← Адаб

Адаб · id 11056

ثمرات الأوراق في المحاضرات

الحموي، ابن حجة

Полный текст (543 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مرة وهو بكل خلق عليم، ونظرت إلى ظاهر باب السلامة وقد أخفت النار أعلامه، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة، وإلى الشلاحة وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أهلها الكبود، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود، ولقد والله عدمت لذات الحواس الخمس وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة، وأكلت الأنامل من الأسف لما سمعت بحريق أطراف السبعة، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته فاصفر لونه وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، وتغربت إلى ظاهر الباب الشرقي فتشرقت بالدمع من شدة الالتهاب، فلقد كان أهله من دار عينه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب، وتوسلت إلى ظاهر باب كيسان فانفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت بسم الله مجراها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر محاسنها أسماء ولا الجيداء، لقد كانت ست الشام فاستعبدها

стр. 352

ملك النار حتى صارت جارية سوداء، ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال: سقى دمشق وأياماً مضت فيها ... مواطرُ السحب ساريها وغاديها ولا يزال جنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشا أراضيها فما نضا حبّها قلبي لنّيرها ... ولا قضى نحبه ودّي لواديها ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها ... ولا نسيت مبيت جار جاريها هذا وكم خائف قبل النوم أويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار، وبطل الجنك لما انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى، وكسر الدف لما خرج نهر المغنية عن المغنى، واستسمح الناس من قال: انهض إلى الربوة مستمتعاً ... تجد من الّلذات ما يكفي فالطير قد غنّى على عوده ... في الروض بين الجنك والدفّ وأصبحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره،

стр. 353

ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم، وضاع من غير تورية عطره الباسم، ولم ينتظر لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم، رسالة من النسيم سحر به، وكيف لا وقد محى سجع المطوق من طروس تلك الأوراق النباتية، هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلما انقطع نهرها صح أنها كسرت السوار، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا: لم لا أشبِّبُ بالعيش الذي انقرضت ... أوقاتُهُ وهو بالَّلذات موصولُ ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وبردى حمي مزاجه لما شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره الأشنب برد حصائبه ما يبلّ الريق، وانقطع وقد اعتلى من غيضه بانياس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس، وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المرجة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطف الدانيات، وكسر الخلخال لما قام الحرب على

стр. 354

ساقه، وسقط براس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه، وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبة، طالما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة، فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين، ويا شوقي إلى رأس تلك المرحلة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين، هذا وقد اسودت الشقراء فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان، وجانسها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضر ذلك الميدان، يا مولانا لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء، هل في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال: قُلْ للذي قايس بين حلبٍ ... وجلّقٍ بمقتضى عيانها ما تلحق الشهباء في حلبتها ... تعثّر الشقراء في ميدانها فقال لسان الحال والله ما كذبت ولكنه قد يخبو الزناد، وقد يكبو الجواد، وقد يصاب الفارس بالعين التي

стр. 355

تغمز قناته غمزا وأنشد: ومن ظنَّ سيلاقي الحروب ... وإن لا يصاب فقد ظنّ عجزا ودخلت بعد ذلك إلى البلد فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة، فقلت با رب مكة والحرم أنظر إلى أحوال أهل المدينة، ولكن ما دخلت بها إلى حمام إلاّ وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما، واعلم القوام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرا ومقاما، وتلا على بيت ناره قلنا يا نار كوني برد وسلاما، فحسن أن أُنشد قول ابن الجوزي من الكان كان: الحار عندك بارد ... والنهر أمسى منقطع والعين لا ماء فيها ... ما حيلة القوّام وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع، تمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية، وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، وقلت هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا، ولقد صدق من قال: أرى الحسن مجموعاً بجامع جلّقٍ

стр. 356

.. وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ فإن يتعالى بالجوامع معشرٌ ... فقل لهم بابُ الزيادة مفتوح معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته، ورأيته في القبلة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته، وخفض النسر جناح الذل وود بأن يكون النسر الطائر، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر، هذا وكم نظرت إلى حجر مكرم ليس له بعد أكسير الماء جابر، واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق، ومرت حلاوة نارها بعدما ركبت طبقا عن طبق، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل، ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهّبة، ولم يبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبه الطيّبة، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضة، وأنشد لسان حاله: لو أن مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبرُ وودت العروس أن تكون

стр. 357

مجاورة لحماتها، لتبلَّ برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية وقد دخل جناتها، ونظرت إلى فوار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتجرَّا، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء ألا فاسقني خمرا، ودخلت إلى الكناسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كل ناهدة، ورثيت للنساء وقد فقدت بعد تلك النعام المائة، واستطردت إلى باب البريد فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد اعقدت من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز، ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع، وقد استعدوا بساهم من الأدعية أطلقوها عن قسيّ الركوع، مريَّشة بالهدب من جفن ساهر متصلة اطرافها بدموع، ونظرت إلى الريان من العلم وقد اشتد لفقد الماء ظمأه وتبلَّد ذهنه، حتى صار ما يعرف من أين الطريق إلى باب المياه، ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلا منهم قد راجع سهاده وطلق وسنه، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كل يوم بسنة، ونزلت في ذلك الوقت الساعات إلى الدرج في دقيقه، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوار فوجدته كأن لم يكن له حقيقة، كم

стр. 358

وردته وهو كأنه يطعن في صدر الظماء أو شجرة كدناء، وتقول إنها طوبى لما ظهرت واصلها ثابت وفرعها في السماء، أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضاء، أو عمود وفاء اشارت الناس إليه بالأصابع، أو ملك طلب السماء بودائع، حتى كان إكليل الجوزاء له من جملة الصنائع، ونسر أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبات النجوم الثواقب، أو شجاع ذو همة علية يحاول تأثراً عند بعض الكواكب، فخفض لفقد الماء منارة وخفى بعد ما كان به أشهر من علم، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرينه شمم، فقلت: لست أنسى الفوّار وهو ينادي ... غيض مائي وعطّل الدهر حالي فتمنَّيت من لهيبي بأنِّي ... اشتري غيضه بروحي ومالي فلا والله ما كانت إلا أيسر مدة حتى رجع الماء إلى مجاريه، وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ بعدما نشف ريقه في فيه، هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم، وبطلت آلتها التي كانت لها على تحريك الأوتار وجس العيدان نغم، واعتقل الرمح بسجن السلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود، وعمت مقل السيوف في أجفانها لما علمت أن الزيادة في الجد نقص في المحدود، وفاضت غدران

стр. 359

الرحمة على رياض الأمن فظهر لها من نبات حسن، فالحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وبعد فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب بأقلية والصفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السحبانية وليكون محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله أنها صدرت من قلب مكسور، وفؤاد مصدوع، وذهن ضعيف وليس لكسير ضعفه عاصم ولا نافع، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ضالع: فسيروا على سيري فإنَّي ضعيفكم ... وراحلتي بين الرواحل ضالعُ هذا وكم تولد للملوك في طريق الرمل من عقله، وكم ذاق من قطاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النصرة ليس له إلى الاجتماع وصله، وكلما زعق عليه غراب تألم لسهام البيت وفقد مصر التي هي نعم الكنانة، وأنشد وقد تحير في الرمل لفراق ذلك التخت الذي أعز الله سلطانه: من زعقة الغراب بعد الملتقى ... فارقت مصراً وبها أحبابي وفي الطريق الرمل صرت حائراً ... مروّعا من زعقة الغراب واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشام فبئس الحال وبئس الاستقبال، فو الرحمن ما وصل بها إلى مكان إلا وجده قد وقعت فيه

стр. 360

الواقعة واشتد القتال، وحصدوا سنبل الرشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس، وأداروا رحى الحرب بقلوب كالأحجار فطحنت عن ذلك الرؤوس، وأنشد لسان الحال: من كل عادٍ كعادٍ في تجبُّره ... من فوق ذات عمادٍ شادها إرمُ لا يجمعون على غير الحرام إذا ... تجمّعوا كحباب الرَّاح وانتظموا وانتهيت الغاية بالملوك إلى أنه شلح بقرب الكسوة في الشتاء وانتظرت ملك الموت وقد أمسيت: لي مهجةٌ في النازعات وعبرةٌ ... في المرسلات وفكرةٌ في أهل أتى هذا والليل قد أنطفأت مصابيح أنواره وعسعس، حتى أيقنت بموت الصبح وقلت لو كان في قيد الحياة تنفس، فذهب المملوك وقد تزود عند قسم الغنيمة بسهم، فخرج ولم يجد له تعديلا ولكنه صبر على الألم بعد ما كاد يدمى من الوهم، ولم يلق له مجيرا لما قوي ألمه وضعف منه الحيل، إلا أنه دخل تحت ذيل الليل، فوصل إلى البلد وقد ود يومه لو تبدل بالأمس، ولم يسلم له في وقعة الحرب غير الفرس والنفس، ولكنه أنشد: وتفعل الأعداء في جاهلٍ ... ما يفعل الجاهل في نفسه

стр. 361

فأعاذ الله مولانا وبلاده من تلك القيامة القائمة، وبدأ به في الدنيا ببراعة الأمن وفي الآخرة بحسن الخاتمة. قلت قد استوعبت هنا تراجم كتَّاب الإنشاء ونبذة مما تخيرته من إنشائهم وقد تعين أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشىء الكامل الأدوات من المحاسن اللائقة به وبالله المستعان. قلت قد استوعبت هنا تراجم كتَّاب الإنشاء ونبذة مما تخيرته من إنشائهم وقد تعين أن أذكر بعد ذلك ما يحتاج إليه المنشىء الكامل الأدوات من المحاسن اللائقة به وبالله المستعان. قال أبو حيان التوحيدي يجب على المنشىء أن يكون حافظاً لكتاب الله لينتزع من آياته الشريفة وأن يعرف كثيراً من السنة والأخبار والتواريخ والسير ويحفظ كثيراً من الرسائل والكتب ويكون متناسب الألفاظ متشاكل المعاني عارفاً بما يحتاج إليه ماهراً في نظم الشعر نظيف الثوب لطيف المركب ظريف الكلام ليق الدواة حاد السكين متودداً إلى الناس مخالطهم غير متكبر عليهم دمث الأخلاق رقيق الحواشي ترف الأطراف عذب السجايا حسن المحاضرة مليح النادرة غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف الألفاظ الغريبة ولا متعسف اللغة العويصة. آداب الكتابة روى الشعبي أنه قال كتب رسول الله ﵌ أربعة كتب أولها باسمك اللهم فنزلت سورة هود فيها بسم الله مجراها ومرساها فكتب بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها قل أدعو

стр. 362

الله أو ادعو الرحمن فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت سورة النمل وفيها إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتبها. وروي إن فصل الخطاب الذي أعطيه داود ﵇ أما بعد. روي أن أول من قالها كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة. وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإن التراب مبارك وهو أنجح. روي عنه ﵊ أنه كتب كتابين إلى قريتين فأترب أحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي أترب كتابها. وقال الحسن بن وهب كاتب رئيسك بما يستحق ومن دونك بما يستوجب وكاتب صديقك بما تكاتب بها حبيبك فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة. ورأيت في تذكرة الوداعي أن القاضي تاج الدين بن بنت الأعز كان إذا كتب كتاباً بدأ في ترسله بالبسملة لتعم بركتها سائر الكتاب ورمَّله ويخزن ذلك الرمل ويحترز عليه. وعن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى إني ألقي إليَّ كتبا كريم قال مختوم وفضَّ الكتاب إذا كسر ختمه. والعنوان فيه خمس لغات أفصحها عنوان وجمعه عناوين وعلوان وعلاوين والعنوان الأثر

стр. 363

وهو أثر الكتاب ممَّن وإلى من هو كما قيل: ضحوا بأشمط عنوان السجود به والقلم لا يقال له قلم إلا إذا بري وإلا فهو أنبوبة. من بديع ما سمعته في وصف القلم من النظم قول الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي منقول من خط الوداعي: تمشي اليراعة والمداد وراءها ... ظلٌّ على شمس الطروس ينوعُ عوض الغواني لو تلوح لمسلمٍ ... هذي المعاني راح وهو صريع لو لم تكن ألفاظه خطّيّةً ... ما راح سرب اللفظ وهو منيع ألفاظه رقّت بوجنة طرسه ... فكأنهّنّ وقد جرين دموع قلمٌ مسيحيُّ الخطاب لنطقه ... في المهد من يمناه وهو رضيع وغدا كليميّاً وقد ضاهى العصا ... فغدا يروق بفعله ويروع بالنقط حاكته الشموع وبالضيا ... حاكته في حلك المداد شموع قد لازم القرطاس وهو منوّرٌ ... والطلُّ يهوى الروض وهو مريع نورٌ ونوِّر خطّه وكلامه ... هذا يضيء به وذاك يضوع

стр. 364

وقال فيه وأجاد إلى الغاية: ليمناه ذو طرفٍ كحيلٍ إذا بكى ... تبسّم ثغر الخطّ من دمعه عُجْبا وقد راح مشقوق اللسان متى جرى ... بثغر الدوى المعسول أبدى اللمى العذبا قلت من قصيدة رائية: له يراع سعيدٌ في تقلُّبه ... إن خطّ خطَّاً أطاعته المقادير محبّرٌ وبتحرير العلوم إذا ... جرى يُرى منه تحريرٌ وتحبير غصنٌ عليه طيور العلم عاكفةٌ ... وجانس النَّور من أوراقه النور وأشقرٌ عينه السوداء تلحظنا ... وهدب أجفانها تلك التشاعير أو سهمُ علمٍ بأطراف السطور غدا ... مريّشاً وله في الضدّ تأثير كذا محابره سود العيون فإن ... دانت أياديه فهي الأعيُنُ الحور ويعجبني قول الشيخ شمس الدين ابن المزني في الدواة: أنا دواةٌ يضحك الجود من ... بكا يراعي جلّ من قد براه دلّوا على مثليَ من شفَّهُ ... داءٌ من الفقر فإنيّ دواه وقلت فيما يكتب على دواة فولاذ: كنانة الفضل دواتي ولها

стр. 365

.. سهمٌ يراعى نصله نفَّاذُ وأسمر الخط لديها قاصرٌ ... لأنّها على الحمى فولاذ قلت ويتعين بعد صف أقلام المنشئين والدواة وصف السكين فإنهم أنشأوا في وصف السيف والقلم وما ألموا بها وهي أحق بذلك من غيرها لقربها من القلم وقد تقدم أن أبا طاهر كمال الدين إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني إنفرد برسالة القوس، والشيخ جمال الدين بن نباته إنفرد برسالة السيف والقلم، وقد انفردت برسالة السكين. وهي يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفقر بمسنون عزائمها، وينهى وصول السكين التي قطع بها أوصال الجفا، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفا، وتالله ما غابت إلا بلغت الأقلام من تعثرها إلى الحفا، زرقاء وكم شاهدت منها البيض ألواناً خرساء، ومن العجائب أن لها لساناً لكل عنوان ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعدما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بصدق محبتها قطعا، ماضية العزم قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين، أنملة صبح تقمصت بسواد الدجى، ولسان برق إمتد في لهوات الليل، فتنكرت

стр. 366

أشعة الأنجم حتى ما عرفت منها سهيل، هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الخد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد: من أجلنا تدخل في مضايقٍ ... ليس لسيفٍ قطُّ فيها مدخل وكلّما تفعله توجزه ... والرمح في تعقيده يطول إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد إلى السيف، تنسي حلاوة العسال فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بايقاع ضربها الداخل، إن مرت بشكلها المحلى تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادله، شهد الرمح بعدالته إنها أقرب للصواب، وحكم بصحة ذلك قبل أن يتكامل لها النصاب، ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرَّحتها بإحسان، ولا طالعت كتاباً إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان، تعقد عليها الخناصر لأنها عدّة وعده، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وكلمت بحدَّه، إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبقت على الدخول، أو أبرزت من غيمة كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وباقامتها الحد حافظت الاقلام مواظبة الخمس، وكم لها من عجائب تركت جدول السيف وهو في بحر غمده غريق، ولو سمع بها من قبل

стр. 367

ضربه ما حمل التطريق، فلو عاصرها الكمال لعرك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين، فإن جذبت إلى مقاومتها كانت لك يد تمتد، وصلت السكين منك العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى ذا الحد، وهل تعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ولو لمحها الفاضل تحقق قوله إنّ خاطر سكينه كلّ، أو أدركها ابن نباتة ما أقر برسالة السيف وفل، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، ولم يقصد المملوك الإيجاز في رسالة السكين ونظمها؛ إلا لتكون مختصرة لحجمها، لا زالت صدقات مهديها تتحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي في كل وقت بما يبرىء من داء الاحتياج ويري، قلت وعلى ما وقع من الغريب في رسالة السكين يتعيَّن أن نورد ما وقع من غريب النظم في السيف فإن الشيخ جمال الدين ابن نباتة ذكر من نثره في رسالة السيف بدائع ولكنها مشهورة لتنقيب الناس عنها والاقتباس منها. قال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معد يكرب كيف تقول في الرمح قال أخوك وربما خانك فانقصف قال فالمجن قال: هو المجن وعليه تدور الدوائر قال فالنبل قال منه ما يخطىء وما يصيب قال فما تقول

стр. 368

في الدرع قال مثقلة للراجل مشغلة للفارس وأنها حصن حصين قال فما تقول في السيف قال هنالك لا أم لك يا أمير المؤمنين فعلاه عمر بالدرة وقال: لم تقل لا أم لك، قال: الحمى أصرعتني يا أمير المؤمنين: الشريف البياضي: إنّا إذا الأرواح ذابت مخافةً ... فتحنا باشطان الرماح ركابها متى ما أردنا أني ذاق حديدنا ... خلقنا بحدّ المشرفيّة فاهها وقال أبو العلاء المعري: غراراه لساناً مشرفيٍّ ... يقول غرائب الموت ارتجالا وديَّث فوقه حمر المنايا ... ولكن بعدما مسخت نمالا يذيب الرعب منه كلّ عضبٍ ... فلولا الغمد يملكه لسالا وقال النامي: ذو مدمعٍ من غير ما مستعير ... وتبسّمٍ من ثغره متوالي يريك من لألآئه متوقِّداً ... حنق المنون به على الآجال وقال الغنوي: كأنّ على إفرنده موج لجّةٍ ... تقاطر في حافاته وتجولُ حسامٌ غذاء الروح حتى كأنّه ... من الله في قبض النفوس رسول وقال وحيد الدين بن الذروري: فتقتُ بأجساد الأسود لواحظاً ... رنت للمنايا عن عيون الثعالب وأنطقت أفواهاً إلى قمم العدا

стр. 369

.. بألسنة البيض الرقاق المضارب بحيث الوغى روضٌ تغنّى ذبابه ... وسال على نور الطلا كالمذاب وقد رشفت ورد الكلوم صغاره ... وما شربت إلاّ دماء الثرائب وله: سكران من شربه خمر الدماء فإن ... حيّاه نور الطلا غنىّ لها هزجا لسان الدين بن الخطيب: وخليج هندٍ راق حسن صفائه ... حتى يكاد يعوم فيه الصيقل غرقت بصفحته النمال وأوشكت ... تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل فالصرحُ منه مُمرَّدٌ والصفح منه ... مورّدٌ والشطُّ منه مهدّل القاضي الفاضل: ولربَّ هاتفةٍ دعتهم للوغى ... جعلوا صليل المرهفات صداها هي في بحار يديه أمواجٌ ترى ... ونفوسهم من قتله غرقاها وقال ابن قلاقس وأجاد: أسهرتهم وشعرتها فجموعهم ... مذ أحرمت في راحتيك حرامُ وكلاهما جفنٌ منعت قراره

стр. 370

.. لكنَّ ذا عضبٌ وذاك سنام وقال ابن سناء الملك: له منصل لا ينقضي فرض حجّه ... فبالضرب لبّى حين بالنسك أحرما تنسَّك بالإسلام لكنْ رأيته ... يحلّ له في الشرع أن يشرب الدما فكم سلّ لما سُلّ من بطن غمده ... لسان دمٍ من ضربةٍ خلقت فما مجير الدين بن تميم: لما قنيت من الصوارم أعوجاً ... يجري القضاء بنهره المتوّجِ جبت القفار وما حملت أوانياً ... للماء من ثقتي بنهر الأعوج وقال الغزي: وقد سلب الطعن الأسنّة لونها ... فعصفر في اللبّات ما كان أزرقا وأسيافنا في السابغات كأنهّا ... جداول تجري بين زهرِ تفتّقا ابن خفاجة: موسّدٌ تحت ظل السيف تحسبه ... مستلقياً فوق شاطىء جدولٍ ثملا جمال الدين بن نباتة: وصارمٍ كعباب الموج ملتطمٍ ... يكاد يغرق رائيه ويحترقُ لما غدا جدولاً يُسقى المنون به ... أضحى يشفُّ على حافاته العلق

стр. 371

برهان الدين القيراطي: قومٌ مناديلهم بيضٌ فكم مسحت ... رقاب اعدائهم تلك المناديلُ وقلت: وسيفٍ له في الحرب حسن تغزّلٍ ... إذا ما رآني قد علوت على نهد فكم خدَّ فوق صدرٍ مدرّعٍ ... فبان إحمرار الورد في ذلك الخدِّ وكم مال قدٌّ في الوغى ميل معجبٍ ... فقابله ذاك المهنّد بالقدِّ وكم أعجموا ألفاظهم ساعة اللقا ... فكلّمهُمُ ذاك المهنّد بالهندي وقلت وقد وجب أن نذكر هنا ما وقع بع السيف من غريب النظم في الرمح. ذكر القاضي الرشيدي ابن الزبير في كتابه العجائب والطرف أنه كان في خزانة السلاح أيام السفّاح خمسون ألف درع وخمسون ألف سيف وثلاثون ألف جوشن ومائتا ألف رمح. وقال الفضل بن الربيع لما ولي الأمين الخلافة سنة ثلاث وتسعين ومائة أمرني أن أحضر ما في خزانة السلاح فكان من السيوف المحلاة بالذهب عشرة آلاف وخمسون ألف سيف للشاكرية والغلمان ومائة وخمسون ألف رمح ومائة ألف قوس وألف

стр. 372

جوشن ومائة ألف وخمسون ألف ترس وأربعة آلاف سرج محلاة بالذهب وثلاثون ألف عامة انتهى. قلت يعجبني قول القاضي في بيت من قصيدة؟ أمتصل الرمح الطويل بكوكبٍ ... من ذا يطاعن والسِّماك سنانُ ومثله في الحسن قول ابن سناء الملك: ملوكٌ يحوزون الغنائم عنوةً ... بسمر العوالي أو ببيض القواضب رماح بأيديهم طوالٌ كأنّما ... أرادوا بها تنقيب درِّ الكواكب ابن قلاقس وأجاد: وقد كَحَلتْ بأميال العوالي ... أساةُ الحرب أحداق الدروع وشبّ الباس نيران المواضي ... واسبل غيث أمواه النجيع فللفرسان من محلٍ ووحل ... حديثٌ عن مصيفٍ أو ربيع ويعجبني أيضا قول القاضي الفاضل من قصيدة: فيا عجباً للملك قرّ قراره ... بمختلفاتٍ من قتال السواحر طواعن أسرارِ القلوب نواظرٌ ... كأنّك قد نصّلتها بنواظر ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب وأجاد:

стр. 373

وبكل أزرق إن شكت ألحاظه ... مرة العيون فبالعجاجة تكحلُ متاوِّدٌ أعطافه في نشوةٍ ... مما يعلُّ من الدماء وينهل عجباً له أنّ النجيع بطرفه ... رمدٌ ولا يخفى عليه مقتل السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين بن الآمدي: غصونٌ بها طير النفوس تنافرت ... وعهديَ أنّ الطير للغصن يألفُ فلا وَرَقٌ إلاّ من التبر حولها ... ولا زَهَرٌ إلاّ من النصر يقطف ابن نباتة السعدي: وولّوا عليها يقدمون رماحنا ... وتقدمها أعناقهم والمناكبُ خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب قلت رسم كافل المملكة الشريقة الشامية وهو المقر المرحومي العلائي تغمده الله برحمته ورضوانه للفضلاء بدمشق المحروسة وغيرهم من الفضلاء بالبلاد الشامية أن ينظموا أبياتاً تكتب على أسنّة الرماح وتكون عدة الأبيات أربعة. فنظم المقر المرحومي الفتحي بن الشهيد قوله: إذا الغبار علا في الجوّ عاثره ... فأظلم الجوّث ما للشمس أنوارُ هذا سناني نجمٌ يستضاء به ... كأنّه علم في رأسه نار والسيف إن نام ملء الجفن في غلقٍ

стр. 374

.. فإنّني بارزٌ للحرب خطّار إنّ الرماح لأغصانٌ وليس لها ... سوى النجومِ على العيدان أزهار ونظم الرئيس شمس الدين بن المزين: أنا أسمرٌ والراية البيضاء لي ... لا للسيوف وسل من الشجعان لم يحلُ بي عيش العداة لأنني ... نوديت يوم الجمع بالمرّان وإذا تفاهمت الكماة بجحفلٍ ... كلّمتهم فيه بكلِّ لسان فتخالهم غنماً تساق إلى الردى ... قهر المعظم سطوة الجوبان ونظم المقر المرحومي وهو إذ ذاك كاتب السر بحمص المحروسة: عروسُ سناني حين تجُلى على العدا ... وتظهر تبدي ما لهم من بواطنِ وقد صيغ من همٍّ فبين صدورهم ... مجالٌ له رحبٌ فسيح المواطن سيلقون يوم الجمع غبناً لموتهم ... بطعني ويوم الجمع يوم التغابن وإن شهدوا بالجور فّي وعدّلوا ... فإنِّيَ قد بيّنت فيهم مطاعني ونظم قاضي القضاة صدر الدين ابن الآمدي سامحه الله: النصرُ مقرونٌ بضرب أسنَّةٍ ... لمعانها كوميض برقٍ يشرقُ سبكت لتسبك كلَّ خصمٍ ماردٍ

стр. 375

.. وتطرّقتْ لمعاندٍ يتطرّقُ زرقٌ تفوق البيض في الهيجا إذا ... يحمرُّ من دمه العدوّ الأزرق ينسخن بوم الحرب كلِّ كتيبةٍ ... تحت الغبار فنسخُهُنَّ محقَّق وقلت: أنا رمحٌ ورمح الأفق يخشى ... من سموّي إليه يوم الطعان وإذا أنكروا عدالة قدّي ... يوم حكمٍ جرحتهم بلساني وسناني كالبرق بل صار منه ... قلب سيف البروق في خفقان رمحه للرّدين ينسب لكنْ ... صاح لما علاه ذا بالسنان مجير الدين بن تميم: لو كنت تشهدني وقد حمي الوغا ... في موقفٍ ما الموت فيه بمعزل لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دماً من تحت جنح القسطل ابن شرف القيرواني: وقد وخطت أرماحهم مفرق الدُّجى ... فبان بأطراف الأسنّة شائبا ذكر الثعالبي في لطائف المعارف أن أول من عمل السنان من حديد ديرون الحميري وإليه تنسب الرماح اليزنية وإنما كانت أسنة العرب من صياصي البقر. قلت لم يبق بعد السيف والرمح غير اقوس

стр. 376

لو أن رسالة القوس مشتملة بكاملها على إصابة الغرض لأثبتها هنا ولكن جمع في نظم عقدها بين الجوهر والعرض وبراعة استهلالها غاية لا تدرك. وهي ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنّا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا. ومن غاياتها بعد ذلك قوله منها صورة مركبة ليس لها من تركيب النظم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. وممن أصاب الغرض بالغازه في القوس الشهاب الأعزازي بقوله: ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عمراً ... طويلاً وتتّقيها الرجالُ قد علا جسمها صفارٌ ولم تشك ... سقاماً ولا عراها هزال ولها في البنين سهمٌ وقسمٌ ... وبنوها كبارُ قدرٍ نِبَال صفي الدين الحلى ملغزاً فيه: وما اسمٌ سراه في البروج وإنّما ... يحلُّ به المريخ دون الكواكب إذا قدَّر الباري عليه مصيبةً ... عدته وحلت في صدور الكتائب الشيخ بدر الدين بن الصاحب: لله مملوكٌ إذا ... ما قام في الشغل اعترضْ

стр. 377

لكنّه في ساعةٍ ... محصِّلٌ لك الغرض ومن الغايات التي لا تدرك لغز قاضي القضاة صدر الدين ابن الآدمي رحمه الله تعالى في الستوران ما رفق: ما رفيقٌ وصاحبٌ لك تلقاه ... معيناً على بلوغ المرامِ هو للعين واضحٌ وجليٌّ ... وتراه في غاية الإبهام قلت ومن نظمي في القوس: قوسي إذا جذبته يطربني ... بجسِّ عوده وتحريك الوترْ ونجم ذاك السهم إن فوَّقته ... يرى له في طارة البدر أثر الشيخ جمال الدين ابن نباته: فديتك أيُّها الرامي بقوسٍ ... ولحظٍ يا ضنى قلبي عليه لقوسك نحو حاجبك انجذابٌ ... وشبه الشيء منجذبٌ إليه قلت لم يبق بعد وصف آلة الحرب وصف غير الخيل المسوّمة التي لا بد لفحول كتاب الإنشاء من الجولان في ميدان وصفها ومجرى السوابق الذي جمعته في هذا الباب قد تقدم في الجزء الأول من بلوغ المراد ولكن إذا كنت منشىء دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية

стр. 378

المحروسة يتعين عليَّ أن أورد هنا لكتاب الإنشاء من فقه هذا الفن ما يحتاجون إلى معرفته. قلت السجع مأخوذ من سجع الحمام واختلف فيه هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أم لا فمنهم من منعه ومنهم من أجازه والذي منع تمسك بقوله تعالى كتاب فصلت آياته فقال قد سماه فواصل فليس لنا أن نتجاوز ذلك والسجع ينقسم إلى أربعة أقسام المرصع والمطرف والمتوازي والمشطر. فالمرصع عبارة عن مقابلة كل لفظة من صدر البيت أو فقرة النثر بلفظة على وزنها ورويها وهو مأخوذ من مقابلة العقد في ترصيعه ومن أمثلته الشريفة في الكتاب العزيز إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ومثله قوله تعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ومنه قول الحريري في المقامات يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع الأسماع بزواجر وعظه. واالمطرَّف هو أن يأتي المتكلم في آخر كلامه أو في بعضه بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية ولا محصورة في عدد معين بشرط أن يكون روي الأسجاع روى القافية كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً. وكقولهم جنابه محط الرحال ومخيم الآمال.

стр. 379

ومن أمثلته الشعرية قول أبي تمام: تحلَّى به رشدي وأثرتْ به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي الثالث المتوازي وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة مع نظيرتها في الوزن والروي كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة. ومنه قول النبي ﷺ اللهم أعط منفقا خلفاً وأعط ممسكاً تلفا. ومنه قول الحريري في المقامات: وأودى بي الناطق والصامت ورثى لي الحاسد والشامات انتهى. القسم الرابع السجع المشطر وهو أن يكون لكل نصف من البيت قافيتان مغايرتان لقافيتي النصف الآخر ولكن هذا القسم مختص بالنظم كقول أبي تمام يمدح أمير المؤمنين المعتصم رحمهما الله تعالى: تدبير معتصمٍ بالله منتقمٍ ... لله مرتقبٍ في الله مرتغبِ انتهى باب السجع قلت وقالت علياء هذا الفن إن قصر الفقرات في الإنشاء يدل على قوة المنشىء وأقل ما تكون من كلمتين كقوله تعالى يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب العزيز لكن الزائد على ذلك هو الأكثر. وكان بديع الزمان يكثر من ذلك كقوله: كميت نهدٌ كأنّ راكبه في مهد يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر لكن قالوا التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر

стр. 380

لتشوقه إلى ما يرد منه متزايداً على سمعه انتهى. وأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة فإن زادت القرائن على اثنتين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليتين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية على الأولى يسيراً والثالثة على الثانية فلا بأس ولكن لا يكون أكثر من المثل مثاله في القرينتين قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئاً إذا تكاد السموات ينفطرون منه تنشق الأرض وتخر الجبال هذا فالثانية أطول من الأولى. ومثاله في الثالثة قوله تعالى وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيُّظاً وزفيراً وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبورا. ومن فوائد الإنشاء أن تكون كل فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى لأن اللفظ إذا كان من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى لم يحسن كقول الصاحب بن عباد في وصف منهزمين طاروا واقين بظهورهم صدورهم وبأصلابهم نحورهم فالظهور بمعنى الأصلاب والصدور بمعنى النحور. ومنه قول الصابىء يسافر رأيه وهو دان لا يبرح ويسير وهو باق لا ينزح فلا يبرح، فلا يبرح ولا ينزح

стр. 381

بمعنى واحد ويسافر ويسير كذلك. ومن فوائد الإنشاء التي يتسع فيها المجال على المنشىء أن السجع مبني على الوقف وكلمات الإسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الإعجاز موقوفاً عليها لأن الغرض أن يجانس المنشىء بين القرائن ويزاوج ولا يتم له ذلك إلا بالوقف إذا لو ظهر الأعراب لفات ذلك الغرض وضاق المجال على قاصده فإن قافية السجعة، إذا كانت في محل نصب وأختها في محل رفع ساوى بينهما السكون وصار الإعراب مستتراً فلو أثبتوا الإعراب في قول من قال ما أبعد ما فات وما أقرب ما هو آت للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة والثانية مكسورة منوَّنة فيفوت غرض المنشىء. ومن ذلك أن السجع مبني على التغيير فيجوز أن يغير لفظ القافية الفاصلة لتوافق أختها فيجوز فيها حالة ازدواج ما لا يجوز فيها حالة الإنفراد. فمن ذلك الإمالة فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء وما هو من ذوات الواو فتمال التي هي من ذوات الواو وتكتب الياء حملاً عن ما هو من ذوات الياء لأجل الموافقة كقوله تعالى والضحى فالضحى أميلت وكتبت بالياء حملا على ما في السورة الشريفة من ذوات الياء لأجل الموافقة. وكذلك سورة والشمس وضحاها

стр. 382

أميلت فيها ذوات الواو وكتب بالياء حملا على ما فيها من ذوات الياء. ومن حذف المفعول نحو قوله تعالى: ما ودعك ربك وما قلى الأصل وما قلاك ولكن حذفت الكاف لتوافق الفواصل. ومن ذلك صرف ما لا ينصرف كقوله تعالى قواريراً وصرفه بعض القراء السبعة ليوافق فواصل السورة الشريفة ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز لوجده كثيراً. ومما جاء في ذلك في الحديث قوله ﷺ أعيذه من الهامة والسامة ومن كل عين لامة الأصل عين ملمة. ومنه قوله ﷺ مأزورات غير مأجورات الأصل موزورات بالواو لأنه من الوزر ولكن همز ليوافق مأجورات. ومنه قوله ﷺ دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم الأصل ما وأدعوكم ولكن حذفت الألف لتحصل الموافقة. قلت وهذا نوع من المشاكلة لأن المشاكلة في اللغة هي المماثلة وهي في المصطلح ذكر الشيء بغير لفظه لموافقة القرائن ومشاكلتها كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فالجزاء عن السيئة في الحقيقة غير سيئة والأصل وجزاء سيئة عقوبة. ومنه قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم

стр. 383

ما في نفسك والأصل تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك لأن الحق تعالى وتقدس لا تستعمل لفظة النفس في حقه إلا أنها استعملت هنا للمماثلة والمشاكلة كما تقدم. ومنه قوله تعالى ومكروا ومكر الله والأصل وأخذهم الله. وفي الحديث قوله ﷺ : فإن الله لا يملُ حتى تملوا الأصل فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا من مسئلته فوضع لا يمل موضع لا يقطع لأجل المشاكلة وهو مما وقع فيه لفظه المشاكلة أولاً. ومنه قول الشاعر: قالوا اقترحْ شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبّةً وقميصا أراد خيّطوا لي جبة وقميصا وذكره بلفظ اطبخوا لوقوعه في صحبة طبخة انتهى. قلت ومن غايات الإنشاء البلاغة في المقاصد والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده مع إيجاز بلا اخلال وإطالة من غير املال. والفصاحة خلوص الكلام من التعقيد وقيل البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ. يقال معنى بليغ ولفظ فصيح والفصاحة خاصة تقع في المفرد يقال كلمة فصيحة ولا يقال كلمة بليغة ففصاحة المفرد خلوصه من التعقيد وتنافر الحروف والفصاحة أعم من البلاغة لأن الفصاحة تكون صفة الكلمة والكلام يقال كلمة فصيحة وكلام فصيح والبلاغة لا يوصف بها إلا الكلام فيقال كلام بليغ ولا يقال

стр. 384

كلمة بليغة واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال متكلم فصيح بليغ. فمن الإنشاء البليغ الفصيح قول عبد الحميد عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة وتصحوا من هذه السكرة فسينصب السيل وتمحى آية الليل. ومثله قول أبي نصر العتبي: دبَّ الفشل في تضاعيف أحشائهم وسرى الوهن في تفاريق أعضائهم فجيوب الأقطار عنهم مزرورة مجرورة. ومثله قول الصابئ نزع به شيطانه وامتدت في الغيّ أشطانه. ومثله قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره فقد سمعت خبره والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره. ومثله قول القاضي الفاضل ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب وعقاب في عقاب وهامة له الغمام عمامه وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال له قلامه. قلت ويعجبني في هذا الباب من انشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: كَشْفُ الأزار في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف وأروع للعدا من سلَّة سيف. ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قِرَبها،

стр. 385

والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الإرتواء من قلبها، والحماة ما منهم إلاّ من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه والأبطال ليس فيهم من يسأل عن عدد عدوه بل عن مكانه. ومثله في الحسن ما كتبت به جواباً عن مولانا السلطان الملك المؤيد سقى الله ثراه إلى قرا يوسف ملك العراق يتضمن خطاب الإيناس نظير ما خطب في مكاتبته. فمن الجواب قولي: وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقران يقول أنا يوسف وهذا قد من الله علينا، وقد سرتنا الإشارة الكريمة بالتمكن من أرض العدا ومطابقة الطول بالعرض وهذا الأسم قد شملته العناية قديما بقوله تعالى: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض وأما قرا عثمان فقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا ما ذكرت توبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا من برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلاً فلا بد لأجل المقرّ أن نخيم عليه، وينزل سلطان قهرنا بأرضه ويغرس فيها عيدان المران، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لإشغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخارج وإيقاع

стр. 386

الضرب الداخل من جس العيدان في كل خارج، ويدهمه من ابن أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدُّهم، ورد الجموع الصحيحة إلى لتكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء عذرت بورق الحديد الأخضر مردهم، إذا امتدوا إلى آمد تلا لهم حصنها في سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لسكانها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت حصونهم في الواقعة، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي فرقها الله أيدي سبأ، وكم سئل سائل وقد رآهم في النازعات عن ذلك العصر بالنبأ، وقد أشار منشىء دولتنا الشريفة إلى ذلك في قصيد كامل بحره والقصد هنا من أبيات ذلك القصيد قوله: يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامِرُ والله إنَّ الله نحوك ناظرٌ ... هذا وما في العالمين مناظر زحف على المخون نظّم عسكراً ... وأطاعه في النظم بحرٌ وافر فانبتّ منه زحافه في وقعةٍ ... يا من بأحوال الوقائع شاعر وجميع هاتيك البغاة بأسرهم

стр. 387

.. دارت عليهم من سطاك دوائر وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفةً ... فكأنّ هاتيك السروج مقابر وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا واشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق بهم المكر السيىء فأجابهم الصدى، ولم يكن في حرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة، حتى أظهرنا بألوان الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان البصرة، وأخذوا سريعاً بشان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المعامع، وقد اسبغ الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهر لمحراب بهجة إلا بهاتين القبلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل إلى غير نحوهما ما علمت، فقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كؤوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة ولهذه الأحكام عندنا عمدة، وقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب المحبة ليس عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطورها في رقاع الأخوة محققة، وتصديق ما يقصده في كريم جوابه فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة،

стр. 388

والله تعالى يمتع الأبصار والأسماع بمشاهدة أمثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهيِّ ثماره، إن شاء الله تعالى انتهى ما دنت قطوفه من ثمرات الأوراق، وحلا في الأذواق السليمة وراق. وهذا ذيل ثمرات الأوراق للإمام تقي الدين بن حجة رحمه الله تعالى وهي محاضرات لا يستغني عنها وعلي يعول فلذلك ألحقت بالأصل في الطبع وجعلت تتمة للأول. بسم الله الرحمن الرحيم يحكى أن هارون الرشيد حج ماشيا وإن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى غادر وكانت أحظى الناس عنده وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء فغنت يوما وهو مع جلسائه على الشراب إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب فقال الجلساء ما شأنك يا أمير المؤمنين قال قد وقع في قلبي إن جاريتي غادر يتزجها أخي هارون بعدي فقالوا يطيل الله بقاء أمير المؤمنين وكلنا فداؤه فقال ما يزيل هذا ما في نفسي وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه فلم يقنع بذلك وقال لابد أن تحلف لي قال أفعل وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحجٍّ وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن ثم قام فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك ولم يلبث إلا شهراً ثم مات فلما أفضت الخلافة إلى هارون أرسل إلى

стр. 389

الجارية يخطبها فقالت يا سيدي كيف وبما أيمانك فقال أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك فتزوجها وحجَّ ماشياً ليمينه وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تنتبه فبينما هي ذات ليلة نائمة غذ انتبهت فزعة فقال لها مالك قالت رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول: أخلفتِ وعدك بعدما ... جاورتُ سكان المقابرْ ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الكذب الفواجر فظللت في أهل البلاد ... وعدت في الحور الغرائر ونكحت غادرةً أخي ... صدق الذي سمّاك غادر لا يهنك الألف الجديد ... ولا تدرّ عنك الدوائر ولحقت بي قبل الصَّباح ... وصرتِ حيث غدوت صائر والله يا أمير المؤمنين فكأنها مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة فقال الرشيد هذه أضغاث أحلام فقالت كلا والله ما أملك نفسي وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة. وحكى ابن أبي حجلة في كتابه سلوك السنن إلى وصف السكن أخبرني شمس الدين محمد بن فراج

стр. 390

الحسيني أخبرنا شيخنا أثير الدين أبو حيان أنبأنا فتح الدين بن الدمياطية قال رأيت في النام شيخاً حسن الصورة والمشية وعليه مزدوجة وكأنا نمشي في طريق وأنا راكب دابة فقلت له رافقني فقال ليس الماشي برفيق الراكب فقلت إركب أنت وأمشي أنا فقال المسئلة بحالها ثم أفضنا في الحديث فسألني ما صنعتك فقلت كاتب فقال كاتب إحسان أو كاتب إنشاء فقلت شيء من هذا وشيء من هذا فقال ما يدَّعي دعواك عبد الرحيم ولا عبد الحميد ثم قال هل تنظم الشعر قلت نعم قال أنشدني وكنت قد عملت قصيداً حجازياً وكنت أستجيده فأنشدته إلى أن بلغت قولي: تركوا بماء النيل ماءً سلسلاً ... وترشّفوا ماء الثمار مكدّرا فقال لي لا شيء فقلت لم قلت ذلك وما عيب هذا البيت فقال لو قلت صافياً لكان حسناً وكان طباقا لأن الكدر يقابله الصافي قلت له هذا حسن فمن أنت يرحمك الله قال أبو مرة قلت لا خير ولا مير قال بك ثم بعد ذلك بشهر رأيته في المنام على الهيئة المتقدمة فسلم عليَّ سلام من يعرفني ثم قال هل تعرف من الشعر الميشوم شيئاً قلت نعم قال فأنشدني وكنت قد عملت قطعة شعر حال ضعفي بالنزلة فأنشدته إياها: لله ما أشكوه من نزلةٍ ... قد ضرَّ منها ضيق أنفاسي ومن صداع ضقت ذرعاً به
следующие страницы →