Полный текст (543 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بعد ذلك تقرّف منه وقال كيف وقد مسسنه بأيديهن.
قال الشيخ أثير الدين ولما توفي الشيخ تقي الدين بمصر رابع رمضان المعظم سنة ثلاث وتسعين وستمائة حلف أبو محبوبة أن لا يدفنه إلا في قبر ابنه وقال كان الشيخ يهواه بالحياة وما أفرق بينهما بالممات هذا لما كان يعلمه من دينه وعفافه.
قلت والشيخ مدرك هو أبو هذه العذرة وثمرة هذه الشجرة فإنه ممن هام مع زهده وورعه بالجمال وعف وصبر إلى أن مات وكان الشيخ مدرك المذكور من أكابر علماء المغرب المتفقهين وكان مطبوعا في نظم الشعر الجيد الرقيق وكان يُقرىْ الأدب وله مجلس بمحلة دار الروم وكان لا يُقرىء إلا الأحداث ففتن بنصراني اسمه عمرو بن يوحنا كان من أحسن أهل زمانه وأسلمهم طبعا فهام الشيخ به وكتب رقعة وطرحها في حجره وهي:
بمجالس العلم التي ... بك تمَّ جمعُ جموعها
ألاَّ رثيت لمقلةٍ ... غرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمةٌ ... الله في تضييعها
فلما قرأها عمرو استحيا وعلم بها من في المجلس فانقطع عمرو واشتد بالشيخ الوجد فترك المجلس وتظم القصيدة المشهورة قيل أنها اشتملت على سائر عبادات النصارى ومواقيتهم وأسماء المعظمين في دينهم وعده صاحب مصارع العشاق
стр. 282
مع الذين ماتوا غراما.
وقال في كتابه الموسوم بمصارع العشاق أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي سنة ثلاثة وأربعين وأربعمائة قال حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى قال أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني قال القاضي أبو الفرج وقد رأيت عمراً وقد أبيض رأسه:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دان ... ناطق دمعٍ صامت اللسان
موثق قلبٍ مطلق الجثمان ... معذّبٍ بالصدّ والهجران
من غير ذنبٍ كسبت يداه ... لكن هوىً نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه ... كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشقٍ ما يلقى ... من أدمع منهلّةٍ ما ترقى
ذاب إلى إن كاد يفنى عشقا ... وعن دقيق الفكر سقماً دقَّا
لم يبق منه غير طرفٍ يبكي ... بأدمعٍ مثل نظام السلك
تخمد نيران الهوى وتذكي ... منهلّة قطر السماء تحكي
إلى غزالٍ من بني النصارى ... فُضِّل بالحسن على العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحب له أسارى
ريمٌ به أي هزبرٍ لم يصد ... يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى تقل ها قالت الألحاظ قد ... كأنه ناسوته حين اتحد
يا ليتني كنت له زنارا ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذٍ إزارا
стр. 283
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... إلا سمعت القول من فصيح
يذبُّ عن قلبٍ له جريح ... ليس من الحب بمستريح
يا عمرو بالحقِّ مع اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنعوت ... عوٍّض بالنطق عن السكوت
بحقِّ ناسوتٍ ببطن مريم ... حلَّ محلَّ الريق منها بالفم
ثم استحال في القنوم الأقدم ... يكلم الناس ولما يفطم
بحق من بعد الممات قمِّصا ... يوماً على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياً مخلصاً ... يشفي ويبرىء أكمهاً وأبرصا
بحقّ محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور ... يعلم ما في البر والبحور
بحقِّ من في شامخ الصوامع ... من ساجدٍ لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجع ... خوفاً من الله بدمعٍ هامع
بحقّ قومٍ حلّقوا الرؤسا ... وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مشمعلين يعبدون عيسى
بحق مار مريم وبولس ... بحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
ونينوى إذ قام يدعو ربه ... مطهراً من كل سوء قلبه
ومستقيلاً فأقيل ذنبه ... ونال من مولاه ما أحبَّه
стр. 284
بحقِّ ما في قُلة الميرون ... من نافع الأدواء للمجنون
بحقِّ ما يؤثر عن شمعون ... من بركات النخل والزيتون
بحقِّ أعياد الصليب الزهر ... وعيد شمعون وعيد الفطر
وبالشعانين الجليل القدر ... وعيد مرماري الرفيع الذكر
وعيد شعياء بالهياكل ... والدخن اللاتي بكفِّ الحامل
يشفي بها من خبل كل خابل ... ومن دخيل السقم في المفاصل
بحقِّ سبعين من العبّاد ... هاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى أهتدى من لم يكن بهاد
بحقِّ ثنتي عشرة من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صُبْحُ الهدى جلا الظُّلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
بحق ما في محكم الإنجيل ... من منزل التحريم والتحليل
وخير كل نبأٍ جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
بحقّ مر عيد التقي الصالح ... بحق لوقا بالحكيم الراجح
والشهداء بالفلا الصحاصح ... من كلِّ غادٍ منهم ورائح
بحقِّ معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابس الأمساح ... من راهبٍ باكٍ ومن نوّاح
بحقّ تقريبك في الأعياد ... وشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السواد ... بطول تقطيعك للأكباد
стр. 285
بحقّ ما قدَّس شعيا فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحقّ نسطورٍ وما يرويه ... عن كلّ ناموسٍ له فقيه
شيخان كانا من شيوخ العلم ... وبعض أركان التّقى والحلم
لم ينطقا قطُّ بغير الفهم ... موتهما كان حياة الخصم
بحرمة الأسقف والمطران ... والجاثليق العالم الرباني
والقسّ والشماس والديراني ... والبطرق الأكبر والرهبان
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ... ومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول ... وبالمسيح المرتضى وما فعل
بحرمة الأسقوفيا والبيرم ... وما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... بحقّ كلّ بركةٍ ومحرم
بحقّ يوم الذبح في الأشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
والذهب الإبريز لا الأوراق ... بالفصح يا مهذب الأخلاق
بكل قداسٍ على قداس ... قدسه القس مع الشمّاس
وقربوا يوم خميس الناس ... وقدموا الكاس لكلّ حاس
إلاّ رغبت في رضا أديب ... باعده الحبُّ عن الحبيب
فذاب من شوقٍ إلى المذيب ... أعلى مناه أيسر التقريب
أنظر أميري في صلاح أمري ... محتسباً في عظيم الأجر
مكتسباً منيّ جميل الشكر ... من نثر الفاظٍ ونظم شعر
قلت والشيء بالشيء يذكر الشيخ مدرك ألجأته الضرورة الغرامية أن يتجشم المشاق ويتقرب إلى محبوبه بأقسام لها عند أهل دين النصرانية محل عظيم الموقع كما ألجأت الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي
стр. 286
الشاعر المشهور أن يترك التشيع وكان من كبار الشيعة ويرجح جانب السنة ويوهي أقوال الرافضة وموجب ذلك أن مهذب الدين المذكور هاجر إلى بغداد بسبب مدح الشريف الموسوي نقيب الأشراف بها وكان الشريف أيضاً من كبار الشيعة فلما دخل بغداد جهز إلى الشريف هدية مع مملوكه بل معشوقه تتر الذي سارت الركبان بغرامه فيه فأخذ الهدية وأعجبه المملوك فأخذه فلما وصل الخبر إلى مهذب الدين بن منير أشرف على ذهاب روحه وكتب إلى الشريف وإلى تتر:
عذبت طرفي بالسهر ... وأذبت قلبي بالفكر
وجفوت صفو مودتي ... من بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضنا ... وكحلت جفني بالسهر
وجفوت صبّاً ماله ... عن حسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك كم تخا ... دع بالغرور وكم تغرّ
وإلام تكلف بالأغنِّ ... من الظباء وبالأغر
ريمٌ يفوّق أن رما ... ك به بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركها ... من بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عن قسيَّ ... لا يناط بها وتر
جرحتك جرحا لا يخيّ ... ط بالخيوط ولا الإبر
تلهو وتلعب العقو ... ل عيون أبناء الخزر
فكأنهنّ صوالجٌ ... وكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتُسره ... وخفيُّ سرِّك قد ظهر
стр. 287
أفهل لوجدك من مدى ... يُقضى إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادنٍ ... أنا من هواه على خطر
رشأٌ تحاوله الخوا ... طر أن تثنّى أو خطر
عذل العذول وما رآ ... هـ فحين عاينه عذر
قمرٌ يزين ضوء ص ... بح جبينه ليل الشعر
تدمي اللواحظ خده ... فيُرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر
ويلاه ما أحلاه في ... قلبي الشقيّ وما أمر
يومي المحرم بعده ... وربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أُقسمُ والحجر
وبمن سعى فيه وطا ... ف ولبّى واعتمر
إن الشريف الموسوي ... ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يردَّ ... إليَّ ملوكي تتر
واليت آل أمية ال ... طهر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدرٍ ... وعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحا ... بة بين قومٍ واشتهر
قلت المقدم شيخ تيٍّم ... ثم صاحبه عمر
ما سلَّ قطُّ ظُباً على ... آل النبيٍّ ولا شهر
كلاّ ولا صدّ البتو ... ل عن التراب ولا زجر
وأثابها الحسنى وما ... شقّ الكتاب والا بقر
وبكيت عثمان الشهي ... د بكاء نسوان والحضر
وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر
стр. 288
وقرأت من أوراق مص ... حفة البراءة والزُّمر
ورثيت طلحة والزب ... ير بكل شعرِ مبتكر
وأزور قبرهما وأز ... جر من لحاني أو زجر
واقول أمُّ المؤمن ... ين عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل التص ... بح من بنيها على غرر
فأتى أبو حسنٍ وس ... لَّ حسامه وسطا وكرّ
وأذاق إخوته الردى ... وبعير أُمّهم عقر
ما ضرّه لو كان كفّ ... وعفّ عنهم إذ قدر
وأقول إنّ إمامكم ... ولّى بصفين وفرّ
هذا ولم يغدر معا ... وية فما أخطا القدر
هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمروٌ مكر
بطلٌ بسوأته يقا ... تل لا بصارمه الذكر
وجنيت من رطب النوا ... صب مما تتمّر واختمر
وأقول ذنب الخارج ... ين على عليِّ مغتفر
لا ثائرٌ لقتالهم ... في النهروان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤ ... ل إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراً ... فإنا البريء من الخطر
فعلاً وقال خلعت صا ... حبكم وأوجز واختصر
وأقول إنّ يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر
стр. 289
والشمر ما قتل الحسين ... ولا ابن سعدٍ ما غدر
وحلقت في عشر المح ... رم ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهاره ... وصيام أيامٍ أخر
ولبست فيه أجلّ ثو ... بٍ للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصا ... فح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطري ... ق أقصّ شارب من عبر
وأكلت جرجير البقو ... ل بلحم جوني الجفر
وجعلتها خير المآ ... كل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كلّها ... ومسحت خفّي في السفر
وأمين أجهر في الصلاة ... كمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسليم القبو ... ر لكلّ قبرٍ يحتفر
وإذا جرى ذكر الغدي ... ر أقول ما صحّ الخبر
وسكنت جلّق واقتدي ... ت بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهم ... بالفاشر يا قد فشر
مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر
بقرٌ ترى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقلٌ ... وصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهم ... خبئت وقدّت من حجر
ما يدرك التشبيب تغ ... ريد البلابل في السحر
وأقول ي يومٍ تحا ... ر له البصائر والبصر
والصحف ينشر طيُّها ... والنار ترمي بالشرر
стр. 290
هذا الشريف أطلّني ... بعد الهداية والنظر
مالي مضلٌّ في الورى ... إلاّ الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشري ... ف فمستقرُّكما سقر
لواحةٌ تسطو فما ... تبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسي ... ء إذا تنصل واعتذر
فاخشَ الإله بسوء فع ... لك واحتذر كل الحذر
واليكها بدويةٌ ... رقّت لرقتها الحضر
شاميةٌ لو شامها ... قسُّ الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أنني ... بحرٌ والفاظي دُرر
حبَّرتها فغدت كزه ... ر الروض باكره المطر
وغلى الشريف بعثتها ... قرأها وانبهر
رَدَّ الغلام وما استمرَّ ... على الجحود ولا أصر
وأثابنيوجزيتهشكراً وقال لقد صبر
ومن لطائف المنقول ما نقله الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر زين الدين أبو حفص عمر بن الوردي رحمه الله تعالى لما دخل دمشق المحروسة في أيام قاضي القضاة نجم الدين بن مصري الشافعي تغمده الله برحمته ورضوانه فأجلسه في صفة الشهود المعروفة بالشباك وكان الشيخ زين الدين يلبس زي أهل المعرفة فاستزاره الشهود فحضر كتاب مشترى فقال بعضهم أعطوا المعري يكتبه فقال الشيخ زين الدين
стр. 291
ترسمون أكتبه نظما أو نثرا فزاد استهزاؤهم فقالوا نظما فأخذ القرطاس وكتب:
آله الخلق هذا ما اشترى ... محمدُ بن يونس بن سنقرا
من مالك بن أحمد بن الأزرق ... كلاهما قد عرف من جلّق
فباعه قطعة أرضٍ واقعه ... بكورة الغوطة وهي جامعة
لشجرٍ مختلف الأجناس ... والأرض في البيع مع الغرّاس
وذرع هذي الأرض بالذراع ... عشرون في الطول بلا نزاع
وذرعها في العرض أيضاً عشره ... هي ذراعٌ باليد المعتبرة
وحدّها من قبلةٍ ملك التقي ... وحائز الروميّ حدّ المشرق
ومن شمالٍ ملك أولاد علي ... والغرب ملك عامل بن جهبل
وهذه تعرف من قديم ... بأنها قطعة بيت الرومي
بيعاً صحيحاً لازماً شرعيَّا ... ثم شراءً قاطعاً مرعيَّا
بثمن مبلغه من فضَّه ... وازنةٌ جيّدةٌ مبيضّه
جاريةٌ للناس في المعاملة ... ألفان منهما النصف ألفٌ كامله
قبضها البائع منه وافيه ... فعادت الذّمة منه خاليه
وسلّم الأرض إلى من اشترى ... فقبض القطعة منه وجرى
بينهما بالبدن التفرق ... طوعاً فما لأحدٍ تعلّق
ثم ضمان الدرك المشهور ... فيه على بائعه المذكور
وأشهدا عليهما بذاك في ... رابع عشر رمضان الأشرف
من عام سبعمائة وعشرة ... من بعد خمسٍ تلوها للهجرة
والحمد لله وصلى ربي ... على النبيَّ وآله والصحب
يشهد بالمضمون من هذا عمر ... ابن المظفر المعرِّي إذ حضر
فلما فرغ الشيخ
стр. 292
زين الدين وتأمل الجماعة سرعة بديهته مع استيعاب الشروط الشرعية اعترفوا بفضله واعتذروا إليه لما علموا أنه ابن الوردي وأجلسوه في الصدر ولكنهم عجزوا عن رسم الشهادة نظما وسألوه ذلك فكتب عن شخص منهم إلى جانبه يدعى ابن رسول:
قد حضر العقد لذاك أحمدُ ... ابنُ رسولٍ وبذاك يشهد
تحفة من فوائد كتاب الرشيد كتب إلى يحيى بن خالد، في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه جمع من الشكر والاستزادة بأبلغ عبارة وأوجز.
عمرو بن مسعدة كاتب المأمون كتب إليه كتابي هذا وأجناد أمير المؤمنين على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم فقال المأمون لأحمد بن يوسف لله در عمرو ما أبلغه ألا ترى إلى ادماجه المسئلة في الأخبار وإعفائه من الإكثار.
إبراهيم الصولي كاتب المعتصم والواثق والمتوكل كان يقول التصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل
стр. 293
منشئه وكان يقول الخبر ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته.
ومن بديع نثره ما كتبه عن أمير المؤمنين إلى بعض الخارجين يتهددهم ويتوعدهم أما بعد فإن لأمير المؤمنين أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. وهذا الكلام وجازته في غاية الإبداع وينشأ منه بيت شعر وهو:
أناةٌ فإن لم تغنِ عقّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه
وكان يقول ما اتكلت في مكاتيبي إلا على ما يتخيله خاطري ولا يجلس في صدري إلا قولي وصار ما يحرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم وقولي من أخرى فانزلوه من معقل إلى عقال وبدلوه آجالا من آمال فإني ألممته بقولي آجالا من آمال بقول مسلم بن الوليد الإنصاري المعروف بصريع الغواني:
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي وهجٍ ... كأنّه أجلٌ يسعى إلى أمل
وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام
فإن باشر الأضحى فبالبيض والقنا ... قِراه وأحواض المنايا مناهله
وإن تبن حيطاناً عليه فإنما ... أولئك عقّالاته لا معاقله
وإلاّ فأَعلمه ساخطٌ ... عليه فإنّ الخوف لا شك قاتله
ومن رقيق شعره حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالا:
صدّ عنّي وصدَّق الأقوال ... وأطاع الوشاة والعذّالا
стр. 294
أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب المتوكل واهتز وخلع عليه.
ومن رقيق شعره أيضا قوله:
دنت بأناسٍ عن تناءٍ زيارةٌ ... وشطّ بليلى عن دنوٍّ مزارها
وإنّ مقيماتٍ بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
الحسن بن وهب سئل عن مبيته فقال شربت البارحة على عقد الثريا ونطاق الجوزاء فلما تنبه الصبح نمت فلم استيقظ إلاّ بلبسي قميص الصبح.
بديع الزمان الهمذاني الحمد لله الذي بيّض القار وسماه الوقار وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد.
ومن إنشائه البديع قد يوحش اللفظ وكله ود ويكره الشيء وليس منه بد هذه العرب تقول لا أبا لك ولا يقصدون الذم وويل أمه لأمر إذا هم وسبيل ذوي الألباب في الدخول من هذا الباب أن ينظروا في القول إلى قائله فإن كان وليا فهو للولاء وإن خشن، وإن كان عدواً فهو للبلاء وإن حسن.
ومن إنشاء أبي القاسم علي بن الحسن المعروف بالمغربي وصلت الرقعة فاستجفيت النسيم بالإضافة إلى لطافتها واستثقلت عقود اللؤلؤ بالقياس إلى خفة موقعها.
ومن بديع إنشائه وغرقت في هواجس الفكر ووساوس الذكر حتى نسيتكم من شدة التذكر أو لقيتكم من حدّة التصور ولله تعالى أسأل
стр. 295
أن يسقط أنيننا في تشاكي ألم الفراق وإسناد القلم بمشافهة الفم للفم.
أبو الحسن بن بسام من إنشائه عارض إذا همع استوشلت البحار ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار وسابق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم وصارم لا يجلي غمده إلا بإفراد النجوم.
ضياء الدين ابن الأثير الجزري ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للدهر ورعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالوصل الذي لا يصرم.
وله في القلم فهو الملقب بالجواد المضمر وإذا أخذت السوابق في احضارها بلغ الغاية وما أحضر وله لون تحقق فيه القول النبوي لو جمعت الخيل في صعيد لسبقها الأشقر.
ومن إنشاء القاضي تاج الدين بن الأثير والمنجنيقات تفوَّق غليهم قسيّها وتخيّل لهم أنها ساعية بحبالها إليهم وعصيها وهي للحصون من آكد الخصوم وإذا أمَّت حصناً حُكم بأنه ليس بإمام معصوم ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممتري وإذا نزلت بساحة قوم صباح المنذرين تدعى إلى الوغى فتكلم وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم.
ولقد سهوت عن الصابىء وكان في هذا الفن أمة
стр. 296
وهو أبو اسحق إبراهيم بن هلال صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع كان كاتب الإنشاء ببغداد عند الخليفة وعند معز الدولة بن بويه وكان متشددا في دينه واجتهد معز الدولة أن يسلم فلم يفعل وكان يصوم شهر رمضان ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ واستعمله في رسائله والصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه.
قيل للصابىء أن الصاحب بن عباد قال ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويكتب عني وأغير عليه فقال الصابىء ويغير علي وإن أصبت.
ومن إنشائه ما كتب به إلى أبي الخير عن رقعة وصلت تتضمن أنه أهدى إليه جملا، وصلت رقعتك ففضضتها عن بلاغة يعجز عنها عبد الحميد في بلاغته وسبحان في خطابته وتصرف بين جد أمضى من القدر وهزل ارق من نسيم السحر إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت جملا جعلته لصفتك جملا وكان المعيدي أن تسمع لا أن تراه صغر عن الكبر وكبر عن القدم يعجب العاقل من حلول الحياة به ومن تأتِّي الحركة فيه لأنه عظم مجلد قد طال الكلأ فقده وبعد بالمرعى عهده لم ير القتّ إلاّ نائما
стр. 297
ولا عرف الشعير إلا حالما وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من محبتي للتوفير ورغبتي في التثمير فلم أجد فيه مستبقى لبقاء ولا مدفعا لعناء لأنه ليس بأنثى فتلد ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى ولا بسليم فيبقى فقلت اذبحه ليكون وظيفة للعيال وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال فأنشدني وقد أضرمت النار وحددت الشفار:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
ولست بذي لحم فاصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي ولا بذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي ولا بذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته ولم أعلم من أيّ أمر به أعجب أمن مطالبته الدهر بالبقاء أم من قدرتك عليه مع عدم مثله أم من هديتك غياه للصديق مع خساسة قدره ويا ليت شعري ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهديا إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب والسلام.
٠و - له من رسالة هو أخفض قدرا ومكانة وأظهر عجزا ومهانة من أن يستقل به قدم في
стр. 298
مطاولتنا أو تطمئن له ضلوع في منابذتنا وهو في نشوزه عنا وطلبنا إياه كالضالة المنشودة والظلامة المردودة وكان له عبد اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة فمن ذلك قوله فيه:
قد قال يمنٌ اسود للذي ... ببياضه استعلى علوّ الخائنِ
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أنّ منه فيَّ خالاً زانه ... ولو أنَّ منه فيَّ خالاً شانني
الصاحب بن عباد من بلاغته المخترعة إنه قيل له ما هو أحسن السجع، قال ما خف على السمع قيل مثل ماذا، قال مثل هذا. وسئل ابن العميد عن بغداد فقال بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.
وله جواب كتاب وصل كتاب مولاي فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح وواسطته أنفس من واسطة العقد وخاتمته أشرف من خاتم الملك. ومن شعره يرثي كثير بن أحمد الوزير:
يقولون قد أودى كثير بنُ أحمدٍ ... وذلك رزءٌ في الأنام جليلُ
فقلت دعوني والعلا نبكه معاً ... فمثل كثيرٍ في الرجال قليل
القاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم علم المتقدمين والمتأخرين وزير السلطان صلاح الدين بن أيوب
стр. 299
الملقب بالملك الناصر تمكن منه غاية التمكين وبرز في صناعة الإنشاء على المتقدمين قال ابن خلكان في تاريخه أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.
وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضا أن العماد الكاتب قال في الخريدة هو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع وكانت ولادته خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة بمدينة عسقلان وولي ابوه القضاء ببيسان فلهذا نسبوه إليها.
وقال الفقيه عمارة اليمني في كتاب النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية في ترجمة العادل بن الصالح بن رزيك ومن ايامه الحسنة التي لا توازى بل هي اليد البيضاء التي لا تجازى خروج أمره إلى والي الاسكندرية بإحضار القاضي الفاضل إلى الباب واستخدامه بحضرته في الديوان فإنه عروس الدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النماء اصلها ثابت وفرعها في السماء.
وتوفي الفاضل في ليلة الأربعاء سابع ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمائة ودفن في تربة بسفح المقطم في القرافة الصغرى.
قال ابن خلكان كان القاضي الفاضل من محاسن الدنيا وهيهات أن يخلف الزمان مثله.
فمن إنشائه المرقص المطرب قوله
стр. 300
وقد كان يقال أن الذهب الابريز لا تدخل عليه آفة وإن يد الدهر البخيلة به كافة وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة نفائس الأموال كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أداهم وقلدتم أيامه صوارم ووهبتم شموسه وأقماره دنانير ودراهم وأيام هذه البشارة بالزيادة الوافرة، وينشق من طيبها نشراً فقد حملت له من دولتكم أعراس ومآتم فيها لا على الأموال مآثم والجود في إيديكم خاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم.
ومن إنشائه في كاحل كأنه غاسل يدخل إلى إنسان العين بحنوط من كحله الملعون لعلة المنون، ويدرجه في كفن من الخرقة السوداء التي يلبسها سواد العيون، ينقل العين إلى بياض الثغور ويسلبها سواد اللما وما برحت عصيه مردودة ولديها عصا العما، قد انتهى إلى فوق ما يضرب به المثل، إذ قيل يسرق الكحل من العين فهذا يسرق العين من الكحل، وهو لص من أكابر اللصوص وسموا كحالين وهم صاغة لما يركبون فوق العين من الفصوص قد أودع كحله حزن يعقوب فمن كحل منه أبيضّت عيناه وجحد معجزة القميص اليوسفي، فلو مروا به على ناظر انقرحت جفناه وهو من الذين إذا رفعوا أميالهم فإنما هي لشمس العيون مزولة، وإذا أولج أحدهم الميل في المكحلة فهو أولى بالرجم ممن أولج الميل في المكحلة، ومن إنشائه سقى الله
стр. 301
ثراه والجو يتنفس عن صدر مسجور كصدر المهجور، والحر وصاليه في هذا النحو جار ومجرور، والمهامه قد نشرت فيها ماء السراب، وزخرفيها بحر ماء ولد لغير رشدة على غير فراش السحاب، وحر الرمل قد منع حث الرمل، ونحن في أكثر من جموع صفين إلا أننا نخاف وقعة الجمل، ووردنا ماء هذه العيون وهو كالمحابر، يغترف منه المجرم مثل عمله ويرسله سهما فلا يخطىء نقرة مقتله، وهو مع هذا قليل كأنه مما جادت به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق فيا لك من ماء لا تتميز أوصافه من التراب ولا يرتفع به فرض التيُّمم كما لا يرتفع بالسراب، ولا يعد ما وصف به أهل الجحيم في قوله تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب، فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعللون عليلا لا يرد الجواب، بل يندبون ميتا قد حال بينه وبينهم التراب، يجهز للدفن ونعشه المراد ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد. وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع. على أنه لو كان دمعا لما بلّ الأجفان، ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان.
ومن إنشائه إلى أن يرد كتب العسكر وأعلامها من مدات ألفاته، ورؤوس العدا قطعات همزته.
ومنه فبنت سنابك الخيل سماء من العجاج نجومها الأسنة وطارت إليهم
стр. 302
عقبان الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنة، وتصوبت عيون السمر إلى قلوبهم كأنما تطلب سوادها، وقصدت أنهار السيوف صدورهم لتروي أكبادها.
ومنه وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب، ولا أنها سميت خرسا إلا قبل أن ينفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب، ولا أنها اضطجعت إلا ليبعثها ما ينفخ فيها من روحه من مرقدها، ولا سودت رؤوسها إلا لأنها أعلام عباسية وتناولتها الحضرة بيدها، لا جرم أنها تحامي الحمى وتسفك دما وتحقن دما وتتشيح بها يده عنانا وترسلها، فتعلم الفرسان أن في الكتاب لفرسانا، وتقوم الخطباء بما كتبت تعلم الألسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانا.
قلت ومن مخترعاته قوله وأن ادعى سحر البيان أنه يقضي أيسر حقوقه، ويثمر ما يجب من شكر فروعه وعروقه، كنت أفضح باطل سحره وأذيقه وبال أمره، وأصب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام، وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسنة عن الكلام.
ومن إنشائه في وفاء النيل المبارك عن الملك الناصر صلاح الدين نور الله ضريحه نعم الله من أضوئها بزوغا، وأضفاها سبوغا، وأصفاها ينبوعا، وأسناها منفوعا
стр. 303
وأمدها بحر مواهب وأضمنها حسن عواقب النعمة بالنيل المصري الذي يبسط الآمال ويقبضها مدّه وجزره ويربى النبات حجره ويحيي مطلقه الحيوان ويحيي ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان وينشر مطوي حريرها وينشر مواتها ويوضح معنى قوله وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وكان وفاء النيل المبارك تاريخ كذا فاسفر وجه الأرض وإن كانت تنقب، وأمن يوم بشراه من كان خائفا يترقب، ورأينا الإبانة عن لطائف الله التي حققت الظنون ووفت بالرزق المضمون أن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقد أعلمناك لتوفي حقه من الإذاعة وتبعده من الإضاعة، وتتعرف على ما يصرفك في الطاعة، وتشهر ما أورده البشير بأبانته وتمده بإيصال رسمه مهناً على عادته.
ورسم لي في الأيام المؤيدية وأنا منشىء الديوان الشريف المؤيدي سنة تسع عشرة وثمانمائة أن انشىء رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها ممّن تقدمني من المنشئين بالديار المصرية حتى أن المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي سقى الله ثراه قرأ على المسامع الشريفة هذه الرسالة المسطرة ورسالة من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة وكان
стр. 304
غرضه في ذلك إختبار الألفاظ والمعاني من الرسالتين فأنشأت بعد المستعان بالله. ونبدي لعلمه الكريم ظهور آية النيل الذي عاملنا فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وخلق أصابعه ليزول الإبهام فأعلن المسلمون بالشهادة؛ كسر جسره فأمسى كل قلب بهذا الكسر مجبورا؛ وأتبعناه بنوروز وما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مكسورا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع عليه، وقبل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت أعطاف غصونها إليه، وشبب خريره في الصعيد بالقصب؛ ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا أنه صبغ بقوة لما جاء وعليه ذلك الاحمرار، وأطال الله عمر زيادته فتردد في الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي مكة إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحضن مشتهى الروضة في صدره وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم:
وأرشَفَنَا على ظمأٍ زلالاً ... ألذّ من المدامة للنديم
وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنات النخيل والعناب، فالق النوى والحب فأرضع جنين النبت وأحيا له أمهات العصف والأب، وصافحته كفوف
стр. 305
الموز فختمها بخواتمه العقيقية، ولبس الورد تشريفه وقال أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهر بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به مخدرات الأشجار فارخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوى، واستوفى النبات ما كان له في ذمة الريِّ من الديون ومازح الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكر والليمون، وانجذبت إليه الكباد وامتد ولكن قوي قوسه لما حظي منه بسهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج وترفّع إلى أن لبس بعده التاج وفتح منشور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراح فتناول مقالم الشنبر وعلم بأقلامها ورسم لمحبوس كل سد بالإفراج وسرّح بطائق السفن فخفقت أجنحتها بمخلق بشائره وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره وحظي بالمعشوق وبلغ من كل منية مناه فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه بعد ما تفقه واتقن باب المياه ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الجسر وزاد بسرعته فاستحلى المصريون زائده على الفور ونزل في بركة الحبش فدخل التكرور في طاعته وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فاقر الله عينه وصار
стр. 306
أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله فما شعر إلا وقد ركب عليه، ونزل في ساحله وأمست واوات دوائه على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة، ومال شبق النخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبل سالفه، وأمست سود الجواري كالحسنات في حمرة وجناته، وكلما زاد الله في حسناته، فلا فقير سد إلا حصل له من فيض نعماه فتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به ودبت فيه الروح، ولكنه احمرت عينه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس عندي قبالة كل عين أصبع، فنشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذلك الخرير زمجره ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم المؤيدي وكسره، وقد أثر ذا المقر بهذه البشرى التي عم فضلها برا وبحرا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالا وصدرا، ليأخذ حظه من طيبات ذلك النسيم أنفاسا عاطرة، والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة بسمعة الكريم ليصير بها في كل وقت مشنَّفا، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا.
стр. 307
قلت تقدم قولي أن الشيء بالشيء يذكر وقد ذكرت بوصف النيل المبارك هنا رسالتي البحرية التي كتبت بها إلى علامة عصرنا الشيخ بدر الدين الدماميني فسح الله في أجله من القاهرة المحروسة إلى ثغر الاسكندرية المحروسة عند دخولي إليها من ثغر طرابلس الشام وقد عضّت عليَّ أنياب الحرب بثغرها شائبا من أهوال برها وبحرها وذلك في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانمائة.
وهي يقبل الأرض التي سقي دوحها بنزول الغيث فأثمر الفواكه البدرية، وطلع بدر كمالها من المغرب فسلمنا لمعجزاتها المحمدية، وجرى لسان البلاغة في ثغرها فسما على العقد بنظمه المستجاد، وأنشد وقد ابتسم عن محاسنه التي لم يخلق مثلها في البلاد:
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام
فأكرم به مورد فضل ما برح منهله العذب كثير الزحام، ومدينة علم تشرفت بالجناب المحمدي فعلى ساكنها السلام، ومجلس حكم ما ثبت للباطل به حجة، وعرفات أدب إن وقفت بها وقفة كنت على الحقيقة ابن حجة، وافق معال بالغ في سمو بدره فلم يقنع بدون النجوم، وعيدان عرشه تجول به فرسان الفصاحة من بين مخزوم، وتالله ما لفرسان الشقراء
стр. 308
والأباق في هذا الميدان مجال، وإذا اعترفوا بما حصل للفارس المخزومي عندهم من الفتح كفى الله المؤمنين القتال، وينهى بعد أدعية ما برح المملوك منتصباً لرفعها، وثغر ثلاثية ما لسجع المطوق في الأوراق النباتية حلاوة سجعها، واشواق برحت بالمملوك ولكن تمسك في مصر بالآثار.
وابرح ما يكون الدهر يوماً ... إذا دنت الديار من الديار
وصول المملوك إلى مصر محتمياً بكنانتها، وهو بسهام البيت مصاب مذعور لما شاهده من المصارع عند مقابلة الفرسان في منازل الأحباب مكلماً، من ثغر طرابلس الشام بأسنة الرماح محمولاً على جناح غراب، وقد حكم عليه البين أن لا يبرح من سفره على جناح،
وكان في البين ما كفاني ... فكيف بالبين والغراب
يا مولانا لقد قرعت من هذا الثغر بأصابع السهام، وقلع منه ضرس الأمن ولم يبق له بعد ما شعر به البيت نظام، وكثرت الحرب في ثناياه عن أنياب، وأقتلعنا منه مع أنهم لم يتركوا لنا فيه ثنية ولا ناب، وأمست شهب الرماح قافية على آثارنا والسابق السابق منا الجواد، ولزمت الروى من دمائنا لئلا يظهر لقافيتها عند نظم الحرب سناد، وفسد انسجام تلك الأبيات
стр. 309
المنظومة على ذلك البحر المديد، وبدلت جنتها بنار الحرب التي كم تقول لها هل امتلأت وتقول هل من مزيد، ونفذ حكم القضاء وكم جرح خصم السيف في ذلك اليوم شهوداً، واتصل الحكم بقضاء القضاة فلم يسلم منهم إلا من كان مسعوداً، ووقع غالبنا في القبض من عروض حربهم الطويل، وتبدلت محاسن طرابلس الشام بالوحشة فلم نفارقها على وجه جميل، وتالله لم يدخلها المملوك في هذه الواقعة إلا مكرها لا بطل، وكم قلت لسارية العزم لما كشف لي عن مضيق سهلها يا سارية الجبل، ولم يطلق المملوك عروس حماته إلا جبرا أظهروا به كسره، والعلوم الكريمة محيطة كيف يكون طلاق المكره. يا مولانا:
بوادي حماة الشام من أيمن الشطّ ... وحقِّك تطوي شقة الهمّ بالبسط
بلادٌ إلى ما ذُقت كوثر مائها ... أهيم كأنِّي قد ثملت بإسفنط
ومن يجتهد في أنّ بالأرض بقعةً ... تشاكلها قل أنت مجتهدٌ مخطي
وصوب حديثي ماؤها وهواؤها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي
بمعصمها إن دار ملوي سوارها ... فما الشام بالخلخال أو مصر بالقرط
تنظم بالشطين درُّ ثمراها ... عقوداً لها العاصي رأيناه كالسمط
стр. 310
وترخي علينا للغصون ذوائباً ... يسرِّحها كفّ النسيم بلا مشط
ومذ مدَّ ذاك النهر ساقاً مدملجاً ... وراح بنقش النبت يمشي على بسط
لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دوراً على ساقط البسط
سقى سفحها إن قلّ دمعي سحابةٌ ... مطنّبةٌ بالدمع منهلّة النقط
ويا أسطرَ النبت التي قد تسلسلت ... بصفحتها لا زلت واضحة الخط
ولا زال ذاك الخط بالطلِّ معجماً ... ومن شكل أنواع الأزاهر في ضبط
لويت عناني في حماها عن اللوى ... وهمت بها لا بالمحصّب والسقط
ولذّ عناق الفقر لي بفنائها ... وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط
منازل أحبابي ومنبت شعبتي ... وأوطان أوطاري بها ورضا سخطي
نعمت بها دهراً ولكن سُلبته ... برغمي وهذا الدهر يسلب ما يعطي
وقد جاء شرط البيت أني أغيب عن ... حماها لقد أوفى فؤاديَ بالشرط
وحطّ عليَّ الدهر عمداً وشالني ... إلى غيرها صبراً على الشيل والحطّ
وسبحة جمع الشمل كان لنا بها ... منظّمةٌ لكنْ قضى الدهر بالفرط
أُمثِّلُ شوقاً شكلها في ضمائري
стр. 311
.. فتُتْبِعُ عيني ذلك الشكل بالنقط
وقد سار يمشي الهمُّ نحوي بسرعةٍ ... فيا ليته لو كان في مشيه يبطي
وأصبح نظمي راجعاً بي إلى ورا ... كأنِّيَ في الديوان أكتب بالقبطي
يا مولانا وأبثك ما لقيت من أهوال هذا البحر وأحدث عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك في أعاريضه في زحافٍ تقطّع منه القلب لما دخل إلى دوائر اللجّ، وشاهدت منه سلطاناً جائراً يأخذ كل سفينة غصباً، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبي، فتحققت أن رأى من رجاء يسمى في الفلك جالساً غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد أتخذ بالبحر سبيلاً، وكم قلت من شدة الظمأ يا ترى قبل الحفرة هي أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة.
وهل أباكر بحر النيل منشرحاً، ... وأشرب الحلو من أكواب ملاح
بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقامع فنصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء استرقت موالينا وهي جارية، وغشيهم منها ما غشيهم فهل أتاك حديث الغاشية، واقعها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاص، وانشق قلبها لفقد رجالها
стр. 312
وجرى ما جرى على ذلك القلب وفاض، وتوشحت بالسواد في هذا الماء ثم سارت على البحر وهي مثل، كم سمع للمغاربة على ذلك التوشيح زجل، برح ما بين ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، وتتشامخ كالجبال وهي خشب مسندة من تبطنها عدَّ من المتصبرين في تابوت، تأتي بالطباق ولكن بالقلوب لأن صغيرها كبير وبياضها سواد، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد، إن نقر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، ورقص على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، نتشامم وهي كما قيل أنف في السماء وإست في الماء، وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين، وتتصابى إذا هبت للصبا وهي بنت أربعمائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال، هذا وكم ضعف نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاديفها في مقلة البحر احتلاج، وكم أسبلت على وجنته طرة قلعها فبالغ الريح في تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها، تتعاضم فتهزل
стр. 313
إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعد، ولقد رأيناها بعد ذلك قد تبت وهي حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد، وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصفا وإخوان الوفا، وتنصّل من ذلك العدو الأزرق ذي الباطن الكدر، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه بين عين الحياة والخصر، وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين وقضي الأمر، وقيل بعداً للقوم الظالمين.
وبعد فإن المملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة فقد علم الله أنها صدرت من فكر تركه البيت مشتتاً، وأعضاء مع كثرة بردها قد خرجت من البحر عارية في فصل الشتاء، وليستر عوراتها بستائر الحلم وينظر إليها من الرحمة بعين، وليكن ضربها بسيف النقد صفحا فقد كفى ما جرحت بسيوف البين، وتالله لم يسلك المملوك هذه الجادة إلا ليجد له سبيلا إلى نهارة من عذب تلك الموارد، ويعود على الضعيف الذي قطعت صلاته من صفاء هذا المشرب عائد، ويصير العبد مسعوداً إذا عدَّ للأبواب العالية من جملة الخدام، ويحصل لكبده الحرّاء من ذلك النسيم الغربي برد وسلام، والله تعالى يمنُّ بقرب المثول بين يديه، ليحصل للملوك بعد التخلص
стр. 314
من البين حسن الختام.
القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك وإن الشوق بحر وقلبه والله لغريقٌ بأمواجه وجمرَّ صدره المظلم بسراجه.
ومن انشائه فالإسلام من طلقائه، والكفر مجاهد ولكن باتقائه، وسيوفه تحسن في الأجسام البسط وفي الأرواح القبض، ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض.
ومن انشائه وكيف لا يحمد المملوك تلك الأشواق وهي تقربه من المولى بالتخيل إذا أبعدته الأيام، وتمثل المقام الكريم فيقابله كل ساعة بالسجود ويشافهه بالسلام، ويرفع ناظره فلولا نظره إليه لكانت عينه مطرقة، وستور أهدابه مسبلة، وأبواب جفونه مغلقة، ولولا اشتغالها بمطالعة طلعته لا لتهب من دموعها بمياه محرقة، فهو منها في نار وجنَّه، مغلول بغلّه مطوّق بمنّه.
ومن انشائه ولقد أنساه فراق مولاه حروف المعجم فما يعرف منها حرفاً أو عاقب خاطره الذي كفر بالبلاد فاسقط عليه من سمائها كسفا، شوق ما خطر مثله على قلب بشر، ودمع ما مر على بصر إلا ومر كلمح بالبصر، ولسان لا ينفك من الدعاء على يوم الفراق ومن دعا على ظالمه فقد انتصر.
القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر خليفة القاضي الفاضل. انشائه قوله
стр. 315
نعلمه بفتوحات استطعم الإيمان حلاوتها من أطراف المران، واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرسان، وذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في خلق البلاد الشامية غصة لم تسغ بمياه السيوف المجردة، وشجى في صدرها لم تقوّمه أدوية العزائم المفردة.
ومن انشائه بابطال الحشيش بعد الخمر نعلمه أن المنكرات أمرنا أن تملأ الصحائف باجرها وتفرغ الصحاف، وأن لا يخلوا بيت من بيوتها من كسر أو زحاف، وقد بلغنا الآن أنها اختصرت، وإن كلمة الشيطان بالتعريض عنها ما قصرت، وأن أم الخبائث ما عقمت، وإن الجماعة التي كانت ترضع ثدي الكاس عن ثديها ما فطمت، وإنها في النشوة ما خيب إبليس مسقاها، وإنها لما أخرج المنع عنها ماء الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها، وأنها استراحت من الخمار، واستغنت بما تشتريه بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار، وإن ذلك فشا في كثير من الناس وعرف في عيونهم ما يعرف من الإحمرار، في الكأس، وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرى، وإذا مشوا يقدمون لفساد عقولهم رجلاً ويؤخرون أخرى، ونحن نأمر بأن تجتث أصولها وتقتلع،
стр. 316
ويؤدب مستعملها في المحافل والمجامع، حتى تنتبه العيون من هذا الوسن، وحتى لا تشتهي بعدها خضراء ولا خضراء الدمن.
ومن انشائه عن لسان الشريف إلى الفرنج وقد أخذت شواتي السلطان وفرق بين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال تصيدت بغراب، فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة، فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وقد قال الملك فقلنا وعلم الله أن قولنا من الصحيح، وأتكل واتكلنا وأين من اتكل على الله ممن اتكل على الريح.
ومن انشاء الصدر عز الدين بن سينا في بشارة بكسر عساكر الفرنج عن الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة اثنتين وأربعين وستمائة فلا روضة إلا درع، ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نقع، ولا وبل إلا سهام، ولا مدامة إلا دم، ولا نغم إلا صليل، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل، حتى أنبت كافور الرمال شقيقا، واستحال بلور الحصباء عقيقا، وأزدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقاً وضرب النقع في السماء طريقا:
وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
قلت ذكرت بهذا التلاعب المطرب من انشاء الصدر عز الدين
стр. 317
تلاعب القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في شفاعة ما نسج على منوالها وهي أدام الله نعمة مولانا ولا زال عَلَمُ علمه مرفوعاً أبداً، وبناء مجده منصوبا بخفض العدا، ولا برحت أقلامه لأفعاله الشك جازمة، ولأعدائه متعدية، ولآرائه لازمة.
وأما بعد فإن فلانا حضر وادعى أنه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل في الأسماء، واستثنى من غير موجب فخفض والخفض من أدوات الاستثناء، وذكر أن العامل الذيدخل عليه منعه من الصرف ولزمه لزوم البناء، واجتمع معه في الشرط وافرده بالجزاء، والمأثور من مكارم مولانا نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرّي من العوامل على الابتداء، ففيه من التمييز والظرف ما يوجب العطف، ومن المعرفة والعدل ما يمنعه من الصرف، ولا زال مولانا بابا للعطف والصلة، ومآثر مكارمه متصلة لا منفصلة.
قلت قد انتهت الغاية هنا إلى التحلي بالقطر النباتي وقد عنّ لي أن أورد هنا حظيرة الأنس إلى حضرة القدس فإنها من بديع إنشائه وهي في رحلته ألى القدس الشريف مع الصاحب أمين الدين.
وهي الحمد لله حافظ سر الملك بأمينه، وحامي حماه بمن قسم الشكر والأجر بين دنياه ودينه، ومن إذا رفعت راية مجده تلقاها وعرّابة براعته بيمينه وإذا امتدت إليه أجياد الممالك حلاها
стр. 318
من عقد التدبير بثمينه، وإذا نوى في السيادة فعلا أمضى العزم السني قبل دخول سينه، وإذا حمل بنانه القلم روينا عن ابن بحر كتاب بيانه في الفضل وتبيينه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أيد بالروح الأمين، وعضد بوزراء آله وصحبه الغر الميامين، وسلم عليه وعليهم سلاماً باقيا إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الله سبحانه وتالى لما يريد من صلاح عباده، وانتظام هذا العالم الأرضي في سلك سداده، وتمام أمر هذا السواد الأعظم بمدبرة تماما بخط الطرس بسواده، جعل لكل دولة قائمة وزيراً قائماً بتدبيرها، مفرغاً غص القلم بتثميرها، مفنذا أمر سلطانها، ومبلغاً أحكام عدلها وإحسانها، يبني ممالكها على الأسل من أقلامه، ويحوط أطرافها إحاطة الزهر بكمامه، ويتحفها بأوصاف وزيرية يعقد عليها العدل خنصره ويتضح بها وجه الاستحقاق من إبهامه.
وكان صاحب هذه الولة التي خضعت لها الدول وفاضل أمرها الدليل وراسخ دوحها الذي ما مال مع الهوى، وقديم صحائفها الذي تلا تسديده ما ضل صاحبكم وما غوى، وضابط أمورها الذي طال ما استشرفت إليه إسماع وأبصار، وانتصرت به تقديم هجرته فلا غرو أن صار من المهاجرين بها والأنصار، المقر الأشرف الصاحبي والوزيري الأميني
стр. 319
أعلى الله تعالى أبداً شأنه ورفع فوق الفرقدين مكانه، وزان بأقلامه أقاليم مصر فهذه سهام وهذه كنانه، ممن استدعته رواة المحافل، وتردد في المناصب العلية تردد الأقمار في المنازل، وجمع الأوصاف الوزيرية جمع أبي جاد للحروف، وتنبه قلبه ونامت ملء أجفانها السيوف، وعرف بالسيادة والزهد فعلى كلا الحالين هو السري وقدره معروف، وكنت أود لو نقلت الشهادة بصفاته عن الخبر إلى المعاينة، وجمعت بملازمة مقره الشريف الظاهر الوصف باطنه، ورويت الأخبار عن لسنه، وجنيت الورد من غصنه، بل التبر من معدنه هذا وأشغاله بتدبير الدول شاغله، وأيام البعد عند فراغه بيني وبين القصد حائله.
فلما عزم بدمشق المحروسة سنة خمس وثلاثين على زيارة القدس الشريف اطلع رأيه الشريف على ما في خاطري، وأمرني بالمسير في ظل ركابه فسر على الحقيقة سائري، وكاشف ولاينطر التكشف لمن كثرت زواياه في البلاد، ونظر لحالي ولا ينكر النظر في الأحوال لسيد الوزراء والزهاد، وكان له في استصحابي مقصد تقبل الله عمله الصالح ومتجره الرابح، ذلك أني كنت لابساً ثياب الحزن على ولدي، مقيما بين المقابر إقامة تفتت حبة قلبي على قطعة كبدي، ساقياً روض الحزن بغمائم الجفون، باكياً على دينار
стр. 320
وجه عاجلته الأيام بصرف المنون، أطلب قلبي في التراب وأنشده وأطارح صوت الصدا فينشدني وأنشده:
يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا ... شوقي إليه ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحمام لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي
وقال أيضا:
آهاً لعقدٍ قد وهى سلكُهُ ... وكان ذا درٍّ بعبد الرحيم
فليتني لاقيت عنه الرّدى ... وعاد ذاك الدرّ درًّا يتيم
فاقتضى تدقيق النظر الصاحبي في اسداء العوارق، وابداء عواطف الفضل وفضل العواطف، أن ينزع عني بصحبة ركابه الكريم لباس الباس، ويشغلني بمشافهة الأنس القابل ألا هكذا فليصنع الناس، وينهضني الناس وينهضني بالإنعام من حوادث الزمن، ويقرب مثل قربانا لا يفطن لمثله إلا منَّ ومن، فيا لها سفرة قابلها وجه الأقبال بالسفور، وتلا فضلها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، ومد فيها الأنعام علي ظلاّ ظليلا، وملأ بيتي وعيني دقيقاً وجليلاً، وأمرني أن أصف له المنازل والطرق وصفا كقصده الجميل جميلا، فسرنا وأيدي السعد قد ذللت الطرق بل طوتها، وقدمت وعود الآمال بل أنجزتها، والأرض قد شرعت في لباس
следующие страницы →