← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويؤدب مستعملها في المحافل والمجامع، حتى تنتبه العيون من هذا الوسن، وحتى لا تشتهي بعدها خضراء ولا خضراء الدمن. ومن انشائه عن لسان الشريف إلى الفرنج وقد أخذت شواتي السلطان وفرق بين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب، وبين من إذا افتخر قال تصيدت بغراب، فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة، فكم أخذنا لكم قرية معمورة، وقد قال الملك فقلنا وعلم الله أن قولنا من الصحيح، وأتكل واتكلنا وأين من اتكل على الله ممن اتكل على الريح. ومن انشاء الصدر عز الدين بن سينا في بشارة بكسر عساكر الفرنج عن الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة اثنتين وأربعين وستمائة فلا روضة إلا درع، ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نقع، ولا وبل إلا سهام، ولا مدامة إلا دم، ولا نغم إلا صليل، ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل، حتى أنبت كافور الرمال شقيقا، واستحال بلور الحصباء عقيقا، وأزدحمت الجنائب في الفضاء فجعلته مضيقاً وضرب النقع في السماء طريقا: وضاقت الأرض حتى كادها ربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا قلت ذكرت بهذا التلاعب المطرب من انشاء الصدر عز الدين

стр. 317

تلاعب القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في شفاعة ما نسج على منوالها وهي أدام الله نعمة مولانا ولا زال عَلَمُ علمه مرفوعاً أبداً، وبناء مجده منصوبا بخفض العدا، ولا برحت أقلامه لأفعاله الشك جازمة، ولأعدائه متعدية، ولآرائه لازمة. وأما بعد فإن فلانا حضر وادعى أنه رخم في غير النداء، وجزم والجزم لا يدخل في الأسماء، واستثنى من غير موجب فخفض والخفض من أدوات الاستثناء، وذكر أن العامل الذيدخل عليه منعه من الصرف ولزمه لزوم البناء، واجتمع معه في الشرط وافرده بالجزاء، والمأثور من مكارم مولانا نصب محله على المدح لا على الإغراء، ورفع اسمه المعرّي من العوامل على الابتداء، ففيه من التمييز والظرف ما يوجب العطف، ومن المعرفة والعدل ما يمنعه من الصرف، ولا زال مولانا بابا للعطف والصلة، ومآثر مكارمه متصلة لا منفصلة. قلت قد انتهت الغاية هنا إلى التحلي بالقطر النباتي وقد عنّ لي أن أورد هنا حظيرة الأنس إلى حضرة القدس فإنها من بديع إنشائه وهي في رحلته ألى القدس الشريف مع الصاحب أمين الدين. وهي الحمد لله حافظ سر الملك بأمينه، وحامي حماه بمن قسم الشكر والأجر بين دنياه ودينه، ومن إذا رفعت راية مجده تلقاها وعرّابة براعته بيمينه وإذا امتدت إليه أجياد الممالك حلاها

стр. 318

من عقد التدبير بثمينه، وإذا نوى في السيادة فعلا أمضى العزم السني قبل دخول سينه، وإذا حمل بنانه القلم روينا عن ابن بحر كتاب بيانه في الفضل وتبيينه، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أيد بالروح الأمين، وعضد بوزراء آله وصحبه الغر الميامين، وسلم عليه وعليهم سلاماً باقيا إلى يوم الدين. أما بعد فإن الله سبحانه وتالى لما يريد من صلاح عباده، وانتظام هذا العالم الأرضي في سلك سداده، وتمام أمر هذا السواد الأعظم بمدبرة تماما بخط الطرس بسواده، جعل لكل دولة قائمة وزيراً قائماً بتدبيرها، مفرغاً غص القلم بتثميرها، مفنذا أمر سلطانها، ومبلغاً أحكام عدلها وإحسانها، يبني ممالكها على الأسل من أقلامه، ويحوط أطرافها إحاطة الزهر بكمامه، ويتحفها بأوصاف وزيرية يعقد عليها العدل خنصره ويتضح بها وجه الاستحقاق من إبهامه. وكان صاحب هذه الولة التي خضعت لها الدول وفاضل أمرها الدليل وراسخ دوحها الذي ما مال مع الهوى، وقديم صحائفها الذي تلا تسديده ما ضل صاحبكم وما غوى، وضابط أمورها الذي طال ما استشرفت إليه إسماع وأبصار، وانتصرت به تقديم هجرته فلا غرو أن صار من المهاجرين بها والأنصار، المقر الأشرف الصاحبي والوزيري الأميني

стр. 319

أعلى الله تعالى أبداً شأنه ورفع فوق الفرقدين مكانه، وزان بأقلامه أقاليم مصر فهذه سهام وهذه كنانه، ممن استدعته رواة المحافل، وتردد في المناصب العلية تردد الأقمار في المنازل، وجمع الأوصاف الوزيرية جمع أبي جاد للحروف، وتنبه قلبه ونامت ملء أجفانها السيوف، وعرف بالسيادة والزهد فعلى كلا الحالين هو السري وقدره معروف، وكنت أود لو نقلت الشهادة بصفاته عن الخبر إلى المعاينة، وجمعت بملازمة مقره الشريف الظاهر الوصف باطنه، ورويت الأخبار عن لسنه، وجنيت الورد من غصنه، بل التبر من معدنه هذا وأشغاله بتدبير الدول شاغله، وأيام البعد عند فراغه بيني وبين القصد حائله. فلما عزم بدمشق المحروسة سنة خمس وثلاثين على زيارة القدس الشريف اطلع رأيه الشريف على ما في خاطري، وأمرني بالمسير في ظل ركابه فسر على الحقيقة سائري، وكاشف ولاينطر التكشف لمن كثرت زواياه في البلاد، ونظر لحالي ولا ينكر النظر في الأحوال لسيد الوزراء والزهاد، وكان له في استصحابي مقصد تقبل الله عمله الصالح ومتجره الرابح، ذلك أني كنت لابساً ثياب الحزن على ولدي، مقيما بين المقابر إقامة تفتت حبة قلبي على قطعة كبدي، ساقياً روض الحزن بغمائم الجفون، باكياً على دينار

стр. 320

وجه عاجلته الأيام بصرف المنون، أطلب قلبي في التراب وأنشده وأطارح صوت الصدا فينشدني وأنشده: يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا ... شوقي إليه ويا شجوي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحمام لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي وقال أيضا: آهاً لعقدٍ قد وهى سلكُهُ ... وكان ذا درٍّ بعبد الرحيم فليتني لاقيت عنه الرّدى ... وعاد ذاك الدرّ درًّا يتيم فاقتضى تدقيق النظر الصاحبي في اسداء العوارق، وابداء عواطف الفضل وفضل العواطف، أن ينزع عني بصحبة ركابه الكريم لباس الباس، ويشغلني بمشافهة الأنس القابل ألا هكذا فليصنع الناس، وينهضني الناس وينهضني بالإنعام من حوادث الزمن، ويقرب مثل قربانا لا يفطن لمثله إلا منَّ ومن، فيا لها سفرة قابلها وجه الأقبال بالسفور، وتلا فضلها الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، ومد فيها الأنعام علي ظلاّ ظليلا، وملأ بيتي وعيني دقيقاً وجليلاً، وأمرني أن أصف له المنازل والطرق وصفا كقصده الجميل جميلا، فسرنا وأيدي السعد قد ذللت الطرق بل طوتها، وقدمت وعود الآمال بل أنجزتها، والأرض قد شرعت في لباس

стр. 321

حليها وحللها، ومراعي الربيع قد وعدت حتى الشمس لتسمين حملها، والشتاء قد آن أن يقوض الخيام، والأفق قد شمر للأنصراف ذيل الغمام، ومبدأ الروض أحق بقول أبي الطيب المتنبي: لقد حَسُنت بك الأيام حتَّى ... كأنّك في فمِ الدهر إبتسامُ فأتينا الكسوة فلبسنا منها للمسرة ثياباً سابغة الذيول، وطفنا منها بكعبة الفضل طوافاً واضح الإقبال والقبول، وقلنا للمقاصد تباشري بالخطوة، ولعيون الإقبال تأملي فما أحسن الكعبة في الكسوة، ومررنا والخيل تجمز جمزاً، وجزنا بالصنمين فهمت أن تفخر بمواطىء خيلنا على اللات والعزى، وصعدنا منزلة رأس الماء فكاد الطرب يهزه هزا، ورأينا بينها وبين منزلة المغير روضنا قد أخضرَّ جنابها، وطرزت بآثار طرف ثيابها، فأمت بالقول فقلت: سقى الله أرضاً طرقها مثل طرزها ... وسائرها بردٌ من الوشي أخضر تذكرت أحبابي بمثوى بريدها ... فعيني رأس الماء وجسمي المغيرّ ووافينا الحصين وقد راغت الخيل روغان أبيه، وتلقتنا بالبشر والبشرى وجوه أهليه، وسألونا أن نريح عندهم الركاب من الأين، وعجلوا بالضيافة على الفتوح ولا ينكر تعجيل الفتوح للحصين، ووجدنا هناك فقيراً مغربياً حسن التلاوة، وقد عجز عن المسير،

стр. 322

وأرتد طرف قصده عن القدس خاسئاً وهو حسير، فأمرت له الصدقات الصاحبية بمركوب ونفقة تعينه على السفر والإقامة ولحقه في ذلك فقير عجمي ينشد لسان حاله: بي مثل ما بك يا حمامة فلم أر مثلها صدقات تجود من الزاد والراحلة بالغيث والبرق، ولا مثله متصدقاً يجلس لحظة واحدة فيركض نداه في الغرب والشرق، وعجنا بعجلون فحشر الناس لدينا ضحى، وجاء أهل المدينة يستبشرون فرحاً، وارتفعت الأصوات بالأدعية الوافية، وأردنا أن نكتم دخلونا البلد وكيف تكتمنا وهي ذات عين صافية، ثم نزلنا بالخيام في مرجتها الخضراء تحت قلعتها الغراء وهي في معارج السحب صاعدة شائدة، في الجو كأنها في السحر على عمود الصبح قاعدة، مضيئة بين عقود الأنجم كأنها درتها اليتيمة، جالسة على سرير الخيل تنادم الفرقدين كأنها جذيمة، فنظر في المصالح، وميز بالعدل بين الصالح والطالح، وعجل من عجلون المسير فلم ينظر بالغادي الذي هو رائح، وأشرفنا على بركات القصد المنجية واقتحمنا إلى الفور عقبة سهلها السعد فلا تقل ما أدراك ما العقبة واستفتحنا المزارات التي نوينا قصدها وطوينا غورها ونجدها، بمشهد صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو أبو عبيدة بن الجراح

стр. 323

رضي الله تعالى عنه فترامينا إليه بالعزم الفاخر، وزار أمين هذه الأمة الأول أمينها الآخر، وأجرى أمر مشهده على سنن الصلاح، ونظر في مرتبه بعين العدل وأعانه بيد السماح، وجعل والي الناحية عبيدة وما جعل لشاهده المعروف بالجراح، وسلكنا جانب الغور الممطور فاعجبنا ريّا ورواء، وكنا نظن الماء فيه غوراً فوجدنا الغور ماء، وخضنا في حديثه وخاضت الخيل، وتركنا عقباته كالمغلقة ولمنا إلى السهل كل الميل، وتلقينا كل ذي قصد ببشر والصباح ولم نقل أهلك والليل، وما زلنا كذلك لا نمر بواد إلا أنّت مع الإبتهال بطول العمر ماله وأرامله، ولا بناد إلا قامت للدعاء رجاله وأطفاله وحلائله، ولا بولاية إلا ارتج غدرها، ولا ببلدة إلا زها على التي بين السماكين بدرها، ولا ماش إلا حمله المعروف، ولا عابر سبيل إلا آنسه من النعماء صنوف، ولا جائز إلا شملته جائزة، ولا منقطع بمفازة، إلا وعقباه فائزة، ولا ظبية من ظبيات مشق إلا والمكارم تؤاليها وتواليها، وتوجدها في القفار كما توجدها أولياء الله فيها، إلى أن قدمنا القدس الشريف نحن والغمام، وسبقنا إليه طرة الصبح تحت أذيال الظلام، وخفّ بنا جناح الشوق والسوق حين دنت الخيام من الخيام، وألقينا بباب حرمه عصي

стр. 324

السفر، وألقت هناك رحالها ركائب المطر، وزرنا باب الرحمة من الأرض، وزارنا باب الرحمة من السماء، وصرنا من الصالحين عند زيارة الأقصى فمشينا على الماء وحمدنا الأوطان والأقطار، واستمرت السحب حتى عادت كحجر موسى تتفجر منها الأنهار، وأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبح فيها بالغدو والآصال سكانها، وكان معنا شخص يلقب بالخلد سكن بيتا حسنا، وغمّض عينه على لارفاق تغميضاً بيَّنا. فقال مولانا الصاحب ما تقول في بيته فقلت ما أقول في جنة الخلد وشكا قوم عشرة هذا الرجل فكتبت على ورقتهم أصبروا على ما يفعلون، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون، ثم دخل الناس على الأبواب الصاحبية افواجاً، وما ترك أحد منهم منهاجاً ذا ناحية إلا منهاجاً ومكثنا في البيوت إلى أن صحا الأفق من غمامه، وحسر عن وجهه للأبصار فضل ثلامه، وقمنا لبقية المشاهد قاصدين، ولتلك المباني المعظمة شاهدين ومشاهدين، فعاودنا الصخرة بقلوب قد لانت، ونثرنا على مواطىء القدم دموعاً عزت بلمسها ولا نقول هانت، ونظرنا آثار قديمة تذهل عيون النظارة، وآثاراً متجددة في هذه الدولة القاهرة تقصر عنها العبارة، ومحاسن يقف

стр. 325

في طريق الزيارة متأملها، ووقفة في الطريق نصف الزيارة فمنها ما هو مخصوص بالحرم الشريف نستلم كالحجاج أركانه، ونقلب وجوهنا في سماء سقف يكاد يمطر علينا لجينه وعقيانه ونشاهد رخاماً بلغ في الحسن والمحل الأقصى في الأقصى، وتمت به في بهجه المكان زيادة تخالف قول النجاة: إنَّ في الترخيم نقصا، فأما المياه التي تجري في الحرم على رأسها، وتطوف على مواضع المنافع بنفسها، فتلك نعمة مقيمة يكافىء الله عنها في دار المقامة، وحسنة في المعنى والصورة جارية إلى يوم القيامة، ومن المباني المذكورة ما هو خصيص بمولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وأبقاه سيفا يقف كل ذي قدر عند حده فلا يجاوز مقداره، من مدرسة علم يدرس ولا يدرس معهده، ودار حديث يروي فيروي الأسماع الطامئة مورده، وخانقه تضيء عليها أنوار البركات الكوامل ورباط ومكتب هما كما قيل: ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل وقلت فيها: بنيت رباطاً للنساء ومكتباً ... يدير على الأيتام سحب الفواضل فللَّهِ من هذا وذاك كما ترى ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فجنينا من تلك المحاسن بساتين دانية القطوف؛ ولحظنا من الظلال السيفية جنة نشأت

стр. 326

وكذلك الجنة نحت ظلال السيوف؛ وشرعت صدقات السر والجهر؛ وقوبل السؤال ببحر لا يسمع عنده نهر؛ وغص بفقرائهم المكان والطريق؛ وجاءوا رجالا ونساء وعلى كل ضامر من العصي يأتين من كل فج عميق؛ فوضع في مواضع النوال؛ وقدرت الكساوي حتى على المستورين والأطفال؛ هذا وكم ثياب صوف أعرض أشراقها عن مقال اللاحين؛ واتخذ الفقراء والأغنياء من أصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين؛ وجاءت الدراهم بعد التفاصيل بالجمل؛ وقال جودها لحاتم هذي التي لا ناقة فيها ولا جمل. ومما قلت في ذلك: لله حال امرىءٍ مقترٍ ... قضيت في القدس بتنفيسه ودرهمٍ ولّى ولكنّه ... قد أخذ الأجر على كيسه ثم تليت الختمات التي شرف الله تعالى ذكرها، ومواعيد التفاسير والرقائق التي أجرت الأوقات الصاحبية أجرها، وشرع في بناء الرواق على سطح الزاوية الصاحبية بباب الحرم الشريف، وأخذ راقم الرخام في التوشيع والتفويف فيا لها ألواحا كتب فيها من الحسن كل شيء، واطرد ماء رونقها فكأن العين منها في ماء وفّيءٍ، ويا له رواقا شاق وصفه وراق، ورفع محله فقال لسان المتصوف حبذا رفاعي الرواق،

стр. 327

ثم رتب للشيخ والفقراء ما يحتاجون إليه من كل نوع فريد، واصبح كل أحد وهو للنزول عند ذلك الشيخ مُريد، ورزنا في اليوم السابع من الإقامة وقد قدمنا نقصد الخليل صلوات الله عليه بالنية الجلية، وطربنا لتلك المنازل وكيف لا نطرب لها وهي الخليلية، وزرنا قبر يونس ﵇ في طريقنا ورفعنا لأنواره الجفون، وتملّى عند الزيارة ذو العين بذي النون، ثم نزلنا من محل الخليل على محل القوي، وحمدنا عند صباح ذلك الوجه السّري، واستقبلنا بمقام إبراهيم أمانا، واستلمنا من ضريح شائد الركن ومن ضرائح أهله أركانا، وأكلنا من شهي عدسه لونا ووجدنا من الهناء ألوانا، وقلنا لأنفاس الشوق كوني بردا وسلاما على إبراهيم، ووردنا مورد اللقاء تشفي ظمأ إبراهيم، وفرقت الهبات، وتليت الختمات، وجردت المواعيد على عوائدها المحكمات، فقلت: قصدنا خليل الله في ظلِّ صاحبٍ ... جليِّ العلى والمكرمات جليل فهذا لدنيانا وهذا لديننا ... فيا حبذا من صاحبٍ وخليل وسرنا في ظل الصاحب من الخليل وكادت دمشق تمد أيدي إعطائها لمجاذبة ركابه، ومصر تتضرع بأصابع نيلها طعماً في اقترابه، وترضع ثدي هرمها داعية إلى الله بعوده إليها وغيابه، وهمّ شباك

стр. 328

الوزارة أن يتلقى صاحب فتحه، وصدر الخزائن أن يعانق ما اعتاده من رأى عطفه منحه، فإنه ما جلس فيه أبهر وأبهى من الطلعة الامينية بإجماع الآملين والمتأملين، والخزائن التي كم قال لها تدبيره إني حفيظ عليم فقال الملك: إنك لدينامكين أمين، ثم عطفتنا الأقدار إلى جهة الرملة وجاءت الوفود كالرمل، وخفت أكياس دراهم الصلات الحمل، وأقمنا ثلاثة أيام نكاد ننشد: خرجنا على أنّ المقام ثلاثةٌ ... فطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا ورأينا مسجداً يعرف بالركيني قد غير الزمان محاسنه الأنيقة، وهدم الخراب والموت ركنيه على الحقيقة، فأمرنا مولانا الصاحب بعمارة ما منه اندثر، ولحظت لآراء حجارته المنقضة فتبين أن السعادة تلحظ الحجر، ولقد صنع في هذه المنزلة من المعروف مالا صنع ذوو الدهر الطويل مثله، وبنى من المكرمات ما ثبت ولولا إبداع سعادته ما ثبت البناء فوق الرملة، ورحلنا عن الرملة بنيّة الزيارة لمشهد زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام، فمررنا في طريقنا بجملة خير معترضة وبينة وفي وجهة القبول مبيضّة تحتوي على قبر بنيامين أخي يوسف عليهما السلام

стр. 329

فألحقناهُ بالزيارة بأخيه، وتوكلنا على الله في القبول توكَّل أبيه، وتيممنا ببنيامين، وقرعنا أبواب السماء بأدعية فاتحة فقال النجيح عقيب الفاتحة آمين، وسرنا والصدور منشرحة، والطريق إلى خير الدارين متضحة وجئنا المشهد وقد ظهرت عليه بضريحين كريمين بهجة الدين والدنيا، وتلا مزارها للقادم إنا نبشرك بيحيى، وبتنا ليلة طيبة نحييها ونميت النوم، ونعصي بالسهر أمره فما له سلطان على أعين القوم، وأصبحنا وقد امتلأت القلوب سرورا، والأعين نورا، وقوينا على قصد جنى الجنان، واستقبلنا محاسن بيسان، وختمنا الزيارة بمشهد معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه فأنقذت أنواره القلوب من الهم أي إنقاذ، وكدنا نفتن بالأنس حتى نقول أفتان أنت يا معاذ، وأمسكنا عنده من الدعاء بعروة لا تنفصم، وآوينا من طوفان الذنوب إلى جبل ينجح من به يعتصم، وأمر بما يحتاج إليه من تجديد عمارة وإنشاء طهارة، والحق بكل مزار وردنا عليه في هذه السّيارة، فإنا لا نفارقه إلا عن إقامة صلاة وصِلات، وتجديد آثار يزين به وجه القبول كاتب الحسنات، ثم نهضنا على الفور نهوض ليثه الملبد وجزنا مبتسمين فما بكينا بكاء لبيد يوم فراقه أربد، وانتشقنا من تلقاء طيبه الاسم أطيب العرف، وسلكنا بحرف واديها مستبشرين فكانت طيبة

стр. 330

الاسم والفعل والحرف، ثم عاودنا المنازل التي قدمنا ذكرها، ورجعنا كما تسترجع منازل الأفق زهرها، وتنسمنا أرواح دمشق حتى كدنا ننشق من ذيل الكسوة عطرها، واستقبلنا الديار على هذا السعي الجليل، وفاصلنا السفر على كل وجه للفضل جميل، وقطعنا بالكسوة ليلاً طائلاً نداؤه: كل ليلٍ للعاشقين طويل، وفي تلك الليلة كان دخولنا إلى دمشق المحروسة كدخلونا إلى القدس الشريف سائرين سرى النجوم في الليل، سابقين لغرة الصباح بغرر الخيل، موفرين لخواطر الملتقين وهيهات وقد سال منهم السيل، نازلين من دمشق جنة قد تبسمت لقدومنا عن ثغور الأزهار، وأجرت أمام ركابنا الأنهار، ولبست من وشيء البديع حللا لها من أوائل ما انعقد من الثمار أزرار، فائزين من الثناء والثواب بفوق الأرادة، داعين لمن فضله لنا جامع مترقبين لرتبته باب الزيارة، وتمتهذه السفرة على أحسن ما يكون، واشتملت من وجوه المحاسن على عيون، قضيت المهمات بها بالنهار وقضيت في الليل المذاكرة، والتقطت من الفوائد الوزارية ما كنت أرتقب جواهره وأزهاره، وأردت أن أذكرها في هذه الخطبة لأنها جواهر، وأضمنها بعض العلم في هذه الأوراق فإنها أزاهر، فكثرت على هذا اللفظ المسجوع، واقتضى

стр. 331

الحال أن أجمعها في سفر يقال فيه تلك رحلة وهذا تاريخ ومجموع، وقد علم الله أن هذه النبذة من القول وردت من قريحة مسها فقد الولد بقرح وأي قرح، وقال تفكرها الذي كان حائك الكلام لست اليوم من ذلك الطرح، فليبسط الواقف على هذه الرحلة عذري، ويعلم السبب في كونها ليست عادة نظمي ونثري، وإذا كانت القريحة في بقايا قورحها فليت شعري أينهض سجعي وشعري، والله تعالى المسؤول أن يجمل في البقاء الصاحبي سلوة عن كل فقيد، ويصل أسبابنا أبداً بتحريره الوافر وظله المديد، ويرزقنا في شكر نعمه لساناً لفظه ذهب وذهنا بصره حديد. قلت ذكرت برحلة الشيخ جمال الدين رحمه الله تعالى إلى القدس الشريق صحبة الركاب الصاحبي الاميني رحلتي صحبة الركاب الشريف السلطاني المؤيدي سقى الله ثراه إلى البلاد الرومية وبروز أمره الشريف بذكر الفتوحات بها وتسمية البلاد واستيعاب الرحلة الشريفة في البشارة المجهزة إلى الديار المصرية وأنا لا يقرأها بالجوامع المطهرة غير مولانا شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي عظم الله شأنه فقراها بالجامع المؤيدي والأزهر في شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وثمانمائة وقد عنَّ لي أن أقرنها

стр. 332

بالرحلة النباتية فإنهما رحلتان. وهي ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي ولا زالت طرف أخبارها السارة خاطره وتشنف سمعه، وترنحه بنسمات قربنا وتجاور كريم سمعه ليأخذها بالشفعة، وإن حصل بينه وبين المسرة لبعدنا طلاق فمائلنا الشريف يبشره بالرجعة. صدرت: هذه المكاتبة تهدي إليه من أوراقها ثمرات الفتح ليتفكه بالفواكه الفتحية، وتعرب عما أبدته عربياتنا من شواهد التسهيل في فتح البلاد الرومية، فإنها رحلة مؤيدة تشد إليها الرحال، وإن كانت دول الإسلام حلة على أعطاف الدهر فهي لها من أطهر الأذيال، ونبدي لكريم علمه تجلي مخدرات الحصون بكل وجه حسن تحت عصابتها المؤيدية، واستقرار رسيسفي هذه الحلبة على قديم عادتها بين الجنائب الحلبية، وفتح قلعتها وقد حرك بابها مصراعي شفتيها وأعان بسورة الفتح جهراً، وتلت أقفاله بعدما عسرت على الغير فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، وصعدت أنفاس الأدعية من افواه مراميها فرحاً بنا وسروراً، وبدلتن صوامعها وتلك البيع بمساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، وأخلصت الطاعة لشيخ ملوك الأرض طائفتها الأرمينية، وانقطعوا في زوايا الطاعة مريدين لهذه المشيخة

стр. 333

الشريعة الصوفية، ورغب ابن رمضان في طاعتنا الشريفة فجعلنا له في ربيع حلاوة الرغائب، ورفعنا قواعد بيته الإبراهيمي وأدنيناه من أرمنة فدنا منها إلى أعلى المراتب، وتلمظت سيوفنا بحلاوة الفتح ورشفت بالسنتها في كل قطر قطرها، ففتحت اياس من بعيد لهذه الحلاوة ثغرها، وانسجمت أبياتها لما نظمت على بسيط الطاعة بحرها، ومص حصن مصيصه من رحيق هذه الطاعة فأمسى ثغره بأفواه الشكر يقبل، وبسط جبين جسره لمواطىء خيلنا فرحة وتهلل، وجانس الفتح بين اياس وبانياس، ولم ينتظم لبني كندبيت بملطية يقام له وزن ويظهر عنه إقتباس، وإنعكس هذا الأسم بعد الاستحالة ون كان مما لا يستحيل بالانعكاس، ويستجر كافرهم وقد أضرم به النار فخاطبته بلسان جمّ لا يفجم: وما هو إلا كافرٌ طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنَّمُ وفر إلى ملك عثمان فحكمنا بقتله في تلك الأرض علما إن الجهاد في أعداء الدين عند العصابة المحمدية من الفرض وسمع العصاة بطرسوس زئير آسادنا من بعيد، فأدبر مقبلهم وتخيل أنّ الموت أقرب إليه من حبل الوريد، وأعربت أبوابها بعد كسرة عن الفتح وقال أهلها إدخلوها بسلام آمنين، وأوى العصاة إلى جبل القلعة لما رأوا بعد هذا الفتح المبين، وصفع مقبلهم وجهه

стр. 334

فبصقت فيه أفواه المدافع، وحكم عليه القضاء باعتقال ولم يأت عند ذلك الحكم بدافع، وشاهد القرمانيون من سيوفنا شدة القرن فخشي كل منهم أن يصير لحماً على وضم، ورأوا ألسن السهام في أفواه تلك المرامي برأينا الصائب ناطقة، فمزقوا الأصواق من الحنق فطوقناهم بالحديد، وأحبينا الفتح المأموني برأينا الرشيد، وما خفي عن كريم علمه وقوع انتقامنا الشريف في الغادر ابن الغادر لما أدبر وقطع الله دابره، وظهور السر الإبراهيمي لما أدعى أنه نمروذ تلك الفئة الغادرة؛ كلمه بسيوفنا فأخرسه وتخبطه شيطان الرعب بمسّه ورأى فيه تلك الهمة العالية فنجا من تلك الوقعة بفرسه ونفسه، وأوى من قبل إلى جبل ليعصمه فقال له لا عاصم اليوم من أمر الله، ورماه من شاهقة في بحر عساكرنا بعد ما عض عليه بثناياه، وسمع الرعد من سيف إبراهيم ففر وقد شاهد من أصيب بصواعقه من عصاة التركمان وصدقت فيه عزائم أتراكنا وما رؤي أحد في ذلك اليومن من الترك مان وسقوا أوعار تلك الجبال من دمائهم فكادت أحجارها أن تروق وتخصب بعد المحل، وجنوا بالعسال على النصر وغنموا من الأنعام

стр. 335

مازاد في عدد أجناسه على النحل، ونقرت عنهم أوانس تلك الظباء والمتيم ينشد: لهفي لظبية أنسٍ منكم نفرت وانفطرت كبده لما رأى كواكب الحي من أفلاك تلك الصدور قد نتثرت، وسن المقر الصارمي فيهم عزمه فقطع بهذا الصارم من عواتقهم أوصالاً، وحميت نار حربه فسبكت أوانيهم من الذهب والفضة تحت وحوافر خيله نعالاً، ورخصت أنواع الديباج فكم من معدني صار مع دني، لأن قبورهم بعثرت، وتلا لسان حال الكسب على السمور وغيره من أصناف الوبر، وإذا الوحوش حشرت، وانقادت ركائبهم إلينا وبدور مواطئها في بروج تلك الجبال قد أشرقت، والناظر يتلوا متعجباً أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وكانت نار حرب القوم على المقر الإبراهيمي برداً وسلاماً، فإنه رفع قواعد بيته في ذلك اليوم وعلمنا إن الله قد جعل لإبراهيم في هذا البيت الشريف مقاماً، ورقاه في عمر الإبدار إلى بروج الكمال فأبدر فيها وسرى وأنشد لسان الحال بهذا المقال: وقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ ... إلاّ على أكمهٍ لا يعرف القمرا وإن كان شبلا فهو في المخبر كأسده، ومصارع ليوث الحرب قد جعلها الله من صغره تحت يده، ورفع له في هذا المبتدأ وسيره في الآفاق خبراً، وعلم الأعداء أن دمعهم يجري عند لقائه

стр. 336

دما وكذا جرى، وهذه المقابلة تليق بابن الغادر على قبح سريرته وغدره، فإنه أخرج أهل تلك البلاد من أرضهم بظلمه لا بسحره، وسألنا قبل ذلك في ولده وقد كره العود إليه، وألف أبوتنا الشريفة وتوطن فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن عليه، فخالف نص الكتاب ومشى في ظلم الطغيان، ولم يعمل بقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلى الإحسان، فقابلته سطواتنا الشريفة على قوله وفعله، وما حاق المكر السيىء إلا بأهله، وحلّ ركابنا الشريف بالأبليستين في العشرين من ربع الآخر فجمعنا بحصنها الزاهر بين ربيعين، وتمناها بعشر الإقامة لاستيفاء مالنا في ذمة جيرانها من الدين، فرحبت بنا وبسطت بساطها الأخضر وقالت على الرأي والعين، وألقتنا إلى درندة وما العيان من صنع الله في أخذها كالخبر، وادعت أن صخرها أصم فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر، وطلعت فيظهر الجبل كدمل فطار كل جارح من سهامنا بريشة إلى فتحها، وظنت صون من بها لعلوّ ذلك السفح فطالت سيوفنا إلى جماء القوم وسفحها، وقرعنا جبلها بسبابات المدافع وكسرنا

стр. 337

منه الثنية، وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع سهامنا المستوية، وخرَّ بحرها طائعاً فركبنا عليه سفن سور على الزحف جاسرة، وأقلعنا إلى خشب سفنها المسندة فمزقنا قلوع سائرها وخرجنا قرينها العامرة، وهذا مع الملك خطبها لنفسه وأراد أن يعرج إليها فترفعت عليه، ولم ترضه لنقص العرج أن يعلو عليها فرحل عنها ولم يحظ مني ديوان وصلها بمسموح، ولكن ساعة رؤيتها قالت بكارتها مرحباً بأبي النصر وأبي الفتوح، وتعلق سكانها بأذيال الأمان فأمناهم، ولكن كانوا في صدرها غلاًّ فنزعناهم، وجاءت مفاتيح جندروس قبل التخلص منها براعة فأحسنها الختام بدرندة، وألقينا إكسير المدافع على حجرها الذي كانغير مكرم وأحسنا التدبير في الصناعة، وسمعت كرت برت بذلك فألقت من بها من بئر معطلة، وزهت فرحت بقصرها المشيد، ووصلت مفاتيحها يوم هذا الفتح مهنئة بلسانها الحديد، وغارت عروس بهنتان من ذلك فخطبتنا لجمالها البارع، وجهزت كتابها يشهد لها بالخلو من الموانع، وهي أيضا ممن خطبها الملك لنفسه فتمنعت، وأراد السمو إلى أفقها العالي فاستسفلته وترفعت، وعوت كلابه فلقمتهم ما ثقل وزنه من أحجارها الثقال، خلافا لمن أصبح الصخر عنده بمثقال، ولعم طغرق أن سهامنا في كل

стр. 338

عضو من أعضاء العصارة جارحة، وأفواه مدافعنا في أعراض الصخور من سائر القلاع قادحة، فتبت يداه عن المنع وجنح إلى الإخلاص فسابقه باب القلعة ورفع صوته في الفاتحة وضحك ناموس ملكنا على من أدعى بكختا وكرك، ولكن أبكتهم سهامنا دما جرى من محاجر القلعتين ولم يتعثر، وقال حصن كختا إن كانت قلعة نجم عقاباً في عقاب، فالنسر الطائر يخفق تت قامتي بأجنحته أو كان الهلال قلامة لأنملتها التي علاها من الأصيل خضاب، فكي الخضيب يتيم تربي ويمسح بياض جبهته فأنا الهيكل الذي ذاب قلب الأصيل على تذهيبه، وود دينار الشمس أن يكون من تعاويذه، والشجرة التي لولا سمو فرعها تفكهت به حبات الثريا وانتظمت في سلك عناقيده، وتشامخ هذا الحصن ورفع أنف جبله وتشامم فارمدنا عيون مراميه بدم القوم وأميال سهامنا على تكحيلها تتراحم، ووصل النقب بتنقيبه عن مقاتلهم إلى الصواب، وأيقنوا أن بعده لم يضرب بيننا برسوله باب، وكان منهل مائهم عذبا فأكثرنا على منبعه الزحام، وتطفلوا على رضاع ثدي دلو فلم ترض أم المنبع بغير الفطام، وأمسى دلوهم كدلو أبي زيد السروجي لا يرجع

стр. 339

ببلَّةٍ ولا يجلب نقع غلّه، وحكم المدفع الكبير على سور القلعة فقال له السور دائم النفوذ والأحكام، وانقلبوا صاغرين إلى الطاعة وقد قابلنا أنف جبلهم بالإرغام، ورجعوا عن خليلهم الكردي لما قام لهم على جهله الدليل، وقالوا طاعة السلطنة الشريفة ما يراعي فيها من العصاة خيل، وسألونا الصفح عن حديث جهلهم القديم، وسلموا القلعة لرضا خواطرنا الشريعة فاجمعوا بذلك بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد كركر بسور القعلة فعرفناهم بلامات بين الرضا والتسليم، وتنكرت أكراد الكوكر بسور القلعة فعرفناهم بلامات القسي وألفات السهام، وعطست أنوف مراميهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلاً، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها: يهم بأصوات مادافعنا كأنّ بها زكام وتبرموا من خليلهم الكردي لما شاهدوا الخطب جليلاً، وقال كل منهم يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وأورت عاديات المدافع ب القلعة قدحا فأمست بالزلزلة مهددة وفرار من سطواتنا إلى البروج فأدركهم الموت في بروجهم المشيدة وسألنا كرديهم في جزيل ماله ليغدو بنفسه الخبيثة ويروح، فلم نرض منه على كفره إلا بالمال والروح، وسجناه في قلعته وقد أيقن بالموت وارتفع النزاع، وجهز المفتاح لتخليص دينه فحصل على سجنه الإجماع، وأمسى بها: كريشةٍ في ممرّ الريح ساقطةٍ وتمام البيت معروف عند من له عليه اطلاع وجاءت مفاتيح كل من ديار بكر وقد أزهرت باسمنا

стр. 340

الشريف أغصان منابرها، وسألت قلعتها التشريف برسول يدوس بنعله محاجرها، فأحببناها إلى ذلك وأمست بنا بعد التنكر معرفه، وصارت أبراجها بالنسبة المؤيدية مشرفة، وجهز قرا عثمان مفاتيح الرها وآمد وسأل تشريفه بتشريفهما بتقليدين يرفعان لهما في الشرف محلا، فحليناه بذلك وكان من العواطل، فحلت المطابقة باعاطل المحلى، والتهب ابن الغادر بحرارة المعصية ففر إلى برد الطاعة من غير فترة، وهز جذع مراحمنا الشريفة واعترف أنه جهل الفرق بين التمرة والجمرة، وأقر بذنوبه وقال التوبة تجب ما قبلها، ودوحة المراحم الشريفة قد مد الله على الخافقين ظلها، وعلم أنه ما أحسن البيان عن درندة في تخليص ذلك المفتاح، وسأل أن يحظى من بيان عفونا الشريف باستجلاء عروس الأفراح، فاذقناه حلاوة قربنا بعد ما ذاق مرارة بينه، وألبسناه تشريفة بنيابة الابليسين فباس الأرض وهو لا يصدق أنه يرى محاجر تلك العين بعينه، وجهزنا ولده داود بدروع من الأمن ليأمن بها من يدداود، ويتفيأ بظلال جبرنا ويصير بعد حر المعصية في ظل ممدود، وقد تقدم سؤال قيسارية أن يقام بها سوق الأمان فأجبناها، وسعرت بها نار الخوف بعدما غلت فجهزنا إليها بضائع الأمن وأرخصناها،

стр. 341

وأيقن أهلها أنهم مشوا في حدائق عدلنا على غير هذه الطريقة، وصار على سوسنة كل سنان من دمائهم شقيقة، فازلنا عنهم بإيناس عدلنا الوحشة وأمست قيساريتهم في أيامنا الزاهرة هشّة وسجعت خطباء منابرها باسمنا الشريف والدهر يهتز فرحة ويترنم: ولم يخل من أسمائنا عودُ منبرٍ ... ولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم وتقارب الاشتقاق بين سيواس وسيس فتجانسا للطاعة، ومات العصيان بتلك البلاد فقالت أرزيكاز الصلاة جامعة وصلت طائعة مع الجماعة، فلا قلعة إلا إفتضضنا بكارتها بالفتح وابتذلنا من ستائرها الحجاب، ولا كأس برج أترعوه بالتحصين إلا توجنا رأسه من مدافعنا بالحباب، حتى فصلت في الروم لعساكرنا التي هي عدد النمل قصص، وعدنا فكان العود أحمد إذ لم يبق بتلك البلاد ما تعده القدرة على الفتح من الفرص، وجاءت رسل ملوك الشرق بالإذعان لطاعتنا التي اتخذوها لشرفها قبلة، وود كل منهم أن يحظى من جبهات أعتابنا بقبله، وتنوعوا من الهدايا بأجناس صدقت من كل نوع مقبول، وبالغوا في الرقة واهدوا من الرقيق ما قام له عندنا سوق القبول، وأسفر قرا يوسف من الجمال اليوسفي ونور الطاعة عن بهجتين، وأظهر كتاب

стр. 342

الطهارة بتطهير الأرض ممن ندبنا إليه من أعداء الدولتين، ودنت الديار من الديار فكانت سيوفنا في القرب له حصنا وملاذا، ولم يباشر في إخلاص الطاعة مما يقال على إقبالها وجنينا منها ثمار المحبة، وجمل التفاصيل التي وسعها سناء الملك ببهجة ولم يترك لابنه في دار الطراز رتبه، والنمورة التي يحجم ابن فهد عن وصفها إذا قابل منها السواد والبياض بالمقلتين، فإنها جمعت لنا من ليلها الحالك ونهارها الساطع بين الآيتين، والجواد الذي تميز بأوصاف صاحب مجرى السوابق من الفحول التي تجاريها، فإنه غرة في جباه الخيل التي قال قائد الغر المحجلين: إن الخير معقود بنواصيها، والسروج التي سمت على السروجي بمقاماتها العالية، ورأيناها أهلة تغني عن الفجر فخصبنا كل سرج منها بالغاشية، والجوارح التي خشي النسر الطائر أن يصير منها واقعا وصدق فيما تفرس، وخافت الشمس لما تسمت بالغزالة ولف سرحان الأفق ذنبه على خيشومه ولم يتنفس، والقوس الذي اصاب به أغراض المحبة ونال منها أوفر سهم ونصيب، وجاء عبارة عن رأي مهديه وكل عندنا بحمد الله مصيب، وهو من الأشياء التي وقعت في محلها

стр. 343

ونحن نقيم دلائل ذلك وبرهانه فإن القوس إذا عانق سهامه بنصر علم أنه وصل إلى الكنانة، وأبلغ المقر الجمالي في نظم بديع الهداي ونسخ الجفاء بكثرة رقيقة، وأدار من أواني الصيني كؤوسا اترعها الود بسلاف رحيقه، ودخلنا حلب المحروسة وأوصلناها ما استحق لها من ديون الفتح علينا، ورددنا ما اغتصب منها فقالت هذه بضاعتنا ردت إلينا، وقد آثرنا الجناب بكرامة هذه البشارة التي استبشر بها وجه الزمان بعد قطوبه وتبسم، فإن ركن هذا البيت الشريف ونسيب مدحه المقدم، فيأخذ منها حظه ويثلج صدر البرايا ففيها لهم برد وسلام، ويرعاهم بعين الرعاية ليضوع فيهم عرف العدل ويصير مسكا لهذا الختام، والله تعالى يمتعه في ليله ونهاره من أخبارنا السارة بالأعياد والمواسم، ويجعل له من صياغة أعماله إن شاء الله حسن الخواتم،. قلت وذكرت بهذه الرحلة أيضا رحلتي من الديار المصرية إلى دمشق المحروسة المحمية سنة إحدى وتسعين وسبعمائة والملك الناصر قد خرج من الكرك ونزل عليها وتصدى لحصارها وقد اجتمعت عليه العساكر المصرية والشامية وحدث بدمشق المحروسة ما حدث من القتال والحصار والحريق فكتبت إلى مقر المرحومي الفخر القاضي ابن مكانس في شرح ذلك رسالة لم ينسج على

стр. 344

منوالها ولم تسمح على غلبة الظن قريحة بمثالها. وهي يقبل المملوك أرضا من يمَّها أو تيمم بثراها حصل له الفخر والمجد، ففلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيام العرب إلى ربا نجد، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنة لفظها فتركض في ذلك المضمار، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار، وينهي بعد اشواق أمست الدموع بها في محاجر العين معثرة، ولو لم يقر إنسانها بمراسلات الدمع لقلت قتل الإنسان ما أكفره، وصول المملوك إلى دمشق المحروسة فيا ليته قبض قبل ما كتب عليه الوصول، ودخوله غليها ولقد والله تمنى خروج الروح عند الدخول، فنظر المملوك إلى قبة يلبغا وقد طار بها طير الحمام وجثت حولها تلك الأسود الضارية، فتطيرت في ذلك الوقت من القبة والطير وتعوذت بالغاشية، ودخلت بعد ذلك إلى القبيبات التي صغر اسمها لأجل التحبب، فوجدتها وقد خلا منها كل منزل كان آنسا بحبيبه، فأشد به لسان الحال قفا نبك من ذكرى حبيب، ونظرت بعد القباب إلى المصلى وما فعلت به سكان تلك الخيام، والتفت إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام: فسال وقد وقعتُ عقيق دمعي ... على أرض المصلَّى والقباب

стр. 345

ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق بسكانه الفضا، فتوهمت أن وادي المصلى قد تبدل بوادي الفضا: فسقى الفضا والساكنيه وإن همُ ... شبّوه بين جوانحٍ وقلوب واصطليت النار وقد أرادت سبي ذلك النادي فشبت عليه من فوارس لهيبها الغارة، وركضت في ميدان الحصى فوجدت أركانه كما قال تعالى وقودها الناس والحجارة، ودخلت قصر الحجاج وقد مدت النار به من غير ضرورة في موضع القصر، وأصبح أهله في خسر وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر، وتأملت تلك الألسن الجمرية وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع تكلم السكان، وتطاولت بألسنة الأسنة الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلموا بكل لسان، ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد وقد تلا بعد زخرفة في سورة الدخان، فوجب أن أجري الدموع على وجيب كل ربع وأنشد وقد دخل صبري بعد أن كان في خبر كان: دمعٌ جرى فقضى في الربع ما وجبا ووقفت أندب عرصاتها التي فمحت بالبين فخابت من أهلها الظنون، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم يسلم فصدقت المثل بأن القمح يدور ويجيء إلى الطاحون، وتطرقت بعد ذلك إلى الحدادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد،

стр. 346

أتوني زبر الحديد، ولقد كان يوم حريقها يوما عبوسا قمطريرا، أصبح المسلمون فيه من الخفية وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا، هذا وكلما اصليت نار الحريق وشبت نار الحرب، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر فأنشدت من شدة الكرب: آهاً لمصرَ وأين مصرُ وكيف لي ... بديار مصرَ مراتعاً وملاعبا والدهر سلمٌ كيفما حاولته ... لا مثل دهري في دمشق محاربا يا مولانا لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد، وطبخت قلوب أهلها كما تقدم على نارين وسلقوا من الاسنة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية، وكم رؤي في ذلك اليوم وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلي نارا حامية، وكم رجل تلا عند لهيب بيته تبت يدا أبي لهب، وخرج هاربا وامرأته حمالة الحطب، وشك الناس من شدة الوهج وهم في الشتاء وصاروا من هذا الأمر يتعجبون، فقال لهم لسان النار أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون، ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال، وما تم على أهل دمشق في كانون لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال: يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا ... حُزني ويا شجوي ويا دائي في شهر كانون وافاه الحريق لقد

стр. 347

.. أحرقت بالنار يا كانون أحشائي ونظرت بعد ذلك إلى قلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا أزفت الآزقة؛ وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يلتون ليس لها من دون الله كاشفة؛ واستجليت عروس الطارقة عند زفها وقد تجهزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر؛ وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر؛ وغازلت بحواجب قسيها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنبال؛ وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال؛ وطلبها كل من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وسمع وهو على فرسه بنفسه الغالية؛ وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارقة علية؛ وتالله ولقد حرست بقوم لم يتدرعوا بغير آية الحرس في الأسحار؛ وقد استيقظوا الحمل قسيهم ولم تنمّ أعينهم عن الأوتار؛ فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج؛ وأحصنها القلعة بالسماء ذات البروج؛ وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات؛ فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تخليصا لما أبداه من المشكلات؛ وما أحقه بقول القائل:

стр. 348

فضائله سورٌ على المجد حائطٌ ... وبالعلم هذا السور أضحى مشرّفا كم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصرا، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدراً، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب قد تصاعد فيه أنفاس الرجال لقلت ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلاً وفارسا ليشهدوا القتال لقلت وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت، وإلى قبور الشهداء وهي من تحت أرجل الخيل قد بعثرت، وإلى كرَّ الفوراس وفرِّها لقلت علمت نفس ما قدمت وأخرتن وإلى نار النفط وقد نفطت من غيضها، وإلى ذكور السيوف وقد وضعت لمنايا السعود وتعذرت من شدة الدماء لكثرة حيضها، ومن العجائب أن بيض سيوفهم تلك المنايا السود وهي الذكور وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجو ولحق بعنان السماء، وإلى أهداب السهام وقد بكت لما تخضبت بالدماء، وإلى كل هارب سلب عقله وكيف لا وخصمه له، وإلى كل مدفع وما له عند حكم القضاء دافع، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال: عرّج ركابك عن دمشق، ونظرت بعد

стр. 349

ذلك إلى العشير وقد استحل في ذي الحجة المحرم وحمل كل قيسيٍّ يمانيا، وتقدم فخرج النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير فقلت: وغير بدعٍ للنسا ... ء إذا تنكّرن العشير وتصفحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص وزدت لله شكرا وحمدا، وتأملت أهل الباب وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين وجعلنا من بين أيديهم سدّاً، كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت إلى ما تحت القلعة من أسواق التجار فوجدت كلا قد محت النار آثاره وأهله يتلون قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، فمنهم من همُّ شأنه على صاحبته وبنيه، وآخر قد استغنى بشأن نفسه فهم كما قال الله لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد شعرت: ألا موتٌ يباع فأشتريه ونظرت إلى المؤمنين الركع السجود وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار، وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت

стр. 350

وهو يقول النجاة وطلب الفرار، وكلما دعا قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الإصطبار، ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، ونظرت ضواحي البلد وقد استدت في وجوههم المذاهب وما لهم من الضيق مخرج، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لما غلق في وجوههم باب الفرج، فقلت اللهم اجعل لهم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا، ولإنتهاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا، ولقطع الماء عنهم إلى كل خير سبيل فإنك حسبنا ونعم الوكيل، هذا وكم نظرت إلى سماء ربع غربت شمسه بعد الإشراق، فأنشدت وقد ازددت كربا من شدة الإحتراق: فدنياك من ربعٍ وإن زدتنا كربا ... فإنّك كنت الشرق للشمس والغربا وانتهيت إلى الطواقيين وقد أسبل عليهم الحريق شدته فكشفوا الرؤوس لعالم السرائر، وكم ذات ستر خرجت بفرق مكشوف ورمت العصائب وبعلها بعينه دائر، هذا وكم ناهدات أسبلن من فوق النهود ذوائبا فتركن حبّات القلوب ذوائبا، ووصلت إلى ظاهر الفراديس وقد قام كل إلى فردوس بيته فاطلع فرآه في سواء الجحيم، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدة الخوف وهي تستغيث للذي أنشأها أول

стр. 351

مرة وهو بكل خلق عليم، ونظرت إلى ظاهر باب السلامة وقد أخفت النار أعلامه، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة، وإلى الشلاحة وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أهلها الكبود، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود، ولقد والله عدمت لذات الحواس الخمس وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة، وأكلت الأنامل من الأسف لما سمعت بحريق أطراف السبعة، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته فاصفر لونه وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وتغربت إلى ظاهر الباب الشرقي فتشرقت بالدمع من شدة الالتهاب، فلقد كان أهله من دار عينه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب، وتوسلت إلى ظاهر باب كيسان فانفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت بسم الله مجراها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر محاسنها أسماء ولا الجيداء، لقد كانت ست الشام فاستعبدها

стр. 352

ملك النار حتى صارت جارية سوداء، ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال: سقى دمشق وأياماً مضت فيها ... مواطرُ السحب ساريها وغاديها ولا يزال جنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشا أراضيها فما نضا حبّها قلبي لنّيرها ... ولا قضى نحبه ودّي لواديها ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها ... ولا نسيت مبيت جار جاريها هذا وكم خائف قبل النوم أويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار، وبطل الجنك لما انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى، وكسر الدف لما خرج نهر المغنية عن المغنى، واستسمح الناس من قال: انهض إلى الربوة مستمتعاً ... تجد من الّلذات ما يكفي فالطير قد غنّى على عوده ... في الروض بين الجنك والدفّ وأصبحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره،

стр. 353

ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الباسم، ولم ينتظر لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم، رسالة من النسيم سحر به، وكيف لا وقد محى سجع المطوق من طروس تلك الأوراق النباتية، هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلما انقطع نهرها صح أنها كسرت السوار، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا: لم لا أشبِّبُ بالعيش الذي انقرضت ... أوقاتُهُ وهو بالَّلذات موصولُ ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وبردى حمي مزاجه لما شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره الأشنب برد حصائبه ما يبلّ الريق، وانقطع وقد اعتلى من غيضه بانياس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس، وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المرجة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطف الدانيات، وكسر الخلخال لما قام الحرب على

стр. 354

ساقه، وسقط براس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه، وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبة، طالما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة، فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين، ويا شوقي إلى رأس تلك المرحلة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين، هذا وقد اسودت الشقراء فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان، وجانسها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضر ذلك الميدان، يا مولانا لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء، هل في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال: قُلْ للذي قايس بين حلبٍ ... وجلّقٍ بمقتضى عيانها ما تلحق الشهباء في حلبتها ... تعثّر الشقراء في ميدانها فقال لسان الحال والله ما كذبت ولكنه قد يخبو الزناد، وقد يكبو الجواد، وقد يصاب الفارس بالعين التي

стр. 355

تغمز قناته غمزا وأنشد: ومن ظنَّ سيلاقي الحروب ... وإن لا يصاب فقد ظنّ عجزا ودخلت بعد ذلك إلى البلد فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة، فقلت با رب مكة والحرم أنظر إلى أحوال أهل المدينة، ولكن ما دخلت بها إلى حمام إلاّ وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما، واعلم القوام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرا ومقاما، وتلا على بيت ناره قلنا يا نار كوني برد وسلاما، فحسن أن أُنشد قول ابن الجوزي من الكان كان: الحار عندك بارد ... والنهر أمسى منقطع والعين لا ماء فيها ... ما حيلة القوّام وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع، تمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية، وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، وقلت هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا، ولقد صدق من قال: أرى الحسن مجموعاً بجامع جلّقٍ
следующие страницы →