← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في أرض منيعة ذات أشجار ملفتة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فقالوا هذا الحجر يملكه ثعلب اسمه مفوض وأنه ورثه عن أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله إلى جحره وسأله عن حاله فقص عليه خبره مع الحية فرق له مفوض وقال له الموت في طلب الثأر خير من الحياة في العار والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي أخذ منك غصبا حتى أنظر إليه فلعلي أهتدي إلى مكيدة تخلص بها مأواك فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وقال لظالم اذهب معي فبت الليلة عندي لأنظر ليلتي هذه فيما يسنح من الرأي والمكيدة ففعلا ذلك وبات مفوض مفكرا وجعل ظالم يتأمل مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب هوائه وحصانته ما اشتد به حرصه عليه وطفق يدبر في حيلة اغتصابه ونفي مفوض عنه فلما أصبحا قال مفوض لظالم أني رأيت ذلك الجحر بعيدا من الشجر والماء فأصرف نفسك عنه وهلم أعينك على احتفار جحر في هذا المكان المشتهى فقال ظالم هذا غير ممكن لأن لي نفسا تهلك لبعد الوطن حنينا فلما سمع مفوض ما قاله ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له أني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطبا ونربط منه حزمتين فإذا جاء الليل انطلقنا إلى بعض هذه الخيام فأخذنا قبس نار واحتملنا الحطب والقبس إلى مسكنك فنجعل الحزمتين في بابه نضرم النار فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت

стр. 177

الجحر قتلها الدخان فقال له ظالم هذا نعم الرأي فذهبا واحتطبا حزمتين ولما جاء الليل انطلق مفوض إلى ظاهر تلك الخيام فأخذ قبسا فعمد ظالم إلى إحدى الزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه ثم جر الحزمة الآخرة إلى باب مسكن مفوض فسده بها سدا محكما وقدر في نفسه أن مفوضا إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى وكان ظالم قد رأى في منزل مفوض طعاماً أدخره لنفسه فعول ظالم على أنه يقتات به إن حاصره مفوض وهو من داخل وأذهله الشره والحرص عن فساد هذا الرأي ثم إن مفوضا جاء بالقبس فلم يجد ظالما ولا وجد الحطب فظن أن ظالما قد حمل الحزمتين تخفيفا عنه وأنه سبقه إلى مسكنه الذي فيه الحية اشفاقا على مفوض فشق ذلك عليه وظهر له من الرأي أن يبادر إليه ويلحقه ليحمل معه الحطب فوضع القبس بالقرب من الحطب ولم يشعر أن الباب مسدود به لشدة الظلمة فما بعد عن الباب إلا وضوء النار وشدة الدخان قد لحقا به فعاد وتأمل الباب فرأى الحطب قد صار ناراً فعلم مكيدة ظالم ورآه قد احترق ن داخل الجحر وحاق به مكره فقال هذا الباحث على حتفه بظلفه ثم إن مفوضا صبر حتى انطفأت النار فدخل جحره فأخرج جثة ظالم فألقاها واستوطن جحره آمنا فهذا المثل ضربته لك لأنه ملائم لفعل عمرو بن سعيد في بغيه ومخادعته عبد الملك وحيلته في أخذ دار ملكه وتحصينها منه وهذا

стр. 178

كفعل ظالم مع مفوض والله أعلم فلما سمع عبد الملك حكمة الشيخ في ضرب أمثاله سر بذلك سروراً عظيما ثم أقبل عليه فقال جزيت عني خيراً وأني أريد أن تجعل بيني وبينك موعداً وتعرفني مكانك لألقاك به بعد يومي هذا فقال الشيخ وما تريد بذلك فقال له عبد الملك إني أريد مكافأتك على ما كان منك فقال له الشيخ إني أعطيت الله عهداً أن لا أقبل منة لبخيل فقال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم. قال عبد الملك ومن أين علمت أني بخيل فقال لأنك أخرت صلتي مع القدرة فما عليك لو وصلتني ببعض ما عليك فقال عبد الملك أقسم بالله لقد ذهلت ثم نزع سيفه وقال له أقبل مني هذا واحرص عليه فقيمته عشرون ألف درهم فقال الشيخ إني لا أقبل صلة ذاهل فدعني وربي الذي لا يذهل ولا يبخل فهو حسبي فلما سمع عبد الملك كلام الشيخ عظم في عينه وعلم فضله في دينه فقال له أنا عبد الملك فأرفع حوائجك إلي فقال الشيخ وأنا عبد الملك فهلم نرفع حوائجنا إلى من أنا وأنت له عبدان فانطلق عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح الله قصده وانتصر على أعدائه فلما سمع الوليد ما أخبره به الكهل استرجح عقله واستظرف أدبه واستحسن محاضرته وسأله عن نفسه فتسمى له وانتسب فلم يعرفه الوليد فاستحى منه وقال له: من جهل مثلك في رعيته ضاع. فقال له الكهل: يا أمير المؤمنين إن الملوك لا تعرف إلا من تعرف إليها ولزم أبوابها فقال له الوليد صدقت ثم أمر له بصدقة معجلة وعهد إليه في ملازمته فكان يتمتع

стр. 179

بأدبه وحكمته إلى أن كان من أمر الوليد ما هو مشهور والله أعلم. ومما تخيرته من عجائب سلوان المطاع قيل لما عزم سابور ابن هرمز على الدخول إلى بلاد الروم متنكراً نهاه نصحاؤه وعقلاء وزرائه وحذروه من ذلك فعصاهم وكان يقال أوزر الناس وزراء الأحداث من الملوك وعشاق الفتيان من المشايخ ثم إن سابور توجه نحو بلاد الروم واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله وكان من أدهى الناس في الحزم وسداد الرأي واختلاف الأديان ولغاتها وكان من المتبحرين في العلوم والمبرزين بالمكايد فسلم إليه في سفره وأمر أن لا يتجاوزه في السير ولا يبعد عنه بحيث يراعي جميع أحواله في ليله ونهاره فتوجها نحو الشام ولبس ذلك الوزير زي الرهبان وتكلم بلسانهم وتحرف بصناعة الطب الجرائحي وكان معه الدهن الصيني الذي إذا دهنت به الجراحات ختمت بسرعة واندملت فكان ذلك الوزير في مسيره نحو بلاد الروم يداوي الجراحات بأدوية يضيف إليها يسيراً من ذلك الدهن فتبرأ بسرعة وإذا عني بأحد من ذوي الأقدار داواه بذلك صرفا فيبرأ على الفور ولا يأخذ على ذلك أجرة فانتشر ذكره في بلاد الروم وعقدت عليه الخناصر وأقبل عليه الناس وكان مع إنفراده عن سابور يراعي جميع أحواله فلم يزالا كذلك حتى طافا جميع الشام وقصدا القسطنطينية فقدماها فذهب الوزير إلى البطريرك وتفسير هذا الأسم أبو الآباء

стр. 180

فاستأذن عليه فأذن له وسأله عن قصده فأخبره أنه هاجر إليه ليتشرف بخدمته ويدخل في أتباعه ثم أهدى إليه هدية نفيسة حسن موقعها من البطرك فقربه وأكرمه وأحسن نزله وألحقه ببطانته وأختبره فوجده عالما بدينهم بل مبرزا فأعجب به غاية الإعجاب وجعل الوزير يتأمل أحوال البطرك ليصحبه بما يلائمه وينفق عنده فوجده مائلاً إلى الفكاهات معجبا بنوادر الأخبار وكان الوزير في ذلك غاية فأخذ يتحفه بكل نادرة غريبة وملحة عجيبة فصار البطرك لم يطق عن الوزير صبرا لأنه حلا لعينه وحل بقلبه وجعل الوزير مع ذلك يعالج الجراحات ولا يأخذ على ذلك عوضا فعظم قدره في الناس هذا وهو يتعاهد أحوال سابور في كل وقت إلى أن صنع قيصر وليمة وحضر الناس إليها على طبقاتهم فأراد سابور حضورها ليطلع على أحوال قيصر وعلى رتبته في قصره وعظم وليمته فنهاه وزيره عن ذلك فعصاه وتزيا بزي ظن أنه يتستر به ودخل دار قيصر مع من حضر الوليمة وكان قيصر من شدة احتراسه من سابور وخيفته من أن يطرق بلاده وتحسن له همته العالية وحدَّة الشبيبة ذلك، صوّر سابور في مجلسه وعلى ستور بيته وعلى فرشه وفي آلات أكله وشربه، ولما دخل سابور يوم الوليمة واستقر في مجلسه وأكل مع من حضر أتوا بالشراب في كؤوس البلور والذهب والفضة والزجاج المحكم

стр. 181

وكان في المجلس رجل من حكماء الروم ودهاتهم فلما وقعت عينه على سابور أنكره وجعل يتأمل شخص فرأى عليه مخايل الرياسة ولمازاد في تأمله وصل إليه دور الكاس فتأمل الصورة التي على الكأس وراجع النظر في سابور فما شك أن الصورة التي على الكأس وضعت على مثاله وغلب على ظنه أنه سابور فأمسك الكأس في يده إمساكا طويلاً ثم قال رافعا صوته إن هذه الصورة التي على هذا الكأس تخبرني أخباراً عجيباً فقيل له وما الذي تخبرك فقال تخبرني أنّ الذي هي مثال له معنا في مجلسنا هذا ثم نظر إلى سابور وقد تغير لونه حين سمع مقالته فحقق ظنه فبلغ ذلك قيصر فادناه وقربه وسأله فأخبره أن سابور معه في مجلسه وأشار إليه فأمر قيصر بالقبض عليه وقرب من قيصر فسأله عن نفسه فتعلل بضروب من العلل لم تقبل فقال ذلك المتفرس أيها الملك لا تقبل قوله فإنه سابور لا محالة فهدده قيصر بالقتل فاعترف أنه سابور فحبسه قيصر مكرما وأمر أن يعمل له من جلود البقر صورة بقرة وتطبق عليه الجلود سبع طبقات ويتخذ لها باب وتجعل لها كوة لأجل المبال ويستقر سابور بها وتجمع يداه إلى عنقه بجامعة من الذهب ذات سلسلة يمكنه معها تناول ما يعمل له من طعام وشراب وغير ذلك فلما دخل سابور جوف تلك الصورة جمع قيصر جنوده واستعد لغزو بلاد فارس ووكل بسابور وهو داخل البقرة مائة رجل من ذوي البأس والشدة

стр. 182

يحملونها وصرف أمره إلى المطران وهو خليفة البطرك فكانت تلك الصورة تحمل بين يديه فإذا نزل العسكر نزلت الصورة التي فيها سابور وسط العسكر وضربت عليها قبة وتضرب للمطران قبة مجاورة لقبة سابور وسار قيصر محتفلا بجنوده وعساكره وقد عزم على خراب فارس ولما جد السير قال وزير سابور للبطرك أيها الأب إنما استفدت بخدمتك الرغبة في مصالح الأعمال ولا عمل أصلح من تنفيس كربة عن مجهود وجر منفعة إلى مضطر وقد علمت اجتهادي في مداواة الجرحى وإن نفسي تنازعني إلى صحبة الملك قيصر في سفره هذا لا غير فلعل الله تعالى يستنقذ بي نفسا صالحة أو يشوقني إلى مداواة جريح من العسكر ليتقدم قلبي بهذه المثوبات، فكره البطرك ذلك وقال له قد علمت أنني لا أستطيع فراقك فكيف تطالبني بالسفر البعيد قال فلم يزل وزير سابور يتضرع إلى البطرك إلى أن استحى منه وسمح له بذلك وزوده وكتب معه إلى المطران يخبره برتبته عنده وأن يحله في أعلى المراتب ويستضيء برأيه إذا أشكل عليه أمر فقدم وزير سابور على المطران فعرف له حقه وأنزله في قبته وجعل زمام أمره ونهيه بيده وصار الوزير يستميله بما يميل إليه ويطرفه في كل ليلة بطرف الأخبار رافعا بها صوته ليسمع سابور حديثه فيتسلى بذلك ويدس في أحاديثه ما يريد أن يعلمه به ويبطنه من الأسرار فكان سابور يجد بذلك راحة عظيمة

стр. 183

وكان الوزير قد أعد لخلاص سابور أنواعا من المكايد رتبها عندما قدم على المطران منها أنه امتنع عن مؤاكلة المطران وأخبره أنه لا يخلط بطعام البطرك غيره لأجل بركته فكان إذا حضر طعام المطران أخرج هو ذلك الزاد الذي معه وأنفرد بالأكل وحده فلم يزل قيصر سائرا بجنوده حتى بلغ أرض فارس فأكثر فيها القتل والسبي وتغوير المياه وقطع الأشجار وخراب القرى والحصون وهو مع ذلك يواصل السير ليستولي على دار ملك سابور قبل أن يشعروا فيملكوا عليهم رجلا منهم ولم يكن للفرس هم إلا الفرار من بين يديه والاعتصام بالمعاقل والحصون فلم يزل قيصر على تلك الحال حتى بلغ مدينة سابور وقرار ملكه فأحاط بها ونصب عليها آلات الحصار ولم يكن عندها قوة ولا منعة في دفعه أكثر من ضبط الأسوار والقتال عليها وكل ذلك فهمه سابور من كنايات الوزير في محاضراته للمطران ولكن لم يسمع له كلمة من حين سجنه قيصر في تلك الصورة فلما علم سابور أن قيصر قد ثقلت وطأته وأشرف على فتح البلد عيل صبره وساء ظنه ويئس من الحياة فلما جاء الموكل بطعامه قال له إن هذه الجامعة قد نالت مني منالا ضعفت قوتي عن احتماله فإن كنتم تريدون بقاء نفسي فنفسوا عني منها واجعلوا بينها وبين يدي وعنقي خرقا من الحرير فجاء الموكل بالطعام إلى المطران وأعلمه بالذي قاله سابور فسمعه الوزير وعلم أن سابور قد جزع وساء ظنه وفطن

стр. 184

لما أراد سابور فلما جنَّ الليل وجلس لمسامرة المطران قال له ذكرت الليلة حديثا عجيبا ما ذكرته منذ كذا وكذا وددت أنني كنت حدثت به البطرك قبل سفري فقال له المطران إني أرغب إليك أن تحدثني الليلة أيها الراهب الحكيم فقال الوزير حبا وكرامة ثم اندفع يحدثه رافعا صوته ليسمع سابور ويفهم الغرض ويستأنس فقال اعلم أيها المطران أنه كان ببلادنا فتى وفتاة ليس في زمانهما أحسن منهما اسم الفتى عين أهله واسم الفتاة سيدة الناس وكانا زوجين مؤتلفين ولا يبتغي أحدهما بالآخر بدلا ثم أن عين أهله جلس يوما مع أصحابه فتذاكروا النساء إلى أن ذكر أحدهم امرأة أطنب في وصفها وبالغ، وذكر أن اسمها سيدة الذهب فوقع في قلب عين أهله حبها فسأل الواصف عن منزلها فذكر أنها ببلد بالقرب من بلده ففكر عين أهله في أمرها وخامره حبها فانطلق إلى البلد التي هي ساكنة بها وسأل عن منزلها فعرفه ولم يزل يتردد إلى بابها حتى رآها فرأى منظرا حسناً ولكن لم تكن بأحسن من امرأته بل ضرورات النفس حب التنقل في الأحوال ولازم عين أهله المعاودة إلى منزل سيدة الذهب حتى فطن له بعلها وكان جافيا غليظ الطبع شديد البطش يسمى الذئب فرصد عين أهله حتى مر به فلما رآه وثب عليه وقتل فرسه ومزق ثيابه واستعان بجماعته عليه فاحتملوه إلى داخل دار الذئب وربطوه إلى سارية في الدار ووكل به عجوزاً مقطوعة اليد جدعاء عوراء شوهاء فلما جن

стр. 185

عليه الليل أوقدت تلك العجوز النار بالقرب منه وجعلت تصطلي فذكر عين أهله ما كان فيه من السلامة والعافية والرفاهية والعز فبكى بكاء شديداً فأقبلت عليه العجوز وقالت له ما ذنبك الذي أوجب هذا فقال عين أهله ما علمت لي ذنباً فقالت العجوز هكذا قال الفرس للخنزير. وكذب فقال عين أهله للعجوز وما الذي كذب فيه الفرس عند الخنزير فقالت له العجوز ذكروا أن فرساً كان لأحد الشجعان فكان يبالغ في إكرامه ويحسن إليه ويعده لمهماته ولا يصبر عنه ساعة وكان يخرج به في صحبته كل يوم فيزيل لجامعه وسرجه ويطيل رسنه فيتمرغ ويرعى في كل مرج مخصب حتى يرتفع النهار فيرده وهو على يده ثم أنه خرج يوماً إلى المرج راكباً ونزل عنه فلما استقرت قدماه على الأرض نفر الفرس وجمح ومر يعدو بسرجه ولجامه فطلبه الفارس يومه كله فأعجزه وغاب عن عينه عند غروب الشمس فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس ولما انقطع الطلب عن الفرس وأظلم عليه الليل جاع وطلب أن يرعى فمنعه اللجام ورام أن يتمرغ فمنعه السرج ورام أن يضطجع فمنعه الركاب فبات بشر فلما أصبح ذهب يبتغي فرجا مما هو فيه فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى جهته الأخرى فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه كان حزامه ولببه من جلد ما اتقن في دبغه فلما خرج أصابت الشمس الحزام واللبب فيبسا واشتد عليه فورم موضع اللبب والمحزم واشتد به الضرر وقوي به الجوع ومضت عليه أيام فتزايد

стр. 186

ضعفه وعجز عن المشيء فمر به خنزير فهم بقتله فرآه ضعيفا جداً فسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من أضرام اللجام واللبب والحزام وسأله أن يصنع معه معروفاً ويخلصه مما هو فيه فسأله الخنزير عن الذنب الذي أوقعه في تلك العقوبة فزعم الفرس أن لا ذنب له فقال له الخنزير كذبت ولو صدقت خلصتك مما أنت فيه، ومن جهل ذنوبه وأصرّ عليها لم يرج فلاحه فحدثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك وعن حالك قبل ذلك فصدقه الفرس وأخبره بجميع أمره وكيف كان عند فارسه مكرما وكيف فارقه وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير فقال الخنزير قاتلك الله لقد كفرت النعم وأكثر الذنوب، منها خلافك لفارسك الذي بالغ في الإحسان إليك وأعدك لمهماته ومنها كفرك إحسانه ومنها تعديك على ما ليس لك وهو السرج واللجام ومنها اساءتك لنفسك بتعاطيك التوحش الذي لست من أهله ولا لك عليه مقدرة ومنها إصرارك على ذنبك وكنت قادراً على العود إلى فارسك قبل أن يوهنك اللجام والجوع والحزام واللبب بالألم فقال الفرس للخنزير قد عرفت ذنبي فانطلق عني ودعني فإني أستحق أضعاف ما أنا فيه فقال الخنزير بعد أن عرفت وعدت على نفسك باللوم واخترت لها العقوبة على جهلها تعين الشروع في خلاصك ثم إن الخنزير قطع عذرا اللجام فسقط وقطع الحزام فنفس عن الفرس قال فلما سمع عين أهله ما خاطبته به العجوز قال لها صدقت فيما نطقت

стр. 187

قد أدبتيني فتأدبت ثم أعلمها بخبره ثم رغبها في أن تمنَّ عليه بالخلاص كما فعل الخنزير بالفرس فقالت العجوز الذي سألتني لا يمكنني فعله الآن ولعلي أجد لك فرجا ومخرجا عن قريب فعليك بالصبر وأمسكت العجوز عن مخاطبته قال فلما انتهى الوزير في حديثه إلى هذه الغاية أقبل على المطران وقال إني أحس في أعضائي فتوراً وفي رأسي صداعا ولم أقدر الليلة على إتمام الحديث ولعلي أكون الليلة القابلة نشيطا إلى ذلك فنهض إلى مضجعه فجعل سابور يتأمل حديث الوزير ويتأمل الأمثال التي ضربها له ودسها في المسامرة ففهم أن الوزير كنَّى عن سابور بعين أهله وكنَّى عن مملكته بسيدة الناس وكنَّى عن بلاد الروم بسيدة الذهب وكنَّى عن قيصر بالذئب الذي ذكر أنه بعل سيدة الذهب وكنَّى عن طموح نفس سابور إلى مملكة الروم بطموح نفس عين أهله إلى رؤية سيدة الذهب وكنَّى عن أخذ قيصر له بقبض الذئب على عين أهله وكنَّى عن نفسه وحاله وعجزه بالعجوز وأنه ساع في خلاصه فاستروح سابور ريح الفرج فسكنت نفسه ووثق بوزيره فلما كانت الليلة القابلة وتعشى المطران وأخذ مقعده للمسامرة قال الوزير أيها الحكيم الراهب أخبرني عن ما كان من أمر عين أهله وهل خلصته العجوز من وثاق الذئب أم لا فقال الوزير سمعا وطاعة فشرع في حديثه وقال إن عين أهله أقام على حالته عدة أيام وكل يوم يدخل

стр. 188

عليه الذئب ويهدده بالقتل ويزيده قيداً ثم إن العجوز جاءته في بعض الليالي وأضرمت لها بالقرب منه ناراً وجلست تصطلي ثم أقبلت على عين أهله وقالت له ساعدني على خلاصك بالصبر فقال لها عين أهله وهان على الطليق ما لقي الأسير فقالت العجوز حداثة سنك قصرت فهمك عن إدراك الحقائق أفتسمع حديثاً لك فيه سلوة قال نعم فقالت العجوز ذكروا أن بعض التجار كان له ولد وكان مشغوفا به فأتحفه بعض معارفه بخشف غزال فعلق قلب الصبي بذلك الخشف الصغير فكان لا يفارقه وجعلوا في جيده حليا نفيساً وربطوا له شاة ترضعه حتى اشتد ونجم قرناه فأعجبه بريقهما وسوادهما وقال لأهله ما هذا الذي ظهر في رأس الخشف قالوا قرناه وقالوا له إنهما سيكبران ويطولان فقال الغلام لأبيه إني أحب أن أرى غزالا كبيرا له قرنان كاملان فأمر أبوه بعض الصيادين أن يصيد له غزالا كبيرا فأحضر له غزالا قد استكمل قوة ونموا فأعجب الغلام وحلى جيده أيضا فتأنس الغزال الكبير بالخشف الصغير للمجانسة الطبيعية فقال الخشف للغزال ما كنت أظن لي في الأرض شكلا قبل أن أراك فقال له الغزال إن أشكالك كثيرة فقال الخشف وأين هي فأخبره الغزال بتوحشها وانفرادها في فلوات الأرض وتناسلها فارتاح الخشف لذلك وتمنى أن يراها فقال له الغزال هذه أمنية لا خير لك فيها لأنك نشأت في رفاهية من العيش ولو تحصلت على ما تمنيت لندمت

стр. 189

فقال الخشف للغزال لابد من اللحاق بأشكالي فلما رأى الغزال أن الخشف غير راجع لم يجد بدا من قضاء اربه لحرمة الألفة فرصدا وقتا وخرجا معا حتى لحقا بالصحراء فلما عاينها الخشف فرح ومرح ومر يعدو ولا يلتفت إلى ما وراءه فسقط في اخدود ضيق قد قطعه السيل فانتظر أن يأتيه الغزال فيخلصه فلم يأته وأما ولد التاجر فإنه تنكد لفقد الخشف والغزال وأشفق أبوه فاستدعى كل من يعاني الصيد فعرفهم القصة وكلفهم طلب الخشف والغزال ووعدهم بالمكافأة على ذلك وركب التاجر معهم وفرق أتباعه على أبواب المدينة ينتظرون من يأتي من الصيادين وانطلق هو وعبيده حتى دخلوا الصحراء فرأوا على بعد رجلا منكبا على شيء بين يديه فأسرعوا نحوه فرأوا صيادا قد أوثق غزالا كبيرا وقد عزم على ذبحه فتأمله التاجر فإذا هو الغزال الكبير الذي لولده فخلصه من الصياد وأمر عبيده ففتشوه فوجدوا معه الحلي الذي كان على الغزال فسأله كيف ظفر به وأين وجده فقال إني بت في هذه الصحراء ونصبت شركا ومكثت قريبا منه فلما أصبحت مر عليَّ الغزال ومعه خشف يعدو ويمرح في جهة غير جهة الشرك وجاء هذا الغزال يمشي حتى حصل فيه فقنصته وقصدت به المدينة فلما بلغت هذا الموضع ظهر لي أني مخطىء في إدخال هذا الظبي إلى المدينة حيا لعلمي أنه إذا رؤي حيا طولبت بما كان عليه من الحلي فرأيت أن أذبحه وأدخل به لحما فهذا خبري فقال له التاجر لقد جنى عليك

стр. 190

طمعك الخيبة فماذا عليك لو اطلقته وخلصت ما كان عليه من الحلي ثم إن التاجر أرسل الغزال إلى ولده مع أحد عبيده وقال للصياد ارجع معي فارني الجهة التي رأيت الخشف سعى نحوها فرجع به إلى تلك الجهة فسمع من قريب صوته فصاح به التاجر فعرف الخشف صوته فصرَّت فسمع التاجر الصوت فأدركه فإذا هو في ذلك الأخدود ملقى فأخذوه ووهب التاجر للصياد ما رضي به وصرفه ورجع التاجر بالخشف إلى ولده فكملت مسرة الغلام لذلك وجهد أهله بكل حيلة أن يجمعوا بين الخشف والغزال فلم يقدروا على ذلك فبينما الخشف نائم في كناسه إذ دخل عليه الغزال فايقظه وعاتبه على نفاره منه فقال الخشف أما أنت الذي غدرت وقد علمت احتياجي في غربتي إلى معاونتك فقال له والله ما أخرني عن ذلك إلا وقوعي في شرك الصياد وقص عليه القصة فقبل عذره وعادا إلى الألفة كما كانا فلما سمع عين أهله خطاب العجوز فهم كنايتها عن عجزها في تخليصه أمسك عن خطابها قيل فلما انتهى وزير سابور من حديثه إلى هذا الحديث سكت فقال له المطران أيها الحكيم الراهب ما هذا السكوت فقال الوزير قد عاودني ذلك الفتور الذي أجده في أعضائي فقال المطران لا تفعل فإن ذلك يشق علي فقال الوزير نعم أفعل ذلك طلبا لمرضاتك ثم اندفع يحدثه قال وبات عين أهله تلك الليلة في أضيق

стр. 191

الأحوال ولما اصبح دخل عليه الذئب فنال منه وهدده بالقتل وخرج من عنده فجعل يعلل نفسه بقية نهاره ويمنيها بالفرج فلما أقبل في تلك الليلة فأقبل على البكاء حتى مضى جانب من الليل ثم قال للعجوز لم أحظ في هذه الليلة بمؤانستك فقالت له قد جرحت قلبي لقولك لي هان على الطليق ما لقي الأسير لو اعتبرت باطن حالي لعلمت أن أسري اشد من أسرك فاستمع لي أحدثك. واعلم أيها الفتى أني كنت زوجة لبعض الفرسان وكان لي محبا فكنت معه في ارغد عيش وولدت له أولادا كثيرة فغضب الملك على زوجي لأمر كان منه فقتله وقتل أولادي الذكور وباعني أنا وبناتي فاشتراني هذا الفارس الذي عدا عليك واحتملني إلى هذه البلدة وأساء إلى وكلفني من العمل ما لا أطيق ولي معه على هذه الحالة سبع سنين ثم فررت منه فظفر بي فقطع يديد وعود عسفي ومضرتي وقد عزمت على تخليصك الليلة وما أشك أنه يقتلني وجل قصدي ذلك لأجل الراحة مما أنا فيه ولأجل ذلك أنا أكثر الدخول والخروج إليك وأنا في غاية الحيرة من الفزع والجزع ثم أنها فتحت قيود عين أهله وقطعت وثاقه وتناولت سكينا لتقتل نفسها فقال لها عين أهله وإن تركتك تقتلين نفسك فقد شاركتك في دمك وانتزع السكين من يدها وقال لها قومي اذهبي معي لكي ننجو معا أو نعطب معا فقالت إن كبر سني وضعف بصري يمنعاني من اتباعك فقال لها عين أهله إن الليل متسع والموضع الذي أنا فيه قريب ولي قوة على حملك فقالت له العجوز إذا عزمت على هذا فإني لا أحوجك إلى حملي وخرجا معا فلم ينقض الليل حتى بلغا حيث أمنا فجزاها عين أهله خيرا على ما صنعت واتخذها أمّا، فهذا ما بلغني من ذلك فقال المطران ما أعجب أحاديثك أيها الحكيم ولقد وددت أني لا أفارقك أبدا ونهض كل واحد منهما إلى مضجعه وبات سابور يتصفح حديث وزيره ويتأمل أمثاله ففهم أن الخشف مثل سابور وأن الغزال الكبير مثل الوزير وأن خروج الخشف مع الغزال إلى الصحراء وحصول الخشف في الأخدود مثل لصحبة سابور بوزيره لتأخره عن استنقاذه وتحقق أن الوزير قد عزم على خلاصه والخروج به إلى المدينة ليلا وأن المدينة قريبة منهما وأنه يحمله إن عجز عن المشي فأيقن سابور بالفرج ولما كانت الليلة القابلة تلطف وزير سابور حتى دخل الخيمة التي يطبخ بها الطعام للمطران وبها الموكلون بقبة سابور نائمون ينتظرون الطعام فتحيل إلى أن ألقى في الطعام مرقدا قوي الفعل ولما حضر طعام المطران انفرد الوزير بأكل زاده على ما جرت به العادة فلم تكن إلا ساعة حتى صرع القوم فبادر الوزير إلى فتح باب البقرة واستخرج سيده وأزال الجامعة عن عنقه ويديه وتلطف حتى أخرجه من عسكر قيصر وقصد به المدينة فانتهيا معا إلى سورها فصرخ بهم الموكلون فتقدم الوزير إليهم وأمرهم بخفض أصواتهم وأعلمهم بسلامة الملك سابور ثم عرفهم نفسه فابتدروا لهما وأدخلوهما المدينة فقويت نفوس أهلها وأمرهم سابور بالاجتماع وفرق فيهم السلاح وأمرهم أن يأخذوا أهبتهم فإذا ضربت نواقيس النصارى الضرب الأول يخرجون من المدينة ويفترقون على عسكر الروم فإذا ضربت النواقيس الضرب الثاني يحملون بأجمعهم فامتثلوا أمره ثم أن سابور انتخب كتيبة عظيمة فيها شجعان أساورته ووقف معهم ما يلي الجهة التي فيها أخبية قيصر فلما ضربت النواقيس الضرب الثاني حملوا من كل جهة وقصد سابور أخبية قيصر ولم يكن الروم متأهبين لعلمهم بضعف الفرس عن مقاومتهم وسد أبوابهم فما شعروا حتى دهموهم وأخذ سابور قيصر أسيرا وغنم جميع ما في عسكره واحتوى على جميع خزائنه ولم ينج من جنوده إلا اليسير ثم عاد سابور إلى مدينته ودار مملكته فقسم الغنائم بين أهل عسكره وأحسن إلى حفظة ملكه وفوض جميع أموره إلى الوزير ثم أنه أحضر قيصر فلاطفه وأكرمه وقال له إني مبق عليك كما أبقيت علي وغير مجاز لك على التضييق ولكن آخذك بإصلاح ما أفسدت من جميع ملكي فتبني ما هدمت وتغرس جميع ما قلعت وتطلق كل ما عندك ما أسارى الفرس. فضمن له جميع ذلك ووفى به فلما أتم سابور ما أراد من ذلك كله أحسن إلى قيصر وأطرفه وجهزه إلى دار ملكه واستمر قيصر على مهادنته والانقياد إلى طاعته انتهى. فظفر بي فقطع يديد وعود عسفي ومضرتي وقد عزمت على تخليصك الليلة وما أشك أنه يقتلني وجل قصدي ذلك لأجل الراحة مما أنا فيه ولأجل ذلك أنا أكثر الدخول والخروج إليك وأنا في غاية الحيرة من الفزع والجزع ثم أنها فتحت قيود عين أهله وقطعت وثاقه وتناولت سكينا لتقتل نفسها فقال لها عين أهله وإن تركتك تقتلين نفسك فقد شاركتك في دمك وانتزع السكين من يدها وقال لها قومي اذهبي معي لكي ننجو معا

стр. 192

أو نعطب معا فقالت إن كبر سني وضعف بصري يمنعاني من اتباعك فقال لها عين أهله إن الليل متسع والموضع الذي أنا فيه قريب ولي قوة على حملك فقالت له العجوز إذا عزمت على هذا فإني لا أحوجك إلى حملي وخرجا معا فلم ينقض الليل حتى بلغا حيث أمنا فجزاها عين أهله خيرا على ما صنعت واتخذها أمّا، فهذا ما بلغني من ذلك فقال المطران ما أعجب أحاديثك أيها الحكيم ولقد وددت أني لا أفارقك أبدا ونهض كل واحد منهما إلى مضجعه وبات سابور يتصفح حديث وزيره ويتأمل أمثاله ففهم أن الخشف مثل سابور وأن الغزال الكبير مثل الوزير وأن خروج الخشف مع الغزال إلى الصحراء وحصول الخشف في الأخدود مثل لصحبة سابور بوزيره لتأخره عن استنقاذه وتحقق أن الوزير قد عزم على خلاصه والخروج به إلى المدينة ليلا وأن المدينة قريبة منهما وأنه يحمله إن عجز عن المشي فأيقن سابور بالفرج ولما كانت الليلة القابلة تلطف وزير سابور حتى دخل الخيمة التي يطبخ بها الطعام للمطران وبها الموكلون بقبة سابور نائمون ينتظرون الطعام فتحيل إلى أن ألقى في الطعام مرقدا قوي الفعل ولما حضر طعام المطران انفرد الوزير بأكل زاده على ما جرت به العادة فلم تكن إلا ساعة حتى صرع القوم فبادر الوزير

стр. 193

إلى فتح باب البقرة واستخرج سيده وأزال الجامعة عن عنقه ويديه وتلطف حتى أخرجه من عسكر قيصر وقصد به المدينة فانتهيا معا إلى سورها فصرخ بهم الموكلون فتقدم الوزير إليهم وأمرهم بخفض أصواتهم وأعلمهم بسلامة الملك سابور ثم عرفهم نفسه فابتدروا لهما وأدخلوهما المدينة فقويت نفوس أهلها وأمرهم سابور بالاجتماع وفرق فيهم السلاح وأمرهم أن يأخذوا أهبتهم فإذا ضربت نواقيس النصارى الضرب الأول يخرجون من المدينة ويفترقون على عسكر الروم فإذا ضربت النواقيس الضرب الثاني يحملون بأجمعهم فامتثلوا أمره ثم أن سابور انتخب كتيبة عظيمة فيها شجعان أساورته ووقف معهم ما يلي الجهة التي فيها أخبية قيصر فلما ضربت النواقيس الضرب الثاني حملوا من كل جهة وقصد سابور أخبية قيصر ولم يكن الروم متأهبين لعلمهم بضعف الفرس عن مقاومتهم وسد أبوابهم فما شعروا حتى دهموهم وأخذ سابور قيصر أسيرا وغنم جميع ما في عسكره واحتوى على جميع خزائنه ولم ينج من جنوده إلا اليسير ثم عاد سابور إلى مدينته ودار مملكته فقسم الغنائم بين أهل عسكره وأحسن إلى حفظة ملكه وفوض جميع أموره إلى الوزير ثم أنه أحضر قيصر فلاطفه وأكرمه وقال له إني مبق عليك كما أبقيت علي وغير مجاز لك على التضييق ولكن آخذك بإصلاح ما أفسدت من جميع ملكي فتبني ما هدمت وتغرس جميع ما قلعت وتطلق كل ما عندك ما أسارى الفرس. فضمن

стр. 194

له جميع ذلك ووفى به فلما أتم سابور ما أراد من ذلك كله أحسن إلى قيصر وأطرفه وجهزه إلى دار ملكه واستمر قيصر على مهادنته والانقياد إلى طاعته انتهى. ومن لطائف المنقول قصة أرينب بنت اسحق زوج عبد الله بن سلام كان عبد الله بن سلام واليا بالعراق من قبل معاوية وكانت أرينب بنت اسحق زوجا له وهي من أجمل نساء عصرها وأحسنهن أدبا وأكثرهن مالا وكان يزيد ابن معاوية قد هام بجمالها وأدبها على السماع وبما بلغه عنها من حسن الخلق والخُلق وفتن بها فلما عيل صبره خص بسره خصيصا بمعاوية اسمه رفيف فذكر ذلك رفيف لمعاوية وذكر شدة شغف يزيد بها فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره فبث له شأنه فقال معاوية: مهلا يا يزيد قال علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل فقال معاوية وأين حجاك ومروءتك فقال له يزيد قد عيل الحجى ونفد الصبر قال يا بني ساعدني على أمرك بالكتمان والله بالغ أمره وكانت أرينب بنت اسحق قد سارت بذكر جمالها الركبان وضربت بها الأمثال فأخذ معاوية في الحيلة حتى يبلغ يزيد رضاه وينال غرضه ومناه فكتب إلى عبد الله ابن سلام يستحثُّه على الحضور لمصلحة عينّها له وكان معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء صاحبا الرسول ﷺ فلما قدم عليه عبد الله بن سلام الشام أعد له معاوية منزلا حسنا ونقله إليه وبالغ في إكرامه ثم قال لأبي هريرة وأبي الدرداء أن ابنتي قد بلغت وأريد انكاحها وقد رضيت

стр. 195

عبد الله بن سلام لدينه وشرفه وفضله وأدبه وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى ولكن أرجو أن لا تخرج عن رأيي إن شاء الله تعالى فخرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد الله بن سلام بالذي قال لهما معاوية ثم دخل معاوية على ابنته فقال لها إذا دخل عليك ابو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك عبد الله بن سلام وإنكاحي إياك منه وحضاك على المسارعة إلى رضائي فقولي لهما عبد الله بن سلام كفء كريم غير أن تحته أرينب بنت اسحق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء ولست بفاعلة حتى يفارقها وأما أبو الدرداء وأبو هريرة فإنهما لما وصلا إلى عبد الله بن سلام أعلماه بما قال لهما معاوية فردهما خاطبين عنه فلما مثلا بين يدي معاوية قال إني كنت أعلمتكما أنني جعلت لها في نفسها شورى فادخلا عليها واعلمها بما رأيت لها فدخلا وأعلماها بذلك فأبدت ما قرره أبوها عندها من قبل فعادا إلى عبد الله بن سلام فأعلماه بذلك ففهم المراد وأشهدهما عليه بطلاق أرينب وبعثهما إليه خاطبين فلما دخلا على معاوية أعلماه بطلاق أرينب فأظهر معاوية كراهية ذلك وقال ما استحسنت طلاق زوجته ولا أحببته فانصرفا في عافية وعودا غلينا وكتب إلى ابنه يزيد يعلمه بما كان من طلاق عبد علله بن سلام لأرينب بنت اسحق وعاد بعد ذلك أبو الدرداء وأبو هريرة إلى معاوية فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها وهو يقول

стр. 196

لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت الشورى في نفسها فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله ابن سلام امرأته ليسرها بذلك وذكرا فضله وشرفه وكرمه ومروءته فقالت جف القلم بما هو كائن ولا أنكر شرفه وفضله وإني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة خبره ولا قو إلا بالله فإن يك صدر هذا اليوم ولّى فإن غداً لناظره قريب ثم تزايد حديث الناس بطلاق أرينب وخطبة ابنة معاوية واستحث عبد الله أبا الدرداء وأبا هريرة فاتياها فقال لها اصنعي ما أنت صانعة واستخيري الله فقالت أرجو والحمد لله أن يكون الله قد اختار لي فإنه لا يكل إلى غيره وقد سبرت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي مع اختلاف من استشرته فيه فمنهم الناهي عنه والآمر به فلما بلغه كلامها علم أنه حيلة وأنه مخدوع وقال متعزيا ليس لأمر الله راد ولعل ما سرّوا به لا يدوم لهم سروره قال وذاع أمره وفشا في الناس وقالوا خدعه معاوية حتى طلق امرأته لغرض ابنه بئس ما صنع ثن إن معاوية بعد انقضاء أيامها المعلومة وجه أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد فخرج حتى قدمها وبها يومئذ الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ فقال أبو الدرداء إلى قدم العراق ما ينبغي لذي عقل أن يبدأ بشيء قبل زيارة الحسين سيد شباب أهل الجنة إذا دخل موضعا هو فيه فقصد الحسين ﵁ فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالا

стр. 197

لصحبته لجده ﷺ وقال ما أتى بك يا أبا الدرداء قال وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت اسحق فرأيت عليَّ حقا أن لا أبدأ بشيء قبل السلام عليك فشكره الحسين على ذلك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم. لك وأثنى عليه وقال لقد ذكرت نكاحها وأردت الارسال إليها إذا انقضت عدتها وقد أتى الله بك فاخطب على بركة الله عليَّ وعليه وهي أمانة في عنقك واعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه فقال أفعل إن شاء الله فلما دخل قال أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته وكونها بعزته وجعل لكل أمر قدرا ولكل قدر سببا فليس لأحد عن قدر الله مخلص فكان ما سبق لك وقدر عليك من فراق عبد الله ابن سلام على غير قياس ولعل ذلك لا يضيرك وجعل الله فيه خيرا كثيرا وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولى عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وابن أول من أقر به من أمته وسيد شباب أهل الجنة فاختاري ايهما شئت فسكتت طويلا ثم قالت يا أبا الدرداء لو جاءني هذا الأمر وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك وجعلته في يديك فاختر لي ارضاهما لربك والله شاهد عليك فاقض ولا يصدنك عن ذلك اتباع الهوى فليس أمرهما عليك خفيا فقال أبو الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك ولك الاختيار لنفسك فقالت عفا الله

стр. 198

عنك إنما أنا بنت أخيك ولا يمنعك أحد من قول الحق فيما طوقتك به فقد وجب عليك أداء الأمانة فلم يجد بدا من القول فقال يا بنية: ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلي في ذلك وأرضى عندي والله أعلم وقد رأيت رسول الله ﷺ واضعا شفتيه على شفتي الحسين فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله ﷺ شفتيه قالت قد اخترته ورضيته فتزوجها الحسين بن علي ﵉ فساق لها مهرا عظيما وبلغ معاوية ما فعله أبو الدرداء فعظم عليه وقال من يرسل ذا بلهٍ وعمى ركب خلاف ما يهوى وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها ذهبا وكان معاوية قد اطّرحه وقطع عنه جميع روافده لقوله إنه خدعه حتى طلق امرأته فلم يزل يجفوه حتى قل ما بيده فرجع إلى العراق فلما قدمها لقي الحسين فسلم عليه ثم قال لقد علمت ما كان من خبري وخبر أرينب وكنت قبل فراقي إياها استودعتها مالا وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله إن ظني بها جميل فذاكرها في أمري فإن الله يجزيك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف إلى أهله قال لها: قدم عبد الله بن سلام وهو كثير الثناء عليك في دينك وحسن صحبتك فسرني ذلك وذكر أنه استودعك مالا فقالت صدق استودعني مالا لا أدري لمن هو وأنه لمطبوع عليه بخاتمه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثنى عليها الحسين خيرا وقال الا أدخله عليك حتى

стр. 199

تبرئي منه ولقي عبد الله فقال: ما أنكرت مالك وزعمت أه كما دفعته إليها بطابعك فادخل يا هذا إليها واستوف مالك بحيث تحصل البراءة من الطرفين فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت له هذا مالك فشكر وأثنى فخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك جانبا كبيرا وقال لها والله هذا قليل مني فاستعبرا حتى علت أصواتهما بالبكاء على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما ثم قال أشهد الله إنها طالق ثلاثا اللهم أنت تعلم أنني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكني أردت إحلالها لزوجها فطلقها ولم يأخذ شيئا مما ساق لها في مهرها بعدما عرضته عليه وقال: الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت عدتها تزوجها عبد الله بن سلام وعادا على ما كانا عليه من حسن الصحبة إلى أن فرق الموت بينهما هكذا نقله ابن بدرون في تاريخه والله أعلم. ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن يوسف المهمندار المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى الأمير شجاع الدين محمد الشيرازي متولي القاهرة في الأيام الكاملية سنة ثلاث وستمائة قال بتنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد فأكرمنا وكان الرجل شديد السمرة وهو شيخ كبير فحضر له أولاد بيض الوجوه حسان الأشكال فقلنا له هؤلاء أولادك فقال نعم وكأني بكم وقد

стр. 200

أنكرتم بياضهم فقلنا له نعم: قال هؤلاء أمهم إفرنجية أختها في أيام الملك الناصر صرح الدين وأنا شاب فقلنا وكيف أخذتها قال حديثي بها عجيب قلنا أتحفنا به قال: زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته فانصرف عليه خمسمائة دينار ولم يبلغ الثمن إلى أكثر من ذلك فحملته إلى القاهرة فلم يصل إلى أكثر من ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام فحملته فما زاد على تلك القيمة شيئا فوصلت به إلى عكا فبعت بعضه بالأجل والبعض تركته عندي واكتريت حانوتا أبيع فيه على مهلي إلى حيث انقضاء المدة فينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة إفرنجية ونساء الأفرنج يمشون في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا فرأيت من جمالها ما بهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وعادت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من الكرَّة الأولى فتكررت إلي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي معها أنني قد تلفت بحبها وأريد منك الحيلة فقالت لها ذلك فقالت تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأ، ت وهو فقلت لها: قد سمحت بروحي في حبها واتفق الحال على أن أدفع خمسين دينارا صورته فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت نحن الليلة عندك فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلواء فجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم فقلت في نفسي أما تستحي من الله وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية اللهم أني قد عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك ثم نمت

стр. 201

إلى الصبح فنامت إلى الصبح وقامت في السحر وهي غضبى ومضت ومضيت أنا إلى حانوتي فجلست فيه وإذا هي قد عبرت علي هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر فهلكت فقلت في نفسي من هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها ثم لحقت العجوز وقلت ارجعي فقالت وحق المسيح ما أرجع إليك إلا بمائة دينار فقلت نعم رضيت فوزنت مائة دينار فلما حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى ثم مضت ومضيت إلى موضعي ثم عبرت بعد ذلك علي وكانت مستغربة فقالت وحق المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمداً فارتعدت لذلك وعزمت أنني اصرف عليها ثمن الكتان جميعه فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي معاشر المسلمين إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة فانقضت عني وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتان الذي لي والمصالحة على ما بقي منه وأخذت معي بضاعة حسنة وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة ومنّ الله بكسب وافر وأخذت أتجر في الجواري عسى أن يذهب ما بقلبي من الإفرنجية فمضت ثلاث سنين وجرى للسلطان الملك الناصر ما جرى من وقعة حطين وأخذه جميع الملوك وفتحه بلاد الساحل بإذن الله تعالى فطلب مني جارية للملك الناصر فأحضرت جارية حسناء فاشتريت له ني بمائة

стр. 202

دينار فأوصلوا إلى تسعين دينارا وبقيت لي عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم لأنه أنفق جميع الأموال فشاوروه على ذلك فقال امضوا به إلى الخزانة التي فيها السبي من نساء الإفرنج فخيروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة الدنانير التي له فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي الإفرنجية فقلت أعطوني هاتيك فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها وقلت لها أتعرفينني قالت لا فقلت أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت مني الذهب وقلت ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكا بعشرة دنانير فقالت مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأسلمت وحسن إسلامها فقلت والله لا وصلت غليها إلا بأمر القاضي فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى فعجب وعقد لي عليها وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني ثم رحل العسكر وأتينا دمشق وبعد مدة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك فردوا من كان أسيراً من الرجال والنساء ولم يبق إلا التي عندي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام. دي فسألوا عنها واتضح الخبر أنها عندي وطلبت مني فحضرت وقد تغير لوني وأحضرتها معي بين يدي مولانا السلطان الناصر والرسول حاضر فقال لها الملك الناصر بحضرة الرسول ترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك فقد فككنا أسرك وأسر غيرك فقالت يا مولانا السلطان أنا قد أسلمت وحبلت وهابطني كما ترونه

стр. 203

وما بقيت الإفرنج تنتفع بي فقال لها الرسول أيما أحب إليك هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي فلان فأعادت عبارتها الأولى فقال الرسول لمن معه من الإفرنج اسمعوا كلامها ثم قال لي الرسول خذ زوجتك فوليت بها فطلبني ثانيا وقال إن أمها أرسلت معي وديعة وقالت إن ابنتي أسيرة واشتهي أن توصل لها هذه الكسوة فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار وفتحت القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمها ووجدت الصرتين الذهب الخمسين دينار والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيرا وهؤلاء الأولاد منها وهي التي صنعت لكم هذا الطعام. ومن لطائف المنقول من المتجاد قال الواقدي كان إبراهيم بن المهدي قد ادعى الخلافة لنفسه بالريّ وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وله أخبار كثيرة أحسنها عندي ما حكاه لي، قال: لّما دخل المأمون الري في طلبي وجعل لمن أتاه بي مائة ألف درهم خفت على نفسي وتحيرت في أمري فخرجت من داري وقت الظهر وكان يوما صائفا وما أدري أين أتوجه فوقفت في شارع غير نافذ وقلت إنا لله وإنا إليه راجعون إن عدت على أثري يرتاب في أمري فرأيت في صدر الشارع عبدا أسود قائما على باب دار فتقدمت إليه وقلت هل عندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار نعم وفتح الباب فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر وبسط ووسائد جلود إلا أنها نظيفة ثم أغلق الباب علي ومضى فتوهمته قد سمع الجعالة فيَّ وأنه خرج ليدل عليّ، فبقيت على مثل النار فبينما أنا كذلك إذ أقبل

стр. 204

حمال عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم وقدر جديدة وجرة نظيفة وكيزان جدد فحط عن الحمال ثم التفت إلي وقال جعلني الله فداك أنا رجل حجَّام وأنا أعلم أنك تتقرف مني لما أتولاه من معيشتي فشأنك بما لم تقع عليه يد وكان بي حاجة إلى الطعام فطبخت لنفسي قِدْراً ما أذكر أني أكلت مثلها فلما قضيت أربي من الطعام قال هل لك في شراب فإنه يسلي الهم فقلت ما أكره ذلك رغبة في مؤانسته فأتى بقطرميز جديد لم تمسه يد وجاءني بدست شراب مطينة وقال لي روق لنفسك فروقت شرابا في غاية الجودة وأحضر لي قدحا جديدا وفاكهة وأبقالا مختلفة في طسوت فخار جدد ثم قال بعد ذلك أتأذن لي جعلت فداءك أن اقعد ناحية وآتي بشرابي فاشربه سرورا بك فقلت به افعل فشربت وشرب ثم دخل إلى خزانة له فأخرج عودا مصفحا ثم قال يا سيدي ليس من قدري أن أسألك في الغناء ولكن قد وجبت على مروءتك حرمتي فإن رأيت أن تشرف عبدك فلك علو الرأي فقلت ومن أين لك أني أحسن الغناء فقال يا سبحان الله مولانا اشهر من ذلك أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن دله عليك مائة ألف درهم فلما قال ذلك عظم في عيني وثبتت مروءته عندي فتناولت العود وأصلحته وغنيت وقد مر بخاطري فراق أهلي وولدي: وعسى الذي أهدى ليوسفَ أهله ... وأعزَّه في السجن وهو أسيرُ أن يستجيب لنا فيجمعَ شملنا ... والله ربُّ العالمين قديرُ

стр. 205

فاستولى عليه الطرب المفرط وطاب عيشه كثيراً ومن شدة طربه وسروره قال لي يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح بخاطري وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت هذا زيادة في أدبك ومروءتك فأخذ العود وغنى: شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم ... سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا إذا ما دنا الليل المضرُّ بذي الهوى ... جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا فو الله أحسست بالبيت قد سار بي وذهب عني كل ما كان بي من الهلع وسألته أن يغني فغنى: تعِّيرنا أنّا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل وما ضرّنا إنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل وإنّا لقومٌ لا نرى القتل سُبَّةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول يقرِّبُ حبُّ آجالَنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول فداخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر فلم أستيقظ إلا بعد المغرب فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام وحسن أدبه وظرفه فقمت وغسلت وجهي وأيقظته وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دنانير لها قيمة فرميت بها إليه وقلت له استودعتك الله فإنني ماض من عندك وأسألك أن تصرف ما في

стр. 206

هذه الخريطة في بعض مهماتك ولك عندي المزيد أن أمنت من خوفي فاعادها علي منكَّداً وقال: يا سيدي أن الصعاليك منا لا قدر لهم عندكم أآخذ على ما وهبنيه الزمان من قربك وحلولك عندي ثمنا والله لئن راجعتني في ذلك لأقتلنَّ نفسي فاعدت الخريطة إلى كمّي وقد أثقلني حملها فلما انتهيت إلى باب داره قال لي يا سيدي إن هذا المكان أخفى لك من غيره وليس في مؤنتك عليّ ثقل فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك فرجعت وسألته أن ينفق من تلك الخريطة ولم يفعل فأقمت عنده أياما على تلك الحالة في الذ عيش فتذممت من الإقامة في مؤنته واحتشمت من التثقيل عليه فتركته وقد مضى يجدد لنا حالا وقمت فتزييت بزي النساء بالخف والنقاب وخرجت فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر الجسر فإذا أنا بموضع مرشوش بماء فبصر بي جندي ممن كان يخدمني فعرفني فقال هذه حاجة المأمون فتعلق بي فمن حلاوة الروح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزلق فصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ودخلت شارعا فوجدت باب دار وامرأة واقفة في دهليز فقلت يا سيدة النساء أحقني دمي فإني رجل خائف فقالت على الرحب وأطلعتني إلى غرفة مفروشة وقدمت لي طعاما وقالت ليهدأ روعك فما علم بك مخلوق وإذا بالباب يدق دقا عنيفا فخرجت وفتحت الباب وإذا بصاحبي الذي دفعته على الجسر وهو مشدوخ

стр. 207

الرأس ودمه يجري على ثيابه وليس معه فرس فقالت يا هذا ما دهاك فقال ظفرت بالمغنِّي وأنفلت عنّي، فأخبرها بالحال فأخرجت خرقا وعصبته بها وفرشت له ونام عليلا وطلعت إلى وقالت أظنك صاحب القصة فقلت نعم قالت لابأس عليك ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثا ثم قالت إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك فينّم بك فانج لنفسك فسالتها المهلة إلى الليل ففعلت فلما دخل الليل لبست زي النساء وخرجت من عندها فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله على سلامتي وخرجت كأنها تريد السوق للاهتمام بالضيافة فظننت خيرا فما شعرت إلا إبراهيم الموصلي بنفسه في خيله ورجله والمولاة معه حتى سلمتني إليه فرأيت الموت عيانا وحملت بالزي الذي أنا فيه إلى المأمون فجلس مجلسا عاما وأدخلني إليه فلما مثلت بين يديه سلمت عليه بالخلافة فقال لا سلم الله عليك ولا حياك ولا رعاك فقلت له على رسلك يا أمير المؤمنين، إن وليَّ الثأر محكّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك الله فوق كل عفو كما جعل ذنبي فوق كل ذنب فإن تأخذ فبحقك وإن تعف فبفضلك ثم أنشدت: ذنبي إليك عظيمٌ ... وأنت أعظَمُ منه فخذ بحقّك أولا ... فاصفح بحلمك عنه إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه فرفع إلي رأسه فبدرته وقلت:

стр. 208

أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت للعفو أهل فأن عفوت فمنٌّ ... وإن جزيت فعدل فرق المأمون واستروحت روائح الرحمة من شمائله ثم أقبل على ابنه العباس وأخيره أبي اسحق وجميع من حضر خاصته فقال ما ترون في أمره فكلُّ أشار بقتلي إلا أنهم اختلفوا في القتلة كيف تكون فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد ما تقول يا أحمد فقال يا أمير المؤمنين: إن تقتله وجدنا مثلك قتل مثله وإن عفوت عنه لم نجد مثلك عفا عن مثله فنكس المأمون رأسه وجعل ينكت في الأرض وأنشد متمثلا: قومي همُ قتلوا أميمَ أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي فكشفت المقنعة عن رأسي وكبرت تكبيرة عظيمة وقلت عفا والله عني أمير المؤمنين فقال المأمون لا بأس عليك يا عم فقلت ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أتفوه معه بعذر وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر ولكن أقول: إن الذي خلق المكارم حازها في صُلب آدم للإمام السابع مُلئتْ قلوبُ الناس منك مهابةً ... وتظلُّ تكلؤهم بقلبٍ خاشع ما إن عصيتك والغواة تمدّني ... أسبابها إلاَّ بنيّة طائع فعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفوٌ ولم يشفع إليك بشافع ورحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وحنين والدةٍ بلبٍّ جازع فقال المأمون لا تثريب عليك اليوم قد عفوت عنك ورددت عليك مالك وضياعك فقلت: رددت مالي ولم تبخل عليَّ به ... وقبل ردِّك مالي قد حقنت دمي

стр. 209

فلو بذلتُ دمي أبغي رضاك به ... والمالَ حتى أسلّ النعل من قدمي ما كان ذاك سوى عاريةٍ رجعت ... إليك لو لم تعرها كنت لم تلم فإن جحدتك ما أوليتَ من كرمٍ ... إني إلى اللؤم أولى منك بالكرم فقال المأمون: إن من الكلام دراً وهذا منه: وخلع عليه وقال يا عم إن أبا إسحق والعباس أشارا بقتلك فقلت إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين ولكن أتيت بما أنت أهله ودفعت ما خفت بما رجوت فقال المأمون يا عم أمنت حقدي بحياة عذرك وقد عفوت عنك ولم أجرعك مرارة امتنان الشافعين ثم سجد المأمون طويلا ورفع رأسه وقال يا عم أتدري لم سجدت قلت شكراً لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك فقال ما أردت هذا ولكن شكراً لله الذي ألهمني العفو عنك فحدثني الآن حديثك فشرحت له صورتة أمري وما جرى لي مع الحجام والجندي والمرأة والمولاة التي نَّمت عليَّ فأمر المأمون بإحضارها وهي في دارها تنتظر الجائزة فقال لها ما حملك على ما فعلت مع سيدك فقالت الرغبة في المال فقال لها هل لك ولد أو زوج قالت لا فأمر بضربها مائتي سوط وخلد سجنها ثم قال أحضروا الجندي وامرأته والحجام فاحضروا فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل فقال الرغبة في المال فقال المأمون أنت يجب أن تكون حجّاما ووكل به ما يلزمه الجلوس في دكان الحجام لتعلم الحجامة وأكرم زوجه وأدخلها إلى القصر وقال هذه امرأة عاقلة تصلح للمهمات ثم قال للحجام

стр. 210

لقد ظهر من مروؤتك ما يوجب المبالغة في إكرامك وسلم إليه دار الجندي بما فيها وخلع عليه وأنعم عليه برزقه وزيادة ألف دينار في كل سنة ولم يزل في تلك النعمة إلى أن مات. ومما يضارع ذلك أنه لما أفضت الخلفة إلى بني العباس اختفت رجال بني أمية ومهم إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك وكان إبراهيم رجلاً عالماً عاملاً أديباً كاملاً وهو في سن الشبيبة فأخذوا له أماناً من السفاح فقال له يوما حدثني عما مر بك في اختفائك قال كنت يا أمير المؤمنين مختفياً بالحيرة في منزل بشارع على الصحراء فبينما أنا على ظهر البيت إذ نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فتخيلت أنها تريدني فخرجت من الدار متنكرا حتى أتيت الكوفة ولا أعرف أحدا أختفي عند فبقيت في حيرة فإذا أنا بباب كبير رحبته واسعة فدخلت فيها فإذا رجل وسيم حسن الهيئة على فرس قد دخل الرحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه فقال من أنت وما حاجتك فقلت رجل خائف على دمه وقد استجار بمنزلك فأدخلني منزله ثم صيرني في حجرة تلي حرمه وكنت عنده في ذلك على ما أحبه من مطعم ومشرب وملبس لا يسألني عن شيء من حالي إلا أنه يركب في كل يوم ركبة فقلت له يوما أراك تدمن الركوب ففيم ذلك قال إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا وقد بلغني أنه مختف فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري فكثر

стр. 211

والله تعجبي وقلت القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة فسألت الرجل عن أسمه واسم أبيه فأخبرني فعلمت أن الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه فقلت له يا هذا وجب عليّ حقك ومن حقك أن أدلك على خصمك وأقرب إليك الخطوة قال وما ذاك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال إني أحسبك رجلا قد مضّه الاختفاؤ فأحببت الموت فقلت لا والله ولكن أقول لك الحق يوم كذا وذا بسبب كذا وكذا فلما علم صدقي تغيّر لونه واحمرت عيناه واطرق مليا ثم قال: أمّا أنت فستلقى أبي عند حكم عدل فيأخذ بثأره وأمّا أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن عليك من نفسي وأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه وانصرفت عنه فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين. ومن لطائف ما نقلته من المستجاد حدث أبو الحسن بن صالح البلخي بمصر قال أخبرني بعض عمال شيوخنا عن شيبة بن محمد الدمشقي قال كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة ابن بشر من بني أسد مشهور بالمروءة والكرم والمواساة وكانت نعمته وافرة فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى أخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليه فواسوه حينا ثم ملوه فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه فقال لها يا بنت العم قد رأيت من اخواني تغيُّرا وقد عزت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت ثم أغلق بابه عليه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا في حاله فكان عكرمة

стр. 212

الفياض واليا على الجزيرة فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد إذ جري ذكر خزيمة ابن بشر فقال عكرمة ما حاله فقالوا صار في أسوأ الأحوال وقد أغلق بابه ولزم بيته فقال عكرمة الفياض وما سمي الفياض إلا للافراط في الكرم فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا فأمسك عن ذلك فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر باسراج دابته وخرج سراً من أهله فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ثم سار حتى وقف باب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه فخرج خزيمة فقال له أصلح بهذا شأنك فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له من أنت جعلت فداك قال له ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني قال خزيمة فما أقبله أو تخبرني من أنت قال أنا جابر عثرات الكرام قال زدني قال لا: ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها أبشري فقد أتى الله بالفرج فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة قومي فاسرجي قالت لا سبيل إلى السراج فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه منفرداً فارتابت وشقت جيبها ولطمت خدها فلما رآها تلك الحالة قال لها ما دهاك يا ابنة العم قالت سوء فعلك بابنة عنك، أمير الجزيرة يخرج

стр. 213

بعد هدأة من الليل منفرداً عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة فقال لقد علم الله ما خرجت لواحدة منهما قالت لابد أ، تعلمني قال فاكتميه إذاً قالت افعل فأخبرها بالقصة على وجهها ثم قال أتحبين أن أحلف لك قالت لا قد سكن قلبي ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه وأصلح من حاله ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه وكان مشهوراً لمروءته وكان الخليفة به عارفا فأذن له فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال يا خزيمة ما أبطأك عنا فقال سوء الحال يا أمير المؤمنين قال فما منعك من النهضة إلينا قال ضعفي قال فمن أنهضك قال لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي وكان منه كيت وكيت وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها فقال هل عرفته قال لا والله لأنه كان متنكرا وما سمعت منه إلا جابر عثرات الكرام قال فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته ثم قال علّي بقناة فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة وعلى عمل عكرمة الفياض وأجزل عطاياه وأمره بالتوجه إلى الجزيرة فخرج خزيمة متوجها إليها فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلم عليه ثم سارا جميعاً إلى أن دخلا البلد فنزل خزيمة في جار الإمارة وامر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة بالمال فقال مالي

стр. 214

إلى شيء منه سبيل فأمر بحبسه ثم بعث يطالبه فأرسل إليه أني لست ممن يصون ماله لغرضه فأصنع ما شئت فأمر به فكبل بالحديد وضيق عليه وأقام على ذلك شهراً فأضناه ثقل الحديد وأضر به وبلغ ذلك ابنة عمه فجزعت عليه واغتمت ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي عندي نصيحة فإذا طلبت منك قولي ولا أقولها إلا للأمير خزيمة فإذا دخلت عليه سليه الخلوة فإذا فعل قولي له ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد قال ففعلت ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي قالت نعم فأمر من وقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. لناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي

стр. 215

من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. وضارع ذلك من المستجاد أيضا ما روي عن أبي موسى
следующие страницы →