← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والله تعجبي وقلت القدر ساقني إلى حتفي في منزل من يطلب دمي وكرهت الحياة فسألت الرجل عن أسمه واسم أبيه فأخبرني فعلمت أن الخبر صحيح وأنا الذي قتلت أباه فقلت له يا هذا وجب عليّ حقك ومن حقك أن أدلك على خصمك وأقرب إليك الخطوة قال وما ذاك قلت أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك فقال إني أحسبك رجلا قد مضّه الاختفاؤ فأحببت الموت فقلت لا والله ولكن أقول لك الحق يوم كذا وذا بسبب كذا وكذا فلما علم صدقي تغيّر لونه واحمرت عيناه واطرق مليا ثم قال: أمّا أنت فستلقى أبي عند حكم عدل فيأخذ بثأره وأمّا أنا فغير مخفر ذمتي فأخرج عني فلست آمن عليك من نفسي وأعطاني ألف دينار فلم آخذها منه وانصرفت عنه فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين. ومن لطائف ما نقلته من المستجاد حدث أبو الحسن بن صالح البلخي بمصر قال أخبرني بعض عمال شيوخنا عن شيبة بن محمد الدمشقي قال كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة ابن بشر من بني أسد مشهور بالمروءة والكرم والمواساة وكانت نعمته وافرة فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى أخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليه فواسوه حينا ثم ملوه فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه فقال لها يا بنت العم قد رأيت من اخواني تغيُّرا وقد عزت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت ثم أغلق بابه عليه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا في حاله فكان عكرمة

стр. 212

الفياض واليا على الجزيرة فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد إذ جري ذكر خزيمة ابن بشر فقال عكرمة ما حاله فقالوا صار في أسوأ الأحوال وقد أغلق بابه ولزم بيته فقال عكرمة الفياض وما سمي الفياض إلا للافراط في الكرم فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا فأمسك عن ذلك فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر باسراج دابته وخرج سراً من أهله فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ثم سار حتى وقف باب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه فخرج خزيمة فقال له أصلح بهذا شأنك فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له من أنت جعلت فداك قال له ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني قال خزيمة فما أقبله أو تخبرني من أنت قال أنا جابر عثرات الكرام قال زدني قال لا: ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها أبشري فقد أتى الله بالفرج فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة قومي فاسرجي قالت لا سبيل إلى السراج فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه منفرداً فارتابت وشقت جيبها ولطمت خدها فلما رآها تلك الحالة قال لها ما دهاك يا ابنة العم قالت سوء فعلك بابنة عنك، أمير الجزيرة يخرج

стр. 213

بعد هدأة من الليل منفرداً عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة فقال لقد علم الله ما خرجت لواحدة منهما قالت لابد أ، تعلمني قال فاكتميه إذاً قالت افعل فأخبرها بالقصة على وجهها ثم قال أتحبين أن أحلف لك قالت لا قد سكن قلبي ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه وأصلح من حاله ثم تجهز يريد سليمان بن عبد الملك بفلسطين فلما وقف ببابه دخل الحاجب فأخبره بمكانه وكان مشهوراً لمروءته وكان الخليفة به عارفا فأذن له فلما دخل عليه وسلم بالخلافة قال يا خزيمة ما أبطأك عنا فقال سوء الحال يا أمير المؤمنين قال فما منعك من النهضة إلينا قال ضعفي قال فمن أنهضك قال لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي وكان منه كيت وكيت وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها فقال هل عرفته قال لا والله لأنه كان متنكرا وما سمعت منه إلا جابر عثرات الكرام قال فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته ثم قال علّي بقناة فأتي بها فعقد لخزيمة الولاية على الجزيرة وعلى عمل عكرمة الفياض وأجزل عطاياه وأمره بالتوجه إلى الجزيرة فخرج خزيمة متوجها إليها فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه فسلم عليه ثم سارا جميعاً إلى أن دخلا البلد فنزل خزيمة في جار الإمارة وامر أن يؤخذ عكرمة وأن يحاسب فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة بالمال فقال مالي

стр. 214

إلى شيء منه سبيل فأمر بحبسه ثم بعث يطالبه فأرسل إليه أني لست ممن يصون ماله لغرضه فأصنع ما شئت فأمر به فكبل بالحديد وضيق عليه وأقام على ذلك شهراً فأضناه ثقل الحديد وأضر به وبلغ ذلك ابنة عمه فجزعت عليه واغتمت ثم دعت مولاة لها ذات عقل وقالت امضي الساعة إلى باب هذا الأمير فقولي عندي نصيحة فإذا طلبت منك قولي ولا أقولها إلا للأمير خزيمة فإذا دخلت عليه سليه الخلوة فإذا فعل قولي له ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد قال ففعلت ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي قالت نعم فأمر من وقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً قد أضناه الضر فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. لناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فاقبل خزيمة حتى إنكب على رأسه فقبله فرفع رأسه إليه وقال ما أعقب هذا منك قال كريم فعلك وسوء مكافأتي قال يغفر الله لنا ولك ثم أمر بفك قيوده وأن توضع في رليه فقال عكرمة تريد ماذا قال أريد أن ينالني من الضر مثل ما نالك فقال أقسم عليك بالله أن لا تفعل فخرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الإنصراف فلم يمكنه من ذلك قال وما تريد قال أغير من حالك وحيائي

стр. 215

من ابنة عمك أشد من حيائي منك ثم أمر بالحمام فأخليت ودخلا جميعاً ثم قام خزيمة فتولى خدمته بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمل إليه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له فاعتذر إليها وتذمم من ذلك ثم سأله أني سير معه إلى أمير المؤمنين وهو يومئذ مقيم بالرملة فأنعم له بذلك فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأخبره بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم علينا بغير أمرنا مع قرب العهد به ما هذا إلا لحادث عظيم فلما دخل عليه قال قبل أن يسلم ما وراءك يا خزيمة قال خير يا أمير المؤمنين قال فما أقدمك قال ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته قال ومن هو قال عكرمة الفياض فأذن له في الدخول فدخل فسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلس وقال يا عكرمة كان خيرك له وبالا عليك ثم قال له اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة فكتبها وقضيت على الفور ثم أمر له بعشرة آلاف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية واذربيجان وقال له أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته قال بد أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين ثم انصرفا جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته. وضارع ذلك من المستجاد أيضا ما روي عن أبي موسى

стр. 216

محمد بن الفضل بن يعقوب كاتب عيسى بن جعفر قال حدثني أبي قال كنت أتردد إلى زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس وأخدمها فتوجهت إلى خدمتها يوماً فقالت أقعد حتى أحدثك حديثاً كان بالأمس يكتب على الآماق، كنت أمس عند الخيزران ومن عادتي أن أجلس بإزائها وفي الصدر مجلس للمهدي يجلس فيه وهو يقصدنا في كل وقت فيجلس قليلاً ثم ينهض فبينما نحن كذلك إذ دخلت علينا جارية من جواريها فقالت أعز الله السيدة، بالباب امرأة ذت جمال وخلقة حسنة ليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية، تستأذن عليك وقد سألتها عن اسمها فامتنعت من أن تخبرني فالتفتت إلي الخيرزان وقالت ما تريدين فقلت أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب فدخلت امرأة من أجمل النساء لا تتوارى بشيء فوقفت بجنب عضادة الباب ثم سملت متضائلة ثم قالت أنا زنة بن مروان بن محمد الأموي فقالت الخيزران لا حيّاك الله ولا قربك فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الأذن في دفن إبراهيم بن محمد فوثبت عليهن وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على تلك الحالة فضحكت مزنة فما أنسى حسن ثغرها وعلو صوتها بالقهقهة، ثم قالت يا بنت العم أي شيء أعجبك من حسن صنيع الله بي

стр. 217

على العقوق حتى أردت أن تتأسي بي فيه، والله إن فعلت بنسائك ما فعلت فأسلمني الله لك ذليلة جائعة عريانة، وكان ذلك مقدار شرك لله تعالى على ما أولاك بي، ثم قالت السلام عليكم ثم ولت مسرعة فصاحت بها الخيزران فرجعت، قالت زينب: فنهضت إليها الخيزران لتعانقها فقالت وليس في لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها فقالت الخيزران لها فالحمام إذا وأمرت جماعة من جواريها بالدخول معها إلى الحمام فدخلت وطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشعر فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ثم قالت لها الخيزران هل لك في الطعام فقالت والله ما فيكن أحوج مني إليه فعجعلوه، فأي بالمائدة فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت ثم غسلنا أيدينا فقالت لها الخيزران من وراءك مما تعتنين به قالت ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب فقالت إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصوردة من مقاصيرنا وتحولي لها جميع ما تحتاجين إليه ثم لا نفترق إلى الموت فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حولت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكسوة قالت زينب ثم تركناها وخرجنا عنها فقالت الخيزران هذا المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقد مسها الضر وليس يغسل ما في قلبها إلا المال

стр. 218

فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت إليها وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألنا عن الخبر فحدثته الخيزران حديثها وما لقيتها به فوثب مغضبا وقال للخيزران هذا مقدار شكر الله على أنعمه وقد أمكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها فوالله لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبداً فقالت الخيزران يا أمير المؤمنين قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علمي المهدي ذلك قال لخادم كان معه أحمل إليها مائة بدرة وأدخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلماً عليك وقاضيا لحقك فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور فسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنعه وبالغت في الثناء على الخيزران عنده وقالت ما على أمير المؤمنين حشمة إنا في عدد حرمه ثم قامت إلى منزلها، فخلفتها عند الخيزران وهي تتصرف في المنازل والجواري كتصرف الخيزران فأخِّها عندك فإنها من أحسن النوادر. وروي عن عبد الرحمن بن عمر الفهري عن رجال سماهم، أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من أهل البصرة كانوا قد رموا بالزندقة فحملوا فرآهم أحد الطفيلية قد اجتمعوا بالساحل فقال ما اجتمع هؤلاء إلى لوليمة فدخل معهم ومضى بهم الموكلون إلى البحر وأطلعوهم في زورق قد أعد لهم فقال الطفيلي لا شك أنها نزهة فصعد

стр. 219

معهم في الزورق فلم يكن بأسرع من أن قيدوا وقيد الطفيلي معهم فعلم أنه قد وقع ورام الخلاص فلم يقدر وساروا بهم إلى أن دخلوا بغداد وحملوا حتى دخلوا على المأمون مثلوا بين يديه أمر بضرب اعناقهم فاستدعوهم باسمائهم حتى لم يبق إلى الطفيلي وهو خارج عن العدة فقال لهم المأمون من هذا قالوا والله ما ندري يا أمير المؤمنين غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به فقال له المأمون ما قصتك قال يا أمير المؤمنين امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئا ولا أعرف غير لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إنما رأيتم مجتمعين فظننت أنهم يدعون إلى وليمة فالتحقت بهم قال فضحك المأمون ثم قال بلغ من شؤم التطفل إن أحلّ صاحبه هذا المحل لقد سلم هذا الجاهل من الموت ولكن يؤدب حتى يتوب قال إبراهيم بن المهدي هبّهُ لي وأحدثك بحديث عن نفسي في التطفل عجيب قال المأمون قد وهبته لك هات حديثك قال يا أمير المؤمنين خرجتت يوماً متنكراً للتنزه فأنتهى بي المشي إلى موضع شممت منه روائح طعام وأبازير قد فاحت فتاقت نفسي إليها ووقفت يا أميرالمؤمنين لا أقدر على المضي فرفعت بصري وإذا بشباك ومن خلفه كفٌّ والمعصم ما رأيت أحسن منهما فوقفت حائراً ونسيت روائح الطعام بذلك الكفّ والمعصم وأخذت في إعمال الحيلة فإذا خياط من ذلك الموضع فتقدمت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت لمن هذه الدار قال

стр. 220

لرجل من التجار قلت ما أسمه قال فلان بن فلان فقلت هو ممن يشرب الخمر قال نعم وأحسب اليوم أن عنده دعوة وليس ينادم إلى التجار فبينما نحن في الكلام إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان فأعلمني أنهما أخص الناس بصحبته واعلمني بأسميهما فحركت دابتي فلقيتهما وقلت جعلت فداءكما قد استبطأكما أبو فلان وساررتهما حتى أتيا الباب فدخلت وخلا فلما رآني صاحب الدار معهما لم يشك أني منهما فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ثم جيء بالمائدة فقلت في نفسي هذه الألوان قد منَّ الله عليَّ ببلوغ الغرض منها بقي الكف والمعصم ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة فرأيت مجلسا محفوفا باللطائف وجعل صاحب المجلس يتلطف بي ويقبل عليّ في الحديث لظنه أني ضيف لأضيافه وهم على مثل ذلك حتى شربنا أقداحا إذ خرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة فسلمت غير خجلة وأتي بعود فأخذته وجسَّته فإذا هي حاذقة واندفعت تقول: أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلمُ سوى أعينٍ تبدي سرائرَ أنفسٍ ... وتقطيعُ أنفاسٍ على النار تُضرم اشارةُ افواهٍ وغمزُ حواجبٍ ... وتكسير أجفانٍ وكفٌّ يُسلِّم فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي فطربت لحذقها وحسن شعرها الذي غنت به فحسدتها وقلت قد بقي عليك يا جارية شيء فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون البغضاء

стр. 221

في مجالسكم فندمت على ما كان مني ورأيت القوم قد أنكروا عليَّ ذلك فقلت في نفسي فاتني جميع ما أملت فقلت أثمّ عود قالوا نعم فأحضروا عوداً فأصلحت ما أرت فيه ثم أندفعت فغنيت: هذا محبّك مطويٌّ على كمده ... صبٌّ مادامعهُ تجري على جسده له يدٌ تسأل الرحمن راحتهُ ... مما به ويدٌ أخُرى على كبده يا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاً ... كانت منيتهُ في عينه ويده فوثبت الجارية فاكبت على رجلي تقبلها وقالت المعذرة إليك يا سيدي والله ما علمت بمكانك ولا سمعت بمثل هذه الصناعة ثم أخذ القوم في إكرامي وتبجيلي بعدما طربوا غاية الطرب وسألني كل منهم الغناء فغنيت لهم نوبات مطربة فغلب القوم السكر وغابت عقولهم فحملوا إلى منازلهم وبقي صاحب المنزل فشرب معي أقداحا ثم قال يا سيدي ذهب ما مضى من عمري مجاناً إذ لم أعرف مثلك فبالله يا مولاي من أنت لا أعرف نديمي الذي من الله عليَّ به في هذه الليلة فأخذت أداري وهو يقسم عليَّ فأعلمته فوثب قائما وقال قد عجبت أن يكون هذا الفضل إلا لمثلك ولقد أسدى إليَّ الزمان يداً لا أقوم بشكرها ومتى طمعت أن تزروني الخلافة في منزلي وتنادمني ليلتي وما هذا إلا في المنام فأقسمت عليه أن يجلس فجلس وأخذ يسالني عن السبب في حضوري عنده بألطف معنى فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها وما سترت منها شيئا ثم قلت أما الطعام فقد نلت منه بغيتي

стр. 222

فقال والكف والمعصم إن شاء الله ثم قال يا فلانة قولي لفلانة تنزل ثم جعل يستدعي واحدة بعد واحدة يعرضها عليّ وأنا لا أرى صاحبتي إلى أن قال والله ما بقي إلا أمي وأختي ووالله لتنزلان فعجبت من كرمه وسعة صدره فقلت جعلت فداءك تبدأ بالأخت قال حبا وكرامة ثم نزلت أخته فأراني يدها فإذا هي التي رأيتها فقلت هذه الحاجة فأمر غلمانه لوقته فأحضروا الشهود وأحضروا بدرتين فلما حضر الشهود قال لهم هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة وأشهدكم إني قد زوجتها له وأمهرتها منه عشرين ألف درهم فقلت قبلت ذلك ورضيت فشهدوا فدفع البدرة الواحدة إلى أخته والأخرى فرقها على الشهود ثم قال يا سيدي أمهد لك بعض البيوت فتنام مع أهلك فاحشمني ما رأيت من كرمه وتذممت أن أخلوا بها في داره ثم قلت بل أحضر عمارتي وأحملها إلى منزلي فقال افعل ما شئت فأحضرت عمارتي وحملتها إلى منزلي فوحقِّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليَّ من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا على سعتها وأولدتها هذا الغلام القائم بين يدي أمير المؤمنين فعجب المأمون من كرم هذا الرجل وقال لله دره ما سمعت قط بمثلها وأمر إبراهيم بإحضار الرجل ليشاهده فأحضره بين يديه فاستنطقه فأعجبه وصيره من جملة خواصه ومحاضريه. ومن غريب المنقول إن فتى من ذوي النعم قعد به زمانه وكانت له جارية حسناء محسنةً في الغناء

стр. 223

فضاق بهم الخناق واشتد بهما الحال في عدم ما يقتاتان به فقال لها قد ترين ما قد صرنا إليه من هذه الحالة السيئة ووالله لموتي وأنت معي أحسن وأهون علي مما أذكره لك فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك ويغسل عنك ما أنت فيه وأنفرج أنا بما لعله يصير إليَّ من الثمن ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه فقالت والله لموتي على تلك الحالة معك آثر عندي من أنتقالي إلى غيرك ولو كان خليفة ولكن أصنع ما بدا لك قال: فخرج وعرضها للبيع فأشار عليه أحد أصدقائه ممن له رأي أن يحملها إلى ابن معمر أمير العراق فحلمها إليها فلما عرضت عليها استحسنها فقال لمولاها كم كان شراؤها عليك قال مائة ألف درهم وقد أنفقت عليها مالاً كثيراً حتى صارت في رتبة الأستاذين قال أما ما أنفقت عليها فغير محتسب لك به لأنك أنفقته في لذاتك وأما ثمنها فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم وعشرة أسفاط من الثياب وعشرة رؤوس من الخيل وعشرة رؤوس من الرقيق أرضيت قال نعم أرضى الله الأمير فأمر بالمال فأحضر وأمر قهرمانة بإدخال الجارية إلى الحرم فأمسكت بجانب الستر وبكت وقالت: هنيئاً لك المالُ الذي قد أفدتهُ ... ولم تُبقِ في كفَّيَّ غير التفكُّر أقولُ لنفسي وهي في كرباتها ... أقليِّ فقد بان الحبيبُ أو أكثري إذا لم يكن للأمر عندكِ موضعٌ ... ولم تجدي بدًّا من الصبر فاصبري

стр. 224

فبكى مولاها وأجاب قائلا: ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيءٌ سوى الموت فأعذري أروح بهمٍّ من فراقك موجعٍ ... أناجي به قلباً قليل التصبُّر عليك سلامي لا زيارة بيننا ... ولا قرب إلا أن يشاء ابنُ معمر فقال له ابن معمر قد شئت فخذها بارك الله لك فيها وفيما وصل إليك منها فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب وعاد وقد حسنت حاله. ومما جنيته من ثمرات الأوراق أن الحجاج لما وليّ قتل عبد الله ابن الزبير رحل إلى عبد الملك بن مروان ومعه إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما قدم على عبد الملك سلم عليه بالخلافة وقال قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز في الشرف والأبوة وكمال المروءة والأدب وحسن المذهب والطاعة والنصيحة مع القرابة وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله فافعل بها يا أمير المؤمنين ما يستحق أني فعل بمثله في أبوته وشرفه فقال عبد الملك: يا أبا محمد أذكرتنا حقا واجبا ائذنوا لابراهيم فلما دخل وسلم بالخلافة أمره بالجلوس في صدر المجلس وقال له عبد الملك: إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفه منك من الأبوة والشرف فلا تدع حاجة في خاصة أمرك وعامته إلا سالتها فقال إبراهيم أما الحوائج التي نبتغي بها الزلفى ونرجو بها الثواب فما كان لله خالصاً ولنبيه ﷺ ولكن لك يا أمير المؤمنين عندي نصيحة لا أجد بدَّاً من ذكري إياها قال أهي دون ابي محمد قال نعم:

стр. 225

قال قم يا حجاج فنهض الحجاج خجلاً لا يبصر أين يضع رجله ثم قال عبد الملك قل يا ابن طلحة فقال تالله يا أمير المؤمنين إنك عمدت إلى الحجاج في ظلمه وتعديه على الحق واصغائه إلى الباطل فوليته الحرمين وفيهما من فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ وأبناء المهاجرين والأنصار يسومهم الخسف ويطأهم العسف بطغام أهل الشام ومن لا رؤية له في إقامة الحق ولا إزاحة الباطل قال فاطرق عبد الملك ساعة ثم رفع رأسه وقال: كذبت يا ابن طلحة ظن فيك الحجاج غير ما هو فيك قم فربما ظن الخير بغير أهله قال فقمت وأنا ما أبصر طريقا قال وأتبعني حرسياً وقال أشدد به قال إبراهيم فما زلت جالساً حتى دعا الحجاج فما زالا يتناجيان طويلا حتى ساء ظني ولا أشك أنه في أمري ثم دعا بي فلقيني الحجاج في الصحن خارجا فقبل بين عيني وقال أحسن الله جزاءك. فقلت في نفسي إنه يهزأ بي ودخلت على عبد الملك فأجلسني مجلسي الول ثم قال يا ابن طلحة هل اطلع على نصيحتك أحد فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ولا أردت إلا الله ورسوله والمسلمين وأمير المؤمنين علم ذلك فقال عبد الملك قد عزلت الحجاج عن الحرمين لما كرهته لهما وأعلمته أنك استقللت ذلك عليه وسألتني له ولاية كبيرة ولقد وليته العراقين وقررت له أن ذلك بسؤالك ليلزمه من حقك ما لابد له من القيام به فأخرج معه غير ذامٍّ لصحبته. ومن لطائف المنقول عن القاضي أبي الحسين بن عبد المحسن بن علي التنوخي رحمه الله تعالى أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونزل على ملكها أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال

стр. 226

له رسول ملك الصين يستأذن عليك فقال ائذن له فلما دخل عليه وقف بين يديه وسلم وقال إن رأى الملك أن يخلي مجلسه فليفعل فأمر الإسكندر من يخدمه بالانصراف ولم يبق غير حاجبه فقال له الرسلو الذي جئت به لا يجمل أن يسمعه غيرك فأمر بتفتيشه ففتش فلم يوجد معه شيء ن السلاح فوضع الإسكندر بين يديه سيفاً مجرداً وقال له قل ما ئشت ثم أخرج جميع من عنده فلما خلا المكان قال له الرسول أنا ملك الصين لا رسوله وقد حضرت أسالك عما تريد فإن كان مما يمكن الانقياد إليه ولو على أصعب الوجوه أجبت إليه وغنيت أنا وأنت عن الحرب فقال له الإسكندر وما الذي أمنك مني: قال علمي بأنك رجل عاقل وليس بيننا عداوة متقدمة ولا مطالبة بدخل ومتى قتلتني أقاموا غيري ولم يسلموا إليك البلد ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم فأطرق الاسكندر متفكراً في مقاله وعلم أنه رجل عاقل فقال له أريد ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلاً ونصف ارتفاعه في كل سنة قال أجبتك قال فكيف تكون حالك قال أكون قتيلاً أو محارباً قال فإن قنعت منك بارتفاع سنتين كيف حالك قال أصلح مما تقدم ذكره قال فإن قنعت منك بارتفاع سنة واحدة قال يكون مضرا بين ومذهبا لجميع لذاتي قال فإن اقتصرت منك على السدس قال يكون السدس موفراً والباقي لجيشي ولأسباب الملك

стр. 227

قال: قد اقتصرت على هذا فشكره وانصرف، فلما أصبحت وطلعت الشمس أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض واختلط بجيش الإسكندر فارتعب وتواثبت أصحابه فركبوا واستعدوا للحرب فبينما هم كذلك إذ ظهر ملك الصين وعليه التاج فلما رأى الإسكندر ترجل فقال له الإسكندر أغدرت قال لا والله قال فما هذا الجيش قال أردت أن أعلمك أني لم أطعك من ضعف ولا من قلة وما غاب عنك من الجيش أكثر لكني رأيت العالم الكبر مقبلا عليك ممكنا لك فعلمت أنه من حارب العالم الأكبر غلب فأردت طاعته بطاعتك والذلة لأمره بالذلة لأمرك فقال الإسكندر ليس مثلك يؤخذ منه شيء فما رأيت بين وبينك أحداً يستحق التفضيل والوصف بالفضل غيرك وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك فقال ملك الصين أما إذ فعلت ذلك فلست تخسر فلما انصرف الاسكندر اتبعه ملك الصين من الهدايا والتحف بضعف ما كان قدره عليه. ومن غريب المنقول عن أبي الفرج الأصبهاني أنه قال أخبرني عمي عن أبيه عن الكلبي عن أبيه قال أخبرني شيخ من بني نبهان قال أصابت بني نبهان سنة ذهبت بالأموال فخرج رجل منهم بعياله حتى أنزلهم الحيرة وقال كونوا قريبا من الملك يصبكم من خيره حتى أرجع إليكم ومضى على وجهه يسوق راحلته سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل عند تطفيل الشمس فإذا خباء عظيم وقبة

стр. 228

من أدم قال فقلت في نفسي ما لهذا الخباء بد من أهل وما لهذه القبة بد من رب وما لهذا العطن بد من ابل فنظرت في الخباء فإذا شيخ كبير قد أوهاه الكبر وهو شبه النسر فجلست خلفه فلما انصرم النهار أقبل فارس لم أر أعظم من شكله وفي خدمته أسودان يمشيان بين جنبيه وإذا مائة من الإبل معها فحلها فبرك الفحل وبركن حوله فقال لأحد عبيده احلب فلان فحلبها ثم وضع اللبن بين يدي الشيخ فكرع منه وأخذه وقدمه إلي فشربت نصفه ثم أمر بشاة فذبحت وشويت وأكلنا منها جميعاً فأملهت حتى إذا ناموا وحكم عليهم النوم ثرت إليى الفحل فحللت عقاله وركبته فاندفع بي وتبعته الإبل فمشيت إلى الصباح فلما أصبحت نظرت فلم أجد أحدا ولما تعالى النهار التفت فإذا أنا بخيال كأنه طائر فما زال يدنو تى تبينته فإذا هو فارس على فرس وإذا هو صاحبي بالامس فعقلت الفحل وعمدت إلى كنانتي فقال: إحلل عقاله فقلت كلا لقد خلفت خلفي عيالا جياعاً بالحيرة قال فإنك ميت حل عقاله لا أم لك وانصب علي خطامه واجعل فيه خمس عقد وقل لي أين تحب أن أضع سهمي فقلت في هذا الموضع فكأنما وضعها بيده ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمس بخمسة أسهم فرددت نبلي وحططت قوسي ووقفت مستسلما فدنا مني وأخذ القوس والسيف ثم أردفني خلفه وقد عرف أني الذي شربت اللبن عنده وأكلت اللحم

стр. 229

فقال كيف ظنك بي فقلت أحسن ظن فقال أبشر إنه لن ينالك شر وقد كنت ضيف مهلهل فقلت أزيد الخيل أنت قال نعم أنا زيد الخيل فلماَّ انتهينا إلى منزله قال لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك ولكنها لابنة مهلهل فأقم عندي فأقمت عنده أياما فشن الغارة على بني نمير فأصاب مائة بعير فقال هذه أحب إليك أم تلك قلت هذه قال دونكها وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء إلى أن وردت الحيرة فلقيني نبطي فقال يا أعرابي احتفظ بابلك فقد قرب مخرج النبي ﷺ الذي يملك هذه الأرض ويطرد أهلها حتى أن أحدكم ليبتاع البستان بثمن بعير قال فاحتملت بأهلي إلى النبط حتى جاءنا رسول الله ﷺ فأسلمنا على يديه وما مضت إلا أيام حتى اشتريت بثمن بعير من ابلي بستاناً بالحيرة والله أعلم. ونقل عن الواقدي قال كان لي صديقان أحدهما هاشمي والآخر نبطي فكنا في الصداقة كنفس واحدة فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد فقالت امرأتي أما نحن فنصبر على البؤس والشدة وأما صبياننا هؤلاء فقد نقطَّع قلبي عليهم رحمة لأنهم يرون صبيان جيراننا وقد تزينوا في عيدهم وهم فرحون ولا بأس بالاحتيال فيما نصرفه في كسوتهم قال فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ بشيء فوجه إليَّ كيسا فيه ألف درهم فما استقر قراره حتى كتب إليَّ صديقي الآخر يشكو إلى مثل ما شكوته إلى الهاشمي فوجهت إليه

стр. 230

بالكيس على حاله وخرجت إلى المسجد وأنا مستح من امرأتي فلما دخلت عليها لم تعنفني لعلمها بالحال فبينما أنا كذلك إذ أقبل صديقي الهاشمي ومعه الكيس بختمه فقال أصدقني عما فعلته فيما وجهتُ به إليك فاعلمته بالخبر فقال إنك وجهت به إليَّ ولا أملك إلا ما بعثت به إليك وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه إليَّ كيس بختمه فاخرجنا للمرأة مائة درهم وتقاسمنا الباقي أثلاثا ونما الخبر إلى المأمون فاحضرني وسألني عن الخبر فشرحته له فأمر لنا بسبعة آلاف دينار منها ألف للمرأة وألفان لكل واحد منا. ويضارع ذلك ما هو منقول عن الأصمعي قال قصدت في بعض الأيام رجلا كنت أغشاه لكرمه فوجدت على بابه بوابا فمنعني من الدخول إليه ثم قال والله يا أصمعي ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلا لرقة حاله وقصور يده فكتبت رقعة فيها: إذا كان الكريم له حجابٌ ... فما فضل الكريم على اللئيم ثم قلت له أوصل رقعتي إليه ففعل وعاد بالرقعة وقد وقع على ظهرها: إذ كان الكريم قليل مالٍ ... تحجّب بالحجاب عن الغريم ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار فقلت والله لأتحفن المأمون بهذا الخبر فلما رآني قال من أين يا أصمعي قلت من عند رجل أكرم الأحياء حاشى أمير المؤمنين قال ومن هو فدفعت إليه الورقة والصرة وأعدت عليه الخبر فلما رأى الصرة قال هذا من بيت مالي ولا بد لي من الرجل

стр. 231

فقلت والله يا أمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه برسلك فقال لبعض خاصته امض مع الأصمعي فإذا أراك الرجل قل له أجب أمير المؤمنين من غير ازعاج قال فلما حضر الرجل بين يدي المأمون قال له أما أنت الذي وقعت بالامس وشكوت رقة الحال وأن الزمان قد أناخ عليك بكلكله فدفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها حالك فقصدك الأصمعي ببيت واحد فدفعتها إليه فقال نعم يا أمير المؤمنين والله ما كذبت فيما شكوت لأمير المؤمنين من رقة الحال لكن استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلى كما أعادني أمير المؤمنين فقال له المأمون لله أنت فما ولدت العرب أكرم منك ثم بالغ في إكرامه وجعله من جملة ندمائه. ومن لطائف المنقول ما هو منقول عن الربيع إنه قال ما رأيت رجلا أثبت ولا أربط جأشا من رجل رفع إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية فأمرني باحضاره فأحضرته ودخلت به إليه فقال له المنصور قد رفع إلينا الودائع والأموال التي لبني أمية عندك فأخرج لنا منها فقال يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية قال لا، قال فوصي قال لا، قال فما سؤالك عما في يدي من ذلك قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها وأنا وكيل المسلمين في حقهم فأريد أن آخذ أموال المسلمين وأجعلها في بيت مالهم فقال يا أمير المؤمنين تحتاج في ذلك إلى إقامة

стр. 232

البينة العادلة على أن الذي في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه واغتصبوه من أموال المسلمين فإن بني أمية كان لهم أموال غير أموال المسلمين قال فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال صدق الرجل يا ربيع ما وجب عليه عندنا شيء ثم بش في وجهه فقال هل لك من حاجة فقال نعم يا أمير المؤمنين حاجتي أن تنقذ كتابي مع البريد إلى أهلي ليسكنوا إلى سلامتي فقد راعهم اشخاصي وقد بقيت لي حاجة أخرى يا أمير المؤمنين قال ما هي قال تجمع بيني وبين من سعى بي إليك فو الله ما لبني أمية عندي ولا في يدي وديعة ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني رأيت ما قلته أقرب إلى الخلاص والنجاة فقال يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به فجمعت بينهما فقال هذا غلامي ضرب على ثلاثة آلاف من مالي وابق فشدد المنصور على الغلام فأقر أنه غلامه وأنه أخذ المال الذي ذكره وأبق منه وكذب عليه خوفا من الوقوع في يده فقال المنصور للرجل نسألك أن تصفح عنه فقال يا أمير المؤمنين صفحت عن جرمه وأبرأته من المال وأعطيته ثلاثة آلاف دينار أخرى فقال المنصور ما على ما فعلت مزيد في الكرم قال بلى يا أمير المؤمنين هذا حق كلامك وانصرف

стр. 233

وكان المنصور يتعجب منه كلما ذكره ويقول ما رأيت مثل هذا الرجل يا ربيع. رحلة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال الشيخ الإمام العالم المقرّي أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الأردبيلي المالكي بالجامع العتيق بمصر في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن فتح المعروف بابن الحبشي سنة ثلاثين وخمسمائة أخبرنا الشريف القاضي الموسوي أبو إسماعيل موسى بن الحسي بن إسماعيل بن علي الحسيني المقّري في سنة أربع وثمانين وأربعمائة بالجماع العتيق بمصر قال أخبرنا الشيخ أبو العباس حمد بن إبراهيم الفارسي في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال أخبرنا يحيى بن عبد الله الرجل الصالح ويحيى ابن موسى المعدل بمصر قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الواعظ المصري الكرازة قال حدثني أبو الفرج عبد الرزاق حمدان البطين قال حدثني أبو بكر محمد بن المثنى قال حدثني الربيع بن سليمان قال سمعت الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: فارقت مكة وأنا ابن أربعة عشرة سنة لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى وعلّي بردتان يمانيتان فرأيت ركبا فسلمت عليهم فردوا علي السلام ووثب إلّي شيخ كان فيهم قال سألتك بالله إلا ما حضرت طعامنا قال الشافعي ﵁ ما كنت أعلم أنهم أحضروا طعاما فأجبت مسرعا غير محتشم فرأيت القوم يأخذون الطعام بالخمس ويدفعون بالراحة فأخذت

стр. 234

كأخذهم كي لا يستبشع عليهم مأكلي والشيخ ينظر إلي ثم أخذت السقاء فشربت وحمدت الله وأثنيت عليه فأقبل عليَّ الشيخ وقال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي ثم أقبلت عليه وقلت يا عم بم استدللت عليَّ قال أما في الحضر فبالزي وأما في النسب فبأكل الطعام لأنه من أحب أن يأكل طعام الناس أحب أن يأكلوا طعامه وذلك في قريش خصوصا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت للشيخ من أين أنت قال من يثرب مدينة النبي ﷺ فقلت له من العالم بها والمتكلم في نص كتاب الله تعالى والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ قال سيد بني أصبح مالك ابن أنس رضي الله تعالى عنه قال الشافعي ﵁ فقلت واشوقاه إلى مالك فقال لي قد بل الله شوقك أنظر إلى هذا البعير الاورق فإنه أحسن جمالنا ونحن على رحيل ولك منا حسن الصحبة حتى تصل إلى مالك فما كان غير بعيد حتى قطروا بعضها وأركبوني البعير الاورق وأخذ القوم في السير وأخذت أنا في الدرس فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة بالليل ختمة وبالنهار ختمة ودخلت المدينة في اليوم الثامن بعد صلاة العصر فصليت العصر في مسجد رسول الله ﷺ ودنوت من القبر فسلمت على النبي ﷺ ولذت بقبره فرأيت مالك بن أنس متزرا ببردة متوشحا بأخرى قال حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر وضرب بيده إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 235

قال شافعي ﵁ فلما رأيت ذلك هبته مهابة عظيمة وجلست حيث انتهى بي المجلس فأخذت عودا من الأرض فجعلت كلما أملى مالك حديثا كتبته بريقي على يدي والإمام مالك ﵁ ينظر إلي من حيث لا أعلم حتى انقضى المجلس وانتظرني مالك أن أنصرف فلم يرني انصرفت فأشار إلي فدنوت منه فنظر إلي ساعة ثم قال أحرمي أنت قلت حرمي قال أمكي أنت قلت مكي قال أقرشي أنت قلت قرشي قال كملت أوصافك لكن فيك إساءة أدب قلت وما الذي رأيت من سوء أدبي قال رأيتك وأنا أملي ألفاظ الرسول ﵊ تلعب بريقك على يدك فقلت له عدمت البياض فكنت أكتب ما تقول فجذب مالك يدي إليه فقال ما أرى عليها شيئا فقلت إن الريق لا يثبت على اليد ولكن فهمت جميع ما حدثت به منذ جلست وحفظته إلى حين قطعت فتعجب الإمام مالك من ذلك فقال أعد عليَّ ولو حديثا واحدا. قال الشافعي ﵁ فقلت حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأشرت بيدي إلى القبر كإشارته حتى أعدت عليه خمسة وعشرين حديثا حدث بها من حين جلس إلى وقت قطع المجلس وسقط القرص فصلى مالك المغرب وأقبل على عبده وقال خذ بيد سيدك إليك وسألني النهوض معه. قال الشافعي ﵀ فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه فلما أتيت الدار أدخلني الغلام إلى خلوة في الدار وقال لي القبلة في البيت هكذا وهذا إناء فيه ماء وهذا

стр. 236

بيت الخلاء. قال الشافعي ﵁ فما لبث مالك ﵁ حتى أقبل هو والغلام حاملاً طبقا فوضعه من يده وسلم الإمام عليَّ ثم قال للعبد اغسل علينا ثم وثب الغلام إلى الاناء وأراد أن يغسل عليَّ أولاً فصاح عليه مالك قال الغسل في أول الطعام لرب البيت وفي آخر الطعام للضيف. قال الشافعي ﵁ فاستحسنت ذلك من الإمام مالك ﵁ وسألته عن شرحه فقال أنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يبتدىء بالغسل وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل فيأكل معه. قال الشافعي ﵁ فكشف الإمام ﵁ الطبق فكان فيه صفحتان في إحداهما لبن والأخرى تمر فسمى الله تعالى وسميت فأتيت أنا ومالك على جميع الطعام وعلم مالك أنا لم نأخذ من الطعام الكفاية فقال لي يا أبا عبد الله هذا جهد من مقل إلى فقير معدم فقلت لا عذر على من أحسن إنما العذر على من أساء. قال الشافعي ﵁ فأقبل مالك يسألني عن أهل مكة حتى دنت العشاء الآخرة ثم قام عني وقال حكم المسافر أن يقل تعبه بالاضطجاع فنمت ليلتي فلما كان في الثلث الأخير من الليل قرع عليَّ مالك الباب فقال لي الصلاة يرحمك الله فرأيته حاملاً إناء فيه ماء فتبشع عليَّ ذلك فقال لي لا يرعك ما رأيته فخدمة الضيف فرض. قال الشافعي ﵁ فتجهزت للصلاة وصليت الفجر مع

стр. 237

الإمام مالك في مسجد رسول الله ﷺ والناس لا يعرف بعضهم بعضا من شدة الغلس وجلس كل واحد منا في مصلاه يسبح الله تعالى إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال فجلس مالك في مجلسه بالأمس وناولني الموطأ أمليه وأقرؤه على الناس وهم يكتبونه. قال الشافعي ﵁ فأتيت على حفظه من أوله إلى آخره وأقمت ضيف مالك ثمانية أشهر فما علم أحد من الأنس الذي كان بيننا أينا الضيف ثم قدم على مالك المصريون بعد قضاء حجهم للزيارة واستماع الموطأ. قال الشافعي فأمليت عليهم حفظاً منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب وأبن القاسم قال الربيع وأحسب أنه ذكر الليث بن سعد ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي ﷺ . قال الشافعي ﵁ فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثوب حسن الصلاة فتوسمت فيه خيراً فسألته عن اسمه فأخبرني وسألته عن بلده فقال العراق فقلت أي العراق فقال لي الكوفة فقلت من العالم بها والمتكلم في نص الكتاب والمفتي بأخبار رسول الله ﷺ فقال لي أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ﵁. وقال الشافعي ﵁ فقلت ومتى عزمتم تظعنون فقال لي في غداة غد وقت الفجر فعدت إلى مالك فقلت له خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز أفأعود إليها أو أرحل في طلب العلم فقال لي: العلم فائدة يرجع منها إلى فائدة ألم تعلم

стр. 238

أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلبه. قال الشافعي ﵁ فلما أزمعت على السفر زودني الإمام مالك ﵁ فلما كان في السحر سار معي مشيعا إلى البقيع ثم صاح بعلو صوته من يكري راحلته إلى الكوفة فأقبلت عليه وقلت بم تكتري وليس معك ولا معي شيء فقال لي انصرفت البارحة بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع عليَّ قارع الباب فخرجت إليه فأصبت ابن القاسم فسألني قبول هديته فقبلتها فدفع لي صرة فيها مائة دينار وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي فاكترى لي بأربعة دنانير ودفع إليَّ باقي الدنانير وودعني وانصرف وسرت في جملة الحاج حتى وصلت إلى الكوفة يوم رابع عشرين من المدينة فدخلت المسجد بعد صلاة العصر وصليت فبينما أنا كذلك إذ رأيت غلاما قد دخل المسجد وصلى العصر فما أحسن الصلاة فقمت إليه ناصحا فقلت له أحسن صلاتك لئلا يعذب الله هذا الوجه الجميل بالنار فقال لي أنا أظن أنك من أهل الحجاز لأن فيكم الغلظة والجفاء وليس فيكم رقة أهل العراق وأنا أصلي هذه الصلاة خمس عشرة سنة بين يدي محمد بن الحسن وأبي يوسف فما عابا عليَّ صلاتي قط وخرج معجبا ينفض رداءه في وجهي فلقي للتوفيق محمد بن الحسن وأبا يوسف بباب المسجد فقال أعلمتما في صلاتي من عيب فقالا اللهم لا قال ففي مسجدنا هذا من عاب صلاتي فقالا اذهب إليه فقل له بم تدخل في الصلاة.

стр. 239

قال الشافعي ﵁ فقال لي يا من عاب صلاتي بم تدخل في الصلاة فقلت بفرضين وسنة فعاد إليهما وأعلمهما بالجواب فعلما أنه جواب من نظر في العلم فقالا اذهب إليه فقل له ما الفرضان وما السنة فأتى إليَّ فقال ما الفرضان وما السنة فقلت له أما الفرض الأول فالنية والثاني تكبيرة الاحرام والسنة رفع اليدين فعاد إليهما فأعلمهما بذلك فدخلا إلى المسجد فلما نظرا إليَّ أظنهما ازدرياني فجلسا ناحية وقالا اذهب إليه وقل له أجب الشيخين. وقال الشافعي رحمه الله تعالى فلما أتاني علمت إني مسؤول عن شيء من العلم فقلت من حكم العلم أن يؤتى إليه وما علمت لي إليهما حاجة قال الشافعي ﵁ فقاما من مجلسهما إليَّ فلما سلما عليَّ قمت غليهما وأظهرت البشاشة لهما وجلست بين أيديهما فأقبل علي محمد بن الحسن وقال أحرمي أنت فقلت نعم فقال أعربي أم مولى فقلت عربي فقال من أي العرب فقلت من ولد المطلب قال من ولد من قلت من ولد شافع قال رأيت مالكا قلت من عنده أتيت قال لي نظرت في الموطأ قلت أتيت على حفظه فعظم ذلك عليه ودعا بداوة وبياض وكتب مسألة في الطهارة ومسألة في الزكاة ومسألة في البيوع والفرائض والرهان والحج والإيلاء ومن كل باب في الفقه مسئلة وجعل بين كل مسئلتين بياضا ودفع إليَّ الدرج وقال أجب عن هذه المسائل كلها من الموطأ. قال الشافعي ﵁ فأجبت بنص كتاب الله وبسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين في المسائل كلها ثم دفعت إليه الدرج فتأمله ونظر فيه ثم قال لعبده خذ سيدك إليك. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ثم سألني النهوض مع العبد فنهضت غير ممتنع فلما صرت إلى الباب قال لي العبد إن سيدي أمرني أن لا تسير إلى المنزل إلا راكبا. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه فقلت له قدم فقدم إلي بغلة بسرج محلى فلما علوت على ظهرها رأيت نفسي باطمار رثة فطاف بي أزقة الكوفة إلى منزل محمد بن الحسن وما هم فيه فبكيت وقلت أهل العراق ينقشون سقوفهم بالذهب والفضة وأهل الحجاز يأكلون القديد ويمصون النوى ثم أقبل عليَّ محمد بن الحسن وأنا في بكائي فقال لا يروعك يا عبد الله ما رأيت فما هو إلا من حقيقة حلال ومكتسب وما يطالبني الله فيها بفرض وإني أخرج زكاتها في كل عام فأسرَّ بها الصديق وأكبت بها العدو. قال الشافعي ﵁ فما بت حتى كساني محمد بن الحسن خلعة بألف درهم ثم دخل خرانته فأخرج إليَّ الكتاب الأوسط تأليف الإمام أبي حنيفة فنظرت في أوله وفي آخره ثم ابتدأت الكتاب في ليلتي أتحفظه فما أصبحت إلا وقد حفظته ومحمد بن الحسن لا يعلم بشيء من ذلك وكان المشهور بالكوفة بالفتوى والمجيب في النوازل فبينما أنا قاعد عن يمينه في بعض الأيام إذ سئل عن مسئلة أجاب فيها وقال هكذا قال أبو حنيفة فقلت قد وهمت في الجواب في هذه المسئلة والجواب عن قول الرجل كذا وكذا وهذا المسئلة تحتها المسئلة الفلانية وفوقها المسئلة الفلانية في الكتاب. فأمر محمد بن الحسن بالكتاب فأحضر فتصفحه ونظر فيه فوجد القول كما قلت

стр. 240

فرجع عن جوابه إلى ما قلت ولم يخرج إلي كتاباً بعد هذا. قال الشافعي واستأذنته في الرحيل فقال ما كنت لآذن لضيف بالرحيل عني وبذل لي في مشاطرة نعمته فقلت ما لذا قصدت ولا لذا أردت ولا رغبتي إلى في السفر قال فأمر غلامه أن يأتي بكل ما في خزانته من بيضاء وحمراء فدفع إلي ما كان فيها وهو ثلاثة آلاف درهم وأقبلت أطوف العراق وأرض فارس وبلاد الأعاجم وألقى الرجال حتى صرت ابن إحدى وعشرين سنة ثم دخلت العراق في خلافة هارون الرشيد فعند دخول الباب تعلق بي غلام فلاطفني وقال لي ما أسمك فقلت محمد قال ابن من قلت ابن إدريس الشافعي فقال مطلبي فقلت أجل فكتب ذلك في لوح كان في كمه وخلى سبيلي فأويت في بعض المساجد أفكر في عاقبة ما فعل حتى إذا ذهب من الليل النصف كبس المسجد واقبلوا يتأملون وجه كل رجل حتى أتوا إلي فقالوا للناس لا بأس عليكم هذا هو الحاجة والغاية المطلوبة ثم أقبلوا علي وقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت غير ممتنع فلما بصرت بأمير المؤمنين سلمت عليه سلاماً بينا فأستحسن الألفاظ ورد عليَّ الجواب ثم قال تزعم أنك من بني هاشم فقلت يا أمير المؤمنين كل زعم في كتاب الله باطل فقال ابن لي عن نسبك فانتسبت حتى لحقت آدم ﵇ فقال لي الرشيد ما تكون هذه الفصاحة ولا هذه البلاغة إلا في رجل من ولد المطلب هل لك أن أوليك قضاء المسلمين وأشاطرك ما أنا فيه وتنفذ فيه حكمك وكمي على ما جاء به الرسول ﵊ واجتمعت عليه الأمة فقلت يا أمير المؤمنين لو سألتني أن أفتح باب القضاء بالغداة وأغلقه بالعشى بنعمتك هذه ما فعلت ذلك أبداً فبكى الرشيد وقال تقبل من عرض الدنيا شيء قلت يكون معجلاً فأمر لي بألف دينار فما برحت من مقامي حتى قبضتها ثم سألني بعض الغلمان والحشم أن أصلهم من صلتي فلم تسع المروءة إن كنت مسؤولاً غير المقاسمة فيما أنعم الله به علي فخرج لي قسم كأقسامهم ثم عدت إلى المسجد الذي كنت فيه في ليلتي فتقدم يصلي بنا غلام صلاة الفجر في جماعة فأجاد القراءة ولحقه سهو ولم يدر كيف الدخول ولا كيف الخروج فقلت له بعد السلام أفسدت علينا وعلى نفسك أعد فأعاد مسرعاً وأعدنا ثم قلت له أحضر بياضاً أعمل لك باب السهو في الصلاة والخروج منها فسارع إلى ذلك ففتح الله عليَّ فألفت له كتاباً من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ وإجماع المسلمين وسميته باسمه وهو أربعون جزءاً يعرف بكتاب الزعفران وهو الذي وضعته بالعراق حتى تكامل في ثلاث سنين وولاني الرشيد الصدقات بنجران وقدم الحاج فخرجت أسألهم عن الحجاز فرأيت فتى في قبته فلما أشرت إليه بالسلام أمر قائد القبة أن يقف وأشار إليَّ بالكلام فسألته عن الإمام مالك وعن الحجاز أجاب بخير ثم عاودته إلى السؤال عن مالك فقال لي أشرح لك أو أختصر قلت في الاختصار البلاغة فقال في صحة جسم وله ثلثمائة جارية يبيت عند الجارية ليلة فلا يعود إليه إلى سنة فقد اختصرت لك خبره. قال الشافعي ﵁ فاشتهيت أن أراه

стр. 241

في حال غناه كما رأيته في حال فقره فقلت له أما عندك من المال ما يصلح للسفر فقال إنك لتوحشني خاصة وأهل العراق عامة وجميع مالي فيه لك فقلت له فيم تعيش قال بالجاه ثم نظر إلي وحكمني في ماله فأخذت منه على حسب الكفاية والنهاية وسرت على ديار ربيعة ومضر فأتيت حران ودخلتها يوم الجمعة فذكرت فضل الغسل وما جاء فيه فقصدت الحمام فلما سكبت الماء رأيت شعر رأسي شعثاً فدعوت المزين فلما بدأ برأسي وأخذ القليل من شعري دخل قوم من أعيان البلد فدعوه إلى خدمتهم فسارع إليهم وتركني فلما قضوا ما أرادوا منه عاد إلي فما أردته وخرجت من الحمام فدفعت إليه أكثر ما كان معي من الدنانير وقلت له خذ هذه وإذا وقف باك غريب لا تحتقره فنظر لي متعجبا فإجتمع بعض من كان في الحمام من الأعيان فقدمت له بغلة ليركبها فسمع خطابي لهم فإنحدر عن البلغة بعد أن استوى عليها وقال لي أنت الشافعي فقلت نعم فمد الركاب مما يليني وقال بحق الله اركب ومضى بي الغلام مطرقاً بين يدي حتى أتيت إلى منزل الفتى ثم أتى وقد حصلت في منزله فأظهر البشاشة ثم دعا بالغسل فغسل علينا ثم حضرت المائدة فسمى وحبست يدي فقال مالك يا عبد الله فقلت له طعامك حرام عليَّ حتى أعرف من أين هذه المعرفة فقال أنا ممن سمع منك الكتاب الذي وضعته ببغداد وأنت لي أستاذ. قال الشافعي ﵁ فقلت العلم بين أهل العقل رحم متصلة فأكلت بفرحة إذ لم يعرف الله تعالى إلا بيني وبين أبناء جنسي وأقمت ضيفه ثلاثاً فلما كان بعد ثلاثاً قال: إنّ لي حول حرّان أربع ضياع ما بحرَّان أحسن منها أشهد الله أن أخترت المقام فإنها هدية مني إليك فقلت فيم تعيش قال بما في صناديقي تلك وأشار إليها وهي أربعون ألف درهم وقال أتجربها فقلت ليس إلى هذا قصدت ولا خرجت من بلدي لغير طلب العلم فقال لي فالمال إذا من شأن المسافر فقبضت الأربعين ألفا وودعته وخرجت من مدينة حران وبين يدين أحمال ثم تلقاني الرجال وأصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والأوزاعي فأجزت كل واحد منهم على قدر ما قسم له حتى دخلت مدينة الرملة وليس معي إلا عشرة دنانير فاشتريت بها راحلة واستويت على كورها وقصدت الحجاز فما زلت من منهل إلى منهل حتى وصلت إلى مدينة النبي ﷺ بعد سبعة وعشرين يوماً بعد صلاة العصر فصليت العصر ورأيت كرسيا من الحديد عليه مخدة من قباطي مصر مكتوب عليها لا إله إلى الله محمد رسول الله ﷺ . قال الشافعي ﵁ وحوله أربعمائة دفتر أو يزدن وبينما أنا كذلك إذ رأيت مالك بن أنس ﵁ قد دخل من باب النبي ﷺ وقد فاح عطره في المسجد وحوله أربعمائة أو يزيدون يحمل ذيوله منهم أربعة فلما وصل قام إليه من كان قاعداً وجلس على الكرسي فألقى مسئلة في جراح العمد فلما سمعت ذلك لم يسعني الصبر فقمت قائماً في سور الحلقة فرأيت إنساناً فقلت له قل الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب قبل فراغ مالك من السؤال فأضرب عنه مالك وأقبل على أصحابه فسألهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم

стр. 242

وأصاب الرجل ففرح الجاهل بإصابته فلما ألقى السؤال الثاني أقبل عليَّ الجاهل يطلب من الجواب فقلت له الجواب كذا وكذا فبادر بالجواب فلم يلتفت إليه مالك فأقبل على أصحابه واستخبرهم عن الجواب فخالفوه فقال لهم أخطأتم وأصاب الرجل. قال الشافعي ﵁ فلما ألقى السؤال الثالث قلت له قل الجواب كذا وكذا فبارد بالجواب فأعرض مالك عنه وأقبل على أصحابه فخالفوا فقال أخطأتم وأصاب الرجل ثم قال للرجل أدخل ليس ذلك موضعك فدخل الرجل طاعة منه لمالك وجلس بين يديه فقال له مالك فراسة قرأت الموطأ قال لا قال فنظرت ابن جريج قال لا قال فلقيت جعفر بن محمد الصادق قال لا قال فهذا العلم من أين قال إلى جانبي غلام شاب يقول لي قل الجواب كذا وكذا فكنت أقول، قال فالتفت مالك والتفت الناس بأعناقهم لالتفات مالك ﵁ فقال للجاهل قم فأمر صاحبك بالدخول إلينا. قال الشافعي ﵁ فدخلت فإذا أنا من مالك بالموضع الذي كان الجاهل فيه جالساً بين يديه فتأملني ساعة وقال أنت الشافعي فقلت نعم فضمني إلى صدره ونزل عن كرسيه وقال أتمم هذا الباب الذي نحن فيه حتى ننصرف إلى المنزل الذي هو لك، المنسوب إلي. قال الشافعي ﵁ فألقيت اربعمائة مسئلة في جراح العمد فما أجابني أحد بجواب واحتجت إلى أن آتي بأربعمائة جواب فقلت الأول كذا وكذا والثاني كذا وكذا حتى سقط القرص وصلينا المغرب فضرب مالك بيد إليَّ فلما وصلت المنزل رأيت بناء غير الأول فبكيت فقال مم بكاؤك كأنك خفت يا أبا عبد الله أن قد بعت الآخرة بالدنيا قلت هو والله ذلك قال طب نفسا وقر عينا هذه هدايا خراسان وهدايا مصر والهدايا تجيء من أقاصي الدنيا وقد كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويرد الصدقة وإن لي ثلثمائة خلعة من زي خراسان وقباطي مصر وعندي عبيد بمثلها لم تستكمل الحلم فهم هدية مني إليك وفي صناديقي تلك خمسة آلاف دينار أخرج زكاتها عند كل حول فلك مني نصفها قلت إنك موروث

стр. 243

وأنا موروث فلا يبيت جميع ما وعدتني به إلا تحت خاتمي ليجري ملكي عليه فإن حضرني أجلي كان لورثتي دون ورثتك وإن حضرك أجلك كان لي دون ورثتك فتبسم في وجهي وقال أبيت إلا العلم فقلت لا يستعمل أحسن منه وما بت إلا وجميع ما وعدني به تحت خاتمي فلما كان في غداة غد صليت الفجر في جماعة وانصرفت إلى المنزل أنا وهو وكل واحد منا يده في يد صاحبه إذ رأيت كراعاً على بابه من جياد خراسان وبغالاً من مصر فقلت له ما رأيت أحسن من هذا فقال هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله فقلت له دع لك منها دابة فقال إني أستحي من الله أن أطأ فيها نبي الله ﷺ بحافر دابة. قال الشافعي ﵁ فعلمت أن ورع الإمام مالك باق على حاله فأقمت عنده ثلاثاً ثم ارتحلت إلى مكة وأنا أسوق خير الله ونعمه ثم أنفذت من يعلم بخبري فلما وصلت إلى الحرم خرجت العجوز ونسوة معها فضمتني إلى صدرها وضمتني بعدها عجوز كنت آلفها أدعوها خالتي وقالت: ليس امُّك اجتاحت المنايا ... كلّ فؤادٍ عليك أمُّ

стр. 244

قال الشافعي ﵁ وهي أول كلمة سمعتها في الحجاز من امرأة فلما هممت بالدخول قالت لي العجوز إلى أين عزمت فقلت إلى المنزل فقالت هيهات تخرج من مكة بالأمس فقيراً وتعود إليها مترفاً تفخر على بني عملك بذلك فقلت ما أصنع فقالت ناد بالأبطح في العرب بإشباع الجائع وحمل المنقطع وكسوة العراة فتربح ثناء الدنيا وثواب الآخرة ففعلت ما أمرت به وسار بذلك الفعل الرجال على آباط الإبل وبلغ ذلك مالكاً فبعث إليَّ يستحثني على الفعل ويعدني أنه يحمل إليَّ في كل عام مثل ما صار إليَّ منه وما دخلت إلى مكة وأنا أقدر على شيء مما جاء معي إلى على بغلة واحدة وخمسين ديناراً فوقعت المقرعة فناولتني إياها أمة على كتفها قربة فأخرجت لها خمسة دنانير فقالت له العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها لها خمسة دنانير فقالت لي العجوز ما أنت صانع فقلت أجيزها على فعلها فقالت أدفع إليها جميع ما تأخر معك قال فدفعت إليها ودخلت إلى

стр. 245

مكة فما بت تلك الليلة إلا مديونا وأقام مالك ﵁ يحمل إليَّ في كل عام مثل ما كان دفع إليَّ أولا إحدى عشرة سنة فلما مات ضاق بي الحجاز وخرجت إلى مصر فعوضني الله عبد الله بن عبد الحكيم فقام بالكلفة فهذا جميع ما لقيته في سفري فإفهم ذلك يا ربيع قال الربيع وسألني المزني املاء ذلك بحضرته فما وجدنا للمجلس فرغة فما وقع كتاب السفر إلى أحد غيري. ومن لطائف المنقول ما نقله القرطبي في كتابه المسمى بالأعلام عن صدق محبة أبي طالب لسيدنا رسول الله ﷺ قال كان رسول الله ﷺ قد خرج إلى الكعبة يوماً وأراد أن يصلي فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته فقام عبد الله بن الزبعري فأخذ فرثا ورماه فلطخ به وجه النبي ﷺ فانتقل النبي ﷺ من صلاته وأتى إلى أبي طالب عمه وقال يا عم ألا ترى ما فعل بي فقال له أبو طالب من فعل بك

стр. 246

هذا فقال النبي ﷺ عبد الله بن الزبعري فقام أبو طالب فوضع سيفه على عاتقه ومشى حتى أتى القوم فلما رأوه قد أقبل نهضوا له فقال أبو طالب والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا ثم قال يا بني من الفاعل بك هذا فقال عبد الله بن الزبعري فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية الشريفة وهم ينهون عنه وينأون عنه فقال النبي ﷺ يا عم نزلت فيك آية قال وما هي تمنع قريشا أن يأذوني وتأبى أن تؤمني بي فقال أبو طالب والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد في التراب دفينا فامضِ لأمرك قد زعمتك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا وعرضت ديناً قد عرفتُ بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذار مسبّةٍ ... لوجدتني سمحاً بذاك يقينا وقيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله هي تنفع نصرة أبي

стр. 247

طالب قال نعم رفع عنه بذلك الفعل إنه لم يقرن مع الشياطين ولم يدخل جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منها دماغه وهو أهو أهل النار عذابا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأبي طالب قل لا إله إلى الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب لولا أن يعايروني بها يعني قريشاً يقولون إنما حمله الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. وأما عبد الله بن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى النبي ﷺ فقبل عذره وكان شاعراً مجيداً فقال يمدح النبي ﷺ بأبيات منها في حكاية حاله: إني لمعتذرٌ إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال مقيم فاعفر فداؤك والديّ كلاهما ... وأرحم فإنك راحمٌ مرحوم ومن غريب ما نقله القرطبي في الأعلام

стр. 248

أن الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ كانوا من أولاد العلماء والحكماء الذين كانوا مع تبع الأول فيما ذكر ابن اسحق وكان تبع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكان كثير الوزراء فاختاروا واحداص منهم وأخرجه معه لينظر في ملكه فكان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال وكان معه من العلماء والحكماء مائة ألف رجل ثم الذين اختارهم من البلدان وهذا القدر غير محسوب من الجيش فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل البلاد ولم تعظمه فغضب لذلك ودعا وزيره وكان اسمه عماريا فقال له كيف شاهدت هذه البلد فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري فقال إنهم عرب لا يعرفون شيئاً ولهم بيت يقال له الكعبة وهم معجبون به ويسجدون فيه للأصنام قال فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة وعزم على هدم البيت وقتل الرجال وسبى النساء فأخذه الله بالصداع وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة

стр. 249

عين من نتن الريح فاستيقظ لذلك وقال لوزيره أجمع العلماء والحكماء والأطباء وتكلم معهم في أمري فاجتمع عنده العلماء والحكماء والأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده ساعة وعجزوا عن مداواته وقالوا نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض وهذا شيء من السماء لا نستطيع له رداً ثم اشتد أمره ونفرت الناس عنه ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل فجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال له إن بيني وبينك سراً وهو إن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته فاستبشر الوزير بذلك وقال له قل ما شئت فقال أريد الخلوة فأخلي له المكان فلما خلا مجلس الملك قال له العالم أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوء قال نعم نويت خرابه وقتل رجاله وسبي نسائه فقال له العالم أيها الملك هذه النية هي التي أحدثت لك هذا الداء ورب هذا البيت قادر يعلم الأسرار فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أمر هذا البيت وأهله ولك خير الدنيا والآخرة قال الملك قد أخرجت ذلك من قلبي ونويت لهذا البيت

стр. 250

المبارك ولأهله كل خير فلم يخرج العالم من عنده حتى برىء من علته وعافاه الله تعالى بقدرته فآمن بالله من ساعته وخلع على الكعبة سبعة أثواب وهو أول من كسار الكعبة وخرج إلى يثرب وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ومعهم رئيسهم عماريا الذي يرى الملك برأيه ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم وبايع كل واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام ون قتلهم الملك فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا محتاج إليهم واي حكمة أقتضت نزولهم في هذا المكان واختيارهم إياه على سائر النواحي فسألهم الوزير عن ذلك فقالوا أيها الوزير إن ذلك البيت وهذه البقعة التي نحن فيها يشرفان برجل يبعث في آخر الزمان يقال له محمد ووصفوه له ثم قالوا طوبى لمن أدركه وآمن به ونحن على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا فلما سمع
следующие страницы →