Полный текст (543 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ثم أفاضوا في الحديث حتى نسي الأمر فقال المهدي لشريك ما تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء بعينه فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء فقال للخادم اضمن ما أتلفت.
التاجر الذي أنكر العقد
ومن ذلك أنه حكي أنه قدم رجل إلى بغداد ومعه عقد يساوي ألف دينار فأراد بيعه فلم يتفق فجاء إلى عطار موصوف بالخير والديانة فأودع العقد عنده وحج وأتى بهدية للعطار وسلم عليه فقال من أنت ومن يعرفك فقال أنا صاحب العقد فلما كلمه رفسه وألقاه عن دكانه فاجتمع الناس وقالوا ويلك هذا رجل صالح فما وجدت من تكذب عليه إلا هذا فتحير الحاج وتردد إليه فما زاده إلا شتما وضربا فقيل له لو ذهبت إلى عضد الدولة لحصل لك من فراسته خير فكتب قصته وجعلها على قصبة وعرضها عليه فقال ما شأنك فقص عليه القصة فقال اذهب غدا واجلس في دكان العطار ثلاثة أيام حتى أمر عليك في اليوم الرابع فأوقف وأسلم عليك فلا ترد علي إلا السلام فإذا انصرفت أعد عليه ذكر العقد ثم أعلمني بما يقول لك ففعل الحاج ذلك فلما كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم فلما رأى الحاج وقف وقال السلام عليكم فقال الحاج وعليكم السلام ولم يتحرك فقال يا أخي تقدم من العراق ولا تأتينا ولا تعرض علينا حوائجك فقال له: اتفق هذا ولم يزده على ذلك شيئا هذا والعسكر واقف بكماله فانذهل العطار وأيقن بالموت فلما
стр. 142
أنصرف عضد الدولة التفت العطار إلى الحاج وقال له: يا أخي متى أودعتني هذا العقد وفي أي شيء هو ملفوف فذكرني لعلي أتذكر فقال من صفته كذا وكذا فقام وفتش ثم فتح جرابا وأخرج منه العقد وقال: الله أعلم أنني كنت ناسيا ولو لم تذكرني ما تذكرت فأخذ الحاج العقد ومضى إلى عضد الدولة فأعلمه فعلقه في عنق العطار وصلبه على باب دكانه ونودي عليه هذا جزاء من استودع ثم جحد ثم أخذ الحاج العقد ومضى إلى بلاده.
ذكاء إياس
ومثله ما نقل عن ذكاء اياس الذي سارت به الركبان قيل أن رجلا استودع أمين اياس مالا وخرج المودع إلى الحجاز فلما رجع طلبه فجحده فأتى اياسا فأخبره فقال له اياس أعلمته أنك أتيتني قال لا قال افنازعته عند غيري قال لا قال: فانصرف واكتم سرك ثم عد إلي بعد يومين فمضى الرجل ودعا إياس أمينه فقال قد حضر عندنا مال كثير أريد أن أسلمه إليك أفحصين منزلك؟ قال نعم قال فأعد موضعا للمال وقوما يحملونه وعاد الرجل إلى أياس فقال انطلق إلى صاحبك فإن جحد فقل له إني أخبر القاضي بالقصة فأتى الرجل صاحبه فقال: تعطيني الوديعة أو أشكوك إلى القاضي وأخبره بالحال فدفع إليه المال فرجع الرجل وأخبر اياسا وقال أعطاني الوديعة وجاء الأمين إلى اياس ليأخذ المال الموعود به فزجره وقال له لا تقربني بعد هذا يا خائن.
ذكاء في القضاء
ومثله أنه ولِّي القضاء رجل مشهور الدين والذكاء المفرط فجاءه رجل استودع
стр. 143
بعض الشهود كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف دينار فلما حصل الكيس عند الشاهد وطالت غيبة ظن أنه قد مات فهم بانفاق المال وخشي من مجيء صاحبه ففتق الكيس من اسفله وأخذ الدنانير وجعل مكانها دراهم وأعاد الخياطة كما كانت فقدر أن الرجل حضر إلى واسط وطالب الشاهد بوديعته فأعطاه الكيس بختمه فلما حصل في منزله فض ختمه فإذا في الكيس دراهم فرجع إلى الشاهد وقال له أردد علي مالي فإني أودعتك دنانير والذي وجدت دراهم فأنكر فاستدعى عليه إلى القاضي المتقدم ذكره فلما حضرا بين يديه قال الحاكم للمستودع منذ كم أودعك الكيس قال منذ خمس عشرة سنة فقال القاضي لصاحب الكيس أحضر لي الدراهم فأحضرها فقال القاضي للشهود اعتبروا تواريخ الدراهم فقرأوا سككها فإذا منها ما له سنتان وثلاث سنين ونحو ذلك فأمره أن يدفع له الدنانير فدفعها وعزله القاضي وأطاف به البلد واسقطه.
ومثله بل أغرب منه أن رجلا استودع رجلا مالا ثم طلبه فجحده فخاصمه إلى إياس وقال المدعي أني أطالبه بمال أودعته إياه وقدره كذا وكذا فقال له إياس ومن حضرك قال كان رب العزة حاضرا قال دفعته إليه في أي مكان قال في موضع كذا قال فاي شيء تعهده من ذلك الموضع قال شجرة عظيمة قال فانطلق إلى الموضع وانظر إلى الشجرة لعل الله يظهر لك علامة يتبين بها حقك أو لعلك
стр. 144
دفنت مالك تحت الشجرة فنسيت فتذكره إذا رأيت الشجرة فمضى الرجل مسرعا فقال إياس للرجل المدعى عليه اقعد حتى يرجع خصمك فجلس وإياس يقضي بين الناس ونظر إليه بعد ذلك ثم قال له يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكرها قال لا فقال له والله يا عدو الله أنك لخائن فقال أقلني أقالك الله يا أمير المؤمنين فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال إياس قد أقر بحقك فخذه.
ومن لطائف المنقول من كتاب الأذكياء أن
يحيى بن أكثم القاضي
ولِّي القضاء بالبصرة وسنه عشرون سنة فاستصغره أهل البصرة فقال أحدكم كم سن القاضي فعلم يحيى أ، هـ استصغره فقال أنا أكبر من عتاب بن أسيد حين بعثه رسول الله ﷺ قاضيا على أهل مكة يوم الفتح وأنا أكبر من معاذ بن جبل حين وجه به رسول الله ﷺ قاضيا على أهل اليمن وأنا أكبر من كعب بن سور حين ولاه عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة قال فعظم في أعين أهل البصرة وهابوه.
فتوى أبي حنيفة
ومن المنقول من كتاب الأذكياء أن بعض اللصوص دخل بيتا ومعه جماعة تحت أمره ونهيه في القتل والسرقة فظفروا بصاحب البيت وأوقفوه للقتل فتدخل عليهم في إبقاء مهجته وأخذ ما في البيت بكماله فقال كبيرهم حلفوه بالطلاق الثلاث وعلى المصحف أنه لا يعلم بهم أحدا فاصبح الرجل يرى اللصوص يبيعون متاعه ولا
стр. 145
يقدر أن يتكلم لأجل اليمين فجاء إلى أبي حنيفة وأعلمه بحاله فقال له احضر أكابر حيك وأدين جيرانك وإمام جماعتك فلما حضروا قال لهم أبو حنيفة هل تحبون أن يرد الله على هذا الرجل متاعه قالوا نعم فقال اجمعوا داعريكم فادخلوهم الجامع ثم أخرجوهم واحدا واحدا وكلما خرج منهم واحد قولوا هذا لصك فإن كان ليس بلصه قال لا وإن كان لصه فليسكت فإذا سكت فاقبضوا عليه ففعلوا ذلك فرد الله عليه ما سرق له.
ومنه أن الربيع صاحب المنصور كان يعادي أبا حنيفة فحضر يوما عند أمير المؤمنين فقال الربيع يا أمير المؤمنين إن أبا حنيفة يخالف جدك ابن عباس وكان جدك يقول إذا حلف الرجل على شيء ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين كان ذلك جائزا وأبو حنيفة لا يجوز ذلك إلا متصلا باليمين فقال أبو حنيفة يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك عهد قال كيف ذلك قال يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم فضحك المنصور وقال يا ربيع لا تتعرض لأبي حنيفة.
ومنه أن الإمام أبا حنيفة ﵁ قال دخلت البادية فاحتجت إلى الماء فجاءني أعرابي ومعه قربة ملآنة فآبى أن يبيعها إلا بخمسة دراهم فدفعتها له ثم أخذت القربة فقلت ما رأيك يا أعرابي في السويق فقال هات فأعطيته سويقا ملتوتا بزيت فجعل يأكل حتى أمتلأ ثم عطش فقال علّي بشربة فقلت بخمسة دراهم
стр. 146
على قدح من ماء فاسترددت الخمسة وبقي الماء.
ومنه أنه استودع رجل بالكوفة رجلا مالا وحج ورجع فطلبه فجحده وجعل يحلف له فانطلق الرجل إلى أبي حنيفة فخلا به وأخبره بذلك فقال له الإمام لا تكلم أحدا بجحوده وكان الرجل يجالس أبا حنيفة فقال له وقد خلا لهم المكان إن هؤلاء بعثوا يستشيرونني في رجل يصلح للقضاء وقد اخترتك فأنصرف من عند الإمام فجاء صاحب الوديعة فقال له الإمام أرجع إلى صاحبك وذكره لاحتمال أن يكون ناسيا فذهب إليه وسأله فلم يحتج معه إلى علامة بل دفع إليه متاعه وتوجه بعد ذلك إلى أبي حنيفة فقال له أبو حنيفة إني نظرت في أمرك فأردت أن أرفع قدرك ولا أسميك حتى يحضر ما هو أنفس من هذا.
ومنه أنه كان بجوار أبي حنيفة شاب يغشى مجلسه فقال له يوما من الأيام يا إمام أريد التزويج إلى فلانة من أهل الكوفة وقد خطبتها من وليها فطلب مني من المهر فوق وسعي وطاقتي فقال أبو حنيفة: فاستخر الله تعالى وأعطهم ما طلبوه فلما عقدوا النكاح جاء إلى أبي حنيفة فقال إني سألتهم أن يأخذوا مني البعض ويدعوا البعض عند الدخول فأبوا فما ترى قال احتل واقترض حتى تدخل بأهلك فإن الأمر يكون أسهل عليك من تعقيدهم ففعل ذلك فلما زفت إليه دخل بها قال له أبو حنيفة ما عليك أن تظهر الخروج بأهلك عن هذا البلد إلى موضع بعيد فاكترى الرجل جملين وأحضر آلة السفر وما يحتاج إليه وأظهر أنه يريد
стр. 147
الخروج من البلد في طلب المعاش وأن يصحب أهله معه فأشتد ذلك على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يستشيرونه فقال لهم أبو حنيفة له أن يخرجها إلى حيث شاء فقالوا لم نصبر على ذلك فقال أرضوه بأن تردوا عليه ما أخذتم منه فأجابوه إلى ذلك فقال أبو حنيفة للفتى إن القوم قد سمعوا وأجابوا إلى أن يردوا عليك ما أخذوا منك من المهر ويبروك فقال الفتى لا بد من زيادة آخذها منهم فقال أبو حنيفة أيما أحب إليك أن ترضى بما بذلوا لك وإلا أقرت المرأة لرجل بدين عليها ولا يمكنك حملها ولا السفر بها حتى يقضى ما عليها من الدين قال فقال الفتى الله الله يا إمام لا يسمع أحد منهم بذلك ثم أجاب وأخذ ما بذلوه من المهر.
ومنه أن رجلا جاء إلى أبي حنيفة وقال يا إمام دفنت مالا مدة طويلة ونسيت الموضع الذي دفنته فيه فقال الإمام ليس في هذا فقه فأحتال لك ولكن أذهب فصل الليلة إلى الغداة فإنك ستذكره إن شاء الله تعالى ففعل. فلم يمض إلا أقلب من ربع الليل حتى ذكر الموضع الذي دفن فيه فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره فقال قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي الليل كله فهلا أتممت ليلتك كلها شكراً لله.
ومنه أن بعضهم كانت له زوجة جميلة وكان يحبها حباً شديداً وتبغضه بغضاً شديداً ولم تزل المنافرة بينهما البتة وأضجره ذلك وطالت مدة تجرؤها عليه في الكلام فقال لها يوما أنت طالق ثلاث بتاتاً إن خاطبتني بشيء ولم أخاطبك بشيء مثله فقالت له في الحال أنت طالق ثلاثاً بتاتاً فابلس
стр. 148
الرجل ولم يدر ما يجيب وخاف في جوابها من وقوع الطلاق وارسل إلى أبي جعفر الطبري فأخبره بما جرى فقال له إذا طالبتك بالجواب فقل لها أنت طالب ثلاثاً بتاتاً إن أنا طلقتك فتكون قد خاطبتها ووفيت بيمينك.
ومنه ما قيل إن ذا النون المصري كان يعرف الأسم الأعظم قال يوسف بن الحسن لما تحققت منه ذلك قصدت مصر وخدمته سنة ثم قلت له يرحمك الله إني قد خدمتك ووجب حقي عليك وأشتهي أن تعلمني اسم الله الأعظم فلا تجد له موضعاً مثلي قال فسكت ولم يجبني ستة أشهر وأومأ إلي أنه يعلمني ثم أخرج من بيته طبقا ومكبة وقد شدا بمنديل وكان ذو النون يسكن الجيزة فقال تعرف فلانا صديقنا من الفسطاط قلت نعم قال فأحب أن تؤدي هذا إليه قال فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشي طول الطريق وأقول مثل ذي النون يوجه إلى فلان بهدية ترى أي شيء هي فلم أصبر أن بلغت الجسر فحللت المنديل ورفعت المكبة فإذا فأرة نفرت من الطبق وفرت فأغتظت غيظاً شديداً وقلت ذو النون المصري يسخر بي ويوجه مع مثلي فأرة فرجعت على ذلك الغيظ فلما رآني علم ما في وجهي فقال يا أحمق ائتمنتك على فأرة فخنتني فكيف أأتمنك على اسم الله الأعظم فسر عني فلا أراك بعدها.
الإفراط في ذكاء العرب
قيل سار مضر وربيعة وإياد وإنمار أولاد نزار ابن معد إلى أرض نجران فبينما هم
стр. 149
يسيرون إذ رأى مضر كلأً قد رعى فقال البعير الذي رعى هذا أعور فقال ربيعة وهو أزور وقال إياد وهو أبتر وقال إنمار وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلاً حتى لقيهم رجل على راحلة فسألهم عن البعير فقال مضر أهو أعور قال نعم قال ربيعة أو أزور قال نعم قال إياد أهو أبتر قال نعم قال إنمار أهو شرود قال نعم والله هذه صفات بعيري دلوني عليه فحلفوا أنهم ما رأوه فلزمهم وقال فكيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته فساروا حتى قربوا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي فنادى صاحب البعير هؤلاء القوم وصفوا لي بعيري بصفته ثم أنكروه فقال الجرهمي كيف وصفتموه ولم تروه فقال مضر رايته يرعى جانبا ويترك جانبا فعلمت أنه أعور وقال ربيعة رأيت أحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه لأزواره وقال إياد عرفت بتره بأجتماع بعره ولو كان زيالا لتفرق وقال إنمار عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث فقال الأفعى ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثم سألهم من هم فأخبروه فرحب بهم وأضافهم وبالغ في إكرامهم.
ومنه أن عقبة الأسدي كان مشهوراً بمعالجة الجن وصدق العزائم فأتوه بجارية قد جنت في ليلة عرسها فعزم عليها فإذا هي قد سقطت فقال لأهلها اخلوني بها فأجابوه فلما خلا بها قال لها أصدقيني عن نفسك وعليّ خلاصك فقالت إنه كان لي
стр. 150
صديق وأنا في بيت أهلي وأنهم أرادوا أن يدخلوني على زوجي ولست ببكر فخفت الفضيحة فهل عندك حيلة في أمري قال نعم ثم خرج إلى أهلها فقال أن الجني أجابني إلى الخروج منها فاختاروا من أي عضو واعلموا أن العضو الذي يخرج منه الجني لا بد أن يهلك ويفسد فإن خرج من عينها عميت وإن خرج من أذنها صمت وإن خرج من يدها شلت وإن خرج من رجلها زمنت وإن خرج من فرجها ذهبت بكارتها فقال أهلها أنا لم نجد شيئا أهون من ذهاب عذرتها فأخرج الشيطان منه فأوهمهم أنه فعل ذلك وأدخلت المرأة على زوجها.
ومن ذلك أن الإمام عمر بن الخطاب ﵁ استعمل رجلاً على عملٍ فبلغه أنه قال:
اسقني شربةً أُلذّ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام
قال فاشخصه وعلم الرجل بالحال فضم إليه بيتا آخر فلما قدم على الإمام قال ألست القائل:
اسقني شربة أُلذّ عليها ... واسق الله مثلها ابن هشام
قال نعم يا أمير المؤمنين أن لهذا ثانيا وهو:
عسلاً بارداً بماء سحابٍ ... إنني لا أحبّ شرب المدامِ
فقال الإمام الله الله إرجع إلى عملك.
الرشيد وأجر وصفة الشيخ
ومن لطائف هزليات الأذكياء أن الرشيد خرج متنزها فأنفرد عن العسكر ومعه الفضل بن الربيع فإذا هو بشيخ قد ركب حماراً ضعيفا وهو رطب العينين فغمز الفضل عليه فقال له الفضل أين تريد يا شيخ، فقال حائطا لي قال هل أدلك على شيء تداوي
стр. 151
به عينيك فتذهب هذه الرطوبة فقال ما أحوجني إلى ذلك قال فخذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمأة فصير الجميع في قشر جوزة واكتحل من العشر فإنه يذهب رطوبة عينيك فاتكأ الشيخ على ظهر حماره وضرط ضرطة طويلة ثم قال خذ هذه الضرطة أجرة وصفك فإن نفعتنا زدناك فضحك الرشيد يكاد يسقط عن ظهر دابته.
ومن الجد المفحم أن رجلا من اليهود قال للإمام علي ﵁ ما دفنتم نبيكم حتى قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير فقال الإمام أنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.
ومنه أن المتوكل قال يوما لجلسائه نقم المسلمون على عثمان أشياء منها أن الإمام أبا بكر ﵁ لما تسنم المنبر هبط عن مقام النبي ﷺ بمرقاة ثم قام عمر دون مقام أبي بكر وصعد عثمان ذروة المنبر فقال عباد: ما أحدٌ أعظم منه عليك من عثمان يا أمير المؤمنين قال وكيف ويلك قال لأنه صعد ذروة المنبر ولو أنه كلما قام خليفة نزل مرقاة ونزل عثمان كمن تقدمه كنت أنت تخطبنا من بئر فضحك المتوكل ومن حوله.
ذكاء طبيب
ومن المنقول عن أذكياء الأطباء أن جارية من جواري الرشيد تمطت فلما أرادت أن تمد يدها لم تطق وحصل فيها الورم فصاحت وآلمها فشق على الرشيد وعجز الأطباء عن علاجها فقال له طبيب حاذق يا أمير المؤمنين لا دواء لها إلا أن يدخل إليها رجل أجنبي غريب فيخلو بها ويمرخها بدهن نعرفه فأجابه الخليفة إلى ذلك رغبة في عافيتها فأحضر الطبيب الرجل
стр. 152
والدهن وقال أريد من أمير المؤمنين أن يأمر بتعريتها حتى يمرخ جميع أعضائها بهذا الدهن فشق ذلك على الخليفة وأمره أن يفعل وأضمر في نفسه قتل الرجل وقال للخادم خذه وأدخله عليها بعد أن تعريها فعريت الجارية وأقيمت فلما دخل عليها وقرب منها وسعى إليها وأومأ بيده إلى فرجها ليمسه غطت الجارية فرجها بيدها التي قد كانت عطلت حركتها ولشدة ما داخلها من الحياء والجزع حمي جسمها بانتشار الحرارة الغريزية فأعانها على ما أرادت من تغطية فرجها واستعمال يدها في فرجها فلما غطت فرجها قال لها الرجل الحمد لله على العافية فأخذه الخادم وجاء به إلى الرشيد وأعلمه بالحال وما اتفق فقال الرشيد للرجل فكيف نعمل في رجل نظر إلى حرمنا فمد الطبيب يده إلى لحية الرجل فانتزعها فإذا هي ملصقة وإذا الشخص جارية وقال يا أمير المؤمنين ما كنت لأبذل حرمك للرجل ولكن خشية أن أكشف لك الخبر فيتصل بالجارية فتبطل الحيلة ولا يفيد العلاج لأني أردت أن أدخل على قلبها فزعا شديداً ليحمي طبعها ويقودها إلى تحريك يدها وتمشي الحرارة الغريزية في سائر أعضائها بهذه الواسطة فسرى على الرشيد ما كان وقر في صدره من الرجل وأجزل عطيته.
ذكاء متطفل
ومن المنقول عن أذكياء المتطفلين قال أبو عمرو الجهضمي كان لي جار طفيلي وكان من أحسن الناس منظرا وأعذبهم منطقا وأطيبهم رائحة فكان من شأنه إذا دعيت إلى وليمة يتبعني فيكرمه الناس من أجلي ويظنون
стр. 153
صحبتي له فاتفق أن جعفر بن القاسم الهاشمي أمير البصرة أراد أن يختن أولاده فقلت في نفسي كأني برسول الأمير قد جاءني وكأني بالطفيلي قد تبعني والله لئن فعل لأفضحنه فأنا على ذلك إذا جاءني رسول الأمير يدعوني فما زدت على أن لبست ثيابي وخرجت فإذا أنا بالطفيلي واقف على باب داره وقد سبقني بالتأهب فتقدمت وتبعني فلما حضرت الموائد كان معي على المائدة فلما مدَّ يده ليأكل قلت حدثني درسة بن زياد عن أبان ابن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ من دخل دار قوم بغير إذنهم فأكل طعامهم دخل سارقا وخرج مغيراً فلما سمع الطفيلي ذلك قال أنفت لك والله يا أبا عمرو من هذا الكلام على مائدة سيد من أطعم الطعام فإنه ما من أحد من الجماعة إلا وهو يظن أنك تعرض به دون صاحبه وقد بخلت بطعام غيرك على من سواك ثم ما استحييت حتى حدثت عن درسة بن زياد وهو ضعيف وعن أبان بن طارق وهو متروك الحديث والمسلمون على خلاف ما ذكرت فإن حكم السارق القطع وحكم المغير أن يعزر على ما يراه الإمام وأين أنت من حديث حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ طعام الواحد يكفي الأثنين وطعام الأثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية وهو إسناد صحيح ومتن صحيح متفق عليه قال أبو عمرو والله لقد أفحمني ولم يحضرني جواب فلما خرجنا فارقني من جانب
стр. 154
الطريق إلى الجانب الآخر بعد أن كان يمشي ورائي وسمعته يقول:
ومن ظنّ ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
ذكاء متلصص
ومن المنقول عن أذكياء المتلصصين أن بعض التجار قال احتال علي رجل بحوالة فكان يأتيني كل يوم ويأخذ قدر نفقته إلى أن نفدت وصار بيننا معرفة وألف الجلوس عندي وكان يراني أخرج من صندوق لي فأعطيه فقال لي يوما إنَّ قِفْلَ الرجل صاحبه في سفره وأمينه في حضره وخليفته على حفظ ماله وإن لم يكن وثيقا تطرقت الحيل إليه وأرى قفلك هذا وثيقا فقل لي ممن ابتعته لابتاع مثله لنفسي فقلت من فلان الإقفالي قال فما شعرت يوما وقد جئت إلى دكاني وتقدمت إلى الصندوق لأخرج منه شيئاً من الدراهم ففتحته فإذا ليس فيه شيء فقلت لغلامي وهو عندي أمير غير متهم هل أنكرت شيئا من أحوال الدكان قال لا قلت ففتش هل ترى نقبا أم في السقف حيلة قال لا قلت فاعلم أن الذي كان في الصندوق قد ذهب فقلق الغلام فأمسكته وقمت مفكرا وتأخر الرجل عني فتيقظت له وذكرت سؤاله عن القفل وقلت للغلام أخبرني كيف تفتح دكاني وتقفله فقال أحمل الدراريب دفعتين وثلاثة حتى أضعها في محلها وهكذا أصنع في غلقها قلت فمن تدع عند الدكان إذا نقلت الدراريب قال: أتركه خاليا قلت فمن ههنا ذهبت فمضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل وقلت له: أجاءك إنسان منذ أيام واشترى منك مثل هذا القفل قال نعم رجل من
стр. 155
صفته كذا وكذا وأعطاني صفة صاحبي فعلمت أنه احتال على الغلام وقت المساء ودخل الدكان واختبأ ومعه مفتاح القفل وأخذ المال ومكثر طول الليل إلى الصباح فلما فتح الغلام وحمل الدراريب ليضعها ي محلها خرج وأنه ما فعل ذلك غلا وقد خرج من المدينة فخرجت من البصرة ومعي قفلي ومفتاحي فقلت ابتدىء بواسط فلما صعدت طلبت خانا أنزله فلما دخلت الخان وجدت قفلا مثل قفلي على باب بيت فقلت لقيم الخان هذا البيت من ينزله قال رجل قدم أمس من البصرة فقلت ما صفته فوصف لي صاحبي فما شككت أنه هو وأن الدراهم في بيته فاكتريت بيتا إلى جانبه ورصدته حتى انصرف قيم الخان ففتحت القفل ودخلت البيت فوجدت كيسي بعينه فأخذته وخرجت ووضعت قفله على بابه ونزلت على الفور في السفينة وانحدرت إلى البصرة ولم أقم بواسط غير ساعة من نهار فرجعت إلى منزلي بمالي كله.
ذكاء صبي
ومن المنقول عن أذكياء الصبيان أنه وقف إياس بن معاوية وهو صبي على قاضي دمشق ومعه شيخ فقال أصلح الله القاضي هذا الشيخ ظلمني وأكل مالي فقال القاضي ارفق بالشيخ ولا تستقبله بمثل هذا الكلام فقال إياس إن الحق أكبر مني ومنه ومنك قال اسكت قال وإن سكت فمن يقوم بحجتي قال تتكلم فوالله لا تتكلم بخير فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له فبلغ ذلك الخليفة فعزل القاضي وولى إياساً مكانه.
من أذكياء النساء
ومن المنقول عن أذكياء النساء
стр. 156
حكى المدائني قال خرج ابن زياد في فوارس فلقوا رجلاً ومعه جارية لم ير مثلها في الحسن فصاحوا به خل عنها وكان معه قوس فرمى أحدهم فهابوا الإقدام عليه فعاد ليرمي فانقطع الوتر فهجموا عليه وأخذوا الجارية فهرب واشتغلوا عنه بالجارية ومد بعضهم يده إلى أذنها وفيها قرط وفي القرط درة يتيمة لها قيمة عظيمة فقالت وما قدر هذه الدرة إنكم لو رأيتم ما في قلنسوته من الدر لاستحقرتم هذه فتركوها واتبعوه وقالوا له ألق ما في قلنسوتك وكان فيها وتر قد أعده فنسيه من الدهش فلما ذكره ركبه في القوس ورجع إلى القوم فولى القوم هاربين وخلوا الجارية.
ذكاء الحيوان
وحكى ابن الجوزي في كتاب الأذكياء نبذة عن الحيوان الذي كان بذكائه شبه ذكاء الآدميين. فمن ذلك أن بعض الكتاب مر بمقبرة فإذا قبر عليه قبة مكتوب عليها هذا قبر الكلب فمن أحب أن يعلم خبره فليمض إلى قرية كذا وكذا فإن فيها من يخبره فسال الرجل عن القرية فدلوه عليها فقصدها فقيل له ما يعلم ذلك إلا شيخ هنا قد جاوز المائة فسأله فقال كان هنا ملك عظيم الشأن وكانيحب التنزه والصيد وكان له كلب قد رباه لا يفارقه فخرج يوما إلى بعض متنزهاته وقال لبعض غلمانه قل للطباخ يصلح لنا ثريدة بلبن فجاءوا باللبن إلى الطباخ ونسي أن يغطيه بشيء واشتغل بالطبخ فخرجت من بعض الشوق أفعى فكرعت في ذلك اللبن ومجته في الثريدة والكلب رابض يرى ذلك ولم يجد له حيلة يصل بها
стр. 157
إلى الأفعى وكان هناك جارية زمنة خرساء قد رأت ما صنعت الأفعى ووافى الملك من الصيد في آخر النهار فقال يا غلمان ادركوني بالثريدة فلما وضعت بين يديه أومأت الخرساء فلم يفهم ما تقول ونبح الكلب وصاح فلم يلتفت إليه ولجّ في الصياح فلم يعلم مراده فقال للغلمان نحوه عني ومد يده إلى اللبن بعد ما رمى إلى الكلب ما كان يرمي إليه فلم يلتفت الكلب إلى شيء من ذلك ولم يلتفت إلى يغر الملك فلما رآه يريد أن يضع اللقمة من اللبن في فيه وثب إلى وسط المائدة وأدخل فمه وكرع في اللبن فسقط ميتها وتناثر لحمه وبقي الملك متعجبا من الكلب وفعله فأومأت الخرساء إليهم فعرفوا مرادها وما صنع الكلب فقال الملك لحاشيته هذا الكلب فداني بنفسه وقد وجب أن أكافئه وما يحمله ويدفنه غيري فدفنه وبنى عليه القبة التي رأيتها.
من أخبار الحمقى
قلت قد أوردنا نبذة لطيفة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي مختلفة الأنواع وقد تعين أن نورد له هنا نبذة لطيفة من كتاب الحمقى والمغفلين لأنه قال في كتاب الحمقى: ما وضعت ذلك إلا لأن النفس قد تمل من ملازمة الجد وترتاح إلى بعض المباح من اللهو كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال الحنظلة ساعة وساعة. وعن علي ﵁ أنه قال روحوا القلوب بطرائف الحكم فإنها تمل كما تمل الأبدان.
وكان رجل يجالس أصحاب رسول الله ﷺ ويحدثهم فإذا أكثروا وثقل عليه الحديث قال ان الأذن بحاجة وإن القلوب خمصة هاتوا من أشعاركم
стр. 158
وحديثكم وقال أبو الدرداء ﵁ إني لاستجم نفسي بشيء من الباطل كراهة أن أحملها من الحق ما يملها. وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يحدث أصحابه ساعة ثم يقول حمضونا فيأخذ في أحاديث العرب وأشعارهم ومثله عن الزهري ومالك بن دينار. وكان شعبة يحدث فإذا رأى أبا زيد قال له إيه أبا زيد.
إستعجمت دارُ نُعمٍ ما تكلِّمُنا ... والدارُ إن كلمتنا ذاتُ أخبار
ووصف رجل عند ابن عائشة فقيل هو جدّ كله فقال ابن عائشة لقد أعان على نفسه وقصر لها طول المدى ولو فكهها بالانتقال من حال إن حال نفس عنها ضيق العقد ورجع إلى الجد بنشاط. وقال الرشيد: النوادر تستحدّ الأذهان وتفتق الآذان. وقال آخر لا يحب الملح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثوهم وقال الشاعر:
أروح القلب ببعضِ الهزلِ ... تجاهلاً منيّ بغير جهل
أمزحُ فيه مزحَ أهلِ الفضل ... والمزحُ أحياناً جلاءُ العقل
قال ابن الجوزي في كتاب الحمقى أن الأحنف بن قيس قال إذا رأيتم الرجل طويل القامة عظيم اللحية فأحكموا عليه بالحمق. وقال معاوية لرجل كفى أن نشهد عليك بالحمق ما نراه من طول لحيتك. وقال آخر وتلطف ما شاء: من طالت لحيته تكوسج عقله. وقال أصحاب الفراسة: من طالت قامته ولحيته وجبت تعزيته في عقله. وقالوا إذا كان الرجل طويلا طويل
стр. 159
اللحية وأضيف إلى ذلك أن يكون صغير الرأس فأحكم عليه بالحمق. وقال زياد ما زادت لحية الرجل على قبضة إلا كان نقصانا من عقله وقال الشاعر:
إذا عرُضت للفتى لحيةٌ ... وطالت وصارت إلى سرّته
فقد ضاق عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زاد من لحيته
وقال ابن الرومي:
إن تطل لحيةٌ عليك وتعرُض ... فالمخالي مخلوقةٌ للحمير
علّق الله في عذاريك مخلا ... ةً ولكنّها بغير شعير
وقال بعضهم: صارم الأحمق فليس له خير من الهجران. وقيل مكتوب في التوراة من اصطنع إلى أحمق معروفا فهي كخطيئة مكتوبة عليه. وقال سفيان الثوري هجران الأحمق قربة إلى الله تعالى. فمن ضرب المثل بحمقه وتغفله هبنقة واسمه يزيد وكان قد جعل في عنقه قلادة عظام وودع وقال أخشى أن أضيع من نفسي ففعلت ذلك لأعرفها فحولت أمه القلادة إلى عنق أخيه فلما أصبح ورآها قال يا أخي أنا أنت وضل له بعير فجعل يقول من وجده فهو له فقيل له فلم تنشده قال: لحلاوة الظفر. واختصمت بنو طفاوة وبنو راسب في رجل ادعى كل من الفريقين أنه منهم فقال هبنقة حكمه أن يلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة وإن رسب فهو من راسب فقال الرجل إن كان الحكم هكذا فقد زهدت في الطائفتين.
ومنهم
أبو عيشان
وهو رجل
стр. 160
من خزاعة كان يلي سدانة البيت فاجتمع مع قصي بن كلاب بالطائف على الشراب فلما سكر اشترى منه قصي ولاية سدانة البيت بزق من خمر وأخذ منه مفاتيحه وسار بها إلى مكة وقال يا قريش هذه مفاتيح أبيكم إبراهيم رجها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم وأفاق أبو غيشان فندم غاية الندم فقيل أحمق من أبي غيشان وقال شاعرهم:
باعتْ خزاعةُ بيتَ الله إذ سكرتْ ... بزقّ خمرٍ فبئستْ صنعة البادي
باعت سدانتها بالخمر وانقرضتْ ... عن المقام وظلّ البيت والنادي
ومنهم
ربيعة البكاء
سمي البكاء لأنه دخل على أمه وهي تحت زوجها فبكى وصاح أتقتل أمي فقالوا أهون مقتول أمٌ تحت زوج فذهبت مثلا.
ومنهم
حمزة بن بيض
قال يوما لغلامه أي يوم صلينا الجمعة بالرصافة فافتكر الغلام ساعة ثم قال يوم الثلاثاء. ومنهم حجى قال بعضهم كان من أذكياء الناس وإما كان بينه وبين قوم عداوة فوضعوا عليه حكايات سارت بها الركبان وقيل كان من كبار الحمقى والمغفلين. قيل إنه دخل الحمام وخرج منه فضربته ريح باردة فمست خصيتيه فإذا إحداهما قد تقلصت فرجع إلى الحكمام وجعل يفتش الناس فقالوا له مالك فقال سرقت إحدى بيضتي ثم إنه دخل في الحمام وحمي فرجعت البيضة فلما وجدها سجد شكراً لله وقال كل شيء لا تسرقه اليد لا يفقد. واشترى يوما دقيقا وحمله على حمال فلما دخل الحمال في الزحام هرب فرآه حجى بعد أيام فاستتر منه لئلا
стр. 161
يطالبه بالأجرة. وكان لهم جارية تسمى عميرة فضربتها ذات يوم أمه فصاحت الجارية فاجتمع الناس على الباب فخرج إليه فقال ما لكم عافاكم الله إنما هي أمي تجلد عميرة. ومنهم
ابن الجصاص
قيل إنه كان يقصد التباله خيفة من الوزير ابن الفرات. فمن المنقول من حمقه أنه كان مع الوزير في مركب ومعه بطيخة فأراد أن يعطيها للوزير ويبصق في البحر فبصق في وجه الوزير ورمى البطيخة في البحر هذا من المنقول عما ظهر عنه من التباله وإلا فقد روي عنه أنه قال لما ولي ابن الفرات الوزارة قصدني قصدا قبيحاً وأنفذ العمال إلى ضياعي وبسط لسانه بثلبي ونقصني في مجلسه فدخلت يوما داره فسمعت حاجبه وقد وليت يقول: هذا بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس له من يأخذه فقلت هذا من كلام صاحبه وقد كان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار عيناً سوى الجواهر والذخائر وغير ذلك فسهرت في ليلتي أفكر في أمري معه فوقع في نفسي في الثلث الأخير من الليل أن ركبت إلى داره على الفور فوجدت الأبواب مغلقة فطرقتها فقال البواب من هذا قلت ابن الجصاص فقال ليس هذا وقت وصول الوزير نائم فقلت عرف الحجاب أني حضرت في مهم فعرفهم فخرج إلي أحدهم فقلت الأمر أهم من ذلك فأيقظه وعرفه عني ما قلت لك فدخل وأبطأ ساعة ثم خرج وأدخلني فارتاع لدخولي وظن أني جئته برسالة من الخليفة أو حدثت حادثة وهو متوقع لما أورده عليه فنظر إلي
стр. 162
وقال ما الذي جاء بك في هذا الوقت قلت خير ما حدثت حادثة ولا معي رسالة ولا جئت إلا في أمر يخصني ويخص الوزير ولم تصلح مفاوضته إلا على خلوة فسكن روعه وقال لمن حوله انصرفوا فمضوا فقال هات فقلت أيها الوزير إنك قصدتني بأقبح قصد وشرعت في هلاكي وإزالة نعمتي وفي إزالتها خروج نفسي وليس عن النفس عوض وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيني وبينك فإن نزلت تحت حكمي في الصلح وإلا قصدت الخليفة في هذه الساعة وحولت إليه ألف دينار وأنت تعلم قدرتي عليها وأقول له: خذ هذا المال وسلم إلي ابن الفرات وأسلمك لمن أختاره للوزارة ويقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ممن له وجه مقبول ولسان عذب وخط حسن ولا أعتمد إلا على بعض كتابك فإنه لا يفرق بينك وبينه إذا رأى المال حاضرا فيسلمك في الحال إليه ويفرغ عليك العذاب بحضوري ويأخذ منك المال المعين وأنت تعلم أن حالك تفي بها ولكنك تفتقر بعدها ويرجع المال إلي وأكون أهلكت عدوي وشفيت غيظي وزاد محلي بتقليدي وزيراً فلما سمع هذا الكلام سقط ي يده وقال يا عدو الله أو تستحل ذلك فقلت بل عدو الله من استحل مني هذا فقال وما تريد فقلت تحلف الساعة بما استحلفك من الأيمان المغلظة أن تكون معي لا علي في صغير أمري وكبيره ولاتنقص لي رسما ولا تضع مني، بل تبالغ في رفعتي ولا تبطن علي فقال وتحلف أنت أيضاً لي بمثل هذا اليمني على جميل النية وحسن الطاعة
стр. 163
فقلت أفعل فقال: لعنك الله والله لقد سحرتني واستدعى بدواة فعملنا نسخة يمين وحلف كل منا عليها فلما أردت القيام قال لي يا أباع عبد الله لقد عظمت في نفسي والله ما كان المقتدر يفرق بيني وبين أحسن كتابي إذا رأى المال فليكن ما جرى بيننا مطويا فقلت سبحان الله فقال إذا كان غدا فسر إلى المجلس فترى ما أعاملك به فقمت فأمر الغلمان أن يسيروا في خدمتي بأجمعهم إلى داري ولما أصبحت جئته فبالغ في الإكرام والتعظيم وأمر بانشاء الكتب إلى النواحي بإعزاز وكلائي وحماية أملاكي فشكرته وقمت فأمر الغلمان أيضا بالمشي بين يدي والحجاب والناس يتعجبون من ذلك ولم يعلم أحد ما السبب وما حدثت بهذا الحديث إلا بعد القبض عليه.
وذكر ابن الجوزي في الباب السابع من كتاب الحمقى والمغفلين أن جماعة من العقلاء صدر عنهم أفعال الحمقى وأصروا على ذلك مستصوبين لها فصاروا بذلك الاصرار حمقى ومغفلين. فأول القوم ابليس لعنه الله تعالى فإنه صوّب نفسه وخطأ حكمة الله تعالى ورمى عن قوس الاعتراض في عدم السجود لآدم ﵇ ثم قال أنظرني إلى يوم يبعثون فصارت لذته في أيقاع العاصي في الذنب كأنه يغبط ونسي عقابه الدائم فلا حمق كحمقه ولا عفلة كغفلته ولله در القائل في ابليس:
عجبتُ من ابليس في غفلته ... وخبثِ ما أظهر من نيَّته
تاهَ على آدم في سجدةٍ ... وصار قواداً لذريته
الثاني فرعون في دعواه الربوبية
стр. 164
وافتخاره بقوله أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي فافتخر بساقية لا هو أجراها ولا يعرف مبدأها ولا منتهاها ونسي أمثالها مما ليس تحت قدرته وليس في الحمق أعظم من ادعائه الألوهية وقد ضربت الحكماء بذلك مثلا فقالوا دخل أبليس على فرعون فقال له من أنت قال ابليس قال ما جاء بك قال جئت متعجبا من جنونك قال كيف قال أنا عاديت مخلوقا مثلي فامتنعت من السجود له فطردت ولعنت وأنت تدعي أنّك إله، هذا والله هو الحمق والجنون البارد.
ومن عجيب الحمق والتغفل اتخاذ الاصنام باليد والاقبال على عبادته والإله ينبغي أن يفعل ولا يُفعل. وكذلك نمروذ في بنائه الصرح ثم رميه بنشابة يريد أن يقتل أله السموات والأرض. وكذلك بنو اسرائيل حين جاوزوا البحر وقد أنجاهم الله تعالى من تلك الأهوال واستنقذهم من فرعون قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وكذلك قول النصارى إن عيسى إله وابن إله ثم يقرون أن اليهود صلبوه وهذا غاية البله والعفلة. وكذلك ارافضة يعلمون إقرار علي ببيعة أبي بكر وعمر واستيلاده الحنفية من سبي أبي بكر وتزويجه أم كلثوم ابنته من مر وكل ذلك دليل على رضاه ببيعتهما ثم في الرافضة من يسبهما وفيهم من يكفرهما وكل ذلك يطلبون به حب علي بزعمهم وقد تركوا حبّهم وراء ظهورهم.
وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال لو جاءني رجل فقال إنيّ حلفت بالطلاق أن لا أكلم في هذا اليوم من هو أحمق وكلم رافضيا أو نصرانيا
стр. 165
لقلت له حنثت فقال له ابن الديناري أعزك الله ولم صارا أحمقين قال لأنهما خالفا الصادقين.
أما الصادق الأول فعيسى ﵇ قال للنصارى إني عبد الله وقال أن اعبدوا الله فقالوا لا وعبدوه جهلا وحمقا. والصادق الثاني الإمام علي ﵁ فإنه قال عنه ﷺ أنه قال عن أبي بكر وعمر هذان سيدا كهول أهل الجنة والرافضة يسبونهما.
ومن المنقول عن حمق النساء أن الأمين لما حوصر قال لجاريته غني فغنت:
أبكى فراقهُمُ عيني فأرّقها ... إن التفرّق للأحباب نكباء
فقال لعنك الله أما تعرفين غير هذا فغنَّت:
وما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك
إلا لينتقل السلطان من ملكٍ ... قد غيب تحت الثرى إلى ملك
فقال لها قومي فقامت فعثرت بقدح بلور فكسرته فقال قائل قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ولما قتله المأمون دخل على زبيدة ليعزيها به فقالت إن أردت أن تسليني فتغدّ عندي فتغدى عندها فأخرجت له من جواري الأمين من تغنيه فغنت:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه
فوثب المأمون مغضبا فقالت له زبيدة أحرمني الله أجره إن كنت دسسته إليها أو لقنتها فصدقها وإنصرف.
ومن ذلك أن المعتصم لما فرغ من بناء قصر له أدخل الناس عليه فاستأذن إسحق بن إبراهيم في الإنشاد فأذن له فأنشد:
стр. 166
يا دار غيَّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وجميع من حضر المجلس وتعجبوا كيف يصدر من مثل اسحق هذا التغفل المفرط ولم يجتمع بعد ذلك بالدار اثنان.
ومن لطائف المنقول عن الحمقى والمغفلين أن عيسى بن صالح تولى قنسرين والعواصم للرشيد وكان من الحمق على جانب عظيم قال بعضهم أتاني رسوله بالليل فأمرني بالحضور فتوهمت أن كتابا جاءه من أمير المؤمنين في مهم احتاج فيه إلى حضور مثلي فركبت إلى داره فلما دخلت سألت الحجاب هل ورد كتاب من الخليفة أو حدث أمر فقالوا لا فامضيت إلى الخدم فسألتهم فقالوا مثل مقالة الحجاب فصرت إلى الموضع الذي هو فيه فقال لي أدخل ليس عندي أحد فدخلت فوجدته على فراشه فقال: أعلم أني سهرت الليلة مفكراً في أمر إلى ساعتي هذه فقلت وما هو الأمر أصلح الله الأمير قال اشتهيت أن يصيرني الله حورية في الجنة ويجعل زوجي يوسف الصديق فطال لذلك فكري فقلت له هلا اشتهيت محمداً ﷺ أن يكون زوجك فإنه سيد الأنبياء ﵈ فقال لا تظن أني لم أفكر في هذا قد فكرت فيه ولني كرهت أن أغيظ عائشة ﵂.
ومن لطائف المنقول عن المغفلين من الأعراب قيل صلى إعرابي خلف بعض الأئمة في الصف الأول وكان اسم الأعرابي مجرما فقرأ الإمام والمرسلات عرفاً فلما بلغ إلى قوله تعالى ألم نهلك الأولين
стр. 167
تأخر الأعرابي إلى الصف الأخير فقال ثم نتبعهم الآخرين فرجع إلى الصف الأوسط فقال كذلك نفعل بالمجرمين فولى هاربا وهو يقول والله ما المطلوب غيري.
ومثله صلى أعرابي خلف أمام صلاة الصبح فقرأ الإمام سورة البقرة وكان الأعرابي مستعجلا ففاته مقصوده فلما كان من الغد بكر إلى المسجد فابتدأ فقرأ سورة الفيل فقطع الأعرابي الصلاة وولى هارباً وهو يقول أمس قرأت سورة البقرة فلم تفرغ منها إلى نصف النهار واليوم تقرأ سورة الفيل ما أظنك تفرغ منها إلى الليل. ومنه كان أعرابي قائما يصلي فأخذ قوم يصفونه بالصلاح وهو يسمع فقطع الصلاة وقال وأنا مع هذا صائم. ومنه دخل خالد بن صفوان الحمام وفي الحمام رجل ومعه ابنه فأراد الرجل أن يعرف خالداً ما عنده من البيان والنحو فقال يا بني ابدأ بيداك ورجلاك ثم التفت إلى خالد فقال له يا أبا صفوان هذاكلام قد ذهب أهله فقال خالد هذا كلام ما خلق الله له أهلا.
ومن لطائف المنقول عن المغفلين من الشعراء أن بعضهم دخل مسجد الكوفة يوم الجمعة وقد نما خبر المهدي أنه مات وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك فقال رافعا صوته:
مات الخليفة أيُّها الثقلانِ
فقالوا هذا أشعر الناس فإنه نعى الخليفة إلى النس والجن في نصف بيت ومدت الناس أبصارهم وأسماعهم إليه فقال:
فكأنني أفطرتُ في رمضان
قال فضحك
стр. 168
الناس وصار شهرة في الحمق.
ومثله أن سيف الدولة بن حمدان أنصرف من الحرب وقد نصر على عدوه فدخل عليه الشعراء فأنشدوه فدخل معهم رجل شامي فأنشده:
وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلف حائطٍ ... وكنت كسنَّورٍ عليهم تسقَّفا
فأمر بإخراجه فقام على الباب يبكي فأخبر سيف الدولة ببكائه فرق له وأمر برده وقال له مالك تبكي قال قصدت مولانا بكل ما أقدر عليه أطلب منه بعض ما يقدر عليه فلما خاب أملي بكيت فقال سيف الدولة ويلك فمن يكون له مثل هذا النسل يكون له ذلك النظم كم كنت أملت قال خمسمائة درهم فأمر له بألف درهم فأخذها وانصرف.
ومن المنقول عن المغفلين على الإطلاق قال بعضهم دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بجماعة عليهم سمة العلم فجلست إليهم وهم ينقصون من علي بن أبي طالب ﵁ فقمت من عندهم مغضبا فرأيت شيخاً جميلا يصلي فظننت به الخير فجلست إليه فقلت له يا عبد الله أما ترى هؤلاء القوم يشتمون علي بن أبي طالب وينقصونه وهو زوج فاطمة الزهراء وابن عم سيدنا محمد ﷺ فقال لي يا عبد الله لو نجا أحد من الناس لنجا منهم أبو محمد رحمه الله تعالى قال فقلت ومن أبو محمد قال الحجاج بن يوسف وجعل يبكي فقمت من عنده وخلفت لا أقيم بها.
ومن ذلك أن رجلاً سأل بعضهم وكان من الحمق على الجانب عظيم فقال إيما أفضل عندك معاوية أو عيسى بن مريم فقال ما رأيت سائلا أجهل منك
стр. 169
ولا سمعت بمن قاس كاتب الوحي إلى نبي النصارى، ومن ذلك أن لصا تسور روزنة وكان اللص مغفلا فنظر من خلال الروزنة فوجد رجلا وزوجته وهي تقول له يا رجل من أين اكتسبت هذا المال العظيم فقال لها كنت لصا وكنت إذا تسورت روزنة بيت صبرت إلى أن يطلع القمر فإذا طلع اعتنقت الضوء الذي في الروزنة وتدليت بلا حبل وقلت شولم شولم فنزلت فآخذ جميع ما في البيت ولا تبقى ذخيرة من ذخائر البيت إلا ظهرت لي ثم أقول شولم شولم وأصعد في الضوء ولا ينتبه أحد من أهل البيت وأذهب بلا تعب ولا كلفة فسمع اللص ذلك فصبر إلى أن طلع القمر ونام أهل البيت فتعلق في ضوء الروزنة فوقع وتكسرت أضلاعه فقام إليه صاحب البيت وقبض عليه وأسلمه إلى صاحب الشرطة. ومنهم
يسوق الحمير ويعدها
من كان يسوق عشرة حمير فركب واحداً منها وعدها فإذا هي تسعة حمير فنزل وعدها فإذا هي عشرة فقال أمشي وأربح حمارا خير من أن أركب وأخسر حماراً فمشى حتى كاد يتلف إلى أن بلغ قريته. ومنهم من مات بعض أقاربه فقيل له لم لا تبعث جنازته فقال هذا الكلام ما يقوله عاقل أكون منسيا فأذكر بنفسي ومن ذلك أن بعض المغفلين سمع رجلا ينشد:
وكان بنو عمّي يقولون مرحباً ... فلما رأوني معدما مات مرحبُ
فقال: كذب الشاعر مرحب قتله علي بن أبي طالب لم يمت إلا قتيلا، ومنه من باع داراً وكان يؤذن بباب مسجد بالقرب منها فأنسى أنه باعها فصلى ورجل
стр. 170
إليها ودخل من الباب فصاحت النسوة وقلن له يا رجل اتق الله فينا فقال اعذروني فإني ولدت في هذا الدار ولم أذكر البيع. ومنهم
أخبار وطرف
من رأى جاريته تحت رجل يجامعها فقال لها يا جارية ما حملك على هذا فقالت له يما مولاي حلفني بحياة رأسك وأنت تعلم صدق محبتي لك فسكت. ومنهم من سمع أن صوم يوم عرفة يعدل صوم سنة فصام إلى الظهر وقال يكفيني ستة أشهر. ومنهم من جاء إلى الجب ونظر فيه فرأى خيال وجهه فذهب إلى أمه وقال يا أمي في الجبّ لص فجاءت الأم فتطلعت فيه فرأت خيال وجهها فقالت صدقت ومعه قحبة. ومنهم من دعا فقال اللهم اغفر لي ولأمي ولأختي ولامرأتي فقيل له لم تركت ذكر أبيك قال لأنه مات وأنا صبي لم أدركه، وقال رجل لرجل كم يوم في هذا الشهر فنظر وقال والله لست من أهل هذه المدينة، ومن ذلك أن هشام ابن عبد الملك عرض الجند فتقدم رجل حمصي بفرس كلما قدمه يتأخر، فقال له هشام ما هذا، قال: يا سيدي فارِه ولكنّه شبّهك ببيطار كان يعالجه فنفر. ومنهم من قيل له عندك مال جزيل وليس لك إلا والدة عجوز وإن مت ورثتك فأفسدت مالك فقال إنها لا ترثني قيل وكيف: قال: لأن أبي طلقها قبل أن يموت. ومنهم من جاء إليه جماعة يسألونه في كفن لجار له مات فقال ما عندي الآن شيء ولكن عودوني في وقت آخر قالوا أفنُملِّحه إلى أن يتيسر عندك شيء. ومنهم من تقدم يصلي المغرب بجماعة فأطال القيم فلما فرغ من الصلاة سجد
стр. 171
سجدتي السهو ولم يكن سها فقيل نحن أنكرنا عليك طول القراءة فما الجواب عن سجدتي السهو ولم تكن سهوت فقال ذكرت أني صليت بكم على غير وضوء فسجدت للسهو.
ومن ذلك أن عبداً كان بين أثنين في الشركة فجعل أحدهما يضربه فلامه شريكه فقال إنما ضربت حصتي. ومنهم من قيل له كيف صنعتم في رمضان فقال اجتمعنا ثلاثين فأنفذناه في يوم واحد واسترحنا منه. قال الأصمعي خرج جماعة من بني غفار ومعهم رجل مغفل فأصابتهم ريح في البحر أيسوا معها من الحياة فأعتق كل واحد منهم مملوكا أو مملوكة فقال ذلك الرجل اللهم إنك تعلم أني ليس لي مملوك ولا مملوكة ولكن امرأتي طالق طلقة واحدة لوجهك الكريم.
معلمي الصبيان
قال ابن الجوزي في آخر كتاب الحمقى والمغفلين أن المعلمين للصبيان صناعتهم تكاد أن تكون اكسيراً لقلة العقل وإبرازاً للحماقة. وقال عدَلَ عقل امرأة سبعين حائكا وعدل عقل حائك سبعين معلما وسبب قلة عقل المعلم أنه مع الصبيان بالنهار ومع النساء بالليل. وكان يحيى بن أكثم لا يقبل شهادة المعلم. وقيل لصبي ما لنا نراك كثير الحمق فقال لو لم أكن كذلك لكنت ولد زنا. وقيل لمعلم مالك تضرب ذا الصبي ولم يذنب قال إنما ضربته قبل أن يذنب لئلا يذنب. وقال الجاحظ مررت بمعلم وهو يقرىء صبيا، وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تقصص رؤياك عن إخوتك فيكيدوا لك كيدا فقلت له ويحك قد أدخلت سورة في سورة. فقال نعم عافاك الله
стр. 172
إذا كان أبوه يدخل شهراً في شهر فأنا أيضا أدخل سورة في سورة ولا آخذ شيئا ولا ابنه يتعلم شيئا انتهى. ما تخيرته من كتاب الأذكياء والحمقى والمغفلين.
الوليد ومسامر الخلفاء
ومما تخيرته من سلوان المطاع لابن ظفر أن الوليد ابن يزيد لما بلغه أن ابن عمه يزيد ابن الوليد بن عبد الملك قد شرد عنه القلوب واستجاش عليه أهل اليمن ونازعه في ملكه احتجب عن سمّاره ودعا في بعض الليالي خادما فقال له انطلق متنكرا حتى تقف ببعض الطرق وتأمل من يمر بك من الناس فإذا رأيت كهلا رث الهيئة يمشي مشياً هويناً وهو مطرق فسلّم عليه وقل له في أذنه: أمير المؤمنين يدعوك فأن أسرع في الإجابتة فائتني به وإن استراب فدعه واطلب غيره حتى تجد رجلا على الشرط الذي ذكرت لك فانطلق الخادم فأتاه برجل على الشرط فلما دخل الرجل على الوليد حياه بتحية الخلافة فأمره الوليد بالجلوس والدنو منه وصبر إلى أن ذهب روعه وسكن جأشه ثم اقبل عليه فقال له أتحسن المسامرة للخلفاء فقال نعم يا أمير المؤمنين فقال الوليد إن كنت تحسنها فأخبرنا ما هي فقال يا أمير المؤمنين المسامرة أخبار لمنصت وأنصات لمخبر ومفاوضة فيما يعجب ويليق فقال له الوليد أحسنت لا أزيدك امتحانا فقل أسمع لقولك فقال الكهل نعم يا أمير المؤنين ولكن المسامرة صنفان لا ثالث لهما أحدهما الإخبار بما يوافق خبرا مسموعا والثاني الإخبار بما يوافق غرضاً من أغراض صاحب المجلس وإني لم أسمع بحضرة أمير المؤمنين
стр. 173
طريقة فأنحو نحوها وألزم أسلوبها فقال الوليد صدقت وها نحن نقترح لك ما تقتفيه قد بلغنا أن رجلا من رعيتنا سعى في ضرر ملكنا فأثر سعيه وشق ذلك علينا فهل سمعت بذلك فقال الكهل نعم يا أمير المؤمنين فقال له الوليد قل الآن على حسب ما سمعت وعلى ما ترى من التدبير فقال يا أمير الممنين بلغني عن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان أنه لما ندب الناس لقتال ابن الزبير وخرج بهم متوجها إلى مكة حرسها الله تعالى استصحب عمرو بن سعيد بن العاص وكان عمرو قد انطوى على فساد نية وخبث طويّة وطماعية في نيل الخلافة وكان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد فطن لذلك إلا أنه كان يحترمه ولما أبعد أمير المؤمنين عن دمشق تمارض عمرو بن سعيد فاستأذن أمير المؤمنين في العود إلى دمشق فأذن له فلما دخل عمرو دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من الخليفة واستولى على دمشق ودعا الناس إلى خلع عبد الملك فأجابوه إلى ذلك وبايعوه وحصّن بعد ذلك سور دمشق وحمى حوزتها فبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجه إلى ابن الزبير وبلغه مع ذلك أن والي حمص قد نزع يده من الطاعة وأن أهل الثغور قد تشوفوا للخلاف فأحضر وزراءه فأطلعهم على ما بلغه وقال لهم دمشق ملكنا قد استولى عليها عمر بن سعيد وهذا عبد الله ابن الزبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن ومصر وخراسان وهذا النعمان بن بشير أمير حمص وزفر بن الحرث
стр. 174
أمير فلسطين قد خرجا عن الطاعة وبايعا الناس لابن الزبير وهذه المضرية بسيوفها تطالبنا بقتلى المرج فلما سمع وزراؤه مقالته ذهلت عقولهم فقال لهم عبد الملك مالكم لا تنطقون هذا وقت الحاجة إليكم فقال أفضلهم وددت أن أكون طيراً على عود من أعواد تهامة حتى تنقضي هذه الفتن فلما سمع عبد الملك مقالة صاحبه قام أمرهم بلزوم موضعهم وركب منفردا وأمر جماعة من شجعانه أن يتبعوه متباعدين ففعلوا وسار عبد الملك حتى انتهى إلى شيخ ضعيف البدن سيىء الحال وهو يجمع سمّاقا فسلم عليه عبد الملك وآنسه بحديثه ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بنزول هذا العسكر فقال الشيخ وما سؤالك عنه فقال عبد الملك أني أردت الانتظام في سلكه فقال له أني أرى عليك سمة الرياسة فينبغي لك أن تصرف نفسك عن هذا الرأي فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلّت عرا ملكه والسلطان في اضطراب أموره كالبحر إذا هاج فقال عبد الملك أيها الشيخ قد قوي عليّ جذب نفسي إلى صحبة هذا الأمير فهل لك أن ترشدني إلى رأي أتفق به عنده فلعله يكون سبب قربي منه فقال الشيخ أن هذه النازلة التي نزلت بهذا الأمير من النوازل التي لا تنفذ فيها العقول وإني لأكره أن أرد مسألتك بالخيبة فقال له عبد الله قبل جزاك الله خيراً فقال الشيخ إن هذا الخليفة خرج إلى قتال عدوه والإرادة غير قابلة لمراده والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يرد من قصده من محاربة ابن الزبير ووثوب
стр. 175
عمرو بن سعيد على منبره واستيلائه على بيوت أمواله وسرير خلافته فإذا قصدت هذا الأمير وانتظمت في سلكه أنظر في أمره فإن رأيته قد أصر على قصده ابن
الزبير فأعلم أنه مخذول فأجنبه وإن رأيته قد رجع من حيث جاء وترك قصده الأول فأرج له النصر والسلامة. فقال عبد الملك يا شيخ وهل رجوعه إلى دمشق إلا كمسيره إلى ابن الزبير فقال الشيخ إن الذي أشكل عليك لواضح وها أنا أزيل عنك اللبس وهو أن عبد الملك إذا قصد ابن الزبير كان في صورة ظالم لأن ابن الزبير لم يطعه طاعة قط ولا وثب له على ملكة فإذا قصد ابن سعيد كان في صورة مظلوم لأنه نكث بيعته وخان أمانته ووثب على دار ملك لم تكن له ولا لأبيه من قبله بل كانت لعبد الملك ولأبيه من قبله وعمرو عليها متعد، ومن الأمثال سمين الغضب مهزول وولي الغدر معزول وسأضرب لك مثلا يشفي النفس ويزيل اللبس. زعموا أن ثعلبا كان يسمّى ظالما وكان له جحر يأوي إليه وكان مغتبطاً به فخرج يوما يبتغي ما يأكل ثم رجل فوجد فيه حية فانتظر خروجها فلم تخرج فعلم أنها استوطنته وذلك أن الحية لا تتخذ جحراً بل إذا أعجبها جحر اغتصبته وطردت من به من الحيوان ولهذا قيل فلان أظلم من حية فهذا ظلمها ولما رأى ظالم أن الحية قد استوطنت جحره ولم يمكنه السكنى معها ذهب يطلب لنفسه مأوى فانتهى به السير إلى جحر حسن الظاهر
стр. 176
في أرض منيعة ذات أشجار ملفتة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فقالوا هذا الحجر يملكه ثعلب اسمه مفوض وأنه ورثه عن أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله إلى جحره وسأله عن حاله فقص عليه خبره مع الحية فرق له مفوض وقال له الموت في طلب الثأر خير من الحياة في العار والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي أخذ منك غصبا حتى أنظر إليه فلعلي أهتدي إلى مكيدة تخلص بها مأواك فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وقال لظالم اذهب معي فبت الليلة عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح من الرأي والمكيدة ففعلا ذلك وبات مفوض مفكرا وجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته ما اشتد به حرصه عليه وطفق يدبر في حيلة اغتصابه ونفي مفوض عنه فلما أصبحا قال مفوض لظالم أني رأيت ذلك الجحر بعيدا من الشجر والماء فأصرف نفسك عنه وهلم أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهى فقال ظالم هذا غير ممكن لأن لي نفسا تهلك لبعد الوطن حنينا فلما سمع مفوض ما قاله ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له أني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبا ونربط منه حزمتين فإذا جاء الليل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام فأخذنا قبس نار واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك فنجعل الحزمتين في بابه نضرم النار فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت
стр. 177
الجحر قتلها الدخان فقال له ظالم هذا نعم الرأي فذهبا واحتطبا حزمتين ولما جاء الليل انطلق مفوض إلى ظاهر تلك الخيام فأخذ قبسا فعمد ظالم إلى إحدى الزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه ثم جر الحزمة الآخرة إلى باب مسكن مفوض فسده بها سدا محكما وقدر في نفسه أن مفوضا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى وكان ظالم قد رأى في منزل مفوض طعاماً أدخره لنفسه فعول ظالم على أنه يقتات به إن حاصره مفوض وهو من داخل وأذهله الشره والحرص عن فساد هذا الرأي ثم إن مفوضا جاء بالقبس فلم يجد ظالما ولا وجد الحطب فظن أن ظالما قد حمل الحزمتين تخفيفا عنه وأنه سبقه إلى مسكنه الذي فيه الحية اشفاقا على مفوض فشق ذلك عليه وظهر له من الرأي أن يبادر إليه ويلحقه ليحمل معه الحطب فوضع القبس بالقرب من الحطب ولم يشعر أن الباب مسدود به لشدة الظلمة فما بعد عن الباب إلا وضوء النار وشدة الدخان قد لحقا به فعاد وتأمل الباب فرأى الحطب قد صار ناراً فعلم مكيدة ظالم ورآه قد احترق ن داخل الجحر وحاق به مكره فقال هذا الباحث على حتفه بظلفه ثم إن مفوضا صبر حتى انطفأت النار فدخل جحره فأخرج جثة ظالم فألقاها واستوطن جحره آمنا فهذا المثل ضربته لك لأنه ملائم لفعل عمرو بن سعيد في بغيه ومخادعته عبد الملك وحيلته في أخذ دار ملكه وتحصينها منه وهذا
стр. 178
كفعل ظالم مع مفوض والله أعلم فلما سمع عبد الملك حكمة الشيخ في ضرب أمثاله سر بذلك سروراً عظيما ثم أقبل عليه فقال جزيت عني خيراً وأني أريد أن تجعل بيني وبينك موعداً وتعرفني مكانك لألقاك به بعد يومي هذا فقال الشيخ وما تريد بذلك فقال له عبد الملك إني أريد مكافأتك على ما كان منك فقال له الشيخ إني أعطيت الله عهداً أن لا أقبل منة
لبخيل فقال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم. قال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع
стр. 179
بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم.
ومما تخيرته من عجائب سلوان المطاع قيل لما عزم سابور ابن هرمز على الدخول إلى بلاد الروم متنكراً نهاه نصحاؤه وعقلاء وزرائه وحذروه من ذلك فعصاهم وكان يقال أوزر الناس وزراء الأحداث من الملوك وعشاق الفتيان من المشايخ ثم إن سابور توجه نحو بلاد الروم واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله وكان من أدهى الناس في الحزم وسداد الرأي واختلاف الأديان ولغاتها وكان من المتبحرين في العلوم والمبرزين بالمكايد فسلم إليه في سفره وأمر أن لا يتجاوزه في السير ولا يبعد عنه بحيث يراعي جميع أحواله في ليله ونهاره فتوجها نحو الشام ولبس ذلك الوزير زي الرهبان وتكلم بلسانهم وتحرف بصناعة الطب الجرائحي وكان معه الدهن الصيني الذي إذا دهنت به الجراحات ختمت بسرعة واندملت فكان ذلك الوزير في مسيره نحو بلاد الروم يداوي الجراحات بأدوية يضيف إليها يسيراً من ذلك الدهن فتبرأ بسرعة وإذا عني بأحد من ذوي الأقدار داواه بذلك صرفا فيبرأ على الفور ولا يأخذ على ذلك أجرة فانتشر ذكره في بلاد الروم وعقدت عليه الخناصر وأقبل عليه الناس وكان مع إنفراده عن سابور يراعي جميع أحواله فلم يزالا كذلك حتى طافا جميع الشام وقصدا القسطنطينية فقدماها فذهب الوزير إلى البطريرك وتفسير هذا الأسم أبو الآباء
стр. 180
فاستأذن عليه فأذن له وسأله عن قصده فأخبره أنه هاجر إليه ليتشرف بخدمته ويدخل في أتباعه ثم أهدى إليه هدية نفيسة حسن موقعها من البطرك فقربه وأكرمه وأحسن نزله وألحقه ببطانته وأختبره فوجده عالما بدينهم بل مبرزا فأعجب به غاية الإعجاب وجعل الوزير يتأمل أحوال البطرك ليصحبه بما يلائمه وينفق عنده فوجده مائلاً إلى الفكاهات معجبا بنوادر الأخبار وكان الوزير في ذلك غاية فأخذ يتحفه بكل نادرة غريبة وملحة عجيبة فصار البطرك لم يطق عن الوزير صبرا لأنه حلا لعينه وحل بقلبه وجعل الوزير مع ذلك يعالج الجراحات ولا يأخذ على ذلك عوضا فعظم قدره في الناس هذا وهو يتعاهد أحوال سابور في كل وقت إلى أن صنع قيصر وليمة وحضر الناس إليها على طبقاتهم فأراد سابور حضورها ليطلع على أحوال قيصر وعلى رتبته في قصره وعظم وليمته فنهاه وزيره عن ذلك فعصاه وتزيا بزي ظن أنه يتستر به ودخل دار قيصر مع من حضر الوليمة وكان قيصر من شدة احتراسه من سابور وخيفته من أن يطرق بلاده وتحسن له همته العالية وحدَّة الشبيبة ذلك، صوّر سابور في مجلسه وعلى ستور بيته وعلى فرشه وفي آلات أكله وشربه، ولما دخل سابور يوم الوليمة واستقر في مجلسه وأكل مع من حضر أتوا بالشراب في كؤوس البلور والذهب والفضة والزجاج المحكم
следующие страницы →