. فإذن الدليل الذي دلنا على أن مشيئة أزلية وليست متفننة يدلنا على أن مجرى الأمر الإلهي لا يكون إلا على انتظام وإن اختلفت في آحاد الأوقات فيكون اختلافها أيضاً على انتظام واتساق بالتكرر والعود وأما غير هذا فلا يمكن.
جوابنا يمكن انقسام الحالات إلى ثلاثة
والجواب أن هذا استمداد من مسألة قدم العالم وأن المشيئة قديمة فليكن العالم قديماً وقد أبطلنا ذلك وبينا أنه لا يبعد في العقل وضع ثلثة أقسام وهو
стр. 212
أن يكون الله موجوداً ولا عالم ثم يخلق العالم على النظم المشاهد ثم يستأنف نظماً ثانياً وهو الموعود في الجنة ثم يعدم الكل حتى لا يبقى إلا الله وهو ممكن لولا أن الشرع قد ورد بأن الثواب والعقاب والجنة والنار لا آخر لهما.
المسألة تنبنى على المسألتين الأولى والسابعة عشرة
وهذه المسألة كيف ما رددت تنبنى على مسئلتين إحديهما حدث العالم وجواز حصول حادث من قديم الثانية خرق العادات بخلق المسببات دون الأسباب أو إحداث أسباب على منهج آخر غير معتاد، وقد فرغنا عن المسئلتين جميعاً.
стр. 213
خاتمة الكتاب
هل هم كافرون ؟
فإن قال قائل: قد فصلتم مذاهب هؤلاء أفتقطعون القول بكفرهم ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم؟
تكفيرهم لا بد منه
في المسائل الأولى والثالثة عشرة والسابعة عشرة
قلنا: تكفيرهم لا بد منه في ثلث مسائل إحديها مسألة قدم العالم وقولهم إن الجواهر كلها قديمة
стр. 214
والثانية قولهم إن الله لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص والثالثة في إنكارهم بعث الأجساد وحشرها، فهذه المسائل الثلث لا تلائم الإسلام بوجه ومعتقدها معتقد كذب
стр. 215
الأنبياء. وإنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة تمثيلاً لجماهير الخلق وتفهيماً وهذا هو الكفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين.
وفي غيرها من المسائل
فمذهبهم قريب من مذاهب الفرق الإسلامية
فأما ما عدا هذه المسائل الثلث من تصرفهم في الصفات الإلهية واعتقاد التوحيد فيها فمذهبهم قريب من مذاهب المعتزلة ومذهبهم في تلازم الأسباب الطبيعية هو الذي صرح المعتزلة به في التولد، وكذلك جميع ما نقلناه عنهم قد نطق به فريق من فرق الإسلام إلا هذه الأصول الثلث. فمن يرى تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفرهم أيضاً به ومن يتوقف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل.
المسائل التي لا يحسن الخوض فيها
وأما نحن فلسنا نؤثر الآن الخوض في تكفير أهل البدع وما يصح
следующие страницы →