← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المشهور أن الأدب وأهله كان عند أصحاب حماه في الذروة العالية ولكن قصة زكي الدين بن عبد الرحمن العوفي مع الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك تقي الدين عمر بن شهنشاه كانت على غير المعهود منه ومن سلفه الطاهر وما ذاك إلا أن زكي الدين المذكور أنشد الملك المظفر محموداً قبل أن يتملك حماه: متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدن هناك أنشد والأمال حاضرة ... هنئت بالملك والأحباب والوطن فوعده إن تملك حماه أن يعطيه ألف دينار فلما ملكها أنشد: مولاي هذا الملك قد نلته ... برغم مخلوقٍ من الخالق والدهر منقادٌ لما شئته ... فذا أوان الموعد الصادق فدفع له ألف دينار وأقام معه مدة ولزمته أسفار أنفق فيها المال الذي أعطاه ولم يحصل بيده زيادة عليه فقال: إن الذي أعطوه لي جملةً ... قد استردوه قليلاً قليل فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيل فبلغ ذلك الملك المظفر فأخرجه من دار كان قد أنزله بها فقال: أتخرجني من كسر بيتٍ مهدّمٍ ... ولي فيك من حسن الثناء بيوت فإن عشت لم أعدم مكاناً يضمني ... وأنت فتدري ذكر من سيموت فحبسه المظفر فقال ما ذنبي إليك فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وأمر بخنقه فلما أحسن بذلك قال: أعطيتني الألف تعظيماً وتكرمةً

стр. 107

.. يا ليت شعري أم أعطيتني ديني قلت كان والد الملك المظفر أليق بهذا المقام الذي لم يقصد به زكي الدين العوفي غير ترويج الأدب في اختلاف المعاني والمداعبة به والتوصل بذلك إلى بسط الملك المظفر ولكن حال الزكي كقول الشاعر: وكنت كالمتمني أن يرى فلقاً ... من الصباح فلما أن رآه عمي قلت وكان والد السلطان الملك المظفر المنصور من كبار أهل الأدب وكان أحب الناس لأهله وله كتاب طبقات الشعراء عشر مجلدات وسمع الحديث من الحافظ السلفي بالإسكندرية وكان مغرما بحب الأدباء والعلماء وجمع تاريخا على السنين في عشر مجلدات ومن مصنفاته كتابه المسمى بمظاهر الحقائق وسر الخلائق وهو كبير نفيس يدل على فضله وجمع عنده من الكتب ما لا مزيد عليه وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجمين والكتاب وأقامت دولته ثلاثين سنة وتوفي سنة عشر وستمائة ومن شعره: أربي راحٌ وريحا ... نٌ ومحبوبٌ وشادي والذي ساق لي المل ... ك له دفع الأعادي قلت وقد تقدم القول وقد تقرر أن جميع ملوك حماة المحروسة من بني أيوب وكان لهم المام بالأدب وأهله وقد تعين أن نذكر هنا ترجمة ومؤيدهم فإنه كان بدر كمالهم ومسك ختامهم وهو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن

стр. 108

الملك الأفضل ابن الملك المظفر ابن الملك المنصور بن الملك المظفر صاحب حماة المحروسة كان أميراً بدمشق المحروسة فخدم الملك الناصر لما كان بالكرك وبالغ في خدمته فوعده بحماة ووفى له بذلك وجعله بها سلطانا يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره ليس لأحد من الدولة المصرية معه حديث وأركبه في القاهرة بشعار المملكة وأبهة السلطنة ومشى الأمراء في خدمته حتى الأمير سيف الدين ابن أرغون النائب وقام له القاضي كريم الدين بكل ما يحتاج إليه في ذلك المهم من التشاريف والانعامات على وجوه الدولة ولقبوه بالملك الصالح ثم بعد ذلك بقليل لقب بالمؤيد وتقدم أمر السلطان الملك الناصر إلى نوابه أن يكتبوا إليه يقبل الأرض والمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي وفي العنوان صاحب حماه وكان الملك الناصر يكتب إليه أخوه محمد بن قلاوون أعز الله المقام الشريف العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي المولوي. وكان الملك المؤيد من علماء الفقه والأدب والطب والحكمة والهيئة ونظم الحاوي وله تاريخ بديع وكتاب الكنائس وكتاب تقويم البلدان هذبه وجدوله وأجاد فيه ما شاء وله كتاب الموازين. وكان قد رتب للشيخ جمال الدين بن نباتة في كل شهر ألف درهم غير ما يتحفه وهو مقيم بدمشق وتوجه الملك المؤيد في بعض السنين إلى الديار

стр. 109

المصرية ومعه ابنه الملك الأفضل محمد ولده فجهز إليه السلطان الحكيم جمال الدين بن المغربي رئيس الأطباء فكان يجيء إليه بكرة وعشيا فيراه ويبحث معه في مرضه ويقدر له الأدوية ويطبخ له الشراب بيده في دست فضة فقال له ابن المغربي يا مولانا السلطان أنت والله ما تحتاج إلى المملوك وما أجيء به إلا امتثالا للأوامر الشريفة ولما عوفي أعطاه بغلة بسرج ذهب ولجام وكنبوش مزركش وعشرة آلاف درهم والدست الفضة وقال يا رئيس أعذرني فإني لما خرجت من حماة ما حسبت مرض هذا الولد ومدحه شعراء زمانه وأجازهم وبنى بظاهر حماة المحروسة جامعاً حسناً وسماه جامع الدهيشة وأوقف عليه كتباً قيل إنها ما أجتمعت لغيره من سائر الفنون فإنه اجتهد في جمعها من سائر البلاد شرقا وغربا وتوفي ﵀ سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة ومن شعره: كم من دمٍ حلت وما ندمت ... تفعل ما تشتهي فلا عدمت سمت فلو تبلغ الشموس إلى ... لثم مواطىء أقدامها لثمت والمنقول عن القاسم المكنى بأبي دلف أنه جمع بين طرفي الكرم والشجاعة ولي دمشق في خلافة المعتصم فأما شجاعته فإنه لحق قوما من الأكراد قطعوا الطريق فطعن فارساً طعنة فنفذت الطعنة إلى فارس آخر رديفه فقتلهما فقال بكر بن النطاح: قالوا وينظم فارسين بطعنةٍ ... يوم الهياج ولا تراه كليلا

стр. 110

لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميلٌ إذاً نظم الفوارس ميلا وفيه يقول ابن عنين: تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتفِ ظننت أن نزال القرن من خلقي ... وأن قلبي من جنبيّ أبي دلف وأما شهرته في الكرم فهو الذي قال فيه أبو تمام: يا طالباً للكيمياء وعلمها ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلاّ درهمٌ ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم ودخل عليه بعض الشعراء فأنشد: أبو دلفٍ إن المكارم لم تزل ... مغلغلةً تشكو إلى الله حلها فبشرها منه بميلاد قاسمٍ ... فأرسل جبريلاً إليها فحلها فأمر له بمال فقال الخازن لم يكن هذا القدر ببيت المال فأمر له بضعفه فقال هذا غير ممكن فأمر له بضعفه فلما حمل إليه المال قال أبو دلف: أتعجب إن رأيت عليَّ ديناً ... وإن ذهب الطريف مع التلاد وما وجبت عليّ زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على جواد. وقال آخر: إن سار سار المجد أو حلّ وَقَفْ ... أنظر بعينيك إلى أسنى الشرف هل ناله بقدرةٍ أو بكلف ... خلقٌ من الناس سوى أبي دلف فأعطاه خمسين ألف درهم وفيه يقول العكوك بن علي بن أبي جبلة: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره

стр. 111

كلُّ من في الأرض من عربٍ ... بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمةً ... يكتسبها يوم مفتخره فأعطاه أبو دلف مائة ألف درهم. ولما بلغت المأمون غضب غضباً شديداً على العكوك فطلب فهرب فاجتهدوا إلى أن جاءوا به مقيداً فلما صار بين يديه قال له يا ابن اللخناء أنت القائل في مدحك لأبي دلف كل من في الأرض من عرب البيتين جعلتنا ممن يستعير المكارم منه ويفتخر بها فقال يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاسم بكم لأن الله تعالى اختصكم لنفسه على عباده وآتاكم الكتاب والحكم وإنما ذهبت في شعري لأقران وإشكال أبي دلف فقال والله ما أبقيت من أحد ولقد أدخلتنا في الكل، وما أستحل دمك بهذا، ولكن بكفرك حيث قلت في عبد ذليل مهين: أنت الذي تنزل الآياتِ منزلها ... وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال وما نظرت مدى طرفٍ إلى أحدٍ ... إلا قضيت بأرزاقٍ وآجال ذاك هو الله يا كافر أخرجوا لسانه من قفاه ففعلوا به ذلك فمات. ومن مصنفاته كتاب البزاة والصيد وكتاب السلاح وكتاب النزه وكتاب سياسة الملوك وكانت له اليد الطولى في الغناء وهو مترجم بذلك في كتاب الأغاني وذكر أبو عبيدة في كتاب مثالب أهل البصرة أن النضر بن شميل النحوي البصري كان عالما بفنون من العلم صاحب غريب وفقه وشعر ومعرفة بأيام العرب ورواية الحديث وهو من أصحاب الخليل بن أحمد فاتفق أن ضاقت به المعيشة ورق حاله فخرج يريد خراسان فشيعه من

стр. 112

أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو عروضي أو لغوي أو إخباري أو فقيه فلما بعدوا عن المدينة جلس فقال يا أهل البصرة يعز عليّ فراقكم والله لو وجدت كل يوم أكلة باقلاء ما فارقتكم قال فلم يكن أحد فيهم يتكلف له ذلك القدر اليسير وسار حتى وصل إلى خراسان فاستفاد بها مالا عظيما فمن ذلك أنه أخذ على حرف ثمانين ألف درهم وهذه القصة نقلها الحريري صاحب المقامات في كتابه المسمى بدرة الغواص في أوهام الخواص قال حكي عن محمد بن ناصح الأهوازي قال حدثني النضر بن شميل المازني قال كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات ليلة وعليَّ قميص مرقوع فقال يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان قلت يا أمير المؤمنين أنا رجل كبير وضعيف وحرُّ مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان قال لا ولكنك تتقشف ثم أجرينا الحديث فأجرى ذكر النساء فقال حدثني هشام عن مجاهد عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لجمالها ودينها كانت سداداً من عوز بفتح السين من سداد فقلت صدق يا أمير المؤمنين هشام حدثنا عوف عن ابن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كانت سدادا من عوز بكسر السين قال وكان أمير

стр. 113

المؤمنين متكئاً فاستوى جالساً وقال يا نضر كيف قلت سداداً قلت نعم يا أمير المؤمنيت لأن سدادا بالفتح هنا لحن قال أو تلحنني قلت إنما لحن هشام وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه قال فما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسداد بالكسر البالغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد قال أو تعرف العرب ذلك قلت نعم هذا العرجي يقول: أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فقال المأمون قبح الله من لا أدب له وأطرق مليا ثم قال ما مالك يا نضر قلت أريضة لي بمرو قال أفلا نفيدك معها مالا قلت إني إلى ذلك لمحتاج قال فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب ثم قال كيف تقول إذا أمرت أن يترب قلت أتربه قال فهو ماذا قلت مترب قال فمن الطين قلت أظنه قال فهو ماذا قلت مطين قال هذه أحسن من الأولى ثم قال يا غلام أتربه ثم صلى بنا العشاء ثم قال لغلامه تبلغ النضر إلى الفضل بن سهل قال فلما قرأ الفضل الكتاب قال يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم أكذبه شيئا فقال ألحنت أمير المؤمنين قلت كلا إنما لحن هشام وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ثم أمر لي الفضل بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف واحد انتهى. وحكي أن النضر ابن شميل مرض فدخل عليه قوم يعودونه فقال له رجل منهم يكنى أبا صالح مسح الله ما بك فقال لا تقل مسح

стр. 114

بالسين ولكن قل مصح الله بالصاد أي أذهبه وفرقه أما سمعت قول الأعشى: وإذا ما الخمر فيها أزبدت ... أفل الإزباد فيها ومصح فقال له الرجل أن السين قد تبدل بالصاد كما يقال الصراط والسراط وصقر وسقر فقال له النضر فأنت إذا أبو سالح. قلت ويشبه هذه النادرة ما حكي أن بعض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات أن تقام السين مقام الصاد في كل موضع فقال الوزير أتقول جنات عدن بدخلونها ومن صلح من آبائهم أم سلح فخجل الرجل وانقطع والذي ذكره أرباب اللغة في جواز إبدال الصاد من السين أنه في كل كلمة كان فيها سين وجاء بعدها أحد الحروف الأربعة وهي الطاء والخاء والغين والقاف فتقول الصراط والسراط وفي سخَّر لكم صخر لكم وفي مسغبة مصغبة وفي سيقل صيقل وقس على هذا. ونقل قاضي القضاء شمس الدين ابن خلكان في تاريخه أن أبا جعفر أحمد بن عيسى البلادري المؤرخ قال كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء فقال لست أقبل إلا من يقول مثل قول البحتري في المتوكل: فلو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر قال البلاذري فرجعت إلى داري وأتيته وقلت قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري قال هاته فأنشدته:

стр. 115

ولو أن بُرد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه فقال أرجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به فرجعت فبعث إلي سبعة آلاف دينار وقال ادخر هذه للحوادث من بعدي ولك الجراية والكفاية ما دمت حياً. ويعجبني من المدائح الرافلة في حلل الحشمة قول عبد الله الأسطرلابي: أهدي لمجلسه الكريم وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه كالبحر يمطره السحاب وما لَهُ ... فضلٌ عليه لأنه من مائه ومثله قول القاضي الفاضل وقد كتبت به إلى وزير بغداد: يا أيها المولى الوزير ومن له ... مننٌ حللن من الزمان وثاقي من شاكرٌ عني نداك فإنني ... من عظمِ ما أوليت صاق نطاقي مننٌ تخفُّ على يديك وإنما ... ثقلت مؤنتها على الأعناق قلت كان نظم القاضي الفاضل ﵀ ونثره كفرسي رهان ولكن نثر أكثر مما نظم. وأجمع الناس أنه أتى مع الإكثار بالعجائب. وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو يجيد في أكثرها ولعمري إن الإنشاء الذي صدر في الأيام الأموية والأيام العباسية نسي وألغي بإنشاء الفاضل وما أخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة

стр. 116

والأنواع البديعة والذي يؤيده قول العماد الكاتب في الخريدة إنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع. ومن غرر نثره هذه الرسالة التي أنشأها في حمائم الرسائل وسحب فيها ذيل البلاغة والفصاحة على سحبان وائل، وهي سرحة لا تحمل من البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوير الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة، وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا، وتركب الجو بحرا يصفق فيه هبوب الرياح موجاً مرفوعاً، وتعلق الحاجات على إعجازها، ولا تعوق الإرادات عن إنجازها ومن بلاغات البطائق استعادت ما هي مشهورة به من السجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهي دائمة الرجع، وقد سكنت النجوم فهي أنجم، وأعدت في كنانتها فهي للحاجات أسهم، وكادت تكون ملائكة لأنها رسل، وإذا أنيطت بالرقاع صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها، وجعلها طيف خيال اليقظة الذي صدق العين وما كذبها، وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقا وأدت من أذنابها أورقاا، وصارت خوافي من وراء الخوافي، وأعطت سرها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الصوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون

стр. 117

بملاحظتها تلاحظ نجم السعود، وهي أنبياء الطيور لكثرة ما تأتي به من الأنباء وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء. ومن غريب المنقول أنني حضرت في بعض الليالي على جانب النيل المبارك في خدمة مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب دواوين الانشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة كان تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان وبيده الكريمة جزء من تذكرة الشيخ صلاح الدين الصفدي بخطه وهذه الرسالة أول الجزء فشرع في قراءتها وكررها مرارا وهو يترنم في بديعها وغريبها ورسم في أثناء ذلك بمعارضتها فلم أجد بدا من الشروع لالتزام الواجب واوترت قوس العزم مطمئنا بهذا الرأي الصائب وقد أوصلت هنا شمل القطعتين ليتأمل المتأمل في جنى الجنتين وينزه نظره في حدائق الروضتين ويطرب لسجع حمائم الدوحتين. قلت شرح فما سرح العيون إلا دون رسالته المقبولة، وطلب السبق فلم يرض مفرق البرق سرجا ولا استطلى صفحته المصقولة، وهمز جواد التسليم فقصر وأمست أذياله بعرق السحب مبلولة، وارسل فأقره الناس برسالته وكتابه الصدق، وانقطع كوكب الصبح خلفه فقال عند التقصير كنت نجابا، وعلى يدي مخلق يؤدي ما جاء على يده من الترسل فيهيج الأشواق، وما برحت الحمائم تحسن الأداء في الأوراق، وصحبناه على الهدى فقال ما ضل صاحبكم وما غوى، ومن روى عنه حديث الفضل المسند

стр. 118

فعن عكرمة قد روي، يطير مع الهواء لفرط صلاحه ولم يبق على السر المصون جماح، إذا دخل تحت جناحه إن برز من مقصفه، لم يبق للبرد قيمة بل تنعزل بتدبيج أوراقه، وتعلق عليه من العين التميمة ما سجن إلا صبر على السجن وضيق الأطواق، ولهذا حمدت عواقبه على الإطلاق، ولا غنى على عود إلا أسال دموع الندى من حدائق الرياض، ولا أطلق من كبد الجو إلا كان سهما مريضا تبلغ به الأغراض، كما علا فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس، وأمسى عند الهبوط لعين الهلال كالشمس، فهو الطائر الميمون والغاية السباقة، والأمير الذي إذا أودع أسرار الملوك حملها بطاقة، فهو من الطيور التي خلا لها الجو فنقرت ما شاءت من حبات النجوم، والعجماء التي من أخذ عنها شرح المعلقات فقد أعرب عن دقائق الفهوم، والمقدمة والنتيجة الكتاب الحجلي في منطق الطير وهو من جملة الكتاب الذي إذا وصل القارىء منه إلى الفتح تهلل بفاتحة الخير، وإن تصدر البازي بغير علم فكم جمعت بين طرفي كتاب وإن سألت العقبان عن بديع السجع أحجمت عن رد الجواب. شعر: رعت النسورٌ بقوةٍ جيفَ الفلا ... ورعى الذبابُ الشهدَ وهو ضعيف ما قدمت إلا وأورثتنا من شمائلها اللطيفة نعم القادمة، وأظهرت لنا من خوافيها ما كانت له خير كاتمة، كم

стр. 119

أهدت من مخلقها وهي غادية رائحة، وكم حنت إليها الجوارح وهي أدام الله اطلاقها غير جارحة، وكم أدارت من كؤوس السجع ما هو أرق من قهوة الانشا، وأبهج على زهر المنثور من صبيح الأعشا، وكم عامت بحور الفضا ولم تحفل بموج الجبال، وكم جاءت ببشارة وخضبت الكف ورمت من تلك الأنملة قلامة الهلال، وكم زاحمت النجوم بالمناكب حتى ظفرت بكف الخضيب، وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشفق لأمر مريب، وكم لمع في أصيل الشمس خضاب كفها الوضاح، فصارت بسموها وفرط البهجة كمشكاة فيها مصباح، والله تعالى يديم بأفنان أبوابه العالية ألحان السواجع، ولا برح تغريدها مطربا بين البادي والراجع، انتهى. وذكر ضياء الدين أبو الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير الجزري في كتابه المسمى بالوشي المرقوم في حل المنظوم قال حدثني الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني بمدينة دمشق سنة ٥٨٨ ثمان وثمانين وخمسمائة وكان إذ ذاك كاتب الدولة الصلاحية أن فن الانشاء لا تخلو منه رأس مكانا أو بيانا وكل من أنشأ أقام لسلطانه بانشائه سلطانا وكان من العادة أن كلا من أرباب البيوت إذا نشأ له ولد أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويسمع فأرسلني والدي وكان إذ ذاك قاضيا بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ العبيدي وهو أحد خلفائها فدخلت يدون المكاتبات وكان الذي يرأس به في تلك الأيام وهو صاحب الإنشاء

стр. 120

بمصر موفق الدين أبا الحجاج يوسف المعروف بابن الخلال فلما مثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبي رحب بي ثم قال ما الذي أعددت لفن الانشاء وكتابته فقلت ليس عندي سوى أني احفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة فقال في هذا بلاغ ثم امرني بملازمته فلما ترددت إليه وتدربت عليه وطال تدريبي بين يديه أمرني أن أحل عليه ديوان الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني أن أحله مرة أخرى فحللته انتهى ما ذكره ابن الأثير قلت وقال عماد الدين الكاتب في كتاب الخريدة في حق موفق الدين بن الخلال: كان فن الترسل والإنشاء آل إليه وكان في ذلك ناظر مصره وإنسان ناظره وقبلة جامع مفاخره قلت الذي ثبت عند المؤرخين وعلماء هذا الفن أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أخذ علم الإنشاء وحكمه عن موفق الدين بن الخلال منشىء الخليفة الحافظ العلوي ورتبته في الإنشاء معلومة ولكن جنحت إلى الوقوف على شيء من نظمه لأنظر في الرتبتين كما قررت ذلك في نظم القاضي الفاضل ونثره فوجدت قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ﵀ قد أورد له في تاريخه نظما ونثرا دلني على أن نظمه نثره رضيعا لبان وفرسا رهان. فمن ذلك قوله في الشمعة ولله دره حيث أجاد: وصحيحةٍ بيضاء تطلع في الدجا ... صبحاً وتشقي الناظرين بدائها شابت ذوائبها أوان شبابها ... وأسودٌ مفرقها أوان فنائها

стр. 121

كالعين في طبقاتها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها وله: وأغنُّ سيف لحاظه ... يغري الحسام بحده عجب الورى لما جننت ... وقد فنيت ببعده وبقاء جسمي ناحلاً ... يصلى بوقدة صده نادرة كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن ارطاة أن أجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة فولِّ القضاء أفقههما فجمع بينهما فقال له إياس أيها الرجل سل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما ففهم القاسم إن سألهما عنه أشارا به فقال له لا تسل عني ولا عنه فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم مني بالقضاء فإن كنت كاذبا فلما عليك أن تولني وأنا كاذب وإن كنت صادقا فينبغي أن تقبل قولي فقال له إياس إنك جئت برجل وقفت به على شفير جهنم فنجنى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله تعالى منها وينجو مما يخاف فقال له عدي أما إذ فهمتها فأنت لها أهل فاستقضاه. نادرة لطيفة نقل ابن عبد ربه في العقد أن أبا سفيان زار معاوية في الشام فلما رجع من عنده دخل على الإمام عمر ﵁ فقال له الإمام أجدنا قال ما أصبنا شيئا فنجديك فأخذ الإمام عمر خاتمه فبعث به إلى هند وقال للرسول قال لها يقول لك أبو سفيان أنظري الخرجين اللذين جئت بهما من عند معاوية فأحضريهما فلم يلبث عمر أن أتى بالخرجين فيهما عشرة آلاف درهم فألقاها عمر في بيت المال فلما

стр. 122

وليَ عثمان بن عفان ﵁ أراد ردها إليه قال ما كنت لآخذ مالاً عابه مر علي والله إن لنا إليه حاجة ولكن لا ترد على من قبلك فيرد عليك من بعدك. استنجاز المواعيد قلت وما ظنك بشيء قد جعله الله في كتابه العزيز مدحة وفخرا لأنبيائه فقال وأذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ولو لم يكن في خلف الوعد إلا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون لكفى قال عمر بن الحرث كانوا يقولون ويفعلون فصاروا يقولون ولا يفعلون ثم صاروا لا يقولون ولا يفعلون فهم ضنوا بالكذب فضلا عن الصدق. ويعجبني قول العباس بن الأحنف: ما ضرَّ من شغل الفؤاد ببخله ... لو كان عللني بوعدٍ كاذب صبراً عليك فما أرى لي حيلةً ... إلاّ التمسُّك بالرجاء الخائب سأموت من مطلٍ وتبقى حاجتي ... فيما لديك وما لها من طالب وذكر حيان بن سليمان عامر ابن الطفيل فقال والله كان إذا وعد الخير وفى. وإذا وعد الشر أخلف وهو القائل: ولا يرهبُ ابنُ العمِّ ماعشت صولتي ... ويأمنُ منيّ صولة المتهدِّد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

стр. 123

وقال ابن حازم: إذا قلت عن شيء نعم فأتمَّهُ ... فإنَّ نعم دينٌ على الحرِّ واجبُ وإلا فقل لا، تسترح وترح بها ... لئلا يظنُّ الناس أنك كاذب ويعجبني قول عبد الصمد الرقاشي في خالد بن ديسم عامل الري وقد أبطأ عليه بوعد: أخالد إن الريَّ قد أجحفت بنا ... وضاق علينا رسمُها ومعاشها وقد أطعمتنا منك يوماً سحابةٌ ... أضاءت لنا برقاً وأبطا رشاشها فلا غيمها يصحو فيرجع طامعاً ... ولا ودقها يهمي فتروي عطاشها قلت ومن البلاغة المرقصة في هذا الباب خطاب كوثر بن زفر وقد وعده يزيد بن المهلب وأبطأ بوعده وهو ... أصلح الله الأمير أنت أعظم من أن يستعان بك أو يستعان عليك ولست تفعل من الخير شيئاً إلا وهو يصغر عنك وأنت تكبر عنه وليس العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. قيل أن يزيد بن المهلب لما سمع هذا الخطاب البليغ مال سكرا وطربا وقال له سل حاجتك قال حملت من عشير عشر ديات قال قد أمرت لك بها وشفعتها بمثلها. ويعجبني قول بعضهم أما بعد فإن شجرة وعدك قد أورقت فليكن وعدها سالما من حوايج المطل والسلام. لطيف الاستمناح قال الحكماء لطيف الاستمناح سبب النجاح والنفس ربما انطلقت وانشرحت للطيف السؤال وامتنعت وانقبضت بجفاء السائل ولله در القائل: إن الكريم أخو المودة والنُّهى ... من ليس في حاجاته بمثقِّل

стр. 124

دخل عبد الملك بن صالح على الرشيد فقال له أسألك بالقرابة والخاصة أم بالخلافة والعامة فقال بالخلافة والعامة فقال يا أمير المؤمنين يداك بالعطية أطلق من لساني، فأجزل عطيته. وقفت امرأة على قيس بن سعد بن عبادة فقالت أشكو إليك قلة الجرذان فقال ما أحسن هذه الكناية املأوا لها بيتها لحما وخبزا وسمنا. نادرة لطيفة كان أبو جعفر المنصور أيام بني أمية إذا دخل البصرة دخل متكتماً وكان يجلس في حلقة أزهر السمان المحدث فلما أفضت إليه الخلافة قدم أزهر عليه فرحب به وقربه وقال ما حاجتك يا أزهر فقال يا أمير المؤمنين داري متهدمة وعلي أربعة آلاف درهم وأريد أزوج ابني محمدا فوصله بأثني عشر ألف درهم وقال قد قضينا حاجتك يا أزهر فلا تأتنا بعد هذا طالبا فأخذها وارتحل فلما كان بعد سنة أتاه فقال له أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر؟ قال: جئت مسلما فقال: لا والله بل جئت طالبا وقد أمرنا لك بأثني عشر ألفا فلا تأتنا طالبا ولا مسلما فأخذها ومضى فلما كان بعد سنة أتاه فقال ما حاجتك يا أزهر قال: أتيت عائدا فقال: لا والله بل جئت طالبا وقد أمرنا لك بأثني عشر ألفا فأذهب ولا تأتنا بعد طالبا ولا مسلما ولا عائدا فأخذها وانصرف فلما مضت السنة أقبل فقال له: ما حاجتك يا أزهر قال: يا أمير المؤمنين دعاء كنت أسمعك تدعو به جئت لأكتبه فضحك أبو جعفر وقال الدعاء الذي تطلبه غير مستجاب فإني دعوت الله به أن لا أراك فلم يستجب

стр. 125

لي وقد أمرنا لك بأثني عشر ألف وتعال إذا شئت فقد أعيتنا الحيلة فيك. ودخل رجل من الشعراء على يحيى بن خالد بن برمك فأنشده: سألت الندى هل أنت حرٌّ فقال لا ... ولكنني عبدٌ ليحيى بنِ خالد فقلت شراءً قال لا بل وراثةً ... توارثني من والدٍ بعد والد فأمر له بعشرة آلاف درهم. أجواد الجاهلية الذين انتهى إليهم الجود ثلاثة نفر حاتم ابن عدي الطائي وهرم بن سنان المازني وكعب بن مامة الإيادي ولكن المضروب به المثل حاتم وحده وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أوقد نارا في بقاع الأرض لينظر إليها المار ليلا فيبادر إليها وهو القائل لغلامه يسار: أوقد فإن الليل ليلٌ قرّ ... والريح يا موقد ريحٌ صرُّ حتى يرى نارك من يمرّ ... إن جلبت ضيفاً فأنت حرُّ وأما هرم ابن سنان فهو صاحب زهير الذي يقول فيه: تراه إذا ما جئته متهلّلاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وأما كعب بن مامة الإيادي فلم يأت له إلا ما ذكر عنه من إيثاره رفيقه السعدي بالماء حتى مات عطشا ونجا السعدي وناهيك بهذا الكرم الذي ما سبق إليه. وأما أجواد الحجاز فثلاثة في عصر واحد وهم عبيد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر وسعيد ابن العاص. وأجواد أهل البصرة خمسة في عصر واحد وهم عبد الله ابن عامر وعبد الله بن أبي بكر مولى رسول الله ﷺ وسالم بن زياد وعبد الله بن معمر القرشي التيمي وطلحة الطلحات وهو طلحة ابن خالد الخزاعي. وأجواد أهل

стр. 126

الكوفة ثلاثة في عصر واحد وهم عتاب بن ورقاء الرياحي وأسماء بن خارجة وعكرمة الفياض. فمن جود عبيد الله أنه أول من فطر جيرانه وأول من وضع الموائد على الطريق ومن جوده أن أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه وقال يا ابن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها فصعد فيه بصره وصوبه فلم يعرفه فقال له ما يدك عندنا قال له رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يملأ من مائها والشمس قد صهرتك فظللتك بطرف كسائي حتى شربت فقال أجل إني لأذكر لك ذلك ثم قال لغلامه ما عندك قال مائتا دينار وعشرة آلاف درهم قال ادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا فقال له الرجل والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية فكيف وقد ولد سيد المرسلين ثم شفع بك وبأبيك. ومن جوده أيضا أن معاوية حبس عن الحسين بن علي ﵁ صلاته حتى ضاقت عليه الحال فقيل له لو وجهت إلى عمك عبيد الله بن العباس لكفاك وقد قدم بألف ألف قال الحسين فما مقدارها عنده والله إنه لأجود من الريح إذا عصفت وأسخى من البحر إذا زخر ثم وجه إليه رسوله بكتاب يذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله وأنه يحتاج إلى مائة ألف فلما قرأ عبيد الله كتابه وكان أرق الناس قلبا وألينهم عطفا انهملت عيناه ثم قال ويلك يا معاوية تكون لين المهاد رفيع العماد والحسين يشكو ضعف الحال وكثرة العيال

стр. 127

ثم قال لقهرمانه أحمل إلى الحسين نصف ما نملكه من ذهب وفضة ودابة وأخبره أني شاطرته فإن أقنعه ذلك وإلا فأرجع وأحمل إليه النصف الآخر قال فلما وصل الرسول إلى الحسين قال أنا لله ثقلت والله على عمي وما ظننت أنه يتسع بهذا كله فأخذ الشطر من ماله وهو أول من فعل هذا في الإسلام. ومن جوده أيضا أن معاوية أهدى إليه وهو عنده في شهر من هدايا النوروز حللاً كثيرة ومسكنا وآنية من ذهب وفضة ووجهها إليه مع حاجبه فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو يطيل النظر فيها فقال: هل في نفسك منها شيء قال نعم والله أن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف فضحك عبيد الله فقال فشأنك بها فهي لك قال جعلت فداءك أنا أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيغضب لذلك قال فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن وهو يحملها إليك ليلا فقال الحاجب والله إن هذه الحيلة في الكرماء أكثر من الكرم ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه يعني معاوية فظن عبيد الله أنها مكيدة منه فقال دع هذا الكلام إنا من قوم نفي بما عقدنا ولا ننقض ما أكدنا وقال له رجل من الأنصار جعلت فداءك والله لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب وأنا أشهد أن عفو جودك أكثر من وابله. ومن جود عبد الله بن جعفر أن عبد الله بن أبي عمارة دخل على نخاس يعرض قيانا للبيع فشغفه حب واحدة منهن ولم يكن له جدة يتوصل بها إلى المشتري فشبب

стр. 128

بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاوس ومجاهد يعذلونه في ذلك فكان جوابه أن قال: يلومني فيك أقوامٌ أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقفا فانتهى خبره إلى عبد الله ابن جعفر فلم يكن له هم غيره فحج وبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتحليها ففعلت وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه فقال ما لا أرى ابن عمارة زائرا فأخبر بذلك فأتى مسلما فلما أراد أن ينهض استجلسه ثم قال ما فعل بك حب فلانة قال حبها في اللحم والدم والمخ والعصب قال اتعرفها إن رأيتها قال لو أدخلت الجنة لم أنكرها فأمرها عبد الله أن تخرج إليه وقال له إنما اشتريتها لك ووالله ما دنوت منها فشأنك بها بارك الله لك فيها فلما وليَّ قال يا غلام احمل إليه مائة ألف درهم قال فبكى عبد الله وقال يا أهل البيت لقد خصكم الله بشرف ما خص به أحدا من صلب آدم فهناكم الله بهذه النعمة وبارك لكم فيها. ولقد تقرر أن أجواد الإسلام أحد عشر جواداً ذكرت من جود بعضهم ما تيسر وقال صاحب العقد أنه جاء بعدهم طبقة أخرى وهي الطبقة الثانية. فمنهم الحكم ابن أحطب قيل: سأله أعرابي فأعطاه خمسمائة دينار فبكى الأعرابي فقال له لعلك استقللت ما أعطيناك فقال لا والله، ولكني أبكي لما تأكل الأرض منك ثم أنشد: فكأن آدم حين حان وفاته ... أوصاك وهو يجود بالحوباء ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء

стр. 129

وحكي عن العتبي أنه قال: حدثني رجل قال: قدم علينا الحكم ابن أحطب وهو مملق فأغنانا فقلت وكيف أغناكم وهو مملق فقال علمنا المكارم فجاد غنينا على فقيرنا. معن بن زائدة ومنهم معن بن زائدة يقال فيه حدث عن البحر ولا حرج وحدث عن معن ولا حرج وأتاه رجل يستحمله فقال يا غلام أعطه فرسا وبرذونا وبغلا وعيراً وبعيراً وجارية ولو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك. يزيد بن المهلب ومنهم يزيد بن المهلب قيل كان هشام بن حسان إذا ذكره قال: كانت السفن تجري في بحر جوده. حكى الأصمعي أنه قدم على يزيد قوم من قضاعة فقال رجل منهم: والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلبٌ إليك من الذي نتطلبُ ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدٌ سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتك التي عودتنا ... أو، لا فأرشدنا إلى من نذهب فأمرنا له بألف دينار. يزيد بن حاتم قيل إن ربيعة الرأي قدم مصر فأتى يزيد السلمي فلم يعطه شيئاً ثم عطف على يزيد بن حاتم فشغل عنه لأمر ضروري فخرج وهو يقول: اراني ولا كُفران لله راجعاً ... بخفي حنين من نوال ابن حاتم فلما فرغ يزيد من ضرورته سأل عنه فأخبر عنه أنه خرج وهو يقول كذا وأنشد البيت فأرسل من يجد في طلبه فأتى به فقال كيف قلت فأنشد البيت فقال: شغلناك عنك وعجلت علينا ثم

стр. 130

أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئا مالا وقال ارجع بهما بدلا من خفي حنين. ومنهم أبو دلف وأسمه القاسم وفيه يقول ابن أبي جبلة: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديهِ ومحتضره فإذا وليّ أبو دلفٍ ... ولَّت الدنيا على أثره وقال: إن سار سار المجد أو حلّ وقف ... أنظر بعينيك إلى أعلى الشرف هل ناله بقدرةٍ أو بكلف ... خلقٌ من الناس سوى أبي دلف فأعطاه خمسين ألف درهم. ومنهم خالد بن عبد الله القسري قيل إنه كان جالسا في مظلة إذ نظر إلى اعرابي يخبُّ على بعيره مقبلا نحوه فقال لحاجبه إذا قدم لا تحجبه فلما قدم أدخله فسلم فقال: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا أناخ دهرٌ رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا فقال خالد إذا أرسلوك إلي وانتظروا والله لتعودن إليهم بما يسرهم فأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة. ومنهم عدي بن حاتم حكى صاحب العقد قال: دخل أبو دارة على عدي بن حاتم فقال إني مدحتك قال أمسك حتى آتيك بمال فإني أكره أن أعطيك ثمن ما تقول هذه ألف شاة وألف درهم وثلاثة أعبد وثلاثة أماء وفرسي هذا حبس في سبيل الله فامدحني على حسب ما أجزتك. قيل أن أروى بنت الحرث بن عبد المطلب كانت أغلظ الوافدات على معاوية خطاباً وكان حلم معاوية أعظم من خطابها دخلت عليه وهي

стр. 131

عجوز كبيرة فلما رآها معاوية قال مرحبا بك يا خالة كيف كنت بعدنا قالت بخير يا أمير المؤمنين لقد كفرت النعمة وأسأت بابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول الله فأتعس الله منكم الجدود وأمرغ منكم الخدود ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور فوليتم علينا بعد فأصبحتم تجمحون على سائر العرب بقرابتكم من رسول الله ﷺ ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا منكم فكنا فيكم بمنزلة بين إسرائيل في آل فرعون وكان علي ﵁ عند نبينا محمد ﷺ بمنزلة هرون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار فقال لها عمرو ابن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك فقالت له أنت يا ابن الباغية تتكلم وأمك كانت أشهر بغيٍ بمكة وأرخصهن أجرة وادعاك خمسة نفر كلهم يزعم أنك ابنه فسئلت أمك عن ذلك فقال كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، فقال مروان كفى أيتها العجوز واقصدي ما جئت له فقالت: وأنت أيضا يا ابن الزرقاء تتكلم ثم التفتت إلى معاوية فقالت والله ما أجرأ هؤلاء غيرك وأمك القائلة في قتل حمزة عم النبي ﷺ : نحن أخزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعدا لحرب ذاتُ عسر

стр. 132

ما كان لي عن عتبة من صبر ... ولا أخي وعمه وبكر سكنت وحشياً غليل صدري ... فشكرُ وحشيٍّ على دهري حتى تُرمّ أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي بقولها: خزيت في بدرٍ وغير بدر ... يا بنت جبارِ عظيم الكفر فقال معاوية عفا الله عما سلف يا خالة هات حاجتك فقالت مالي إليك حاجة وخرجت عنه وهذه العبارة بنصها منقولة من العقد لابن عبد ربه رحمه الله تعالى. وحكى صاحب العقد أيضا قال قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية فأكرمه وقربه وقضى عنه دينه ثم قال له في بعض الأيام يا عقيل أنا خير لك من أخيك علي قال صدقت أخي آثر دينه على دنياه وأنت آثرت دنياك على دينك فأنت خير لي من أخي وأخي خير لنفسه منك لنفسك. ودخل عقيل أيضا على معاوية وقد كفّ بصره فأقعده على سرير معه ثم قال له أنتم معاشر بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال عقيل وأنتم معاشر بني أمية تصابون في بصائركم. ودخل عليه يما فقال معاوية لأصحابه هذا عقيل عمّه أبو لهب فقال عقيل وهذا معاوية عمَّته حمالة الحطب ثم قال: يا معاوية إذا دخلت النار فأعدل ذات اليسار فإنك ستجد عمي أبو لهب مفترشاً عمّتك حمالة الحطب فأنظر أيهما الفاعل أم المفعول به. وقال له يوما ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم قال لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية. وقال الجاحظ

стр. 133

اجتماعت يوما بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم والله إن خيري لكم لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح وقد نظرت في أمري وأمركم فرأيت أمرا مختلفا إنكم ترون أنكم أحق مني بما في يدي فإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم فأقبل عليه ابن عباس ﵄ وكان جريئا عليه فقال والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه وأما هذا المال فما لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا أثر تحمله خف ولا حافر وأما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحق وادعائك الباطل أكفاك أم أزيدك قال كفاني. وقال الشعبي قال ابن الزبير يوما لابن عباس قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله ﷺ فقال أما أم المؤمنين فأنت أخرجتها أنت وأبوك وخالك وبنا سميّت أم المؤمنين فأنت أخرجتها أنت وأبوك وخالك وبنا سميّت أم المؤمنين وكنا لها خير بنين وقاتلت أنت وأبوك عليّاً فإن كان مؤمنا ضللتم بقتال المؤمنين وإن كان علي كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف. وذكر صاحب العقد أن عبد الله بن الزبير تزوج امرأة من فزارة يقال لها أم عمرو فلما دخل بها قال هل تدرين من معك قالت نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد قال ليس هذا قالت فأي شيء تريد قال: معك من أصبح في قريش كمنزلة الرأس من الجسد لا بل العينين من الرأس قالت أما والله لو أن بعض الهاشميين حضرك قال خلافا لقولك قال فالطعام والشراب علي حرام حتى أحضر الهاشميين وغيرهم ولا يستطيعون لذلك إنكارا قالت إن أطعتني لم تفعل فأنت أعلم بشأنك فخرج من المجلس فإذا بحلقة فيها جماعة من قريش وفيها من بني هاشم عبد الله بن عباس ﵁ وعبد الله بن الحرث بن عبد المطلب فقال لهم ابن الزبير إني أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته فقال ابن الزبير يا هذه اطرحي عليك سترك ثم أذن للقوم فلما أخذوا مجالسهم دعا ابن الزبير بالمائدة فتغدى القوم فلما فرغوا قال ابن الزبير إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة هذا الستر وزعمت أن لو كان بعض بني هاشم حاضرا ما اقر لي بما قلت وقد حضرتم جميعا والحديث الذي ردته علي قلت لها ليلة الدخول بها وأنا معها في خدرها إن معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل العينين من

стр. 134

الرأس فردت على مقالي فقال ابن عباس إن شئت أقول وإن شئت أكفف قال لا بل قل وما عسيت أن تقول ألست تعلم أن الزبير حواري رسول الله ﷺ وأنّ أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين وأن خديجة سيدة نساء أهل الجنة عمتي وأن صفية عمة رسول الله ﷺ جدتي وأن عائشة أم المؤمنين خالتي فهل تستطيع لهذا إنكارا يا ابن عباس قال ابن عباس

стр. 135

لا ولكن ذكرت شرفا شريفا وفخرا عظيما غير أنك نلت ذلك كله وأنت تفاخر من بفخره فخرت وتسامي من بفضله سموت قال ابن الزبير وكيف ذلك قال لم تذكر مفخراً إلا برسول الله ﷺ ونحن أهل بيته وأقرب إليه وأولى بالفخر به قال ابن الزبير فأنا أفاخرك بما كان قبل النبي ﷺ فقال ابن عباس لقد انصفت أسائلكم أيها الحضور أعبد المطلب كان أشرب في قريش أم خويلد قالوا عبد المطلب قال أسائلكم أهاشم كان أشرف في قريش أم أمية قالوا بل هاشم قال فأسألكم بالله أعبد مناف كان أشرف أم عبد العزى قالوا اللهم عبد مناف فأنشد ابن عباس يقول: تفاخرني يا ابن الزبير وقد مضى ... عليك رسول الله لا قولَ هازلِ فلو غيرنا يا ابن الزبير فخرته ... ولكن بنا ساميت شمس الأصائل وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما افترقت فرقتان إلا وكنت في خيرهما فقد فارقك من لدن قصي بن كلاب فنحن في فرقة الخير أولا ونحن في فرقة الخير آخرا فإن قلت نعم خصمت وإن قلت لا كفرت قال فضحك بعض القوم وقالت المرأة من خلف الستر أما والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلا ما ترى فقال ابن عباس مه أيتها المرأة أقنعي ببعلك وأخذ القوم بيد ابن عباس فقالوا إنهض أيها الرجل فقد أفحمته في منزله غير مرة فنهض ابن عباس وهو يقول:

стр. 136

ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلاً لناما وحكى صاحب العقد قال بينما معاوية جالس وعنده وجوه الناس إذا دخل رجل من أهل الشام فقام خطيبا وقال لعن الله عليا فأطرق الناس وفيهم الأحنف فقال الأحنف يا أمير المؤمنين القائل إن علم أن رضاك في لعن المرسلين لعنهم فاتق الله ودع عنك عليا فقد لقي ربه وأفرد بقبره وخلال بعمله وكان والله مبرورا في سبقه طاهر الثوب ميمون النقيبة عظيم المصيبة فقال له معاوية يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى أما والله لتصعدن المنبر وتلعن عليا طوعا أو كرها فقال أن تعفني خير لك وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجدني شقيا به أبداً قال وما أنت قائل يا أحنف قال أحمد الله وأصلي على نبيه ثم أقول إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن عليا ومعاوية وعلى ما أقتتلا واختلفا وادعى كل واحد منهما أنه مبغيٌّ عليه فإذا دعوت فآمنوا رحمكم الله اللهم ألعن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والعن الفئة الباغية آمنوا رحمكم الله يا معاوية لا أزيد على ذلك ولا أنقص ولو كان فيه ذهاب نفسي فقال معاوية إذاً أعفيتك انتهى. وقال معاوية لعقيل إن علياً قطعك ووصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال افعل فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علياً فالعنوه عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين

стр. 137

ثم نزل فقال له معاوية يا عقيل إنك لم تبين من المراد منا قال والله لا زدت حرفا والكلام راجع إلى نية المتكلم. ومن غريب المنقول ما نقل عن المنصور وهو أنه وعد الهذلي بجائزة ونسي فحجا معا ومرا في المدينة النبوية ببيت عاتكة فقال الهذلي يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا دار عاتكة التي أتغزل فأنكر عليه أمير المؤمنين المنصور ذلك لأنه تكلم من غير أن يسئل فلما رجع الخليفة نظر في القصيدة إلى آخرها ليعلم ما أراد الهذلي بإنشاد ذلك البيت من غير استدعاء فإذا فيها: واراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل فعلم المنصور أنه أشار إلى هذا البيت فتذكر ما وعده به وأنجزه له واعتذر إليه من النسيان. ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب لأبي الطيب المتنبي فحضر يوما مجلس المرتضى فجرى ذكر أبي الطيب فهضم من جانبه المرتضى فقال أبو العلاء لو لم يكن لأبي الطيب من الشعر إلا قوله: لك يا منازلُ في القلوب منازل لكفاه. فغضب المرتضى وأمر به فسحب وأخرج وبعد اخراجه قال المرتضى هل تعلمون ما أراد بذكر البيت قالوا لا قال عنى به قول أبي الطيب في القصيدة: وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني كامل ومثله قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بسبب المتنبي أيضا فان السري الرفاء كان من مداح سيف الدولة وجرى

стр. 138

في مجلسه يوما ذكر أبي الطيب فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه فقال له السري أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأعارضها ويتحقق الأمير بذلك أنه أركب المتنبي في غير سرجه فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدته التي مطلعها: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي قال السري فكتبت القصيدة واعتبرتها في تلك الليلة فلم أجدها من مختارات أبي الطيب لكن رايته يقول في آخرها عن ممدوحه: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غباري ثم قال له الحق فقلت والله ما أشار سيف الدولة إلا إلى هذا البيت. عيون المها ومثله ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء وهو من الغرائب في هذا الباب أن رجلا من طلبة العلم قعد على جسر بغداد يتنزه فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم فقالت المرأة رحم الله أبا العلاء المعري وما وقفا بل سار مشرقا ومغربا قال الرجل فتبعت المرأة وقلت والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحكت، قالت: أراد به قوله: عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وعنيت أنا بأبي العلاء قوله: فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال ومثله ما هو منقول على الإمام الحافظ فتح الدين أبي الفتح محمد بن

стр. 139

محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري أن الشيخ بهاء الدين بن النحاس ﵀ دخل إلى الجامع الأزهر فوجد أبا الحسين الجزار جالسا وإلى جانبه مليح ففرق بينهما وصلى ركعتين ولما فرغ قال لأبي الحسين ما أردت إلا قول ابن سناء الملك فقال أبو الحسين الجزار وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق أما مراد الشيخ بها الدين فهو إشارة إلى قول ابن سناء الملك: أنا في مقعد صدقٍ ... بين قوّادٍ وعلق وأما مراد أبي الحسين الجزار من قول سراج الوراق فهو: ومهفهفٍ راضَ الأبيّ ... فقادَهُ سلِسَ القياد فلما توسّط بيننا ... جرت الأمور على السداد فبلغ كل منهما ما أراد من صاحبه ولم يشعر أحد بمراد الاثنين غيرهما. قلت وبالنسبة إلى هذا الذكاء المفرط الصادر من هؤلاء القوم يتعين أن نورد هنا نبذة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي. ذكاء المنصور فمن ذلك ما روي عن منصور بن العباس وهو أنه جلس يوما في إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا يجول في الطرقات فأرسل إليه من أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنه خرج في تجارة فأفاد فيها مالا كثيراً وأنه رجع بها إلى زوجته ودفع المال إليها فذكرت المرأة أن المال سرق من المنزل ولم ير نقبا ولا مسلقا فقال له المنصور منذ كم تزوجتها قال منذ سنة قال تزوجتها بكرا أم ثيبا قال ثيبا قال شابة أم مسة قال شابة فدعا له

стр. 140

المنصور بقارورة طيب وقال تطيب بهذا فإنه يذهب همك فأخذها وانقلب إلى أهله فقال المنصور لجماعة من نقبائه اقعدوا على أبواب المدينة فمن مر بكم وشممتم فيه روائح الطيب فأتوني به ومضى الرجل بالطيب إلى بيته فدفعه إلى المرأة وقال هذا من طيب أمير المؤمنين فلما شمته أعجبها إلى الغاية فبعثت به إلى رجل كانت تحبه وهو الذي دفعت المال إليه فقالت له تطيب بهذا الطيب فتطيب به ومر مجتازا ببعض الأبواب ففاحت منه روائح الطيب فأخذ وأتى به إلى المنصور فقال له من أين استفدت هذا الطيب فتلجلج في كلامه فسلمه إلى صاحب شرطته وقال له: إن أحضر كذا وكذا من الدنانير فخذ منه وإلا فاضربه ألف سوط فما هو إلا أن جرد وهدد حتى أذعن برد الدنانير وأحضرها كهيئتها ثم أعلم المنصور بذلك فدعا صاحب الدنانير وقال له أرأيتك أن رددت إليك الدنانير أتحكمني في امرأتك قال نعم يا أمير المؤمنين قال ها هي دنانيرك وقد طلقت امرأتك وقص عليه الخبر. المهدي والقاضي شريك ومن ذلك ما روي عن المهدي وهو أن شريك بن عبد الله القاضي دخل عليه يوما فأراد المهدي أن يبخره فقال للخادم أحضر للقاضي عودا فذهب الخادم فجاء بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك فاضطرب شريك من ذلك وقال ما هذا يا أمير المؤمنين قال عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضي فقال شريك

стр. 141

جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ثم أفاضوا في الحديث حتى نسي الأمر فقال المهدي لشريك ما تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء بعينه فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء فقال للخادم اضمن ما أتلفت. التاجر الذي أنكر العقد ومن ذلك أنه حكي أنه قدم رجل إلى بغداد ومعه عقد يساوي ألف دينار فأراد بيعه فلم يتفق فجاء إلى عطار موصوف بالخير والديانة فأودع العقد عنده وحج وأتى بهدية للعطار وسلم عليه فقال من أنت ومن يعرفك فقال أنا صاحب العقد فلما كلمه رفسه وألقاه عن دكانه فاجتمع الناس وقالوا ويلك هذا رجل صالح فما وجدت من تكذب عليه إلا هذا فتحير الحاج وتردد إليه فما زاده إلا شتما وضربا فقيل له لو ذهبت إلى عضد الدولة لحصل لك من فراسته خير فكتب قصته وجعلها على قصبة وعرضها عليه فقال ما شأنك فقص عليه القصة فقال اذهب غدا واجلس في دكان العطار ثلاثة أيام حتى أمر عليك في اليوم الرابع فأوقف وأسلم عليك فلا ترد علي إلا السلام فإذا انصرفت أعد عليه ذكر العقد ثم أعلمني بما يقول لك ففعل الحاج ذلك فلما كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم فلما رأى الحاج وقف وقال السلام عليكم فقال الحاج وعليكم السلام ولم يتحرك فقال يا أخي تقدم من العراق ولا تأتينا ولا تعرض علينا حوائجك فقال له: اتفق هذا ولم يزده على ذلك شيئا هذا والعسكر واقف بكماله فانذهل العطار وأيقن بالموت فلما

стр. 142

أنصرف عضد الدولة التفت العطار إلى الحاج وقال له: يا أخي متى أودعتني هذا العقد وفي أي شيء هو ملفوف فذكرني لعلي أتذكر فقال من صفته كذا وكذا فقام وفتش ثم فتح جرابا وأخرج منه العقد وقال: الله أعلم أنني كنت ناسيا ولو لم تذكرني ما تذكرت فأخذ الحاج العقد ومضى إلى عضد الدولة فأعلمه فعلقه في عنق العطار وصلبه على باب دكانه ونودي عليه هذا جزاء من استودع ثم جحد ثم أخذ الحاج العقد ومضى إلى بلاده. ذكاء إياس ومثله ما نقل عن ذكاء اياس الذي سارت به الركبان قيل أن رجلا استودع أمين اياس مالا وخرج المودع إلى الحجاز فلما رجع طلبه فجحده فأتى اياسا فأخبره فقال له اياس أعلمته أنك أتيتني قال لا قال افنازعته عند غيري قال لا قال: فانصرف واكتم سرك ثم عد إلي بعد يومين فمضى الرجل ودعا إياس أمينه فقال قد حضر عندنا مال كثير أريد أن أسلمه إليك أفحصين منزلك؟ قال نعم قال فأعد موضعا للمال وقوما يحملونه وعاد الرجل إلى أياس فقال انطلق إلى صاحبك فإن جحد فقل له إني أخبر القاضي بالقصة فأتى الرجل صاحبه فقال: تعطيني الوديعة أو أشكوك إلى القاضي وأخبره بالحال فدفع إليه المال فرجع الرجل وأخبر اياسا وقال أعطاني الوديعة وجاء الأمين إلى اياس ليأخذ المال الموعود به فزجره وقال له لا تقربني بعد هذا يا خائن. ذكاء في القضاء ومثله أنه ولِّي القضاء رجل مشهور الدين والذكاء المفرط فجاءه رجل استودع

стр. 143

بعض الشهود كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف دينار فلما حصل الكيس عند الشاهد وطالت غيبة ظن أنه قد مات فهم بانفاق المال وخشي من مجيء صاحبه ففتق الكيس من اسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وأعاد الخياطة كما كانت فقدر أن الرجل حضر إلى واسط وطالب الشاهد بوديعته فأعطاه الكيس بختمه فلما حصل في منزله فض ختمه فإذا في الكيس دراهم فرجع إلى الشاهد وقال له أردد علي مالي فإني أودعتك دنانير والذي وجدت دراهم فأنكر فاستدعى عليه إلى القاضي المتقدم ذكره فلما حضرا بين يديه قال الحاكم للمستودع منذ كم أودعك الكيس قال منذ خمس عشرة سنة فقال القاضي لصاحب الكيس أحضر لي الدراهم فأحضرها فقال القاضي للشهود اعتبروا تواريخ الدراهم فقرأوا سككها فإذا منها ما له سنتان وثلاث سنين ونحو ذلك فأمره أن يدفع له الدنانير فدفعها وعزله القاضي وأطاف به البلد واسقطه. ومثله بل أغرب منه أن رجلا استودع رجلا مالا ثم طلبه فجحده فخاصمه إلى إياس وقال المدعي أني أطالبه بمال أودعته إياه وقدره كذا وكذا فقال له إياس ومن حضرك قال كان رب العزة حاضرا قال دفعته إليه في أي مكان قال في موضع كذا قال فاي شيء تعهده من ذلك الموضع قال شجرة عظيمة قال فانطلق إلى الموضع وانظر إلى الشجرة لعل الله يظهر لك علامة يتبين بها حقك أو لعلك

стр. 144

دفنت مالك تحت الشجرة فنسيت فتذكره إذا رأيت الشجرة فمضى الرجل مسرعا فقال إياس للرجل المدعى عليه اقعد حتى يرجع خصمك فجلس وإياس يقضي بين الناس ونظر إليه بعد ذلك ثم قال له يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكرها قال لا فقال له والله يا عدو الله أنك لخائن فقال أقلني أقالك الله يا أمير المؤمنين فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال إياس قد أقر بحقك فخذه. ومن لطائف المنقول من كتاب الأذكياء أن يحيى بن أكثم القاضي ولِّي القضاء بالبصرة وسنه عشرون سنة فاستصغره أهل البصرة فقال أحدكم كم سن القاضي فعلم يحيى أ، هـ استصغره فقال أنا أكبر من عتاب بن أسيد حين بعثه رسول الله ﷺ قاضيا على أهل مكة يوم الفتح وأنا أكبر من معاذ بن جبل حين وجه به رسول الله ﷺ قاضيا على أهل اليمن وأنا أكبر من كعب بن سور حين ولاه عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة قال فعظم في أعين أهل البصرة وهابوه. فتوى أبي حنيفة ومن المنقول من كتاب الأذكياء أن بعض اللصوص دخل بيتا ومعه جماعة تحت أمره ونهيه في القتل والسرقة فظفروا بصاحب البيت وأوقفوه للقتل فتدخل عليهم في إبقاء مهجته وأخذ ما في البيت بكماله فقال كبيرهم حلفوه بالطلاق الثلاث وعلى المصحف أنه لا يعلم بهم أحدا فاصبح الرجل يرى اللصوص يبيعون متاعه ولا

стр. 145

يقدر أن يتكلم لأجل اليمين فجاء إلى أبي حنيفة وأعلمه بحاله فقال له احضر أكابر حيك وأدين جيرانك وإمام جماعتك فلما حضروا قال لهم أبو حنيفة هل تحبون أن يرد الله على هذا الرجل متاعه قالوا نعم فقال اجمعوا داعريكم فادخلوهم الجامع ثم أخرجوهم واحدا واحدا وكلما خرج منهم واحد قولوا هذا لصك فإن كان ليس بلصه قال لا وإن كان لصه فليسكت فإذا سكت فاقبضوا عليه ففعلوا ذلك فرد الله عليه ما سرق له. ومنه أن الربيع صاحب المنصور كان يعادي أبا حنيفة فحضر يوما عند أمير المؤمنين فقال الربيع يا أمير المؤمنين إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس وكان جدك يقول إذا حلف الرجل على شيء ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين كان ذلك جائزا وأبو حنيفة لا يجوز ذلك إلا متصلا باليمين فقال أبو حنيفة يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك عهد قال كيف ذلك قال يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم فضحك المنصور وقال يا ربيع لا تتعرض لأبي حنيفة. ومنه أن الإمام أبا حنيفة ﵁ قال دخلت البادية فاحتجت إلى الماء فجاءني أعرابي ومعه قربة ملآنة فآبى أن يبيعها إلا بخمسة دراهم فدفعتها له ثم أخذت القربة فقلت ما رأيك يا أعرابي في السويق فقال هات فأعطيته سويقا ملتوتا بزيت فجعل يأكل حتى أمتلأ ثم عطش فقال علّي بشربة فقلت بخمسة دراهم
следующие страницы →