Полный текст (543 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هذا فقال النبي ﷺ عبد الله بن الزبعري فقام أبو طالب فوضع سيفه على عاتقه ومشى حتى أتى القوم فلما رأوه قد أقبل نهضوا له فقال أبو طالب والله إن قام رجل جللته بسيفي هذا ثم قال يا بني من الفاعل بك هذا فقال عبد الله بن الزبعري فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية الشريفة وهم ينهون عنه وينأون عنه فقال النبي ﷺ يا عم نزلت فيك آية قال وما هي تمنع قريشا أن يأذوني وتأبى أن تؤمني بي فقال أبو طالب
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد في التراب دفينا
فامضِ لأمرك قد زعمتك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت ديناً قد عرفتُ بأنّه ... من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّةٍ ... لوجدتني سمحاً بذاك يقينا
وقيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله هي تنفع نصرة أبي
стр. 247
طالب قال نعم رفع عنه بذلك الفعل إنه لم يقرن مع الشياطين ولم يدخل جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منها دماغه وهو أهو أهل النار عذابا. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لأبي طالب قل لا إله إلى الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب لولا أن يعايروني بها يعني قريشاً يقولون إنما حمله الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
وأما عبد الله بن الزبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى النبي ﷺ فقبل عذره وكان شاعراً مجيداً فقال يمدح النبي ﷺ بأبيات منها في حكاية حاله:
إني لمعتذرٌ إليك من الذي ... أسديت إذ أنا في الضلال مقيم
فاعفر فداؤك والديّ كلاهما ... وأرحم فإنك راحمٌ مرحوم
ومن غريب ما نقله القرطبي في الأعلام
стр. 248
أن الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ كانوا من أولاد العلماء والحكماء الذين كانوا مع تبع الأول فيما ذكر ابن اسحق وكان تبع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكان كثير الوزراء فاختاروا واحداص منهم وأخرجه معه لينظر في ملكه فكان إذا أتى بلدة يختار من حكمائها عشرة رجال وكان معه من العلماء والحكماء مائة ألف رجل ثم الذين اختارهم من البلدان وهذا القدر غير محسوب من الجيش فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل البلاد ولم تعظمه فغضب لذلك ودعا وزيره وكان اسمه عماريا فقال له كيف شاهدت هذه البلد فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري فقال إنهم عرب لا يعرفون شيئاً ولهم بيت يقال له الكعبة وهم معجبون به ويسجدون فيه للأصنام قال فنزل الملك بعسكره ببطحاء مكة وعزم على هدم البيت وقتل الرجال وسبى النساء فأخذه الله بالصداع وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن فلم يصبر عنده أحد طرفة
стр. 249
عين من نتن الريح فاستيقظ لذلك وقال لوزيره أجمع العلماء والحكماء والأطباء وتكلم معهم في أمري فاجتمع عنده العلماء والحكماء والأطباء فلم يقدروا على الجلوس عنده ساعة وعجزوا عن مداواته وقالوا نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض وهذا شيء من السماء لا نستطيع له رداً ثم اشتد أمره ونفرت الناس عنه ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل فجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال له إن بيني وبينك سراً وهو إن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته فاستبشر الوزير بذلك وقال له قل ما شئت فقال أريد الخلوة فأخلي له المكان فلما خلا مجلس الملك قال له العالم أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوء قال نعم نويت خرابه وقتل رجاله وسبي نسائه فقال له العالم أيها الملك هذه النية هي التي أحدثت لك هذا الداء ورب هذا البيت قادر يعلم الأسرار فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أمر هذا البيت وأهله ولك خير الدنيا والآخرة قال الملك قد أخرجت ذلك من قلبي ونويت لهذا البيت
стр. 250
المبارك ولأهله كل خير فلم يخرج العالم من عنده حتى برىء من علته وعافاه الله تعالى بقدرته فآمن بالله من ساعته وخلع على الكعبة سبعة أثواب وهو أول من كسار الكعبة وخرج إلى يثرب وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ومعهم رئيسهم عماريا الذي يرى الملك برأيه ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم وبايع كل واحد منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام ون قتلهم الملك فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا محتاج إليهم واي حكمة أقتضت نزولهم في هذا المكان واختيارهم إياه على سائر النواحي فسألهم الوزير عن ذلك فقالوا أيها الوزير إن ذلك البيت وهذه البقعة التي نحن فيها يشرفان برجل يبعث في آخر الزمان يقال له محمد ووصفوه له ثم قالوا طوبى لمن أدركه وآمن به ونحن على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا فلما سمع
стр. 251
الوزير مقالتهم هم بالمقام معهم فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا فقالوا لا نفعل وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا فدعا بالوزير فأخبره بما سمع منهم فتفكر الملك وهم أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمداً ﷺ فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار على عدة العلماء والحكماء واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوجها برجل منهم وأعطى كل واحد عطاء جزيلا وأمرهم أن يقيموا في ذلك المكان إلى أن يجيء زمان النبي ﷺ ثم كتب الكتاب وختمه بخاتم من ذهب ودفعه إلى عالمهم الكبير وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد ﷺ إن أدركه وإلا فيوصي به أولاده مثل ما أوصاه به وكذلك الأولاد حتى يتصل بالنبي ﷺ وكان في ذلك الكتاب، أما بعد فإن آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإيمان والإسلام فإن أدركتك فيها نعمت وإلا فإشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإن من أمتك الأولين وقد بايعتك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم ﵇ ثم ختم الكتاب
стр. 252
ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب عنوانه إلى محمد بن عبد الله ونبي الله ورسوله وخاتم النبيين
ورسول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعاً برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله ﷺ فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكراً وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحباً بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم. سول رب العالمي ﷺ من تبع الأول الحميري ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته وسار تبع من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي ﷺ ألف سنة لا تزيد ولا تنقص وكانت الأنصار الذين نصروا النبي ﷺ من أولاد أولئك العلماء والحكماء فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول خلوا الناقة فإنها مأمورة حتى جاءت إلى دار أبي أيوب وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعاً برأيه ثم استشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي ﷺ ولما ظهر خبره قبل أبو ليلى وكان من الأنصار فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة فوجد النبي ﷺ في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 253
فدعاه وقال أنت أبو ليلى قال نعم ومعك كتاب تبع الأول قال نعم فبقي أبو ليلى متفكراً وقال في نفسه إن هذا من العجائب ثم قال له أبو ليلى من أنت فإني لست أعرفك وتوهم أنه ساحر وقال في وجهك أثر السحر فقال له بل أنا محمد رسول الله هات الكتاب فأخرجه ودفعه إلى رسول الله ﷺ فأخذه النبي ﷺ ودفعه إلى علي كرم الله وجهه فقرأه عليه فلما سمع النبي ﷺ كلام تبع قال مرحباً بالأخ الصالح ثلاث مرات ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة ليبشرهم بقدومه عليهم.
وقال أبو عبد الله منحمد القرطبي نور الله ضريحه ما ذكرت هذا الخبر وإن كان فيه طول إلاّ لما احتوى عليه من فضل مكة والمدينة والتصديق بنبوة النبي ﷺ قبل أيجاده بالف عام.
ومن لطائف ما نقلته من كتاب الاعلام للقرطبي ما أورده من مسند أبي داود عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ في قول الله إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى آخر الآية إن أول من جحد الدين آدم ﵇ لأنه لما أراه الله تعالى ذريته رأى فيهم رجلاً أزهر ساطع النور فقال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فما عمره قال ستون سنة قال
стр. 254
يا رب زد في عمره قال لا إلا أن تزيده من عمرك قال وما عمري قال ألف سنة قال آدم فقد وهبته أربعين سنة قال فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة قال بقي من عمري أربعين سنة فقيل له قد وهبتها لابنك داود قال ما وهبت لأحد شيئاً فأخرج الله ذلك الكتاب وفيه شهادة الملائكة.
وفي رواية إن الله ﷻ أتم لداود مائة سنة ولآدم ألف سنة أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وفيه فقال ﵊ نسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته والله أعلم.
ومن لطائف الغرائب المنقولة من كتاب الأعلام للقرطبي أن العباس بن عبد المطلب ﵁ مدح النبي ﷺ بأبيات على قافية بديعة أعجبت النبي ﷺ منها قوله:
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفُقُ
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسُبل الرشاد نخترقُ
فقال يا عم لكل شاعر جائزة وجائزتك إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة.
ومن غرائب التفسير ما نقلته من الأعلام أن في قوله
стр. 255
تعالى ووجدك ضالاً فهدى أقوالاً ذكرت في أحكام مخارج القرآن أحسنها ما ذكره بعض المتكلمين إن العرب كانت إذا وجدت شجرة منفردة في فلاة من الأرض لا شجر معها سموها ضالة فيهتدى بها على الطريق فقال الله تعالى لنبيه ﷺ ووجدك ضالاً فهدى أي وجدتك لا أحد على دينك فهديت بك الخلق إليّ.
قلت قد تقدم الكلام في سعادة العباس ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ وما نال بالإسلام من العز قول النبي ﷺ إن الخلافة في عقبك إلى يوم القيامة وتقدم ذكر شقوة عمه أبي طالب بالشرك مع حمايته ورعايته لجانب النبي ﷺ وهو الذي تقدم قوله مشيراً إلى قريش في خطابه إلى النبي ﷺ :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التّراب دفينا
قال السهيلي نور الله ضريحه في الروض الأنف هذا من باب النظر في حكمة الله.
ونقل في الروض الأنف أيضا عن هشام بن السائب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع وجوه قريش وقال لهم إنكم صفوة الله من خلقه وقلب العرب وفيكم السيد المطاع وفيكم المتقدم الشجاع والواسع الباع لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه
стр. 256
ولا شرفاً إلا أدركتموه فلكم على الناس بذلك الفضيلة ولهم به إليكم والوسيلة والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية فإن فيها في صلة الرحم منسأة في الأجل وزيادة في العدد واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم وأجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام وأنا أوصيكم بمحمد خيراً فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب وهو جامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن وأيِّمِ الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خراباً وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم من أحظاهم عنده أصغت ودادها وأصغت له فؤادها وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماه ووالله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد
стр. 257
ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي ثم هلك.
ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه مر على طائفة بالمدينة أيام خلافته فإذا بجارية تبكي وتقول:
وهويته من قبل قطع تمائمي ... متناشياً مثل القضيب الناعم
فكأنّ نور البدر سنَّة وجهه ... يمشي ويصعد من ذؤابة هاشم
فقرع الباب فخرجت إليه فقال لها أحرة أنت أم أمة فقالت بل أمة يا صاحب رسول الله ﷺ فقال من هويت فبكرت وقالت بحق صاحب هذا القبر إلا انصرفت عني فقال لست بمنصرف من مكاني حتى تعلميني وتقول لي فقالت:
إن الذي عمل الفراق بقلبها ... فبكت بحبّ محمد بن القاسم
فسار أبو بكر ﵁ إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى علي ابن القاسم بن جعفر بن أبي طالب عفي عنه.
ومن مناقب الإمام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في فتح بيت المقدس إن المسلمين تكامل لهم فتوح الشام فأقاموا على دمشق شهراً فجمع أبو عبيدة أمراء المسلمين واستشارهم في المسير إلى قيسارية أو إلى بيت المقدس
стр. 258
فقال له معاذ بن جبل أيها الأمير أكتب لأمير المؤمنين عمر فحيث أمرك أمتثله قال له أصبت الرأي يا معاذ ثم كتب إلى أمير المؤمنين عمر يعلمه بذلك وأرسل الكتاب إلى عرفجة بن ناصح النخعي فسار حتى وصل المدينة فسلم الكتاب إلى عمر ﵁ فقرأه على المسلمين واستشارهم فقال عليّ رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين مر صاحبك ينزل بجيوش المسلمين إلى بيت المقدس فإذا فتح الله بيت المقدس صرف وجهه إلى قيسارية فإنها تفتح بعدها إن شاء الله تعالى كذا أخبرنا رسول الله ﷺ قال عمر صدق المصطفى ﷺ وصدقت يا أبا الحسن ثم دعا بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى عامله بالشام أبي عبيدة أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه وقد وصلني كتابك تستشيرني إلى أي ناحية تتوجه وقد أشار ابن عم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بيت المقدس فإن الله يفتحها على يدك والسلام فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة قرأه على المسلمين ففرحوا بالمسير إلى بيت المقدس وتقدمه الجيش إلى بيت المقدس وأقام المسلمون في القتال عشرة أيام وأهل بيت المقدس يظهرون الفرح لعدم
стр. 259
الخوف فلما كان يوم الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن يساره فضج الناس ضجة عظيمة بالتهليل والتكبير فوقع الرعب في أهل بيت المقدس فاجتمعوا بقمامة وهي البيعة المعظمة عندهم فلما وقفوا بين يدي البطرك قال لهم ما هذه الضجة التي أسمع قالوا يا أبانا قد قدم أمير المؤمنين ببقية المسلمين فلما سمع البطرك منهم ذلك انخطف لونه وتغير وجهه وقال أنا وجدنا في علمنا الذي ورثناه إن الذي يفتح الأرض هو الرجل الأحمر صاحب نبيهم محمد فإن كان قدم عليكم فلا سبيل إلى قتاله ولابد أن أشرف عليه وأنظر إلى صفته فإن كان هو أجبته إلى ما يريد وإن كان غيره فلا بأس عليكم ثم وثب قائما والقسس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه فصعدوا إلى السور إلى أن ورد أبو عبيدة ﵁ فناداهم رجل من الروم بإذن البطرك يا معاشر المسلمين كفوا على القتال حتى نسألكم فأمسك المسلمون عنهم فناداهم الرجل بلسان عربي أعلموا أن الرجل الذي يفتح بلدتنا هذه وجميع الأرض صفته عندنا فإن كانت في أميركم لم نقاتلكم بل نسلم إليكم وإن لم تكن هذه صفته فلا نسلم إليكم أبداً فأعلم المسلمون أبا عبيدة بذلك فخرج أبو عبيدة
стр. 260
إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البطرك وحقق صوته فقال ليس هو الرجل فأبشروا وقاتلوا عن دينكم وحريمكم وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في فصل الشتاء والبرج فأقاموا عليها أربعة أشهر في أشد قتال مع الصبر على المطر والثلج فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار في ذلك الفصل الصعب وما نزل بهم من المسلمين وقفوا بين يدي البطرك وقالوا له قد عظم الأمر ونريد منك أن تشرف على القوم وتسأل من الذي يريدون فإن كان أمراً صعباً فتحنا الأبواب وخرجنا إليهما فأما نقتل عن آخرنا أو نهزمهم عنا فأجابهم البطرك إلى ذلك وصعد السور والجتمع القسيسون والرهبان حوله ونادى منهم رجل بالعربي وقال يا معشر الفرسان عمدة دين النصرانية قد أقبل يخاطبكم فليدنُ منا أميركم فقام أبو عبيدة يمشي ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وترجمان فلما وقف بإزائهم قال ما الذي تريدون هذا أمير العرب فقال البطرك إنكم لو أقمتم علينا عشرين سنة لم تصلوا إلى فتح بلدتنا أبداً وإنما يفتحه رجل موصوف وليست الصفة معكم قال أبو عبيدة وما صفة من يفتح بلدكم قال البطر لا نخبركم بصفة ولكن قرآنا إن هذا البلد يفتحه صاحب لمحمد اسمه عمر بن الخطاب
стр. 261
ويعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولسنا نرى صفته فيكم فلما سمع أبو عبيدة كلام البطرك تبسم وقال فتحنا البلد ورب الكعبة ثم أقبل على البطرك وقال إن رأيت الرجل تعرفه قال نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندنا قال أبو عبيدة هو والله خليفتنا وصاحب نبينا ﷺ
قال البطرك فإذا كان الأمر على ما ذكرتم فأحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبينا نعته فتحنا له البلد وأعطيناه الجزية فانصرف أبو عبيدة وأمر الناس بالكف عن القتال وأعلمهم بالخبر فكبروا وكتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر ﵁ يعلمه بالخبر على يد ميسرة بن مسروق فلما وصل الكتاب إلى عمر ﵁ فرح وقرأه على المسلمين وقال ما ترون رحمكم الله فيما كتب إلينا أمين الأمة فكان أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فقال يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم علموا أنك بأمرهم مستخف فلا يثبتون إلا يسيراً فلما سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيراً وقال هل عند أحدهم منك رأي غير هذا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه نعم عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه إليك رحمك الله فقال له عمر وما هو أبا الحسن قال إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذل وهو على المسلمين فتح وقد أصابهم جهد عظيم
стр. 262
من البرد والقتال وطول المقام وإن سرت إليهم فتح الله على يديك هذه المدينة وكان لك في مسيرك الأجر العظيم ولست آمن منهم إنهم إذا آيسوا منك أن يأتيم المدد من طاغيتهم فيحصل للمسلمين بذلك الضرر والصواب أن تسير إليهم ففرح عمر بمشورة علي وقال لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وعلي أحسن النظر للمسلمين جزاهما الله خيراً ولست آخذ إلا بمشورة علي فما عرفناه إلا محمود المشورة ميمون الطلعة ثم إن عمر أمر الناس أن يأخذوا الأهبة للمسير معه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من المدينة وهو على بعير له أحمر عليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة وخلفه جفنة الزاد وسار إلى أن أقبل على بيت المقدس فالتقاه أبو عبيدة فلما رآه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره وترجلا ومد أبو عبيدة يده وصافح عمر وتعانقا وسلم كل منهما على صاحبه وأقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبوا جميعاً إلى أن نزلوا فصلى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم فلما فرغ من خطبته جلس وأبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم إلى أن حضرت صلاة الظهر أذن بلال في ذلك اليوم فلما قال الله أكبر خشعت جوارحهم واقشعرت أبدانهم فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله.
стр. 263
وأشهد أن محمداً رسول الله أبكى الناس بكاء شديداً عند ذكر رسوله وكاد بلال أن يقطع الأذان فلما فرغ الأذان صلى عمر وجلس ثم أمرهم بالركوب فلما همّ بالركوب من بعيره وعليه مرقعة الصوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من آدم قال المسلمون يا أمير المؤمنين لو ركبت غير بعيرك جواداً ولبست ثيابا لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب أعدائك وأقبلوا يسألونه ويتلطفون به إلى أن أجابهم إلى ذلك ونزع مرقعته ولبس ثياب بيضا قال الزبير أحسبها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشرة درهما وطرح على كتفيه منديلاً من الكتان دفعه إلى أبو عبيدة وقدذم له برذونا أشهب من براذين الروم فلما صار عمر فوقه جعل البرذون يهملج به فلما نظر عمر إلى ذلك نزل مسرعاً وقال أقيلوا عثرتي أقالكم الله عثراتكم يوم القيامة لقد كاد أميركم يهلك مما داخله من الكبر ثم إنه نزع البياض وعاد إلى لبس مرقعته وركوب بعيره فعلت ضجة المسلمين بالتهليل والتكبير فقال البطرك للروم أنظروا ما شأن العرب فأشرف رجل من المتنصرة فقال يا معشر العرب ما قضيتكم فقالوا أن عمر بن الخطاب قد قدم علينا من مدينة نبينا ﷺ فرجع المتنصر وأعلم البطرك فأطرق ولم يتكلم فلما كان من الغد صلى عمر
стр. 264
بالمسلمين صلاة الفجر ثم قال لأبي عبيدة تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد أتى فما تصنعون فيما قلتم فاعلم البطرك بذلك فخرج من قمامة وعليه المسوح ومن حوله الرهبان والقسس ثم علا السور وأشرف على أبي عبيدة وقال ما هذا أيها الشيخ قال أبو عبيدة هذا أمير المؤمنين من بينكم حتى نراه فرجع أبو عبيدة إلى عمر فأخبره بما قال البطرك فهم عمر بالقيام فقال له أصحاب رسول الله ﷺ يخشى عليك من الإنفراد بلا عدة فقال عمر قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ثم لبس مرقعته وركب بعيره وأبو عبيدة سائر بين يديه إلى أن أتى بإزاء البطرك قريباً من الحصن فقال أبو عبيدة هذا أمير
المؤمنين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله وخر ساجداً على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محراباً وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية. ين فمد البطرك عنقه ونظر إليه فزعق زعقة قال هذا والله الذي صفته ونعته في كتبنا ثم قال يا أهل بيت المقدس انزلوا إليه وخذوا منه الأمان والذمة فهذا والله صاحب محمد بن عبد الله فنزلوا مسرعين وكان أنفسهم قد ضاقت من شدة الحصار وفتحوا الباب وخرجوا إلى
стр. 265
عمر يسألونه العهد فلما رآهم عمر ﵁ في تلك الحالة تواضع لله وخر ساجداً على قتب بعيره ثم أقبل عليهم وقال ارجعوا إلى بلدكم ولكم العهد فرجع القوم إلى البلد ولم يغلقوا الباب ورجع عمر فلما كان من الغد وهو يوم الأثنين دخل إليها وأقام بها إلى يوم الجمعة وخطّ بها محراباً وهو موضع مسجد وتقدم وصلة بالمسلمين صلاة الجمعة وأقام في بيت المقدس عشرة أيام وبها أسلم كعب الأحبار على يده وارتحل معه إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ وذلك بعد أن كتب الإمام عمر لأهل بيت المقدس وأقرهم في بلدهم على عهدهم وأداء الجزية.
ومن شهي المجتنى من ثمرات الأوراق ما نقله أبو الحسن علي بن عبد المحسن التنوخي في المستجاد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما بات على فراش النبي ﷺ ليفديه أوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل ﵉ أني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى الله إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره الحياة أهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه فكان جبريل عند
стр. 266
رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاه مرضاة الله والله رؤوف بالعباد.
قال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵁ حجاجا ففاتتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقال أحدهم هل من شراب قالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة فقالت احلبوها فاشربوا لبنها ففعلوا فقالوا هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيىء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألّمي بنا فإنّا صانعون إليك خيرا فارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب وقال ويحك تذبحين شاتي لقوم لا أعرفهم ثم تقولين نفر من قريش ثم بعد مدة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا يلتقطان البعر ويعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي على باب داره فعرف العجوز وهي منكرة فبعث إليها غلامه
стр. 267
فدعا بها فقال لها يا أمة الله أتعرفينني قالت لا قال أنا ضيفك بالأمس يوم كذا وكذا قالت بابي أنت وأمي ثم اشترى لها من شاة الصدقة ألف شاة وأمر لها بألف دينار بعث بها مع غلامه إلى الحسين ﵄ فأمر لها بمثل ذلك وبعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر ﵁ فقال عنه فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما في العطاء أعطوها عطيتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف دينار وأربعة آلاف شاة.
ومما يضارع هذه اللطائف أنه جرى بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أخيه محمد بن الحنيفة ﵄ كلام فانصرفا متغاضبين فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رقعة وكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي ابن أبي طالب أما بعد فإن لك شرفا لا أبلغه وفضلا لا أدركه فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليَّ فترضيني وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام فلما قرأ الحسين ﵁ الرقعة لبس رداءه ونعليه ثم جاء إلى أخيه محمد فترضاه.
قال أبو الفرج الاصفهاني
стр. 268
حدثني أحمد بن محمد الجعدي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا محمد بن زكريا العلاثي قال حدثنا ابن عائشة قال حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة أخيه الوليد ومعه رؤساء أهل الشام فطاف وجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من الازدحام فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس فأقبل علي بن الحسين ﵄ وهو أحسن الناس وجها وأنظفهم ثوبا وأطيبهم رائحة فلما طاف بالبيت وبلغ الحجر تنحى الناس كلهم إجلالا له فاستلم الحجر وحده فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه فقال رجل من أهل الشام لهشام من هذا أصلح الله الأمير قال لا أعرفه وكان عارفا ولكن خاف من رغبة أهل الشام فقال الفرزدق وكان حاضرا أنا أعرفه يا شامي قال من هو قال:
هذا ابنُ من تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلِّهم ... هذا التقيُّ الطاهر العلم
إذا رأته قريشٌ قال قائلُهُمْ ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهلُهُ ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
يكاد يمسكه عرفان راحته ... رُكن الحطيم إذا ما جاء يستلم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأوليه هذا فأوله نِعمُ
من يعرف الله يعرف أولية ذا
стр. 269
.. فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره ... فالعرب تعرف من أنكرت والعجم
فحسبه هشام ثم أطلقه فوجه إليه علي بن الحسين عشرة آلاف درهم وقال أعذرنا يا أبا فراس فلوا كان معنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها الفرزدق وقال ما قلت ما كان إلا الله فقال له علي بن الحسين قد رأى الله مكانك ولكننا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه وأقسم عليه فقبلها.
ومن غالي جواهر العقد لابن عبد ربه قال يزيد حدثني أبي أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم من المدينة إلى الشام على حمار فتلقاه معاوية في موكب نبيل فأعرض عنه عمر فجعل يمشي إلى جنبه راجلاً فقال له عبد الرحمن بن عوف أتعبت الرجل فأقبل عليه وقال يا معاوية أنت صاحب الموكب مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك قال نعم يا أمير المؤمنين قال ولم ذلك قال لأنا في بلاد لا تمنع من الجواسيس ولا بد لهم ما يروعهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك أقمت عليه وإن نهيتني عنه انتهيت قال إن كان الذي قلت حقاً فإنه رأي أريب وإن كان باطلاً فإنها خدعة أديب فلا آمرك ولا أنهاك عنه.
ومن لطائف معاوية أنه كان لعبد الله بن الزبير أرض قريبة لأرض معاوية فيها عبيد له من الزنوج ويعمرونها فدخلوا
стр. 270
في أرض عبد الله فكتب إلى معاوية أما بعد فإنه يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من أرضي وإلا كان لي ولك شأن فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه إلى ابنه يزيد فلما قرأه قال له ما ترى قال أرى أن تنفذ إليه جيشاً أوله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه قال يا بني عندي خير من ذلك عليَّ بداوة وقرطاس وكتب، وقفت على كتابك يا ابن حواري رسول الله ﷺ وساءني والله ما ساءك والدنيا هينة عندي في جنب رضاك وقد كتبت على نفسي رقماً بالأرض والعبيد وأشهدت عليّ فيه ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية كتب إليه وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد فلما قرأه أسفر وجهه فقال يا بني إذا رميت بهذا الداء دواه بهذا الدواء.
نادرة لطيفة قال الأستاذ أبو علي لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فإنه استتر بالفقه وأما الشخام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم الثوري فقال له السياف أتدري لماذا تتقدم قال نعم قال فما
стр. 271
يعجلك قال أوثر أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف ونما الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليعرف أحوالهم فألقى القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب عن الكل ثم أخذ يقول إن لله عباداً إذا قاموا قاموا بالله وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد حتى بكى القاضي فأرسل إلى الخليفة إن كان هؤلاء زنادقة فما هو وجه الأرض مسلم فأكرمهم وأطلقهم.
ومن المروي عن أحمد بن أبي داود القاضي أنه قال ما رأيت رجلاً عرض على الموت فلم يكترث به إلا تميم بن جميل الخارجي كان قد خرج على المعتصم ورأيته قد جيء به أسيراً فأدخل عليه في يوم موكب وقد جلس المعتصم للناس مجلساً عاما ودعا بالسيف والنطع فلما مثل بين يديه نظر المعتصم فأعجبه شكله وقده ورآه يمشي إلى الموت غير مكترث به فأطال الفكرة فيه ثم استنطقه لينظر في عقله وبلاغته فقال يا تميم إن كان لك عذر فأت به فقال أما إذا أذن أمير المؤمنين جبر الله به صدع الدين ولمَّ به شعث المسلمين وأخمد شهاب الباطل وأنار سبل الحق فالذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسن وتصدع الأفئدة وأيِّمِ الله لقد عظمت الجريمة وانقطعت الحجة وساء الظن ولم يبق إلا العفو وهو الأليق بشيمتك الطاهرة ثم أنشد:
стр. 272
ارى الموت بين السيف والنطع كامناً ... يلاحظني من حيثُ لا أتلفَّتُ
وأكثر ظنيّ أنك اليوم قاتلي ... وأيُّ امرىءٍ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يأتي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مُصْلَت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أنّ الموت شيءٌ موقّت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادُهُم من حسرةٍ تتفتَّت
كأنيّ أراهم حين أُنعى إليهمُ ... وقد لطموا تلك الخدود وصوّتوا
وإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن متُّ موِّتوا
وكم قائلٍ لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرُّ ويشمت
قال فبكى المعتصم وقال ابن من البيان لسحراً ثم قال كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل وقد وهبتك لله ولصبيتك وأعطاه خمسين ألف درهم.
ومن لطائف المنقول من المستجاد أنه كان بين غسان بن عباد وبين علي بن عيسى القمر عداوة عظيمة وكان علي بن عيسى ضامنا أعمال الخراج والضياع ببلده فبقيت عليه بقية مبلغها أربعون ألف دينار فألح المأمون عليه بطلبها
стр. 273
إلى أن قال لعلي بن صالح الحاجب أمهله ثلاثة ايام فإن أحضر المال وإلا فأضربه بالسياط حتى يؤدي المال أو يتلف فإنصرف علي بن عيسى من دار المأمون آيسا من نفسه وهو لا يدري وجها يتجه إليه فقال له كاتبه لو عرجت على غسان بن عباد وعرفته خبرك لرجوت أن يعينك على أمرك فقال له على ما بيني وبينه من العداوة فقال نعم فإن الرجل أريحي كريم فدخل على غسان فقال إليه وتلقاه بالجيمل وأوفاه حقه بالخدمة ثم قال له الحال الذي بيني وبينك على حاله ولكن دخولك إلى داري له حرمة توجب بلوغ ما رجوته مني فأذكر أن كان لك حاجة فقص عليه القصة فقال أرجو أن يكفيكه الله تعلى ولم يزده على ذلك شيئاً فنهض علي بن عيسى وخرج آيسا نادما على قصد غسان وقال لكاتبه ما أفدتني بالدخول على غسان غير تعجيل الشماتة والهوان فلم يصل علي بن عيسى إلى داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه البغال عليها المال فتقدم وسلمه وبكر إلى دار أمير المؤمنين فوجد غسان قد سبقه إليها ودخل على المأمون وقال يا أمير المؤمنين أن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف أصل وقد لحقه من الخسران في ضمانه ما تعارفه الناس وقد توعدته بضرب السياط بما أطار عقله وأذهب لبَّه فإن رأى
стр. 274
أمير المؤمنين أن يجيزني على حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة يجددها على تحرّس ما تقدمها من إحسانه ولم يزل يتلطف إلى أن حط عنه النصف واقتصر على عشرين ألف دينار فقال غسان على أن يجدد عليه أمير المؤمنين الضمان ويشرفه بخلعة تقوّي نفسه وترهف عزمه ويعرف بها مكان الرضا عنه فأجابه المأمون إلى ذلك قال فيأذن أمير المؤمنين أم أحمل الداوة إلى حضرته ليوقع ما رآه من هذا الإنعام قال افعل فحمل الدواة إلى أمير المؤمنين فوقع ذلك وخرج علي بن عيسى بالخلعة والتوقيع بيده فلما حضر في داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأرسلها إلى غسان وشكره على جميل فعله معه فقال غسان لكاتبه والله ما شفعت عند أمير المؤمنين إلا لتوفر عليه وينتفع بها فأمض بها إليه فلما ردها كاتبه إلى علي بن عيسى علم قدر ما فعل غسان فلم يزل يخدمه إلى آخر العمر.
ومن غريب ما يقتطف من ثمرات الأوراق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ خلف أحد عشر ابنا فأصاب كل ابن نصف وربع دينار وقال لهم عند وفاته يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، وخلف هشام بن عبد الملك أحد عشر ابنا فأصاب كل واحد من البنين ألف دينار فأما أولاد
стр. 275
عمر بن عبد العزيز فما رؤي أحد منهم إلا وهو غني ومنهم واحد جهز من ماله مائة ألف فارس على مائة ألف فرس في سبيل الله تعالى وما رؤي أحد م أولاد هشام بن عبد الملك إلا وهو فقير ولقد شوهد أحدهم وهو يوقد في الأتون.
قيل لمعاوية ابن أبي سفيان إن بالحيرة رجلاً من بني جرهم قد عمّر ورأى أعاجيب فقال معاوية عليَّ به فلما حضر قال من الرجل قال عبيد بن شربة قال ثم ممن قال من قوم لم يبق منهم بقية قال فكم مضى من عمرك قال عشرين ومائتا سنة قال أخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك قال نعم يا أمير المؤمنين كنت في حي من أحياء العرب فمات عندهم ميت يقال له عشير بن لبيد العذري فمشيت في جنازته وتأسيت بجماعته فلما دفن في قبره وأعول النساء في أثره أدركتني عليه عبرة ولم أستطع ردها وتمثلت بأبيات كنت سمعتها قديما وعلق الآن على خاطري منها هذه الأبيات:
يا قلب إنك من أسماءُ مغرور ... فأذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ
قد بحت بالحبِّ ما تخفيه من أحدٍ ... حتى جرت لك اطلاقاً محاظير
فلست تدري ولا تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أمْ ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وارضيَنَّ به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير
стр. 276
وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذا هو الرّمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفُهُ ... وذو قرابته في الحيّ مسرور
وذاك أخر عهدٍ من أخيك إذا ... ما المرء ضمّنه اللحد الخناسير
فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي ينسكبان إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة يا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر قلت لا والله قال قائله هذا الميت الذي دفناه وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولا تعرفه ولا تعلم إنه قائل هذه الأبيات وذو قرابته الذي ذكرته مسرور هو ذاك وأشار إلى رجل في الجماعة فرأيته لا يستطيع كتمان ما هو عليه من المسرة فقال معاوية يا أخا جرهم سل ما شئت قال ما مضى من عمري ترده والأجل إذا حضر تدفعه قال ليس ذلك لي سل غيره قال يا أمير المؤمنين ليس إليك رد شبابي ولا الآخرة فتكرم مآبي والمآل فقد أخذت عنه في عنفواني ما كفاني قال لابد أن تسألني قال أما إذا شئت فأمر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخرة واتق الله وأعلم أنك مفارق ما أنت فيه وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية
стр. 277
بأشياء من حنطة وغيرها فردها وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثلها أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في ذلك ثم ودعه وانصرف.
وقيل وفد عبد الله بن جعفر ﵁ على أحد خلفاء بني أمية فقال له الخليفة كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه قال كان ﵀ يعطيني ألف ألف درهم قال زدناك لترحمك عليه ألف ألف درهم قال بأبي أنت وأمي قال وبهذه ألف ألف لا أقولها لأحد بعدك قال ولهذه ألف ألف قال منعني من الأطناب في وصفك الإشفاق عليك من جودك قال ولهذه ألف ألف فقيل: فرَّقتَ يا أمير المؤمنين بيت مال المسلمين على رجل واحد قال إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين ثم وكل به من يعلمه بخبره من حيث لا يشعر فلما قدم المدينة فرق جميع ما معه حتى احتاج بعد شهر إلى القرض.
ومن لطائف المنقول أن رجلاً قال لهشام القرطبي كم تعد قال من واحد إلى ألف ألف وأكثر قال لم أرد هذا كم تعد من السن قال اثنتين وثلاثين سنا ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل قال لم أرد هذا كم لك من السنين قال والله ليس لي منها شيء والسنون كلها لله قال يا هذا ما سنك قال عظم قال أبِنْ لي أبِنْ كم أنت قال اثنين رجل وامرأة قال كم أتى عليك قال لو أتى علي شيء قتلني قال كيف أقول قال تقول كم مضى من عمرك.
قيل عرض
стр. 278
محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل عرض محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخل قوم فيها غلام أسود يقوم عليها فأتى بثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا منه فرمى إليه بالأول وبالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت الكلب قال لان أرضنا ما هي بأرض كلاب وأخاله جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده قال فما كنت صانعاً اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر الأمر مبني على السخاء والله إن هذا لاسخى مني فاشترى النخل والعبد فأعتقه ووهب ذلك له.
ومن لطائف المنقول أنه رفع للرشيد موت العباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي المعروف بالنديم وعشيمة الخمارة في يوم واحد فخرج للصلاة عليهم فصفوا بين يديه فقال من الأول فقالوا إبراهيم الموصلي فقال أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم وصلى عليه فلما فرغ
стр. 279
وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي وقال يا أمير المؤمنين كيف آثرت العباس بالتقديم على من حضر فقال بقوله:
وسعى بها قومٌ وقالوا إنهّا ... لهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهّم ... إني ليعجبني المحبُّ الجاحد
ثم قال أتحفظهما قلت نعم قال أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقديم فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين.
قلت ويضارع هذا ما حكاه صاحب الأغاني حكي أن رجلا أدى شهادة عند بعض القضاة فقال القاضي هل يعرفك أحد من ذوي العدالة قال نعم فلان فلما حضر قال له القاضي هل تعرف هذا قال نعم أعرفه عدلا وما ذاك إلا أني سمعته ينشد لجرير:
إن الذين غدوا بلبِّك غادروا ... وشلاً بعينك لا يزال معينا
فغضضن من أبصارهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فعلمت أن هذا لا يرسخ إلا في قلب مؤمن.
وقال الشيخ أثير الدين أبو حبان ﵀ كانت رقائق الشيخ تقي الدين السوجي تسلب العقول وكان يغنّى بها في عصره لأنها في الطريق الغرامي غاية لا تدرك فمن ذلك قوله ﵀:
стр. 280
أنعم بوصلك لي فهذا رقتهُ ... يكفي من الهجران ما قد ذُقتهُ
أنفقت عمري في هواك وليتني ... أُعطي وصولاً بالذي أنفقته
يا من شُغِلت بحبِّه عن غيره ... وسلوت كلَّ الناس حين عشقته
كم جال في ميدان حسنك فارسٌ ... بالسبق فيك إلى رضاك سبقته
أنت الذي جمع المحاسن وجهه ... لكن عليه تصبُّري فرّقته
قال الوشاة قد ادّعى بك نسبةً ... فسررت لّما قلت قد صدَّقته
بالله إن سألوك عنّي قل لهم ... عبدي وملك يدي وما أعتقته
أو قيل مشتاقٌ إليك فقل لهم ... أدري بذا وأنا الذي شوَّقته
قلت لو كان الشيخ تقي الدين السورجي ﵀ في جملة من صلى عليه الرشيد لم يقدم غيره عليه، قال الشهاب محمود وكان الشيخ تقي الدين السروجي مع دينه وورعه وزهده وعفته مغرما بالجمال وكذلك قال الشيخ أثير الدين وكان يكره مكانا فيه امرأة ومن دعاه من أصحابه قال شرطي معروف وهو أن لا يحضر بالمجلس امرأة. قال الشهاب محمود وكنّا يوما في دعوة فأحضر صاحب الدعوة شواء وأمر بإدخاله إلى النساء ليجعلنه في الصحون فلما أحضر
стр. 281
بعد ذلك تقرّف منه وقال كيف وقد مسسنه بأيديهن.
قال الشيخ أثير الدين ولما توفي الشيخ تقي الدين بمصر رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وتسعين وستمائة حلف أبو محبوبة أن لا يدفنه إلا في قبر ابنه وقال كان الشيخ يهواه بالحياة وما أفرق بينهما بالممات هذا لما كان يعلمه من دينه وعفافه.
قلت والشيخ مدرك هو أبو هذه العذرة وثمرة هذه الشجرة فإنه ممن هام مع زهده وورعه بالجمال وعف وصبر إلى أن مات وكان الشيخ مدرك المذكور من أكابر علماء المغرب المتفقهين وكان مطبوعا في نظم الشعر الجيد الرقيق وكان يُقرىْ الأدب وله مجلس بمحلة دار الروم وكان لا يُقرىء إلا الأحداث ففتن بنصراني اسمه عمرو بن يوحنا كان من أحسن أهل زمانه وأسلمهم طبعا فهام الشيخ به وكتب رقعة وطرحها في حجره وهي:
بمجالس العلم التي ... بك تمَّ جمعُ جموعها
ألاَّ رثيت لمقلةٍ ... غرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمةٌ ... الله في تضييعها
فلما قرأها عمرو استحيا وعلم بها من في المجلس فانقطع عمرو واشتد بالشيخ الوجد فترك المجلس وتظم القصيدة المشهورة قيل أنها اشتملت على سائر عبادات النصارى ومواقيتهم وأسماء المعظمين في دينهم وعده صاحب مصارع العشاق
стр. 282
مع الذين ماتوا غراما.
وقال في كتابه الموسوم بمصارع العشاق أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي سنة ثلاثة وأربعين وأربعمائة قال حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى قال أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني قال القاضي أبو الفرج وقد رأيت عمراً وقد أبيض رأسه:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دان ... ناطق دمعٍ صامت اللسان
موثق قلبٍ مطلق الجثمان ... معذّبٍ بالصدّ والهجران
من غير ذنبٍ كسبت يداه ... لكن هوىً نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه ... كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقى ... من أدمع منهلّةٍ ما ترقى
ذاب إلى إن كاد يفنى عشقا ... وعن دقيق الفكر سقماً دقَّا
لم يبق منه غير طرفٍ يبكي ... بأدمعٍ مثل نظام السلك
تخمد نيران الهوى وتذكي ... منهلّة قطر السماء تحكي
إلى غزالٍ من بني النصارى ... فُضِّل بالحسن على العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحب له أسارى
ريمٌ به أي هزبرٍ لم يصد ... يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى تقل ها قالت الألحاظ قد ... كأنه ناسوته حين اتحد
يا ليتني كنت له زنارا ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذٍ إزارا
стр. 283
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... إلا سمعت القول من فصيح
يذبُّ عن قلبٍ له جريح ... ليس من الحب بمستريح
يا عمرو بالحقِّ مع اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنعوت ... عوٍّض بالنطق عن السكوت
بحقِّ ناسوتٍ ببطن مريم ... حلَّ محلَّ الريق منها بالفم
ثم استحال في القنوم الأقدم ... يكلم الناس ولما يفطم
بحق من بعد الممات قمِّصا ... يوماً على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياً مخلصاً ... يشفي ويبرىء أكمهاً وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور ... يعلم ما في البر والبحور
بحقِّ من في شامخ الصوامع ... من ساجدٍ لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجع ... خوفاً من الله بدمعٍ هامع
بحقّ قومٍ حلّقوا الرؤسا ... وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مشمعلين يعبدون عيسى
بحق مار مريم وبولس ... بحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربه ... مطهراً من كل سوء قلبه
ومستقيلاً فأقيل ذنبه ... ونال من مولاه ما أحبَّه
стр. 284
بحقِّ ما في قُلة الميرون ... من نافع الأدواء للمجنون
بحقِّ ما يؤثر عن شمعون ... من بركات النخل والزيتون
بحقِّ أعياد الصليب الزهر ... وعيد شمعون وعيد الفطر
وبالشعانين الجليل القدر ... وعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء بالهياكل ... والدخن اللاتي بكفِّ الحامل
يشفي بها من خبل كل خابل ... ومن دخيل السقم في المفاصل
بحقِّ سبعين من العبّاد ... هاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى أهتدى من لم يكن بهاد
بحقِّ ثنتي عشرة من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صُبْحُ الهدى جلا الظُّلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحق ما في محكم الإنجيل ... من منزل التحريم والتحليل
وخير كل نبأٍ جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
بحقّ مر عيد التقي الصالح ... بحق لوقا بالحكيم الراجح
والشهداء بالفلا الصحاصح ... من كلِّ غادٍ منهم ورائح
بحقِّ معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابس الأمساح ... من راهبٍ باكٍ ومن نوّاح
بحقّ تقريبك في الأعياد ... وشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السواد ... بطول تقطيعك للأكباد
стр. 285
بحقّ ما قدَّس شعيا فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطورٍ وما يرويه ... عن كلّ ناموسٍ له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلم ... وبعض أركان التّقى والحلم
لم ينطقا قطُّ بغير الفهم ... موتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطران ... والجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديراني ... والبطرق الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ... ومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول ... وبالمسيح المرتضى وما فعل
بحرمة الأسقوفيا والبيرم ... وما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... بحقّ كلّ بركةٍ ومحرم
بحقّ يوم الذبح في الأشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز لا الأوراق ... بالفصح يا مهذب الأخلاق
بكل قداسٍ على قداس ... قدسه القس مع الشمّاس
وقربوا يوم خميس الناس ... وقدموا الكاس لكلّ حاس
إلاّ رغبت في رضا أديب ... باعده الحبُّ عن الحبيب
فذاب من شوقٍ إلى المذيب ... أعلى مناه أيسر التقريب
أنظر أميري في صلاح أمري ... محتسباً في عظيم الأجر
مكتسباً منيّ جميل الشكر ... من نثر الفاظٍ ونظم شعر
قلت والشيء بالشيء يذكر الشيخ مدرك ألجأته الضرورة الغرامية أن يتجشم المشاق ويتقرب إلى محبوبه بأقسام لها عند أهل دين النصرانية محل عظيم الموقع كما ألجأت الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي
следующие страницы →